التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العباداتصفحات 736-763
أهل الأثرالأرشيف العلمي

رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أنه كان يصبح جنبًا في رمضان من جماع من غير احتلام" 1. وأما حدث الحيض بعد ارتفاع الدم فهل يناقض الصوم؟ لا يخلو من أن ينقطع الدم قبل الفجر بزمان يمكن فيه الغسل، أو بزمن لا يمكن فيه الغسل، فإن أمكن ففي المذهب قولان: أحدهما: أنه لا يناقضه، وهو المشهور قياساً على حدث الجنابة.
والثاني: هو الشاذ، أنه يناقضه، ولا ينعقد الصوم إلا بعد الاغتسال قياسًا على الصلاة.
وإن لم يمكن الاغتسال فقولان: المشهور صحة الصوم.
والشاذ عدم الصحة.
وهذا نظرًا إلى أن الصوم لا ينعقد إلا بعد المخاطبة [بالصلاة] 2، وإذا لم يمكن الغسل فلا تخاطب 3 على نصوص المذهب.
فإن اجتمعت 4 قلت: [المذهب على] 5 ثلاثة أقوال: أحدها: صحة الصوم وإن بقي حدث الحيض.
والثاني: عدم الصحة.
والثالث: التفرقة بين إمكان الغسل وعدم إمكانه.
وفي الكتاب فيمن أصبحت فشكَّت أَطَهُرت قبل الفجر أو بعده، فلتصم يومها ذلك وتقضيه.
واستقرىء من 6 هذه المسألة فرعان: أحدهما: وجوب صوم يوم الشك للاحتياط ثم يقضي.
وهذا كما قدمناه من استقراء أبي الحسن اللخمي وجوب الصوم 7 من أحد الأقوال في التي لا ينقطع

عنها الدم بعد عادتها هل تصوم وتقضي فيما بينها وبين (1) الخمسة عشر يوماً.
وقد قدمنا في ذلك.
والاستقراء من مسألة الشاكة هل طهرت قبل الفجر أضعف (2)، لأنها لا دم معها.
والظاهر براءتها لعدم (3) الدم.
والفرع الثاني: أن الحائض لا يجب عليها تجديد النية للصوم؛ بل تكتفي بما تقدم في أول الشهر.
وفي ذلك خلاف يأتي في باب النية [في الصوم] (4). ...

فصل (5) (حكم الجنون والنوم والإغماء)

ولا خلاف أن الجنون مناقض لانعقاد الصوم، لكن حكم القضاء قد قدمنا ما في المذهب فيه 6. ولا خلاف أن النوم لا يناقض الصوم.
وأما الإغماء فإن كان بمرض استغرق جميع أجزاء النهار فلا خلاف في المذهب أنه يناقض الصوم، ولا ينعقد معه، قياسًا على الجنون.
وإن كان بغير مرض فالمشهور أنه كالأول، والشاذ أنه كالنوم.
وهو خلاف في شهادة؛ هل يستغرق الإغماء بغير مرض حتى يذهب العقل [جملة ويخرج] 7 عن حالة النوم بالكلية، أم لا؟ فإن كان الإغماء في اليسير من النهار؛ فإن سلم طرفه الأول فلا خلاف في المذهب أنه كالنوم وهذه 8 شهادة بأنه مع هذه الحالة لا يستغرق العقل، فإن كان في طرفه الأول حتى كان الإغماء [من] 9 قبل12345

طلوع [الفجر] (1) ففي المذهب قولان: أحدهما: أنه لا يناقض، والثاني: أنه يناقض.
فمن قال إنه لا يناقض قاسه على الكائن في آخر النهار (2). ومن قال إنه يناقض نظر إلى حالة الانعقاد، فمتى سلمت عد ما يطرأ بعدها كالنوم.
وإن أتى الإغماء على شطر (3) النهار ففيه قولان: أحدهما: أنه لا يناقض [كالنوم] (4). والثاني: أنه يناقض [كالجنون] (5). وهو خلاف في شهادة هل يعم هذا المقدار أجزاء العقل حتى يكون كالجنون أو لا يعمّ، إلا أن يكون مستغرقاً لكل النهار.
وفي الجل قولان أيضًا (6): وجوب القضاء، واستحبابه.
وهما على ما قدمناه.
...

فصل (حكم من أفطر متأولاً)

ولا خلاف في وجوب الكفارة عندنا مع القصد إلى انتهاك حرمة الصوم.
فإن أفطر متأولاً فإن قرب تأويله واستند إلى أمر موجود فلا كفارة عليه.
وهذا كما مثله في الكتاب فيمن أفطر ناسياً فظن بطلان صومه فأفطر متعمداً، أو المرأة ترى الطهر ليلًا في رمضان فلم تغتسل فتظن أن من لم تغتسل ليلًا 7 فلا صوم لها فتأكل، والرجل يدخل من سفره ليلًا فيظن أنه لا صوم له إلا أن يدخل نهارا فيفطر.
والعبد يخرج راعياً على مسيرة أميال فيظن أنه سفر يبيح له الفطر، فلا كفارة على جميع هؤلاء.
وقال ابن القاسم: "وكلما رأيت مالكاً رحمه الله يُسأل عنه من هذا الوجه على التأويل123456

فلم أره يجعل فيه الكفارة" 1. وإن بعد تأويله ففي المذهب قولان: إيجاب الكفارة، والثاني: إسقاطها.
وهذا كما قدمناه في من رأى الهلال وحده فردَّ الإمام شهادته فأفطر، ظانا أن الصوم لا يجب عليه.
فإن إستند تأويله إلى سبب معقول 2 ففيه قولان: أحدهما: إيجاب الكفارة، وهو المشهور نظراً إلى الحال.
والشاذ إسقاطها، نظراً إلى المآل.
وهذا كمسألة المفطرة تعويلاً على أنه يوم حيضتها، وكالمفطر تعويلاً على أن اليوم تنوبه 3 فيه الحمى.
وهو يلاحظ مسألة من الكلام وهو من بلغ فأهمل النظر والاستدلال به 4 عند بلوغه فاحتلم قبل إكمال أجزاء 5 النظر [لو أفتتحه] 6. واختلف القائلون بإيجاب النظر هل يحكم بعصيانه نظراً إلى حالة التفريط أو ينتفي العصيان نظراً إلى أنه لو بادر لما أغنى عنه ولم يصل إلى المقصود 7.

