ذلك حتى يتخذه موضع الاستيطان.
وكذلك لو لم يكن له بالموضع أحد واستوطنه لكان حكمه حكم الوطن.
وإن كان الموضع ليس بوطن له فلا يزال يقصر 1 وإن طالت إقامته به إذا لم يعول على إقامة أربعة أيام، وإن عول على إقامتها فلا خلاف عندنا أنه يتم.
وهذا لأنه - صلى الله عليه وسلم - نهى المهاجرين عن الإقامة بمكة واستبدالها بالمدينة، فأجاز لهم إقامة ثلاثة أيام 2. فأخذ أصحابنا من هذا أن ثلاثة أيام في حكم السفر، ولا يحصل به الاستيطان.
وأن ما زاد على ذلك في حكم الإقامة الموجبة للإتمام.
وهل 3 يراعى مقدار صلاة الأربعة أيام، أو يراعى كمالها؟ في المذهب قولان: أحدهما: مراعاة الصلاة وهو المعول عليه، والحكم متعلق بها.
والثاني: أن المراعى كمال الأيام لأنها المنصوص عليها في الحديث الذي جعلناه أصلاً.
ومثال هذا أن يدخل في يوم وقد صلى الصبح والظهر مثلاً وينوي الخروج في اليوم الرابع بعد أن يصلي الصبح والظهر فهاهنا قولان: أحدهما: الإتمام، والثاني: القصر.
وتحصل الإقامة بالنية لأنه الأصل، بخلاف السفر فإنه لا يحصل إلا بالنية والفعل؛ لأن الأصل الإقامة والسفر طارئ، فلا يكفي فيه مجرد النية.
وهذا كما قالوا في السلع 4 إنما تعود إلى القنية بمجرد النية ولا تعود 5 إلى التجارة بمجرد النية.
لأن الأصل في السلع 6 القنية لا التجارة 7.
فإذا نوى المسافر الإقامة فإن كان في غير صلاة أتم من وقت نيته، وإن كان في صلاة افتتحها على اثنتين.
فهل له إتمامها أربعاً؟ في المذهب قولان.
وهما جاريان على ما قدمناه من الالتفات إلى عدد الركعات في ابتداء الصلوات.
فإذا قلنا لا يتمها، فهل تجزي الركعتان لأنه افتتحها بوجه جائز؟ في ذلك قولان.
وإذا قلنا لا تجزيه، فهل يقطع ويبتدئ الصلاة أو يتمها بنية النافلة؟ فيه قولان.
وسبب الخلاف أنه هاهنا لا بدّ من القطع.
إما في الفعل أو في النية، فأيهما يغلب؟ هذا موضع الخلاف [للمتقدمين من الأصحاب] (1). فإذا قلنا إنه يقطع ويبتدئ؛ فإن كان إماماً استخلف من يتم بالقوم.
قال في الرواية: "ويرجع هو وراء المستخلف فيقتدي به بعد أن يقطع الأول، وإذا قلنا بأنه يتمها أربعاً فهل يجتزي بها أو يعيد؟ في ذلك قولان.
والإعادة لمراعاة الخلاف.
...
فصل (علة قصر الحاج إذا خرج من مكة للوقوف بعرفة)
وقد قدمنا من كان في نهاية سفره دون ما تقصر فيه الصلاة، فإنه لا يقصر.
وإن عول على العودة من غير إقامة فلا يضيف إلى ذلك مسافة العودة.
والمذهب بلا خلاف أن المكي إذا خرج للوقوف بعرفة وأفعال الحج قصر، وليس بينه وبين عرفة من المسافة ما تقصر فيه الصلاة.
وقد قيل في علة قصر هذا 2 ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يتردد في أفعال الحج تردداً لازماً لا يجوز له قطعه.
ومسافة تردده أكثر مما تقصر فيه الصلاة.
وهذا يحسب تردده [من مكة إلى عرفة، ومن عرفة إلى مزدلفة، ومن مزدلفة إلى منى، ومن منى إلى مكة.1
وهذا تردد] (1) لازم (2) له شرعاً، بخلاف غيره من الأسفار التي يجوز قطعها متى شاء.
