(حكم سجود التلاوة)
وقد بدأ فيه بأحكام سجود التلاوة 1، وأجمعت الأمة على أنها مشروعة 2. واختلفوا هل هي واجبة أو مندوب إليها؟ ومذهب مالك رحمه الله إسقاط الوجوب معولاً على قول عمر رضي الله عنه: "إِنَّ اللهَ لَمْ يَكتُبهَا عَلَينَا إِلاَّ أَنْ نَشَاءَ" 3. وقد ترك السجود بحضرة الصحابة، وقال ما حكيناه عنه وهو على المنبر، ولم ينكر عليه أحد.
وقد اختلف الأصوليون هل يعد قوله هذا إجماعاً لترك الإنكار أم لا يعد؟
وإذا تقرر أن المذهب إسقاط وجوبها فهل تلحق بالسنن، أو تنزل عنها إلى الفضائل؟ للمتأخرين قولان:
أحدهما: عدها فضيلة، قاله القاضي أبو محمد.
وهذا طريق أبي القاسم ابن الكاتب.
واحتج بقول مالك رحمه الله تعالى في المدونة: يستحب له إن قرأها في أثناء الصلاة ألا 4 يدع سجودها 5 فأطلق عليها في الكتاب لفظة الاستحباب.
وهذا يدل على أنها فضيلة.
والقول الثاني: أنها سنة، قاله أبو القاسم ابن محرز (1). واحتج بما في المدونة من أنه يسجد لها بعد الصبح ما لم يسفر، وبعد العصر ما لم تصفر الشمس.
وشبهها بالجنائز.
وهذا التشبيه يقتضي أنها سنة كالجنائز.
ولا يسلم هذا الذي قاله من الاعتراض لأنه يمكن أن يحمل التشبيه على جواز السجدة (2). والأمر به في هذا الوقت، لا على أنها تشبه الجنائز في كل الأحكام.
وقد قدمنا سبب الخلاف فيما يلحق بالسنن أو يعد من الفضائل، وهو ما يدوم من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكن في غير الجماعات.
وسجود التلاوة (3) من هذا القبيل.
وإذا تقرر هذا قلنا: أحكام السجود تنحصر في أربعة فصول: أحدها: أعداده.
والثاني: مواضعه من الآي.
والثالث: شروطه وصفاته ومن يؤمر به.
والرابع: أوقاته.
(أعداده)
فأما أعداده فقد اختلف المتقدمون من أهل المذهب في ذلك على ثلاثة أقوال: فالمشهور: أن أعداده إحدى عشرة [سجدة] 4 ليس في المفصل منها شيء، أولها آخر الأعراف، وآخرها حم تنزيل 5. والقول الثاني: أن أعداده خمس عشرة يضاف إلى ما سميناه سجود آخر الحج، وثلاثة في المفصل: آخر النجم، وآخر العلق 6، وسجدة في الانشقاق.
ونذكر الخلاف في مواضعها بعده.123
والقول الثالث: أن أعداده أربعة عشر موضعاً فأسقط مما ذكرناه سجدة آخر الحج 1. وجمهور متأخري أهل المذهب يرون أن هذا خلاف، وأن المشهور ترك السجود فيما عدا الأحد عشر موضعاً.
والقاضي 2 أبو محمد يرى أن السجود مأمور به في جميع الخمسة عشر، لكنه في الأحد عشر آكد منه في الباقي.
وعليه يتأول المشهور.
ويحتج بقول مالك في موطئه:"عَزَائِمُ سُجُودِ القُراَنِ إِحدَى عَشرَةَ سَجدة" 3. وهذا يدل على أن في القرآن سجودَ [غيرِها] 4، لكنه ليس من العزائمِ.
فيصير المذهب عنده على أن السجود مشروع في الأحد عشر موضعاً متأكداً، وفي غيره من الأربعة مواضع غير متأكد.
وهو غير مشروع في غير هذه المواضع.
وسبب الخلاف على ما قاله الجمهور اختلاف آثار؛ فحكى زيد بن ثابت وابن عباس وغيرهما أن الرسول عليه السلام لم يسجد بعد الهجرة في المفصل 5. وحكى أبو هريرة وغيره أنهم سجدوا في المفصل خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 6 وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل هل في الحج سجدتان؟ فقال: نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأ 7. وهذا يقتضي تأكيد السجود وثبوته في
آخر الحج.
لكن هذا الحديث لم تثبت فيه شروط الصحة.
والذي صوبه المحققون من المتأخرين ومن لقيته من الأشياخ ثبوث السجود في المفصل.
لأن من حكى نفي حكم السجود إنما ذكر ما رأى، ومن أثبت أولى ممن نفى، ولا سيما وقد يترك (1) السجود ليبين أنه ليس بواجب ويسجد (2) ليبين أنه مشروع.
فإذا أمكن صرف الترك إلى هذا المعنى لم يكن فيه دليل على انحصار السجود في الأحد عشر موضعا.
...
فصل (مواضعه من الآي)
وأما مواضع السجود من الآي فاختلف فيه في ثلاثة مواضع: أحدها: سجدة ص، فقيل يسجد عند قوله جل ذكره ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24)﴾ (3)، وقيل: يسجد عند قوله ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ (29)﴾ (4). والثاني: سجدة ﴿حم 1 [تَنزِيلُ]﴾ 5، فقيل: يسجد عند قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172)﴾ 6، وقيل: عند قوله عز وجل: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38)﴾ 7. والثالث: سجدة الانشقاق، فقيل: يسجد في آخر السورة، وقيل: عند قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (21)﴾ 8. وسبب الخلاف هل النظر إلى سبب السجود فيسجد عند كمال الآية234
بعد ذكر السجود، أو النظر إلى كمال الثناء على المطيع 1 والذم للعاصي، فيسجد عند كمال ذلك؟
ولم يختلف في محل السجود في غير ما ذكرناه، فيسجد في الأعراف عند ختمها.
وإذا سجد وكان في الصلاة ثم قام فهو غير إن شاء أن يركع 2 من غير أن يقرأ شيئاً من غيرها، وإن شاء قرأ ثم ركع.
والسجدة في الرعد عند قوله تعالى: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ 3، وفي النحل: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ 4، وفي سبحان: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ 5، وفي مريم: ﴿وَبُكِيًّا﴾ 6، وفي الحج: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ 7. وإن أثبتنا السجدة في آخرها فعند قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ 8. وفي الفرقان: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ 9، وفي النمل: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ 10، وفي ألم السجدة: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ 11، وفي النجم آخرها.
وهو مخير بعد الرفع كما ذكرناه بين أن يركع أو يقرأ من غيرها.
وكذلك في سورة القلم.
وخيره ابن حبيب بين السجود والركوع فينوب له ذلك عن ركوع الصلاة وعن سجود التلاوة.
وهذا كأنه ترك السجود.
...
فصل (شروط السجود)
وأما شرط (1) السجود فهو جزء من الصلاة، فيشترط فيه عندنا جميع ما يشترط في الصلاة؛ من طهارة الحدث والخبث، وستر العورة، واستقبال القبلة.
وهل يُحرِم له ويسلم منه؟ أما الإحرام الزائد على التكبير للهَوْيِ (2) فلا يشترط عندنا.
وكذلك لا يشترط السلام إذ لم يثبت، وإنما هو مجرد سجود.
وهل يكبر له عند الإهواء والرفع منه؟ أما إن كان في صلاة فيكبر، وإن كان في غير صلاة ففيه ثلاثة أقوال: في الكتاب الأمر بالتكبير، وكراهيتها، (3) وخيره ابن القاسم.
وسبب الخلاف القياس على سجود الصلاة وسجود التلاوة إذا كان في صلاة، فعلى هذا يكبر، والقياس (4) على الإحرام والتسليم، فلا يكبر.
وأيضاً فإن التكبير مشروع في الصلاة الكاملة، وهذا ليس منها.
والتخيير لتعارض ما قلناه.
(من يؤمر بالسجود)
ويؤمر به كل تال للقرآن في غير صلاة فريضة إذا مر بإحدى الآي التي قدمناها 5. وهذا إذا كان في وقت يجوز فعله فيه على ما نبينه، وهو على الصفات التي قدمناها في شروط الصلاة.