فصل (حكم الحامل والمرضع)

وينخرط حكم الحامل والمرضع في سلك 1 المريض؛ فأما الحامل فمتى أدَّى صومها إلى الخوف على نفسها أو على ما في بطنها أفطرت، ويجب عليها الإفطار في كل حالة يجب على المريض، وقد قدمناه.
وهل تكون عليها الفدية الصغرى؛ وهي مدّ لكل يوم؟ في المذهب أربعة أقوال: أحدها: نفي الوجوب، قياساً على المريض.
والثاني: إيجابه، لأنّ النص ورد في المريض، وقد ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - إيجاب الفدية على الحامل.
والثالث: التفرقة بين أن تخاف على نفسها فتسقط الفدية لأنها مريضة، أو تخاف على ما في بطنها فتجب لأنها في هذه الحالة كالمرضع والمرضع لا يتعلق عليها 2. والرابع: تطعم إن احتاجت إلى الفطر قبل ستة أشهر، ولا تطعم إن احتاجت إليه بعد ستة أشهر، لتحقق حالة المرض بعد [ستة أشهر] 3. فأما المرضع فإن شق عيها الصوم وأدَّى إلى حالة المرض؛ فإن قدرت، أو قدر من يلزمه إرضاع الصبي المولود على أن يستأجر له من تقوى 4 على الإرضاع والصيام، أو مرضعاً 5 حائضًا أو كتابية، وكان المولود يقبل غير أمه، وجب الاستئجار ولم يجز الفطر.
وإن لم يوجد من يستأجر [أو بما يستأجره] 6 أو لم يقبل غير أمه أفطرت الأم وأرضعته.
وفي وجوب الفدية عليها قولان.
وهي مطيقة في نفسها غير = النظر هل يحكمون بعصيانه نظراً إلى حالة التطويل في العمد وكثرة التفريط أو ينتفى العصيان نظرًا إلى أنه لو بادر ما أغنى عنه ولم يصل إلى المقصود".

مطيقة لضرورة (1) الولد؛ فمن نظر إلى حالتها أوجب الفدية، ومن نظر إلى حالة الولد أسقطها.
وقد قدمنا الخلاف في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (2) هل هو محمول على القادر على الصوم، أو أنه كان يخير بين الصيام (3) والإطعام ثم نسخ، أو معناه يلزمونه وإن عجزوا عنه (4). وعليه أيضًا القولان في المتعطش والشيخ الكبير.
وبالجملة، كل من لا مرض به، ويُعلم من حالته أنه لا يمكنه إكمال صوم اليوم، هل تلزمه الفدية أم لا تلزمه؟ ...

فصل (لا تصوم الزوجة تطوعاً إلا بإذن زوجها)

والنكاح معاوضة بين الزوجين، ملك به الزوج الانتفاع بالزوجة والاستمتاع، فليس لها أن تفعل ما يؤدي 5 إلى تعطيل ملكه إلا بإذنه.
فلهذا لا تصوم تطوعاً إلا بإذنه، أو تعلم من حاله أنه لا يحتاج إليها في النهار.
فإن صامت من غير إذنه فمقتضى المذهب أنه يجبرها على الفطر.
وهكذا يكون العبد ليس له أن يصوم تطوعاً إلا بإذن سيده، وهذا إذا كان صومه يضر بسيده في عمله، وأما إن كان غير مضر فقد قالوا لا يمنعه.
وينبغي أن ينظر هل يضر ذلك في المال أو يضر في الحال؛ فإن كان يضر في المآل فله أن يمنعه، وليس للزوج ولا للسيد المنع من الصوم الواجب لتقديم حق [الله تعالى] 6 لأنه 7 على ذلك دخل.1234

وهل له المنع في تعجيل القضاء؟ وهذا مما تردد فيه المتأخرون هل له ذلك لما كان تعجيل القضاء لا يجب، أو ليس له ذلك للمحاذرة من أن يحرم (1) أو يعجز عن القضاء حتى يدخل عليه شهر آخر فيكون مفرطاً (2). وسنذكر الخلاف في من صح من الأيام ما يمكن له فيه القضاء، ثم توالى عليه المرض حتى دخل عليه شهر آخر، هل يكون مفرطاً أم لا؟ ...