والثاني: لا يصل إلى عرفة إلا بعد اليوم والليلة، واليوم والليلة مما تقصر فيه الصلاة، وإقامته أيضاً في السفر هذه المدة إقامة لازمة في هذا السفر، فكان كالقطع للطريق (3) في ذلك.
والثالث: أن العودة هاهنا لازمة شرعاً فاحتسب بها، بخلاف ما لا يلزمه فيه (4) العودة.
والفرق بين هذا وبين الوجه الأول، أن الأول راعى فيه تصرفاته في المسير، وهذا راعى فيه المسير والعودة.
على أن الأوجه الثلاثة تتداخل على الحقيقة.
وقد اختلف المذهب في المدني والمكي يصليان في المحصب (5)، هل يقصران هناك أم لا؟ وخرج أبو الوليد الباجي هذا على الخلاف في التحصيب؛ وهو النزول بالمحصب، هل هو مشروع فيقصران للزوم الصلاة فيه، أو غير مشروع فلا يقصران؟
...
فصل (في المسافر يحضر وفي ذمته الظهر والعصر وقد ضاق الوقت)
وقد قدمنا أن المراعى في الخطاب بالصلاة بقاء الوقتين الاختياري والضروري.
وعلى هذا من حضر من المسافرين وقد بقي في الوقت للظهر12345
والعصر مقدار خمس ركعات، فإنه يصليهما حضريتين.
وإن كان مقدار أربع [ركعات] 1 فأقل صلى الأولى سفرية وإذا وقتها فات فيقضيها على نحو ما وجبت.
والثانية حضرية.
فلو بقي للثانية مقدار الركوع خاصة فهل يكون مدركاً لها؟ يجري على القولين اللذين قدمناهما في الحائض تطهر.
ولو خرج لراعى في وقتي الصلاتين كما يراعيه إذا دخل، لكن الخارج يحسب كل 2 صلاة ركعتين.
وأما المغرب والعشاء فقد قدمنا الخلاف هل يجعل الوقت لآخر الصلاتين أو لأولهما، فيفرع على ما هناك.
ولو صلى المسافر مثلاً العصر ناسياً للظهر ودخل، وقد بقي من الوقت مقدار صلاة واحدة، فهل يصلي 3 التي في ذمته 4 سفرية أو حضرية؟ فيه قولان.
وهما على الخلاف في الاشتراك، هل هو من الزوال، أو من بعد مضي مقدار الصلاة الأولى؟ وقد استوفينا هذا في حكم أصحاب الضرورات.
وهكذا لو دخل ولم يبق إلا مقدار إحدى الصلاتين، فإنه يختلف هل يبتدئ بالأولى لحق الترتيب -وهو المشهرر- أو بالثانية لحق الوقت.
ويلحق أيضاً هذا الخلاف في الاشتراك متى يقع.
ويختلف عليه هل يصلي الأولى إذا بدأ بها سفرية أو حضرية؟ فإن بدأ بالثانية صلى الأولى سفرية بلا خلاف؛ لأنها قد استقرت في ذمته.
ولنقبض 5 عنان البيان عن هذا المكان، وقد خرجنا في هذا الباب عن مقصود الكتاب.
...
فصل (جواز ركوب البحر)
وركوب البحر للأسفار مباح على الجملة، ما لم يعرض عارض ما، يمنع من الركوب.
ومن الأعراض الإخلال بالصلاة بالميد 1، فمن يعلم من حاله أنه يميد حتى تفوته الصلاة في أوقاتها، أو لا يقدر على أدائها جملة، فإن المنصوص من المذهب أنه لا ينبغي له ركوبه إلا إلى حج أو جهاد.
وهذا لأنه يطلب فرضاً فيعطل فروضاً آكد منه.
