يَجُوزُ بَيع دُودِ الْقَزِّ وَبِزْرِهِ، و (1) بَيع النَّحْلِ مَعَ الكُوارَاتِ، وَمُنْفَرِداً عَنْهَا، وَبَيْعُ الْمُرْتَدِّ وَالْجَانِي (2)، وَيَجُوزُ بَيع الْمُصْحَفِ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
وَعَنْهُ: لا يَجُوزُ.
وَهَلْ يُكْرَهُ شِرَاؤُهُ وَإِبْدَالُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ عُلْوَ بَيْتٍ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ بُنْيَاناً مَوْصُوفاً.
فَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ غَيْرَ مَبْنيٍّ، جَازَ -أَيْضاً- إذَا وُصِفَ الْعُلْوُ مِنْهُ وَالسُّفْلُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَمَرّاً في دَارٍ، وَمَوْضِعاً في حَائِطٍ يَفْتَحُه
ُ بَاب
اً، وَيَفْتَحُهُ بِحُقُوقِهَا مِيزَاباً لِلْمَطَرِ.
وَهَلْ يَجُوزُ بَيع لَبَنِ الآدَمِيَّاتِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
12
فَصْلٌ في الْبُيُوعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا
فيمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: "أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنِ الْمُلامَسَةِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ ثَوْبِي هذَا عَلَى أَلَّا تُقَلِّبَهُ، وَلكِنْ إذَا لَمَسْتَهُ، وَقَعَ الْبَيْعُ.
وَعَنِ الْمُنَابَذَةِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَيُّ ثَوْبِ نَبَذْتَهُ إِلَيَّ، فَقَدِ اشْتَرَيْتُهُ بِكَذَا وَكَذا 1.
وَعَنِ الْمُزَابَنَةِ وَهُوَ بَيْعُ الرُّطَبِ في رُؤُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ.
وَعَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَهُوَ بَيْعُ الْحَبِّ في سُنْبُلِهِ بِجِنْسِهِ 2.
وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ وَهُوَ مَجْهُولٌ إِلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ 3.
وَنَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَعَنْ ثَمَنِ الدَّمِ 1.
وَعَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ" 2.
وَقَالَ: "لا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ" 3، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِمَنِ اشْتَرَى سِلْعَتَهُ بِعَشَرَةٍ: أَنا أُعْطِيكَ مِثْلَهَا بِتِسْعَةٍ، فَيَفْسَخُ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ، وَيَشْتَرِي سِلْعَتَهُ.
وَقَالَ: "إِنَّ اللهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ"، قَالُوا: يَا رَسُولِ اللهِ! أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ؛ فَإِنَّهَا تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ 4 بِهَا النَّاسُ؟ قَالَ: "لا، هُوَ حَرَامٌ" 5.
وَنَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ 6.
وَرَوَى مُسْلِمٌ: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: اِرْمِ هذِهِ الْحَصَاةَ، فَعَلَى أَيِّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ، فهُوَ لَكَ بِكَذَا، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ مِنْ هذِهِ الضَّيْعَةِ بِمِقْدَارِ مَا تَبْلُغُ هذِهِ الْحَصَاةُ إذَا رَمَيْتَهَا بِكَذَا.
وَعَنْ بَيْع الْغَرَرِ، وَقِيلَ: هُوَ بَيْعُ الطَّيْرِ في الْهَوَاءِ، وَالسَّمَكِ في الْماءِ 1.
وَعَنْ بَيْع الصُّبْرَةِ لا يُعْلَمُ كَيْلُهَا بِالتَّمْرِ 2.
وَقَالَ: "لا يَسُمِ الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ أَخِيه" 3.
وَنَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ سِنينَ 4.
وَمِنْ صَحِيحِ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ 5 في بَيْعَةٍ 6، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ بِعَشَرةٍ صِحَاحٍ، أَوْ بِأَحَدَ عَشَرَ مُكَسَّرَةٍ،
أَوْ بِخَمْسَةٍ نَقْداً، أَوْ بِعَشَرَةٍ نَسِيئَةً.
وَقَالَ: لا يَحِلُّ بَيْعٌ وَسَلَفٌ، وَهُوَ أَنْ يَبِيعَهُ بِشَرْطِ أَنْ يُسْلِفَهُ، وَلا شَرْطَانِ في بَيْعٍ، وَلا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَلا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ 1.
وَنَهَى عَنِ الْمُعَاوَمَةِ 2، وَنَهَى عَنِ الثُّنْيَا إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ 3.
وَفي السُّنَنِ: نَهَى عَنْ شرَاءِ مَا في بُطُونِ الأَنْعَامِ حَتَّى تَضَعَ، وَعَمَّا في ضُرُوعِهَا إِلَّا بِكَيْلٍ، وَعَنْ شرَاءِ الْعَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ، وَعَنْ شرَاءِ الْمَغَانِمِ حَتَّى تُقَسَّمَ، وَعَنْ شِرَاءِ الصَّدَقَاتِ حَتَّى تُقْبَضَ 4، وَعَنْ بَيْعِ الْفَائِضِ 5، وَعَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ 6. = بيعة، والنسائي (4632)، كتاب: البيوع، باب: بيعتين في بيعة، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
وَهذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَمْ يُشْرَطْ فِيهِ الْقَطْعُ.
فَهذِهِ الْبُيُوعُ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "لا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلا تَنَاجَشُوا، وَلا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلا تُصَرُّوا الْغَنَمَ" 1.
فَهذِهِ الْبُيُوعُ صحِيحَةٌ، وَيَثْبُتُ بِالْخِيَارِ فِيهَا، إِلَّا بَيْعَ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ بِخَمْسِ شَرَائِطَ: أَنْ يَحْضُرَ الْبَدَوِيُّ لِيَبيعَ سِلْعَتَهُ بِسِعْرِ يَوْمِهَا، وَبِالنَّاسِ حَاجَةٌ إِلَيْهَا، وَالْبَادِي جَاهِلٌ بِسِعْرِها، وَيَقْصِدَهُ الْحَاضِرُ.
فَأَمَّا شِرَاءُ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي، فَيَصِحُّ.
وَلا تَصِحُّ الْبُيُوعُ في وَقْتِ النِّدَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
وَفي الْهِبَةِ وَالإِجَارَةِ وَالنِّكَاحِ وَجْهَانِ.