باب في أحكام القضاء

ولا خلاف أنه لا يجب على الفور.
والأصل في ذلك ما أخبرت به عائشة رضي الله عنها عن نفسها أنها كانت تؤخر قضاء رمضان إذا أفطرت فيه فما تقضيه إلا في شعبان لشغلها بالرسول - صلى الله عليه وسلم - 3. فإن بادر المكلف فقد سلمت ذمته وبرئ، وإن أخر ثم أمكنه القضاء قبل دخول رمضان الثاني فقضى فلا فدية عليه، وإذا كان معذوراً بالمرض أو السفر جميع السنَّة فلا فدية عليه، وإن صحَّ عند تعين 4 القضاء فلم يقضه وهو في شعبان فعليه الفدية بلا خلاف عندنا، وإن زال عذره في أثناء السنَّة ومرض أو سافر عند تعين القضاء فلم يقضه ففي وجوب الفدية عليه قولان للمتأخرين.
وهما على الخلاف فيما وجب وجوباً مُوسعاً هل يتعلق الإثم بفواته إذا أمكن الإتيان به قبل تعيين 5 فعله للأصوليين 6 في ذلك قولان.12

وإذا وجبت الفدية فمتى يؤمر بإخراجها؟ قولان في المذهب: أحدهما: عند تقرر (1) القضاء واستقراره في الذمة (2) لأنه سبب الوجوب.
الثاني: عند الأخذ في القضاء بعد رمضان الثاني، [إذ] (3) حينئذ وجب القضاء فتجب الفدية متابعة له.
وإذا وجبت (4) الفدية فأوصى بها كانت مبداة.
لكن (5) النظر في حكم التبدية محال يأتي في كتاب الوصايا.
وإذا لم [تجب فأوصى بها لم تكن] (6) مبداة.
لكن اختلف إذا اجتمع على المكلَّف صوم عن تمتع وما في معناه وقضاء رمضان ولم يتعين زمن القضاء؛ هل يبدأ بالصوم عن التمتع، أو بالصوم للقضاء، فالتبدية بالتمتع (7) لأنه مأمور بتعجيله في أيام الحج.
فإذا فاته، أمِرَ بالمبادرة إليه وتبدية قضاء رمضان؛ لأنه بدل عما هو أكبر من صوم المتمتع.
...

فصل (زمن القضاء)

وكل زمن يخير الإنسان في صومه أو فطره؛ فإنه يصح أن يكون محلاً للقضاء.
واحترزنا بقولنا "يُخيَّر" من صوم [يوم] 8 العيدين، فإن الفطر فيهما واجب.
وأما الثلاثة الأيام التي بعد يوم النحر ففيها خلاف نذكره؛ وذلك أن اليومين يصح صومهما للمتمتع.
وهل يصومهما من نذرهما [لا يخلو أن1234567

ينذرهما بعينهما أو تبعاً (1) للشهر أو تبعاً للسنة؛ فإن نذرهما بعينهما ففي المذهب قولان: المشهور أنه لا يصومهما قياسًا على يوم العيد.
والشاذ يصومهما قياسًا على المتمتع.
وكذلك القولان أيضًا في ناذر ذي الحجة وناذر السنة.
والقول أنه يصومهما [هاهنا شاذ جدًا] (2)، وأما اليوم الرابع من يوم النحر؛ ففي صيامه على النذر قولان: المشهور [جواز] (3) صومه، لأنه ليس محلاً للنحر عندنا.
ولا يتناوله قوله - صلى الله عليه وسلم -: في أيام [النحر] أنها أيام أكل وشرب [وتبعل] (4). والشاذ أنه لا يصومه، لأنه ملحق باللذين قبله في حكم الرمي بالجمار.
وكذلك الخلاف في هذه الثلاثة الأيام هل يصومها من وجبت عليه الكفارة فافتتح الصيام قبل العيد وكان معذوراً حتى لا يبطل تتابعه؟ وهل يصح القضاء في هذه الثلاثة أيام؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يصح، والثاني: أنه يصح، والثالث: التفرقة فيصح في اليوم الرابع، ولا يصح في اليومين اللذين قبله.
ومعرفة سبب الخلاف يؤخذ مما تقدم.

(حكم تتابع القضاء)

ولا يجب تتابع القضاء عندنا بل يستحب.
والأصل في هذا أن القضاء إنما ثبت من غير شرط التتابع فيه، فلا تعمر الذمة بتتابعه إلا أن يثبت ما1234

يقتضيه.
وما يقوله أهل المذهب من أن كل صوم في القرآن ينقص 1 عن الشهر فلا يجب تتابعه، وما أكمل فيه الشهر وجب تتابعه، فإنما هو على التقريب وليس ذلك علة في وجوب التتابع وعدم وجوبه.
وإنما وجب التتابع في ما كان شهرًا أو شهرين للنص على وجوب التتابع.
ويرجع إلى الاحتراز [بالتخيير] 2 بين الصوم والفطر فيما يجب صومه ولا يصح 3 فيه القضاء، وهذا كَرَمَضان ثانٍ.
ولو نوى به القضاء عن الأول [فالمذهب على ثلاثة أقوال: الإجزاء عن هذا، ويكون أداء.
والإجزاء عن الأول] 4، ويكون قضاء.
وقد تؤولا جميعًا على المدونة؛ لأنه قال: ويكون عليه قضاء رمضان الآخر، ويروى بكسر الخاء، فيكون معناه: الإجزاء عن القضاء.
ويُروى بفتحها، ويكون معناه 5: الإجزاء عن الأداء.
وقيل لا يجزي عن واحد منهما.
وخرَّج الباجي قولين بالإجزاء عن الأول والثاني، على خلاف في المذهب؛ هل تجزي نية القضاء عن نية الأداء، أو عكسه [عدم الخلاف هل يجزيه نية الأداء عن نية القضاء] 6. ومثله الأسير يصوم شهرًا، ثم يتبيَّن له أنه صام شعبان.
وقد قدمنا الخلاف في ذلك.
والذي يعول عليه في هذا.
أما في مسألة الأسير فما قدمناه.
وأما مسألة القضاء؛ فإن هذا قاصداً إلى الصوم مع العلم بوجوب صوم هذا الشهر عليه؛ فمن قال بالإجزاء على الأداء رأى أن حقيقة النية قد حصلت 7، وحكم بأن الصوم للقضاء حكم بخلاف الشريعة وهو مردود.
ومن قال بالإجزاء عن القضاء أعطاه حكم قصده وراعى حكم النية،