وهل يؤمر به مستمع القراءة؟ أما إن لم يقصد الاستماع فلا يؤمر، وإن قصد وكان الثاني ممن لا تصح إمامته فلا يؤمر، وإن كان ممن تصح إمامته وسجد الثاني أمر به، وإن لم يسجد فقولان: المشهور أن يؤمر به1234
لأن الاستماع كالتلاوة، وأصلها اكتفاء المأموم بقراءة الإمام (1). والقول الثاني أنه لا يؤمر، لما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - "أنه قرأ رجل عنده آية من القرآن فيها سجدة فسجد الرجل وسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - معه، ثم قرأ آية أخرى فيها سجدة وهو عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فانتظره النبي (2) أن يسجد فلم يسجد فقال له في ذلك فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: كنت إمامنا ولو سجدت لسجدت معك" (3). وقال بعض الشافعية: إنما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السجود لينبه القارئ أنه أخطأ بتركه إياه، وإنما كان القارئ هو المأمور به أولاً والمستمع في حكم التبع.
وهو غير واجب فلا يبعد تركه لقصد البيان.
(كراهيه قراءة آية السجدة وحدها لأجل السجود)
وقد كره في المدونة أن يقرأ الرجل السجدة وحدها ليسجد لها (4). واختلف الأشياخ هل يريد لفظ السجدة خاصة وموضع السجود منها أو كل الآية؟ فلهم في ذلك قولان: أحدهما: أنه إذا قرأ الآية جميعها جاز، وجاز السجود لأنه حصل تالياً لذلك.
والثاني: أنه لا يجوز له ذلك؛ لأن حكم التلاوة لم يحصل له، وإنما حصل لمن استمر على قراءة السورة (5).
(حكم قراءة السورة التي فيها السجدة في الصلاة)
وهل تجوز قراءة السورة التي فيها السجدة في الصلاة؟ أما في صلاة النافلة فلم يختلف المذهب في جواز ذلك.
وهذا إذا كان فرداً أو كان في12345
جماعة يأمن التخليط فيها فظاهر، وإن كان في جماعة لا يأمن ذلك فيها، فالمنصوص أيضاً جوازه لما ثبت من فعل الأولين في صلاة النفل في رمضان وهم مجتمعون فيمرون بالسجدة فيسجدون.
وأما في الفريضة فإن كانت صلاة سر أو جهر وخاف أن يخلط على من خلفه، فلا يجوز له ذلك.
لأنه قد يؤدي إلى بطلان الصلاة، وكل ما أدى إلى بطلانها فممنوع.
وأما إن أمن التخليط وكانت صلاة جهر، أو كان فرداً ففيه قولان: المشهور النهي عنه، والشاذ جوازه.
وقد علل المشهور بأنه إذا قرأ السجدة وسجد بها، كان زائداً في أعداد الفريضة، وذلك لا يجوز.
والصحيح جوازه (1) لما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - من أنه كان يداوم على قراءة ألم تنزيل السجدة في الركعة الأولى من صلاة الصبح (2). وعلى هذا كان يواظب الأخيار من أشياخي وأشياخهم.
وإذا منعناه أن يقرأ بالسجدة في صلاة السر فإنه إذا قرأ ووصل إلى السجدة فينبغي له أن يجهر إذا عول على السجود لها ليعلم من خلفه أنه إنما سجد للتلاوة.
وإن لم يجهر وسجد فهل يتبع في السجود؟ للمتأخرين قولان: أحدهما: أنه يتبع فيه للزوم متابعة الإمام، والثاني: أنه لا يتبع لجواز أن يكون سجد ساهيا ولم يقرأ آية السجدة.
(حكم من نسي سجود التلاوة في الصلاة)
وإذا أبحنا له أن يقرأ في النافلة بما فيه السجدة فقرأ ثم نسي أن يسجد في موضع السجود فلا يخلو من أن يذكر ذلك قبل التطاول 3 أو بعده، وقبل أن ينحني للركوع أو بعد ما انحنى للركوع ولم يرفع رأسه، أو بعد ما رفع رأسه.
فإن ذكر قبل أن يتطاول سجد عند ذكره ولم يؤمر بإعادة12
آية السجدة (1). وإن ذكره بعد التطاول أمر بإعادة قراءة الآية التي فيها ذكر السجود [وسجد] (2). وإن ذكر بعد أن خر للركوع فهل يتمادى على ركوعه ويترك السجدة، أو يخر إلى السجدة؟ فيه قولان.
وهما على الخلاف في عقد الركعة ما هو؟ هل هو وضع اليدين على الركبتين؟ أو رفع الرأس منها؟ فإن قلنا عقد الركعة وضع اليدين على الركبتين، تمادى على ركوعه.
وإن قلنا عقدها رفع الرأس منها، خر للسجود ساجدا.
وعكس هذا أن يريد السجود فيركع فهل يجزيه هذا الانحطاط على الانحطاط إلى الركوع فيه قولان (3). وهما على الخلاف في الحركة إلى الأركان هل هي مقصودة فلا يجزيه، أو غير مقصودة فيجزيه.
وإن ذكر السجدة وقد رفع رأسه من الركوع فلا يسجدها في الحال، لكن إن كانت هذه الركعة هي الأولى من النافلة قرأها في الركعة الثانية ويسجد لها.
ومتى يقرأها هل قبل أم القرآن أو بعدها؟ للمتأخرين قولان: أحدهما: أنه يقرأها قبل أم القرآن؛ لأنها قضاء عن الركعة (4). وإنما يكره أن يقدم على أم القرآن غيرها إذ لم يكن له سبب مثل هذا، وإذا ظهر له السبب جاز له التقدم.
والثاني: لا يقرأها إلا بعد أم القرآن، إذ أصل المذهب (5) أن المشروع أنه يأتي بها عقيب التكبير من غير فاصل.
فإن كانت الركعة هي الثانية من النافلة، فإن كان يركع بعدها نافلة أخرى قرأ بها وسجد، وإلا فقد فات موضع السجود.
...
فصل (أوقاته)
وأما أوقات السجود؛ فإنه يجوز في كل وقت يجوز فيه أداء النوافل.
ويجوز بعد طلوع الفجر، وقبل صلاة الصبح، وبعد مغيب الشمس قبل12345
صلاة المغرب.
وهل يجوز بعد صلاة الصبح إذا لم يسفر، وبعد صلاة العصر إذا لم تصفر الشمس؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه لا يجوز، قاله في الموطأ.
والثاني: جوازه، وهو مذهب الكتاب (1). والثالث: التفرقة، فيجوز بعد الصبح ولا يجوز بعد العصر، قاله ابن حبيب.
وقد قدمنا ما قاله أبو القاسم ابن محرز من [أن] (2) السجود بعد الصبح وبعد العصر يقتضي كونه سنة، ولهذا شبهت بصلاة الجنائز.
وعلى هذا يكون النهي في السجود في هاذين الوقتين يقتضي كونه فضيلة.
وأما تفرقة ابن حبيب فلأن النهي عن الصلاة بعد العصر أشد من النهي عنها بعد الصبح.
إذ (3) اختلف المذهب هل تأخير الفريضة إلى الاصفرار محرم أو مكروه.
وتأخيرها إلى الإسفار لم يختلف أنه غير محرم.
وإنما اختلف هل هو جائز أو مكروه.
...
فصل (وجوب الوضوء عند لمس القرآن)
ولا خلاف في الأمر بالوضوء لمن أراد مس القرآن.
وهل ذلك الأمر واجب؟ المشهور من مذاهب العلماء وجوبه.
وروى مالك رحمه الله في موطئه أن في الكتاب الذي كتبه الرسول عليه السلام لعمرو بن حزم 4 أن لا يلمس القرآن إلا طاهر 5. واختلف في معنى قوله تعالى: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا123
الْمُطَهَّرُونَ (79)} (1)؛ فقيل: هو على ظاهره من الخبر، والمراد بالمطهرين الملائكة، وهو رأي مالك رحمه الله في موطئه.
وأكثر أهل المذهب على حمل الآية على الأمر، وإن كان ظاهرها الخبر.