وَلا بَيْعُ السِّلاحِ في الْفِتْنَةِ، أَوْ لأَهْلِ الْحَرْبِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ مَعَ التَّحْرِيمِ.
= صلاحها، والترمذي 1228)، كتاب: البيوع، باب: ما جاء في كراهية بيع الثمرة، وابن ماجه (2217)، كتاب: التجارات، باب: النهي عن بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
فَصْلٌ
وَلا يَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَ في الْبَيْعِ بَيْنَ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ، فَإِنْ فَعَلَ قَبْلَ الْبُلُوغِ، فَالْبَيْعِ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَلا يَصِحُّ شِرَاءُ الْكَافِرِ لِلرَّقِيقِ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ كَانَ بما يُعْتَقُ عَلَيْهِ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَلا يُبَاحُ بَيْعُ مَا لا مَنْفَعَةَ فِيهِ، أَوْ مَا يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِهِ؛ كَالسِّرْجِينِ النَّجِسِ، وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ الَّتِي لا تَصْلُحُ لِلِاصْطِيَادِ، وَلا بَيْعُ مَا لا يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَلا بَيْعُ رِباعِ مَكَّةَ، وَلا إِجَارَةُ دُورِها.
وَعَنْهُ: يَجُوزُ ذلِكَ.
فَأَمَّا سَوَادُ الْعِرَاقِ، فَإِنَّ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَقَفَهُ عَلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَقَرَّهُ في يَدِ أَرْبَابِهِ في الْخَرَاجِ الَّذِي ضَرَبَهُ يَكُونُ أُجْرَةً لَهُ في كُلِّ عامٍ، وَلَمْ يُقَدِّرْ مُدَّتَهُ؛ لِعُمُومِ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ، فَلا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلا شِرَاؤُهُ.
وَعَنْهُ: أَنَّهُ كَرِهَ بَيْعَهُ، وَأَجَازَ شِرَاءَهُ.
فَأَمَّا إِجَارَتُهُ، فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ؛ (1 لأَنَّهُ مُسْتَأجَرٌ في يَدِ أَرْبَابهِ بالْخَرَاجِ، وَإِجَارَةُ الْمُسْتَأْجَرِ جَائِزَةٌ 1.
وَكَذلِكَ أَرْضُ الشَّامِ وَنَحْوِهَا مِمَّا فُتِحَ عَنْوَةً.
وَلا يَجُوزُ بَيْعُ مَعْدُومٍ إِلَّا في السَّلَمِ، وَالإِجَارَةُ رُخْصَةٌ، وَلا يَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ مَا عَدَاهُ؛ كَالْعُيُونِ، وَنَضْحِ الْبِئْرِ، وَلا بَيْعُ مَا في الْمَعَادِنِ الْجَارِيَةِ؛ كَالْقِيرِ وَالْمِلْحِ وَالنِّفْطِ.
وَمَنْ أَخَذَ مِنْهَا شَيْئاً، مَلَكَهُ، إِلَّا أَنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
وَعَنْهُ 2: يَجُوزُ لِمالِكِ الأَرْضِ بَيْعُ ذلِكَ؛ لأَنَّهُ لا يَمْلِكُهُ بِمِلْكِ الأَرْضِ الَّتِي فِيهَا.
وَكَذلِكَ الْحُكْمُ في النَّابِتِ 3 في أَرْضِهِ مِنَ الْكَلأِ وَالشَّوْكِ وَغَيْرِ ذلِكَ.
فَأَمَّا الْمَعَادِنُ الْجَامِدَةُ؛ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَسَائِرِ الْجَوَامِدِ؛ فَإِنَّهَا تُمْلَكُ بِمِلْكِ الأَرْضِ الَّتِي هِيَ فِيهَا.
فَصْلٌ
وَلا يَجُوزُ بَيْعُ الصُّوفِ عَلَى الظَّهْرِ.
وَعَنْهُ: يَجُوزُ بِشَرْطِ جَزِّهِ في الْحَالِ.
وَلا يَجُوزُ بَيْعُ مَا تُجْهَلُ صِفَتُهُ؛ كَالْبَيْضِ في الدَّجَاجِ، وَالْمِسْكِ في الْفَأَرِ، وَالنَّوَى في التَّمْرِ، وَلا بَيْعِ الأَعْيَانِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ أَوْ صِفَةٍ تَحْصُلُ بِهَا مَعْرِفَةُ الْمَبِيعِ، (1 فَلَوْ رَآهَا وَلَمْ يَعْلَمْ مَا هِيَ، أَوْ دَلَّ لَهُ فِيْ صِفَتِهَا مَا لا يُلْغِيْ فَيْ صَحْةِ السَّلَمِ، لَمْ يَصِحَّ 1.
وَإذَا اشْتَرَاهَا بِالصِّفَةِ، ثُمَّ وَجَدَهَا عَلَى الصِّفَةِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْفَسْخُ، فَإِنْ رَاهَا، ثُمَّ عَقَدَا بَعْدَ ذلِكَ بِزَمَانٍ لا تَتَغَيَّرُ الصِّفَةُ فِيهِ، جَازَ، وَإِنْ وَجَدَهَا قَدْ تَغَيَّرَتْ، فَلَهُ الْفَسْخُ كَمَا لَوْ وَجَدَهَا بِخِلافِ الصِّفَةِ.
فَإِنِ اخْتَلَفَا في الصِّفَةِ وَالتَّغْيِيرِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي.
فَإِنْ بَاعَ بِدِينَارٍ، وَأَطْلَقَ، انْصَرَفَ إِلَى نَقْدِ الْبَلَدِ، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ نُقُودٌ، لَمْ يَصِحَّ.
وَمَنْ بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوْ اشْتَرَى بِغَيْرِ مَالِهِ شَيْئاً، لَمْ يَصِحَّ.
وَعَنْهُ: يَصِحُّ، وَيَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ الْمالِكِ.
وَإِنِ اشْتَرَى لِغَيْرِهِ شَيْئاً بِثَمَنٍ في الذِّمَّةِ، صَحَّ، فَإِنْ أَجَازَهُ مَنِ اشْتَرَى لَهُ، مَلَكَهُ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ، لَزِمَ مَنِ اشْتَرَاهُ.