وإن كان لا يقدر على الأداء إلا بإخلال فرض من الفروض والانتقال منه إلى بدل، كمن يعلم أنه لا يصلي قائما، فهذا إن وجد عنه مندوحة لم يركب، وإن لم يجد فقد يختلف فيه على الخلاف في القياس على الرخص؛ فمن قال بالقياس أجاز الركوب، كما له أن ينتقل عن طهارة الماء إلى طهارة التراب في السفر في المفازات والقفار، وإن حمله على ذلك طلب الدنيا.
ومن لم يقل بالقياس عليها منع الركوب إذا كان يؤدي إلى إخلال ببعض الفرائض 2.
وإن شك في أمره هل يسلم من الميد أم لا؟ فقد قالوا: يكره له الركوب ولا يمنع؛ لأن الأصل السلامة والقدرة على الأداء.
وقد قدمنا حكم الصلاة في السفينة الواحدة والسفن في الجمع.
وإذا فرقت الريح السفن فهاهنا في الكتاب في قوم يكونون في السفينة إن صلوا جمعوا وحنوا 3 رؤوسهم، وإن صلوا على ظهرها لم يمكنهم الجمع، إن الصلاة على ظهرها أفذاذاً أولى 4. وهذا محمول على أن الانحناء كثير، وأما لو كان يسيراً لكان الجمع أولى.
وإن أمكن من مكان في السفينة الخروج إلى الشاطئ خرج إليه وإن أدى الصلاة في السفينة على الكمال؛ لأن الصلاة على الشاطئ أقرب إلى الخشوع والأمن من طريان المفسدات.
فإن صلى
في السفينة [وكمل] (1) أجزته صلاته.
وإن أخل بفروض مع قدرته على الخروج بطلت صلاته، وإن لم يقدر صحت.
وقد قدمنا حكم صلاة النافلة في السفينة هل يلزم فيه التوجه إلى القبلة أم لا؟
...
فصل (في حكم ركعتي الفجر)
وقد قدمنا كثيراً من أحكام ركعتي الفجر منها؛ هل هي سنة أم لا؟ وحكم من صلاها أو لم يصلها ثم أتى المسجد.
ولا خلاف أن وقت ركعتي الفجر بعد طلوع الفجر وإن صلاهما قبله عامداً 2 أو ناسياً لأعادهما، وإن تحرى فأخطأ الوقت هل يعيد؟ قولان: المشهور: أنه يعيدهما، والثاني: الاجتزاء بهما.
فقاسهما في الأول على الفرائض، وعده في الثاني بالخطأ في الاجتهاد؛ لأنه مأذون له في التحري.
وبأي شيء يقرأ فيهما؟ استحب مالك رحمه الله في المشهور الاقتصار على أم القرآن في كل ركعة، لما روي عن عائشة رضي الله عنها من أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يخففهما حتى أقول هل قرأ فيهما بأم القرآن أم لا؟ 3 وفي مختصر ابن شعبان: يقرأ فيهما بأم القرآن وسورة في كل ركعة من قصار المفصل.
وهذا لما روي عنه - صلى الله عليه وسلم -: أنه قرأ في الأولى بقل يا أيها الكافرون 4، والثانية بقل هو الله أحد 5. وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قرأ في الأولى:1
﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية (1)، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ الآية (2)، وهذا يدل على أن جميع هذا جائز.
ولا شك أن القراءة إذا لم تتعين في الفرائض فلا تتعين في النوافل، يعني القراءة الزائدة على أم القرآن.
وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يضطجع ضجعة خفيفة بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح (3). واختلف هل هي مشروعة أم لا؟ المشهور أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما فعلها على جهة الراحة لا للتقرب فتكون [غير] (4) مشروعة.
وبين الأصوليين خلاف في أفعاله كلها هل يقتدى به فيها أو يختص الأمر بالاقتداء بما يظهر منه قصد القربة؟ فهذا مذهب جمهورهم وهو موافق للمشهور في هذه المسألة.
...