ويكون موافقاً للحديث المتقدم.
فإذا أوجبنا الوضوء (2) لمس المصحف، فهل ذلك في حق كل مريد لمسه؟
أما غير المتعلم والمعلم فذلك واجب في حقه بلا خلاف، إلا أن يمسكه مع أشياء كثيرة ولم يقصد إلى حمله.
وإنما قصد حمل ما معه كالرحل يكون فيه المصحف.
فإن قصد إلى حمل المصحف منع إلا بطهارة.
وأما المتعلم فلا خلاف في المذهب في جواز مسه للمصحف بغير طهارة، لأنه مضطر إلى مسه ويشق عليه تكرار الوضوء.
وأما المعلم ففيه قولان: أحدهما: أنه كالمتعلم.
والثاني: أنه لا ضرورة به إلى ذلك كسائر الناس.
وهذا ينبغي أن يكون خلاف في حال.
فإن كان حافظاً يستغني عن مطالعة المصحف فهو كغير (3) المتعلم.
وإن كان مفتقراً إلى مطالعته لقلة حفظه وهو يحتاج إلى العلم لأَجَلٍ (4) معجل أو مؤجل، فهو كالمتعلم.
وإذا منعنا غير المتوضئ من مس المصحف فأحرى أن يمنع من على غير الإسلام من مسّه.
وقد قدمنا الكلام على قراءة [الجنب] (5) القرآن طاهراً، ومن يجوز له ومن لا يجوز له.
...
باب في أحكام السترة في الصلاة
وأجمعت الأمة على وجوب السترة في حق المصلي على الجملة.12345
وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه متى صلى في غير الجدار ركزت له الحربة [أو العنزة] (1) فيصلي إليها.
وكان يصلي إلى بعيره (2). ونهى عن المرور بين يدي المصلي، وقال: "لَوْ يَعلَمُ المار بَينَ يَدَي المُصَلِّي مَاذَا عَلَيهِ لَكَانَ أن يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْراً لَه" (3). وشك الراوي هلَ أراد أربعين سنة، أو أربعين يوماً، أو أربعين شهراً.
فأمر بدفع من يمر بين يدي المصلي، وقال: "فَإِنْ أَبَى فَليُقَاتِلهُ فَإنمَّا هُوَ شَيطَان" (4). واختلف في معنى المقاتلة هاهنا فقيل: هي على ظاهرها، والمراد أوائلها وهو الدفع بعنف ما لم يؤد إلى العمل الكثير في الصلاة.
وقيل: معناه اللعنة، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (5). أي يلعنهم الله.
فإذا ثبت ذلك فالنظر في السترة ينحصر في أربعة فصول: أحدها: من يؤمر بها؟ وما المقدار المجزي عنها؟ وكيف صورة الاستتار فيها؟ وحكم المصلي والمار في الإثم والدفع [عن المرور] (6).
(من يُؤمر بها؟)
وأما من يؤمر بها فكل مصل في موضع لا يأمن المرور بين يديه إذا كان فذاً أو إماماً، فإن أمن المرور ففي المذهب قولان: المشهور أنه لا يؤمر بالسترة إلا أن يشاء، والشاذ أمره بها.
وسبب الخلاف هل جعلت السترة حريما للمصلي حتى يقف عندها123456
البصر فلا يتعداها؟ أو جداراً من مرور مار، فيشتغل به عن صلاته.
فإن قلنا إنها جعلت حريماً للصلاة وجبت السترة وإن أمن المرور، وإن قلنا إنها جعلت جدارا من الانشغال بالمار لم يجب مع الأمن.
فإن صلى في موضع مرتفع- على القول بأنها [لا] (1) تجب مع الأمن - فإن كان من يمر لا يظهر من أشخاصهم شيء للمصلي لم تجب السترة، وإن كان يظهر منها شيء وجبت السترة.
ولا يؤمر بها المأموم بلا خلاف.
وقد ثبت عن ابن عباس أنه مر بين يدي الصفوف راكباً حماره أتاناً، فلم ينكر عليه أحد، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إماماً والمقتدون الصحابة (2).
واختلفت ألفاظ أهل المذهب في علة سقوط السترة عن المقتدين؛ فقال بعضهم: لأن سترة الإمام سترة لهم، وقال بعضهم: لأن الإمام سترة لهم.
واختلف المتأخرون هل العبارتان بمعنى واحد، أو يختلف معناهما.
فيكون معنى أولى أن السترة التي جعلها الإمام بين يديه هي سترة للمأموم، وإذا سقطت صار حينئذٍ مصلياً إلى غير سترة.
ومعنى الثانية أن الإمام هو الساتر للمأموم.
فإذا سقطت سترته كان المأموم باقياً على حكم الاستتار، وإن ذهبت سترة الإمام.
...
فصل (ما المقدار المجزئ فيها؟)
وأما المقدار المجزي من السترة فأقله مقدار عظم الذراع في غلظ الرمح إذا كان يثبت ولا يقع.
وكره مالك رحمه الله السوط؛ لأنه لا يثبت.12
ولا تنفع السترة بالخط.
وفي الحديث الخط باطل 1. وتجوز السترة بكل ظاهر ثابت غير متنقل لا يخاف منه مضرة ولا يؤدي إلى بطلان الصلاة.
وهذه التحرزات من الاستتار بالنجاسة كقصبة 2 المرحاض وما في معناها، أو الصلاة إلى حلقة المتحدثين المستقبل وجوهَهم، أو المرأة غير ذات المحرم.
وهل تجوز الصلاة إلى الحلقة الدائرة؟ في المذهب قولان: الجواز، لأنه يستقبل ظهر الجالس.
والكراهة؛ لأنه يستقبل وجه المقابل 3 للجالس.
ومن ذلك الصلاة للنائم والمجنون.
وبالجملة غير المميز لأنه لا يُؤمَن ما يحدُث من هؤلاء من ريح ونحوه.
[وكذلك الصبي الجميل الصورة والمخنث، فإنهما يلحقان بالمرأة] 4.
وبالجملة كل من لا يؤمن معه التذكر فيما يفسد الصلاة، فإنه لا يجوز الاستتار به.
وقد أجازوا الصلاة إلى الطائفين 5 لأنهم في حكم المصلين.
...
فصل (صورة الاستتار بالسترة)
وأما صورة الاستتار فإن كانت السترة شيئاً منفردًا كحجر أو عود، فينبغي أن يجعل على اليمين.
ولا يصلي منتصباً إليه، محاذرة من التشبه بالأصنام.
وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى إلى شيء من هذا النحو جعله عن يمينه أو عن يساره ولا يصمد له صمداً 1، ويؤمر المصلي بالدنو من 2 سترته.
وقد اختلفت الأحاديث في المقدار الذي كان بينه - صلى الله عليه وسلم - وبين سترته فروى بلال ثلاثة أذرع 3، وروى سهل بن سعد ممر الشاة 4. واختلف في الجمع بين الحديثين؛ فقال أكثر الأشياخ: معنى الحديث الأول أنه كان بينه وبين سترته مقدار ثلاثة أذرع عند القيام.
فإذا سجد كان بين رأسه وبين سترته قدر ممر الشاة.
وروى أبو الطيب بن خلدون أن معنى الحديثين أنه كان عليه السلام إذا قام دنا من سترته حتى يكون بينه وبينها ممر الشاة.
فإذا أراد الركوع بعد عنها حتى يكون بينه وبينها مقدار ثلاثة أذرع.
وكان أبو الطيب هذا المذكور يفعل ذلك ويرى أنه عمل يسير من مصلحة الصلاة، لأن الدنو من السترة أحفظ للبصر 5 وأجمع للقلب.
فصل (حكم من ترك السترة ومن مر بين يديه)
فأما حكم تعلق الإثم بمن صلى إلى غير السترة، وبالمار بين يدي المصلي؛ فإن صلى إلى غير سترة بحيث لا يؤمن المرور، وللمار مندوحة عن مروره، فقد أثما جميعا.
وإن كان بحيث يأمن المرور وليس للمار مندوحة عن مروره فمر لم يأثما 1. وإن كان بحيث لا يأمن المرور وليس للمار مندوحة أثم المصلي.