فَصْلٌ
وَإذَا بَاعَهُ السِّلْعَةَ بِرَقْمِهَا، أَوْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ذَهَباً وَفِضَّةً، أَوْ شَاةً مِنْ قَطِيعٍ، لَمْ يَصِحَّ.
فإذَا بَاعَهُ الصُّبْرَةَ إِلَّا قَفِيزاً، لَمْ يَصِحَّ.
وَإِنْ بَاعَهُ قفيزاً مِنَ الصُّبْرَةِ صَحَّ 1، لَمْ يَصِحَّ.
فإذَا بَاعَهُ الضَّيْعَةَ إِلَّا جَرِيباً، أَوْ بَاعَهُ جَرِيباً مِنَ الضَّيْعَةِ، وَهُمَا يَعْلَمَانِ جُرْبَانَ الضَّيْعَةِ، صَحَّ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا، لَمْ يَصِحَّ.
وَإِنْ بَاعَهُ قَطِيعاً كُلُّ شَاةٍ بِدِرْهَمٍ، أَوْ ثَوْباً كُلُّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَم، صَحَّ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا مِقْدَارَ ذلِكَ حَالَ الْعَقْدِ.
وَإذَا جَمَعِ في الْبَيع بَيْنَ مَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَما لا يَصِحُّ؛ كَخَلٍّ وَخَمْرٍ، أَوْ عَبْدِهِ وَعَبْدِ غيْرِهِ، لَمْ يَصِحَّ فِيهِمَا، عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالأُخْرَى: يَصِحُّ في الْكُلِّ.
وَفِي عَبْدِهِ، فَبِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ.
وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ عَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيِ الْحُكْمِ؛ كَالْبَيْعِ وَالصَّرْفِ، وَالإِجَارَةِ وَالْبَيع بِعِوَضٍ وَاحِدٍ، صَحَّ فِيهِما، وَيُقَسَّطُ الْعِوَضُ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمَا في أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَالآخَرِ: يَبْطُلُ فِيهِمَا.
فَصْلٌ
يَصِحُّ الْبَيْعُ بِالْمُعَاطَاةِ، نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: أَعْطِنِي بِهذَا الدِّينَارِ خُبْزاً، فَيُعْطِيهِ مَا يَرْضَى، أَوْ يَقُولَ: خُذْ هذَا الثَّوْبَ بِدِينَارٍ، فَيَأْخُذُهُ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَاطَاةً، فَلا بُدَّ مِنَ الإِيجَابِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ وَمَلَّكْتُكَ، وَالْقَبُولُ نَحْوُ: قَبِلْتُ، أَوِ اشْتَرَيْتُ.
فَإِنْ يُقَدَّمِ الْقَبُولُ عَلَى الإِيجَابِ، صَحَّ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالأُخْرَى: لا يَصِحُّ.
فَصْلٌ في الْخِيَارِ
رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "إذَا تَبَايَعَ الرَّجُلانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَكَانَا جَمِيعاً، أَوْ يُخَيِّرْ أَحَدُهُمَا الآخَرَ.
فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فتبَايَعَا عَلَى ذلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ يَتَبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ" 1.
وَلا يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ إِلَّا في الْبَيْعِ.
وَالإِجَارَةُ وَالصُّلْحُ بِمَعْنَى الْبَيْعِ.
وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَثْبُتُ في الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ، وَفِي الْمُسَاوَاةِ 2
وَالْحَوَالَةِ، والسَّفَرِ وَالرَّمْيِ وَجْهَانِ 1. وَإذَا تَبَايَعَا عَلَى أَنْ لا خِيَارَ بَيْنَهُمَا، أَوْ قَالا بَعْدَ الْعَقْدِ: اخْتَرْنَا إِمْضَاءَ الْعَقْدِ، بَطَلَ الْخِيَارُ، وَعَنْهُ: لا يَبْطُلُ.
فَصْلٌ
وَلا يَصِحُّ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ في الْبَيْعِ وَالإِجَارَةِ.
وَالصُّلْحُ بِمَعْنَى الْبَيْعِ فِيمَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ في الْمُدَّةِ الْمَعْلُومَةِ، فَإِنْ كَانَتْ مَجْهُولَةً، لَمْ يَصِحَّ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ، وَلَهُمَا الْخِيَارُ إِلَى أَنْ يَقْطَعَاهُ.
فَإِنْ شَرَطَا إِلَى الْحَصَادِ أَوِ 1 الْجُذَاذِ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فإنْ شَرَطَا إِلَى الْغَدِ، لَمْ يَدْخُلْ في مُدَّةِ الْخِيَارِ.
وُيعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ مُدَّةِ الْخِيَارِ مِنْ حِيْنِ الْعَقْدِ في أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الآخَرِ: مِنْ حِينِ 2 التَّفَرُّقِ، وَيَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِيهِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ في أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَلَيْسَ لَهُمَا التَّصَرُّفُ في الْمَبِيعِ في مُدَّةِ الْخِيَارِ، فَإِنْ تَصَرَّفَا بِغَيْرِ الْقَبُولِ، لَمْ يَنْفُذْ.
وَهَلْ يَكُونُ تَصَرُّفُ الْبَائِعِ فَسْخاً لِلْبَيْعِ، وَتَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي رِضًا
بِتَمَامِ الْبَيْع، وَفَسْخَ خِيَارِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَيَنْفُذُ عِتْقُ مَنْ 1 حَكَمْنَا لَهُ بِالْمِلْكِ.
وَهَلْ يَبْطُلُ الْخِيَارُ بِالْعِتْقِ وَتَلَفِ السِّلْعَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإذَا وَطِىَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الْجَارِيَةَ في الْخِيَارِ؛ مِمَّنْ حَكَمْنَا لَهُ بِالْمِلْكِ، (2 فَلا حَدَّ عَلَيْهِ وَلا مَهْرَ، وكُلُّ وَلَدِهِ أَحْرارٌ، وَمَنْ لَمْ نَحْكُمْ لَهُ بِالْمِلْكِ 2، فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَقِيمَةُ الأَوْلادِ.
وَإِنْ كَانَ عَالِماً أَنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ، وَأَنَّ الْوَطْءَ لا يَحْصُلُ بِهِ الْفَسْخُ، فَعَلَيْهِ الْحُكْمُ، وَوَلَدُهُ رَقيقٌ.
فَإِنِ اسْتَخْدَمَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ، بَطَلَ خِيَارُهُ.