باب في أحكام الوتر
(حكم الوتر)
والمنصوص من المذهب أنه غير واجب، والدليل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة" 51234
الحديث، وقوله - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي وقد ذكر له فرض الخمس صلوات، فقال: "هَلْ عَلَيَّ غيرُهُنَّ؟ فقَال: لاَ إِلاَّ أَنْ تَطوَّعَ" (1) الحديث.
وأيضاً فإن من خصائص الفرائض الواجبات ألا تؤدى على الراحلة.
ومن يخالفنا في هذه المسألة يجيز أداء الوتر على الراحلة، فدل ذلك على إلحاقه بغير الفرائض.
وفي المذهب لسحنون أنه يجرم تاركه، ولأصبغ أنه يؤدب.
فاستقرأ أبو الحسن اللخمي من هذا الوجوب (2). فيحتمل ما قال، ويحتمل أن يريد أن من تركه متهاونا بعد معرفته أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يواظب عليه دل تركه إياه على تهاونه وعلى فساد حاله.
وقد قال ابن خويز منداد في تارك السنن: إنه يفسق.
ولا يظهر له وجه إلا ما قلناه.
واختلف الأصوليون أيضًا هل يجب الأمر بالمعروف فيما طريقه الندب، أو يكون الأمر بذلك مندوبا إليه ككون (3) الشيء في نفسه.
ولعل أصبغ بني التأديب على أحد القولين في وجوب الأمر بالمعروف، وإن كان المأمور به من قبل المندوبات.
(وقت الوتر)
وإذا تقررت هذه المقدمة قلنا: النظر في الوتر ينحصر في فصلين؛ أحدهما: في أوقاته، والثاني: في صفاته.
فأما وقته فأوله لا خلاف فيه، وهو إذا صليت العشاء الآخرة في وقتها المشروع، احترازا من الجمع قبل الشفق.
وأما آخر وقته، فالاختيار منه ما لم يطلع الفجر.
وهل يكون له وقت ضرورة وهو ما بعد الطلوع إلى أن يصلي الصبح؟ في المذهب قولان؛ المشهور أنه يصلي الوتر ما لم يصلي الصبح.
والشاذ أنه لا يصليه بعد طلوع الفجر، وهذا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح فليصل ركعة توتر له ما قد123
صلى" 1. فظاهر الحديث حصر وقته على ما قبل طلوع الفجر، لكن ثبت عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم أنهم قضوه بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الصبح.
وبين الأصوليين خلاف في قول الصحابي هل هو مما يعتمد عليه؟ وإذا قلنا بالاعتماد حملنا الحديث على ما هو الأولى، ولا شك أن الأولى أن يؤدى قبل الفجر.
وقد قال ابن الجهم 2: إن قضاء الوتر بعد طلوع الفجر إنما هو على الخلاف في الزمان الذي هو بين طلوع الفجر وبين طلوع الشمس؛ هل هو من الليل، أو من النهار، أو زمان 3 قائم بنفسه؟ وهذا إشارة إلى أن قضاءه بعد طلوع الفجر يجري على 4 الخلاف الذي ذكرناه.
وإذا قلنا: إنه يصلي بعد الفجر ما لم يصل الصبح، فإن لم يصله حتى افتتح الصبح 5، فهل يتمادى أو يقطع؟ في كل واحد من الفذ، والإمام، والمأموم، قولان: أحدهما: أنه يقطع، والثاني: أنه يتمادى على صلاته، وقد فات الوتر.
وإن جمعت الثلاثة قلت: أربعة أقوال: أحدها: أنهم يقطعون، والثاني: أنهم لا يقطعون، وقد فات الوتر، والثالث: أن الفذ والإمام يقطع والمأموم يتمادى، والرابع: أن الفذ يقطع خاصة والإمام والمأموم لا يقطعون.
وسبب الخلاف ترجيح الأمر [بالوتر] 1، وهو إذا تمادى فاته.
والأمر بالتمادي على العمل الذي هو فيه، وهو منهي عن قطعه.
ومن فرق بين الفذ ومن هو في جماعة فلِتَأَكُّدِ ما دخله من العمل بمزيد 2 فضل الجماعة.