ولا صوم إلا بها عندنا فيجزيه عن القضاء، وإن أخطأ (1) بتأخير الأداء.
وأما من نفى الإجزاء فلأنه رأى تعيين الشهر يقتضي صومه عن الأداء.
والقصد [وقع] (2) بخلاف ذلك وحصل التنافي بين العلم بوجوب (3) الأداء والقصد إلى القضاء.
ومتى حصل التنافي [بين العلم بوجوب الأداء والقصد إلى القضاء] (4) بطل.
وخرَّج أبو الحسن اللخمي على هذا الخلاف فيما لو قصد أن يصوم رمضان عن نذر أو عن كفارة ظهار أو غيرهما.
والمنصوص في هذا عدم الإجزاء على الجميع.
ولعل هذا لا يجري فيه الخلاف لبعد ما بين الوجوب هاهنا، بخلاف ما إذا قصد ما هو من جنس واحد.
...

فصل (كيف يقضي الشهر كاملا من عوّل على التتابع)

ولا خلاف أن من أفطر في رمضان أيامًا لا يجب عليه إلَّا عدتها، فإن أفطر جميع الشهر وابتدأ القضاء متفرقاً أو في أثناء شهر ثان؛ فلا يجب عليه إلا عدد الأيام.
فإن ابتدأ القضاء في شهر شوال وعوَّل على المتابعة من أوله، فإن كان كعدد الأول فلا شك في الإجزاء، وإن كان هذا الثاني أكمل فهل يجب عليه صيام جميعه؟ [وهل يكتفي به إذا نقص؟] 5 في المذهب قولان: أحدهما: أنه يراعي عدد الأيام ولا حكم للشهر، لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ 6. والثاني: أنه يراعي حكم الشهر؛ لأنه ليس في1234

ذمته إلا شهر.
ويلتفت هذا الخلاف (1) في القضاء، هل يجب بالأمر الأول فيكون عليه عدد الأيام، أو بأمر ثانٍ فيراعي الشهر.
...

باب في أحكام النية في الصوم

2. ولا خلاف [عندنا] 3 في وجوب النية للصائم وعدم الإجزاء مع غير قصدها 4 إلا ما ذكره ابن الماجشون وأحمد بن المعذّل 5 في الصوم المتعيّن.
وهذا لأنّ الصوم عبادة محضة، وهو يقع عبادة وعادة.
والنية للتمييز بين العبادات والعادات.
ثم لا خلاف أنه لا تجزي عندنا إلا أن تتقدم النية على سائر أجزائه، فإن طلع الفجر ولم ينوِ لم يجزه في سائر أنواع الصيام إلا يوم عاشوراء ففيه قولان: المشهور من المذهب أنه كالأول، وهذا لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صيام لمن لم يبيَّت الصيام من الليل" 6 على أنه قد اختُلف في مقتضى هذا النفي.
وتحقيقه مُحال على فنه من1

الأصول.
والشاذ اختصاص يوم عاشوراء بصحة الصوم وإن وقعت النية في النهار، لقوله - صلى الله عليه وسلم - يوم عاشوراء: "أنا صائم فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر" (1). وظاهره يقتضي إباحة الصيام لمن لم يبيِّته، ولعلَّه يحتمل هذا في المشهور (2) على بيان الحكم في عدم الوجوب، ويكون معناه: فمن شاء أن يصم في عام ثان لا في هذا اليوم.

(محل النية)

وإذا ثبت اشتراط تقدّم النيّة.
فلا خلاف عندنا أن محلّها الليل، ومتى عقدت فيه أجزأت ولا يشترط مقارنتها للفجر بخلاف الصلاة والطهارة والحج، فإنا (3) نشترط المقارنة والتقدم بالزمان اليسير على ما تقدّم تفصيله.
والفرق بين الصوم وبين سائر [هذه] (4) العبادات أن الغالب [مجيء] (5) أول زمن (6) الصيام والناس (7) نيام.
وفي تكليفهم المقارنة كبير مشقة عليهم، تُسقط مثلها الشريعة.

(هل يجزي تبييت النية في أول رمضان علي سائره أم لا؟)

لكن اختلف المذهب هل يجزي التبييت في أول رمضان على سائره، أو لا بدّ لكل ليلة من التبييت؛ فالمشهور: الإجزاء.
والشاذ اشتراط التبييت في كل 8 ليلة، [لأن الليل زمان لا يصح صومه، فهو كالتابع للنهار] 9.1234567

وسبب الخلاف النظر إلى تخلل الفطر، وهو يقتضي منع اتصال العبادة، فيفتقر إلى التبييت كل ليلة.
أو النظر إلى أن الليل زمن لا يصح صومه، فهو كالتابع للنهار، أو في حكم العدم معه.
أو النظر إلى اتصال الصيام، أو التعويل على صوم جميع تلك الأيام.