وَخِيَارُ الشَّرْطِ لا يُوَرَّثُ، وَيَجُوزُ لِمَنْ لَهُ الْخِيَارُ فَسْخُهُ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ صَاحِبِهِ.
وَإذَا اشْتَرَى اثْنَانِ شَيْئاً، وَشَرَطَا الْخِيَارَ، أَوِ اشْتَرَيا مَعِيباً 3، فَرَضِي أَحَدُهُمَا، كَانَ لِلآخَرِ الْفَسْخُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْمَسْأَلةُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإذَا شَرَطَ الْخِيَارَ لِغَيْرِهِ، جَازَ، وَكَانَ تَوْكِيلاً لَهُ، وَلا يَتَصَرَّفُ فى غَيْرِ الْمُتَعَيِّنِ إِلَّا بِالْقَبْضِ.
فَإِنْ تَلِفَ بآفة سَمَاوِيَّةٍ، بَطَلَ الْعَقْدُ، وَهُوَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ، فَإِنْ أَتْلَفَهُ آدَمِيّ، فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ 1، وَيَرْجِعَ بِالثَّمَنِ، وَبَيْنَ أَنْ يُمْضِيَ الْعَقْدَ، وَيُطَالِبَ مُتْلِفَهُ بِالْقِيمَةِ.
فَصْلٌ
يَصِحُّ اشْتِرَاطُ صِفَةٍ بالْمَبِيعِ؛ نَحْوَ: إِنِ اشْتَرَى دَابَّةً عَلَى أَنَّهَا هِمْلاجَةٌ، أَوْ فَهْداً عَلَى أَنَّهُ صَيُودٌ، فَإِنْ شَرَطَ في الطَّائِرِ أَنَّهُ 1 يَجِيءُ مِنْ مَسَافَةٍ ذَكَرَهَا، صَحَّ، وَقَالَ الْقَاضِي: لا يَصِحُّ.
وَإِنِ اشْتَرَطَ في الْقُمْرِيِّ أَنَّهُ مُصَوِّتٌ، وَفِي الدِّيكِ أَنَّهُ يُوقِظُهُ لِلصَّلاةِ، لَمْ يَصِحَّ.
وَيَصِحُّ اشْتِرَاطُ مَنْفَعَةِ الْبَائِعِ في الْمَبِيعِ؛ نَحْوَ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى بَائِعِ الْحَطَبِ حَمْلَهُ، وَعَلَى بَائِعِ الثَّوْبِ خِيَاطَتَهُ.
وَيَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ مَنْفَعَةِ الْمَبِيعِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، نَحْوَ أَنْ يَبِيعَ دَاراً، فَيَسْتَثْنِيَ سُكْنَاهَا شَهْراً.
وَقَدْ بَاعَ جَابِرٌ مِنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بَعِيراً، فَاشْتَرَطَ ظَهْرَهُ إِلَى أَهْلِهِ 2.
وَإِنْ بَاعَ حَيَوَاناً مَأْكُولاً، واسْتَثْنَى رَأْسَهُ وَجِلْدَهُ وَأَطْرَافَهُ، فَلَهُ مَا اسْتَثْنَاهُ.
فَصْلٌ
وَلا يَصِحُّ اشْتِرَاطُ مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْبَيْعِ، مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِشَرْطِ أَلَّا يَهَبَ وَلا يُعْتِقَ، وَإِنْ أَعْتَقَ، فَالْوَلاءُ لَهُ، أَوْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ بِشَرْطِ أَنْ لا خَسَارَةَ عَلَيْهِ، أَوْ مَتَى نَفَقَ الْمَبِيعُ، وَإِلَّا رَدَّهُ، وَمَتَى غَصَبَهُ غَاصِبٌ، رَجَعَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ، فَهذِهِ وَمَا أَشْبَهَهَا شُرُوطٌ فَاسِدَةٌ في نَفْسِهَا، وَهَلْ يَبْطُلُ بِهَا الْبَيْعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَكَذلِكَ إذَا اشْتَرَطَ في الْبَيْعِ رَهْناً فَاسِداً.
فَأَمَّا إِنْ بَاعَهُ رَقِيقاً، وَشَرَطَ الْعِتْقَ، فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فَإِنْ سَاوَمَهُ بِسِلْعَةٍ، وَدَفَعَ إِلَى الْبَائِع دِرْهَماً أَوْ دِينَاراً عَلَى أَنَّهُ إِنْ أَخَذَ السِّلْعَةَ احْتُسب بِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَإِلَّا فَهُوَ لِلْبَائع، فَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ صَحِيحٌ، وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابَ أَنَّهُ 1 لا يَصِحُّ، وَسُمِّيَ بَيْعَ الْعُرْبُونِ.
بَابُ الرِّبَا
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَداً بيَدٍ، فَإذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئتمْ، إذَا كَانَ يَداً بِيَدٍ" 1.
وَعِلَّةُ رِبَا الْفَضْلِ: الْكَيْلُ وَالْجِنْسُ، أَوِ 2 الْوَزْنُ مَعَ الْجِنْسِ.
وَعَنْهُ: الْعِلَّةُ في الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الثَّمَنِيَّةُ غَالِباً، وَفِي غَيْرِهِمَا الطُّعْمُ مَعَ الْجِنْسِ.
وَعَنْهُ: الْعِلَّةُ في غَيْرِ الأَثْمَانِ كَوْنُهُ مَطْعُوماً، أَوْ مَوْزُوناً مَطْعُوماً في جِنْسٍ.
وَكُلُّ نَوْعَيْنِ اجْتَمَعَا في الِاسمِ الْخَاصِّ، فَهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ؛ كَالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةِ، وَفِي اللُّحُومِ وَالأَلْبَانِ ثَلاثُ رِوَايَاتٍ:
إحْدَاهُنَّ: أَنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ.
وَالثَّانِيَةُ: أَجْنَاس بِاخْتِلافِ أُصُولهَا.
والثَّالِثَةُ: أَرْبَعَةُ أَجْنَاسٍ: الأَنْعَامُ جِنْسٌ، وَالْوَحْشُ جِنْسٌ، وَالطَّيْرُ جِنْسٌ، وَدَوَابُّ الْماءِ جنْسٌ، وَاللَّحْمُ وَالشَّحْمُ جِنْسَانِ، وَكَذلِكَ اللَّحْمُ والأَلْيَةُ واللَّحْمُ وَالْكَبِدُ 1، وَخَلُّ الْعِنَبِ وَخَلُّ التَّمْرِ جِنْسَانِ.