ومن قصر التمادي على المأموم فلأنه تابع لغيره والإمام ليس بتابع وهو في حكم الفذ.
وأيضاً فإن الإمام إذا قطع أمكنه أن يصلي في جماعة والمأموم لا يمكنه ذلك.
وهذا الذي حكيناه من الخلاف فيما إذا عقد ركعة من الصلاة أو لم يعقدها، في بعض الروايات التفرقة بين أن يعقد ركعة أم لا؟
وقد قدمنا الخلاف في تكبيرة الإحرام هل هي من الأركان التي يحافظ على التمادى بسببها أم لا؟ وإن أكمل الصلاة فلا خلاف عندنا أن وقته فات ولا يصليه بعد الصبح، إذ لا يؤدى شيء هناك من النوافل، وهو وتر لنافلة الليل، وقد انقطع حكمها فلا يقضيه بعد ذلك؛ لأن القضاء- على الصحيح من مذاهب الأصوليين- بأمر ثان، ولم يرد القضاء فيه.
وإن اعترض هذا بما في المدونة من جواز قضاء ركعتي الفجر بعد طلوع الشمس 3. فقد قال الأبهري: إن القضاء هاهنا يجوز وإنما يصلي ركعتين، ولعل أجرهما ينوب عما فاته من أجر ركعتي 4 الفجر.
والوتر ركعة واحدة فلا يجوز أن يتنفل بركعة تنوب له عن ذلك.
ولو صلى الوتر ثم تنفل بعده قبل طلوع الفجر لكان في الأمر بإعادته قولان.
وسبب الخلاف حديثان: أحدهما: لما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لاَ وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ" 5، وهذا يقتضي نفي الإعادة.
والثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم -:"صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة توتر له ما قد
صلى" 1، وهذا يقتضي أن الوتر ينبغي أن يكون آخر صلاته، فإذا صلى ثم تنفل أوتر ثانية ليكون آخر صلاته.
ولو صلى العشاء الآخرة ثم أوتر فذكر بعد وتره أنه صلى العشاء على غير وضوء فأعادها لوجب عليه إعادة الوتر وإن صلاه على وضوء؛ لأن وقت الوتر بعد 2 العشاء الآخرة، وهي إذا وقعت على غير وضوء كالعدم.
وإذا قلنا بجواز الوتر بعد طلوع الفجر ما لم يصل الصبح، فإن ذكر الوتر- وقد ضاق وقت صلاة الصبح- فإن أمكن أن يؤدي ركعتي الفجر والوتر بشفعه وصلاة الصبح جميعاً قبل طلوع الشمس فعل جميع ذلك، فإن لم يمكنه إلا ركعة من صلاة [الصبح] 3 خاصة ترك الوتر وركعتي الفجر وصلى الفرض، وإن أمكنه أن يؤدي ركعتي الفجر وركعة الوتر 4 من غير شفع وجميع صلاة [الصبح] 5 قبل طلوع الشمس، فهل يركع بدل ركعتي الفجر ركعتي الشفع أم لا؟ لا يخلو أن يكون تنفل بعد العشاء الآخرة أو لم 6 يتنفل؟ فإن كان لم يتنفل أسقط ركعتي الفجر وصلى ركعتي الشفع وأوتر وصلى الصبح، فإن تنفل فهاهنا قولان: قيل يجزيه الشفع وإن لم يكن متصلاً بالوتر فيركع ركعتي الفجر، وقيل: لا يجزيه إلا متصلاً به فيركع بدلهما ركعتي الشفع.
وإن كان لو اشتغل بركعتي الشفع لم يمكنه أن يصلي من الصبح قبل طلوع الشمس إلا ركعة واحدة، فهل يوتر بواحدة ويصل جميع صلاة الصبح
[قبل طلوع الشمس] (1)، أو يشفع ويوتر وإن أدى الركعة الثانية بعد طلوع الشمس؟ في ذلك قولان.
ويلتفت فيه إلى حكم من أدرك ركعة من الصلاة قبل الطلوع أو قبل الغروب، هل يكون قاضياً أو مؤدياً؟ وقد قدمنا ما في ذلك.