وإن كان بالعكس أثم المار.
ومن المرور بين يدي المصلي مناولة الشيء من بين يديه وأخذ ما هو هناك.
ومنه تحدُّث من على 2 جانبه.
وينبغي للمصلي أن يمنع المار بين يديه بالإشارة، فإن فعل وإلا دفعه إن كان قريباً، دفعاً لطيفاً.
وإن كان بعيداً اكتفى بالإشارة، ولا يفرط في دفعه.
وقد روي أنه رفع إلى عثمان رضي الله عنه إنسان دفع ماراً وهو في الصلاة فكسر أنفه.
فقال: لو تركته لكان أهون من هذا 3، ولم يذكر في الآثار أنه ألزمه الدية.
وقال أهل المذهب: لو دفعه فسقط فمات لكان كقتل الخطأ، وتكون ديته على العاقلة.
وأجراه أبو محمد عبد الحق على الخلاف في من عض إنساناً، فأخرج المعضوض يده فكسر سن العاض؛ ففيه قولان: هل يكون على الكاسر ديته أم لا؟ وهذا أصل مختلف فيه في المذهب.
وهو في كل من أُذِنَ له إذن خاص في فعل يفعله فأدى إلى الإتلاف؛ ففيه قولان: هل يرفع الإذن ما كان عنه من الإتلاف 4.
...
باب الجمع للأعذار
وهي أربعة: المطر والمرض والسفر والخوف.
وقد قدمنا أحكام الأوقات وأوقات الفضيلة منها، وإلى أي زمن يمتد وقت الاختيار.
فمن شاء الجمع بأن (1) يؤخر أحد الصلاتين المشتركتي الوقت كالظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
فيؤدي الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها جاز ذلك له.
وإن كان تاركا للفضيلة في أداء الظهر في أول الوقت المستحب.
وأما المغرب فهل له أن يؤخرها؟ يجري على الخلاف هل يمتد وقتها فيجوز التأخير، أو لا يمتد فلا يجوز؟ وأما الجمع بتقديم الصلاة الثانية إلى وقت الأولى، وتأخير الأولى إلى وقت الثانية، فهذا لا يجوز إلا مع الأعذار على ما نبينه.
واجتمعت الأمة أنه لا يجوز الجمع بين الصلاتين المتباينتين؛ كالصبح والظهر، والعصر والمغرب، والعشاء والصبح.
...
فصل (الجمع للمطر)
وإذا تقرر ما قلناه، فهل يجمع للمطر أم لا؟ المشهور جواز الجمع على الجملة، والشاذ أنه لا يجمع إلا في مسجد الرسول عليه السلام حيث ورد الجمع.
والتفت في المشهور إلى علة الجمع وهو المطر، وذلك مما تتساوى فيه البقاع والأوقات.
والتفت في الشاذ إلى أن الجمع لتحصيل فضيلة الجماعة في بقعة مخصوصة يختص بمزيد فضيلة لا توجد في غيرها، فقصر الجمع عليها.
(هل يجمع بين الظهر والعصر أم لا؟)
وإذا قلنا بالجمع فهل يجمع بين الظهر والعصر كما يجمع بين المغرب1
والعشاء؟ المنصوص في المذهب أنه لا يجمع بين الظهر والعصر.
وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في غير خوف ولا سفر (1). قال مالك رحمه الله: أراه كان في المطر.
وقد أخذ من هذا أبو القاسم (2) ابن الكاتب وأبو الوليد الباجي جواز الجمع بين الظهر والعصر لعلة المطر.
وهو مقتضى تأويل مالك رحمه الله.
وفرق في نصوص المذهب لأن المغرب والعشاء يختص بوقت يقل التصرف فيه إلا لإدراك الجماعة فجاز مع وجود العذر تحصيلها في وقت يخف التصرف فيه ولا تدرك به مشقة.
والظهر والعصر [لا تختص بذلك] (3). وأيضاً فإن تقديم العشاء فيه فائدة الانصراف في الضوء.
وهذا حاصل في وقتي الظهر والعصر، إذا لم يقدم أحدهما إلى الآخر.
أو راعى في القول المُخَرَّج مشقة التصرف إلى المسجد، وهي تحصل بالتكرار إلى محل الصلاة.
...
فصل (في وقت الجمع)
وإذا تقرر حكم الجمع فالنظر فيه في ثلاثة فصول: أحدها: وقته، والثاني: صفته، والثالث: سببه.
فأما وقته في المغرب والعشاء فاختلف المذهب فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: أداء المغرب في أول وقتها ثم العشاء بعدها من غير تأخير.
والثاني: تأخير المغرب يسيراً ثم أداء العشاء بعدها.
والثالث: تأخير المغرب إلى آخر وقتها وأداء العشاء حينئذ.123
وقال المتأخرون: الصواب القول الأول، ولا معنى لتأخير المغرب يسيراً [ثم أداء العشاء بعدها] (1)؛ إذ في ذلك خروج الصلاتين عن وقتهما.
أما (2) المغرب ففي (3) وقتها المستحب، وأما العشاء ففي وقتها الواجب [لولا الضرورة المجيزة للجمع حيث ينصرف الناس بعد الفراغ من غير حرج ولا ظلام يشق عليهم] (4)، ولا معنى لتأخيرها إلى آخر وقتها أيضاً؛ لأن في ذلك تركاً لوقتها المستحب مع عدم الفائدة في الجمع؛ لأنهم متى فعلوا ذلك أدى إلى انصرافهم في الظلمة من غير أداء المغرب في وقتها المستحب.
...
فصل: في صفة الجمع
وأما صفة الجمع فقد قدمنا الخلاف في الأذان لصلاتين جميعاً، فإن المذهب فيه على ثلاثة أقوال.
فإذا قلنا بالآذان في العشاء فأين محله؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه داخل المسجد إذ لا يقصد به الإعلام في خارجه.
والثاني: أنه خارجه مع خفض الصوت يسيراً لأن المشروع في الأذان أن لا يكون داخل المسجد.
وهل يجوز التنفل فيما بين المغرب والعشاء إذا اتسع ما بينهما لذلك؟ في المذهب قولان: المشهور ترك التنفل إذ كذلك ورد، وأيضاً فقد يؤدي التنفل إلى مخالفة الإمام بأن يتنفل وهو يصلي العشاء.
وأجازه ابن حبيب لأنه وقت النافلة إذا اتسع ولم يؤد إلى مخالفة الإمام، فلا معنى لمنع النفل.1234
وهل يجوز الجمع وإن [لم] (1) يقصد قبل أداء المغرب؟ في المذهب قولان:
أحدهما: جوازه؛ لأنه جائز لعلة الضرورة، فإذا وجدت جاز.
والضرورة هاهنا إنما هي في تقديم العشاء، وإلا فالمغرب على حالها.
والثاني: منعه؛ لأن الجمع يشعر بجمع الصلاتين وإلحاق أحدهما بالآخر.
فإذا لم يقصد من الأول فلا يجوز، فتظهر ثمرة الخلاف في فرعين: أحدهما: لو صليت المغرب ثم وجد سبباً يقتضي الجمع، فعلى القول الأول يجوز تقديم العشاء.
وعلى القول الثاني لا يجوز.
والثاني: لو دخل المسجد من صلى في بيته المغرب فوجدهم في صلاة العشاء، هل له أن يجمع أم لا؟ يجري على القولين.
ويجمع كل من لزمه حكم المسجد، ولهذا يجمع المعتكف.
وهل يجوز للمرأة والشيخ الكبير أن يصليا في بيوتهما الجمْعَ بالمسمع (2)؟ للمتأخرين قولان: أحدهما: جوازه لإدراك الصلاة في جماعة.
والثاني: منعه لأن الجمع ورد لمشقة الخروج إلى المسجد فهاهنا منتفية.
...
فصل (سبب الجمع)
وأما سبب الجمع ففي 3 ثلاثة أشياء: مطر، وطين، وظلمة.
فإذا اجتمعت أو اثنان منها جاز الجمع بلا خلاف على رأي من حكم بالجمع.