(هل يفتقر سارد الصوم إلى تبييت النية كل ليلة؟)

وعلى هذا التعليل اختلف في من شأنه سرد الصوم، أو من نذر صوم يوم بعينه، هل يفتقر إلى التبييت كل ليلة أو يكفيه التعويل من أوله؟ ولا شك على الشاذ من المذهب أنه يفتقر إلى التبييت.
وإنما هذا الخلاف على المشهور، فمن علَّل في رمضان بوجوب اتصال الصيام أوجب التبييت في حق من شأنه سرد الصوم وفي حق ناذر يوم بعينه، ومن علَّل بالتعويل على إدامة الصيام لم يوجبها في حق من يسرد الصوم وأوجبها في حق الناذر ليوم بعينه، ومن عوَّل على التعويل 1 على صوم الأيام أسقط التبييت عن جميع هؤلاء.
وفي المذهب في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: إيجاب التبييت إلا في رمضان كما تقدم.
والثاني: نفي إيجابها عن سارد الصوم وعن الناذر يومًا بعينه.
والثالث: إسقاطه عن الناذر 2 دون غيره.
ولو طرأ في رمضان ما أباح الفطر فهل يفتقر إلى [إعادة] 3 التبييت؟ في المذهب قولان.
وقد قدمنا مسألة الحائض تشك هل طهرت قبل الفجر أو بعده؟ وأن الأشياخ أخذوا منها أن إعادة التبييت لا يلزم، لأنه إنما علَّل في المدونة وجوب القضاء بأنها لا تدري أطهرت قبل الفجر أو بعده، ولم يلتفت إلى النيَّة.
وهذا الاستقراء ظاهر على أنه قد يُعلِّل [بعلَّة] 4 ثم يعوِّل

على غيرها.
وهذا كما قدمناه في الإمام أن يقرأ الإمام سورة فيها سجدة 1 في صلاة الفرض خيفة التخليط.
ثم سئل عن الفذ فكرهه أيضًا.
والتخليط مأمون في حقه.
وسبب الخلاف في وجوب إعادة النية 2 النظر إلى التعويل على إدامة الصوم في الأول ووجوبه.
وما طرأ من الفطر غير مؤثر في النية الأولى، ولا يفتقر إلى تبييت.
أو النظر إلى تخلل زمان يصح 3 صومه [وفطره] 4، فصار قاطعًا للنية الأولى.
وقد فرق بعض المتأخرين بين الحائض وغيرها بوجهين: أحدهما: أنها معولة في الغالب على وجود الحيض فتفطر فيه، ثم تعود إلى الصيام وكأنها قاصدة في الأول إلى التبييت بعد انقطاع الحيض، بخلاف المريض والمسافر وهذا ظاهر في المريض وأما المسافر فإن عوَّل من 5 أول رمضان في أول صومه على أنه يسافر، فهو كالحائض.
والثاني: أنَّ زمن الحيض لا يصح صومه فأشبه الليل، بخلاف المسافر والمريض.
وإذا قلنا بصحة التبييت من الأول فإنما يجتزي بذلك ما لم يأت بما يناقض نيته 6. وإن أتى بما يناقض، وقصد إلى الفطر؛ فإن كان بعد انعقاد الصوم في أثناء النهار فقولان: أحدهما: أن ذلك لا يضره، والثاني: أنه يبطل صومه.
وهما على الخلاف في الصوم، هل كل جزء منه قائم بنفسه أو أواخره مبنية على أوائله.
فإن قلنا إن كل جزء يعطى حكم نفسه أبطلنا الصوم.
وإن قلنا إن أواخره مبنية على أوائله اختلف في هذا على الخلاف في رفض العبادة

هل يؤثر أم لا؟ وإن كان قصده إلى رفض النية قبل الفجر فلا يصح صومه.
وفي هذا نظر إذا قلنا إن جميع الشهر في حكم اليوم [الواحد] (1)، فعلى هذا يختلف فيه وإن قصد إلى الرفض قبل الانعقاد وقبل طلوع الفجر.
...

باب في أحكام الكفارة

2 والنظر فيها ينحصر في فصلين: أحدهما: على من تجب، والثاني: في صفتها.
فأما الأول فقد تقدَّم [الكلام] 3 عليه، وأما الثاني فهي صغرى وكبرى.
فالصغرى مدٌّ عن كل يوم بمدِّ النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأما الكبرى فقد اختلف المذهب في صفتها؛ فالمشهور: أنه ليس فيها إلا الإطعام.
لكن اختلف المتأخرون هل ذلك من باب الأولى ويجزئ غيره، أو من باب الأوجب فلا يجزئ غيره.
والشاذ أن يكون بالإطعام وغيره.
وإذا قلنا بهذا فهل تتنوع بقدر 4 أنواع الموجب، أو تكون على حدٍّ سواء.
في المذهب قولان: والأشهر تساويهما وإن اختلف الموجب.
والشاذ أنها بالإطعام إن كانت بغير جماع، وعتق أو صيام 5 إن كانت بالجماع.
وإذا قلنا بالتساوي فهل هي على التخيير ككفارة الأيمان أو على الترتيب ككفارة الظهار؟ في ذلك قولان.
وإذا قلنا بالتخيير هل يبتدأ بالطعام أولًا أو بالعتق؟ في ذلك قولان.
وسبب الخلاف اختلاف ظواهر، [فَعُول في] 6 المشهور على قوله ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ تعالى: 7، وحمله على الكفارة1

الكبرى بتعمد الفطر.
وقد قدمنا الخلاف في معنى الآية.
ومن فرَّق بين الموجب 1 رأى أن الآية محمولة على الفطر بغير الجماع، والأحاديث تقتضي الفطر بالجماع، ونظر أيضًا إلى أن الأشد والآثم [يجب على الأشد في الارتكاب] 2 والجماع أشد والشهوة فيه أغلب، فكان الواجب عنه أكبر 3 من الواجب عن غيره.
ومن قال بالترتيب عوَّل على ما في بعض الطرق من أنه - صلى الله عليه وسلم - سأل المستفتي له هل يستطيع إعتاق رقبة؟ فلما أخبره بعدم قدرته على ذلك سأله عن استطاعته الصوم، فلما أخبره بالعجز عنه سأله عن القدرة عن الإطعام.
فهذا يقتضي الترتيب ككفارة الظهار، ولأنها أيضًا تنوعت بأنواع الظهار ومقدرة 4 بقدرها فتجب المساواة بينهما.
ومن خيَّر فلما في بعض الطرق من التخيير، وكأن من يرى أن الأولى الابتداء بالعتق يراعي مذهب المرتبين، ومن يرى الابتداء بالإطعام يراعي مذهب المقتصرين عليه.
هذا مبادئ سبب الخلاف بحسب ما يليق بهذا المجموع.
والإطعام [ستون مدًّا] 5 لستين مسكينًا كما في الظهار، وكذلك في الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - 6. وهل تكون من عيش المكفِّر أو من غالب عيش الناس

إن اختلف ذلك.
قال أبو الحسن اللخمي: "يجري على الخلاف في الكفارة في زكاة الفطر".
وأما الرقبة فيشترط فيها السلامة [والإيمان] (1) كما يشترط في سائر الكفارات.
وبيان ذلك يأتي في كتاب الإيمان والظهار.
...