لكن أحد القولين هاهنا بأنه يشفع يدل على أن مؤخر الصلاة إلى أن لا يبقى من الوقت إلا مقدار ركعة ليس بآثم، كما حكى أبو الحسن اللخمي الاتفاق على ذلك.
لأنه لو كان آثماً لما قدم عليه ركعتي الشفع.
وأعلى أمرهما أن يكونا سنة.
وإن لم يمكنه إلا ركعة الوتر وركعة من صلاة الصبح فهل يركع للوتر وإن أدى الركعة الثانية من الصبح بعد طلوع الشمس؟ المنصوص أنه يركع الوتر.
ويجري على القول (2) بتأثيم مؤخر الصلاة إلى هذا الوقت أنه يسقط الوتر إذ لا يلزمه أن يشتغل بسنة فيقع في ممنوع (3).
...
فصل (صفة الوتر)
وأما صفة الوتر؛ فمنه عدده.
والمذهب كله على أنه ركعة واحدة قائمة بنفسها.
وأبو الحسن اللخمي حكى عن المذهب قولين: أحدهما: هذا، والثاني: أنه ثلاث ركعات لا يفصل بينهما 4. ويعوِّل في ذلك على ألفاظ وقعت في المذهب مطلقة؛ أنه يوتر بثلاث ركعات.
والمراد 5 أن الوتر لا يؤتى 6 به وحده، بل يشفع قبله.
ولو سئل عن الفصل بينه وبين الشفع لأمكن أن يجيب يالفصل كما وقع له صريحاً.123
وإذا ثبت أنه ركعة واحدة، فهل يكتفي به المعذور 1 من غير تقديم نافلة بعد العشاء الآخرة؟ في ذلك قولان.
ومثار الخلاف، هل هي وتر للنفل المختص بالليل فيتقدم قبلها شفع ولا يجزي الاقتصار عليها؟ وفي الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن البتر" 2، وهي الركعة الواحدة من غير شفع قبلها.
أو هي وتر لصلاة العشاء الآخرة، فيكتفي بها؟ وإنما يؤمر بالتنفل قبلها مع الاختيار.
وإذا قلنا بتقديم شفع فلا بد.
فهل يلزم اتصاله بالوتر؟ أو يجوز وإن فرق بينهما بالزمان الطويل؟ في المذهب قولان: أحدهما: لزوم الاتصال، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَثْنَى مَثْنَى" الحديث 3، فظاهر هذا، الأمرُ بالاتصال.
والقول الثاني جواز الانفصال؛ لأنها ركعة مستقلة بنفسها فأشبهت صلاة المغرب التي هي وتر الفرائض.
فلا يفتقر إلى تقدم شيء متصل بها.
وإذا كان من حكمها الشفع فهل يلزم أن يوتر بشفع يختص 4 بها، أو ينوب منابه 5 كل نافلة؟ في المذهب قولان.
والصحيح أنه مخير إن شاء
أتى بشفع مختص 1 بها إذ كان - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك.
وإن شاء أتى بها بعد نافلة غير مختصة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى" الحديث.
وهل يجوز له أن يوتر بركعة افتتحها بنية الشفع أو يشفع ركعة 2 افتتحها بنية الوتر؟ في المذهب قولان.
وهما على ما قدمناه من الخلاف في أعداد الركعات هل تراعى في ابتداء الصلاة.
ومن شك هل هو في الركعة الأولى من الشفع أو في الثانية، فإن كان سالم الخاطر بني على يقينه وأتى بركعة ثانية وسجد بعد السلام، وقام وأتى بركعة الوتر.
وإن كان موسوَساً بني على أول خاطره كما قدمناه في كتاب الطهارة.
ويأتي في باب السهو.
وإن شك هل هو في ثانية الشفع أو في الوتر سجد بعد السلام وبنى على أنها ثانية الشفع.