وأن انفرد واحد منهما؛ فأما المطر بانفراده [فيبيح الجمع بلا خلاف، وأما الظلمة بانفرادها فلا تبيح الجمع بإجماع، وأما الطين بانفراده] 4؛ فإن كان12
معه وحل جاز الجمع، وإن لم يكن فقولان.
وهما على خلاف في شهادة هل يكون مع انفراد الطين مشقة التصرف في وقت العشاء الآخرة أو لا؟ وذلك يختلف باختلاف الأماكن والبقاع.
...
فصل (هل يتنفل في المسجد بعد الجمع)
ولا يتنفل في المسجد بعد أداء الصلاتين من جمع (1) بينهما ولا يوتر، بل يؤخر التنفل والوتر (2) إلى محله في غير الجامع (3). ولو (4) جاز الجمع لعذر المطر فلما صليت المغرب ارتفع.
وقال المتأخرون: يجوز (5) التمادي على الجمع؛ لأنه لا يؤمن عودته.
وهذا إحالة على شهادة.
فينبغي أن ينظر هل تؤمن عودته أم لا؟
...
فصل (جواز الجمع للمريض)
ويجوز الجمع للمريض باتفاق أهل المذهب؛ لأن المشقة تلحقه 6 بأداء الصلاتين في وقتهما، وهي أشد من مشقة المطر والسفر.
ومتى وقع 7 الجمع لا يخلو أن يكون الجمع أرفق به، ولا يخاف أن يغلب على عقله، أو يخاف أن يغلب على عقله.
فإن كان الجمع أرفق به خاصة فقولان:12345
المشهور أنه يجمع بينهما بتأخير الظهر وتقديم العصر على وقتها.
والشاذ أنه يجمع بينهما أول الوقت كالمغلوب على عقله.
وهذا قياس على جمع الصلاتين بعرفة، وهو مما شرع للرفق.
والأول مبني على أن صلاة عرفة مختصة بما ورد فيه إلا أن تدرك 1 الضرورة التي يخاف معها من الغلبة على الصلاة الثانية، أو على وقتها.
وإذا قلنا بتأخير الظهر، فإلى أي وقت تؤخر؟ في المذهب قولان: في المدونة أنها تؤخر إلى وسط وقتها، وأمر سحنون بطرحه [من المدونة] 2 وأثبت في موضعه أنها تؤخر إلى آخر وقتها 3. وكذلك عند ابن حبيب 4.
واختلف المتأخرون في مراده في المدونة ب "وسط الوقت" فقيل ربع القامة، وقيل نصفها.
وهذا على ما قدمناه من الخلاف في تقدير ظهور الظل.
وقد تقدم في أول كتاب الصلاة الأول.
والظاهر قول سحنون وابن حبيب لأنه يكون 5 حينئذ قد أدى 6 كل صلاة في وقتها المختار.
ويمكن أن يكون وجه ما في المدونة أنه أبقى الصلاة الأولى على وقت الفضيلة منه، وأمر بتقديم العصر إلى ذلك الوقت لا سيما على قول من قال: وسط الوقت ربع القامة، ولكنه لم يقل في المغرب والعشاء ذلك، بل قال تؤخر المغرب إلى مغيب الشفق، فيجمع حينئذ.
وهذا يشهد بصحة قول سحنون وابن حبيب.
إلا أن يقال إنما جاز تقديم العصر قياساً على ما ورد من تقديم العصر يوم عرفة، ولم ير ذلك في العشاء بوجه.
وإن كان المريض يخاف أن يغلب على عقله فقولان: أحدهما: تقديم العصر، فيؤدي الصلاتين وقت الزوال، وتقديم العشاء ويؤدي الصلاتين عند مغيب الشمس.
والثاني: أنه يؤخر فيجمع في آخر وقت الأولى وأول وقت الثانية.
وفي المذهب قول ثالث أنه يؤدي كل صلاة لوقتها، فإن فقد عقله عند وقت الثانية سقطت عنه.
فرأى في القول الأول أن أداء الصلاتين في أول الوقت أولى حِذَاراً من تعذر أداء الثانية.
ورأى في القول الثاني أنه يجوز له التأخير مع الصحة، فأحرى مع المرض.
ورأى في القول الثالث أن الأولى أداء كل صلاة في وقتها، فإن غُلب على الثانية فهو غير مكلف بها.
...
فصل (متي يجوز الجمع للسفر)
ويجوز الجمع للسفر.
وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه جمع لذلك 1. وعند ابن شعبان من أهل المذهب جوازه للنساء وكراهيته للرجال.
والصحيح جوازه لما قدمناه من ثبوته في الآثار.
ومتى يجوز؟ لا يخلو المسافر من أن يكون له وقت يرتحل فيه لا ينزل بعده إلى وقت ثان وينزل فيه نزولا كلياً، أو تتساوى أوقاته.
فإن كان له وقت يرتحل فيه ووقت ينزل فيه؛ فإن ارتحل قبل الزوال وكان ينزل قبل الاصفرار، أخر الظهر وجمع بينها وبين العصر في وقت نزوله.
فإن كان ارتحاله في وقت الزوال وهو لا ينزل إلا بعد الاصفرار أدى الصلاتين عند ارتحاله.
هذا هو المشهور من المذهب.
وقيل بل يؤدي كل صلاة في وقتها، فإن كان ارتحاله بعد الزوال ونزوله قبل الاصفرار أدى كل صلاة في وقتها.
وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا ارتحل بعد الزوال جمع بين الصلاتين،
وإذا ارتحل قبله أخر الأولى إلى وقت الثانية 1. وهذا حجة المشهور 2. وما روي عنه أنه كان يؤدي كل صلاة لوقتها 3، فلعله كان يخف عليه النزول بعد الارتحال، إذ لا ضرورة في تلك السفرة تُلجيء إلى دوام السير.
وهل يجري حكم المغرب والعشاء على حكم الظهر والعصر؟ قال ابن القاسم في المدونة: "لم يذكر في المغرب والعشاء مثل ما ذكر في الظهر والعصر عند الرحيل من المنهل" 4. وقال سحنون: الحكم متساو.
واختلف الأشياخ هل قول سحنون رحمه الله تفسير أو خلاف 5. والفرق أن العادة الارتحال عند الزوال لا عند مغيب الشمس، وهذا محال على شهادة بعادة.
فإن تساوت أوقات المسافر فإنه يجمع بين الصلاتين بتأخير الأولى إلى آخر وقتها وتعجيل الثانية في أول وقتها، فيدرك 6 الوقت المختار للصلاتين.
وبأي عذر يجوز له الجمع؟ أما إن جَد به السير وخاف فوات حاجته جاز له أن يجمع [بلا خلاف في المذهب] 7، وإن جدبه السير ولم يخف ذوات حاجته في المذهب قولان: أحدهما: جواز الجمع، والثاني: منعه.
وهذا قد يرجع إلى خلاف في شهادة هل يجد [به] 8 السير لعذر،
فيكون مبيحاً للجمع.
أو يتفق من غير عذر، فلا يكون مبيحاً.
...
فصل (جواز الجمع للخوف)
ويجوز الجمع للخوف.
قال ابن القاسم: لو أخذ (1) به أحد لكان مذهباً.
وهو جواب متردد؛ لأنه لم يرد.
وقد اختلف في القياس على الرخص.
وإذا قلنا يجوز الجمع، فمتى يكون وقته؟ وقد يجري على حكم المريض والمسافر، فينظر هل يتصل به الخوف أو لا يتصل فيتفرع على ما قدمناه في حكم الجمع في العذر بين المتقدمين.
...
باب في أحكام القصر في السفر
2.
والأصل فيه الكتاب والسنَّة وإجماع الأمة.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ 3. وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في القصر المشار إليه هاهنا، هل القصر في العدد للسفر 4 وإن لم يكن خوف، أو القصر في الهيئة مع الخوف؟ والجمهور على أن المراد به قصر العدد.
وقيده تعالى بالخوف.
وقد قال بعضهم: إن الآية نزلت أولاً من غير ذكر الخوف، ثم بعد حين نزلت فقيدت بالخوف.
وهذا إن 5 صح، فإنه لا يفيد إطراح الشرط، بل قد يقتضي تأكيده.