فصل (تعدد الكفارة)

وعندنا أن الكفارة تتعدد بتعدد الأيام.
وهل تتعدد بتعداد الانتهاك في اليوم الواحد؟ أما إن انتهك قبل أن يكفِّر فلا خلاف أنها لا تتعدَّد، وأما إن كفَّرَ ثم انتهك، فإن أكل أو شرب أو جامع فللمتأخرين قولان: أحدهما: إيجاب كفارة ثانية وثالثة وإن أكثر الانتهاك تكررت (2) الكفارة.
والثاني: الاقتصار على كفارة واحدة وهو خلاف في عودة حرمة اليوم بإخراج الكفارة أو نفي عودتها.

(عقوبة من ظهر عليه الأفطار متعمداً)

وتجب العقوبة على من ظهر عليه الإفطار في رمضان متعمدًا.
وإن جاء مستفتياً [تائباً] 3 فأجراه أبو الحسن اللخمي على الخلاف في شاهد الزور إذا جاء مستفتيًا.
وفي عقوبته قولان.
والظاهر هاهنا نفي العقوبة لأنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعاقب المستفتي له في ذلك 4. وأيضاً، فإن شهادة الزور أكبر من انتهاك حرمة الصوم لتعلقها بالغير 5، ولأن الرسول عليه السلام12

عدَّها من أكبر الكبائر ثم ردَّدَّ قوله: "ألا وقول الزور" حتى تمنىَّ الحاضرون سكوته" (1). وإذا وجبت العقوبة كان مصروفة إلى الاجتهاد بقدر جرأة الفاعل وعدم جرأته.

(وجوب الكفارة على السفيه)

وتجب الكفارة على كل مكلف وإن كان سفيهاً.
ويكفر عنه وليُّه بالإطعام إن قلنا إنه متعيِّن، أو يأمره بالصيام إن قلنا بأن الكفارة على التخيير.
وأما إن قلنا إنها على الترتيب فتجري على حكم كفارة الظهار.
وفيها خلاف هل يجزي على السفيه الصيام عنه وإن كان واجداً للرقبة، أو لا تجزيه إلا الرقبة؟ وبيانه يأتي في موضعه.
...

باب في أحكام نذر الصيام والتطوع

والأصل في النذر أنه إلزام من المكلَّف، فيحاذي فيه قصده وما نصَّ عليه.
وإن لم يقصد شيئًا 2، وكان اللفظ محتملاً الأقل والأكثر فبأيهما يلزم؛ في المذهب قولان: أحدهما: أنه يلزمه 3 الأكثر حتى ينصَّ على الأقل أو يقصد؛ لأنه عمَّر ذمته، ولا تبرأ إلا بالأكثر.
والثاني: أنها تبرأ بالأقلِّ حتى ينصَّ على الأكثر أو يقصده 4.1

هذا القانون في هذا الباب وإليه ترجع أكثر مسائله، ومنها أنه لو نذر 1 صياماً ونصَّ على لزوم التتابع فيه أو قصده فلا يختلف في لزوم ذلك، فإن نصَّ على عدم التتابع أو قصده فلا يختلف فيه أنه لا يلزم.
وإن أتى بلفظ محتمل ولم يقصد شيئًا ففي المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يلزمه التتابع، ذكر أعواماً أو شهورًا جملة أو واحدًا [أو أيامًا.
والثاني: أنه لا يلزمه التتابع في الثلاث صور.
والثالث: أنه إن ذكر أعوامًا أو شهورًا جملة أو آحاداً] 2 لزمه التتابع.
وبالعكس إن ذكر أيامًا فقولان في اللزوم ونفيه، راجعان إلى الأصل المتقدم.
وأما 3 التفرقة فلأن الأيام عند هذا القائل يصح تواليها وعدم تواليها.
والشهور والأعوام تقتضي ألفاظها الموالاة.
وهذا شهادة وحكم على اللغة والتحاكم إليها، [وكأن هذا القائل] 4 يرى أنه كالنص على التتابع إذا ذكر شهرًا أو شهوراً أو أعواماً، أو كالآتي بلفظ يقتضي ظاهره ذلك.
فخرج عنده اللفظ عن أن يكون مستجملاً 5 لا يقتضي شيئًا.
وينخرط في هذا السلك أن ينذر شهرًا ويبدأه 6 في أثناء الشهر لا في أوله، ففيه قولان: أحدهما: أنه يجزيه تسعة وعشرين يوماً لأنها الأقل.
والثاني: أنه يلزمه 7 إكمال ثلاثين يوماً لأنه الأكمل.
ومنه أيضًا أن ينذر نصف شهر ففيه قولان 8: أحدهما: هل يبرأ بأربعة عشر يومًا، أو لا يبرأ إلا بخمسة عشر يومًا.