وَلا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَبِّ بِدَقِيقٍ في أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَلا بَيْعِ نِيئِهِ بِمَطْبُوخِهِ، وَلا أَصْلُهُ بِعَصِيره، وَرَطْبِهِ بِرَطْبِهِ 2 وَلا خَالِصُهُ بِمَشُوبِهِ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ دَقِيقِهِ بِدَقِيقِهِ إذَا اسْتَوَيَا في النُّعُومَةِ، أَوْ بَيْعُ مَطْبُوخِهِ بِمَطْبُوخِهِ، وَعَصِيرِهِ بِعَصِيرِهِ، وَخُبْزِهِ بِخُبْزِهِ.
وَلا يَجُوزُ بَيْعُ النَّوَى بِتَمْرٍ فِيهِ النَّوَى.
وَعَنْهُ: يَجُوزُ ذلِكَ، فَيَخْرُجُ في بَيْعِ اللَّبَنِ 3 بِشَاةٍ فِيهَا لَبَن، وَبَيْعُ الصُّوفِ بِنَعْجَةٍ عَلَيْهَا صُوفٌ.
وَلا يَجُوزُ بَيْعُ جِنْسٍ فِيهِ الرِّبَا بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وَمَعَ أَحَدِهِمَا أَوْ مَعَهُمَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِما؛ كَمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ بِمُدَّي 4 عَجْوَةٍ، أَوْ بِمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ، أَوْ بِدِرْهَمَيْنِ.
وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُفْرَدُ أَكْثَرَ مِنَ الَّذِي مَعَهُ غَيْرُهُ، أَوْ يَكُونَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُما مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ.
فَأَمَّا إِنْ بَاعَ نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيِ الْقِيمَةِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ مِنْ ذلِكَ الْجِنْسِ" كَدِينَارٍ مَغْرِبِيٍّ وَدِينَارٍ سَابُورِيٍّ بِدِينَارَيْنِ مَغْرِبِيَّيْنِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجُوزُ، وَقَالَ الْقَاضِي: هِيَ كَالْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا.
وَيُرْجَعُ في مَعْرِفَةِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ إِلَى الْعَادَةِ في الْحِجَازِ في زَمَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وَمَا لا عُرْفَ لَهُ بِالْحِجَازِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ:
أحَدُهُمَا: اعْتِبَارُ عُرْفهِ في مَوْضِعِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: يُرَدُّ إِلَى أَقْرَبِ الأَشْيَاءِ شَبَهاً بِهِ في الْحِجَازِ.
فَصْلٌ في رِبَا النَّسِيئَةِ
وَكُلُّ شَيْئَيْنِ عِلَّةُ 1 رِبَا الْفَضْلِ فِيهِمَا وَاحِدَةٌ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا ثَمَناً، يَحْرُمُ النَّسَاءُ فيهِمَا.
وَمَتَى حَصَلَ التَّفَرّقُ في بَيْعِهِمَا قَبْلَ الْقَبْضَ، بَطَلَ الْعَقْدُ.
فَإِنِ اخْتَلَفَ عَلَيْهِمَا؛ كَالْمَكِيلِ بِالْمَوْزُونِ، جَازَ التَّفَرُّقُ فِيهِمَا قَبْلَ الْقَبْضِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَهَلْ يَحْرُمُ النَّسَاءُ فِيهِمَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَمَا لا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ لا يَحْرُمُ فِيهِ النَّسَاءُ.
وَعَنْهُ: يَحْرُمُ إذَا كَانَ الْجِنْسُ وَاحِداً.
وَعَنْهُ: يَحْرُمُ عَلَى الإِطْلاقِ.
فَصْلٌ
النُّقُودُ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ في الْعَقْدِ، فَلا يَجُوزُ إِبْدَالُها، وَإِنْ خَرَجَتْ مَغْصُوبَةً، بَطَلَ الْعَقْد، وَإِنْ وَجَدَ بِها عَيْباً، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْبَدَلُ، وَلكِنْ يُمْسِكُ أَوْ يَفْسَخُ.
وَيَتَخَرَّجُ: أَنْ يُمْسِكَ وَيُطَالِبَ بِأَرْشِ الْعَيْبِ.
وَإِنْ تَلِفَتْ، فَهِيَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهَا.
وَعَنْهُ: أَنَّهَا لا تَتَعَيَّنُ 1، فتنْعَكِسُ هذِهِ الأَحْكامُ.
وَإذَا وَجَدَ أَحَدُ الْمُتَصَارِفَيْنِ عَيْباً فِيهِ، بَطَلَ الْعَقْدُ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالأُخْرى: إذَا رَدَّهُ، وَأَخَذَ بَدَلَهُ في مَجْلِسِ الرَّدِّ، لَمْ يَبْطُلْ.
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الأُولَى إذَا رَدَّ بَعْضَهُ هل يَبْطُلُ في الْجَمِيعِ أَمْ في الْمَرْدُودِ خَاصَّةً؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
فَصْلٌ في بَيْعِ الأُصُولِ
وَمَنْ بَاعَ أَرْضاً، دَخَلَ مَا فِيهَا مِنْ غِرَاسٍ في الْبَيْعِ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: لا يَدْخُلُ في الْبَيْعِ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ: بِحُقُوقِهَا، فَيَدْخُلُ.
فَإِنْ كَانَ فِيهَا زَرْعٌ لا يُحْصَدُ إِلَّا مَرَّةً، لَمْ يَدْخُلْ في الْبَيْعِ، وَكَانَ لِلْبَائِعِ بِنَفْسِهِ إِلَى حِيْنِ الْحَصَادِ.
وَإِنْ كَانَ يُجَزُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَالأُصُولُ لِلْمُشْتَرِي، وَالْجَزَّةُ الظَّاهِرَةُ عِنْدَ الْبَيْعِ لِلْبَائِعِ، وَكَذلِكَ اللَّقْطَةُ الأُولَى مِنَ القِثَّاءِ وَالْباذِنْجَانِ وَنَحْوِهِمَا.