لكن بين الأصوليين خلاف في دليل الخطاب؛ هل يعول عليه أم لا؟ فإن قلنا1
بالتعويل 1 عليه، فرأى هاهنا أن المقصود قصر الهيئة للخوف.
وإن قلنا بعدم التعويل 2 عليه فرأى هاهنا قصر العدد.
وقد يترك القول بدليل الخطاب إذا كان خارجاً عن المعتاد غالباً.
والغالب في زمن الرسول عليه السلام خوفهم في الأسفار من فتنة المشركين.
فيكون اللفظ وارداً على الموجود غالباً.
فلا يكون فيه دليل على أن ما عداه يخالفه.
وأما السنَّة فمنها ما أخرجه أهل الحديث الصحيح 3 عن عائشة رضي الله عنها قالت: "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت الصلاة في السفر وزيد في الحضر 4 "، وهذا نص.
لكن أنكره أبو المعالي رحمه الله، وقال: لو ثبت هذا لنقل متواتراً؛ لأن الصلاة من أشرف معالم الدين، وأعدادها من أهم ما يعتنى به.
وقد نقل الناس نقلاً متواتراً ما نسخ من الأحكام التي ليست لها مقدار الصلاة.
وكيف ينفرد الآحاد بنقل ما نسخ من أعداد الصلاة بالزيادة والاقتصار؟ ويمكن أن يعتذر عن هذا بأن الأعداد نقلت بالفعل لا بالقول، فاكتفوا بنقلها بالفعل عن نقلها [بالقول] 5 كيف كانت في الأصل، وانتقالها إلى الزيادة.
ومما ردّ 6 به حديث عائشة رضي الله عنها هذا أنها كانت تتم في السفر 7. وكيف تفعل ذلك مع روايتها أن الصلاة فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر.
والظاهر من هذا الحديث كون القصر فرضاً، واعتذر عن هذا بأن قولها: أقرت صلاة السفر،
أي: أقرت على جواز الاقتصار على ركعتين للمسافر، بخلاف الحاضر فإنه لا يجوز له الاقتصار.
وقد اعتذر عن إتمامها باعتذارات:
فمنها أنها كانت تعتقد كونها أم المؤمنين، فلا تحل إلا بوطن لها.
ومن لم يحل إلا في وطنه فلا يقصر.
وهذا ليس بشيء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقصر وهو أمير كل بلد حلَّ فيه ومالكه.
هكذا قيل في الاعتراض على هذا التأويل.
ولا يلزم؛ لأن الوطنية بالأمومية آكد منها بالإمارة.
فيمكن أن تتناول عائشة رضي الله عنها ما قلناه وترى أنها مخالفة في ذلك للرسول عليه السلام في حكم الوطنية.
ومنها أنها كانت تعتقد التخيير بين القصر والإتمام فالتزمت أحدهما، وهو جائز في حق من يعتقد التخيير، وسنبين الخلاف في ذلك.
ومنها: أنها كانت تخاف أن يراها الجاهل فيعتقد أن الصلاة في كل موطن ركعتان، إذ 1 كان ذلك الزمن فيه الأعاجم وأجلاف الأعراب وهم قريبوا العهد بالإسلام، ولم تستقر الشرائع عندهم، فأتمت خيفة أن يقتدي الجاهل بها.
ومثل هذه التأويلات تأول على عثمان 2 رضي الله عنه في إتمامه بمنى وعرفة، فزيد إلى ما تقدم أنه كان متما متى كان له أهل بمنى.
وكان يعتقد أن السفر من مكة إلى عرفة لا تقصر فيه الصلاة لقصره.
وسيأتي [سبب جواز القصر في] 3 مثل هذا في المسافة التي بين مكة وعرفة أو منى في كتاب الحج إن شاء الله تعالى.
وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قصر الصلاة في السفر ثبوتا لا ريب فيه ولا إشكال، بل هو متواتر في المعنى.
وأما الإجماع، فقد اجتمعت الأمة على قصر الصلاة في السفر على الجملة وإن اختلفوا في التفاضل (1).
(حكم القصر في الصلاة)
وإذا تقرر ما قلناه فقد اختلف المذهب في حكم القصر في السفر، هل هو سنة أو فرض أو مستحب أو مباح؛ في المذهب أربعة أقوال.
وسبب الخلاف [اختلاف] 2 الآثار.
واحتج من قال بالفرضية 3 بحديث عائشة رضي الله عنها المتقدم.
وقد قدمنا ما فيه.
واحتج من قال بأنه سنة بما ثبت من دوام 4 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مظهراً له في الجماعة.
وبهذا تتبين السنن.
واحتج من قال بالاستحباب بما قاله عمر وابنه رضي الله عنهما وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم من أن القصر رخصة.
والرخص لا تلحق بالسنن.
واحتج من قال بالتخيير بقول أنس بن مالك رضي الله عنه أنهم كانوا يسافرون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمنهم المقصرون، ومنهم المتممون ولا يعيب بعضهم على بعض 5. وهذا يقتضي التخيير.
وقد قدمنا ما يعترض به على هذا القول في حكم السجودة هل الطمأنينة 6 فيه فرض أو مندوب إليه.
وذكرنا الانفصال.1
(حكم من أتم في السفر)
وإذا تقررت هذه الأقوال فما حكم من أتم؟ أما على القول بالتخيير وعلى القول بأن القصر مستحب فلا إعادة عليه، وأما على القول بأن القصر فرض فتجب الإعادة وإن ذهب الوقت إلا أن يراعى الخلاف، وأما على القول بأن القصر سنة فلا تجب الإعادة إلا في الوقت.
لكن يتخرج على الخلاف فيمن ترك السنن متعمداً إذا أتم (1) [هذا] (2) متعمداً.
(هل يقتد المقصر بإمام متم؟)
وهل لمن حكمه القصر أن يقتدي 3 بإمام حكمه الإتمام؟ أما على القول بالتخيير فجائز، بل 4 الأولى إذا لم يجد غير الاقتداء به؛ لأنه تساوى على هذا القول القصر والإتمام، فيقتدي به متطلباً فضل الجماعة.
وأما على القول بأن القصر مستحب فيقتدي به أيضاً؛ لأن الجماعة سنة وهي آكد من استحباب القصر على هذا القول.
وأما على القول بأن القصر سنة ففي جواز الإقتداء به 5 ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يقتدي به، والثاني: أنه لا يقتدي به، والثالث: إن كانت الجماعة كثيرة والإمام فاضل جاز الإقتداء وإلا فلا.
وهذا الخلاف ترجيح بين مزيد 6 الفضل.
ورجح في القول الثالث بمزيد 7 الجماعة، وفضل الإمام.
وهو رأي ابن حبيب أن الجماعة يختلف حكمها بالفضل في القلة12
والكثرة.
وأما على القول بأن القصر واجب فلا ينبغي أن يقتدي بالإمام، وإن اقتدى به فهل يقتصر على الركعتين ويجلس حتى يسلم الإمام (1) ويسلم معه أو يتم معه؟ فقولان.
وسببهما ترجيح واجبين: إما الإتمام لئلا يخالف الإمام، وإما الجلوس لأنه كمن زاد في صلاته ركعتين.
...
فصل (إذا اقتدى مقصر بمتم هل يلزمه الالتفات إلى عدد الركعات في ابتداء صلاته أم لا؟)
وقد قدمنا حكم الالتفات إلى عدد الركعات في ابتداء الصلاة هل يلزم أم لا؟ ويجري على ذلك ما نحن بسبيله أن المسافر إذا قلنا إنه مخير بين القصر والإتمام، أو يستحب له القصر، فابتدأ بنية القصر فأتم، أو بنية الإتمام فقصر؛ فلا يخلو أن يكون فعل هذا عمداً، أو سهواً، أو جهلاً.
فإن فعل عمداً ففيه قولان: أحدهما: أن صلاته باطلة؛ وهذا على القول بأن عليه القصد إلى عدد الركعات.
والثاني: أن صلاته صحيحة؛ وهذا على القول بأنه لا يلزمه القصد إلى عدد الركعات، وإن قصد عدداً فله أن 2 ينتقل عنه.