وكذلك [اختلف] 1 لو حلف ألا يفعل فعلاً إلى 2 نصف شهر؛ ففيه القولان كما تقدم.
ومن هذا الأسلوب أيضًا أن ينذر سنة بعينها، فهل يلزمه أن يقضي الأيام التي لا يصح صومها؟ في ذلك قولان.
ولو نصَّ على القضاء أو قصده لم يختلف فيه، [ولو نصَّ على [نفي] 3 القضاء أو قصده لم يختلف فيه أيضًا] 4، وإنما الكلام على نفي النص والقصد إليه، وكلامنا 5 على قضاء يومي العيدين.
وأما اليومان اللذان بعد يوم النحر فحكمهما الفطر على المشهور من المذهب.
وقد قدمنا ما فيهما من الخلاف.
وأما اليوم الرابع من يوم النحر فيصومه هذا، على المشهور من المذهب، فقد قدَّمنا ما فيها من الخلاف أيضًا.
فإذا 6 قلنا إنه يقضي من الأيام التي يفطر فيها، فهل يلزمه قضاء شهر رمضان أيضًا لأنه يصومه لغير النذر؟ للمتأخرين فيه قولان: أحدهما: أنه لا يلزمه القضاء؛ لأنه نذر أن يصوم وقد صام.
والثاني: لزومه 7. وكل ما رأيت من الخلاف بين الأقل والأكثر فهو جار على هذا الأسلوب الذي ذكرناه، وعليه يجري حكم 8 الأيمان [في ذلك] 9 هل يبدأ فيها بالإقل أو بالأكثر؟ في المذهب في ذلك قولان.
وسيأتي بيانه في [كتاب] 10 النذور إن شاء الله.

...

فصل (كراهية النذر)

وكرِه مالك رحمه الله توقيت منذور من صيام أو غيره، وهذا إن كان لأمر يرجوه المكلَّف أو يخافه، ففي الحديث النهي عن ذلك.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إنما يستخرج ذلك من البخيل" 1 معناه: أن هذه الأشياء تكون كالمعاوضة، وأن المكلَّف إذا فعل منها فعلًا استحق أن يعاوض 2 عنها بمطلوبه.
والله تعالى يجلُّ عن الأعواض والانتفاع بالعبادات.
وإن كان النذر لغير ذلك فكراهيته لئلا يأتي وقت العبادة في زمان يشق على الإنسان أداؤها فيه، فيأتيها مسخطًا أو مكرهًا، فيكون حينئذ إلى العقوبة أقرب منها إلى المثوبة 3. لكن من نذر [من ذلك] 4 شيئًا فعليه الوفاء بنذره لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من نذر أن يطيع الله فليطعه" 5. وهذا إذا نذر ما يكون طاعة ويصح انعقاده.
ومثاله في الصوم أن ينذر صيام يوم قدوم فلان فيقدم ليلًا، فإنه [يصح صيامه] 6 صبيحة تلك الليلة.
وإن قدم نهارًا فلا يصح انعقاد الصوم لذلك اليوم عندنا.
وهل عليه قضاؤه؟ في المذهب قولان، وهما على الخلاف في القصد هل يتعلق باليوم بعينه فلا يكون عليه القضاء، أو يتعلق بوجوب صوم يوم شكرًا لله تعالى؟ فإن صحَّ صوم يوم القدوم صامه، وإلا صام يومًا مكانه.
ولو قدم في الأيام الممنوع صومها كيومي العيدين؛ فالمنصوص نفي القضاء.
وخرَّجه أبو الحسن اللخمي على الخلاف، وهو بيِّن على ما علَّلناه.

(من نذر يوماً بعينه فنسيه)

ومن مواقع (1) الخلاف في النذور أن ينذر يومًا بعينه ثم ينساه؛ ففي المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يصوم يومًا من أيام الجمعة كائن ما كان، وهذا نظراً إلى أن المقصود يومًا (2) وهي متساوية.
والثاني: أنه يصوم سائر الأيام؛ لأنه عيَّن يوماً وجهله، فلا يتحصل له إلا بصوم جميع الأيام.
وكان هذين القولين جاريان على ما تقدم في براءة الذمة بالأقل أو بالأكثر.
والثالث: أنه يصوم آخر يوم [من الجمعة] (3)، فيجعله قضاء إن لم يكن هو.
وهذا نظرًا إلى المقصود (4)، لكنه راعى التعيين.
...

فصل (ما يقطع التتابع)

وقد قدمنا الخلاف في صيام أيام التشريق لمن نذرها أو قضى فيها رمضان، وذلك الخلاف جار في صومها عن الكفارات.
وإذا كانت الكفارة مما يلزم تتابعها فلا تبتدئ في أول ذي الحجة ولا في أول ذي القعدة، للعلم بأن التتابع سينقطع.
فإن 5 ابتدأت قصدًا، فلا شك في قطع التتابع ووجوب الابتداء.
وإن ابتدأ قبل ذلك فطرأ مرض أو عذر اقتضى الإفطار حتى [رجع إلى الصيام] 6 في ذي الحجة وتخلل يوم النحر 7 فهل ينقطع بذلك التتابع؟ في المذهب [قولان، وهما على1234

الخلاف في الإفطار لعذر النسيان أو غيره هل ينقطع به التتابع أم لا؟ في المذهب] (1) ثلاثة أقوال: انقطاعه، وعدم انقطاعه، والتفرقة بين أن يقع (2) الإفطار [مع القصد، ظاناً] (3) أن الزمان ليس بزمان الصوم، فينقطع (4) التتابع.
[أو يقع النسيان مع العلم بأن الزمان زمان الصوم، فلا ينقطع التتابع] (5). ويمكن تخريج هذا على الخلاف في الصيام والنذر، هل بابه من أبواب المأمورات فلا يفترق عمده من نسيانه، أو من باب المنهيات فيفترق كما قدمناه في كتاب الطهارة؛ وأما التفرقة فلأن ناسي العدد أو جاهل الزمن معه ضرب من التفريط، فلا يصح عذره.
...