فَإِنْ بَاعَ قَرْيَةً بِحُقُوقِهَا، لَمْ يَدْخُلْ مَزَارِعُهَا في الْبَيْعِ إِلَّا بِذِكْرِهَا، فَأَمَّا الْغِرَاسُ بَيْنَ بُنْيَانِهَا، فَتَدْخُلُ في الْبَيْعِ.
فَإِنْ بَاعَ دَاراً، تَنَاوَلَ الْبَيْعُ أَرْضَهَا، وَبُنْيَانَهَا، وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِمَّا هُوَ مِنْ مَصَا لِحِهَا؛ كَالدَّرَجِ، وَالسَّلالِمِ الْمُسَمَّرَةِ، وَالأَبْوَابِ، وَالدُّفُوفِ 1 الْمُسَمَّرَةِ، وَالْخَوَابِي الْمَدْفُونَةِ، وَالْحَجَرِ السُّفْلِيِّ الْمَنْصُوبِ.
فَأَمَّا مَا هُوَ مُودعٌ فِيهَا؛ كَالْكَنْزِ، وَالأَحْجَارِ الْمَدْفُونَةِ، فَلا تَدْخُلُ في الْبَيْع، وَالْغِرَاسُ فِيهَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْغِرَاسِ في الأَرْضِ، وَلا يَدْخُلُ في الْبَيْعِ مَا هُوَ مَنْفَصِلٌ عَنْهَا، ممَّا 1 لَيْسَ مِنْ مَصَالِحِهَا؛ كَالْحَبْلِ وَالدَّلْوِ وَالْقُفْلِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ مَصَالِحِهَا؛ كَالْمَفَاتِيحِ، وَالْحَجَرِ الْفَوْقَانِيِّ مِنَ الرَّحَى، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
فَصْلٌ في بَيْعِ الثِّمارِ
1
إذَا بَدَا الصَّلاحُ في نَوْعٍ، جَازَ مَعَ مَا فِي الْبُسْتَانِ مِنْ ذلِكَ النَّوْعِ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالأُخْرَى: لا يَجُوزُ إِلَّا بَيْعِ الثَّمَرَةِ الَّتِي بَدَا الصَّلاحُ فِيهَا.
وَكَذلِكَ إذَا ظَهَرَ بَعْضُ الثَّمَرَةِ دُونَ بَعْضٍ، فَالْكُلُّ لِلْبَائِعِ، كَمُبْتَاعٍ لِلأَصْلِ؛ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ.
وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَحْمَدَ: لُزُومُ مَا أُبِّرَ لِلْبَائِعِ، وَمَا لَمْ يُؤَبَّرْ لِلْمُشْتَرِي.
وَإذَا بَاعَ ثَمَرَةً، أَوْ زَرْعا، لَزِمَ الْبَائِعَ سَقْيُهُ إذَا احْتَاجَ إِلَى ذلِكَ، فَإِنِ امْتَنَعَ لِضَرَرٍ يَلْحَقُ بِالأَصْلِ، أُجْبِرَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ بَاعَ أَصْلاً عَلَيْهِ ثَمَرَةٌ لِلْبَائِعِ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي مَنْعُهُ مِنْ سَقْيِهَا.
فَإذَا اشْتَرَى ثَمَرَةً، فَلَمْ يَأْخُذْهَا حَتَّى حَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى لَمْ تَتَمَيَّزْ، أَوْ جَزَّةٌ مِنَ الرَّطْبَةِ فَطَابَتْ، أَوِ اشْتَرَى ثَمَرَةً قَبْلَ بُدُوِّ 2 صَلاحِها بِشَرْطِ
الْقَطْعِ، فترَكَهَا حَتَّى بَدَا صَلاحُها، بَطَلَ الْبَيْعُ.
وَعَنْهُ: لا يَبْطُلُ، وَيَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ في الزِّيَادَةِ.
عنْهُ: يَتَصَدَّقَانِ بِهَا.
(1 وَإذَا بَاعَ كُلَّهُ وَاستَثْنَى مِنْهُ أَرْطَالاً مَعْلُوْمَةً، فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ 1.
بَابٌ فِي مَا يُرَدُّ بِهِ الْمَبِيعُ
1 قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: " (2 مَنِ اشْتَرَى مُصَرَّاةً، فَهُوَ فِيهَا بِالْخِيَارِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا 2 وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا، وَرَدَّ مَعَهَا صَاعاً مِنْ تَمْرٍ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ 3.
فَصْلٌ في التَّدْلِيسِ
وَكُلُّ تَدْلِيسٍ يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ لأَجْلِهِ يُثْبِتُ خِيَارَ الرَّدِّ؛ نَحْوَ أَنْ يَحْمَرَّ وَجْهُ الْجَارِيَةِ، أَوْ يَصُرُّ الْماءَ عَلَى الرَّحَى، وُيرْسِلَهُ عِنْدَ عَرْضِهَا عَلَى الْمُشْتَرِي، فَكَذلِكَ إِنْ شَرَطَ في الْمِبِيعِ صِفَةً مَقْصُودَةً، فَبَانَ بِخِلافِهَا.
فَإِنْ شَرَطَ الأَمَةَ ثَيِّباً، فَبانَتْ بِكْراً، فَلا خِيَارَ لَهُ، لأَنَّهَا زِيَادَةٌ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَحْسَنُ: لَهُ الْخِيَارُ.
وَكَذلِكَ إِنْ شَرَطَهَا كَافِرَةً، فَبَانَتْ مُسْلِمَةً، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
فَإِنْ شَرَطَ الْعَبْدَ فَحْلاً، فَبَانَ خَصِيّاً، مَلَكَ الرَّدَّ، وَإِنْ شَرَطَهُ خَصِيّاً، فَبَانَ فَحْلاً، فَلَهُ الرَّدُّ، وَهذَا آخِرُ الْبَابِ.
وَإذَا اشْتَرَى أَمَةً مُصَرَّاةً، أَوْ أتَاناً مُصَرَّاةً، فَهَلْ لَهُ الْفَسْخُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَإذَا رَدَّ، لَمْ يَلْزَمْهُ بَدَلُ اللَّبَنِ؛ لأَنَّهُ لا قِيمَةَ لَهُ.