واختلف في علة سجوده على ثلاثة أقوال: أحدها: أن السجود 3 لإمكان الزيادة، وأنه لم يسلم بين الشفع والوتر.
والثاني: أن السجود أتى به ليكون شافعاً لركعة الوتر، إن كانت هي التي هو فيها، لئلا يؤتى بالوتر بعدها مكرراً فيكون شفعاً.
والثالث: أن السجود على أحد الأقوال في الشاك أنه يسجد بعد السلام.
وسيأتي تمامه.
ومن صفات الوتر القراءة، واختلف المذهب هل يقتصر بمعين زائد عن أم القرآن؟ فقيل يختص بالإخلاص والمعوذتين.
وقيل لا يختص.
والصحيح اختصاصه بثلاث سور.
ويحمل 4 القول الثاني على كراهية التحديد، من غير أن يثبت في الشريعة كونه فرضاً أو سنة.
وهذا شأن مالك رحمه الله في مثل هذا.
وهل يختص الشفع بقراءة أم لا؟ إن قلنا إن الوتر لا يختص بشفع
معين، فلا شك أنه لا يختص.
وإن قلنا إنه يختص بشفع معين فالأولى أن يقرأ في الشفع بعد أم القرآن بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)﴾ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)﴾.
وإن اقتصر في الوتر على أم القرآن؛ فإن فعله ساهياً سجد لسهوه قبل السلام، وإن فعله عامداً فعلى القولين فيمن ترك السنن متعمداً هل تبطل صلاته أم لا؟
ولو زاد في الوتر ركعة ناسياً لكان في بطلان وتره قولان، بمنزلة من قرأ في صلاته مثلها.
لكن الركعة يسيرة إن أعتبرت في نفسها، وكثيرة (1) إن إعتبرت بالنسبة إلى ركعة الوتر، إذ هي مثلها.
وقد قدمنا ذلك في تارك أم القرآن في ركعة من الصبح.
وحكم الوتر الجهر بالقراءة إن كان منفرداً، فإن كان مع جماعة، فإنه يصلي سراً لئلا يخلط عليهم.
وإن أسرَّ ناسياً سجد لسهوه قبل السلام، وإن كان عامداً فقولان: أحدهما: صحة الوتر، والثاني: بطلانه، قاله الإبياني.
وهو بناء على بطلان صلاة من ترك السنَّة متعمداً.
...
باب في قضاء [الصلاة المنسية]
2.
والأصل في قضائها الكتاب والسنَّة؛ والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ 3 الآية، وإن احتملت فقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" 4، فإن الله تعالى: يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ". [وهذا يقتضي1
أن المراد بالآية إذا ذكرتك إياها، وقيل في تأويل الآية: إن معناها أقم الصلاة لتذكرني فيها، وقيل؛ لنذكرك بها.
وقراءة ابن شهاب: ﴿أقم الصلاة للذكرى﴾ 1 يحتمل هذه الأوجه] 2.
وأما السنَّة فمنها الحديث المتقدم آنفاً.
وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه نام عن صلاة الصبح ثم قضاها بعد طلوع الشمس 3.
وأما الإجماع فقد اجتمعت الأمة على وجوب قضاء المنسية من الصلوات إذا كانت خمساً فدون.
ومذهب فقهاء الأمصار وجوب القضاء وإن زادت على الخمس قياساً على المجمع عليه ووجوب قضاء ما تعمد تركه؛ لأنهم رأوا أن الآية تقتضي العموم [في العمد] 4 وغيره إذا حملناها على موافقة ما ورد في الحديث من التأويل، ولأن القضاء إذا ثبت في
المنسية والتي نام عنها - وإن كان الإثم ساقطاً- فأحرى أن يجب في المتعمد تركها بثبوت الإثم في الترك [عامداً] (1). واقتصاره في الحديث على ذكر المنسيات والتي نام عنها من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى.
وإذا ثبتت هذه المقدمة فإن النظر في هذا الباب ينحصر في ثلاثة فصول: أحدها: أوقات القضاء، والثاني: لزوم الترتيب، والثالث: حكم المنسيات في ترتيب بعضها على بعض.