[فصل] (6) (حكم من أفطر في صوم نذر)

ومن أفطر في صوم نذرة فإن كان عمدًا 7 [عصى ووجب] 8 عليه القضاء، وإن كان نسيانًا أو لعذر؛ فإن كان النذر غير معيَّن وجب القضاء، وإن كان معيَّنا فأربعة أقوال: أحدها: وجوب القضاء مطلقًا قياسًا على رمضان، ولأن في ذمَّته صومًا لم يوف به.
والثاني: نفي القضاء، وهو بناءٌ على أن بابه باب المنهيات.
والثالث: إيجاب القضاء في النسيان ونفيه في الحيض والمرض؛ لأنّ الناسي معه ضرب من التفريط.
والرابع: النظر إلى123456

أن المقصود هل هذا اليوم لمعنى فيه فلا يجب القضاء، أو إنما المقصود [صوم] (1) يوم فيجب القضاء.
...

فصل (إجازة مالك صوم الأبد)

والتطوع بالصوم لا شك أنه مشروع.
وأجاز مالك رحمه الله وأصحابه صوم الأبد.
وحكى أبو الحسن اللخمي عن غير واحد منعه، وليس كما قال، [بل مذهب] 2 فقهاء الأمصار جوازه.
وإنما حكى البغداديون الخلاف عن أهل الظاهر 3. وما ورد في الحديث من النهي عن صيام الأبد 4 محمول عند المجيزين على أشخاص مُعيَّنين عَلِم - صلى الله عليه وسلم - من أحوالهم العجز عنه، أو لحوق المضرة بهم.1

(ما يستحب صيامه)

ومما ورد في الشريعة التحضيض 1 على صيام يوم عرفة.
وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال فيه: "يُكَفِّرُ السنَتَينِ 2 الماضِية والمستقبَلَة" 3. ويليه في الفضل يوم عاشوراء، وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كصوم سنة 4. ويلحق به صوم يوم التروية.
ومن المرغب فيه صوم الأشهر الحرم 5 وشعبان؛ فإنه كان - صلى الله عليه وسلم - يكثر الصيام فيه 6، وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - الترغيب في صوم ستة أيام من شوال 7 وهي ما بعد يوم الفطر وأنه كصيام الدهر، وهذا لأنّ الحسنة بعشر 8 أمثالها.
فيحصل بصيام رمضان وبصيام هذه الستة الأيام ثلاث مائة وستون يوما.
وقد كره مالك صيامها، وهذا على رأيه في كراهية التحديد، لا سيما فيما يلحقه الجاهل بالفرائض.
وأجاز مطرِّف صيامها.

(كراهية إفراد الجمعة بالصوم)

ومما وقع النهي عنه في الحديث إفراد يوم الجمعة بالصوم، لئلا يعظم كتعظيم 1 اليهود للسبت، وأجازه مالك.
قال الداودي 2 وإنما أجاز إفراده بالصوم لأنه لم يبلغه الحديث.
يريد أنه لو بلغه لنهى عنه.
ومما ثبت الترغيب فيه صوم ثلاثة أيام من كل شهر.
وقد قدمنا أن بعض المفسرين يقول هي المراد بقوله تعالى: ﴿أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ 3. وإنما رغب في صيامها لما قلنا من الحسنة بعشر 4 أمثالها.
فيحصل من ذلك صيام الأبد.
لكن اختلف في أي الأيام يتعيَّن 5 الصوم؛ فروت عائشة رضي الله عنها عنه - صلى الله عليه وسلم -: "أنه كان لا يعيِّن من الشهر يومًا بعينه" 6، وروى عنه أبو الدرداء أنه حضَّه 7 على الأيام البيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر 8. وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يصوم الأول والحادي عشر والواحد والعشرين.
واستحب أبو الحسن القابسي أن يصوم من أول الشهر للمبادرة 9 إلى الأعمال خشية القواطع 10. وهذه الآثار تقتضي نفي التعين.

فصل (في قيام رمضان)

وقد تقدم أن قيام رمضان من الفضائل.
والانفراد به في البيوت أفضل لأنه أسلم للنية، إلا لمن صحَّت نيَّته، أو إذا كان الانفراد يؤدي إلى تعطيل القيام في المساجد.
ولا يلزم القيام بجميع القرآن، لكنه الأولى مع القدرة عليه.
ولا يترك من يستكمله ويصلي وراء غيره إلا أن يكون في ذلك الغير معنى من الصلاح، أو ما في معناه ليس في المستكمل.
ويجوز أن يقوم من المصحف إذا استمر على القراءة فيه، لا أن ينظر فيه 1 عندما يشكل عليه لأنّ في هذا شغلًا كثيراً.
وليس في أعداد الركعات شيء 2 مؤقت لا يجوز غيره.
[وقد روي: إحدى عشر ركعة كقيام النبي -صلى الله عليه وسلم-، وروي ثلاثة وعشرون، وروي تسعة وثلاثون.
وهذا الذي استحب مالك] 3. وبالجملة ليس فيها 4 توقيت كما قدمناه.
وإذا كثرت الركعات قلَّت القراءة، وبالعكس.
وما يتعلق بالقنوت وغير ذلك من الأحكام قد تقدم في كتاب الصلاة.

فصول الكتاب · 12 فصل · 967 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العبادات · 967 صفحة
المقدمة
كتاب التنبيه على مبادئ التوجيه،
كتاب الجامع
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الجنائز
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة
كتاب الزكاة الثاني
جارٍ التحميل