وَلا يَمْلِكُ الرَّدَّ في التَّصْرِيَةِ قَبْلَ الثَّلاثِ، قَالَهُ الْقَاضِي.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: مَتَّى تَبيَنَتْ لَهُ التَّصْرِيَةُ، فَلَهُ الرَّدُّ.
فَإِنْ صُارَ 1 لَبَنُ الْمُصَرَّاةِ عَادَةً، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ عَلَى ظَاهِرِ كَلامِ أَحْمَدَ -رَحِمَهُ اللهُ- 2.
وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً مُزَوَّجَةً، فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ.
وَإِنْ كَانَ لَبَنُ التَّصْرِيَةِ بِحَالِهِ، فَرَدَّهُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ.
قَالَ الْقَاضِي: ذلِكَ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِنا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ.
فَصْلٌ في الرَّدِّ بِالْعَيْبِ
الْعُيُوبُ هِيَ النَّقَائِصُ؛ كَالْمَرَضِ وَنَحْوِهِ.
وَعُيُوبُ الرَّقِيقِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِفِعْلِهِ، كَالسَّرِقَةِ، وَالْبَوْلِ في الْفِرَاشِ، لا يُرَدُّ لَهَا، إِلَّا أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ مَا هُوَ مُمَيَّزٌ.
فَأَمَّا مَا لا صُنْعَ لَهُ فِيهَا، فيُرَدُّ بِهَا مَعَ التَّمْيِيزِ وَعَدَمِهِ.
فَإِنْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ، فَأَخَّرَ الرَّدَّ، لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ، إِلَّا أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا مِنَ التَّصَرُّفِ بِاسْتِمْتَاعٍ، أَوْ بَيْعِ.
وَلا يَفْتَقِرُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ إِلَى رِضًا، وَلا إِلَى قَضَاءٍ.
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعَيْبِ حَتَّى حَدَثَ مِنْهُ نَمَاءٌ، فَلَهُ رَدُّ الأَصْلِ وَإِمْسَاكُ النَّمَاءِ.
وَعَنْهُ: لَيْسَ لَهُ إِلَّا رَدُّهُمَا، أَوْ إِمْسَاكُهُمَا وَالْمُطَالَبَةُ بِالأَرْشِ، فَإِنْ بَاعَ الْمَبِيعَ أَوْ وَهَبَهُ، فَلَهُ الأَرْشُ 1.
وَعَنْهُ: لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الْمَبِيعَ، فَيَكُونُ لَهُ رَدُّهُ، أَوِ الْمُطَالَبَةُ بِالأَرْشِ.
فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ ثَوْباً، فَصَبَغَهُ، أَوْ غَزْلاً، فَنَسَجَهُ، فَلَهُ الأَرْشُ.
وَعَنْهُ: يَرُدُّهُ، وَيَكُونُ شَرِيكاً لِلْبَائِعِ بِقِيمَةِ الصَّبْغِ أَوِ النَّسْجِ.
فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ شَيْئَيْنِ، فَوَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْباً، فَلَهُ رَدُّهُمَا، أَوِ الْمُطَالَبَةُ بِالأَرْشِ.
وَعَنْهُ: لَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ 1 إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَنْقُصُ بِالتَّفْرِيقِ؛ كَمِصْرَاعَيْ بَابٍ، وَنَحْوِهِ، فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا رَدُّهُمَا، أَوْ أَخْذُ الأَرْشِ.
وَكَذلِكَ إِنْ كَانَ مِمَّنْ لا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا؛ كَالْوَلَدِ مَعَ أَبَوَيْهِ.
وَإِنْ تَلِفَ أَحَدُهُمَا، وَوَجَدَ بِالآخَرِ عَيْباً، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنِ اخْتَلَفَا في قِيمَةِ التَّالِفِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي.
فَصْلٌ في بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ
وَيَجُوزُ بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ إذَا 1 بيَنَ رَأْسَ الْمَالِ وَمِقْدَارَ الرِّبْحِ، فَيَقُولُ: رَأْسُ مَالِهِ مِئَةٌ، وَأَرْبَحُ عَشَرَةً، أَوْ: عَلَى أَنْ أَرْبَحَ في كُلِّ عَشَرَةٍ دِرْهَماً، وَمَا يُزَادُ في الثَّمَنِ 2 أَوْ يُنْقَصُ مِنْهُ في مُدَّةِ الْخِيَارِ، يَلْحَقُ بِرَأْسِ الْمالِ، وَأَرْشُ الْعَيْبِ مِنَ الثَّمَنِ.
وَكَذلِكَ إِنْ جُنِيَ عَلَيْهِ جِنَايَةٌ، وَأَخَذَ أَرْشَهَا.
فَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ، فَفَدَاهُ الْمُشْتَرِي، لَمْ يَلْحَقْ بِالثَّمَنِ.
فَإِنِ اشْتَرَى ثَوْباً بِعَشَرَة، وَقَصَرَهُ بِعَشَرَةٍ، أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِنْ قَالَ: تَحَصَّلَ عَلَيَّ بَكَذَا، فَقَالَ الْقَاضِي: لا يَجُوزُ، وَيَحْتَمِلُ الْجَوَازَ.
فَإِنْ عَمِلَ فِيهِ عَمَلاً يُسَاوِي عَشَرَةً، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُولَ: تَحَصَّلَ عَلَيَّ بِكَذَا، بَلْ يَقُولُ: اشْتَرَيْتُهُ بِكَذَا، وَعَمِلْتُ بِهِ 3 عَمَلاً يُسَاوِي كَذَا.
فَإِنِ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ، فَأَرَادَ بَيْعَ أَحَدِهِمَا بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ مُرَابَحَةً، أَوْ قَطَعَ خِرْقَةً مِنَ الثَّوْبِ، وَأَرَادَ بَيْعَ الْبَاقِي مُرَابَحَةً، أَوْ بَاعَهُ لِغُلامِ دكَّانِهِ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ حِيلَةً، أَوِ اشْتَرَاهُ مِنْ أَبِيهِ، أَوْ مِمَّنْ لا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، أَوِ اشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ حَتَّى يُخْبِرَ بِالْحالِ عَلَى وَجْهِهِ 1.
فَإِنْ بَاعَ وَلَمْ يُبيِّنْ، ثمَّ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ ذلِكَ، فَلَهُ الْخِيَارُ.