وإن فعله سهواً فعلى القول بأنه تجزي العامدة فإنه يجزي هذا 3 بلا شك.
وعلى القول بأن العامد لا يجزيه؛ فإن كان هذا افتتح على الإتمام فقصر صار كأنه نقص من صلاته ركعتين، فإن كان قريبًا أتى بما نقص وسجد لسهوه، وإن بعد فإن لم يراع الخلاف ابتدأ الصلاة وإن ذكر في الوقت أو بعد الوقت، وإن راعى الخلاف فلا يعيد إلا في الوقت.
وإن كان1
ابتدأ على القصر فأتم فيصير هاهنا كأنه زاد في صلاته مثلها.
وفي المذهب قولان فيمن زاد في صلاته؛ هل تبطل إذا كانت الزيادة مثل نصف الصلاة وكانت سهواً؟ أحدهما: تبطل، والثاني: أنها تجبر بالسجود، لكن هناك خلاف في الزيادة المتفق على منعها، وهذه زيادة مختلف فيها.
وهكذا وقع في بعض الأقوال في هذه المسألة أن الصلاة تصح، وعلل بأنها زيادة غير مجمع عليها.
فيكون الخلاف في مسألة المسافر أشهر منه في مسألة من زاد في صلاته مثلها.
وإن كان فعل ذلك جهلاً فقد يظن هاهنا أنه يجري على الخلاف في الجاهل هل حكمه حكم العامد أم حكم الناسي؟ وليس كذلك؛ لأن الجاهل هاهنا يعذر فلا يختلف أن حكمه حكم الناسي.
فإن كان فاعل ذلك إماماً وخلفه المسافرون فزاد على الركعتين فهاهنا قولان: أحدهما: أنهم يتبعونه، وهذا بناء على أن زيادته لا تبطل الصلاة.
والثاني: أنهم لا يتبعونه، وهذا بناء على أن زيادته تبطل الصلاة.
وإذا قلنا إنهم لا يتبعونه فإنهم يسبحون له ليرجع إليهم، فإن لم يرجع سلموا وتركوه.
وعلى القول بأنهم يتبعونه هل يعيدون الصلاة في الوقت؟ في المذهب قولان: أحدهما: نفي الإعادة، وهو بناء على ما قدمناه من أن [تلك] 1 الزيادة لا تبطل الصلاة.
والثاني: الأمر بالإعادة في الوقت، هذا إما مراعاة للخلاف، وإما على قول من أمر بالإعادة في الوقت.
وفي المذهب [قولان] 2 فيمن أتم الصلاة من المسافرين هل يعيد في الوقت؟ وهو على القول بأن القصر سنة، أو لا يعيد؟ وهو على القول بأن القصر مخير فيه أو مستحب.
وقد تقدم ذلك.
...
فصل (تفصيل الكلام في أحكام القصر)
وجميع ما ذكرناه في حكم توطئة الباب والمقدمة (1)، وها نحن نأخذ في تفصيله، فنقول: النظر في القصر في ثلاثة أركان؛ أحدها: سببه، والثاني: محله، والثالث: شرطه.
(سبب القصر)
أما سبب القصر فهو السفر، وينظر في السفر في ثلاثة فصول: أحدها: في صفته.
والثاني: في مبدئه.
والثالث: في منتهاه.
(صفة القصر)
فأما صفة السفر من الجواز وغيره، فإنه ينقسم إلى انقسام أحكام الشريعة من الوجوب والندب والتحريم والكراهية والإباحة.
ويقصر عندنا في ثلاثة أقسام من هذه بلا خلاف؛ وهي السفر الواجب كحج الفريضة والغزو المتعين، والمندوب إليه كالجهاد إذا لم يتعين وغير الفريضة من الحج والعمرة، والمباح كالسفر لطلب الأرباح.
وأما السفر المحرم كالسفر لإيذاء المسلمين أو ما في معناه، فهل يباح فيه القصر أو لا؟ المشهور أنه لا يقصر فيه.
وكذلك الحكم في جميع الرخص التي تتعلق بالسفر كالفطر [وأكل الميتة] 2 وما في معناه مما تقدم تنبيهنا عليه.
وهذا لأن هذه الرخص جعلت معونة على السفر، فلا يستعين بها العاصي في سفره.
والشاذ أنه يقصر كالمطيع، وهذا بناء على أن السفر لا يكتسب صفة من الطاعة والعصيان، وإنما يكفي في جواز الرخص وجود السفر فقد وجد.1
وأما السفر المكروه كالصيد للهو، ففي جواز القصر فيه قولان أيضاً.
وفي المدونة أنه لا يقصر (1). ولم يجب في المدونة على حكم السعاة في أخذ (2) الزكاة وصرفها (3)، فرآه سفرا منهيا عنه (4). ولعل سكوته عن الجواب (5) محاذرة من ولاة وقته.
ولو ابتدأ السفر غير عاص به ثم عرضت له نية المعصية به لامتنع عن الرخص على المشهور من وقت قَصَدَ (6) بسفره المعصية.
...
فصل (مسافة القصر)
وأما صفة السفر من الطول أو القِصر؛ فالمشهور من مذهب العلماء
أنه لا يقصر في كل سفر بل في سفر يختص بالطول.
وما حده؟ في
المذهب خمس روايات: أحدها: أنه يقصر في مسيرة اليومين، والثانية 7:
[في] 8 مسيرة اليوم والليلة، والثالثة 9 [في] 10 مسيرة أربعة برد 11 وهي123456
ثمانية وأربعون ميلا 1، [والرابعة رواية أشهب يقصر في خمس] 2 وأربعين ميلاً، [والخامسةً رواية أبي قرة 3 عن مالك يقصر في اثنين وأربعين] 4 ميلاً.
فأما الروايات الثلاث الأولى فجمهور العلماء أنها ترجع إلى قول واحد.
وأنه إنما قدر السير للقوافل بالمعتاد، وهو في اليوم أربعة وعشرون ميلاً.
ثم رأى أن تحديد سيره باليوم والليلة أقرب إلى الحصر؛ لأن اليومين قد يطولان وقد يقصران.
وإذا حد باليوم والليلة كان طول أحدهما في قصر الآخر، ثم رأى أن الحصر بالأميال أولى لاختلاف مسير الرفاق، فحد بالثمانية والأربعين ميلاً.
وأما الروايتان الباقيتان فلا شك أنهما خلاف للثمانية والأربعين.
ولعل وجهها التفاتاً للعوائد في مسير 5 الرفاق في اليوم والليلة فرآه مرة ثمانية وأربعين ميلاً، ومرة خمسة وأربعين ميلاً، ومرة أربعين.
واختلف قوله لما اختلفت العوائد [عنده] 6 في مشي الرفاق.
فليس
هذا التحديد راجعاً 1 إلى دليل ظاهر، وإنما عول فيه مالك رحمه الله على آثار ابن عمر وغيره.
واحتج أهل المذهب لهذا التحديد بقوله 2 - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحل لامرأة تؤمن باللهِ واليوم الآخر أن تسافر يوماً وليلة مع غير ذي محرم منها" 3. قالوا فتحديده باليوم والليلة يدل على أن ما دون ذلك في حكم الحضر، لا في حكم السفر.
وهذا إذا كان السفر في البر.
فإن كان في البحر؛ ففي أكثر الروايات أن حكمه حكم البر.
وفي المبسوط لمالك رحمه الله أنه يقصر في مسيرة اليوم والليلة لأن الأميال 4 لا تعرف فيه.
وهذا عند الأشياخ ليس بخلاف.
وأنما ينظر؛ فإن [كان مع السواحل بحيث يميز مقداره بالأميال فهو كالبر، وإن] 5 كان في وسط البحر بحيث لا يميز الأميال فكما قال في المبسوط.
فإن جمع السفر بين المسير في البر والبحر لفقهما.