وَإِنْ قَالَ: رَأْسُ مَالي فِيهِ مِئَةٌ بِعْتُكَ بِهَا، وَوَضِيعَةُ دِرْهَمٍ مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ، صَحَّ، وَلَزِمَ الْمُشْتَرِيَ تِسْعُونَ، وَإذَا قَالَ: بِوَضِيعَةِ دِرْهَمٍ لِكُلِّ عَشَرَة، لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ دِرْهَمٌ وَعَشَرَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءاً مِنْ دِرْهَمٍ 2.
فَصْلٌ في اخْتِلافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ
إذَا اخْتَلَفَا في أَجَلٍ، أَوْ شَرْطٍ، أَوْ رَهْنٍ، أَوْ ضَمِينٍ، أَوْ في مِقْدَارِ ذلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ مَعَ يَمِينِهِ.
وَعَنْهُ: يَتَحَالَفَانِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ فَاسِداً، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَنْفِيهِ.
وَإِنِ اخْتَلَفَا في صِفَةِ الثَّمَنِ، رُجِعَ إِلَى نَقْدِ الْبَلَدِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقُودٌ، رُجِعَ إِلَى وَسَطِهَا عَلَى ظَاهِرِ كَلامِ أَحْمَدَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَتَحَالَفَانِ، فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا، وَنَكَلَ الآخَرُ، لَزِمَهُ مَا قَالَ صَاحِبُهُ.
فَإِنْ مَاتَ الْمُتَبَايِعَانِ، فَوَرَثَتُهُمَا بِمَنْزِلَتِهِمَا.
وَإِنِ اخْتَلَفَا في شَرْطٍ يُفْسِدُ الْبَيْع 1، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ.
وَإِنِ اخْتَلَفَا في عَيْنِ الْمَبِيعِ، فَقَالَ: بِعْتَنِي هذَا الْعَبْدَ، فَقَالَ: بَلْ هذِهِ الْجَارِيَةَ، تَحَالَفَا.
وَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي: بَلْ هُوَ وَالْعَبْدُ الآخَرُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ.
فَإِنِ اخْتَلَفَا في التَّسْلِيمِ، وَالثَّمَنُ عَيْنٌ، جُعِلَ بَيْنَهُمَا عَدْلٌ يَقْبِضُ مِنْهُمَا، وَيُسَلِّمُ إِلَيْهِما.
وَإِنْ كَانَ دَيْناً في الذِّمَّةِ، أُجْبِرَ الْبَائِعُ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، ثُمَّ أُجْبِرَ الْمُشْتَرِي عَلَى تَسْلِيمِ الثَّمَنِ إِنْ كَانَ مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِباً عَنْهُ في الْبَلَدِ، حُجِرَ عَلَى الْمُشْتَرِي في جَمِيعِ مَالِهِ حَتَّى يُسَلِّمَهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِباً عَنِ الْبَلَدِ، أَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي مُعْسِراً، فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ إِلَى أَنْ يُوجَدَ، وَبَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ، (1 وَإِنْ كانَ الْمُشْتَرِي مُعْسِراً، فَلِلْبَائِعِ الفَسْخُ 1 في الْحَالِ، وَالرُّجُوعُ في الْمَبِيعِ.
بَابُ السَّلَمِ
رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ أَسْلَفَ في ثَمَرٍ، فَلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ 1.
وَالسَّلَمُ نَوْعٌ مِنَ الْبَيْعِ يَنْعَقِدُ بِاللَّفْظِ الَّذِي يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ، وَبِلَفْظِ السَّلَمِ والسَّلَفِ 2.
وَلا يَصِحُّ السَّلَمُ في الْمَكِيلِ وَزْناً، وَلا الْمَوْزُونِ كَيْلاً، وَكَذلِكَ الْمَذْرُوعُ وَالْمَعْدُودُ.
وَهَلْ يَصِحُّ في الْمَعْدُودِ الْمُخْتَلِفِ؛ كَالْبَيْضِ وَالرُّمَّانِ وَالْبِطِّيخِ وَالْحَيَوَانِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ:
إحْدَاهُمَا: لا يَصِحُّ.
وَالأُخرَى: يَصِحُّ.
ويُسْلَمُ فِيهَا غَيْرَ الْحَيَوَانِ، بِالْعَدَدِ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالأُخْرَى: بِالْوَزْنِ.
وَقِيلَ: يُسْلَمُ في الْجَوْزِ وَالْبَيْضِ وَالأَوَانِي الْمُخْتَلِفَةِ الرُّؤُوسِ وَالأَوْسَاطِ عَدَداً، وَفِي الْفَوَاكِهِ وَالْبُقُولِ وَزْناً.
وَهَلْ يَصِحُّ السَّلَمُ في الثِّيَابِ الْمَنْسُوجَةِ مِنْ شَيْئَيْنِ، كَالْقُطْنِ وَالإِبْرِيسَمِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَلا يَصِحُّ فِيمَا يَشْتَمِلُ عَلَى أَشْيَاءَ غَيْرِ مُتَمَيزَةٍ، كَالْغَالِيَةِ، وَالنَّدِّ، وَالْمَعَاجِينِ، وَاللَّبَنِ الْمَشُوبِ بِالْماءِ، وَالذَّهَبِ الْمَغْشُوشِ، وَالْقَسِّيِّ، وَلا فِيمَا لا يَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ؛ كَالْجَوَاهِرِ، وَالْحَوَامِلِ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَلا في عَيْنٍ مُتَعَيِّنَةٍ، (1 وَلاَ فِي الأَوَانِي مُخْتَلِفَةِ الرُّؤُوسِ، وَلِلأَوْسَاطِ وَجهَانِ 1.
وَمَا فِيهِ خِلْطٌ مِنْ غَيْرِهِ لِمَصْلَحَتِهِ، وَلَيْسَ بَمَقْصُودٍ في نَفْسِهِ، كَالْمِلْحِ في الْعَجِينِ، وَالإِنْفَحَةِ في الْجُبْنِ، يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ.
(2 وَلا يَصِحُّ السَّلَمُ في ثَمَرِ بُستانٍ بِعَيْيهِ؛ لأَنَّهُ لا يُؤْمَنُ انْقِطَاعٌ، فَإِنِ انْقَطَعَ الْمُسْلَمُ فِيْهِ، أَوْ 2 بَعْضُهُ فِي مَحَلِّهِ، فَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