وكيف صورة التلفيق؟ فأما إن كانت البداية لسفر البحر فيقدر منه المقدار الذي قدمنا تحديده، وأما إن كانت البداية في البر؛ فإن كان إذا وصل إلى البحر سار بالريح وبغيره، فإنه يقصر في الأول، وإن كان ليس في سفر البر مقدار سفر القصر؛ فإن كان لا يسير إلا بالريح فقال ابن المواز: لا يقصر حتى يكون في سفر البر مقدار سفر القصر؛ لأنه رأى أن سفره بالريح قد 6 يتعذر ولا يجد سبيلاً 7 إليه، أو لا تطول إقامته فيكون غير عازم على سفر تقصر فيه الصلاة.
وإذا سافر أقل مما حددناه فقصر، هل تبطل صلاته أم لا؟ أما أن قصر في دون ستة وثلاثين ميلاً؛ فإنه يعيد وإن ذهب الوقت.
قال في الراويات لأنه لم يختلف فيما دون ذلك، وإنما يعني (1) في أقوال أهل العلم المشهورين.
وقال أبو الحسن اللخمي: يعني لم يختلف المذهب (2). وليس كما قال، بل ما من أحد من أهل (3) العلم يقول إنه يقصر فيما دون الأربعين ميلًا (4). فإن قصر في الستة والثلاثين ميلاً، ففي وجوب الإعادة وإن خرج الوقت قولان: أحدهما أنه لا يعيد، والثاني؛ أنه يعيد.
وهذا على الخلاف في مراعاة الخلاف.
...
فصل (بعض أحكام مسافة القصر)
ويشترط فيما قدمناه من المقدار أن يتعلق القصد بنهاية ويكون قصده1234
جزماً 1 لا تردد فيه، ولا يحتسب بالرجوع من ذلك السفر وإن لم يُقِم بعد وصوله إلا دون ما تحصل به الإقامة.
بل يحسب تماديه على مسيرة واحدة إلى نهاية يقصدها.
وإن كان في ذلك ما حددناه من الطول قصر وإلا فلا.
فإن تخلل سفره إقامة؛ فلا يخلو أن يكون 2 دون ما يوجب الإتمام، أو مقدار ما يوجب الإتمام.
فإن كان دون ما يوجب الإتمام كاليوم واليومين والثلاثة، فلا خلاف أنه يحاسب بالمسير ويطرح الإقامة، فإن كان في جملة مسيره مقدار ما تقصر الصلاة فيه قصر وإلا فلا.
وإن كانت الإقامة مما يوجب الإتمام كالأربعة الأيام وما فوق، فهل يطرح تلفيق المسير؟ في المذهب قولان: أحدهما: إطراحه وتلفيق المسير، لأنه يحصل منه مقدار يقصر فيه الصلاة وإن لم يتم إلا بنية العزيمة على السفر.
والثاني: نفي التلفيق، لأن السفر الأول تعلق بنهاية لا تقصر فيه الصلاة، والعزيمة على السفر بعد الإقامة عزيمة ثانية، فيعطى لكل سفر حكمه.
وهذا إذا لم تكن الإقامة في وطن، فإن كانت في وطن فلا يختلف في اطراح التلفيق ومراعاة الإقامة.
ولو كان الأمر بالعكس؛ وهو أن يخلل إقامته سفر فهل يلفق الإقامتين 3 أم لا؟ في المذهب قولان.
ومثاله مسألة المدونة في الذي أوطن مكة ثم بدا له أن يتنقل عنها فيذهب إلى الجحفة 4 ويعتمر منها ويعود إلى مكة ثم يخرج منها.
فإنه لا شك بأنه يقصر في خروجه إلى الجحفة ورجوعه منها إذ ذلك مقدار تقصر فيه الصلاة.
وهل يتم في الأيام التي يقيم فيها بمكة بعد العودة إليها معتمراً؟ (1) في المدونة قولان (2). وهما على ما قدمنا من الخلاف في تلفيق الإقامة.
ومنه أيضاً من سافر في البحر من موضع، ثم ردته الريح [إلى الموضع الذي سافر منه] (3) فهل يقصر فيه أو يتم؟ أما إن كان وطنه فلا خلاف أنه يتم، وإن كان غير وطنه ولم ينو فيه دوام الإقامة فهل يقصر؟ قولان، هما على ما قدمناه من الخلاف في تلفيق الإقامة.
ولو خرج المسافر بنية أن يبلغ موضعاً لا تقصر في مثله الصلاة ينتظر أصحابه فيه.
فلا يخلو من أن يكون عازماً على السفر من ذلك الموضع، سافر أصحابه أم لا؟ فهذا لا خلاف بأنه يقصر وإن لم ينو الإقامة في ذلك الموضع مدة توجب الإتمام، أو يكون لا يسير إلا يسير أصحابه.
فإن لم يسر ورجع، فلا خلاف أنه لا يقصر إلا بعد انفصاله من موضعهم (4)، ويكون مقدار سفره من ذلك الموضع مدة تقصر فيه الصلاة.
أو يكون متردداً هل يسافر أم لا؟ فهذا يحكي الأشياخ فيه قولين: أحدهما: الالتفات إلى العزيمة الأولى، وهو عليها حتى يتيقن بالعودة.
والثاني: الالتفات إلى أن الأصل الإقامة، فلا ينتقل عن حكمها إلا بيقين التمادي على السفر.
...
فصل [في مبدأ السفر]
5. وإذا بدأ 6 السفر بحضرة الصلاة فمن أين يقصر؟ فلا يخلو إما أن1234
يكون سفره من مصر من الأمصار، أو من قرية، أو من بيوت العمود 1. فإن كان سفره من مصر من الأمصار ولا بناء حول المصر ولا بساتين، فهل يقصر الصلاة لمفارقته [السور] 2، أم لا حتى يجاوز ثلاثة أميال وهو المقدار الذي يجب منه إتيان الجمعة؟ في المطب قولان: المشهور أنه يقصر بالمفارقة 3 لأنه قد خرج عن حكم الحضر، وقال ابن الماجشون: "لا يقصر حتى يجاوز البلد بثلاثة أميال".
ورأى أن هذا المقدار لما وجبت الجمعة على من فيه كان في حكم البلد.
ولم يلتفت إلى ذلك في المشهور؛ لأن الجمعة إنما وجبت علي من 4 كان في مثل هذا المقدار، لأن النداء أبلغ إليه.
وإن كان حول المصر بناء معمورة وبساتين؛ فإن اتصلت به وكان في حكمه فلا يقصر حتى يجاوزها [بثلاثة أميال] 5، وإن لم تتصل به وكانت قائمة بأنفسها قصر وإن لم يجاوزها.
فإن كان الموضع [الذي سافر منه] 6 قرية لا تقام فيها الجمعة ولا بناء متصل بها ولا بساتين، [قصر إذا فارق بيوت القرية بلا خلاف، وإن كان متصلاً بها بنيان 7 أو بساتين] 8 فكما قدمناه في المصر.
وإن كان السفر من بيوت العمود، فإذا فارق البيوت التي سافر عنها قصر بلا خلاف في المذهب.
...
فصل (في منتهى السفر)
وأما منتهى السفر فهو العودة منه.
ففي كل موضع يجوز له القصر بمفارقته فيجوز له القصر إذا عاد إليه.
ويختلف إذا كان بينه وبين المصر ثلاثة أميال على الخلاف الذي قدمناه.
...
فصل (في محل القصر)
وأما الركن الثاني: فهو محل القصر.
[ومحل القصر] (1) في الصلاة الرباعية، فلا تقصر المغرب ولا الصبح بإجماع الأمة.
(شروط القصر)
وأما الركن الثالث: وهو شرط القصر، فإن السفر إذا حصل على الصفات التي قدمناها جاز القصر، كان متكلِّفاً للمشقة بسفره أو مترفِّهاً.
وقد قال مالك رحمه الله في النواتية 2 يسافرون [في البحر] 3 معهم الأهل والولد أنهم يقصرون 4. وكذلك لو سافر في البر 5 بأهله وولده فكان على غاية الرفاهية والتنعم لجاز له القصر.
فإن وصل إلى موضع إقامة؛ فإن كان وطناً له أتم به ولو لم يقم فيه إلا مقدار صلاة واحدة.
وبأي شيء يحصل الوطن؟ أما إن كان بموضع فيه زوجته أو سريته فهو وطنه.
وإن كان ولده وخدمه وما في معناهم فلا يكون وطناً بمجرد1