وإذا اعترى الشك في أيامها وأعيانها وأعدادها (2).
(أوقات قضاء المنسيات)
فأما أوقات المنسيات فهي متى ذكرت من ليل أو نهار، وإن بدا حاجب الشمس أو غرب بعضها.
وهذا لقوله عليه السلام: "فليصلها إذا ذكرها" (3)، فإن ذلك الوقت وقتها، وهو يقتضي عموم سائر الأوقات.
...
فصل (حكم الترتيب في القضاء بين المنسية والوقتية)
وأما لزوم الترتيب الذي يحكيه البغداديون من أهل المذهب ففيه قولان: أحدهما: أن الترتيب بين المنسية وبين الوقتية واجب، والثاني: أنه مستحب.
وتحقيق المذهب في هذا يؤخذ مما نقوله في التفصيل.
وهو أن الذاكر للصلاة المنسية لا يخلو أن يذكرها قبل التلبس بالوقتية أو بعده؛ فإن ذكرها قبل التلبس بالوقتية فلا يخلو أن تكون كثيرة جداً أو يسيرة جداً أو متوسطة بين ذلك، فإن كانت كثيرة جداً بدأ بالوقتية، ولا يلزمه 4 الاشتغال بقضاء هذه الكثيرة في فور واحد.
وهذا كالخمسة عشرة صلاة فصاعداً.123
وقال محمد بن مسلمة: يبدأ بالمنسية وإن كانت كثيرة مثل (1) صلاة شهرين.
فهذا يقتضي وجوب الترتيب، ويلزم عنده أداء هذا المقدار في فور واحد.
وإن كانت يسيرة جداً بدأها ما لم يخف فوات وقت الحاضرة الاختياري [والضروري] (2). وإن خاف فواته فهاهنا قولان: المشهور الابتداء بالفائتة وإن فات وقت الحاضرة.
وهذا يشعر بوجوب الترتيب في هذا المقدار.
والشاذ الابتداء بالحاضرة.
وهذا يشعر بأن الترتيب مستحب فيؤمر به ما لم يخف ذوات الحاضرة.
ولأشهب قول ثالث أنه مخير بين الابتداء بالمنسية أو بالوقتية.
وهذا لتقابل حق (3) الترتيب وحق الوقت.
وكم عدد اليسير؟ أما الأربعة فدون فلا خلاف في كونها يسيرة، وأما الستة فلا خلاف في كونها كثيرة، وأما الخمس ففيها قولان: أحدهما: إلحاقها بالكثيرة؛ لأنها صلاة يوم كامل.
والثاني: إلحاقها باليسيرة، إذ لا تكرر فيها.
وأما المتوسطة مقدار عشر صلوات، فإنه يبدأ بها ما لم يخف فوات وقت الحاضرة.
وهل يراعي فوات وقتها الاختياري أو الضروري؟ في المذهب قولان.
وهذا يشعر باستحباب الترتيب لكن قدمنا الخلاف في مؤخر الصلاة إلى الوقت الضروري، هل يتعلق به الإثم أم لا؟ وهذا في التأخير إلى الاصفرار.
فمن علق الإثم راعى فوات الوقت الاختياري.
ومن لم يعلقه (4) راعى فوات الوقت الضروري.
(حكم من ذكر صلاة بعد التلبس بأخرى)
وإذا ذكرها بعد التلبس بالصلاة فلا يخلو إما أن يكون مما لا يجب تقديمها على الوقتية أو مما يجب؟ فإن لم يجب تقديمها فلا تأثير للمذكورة1234
في الصلاة التي هو فيها، فإن كانت مما يجب تقديمها فلا يخلو الذاكر لذلك من أن يكون مأموماً، أو فذاً، [أو إماماً] 1.
فإن كان مأموماً تمادى على أتباع إمامه ولم يقطع، وهل تبطل عليه هذه الصلاة التي تمادى فيها؟ في المذهب قولان جاريان على الخلاف في الترتيب هل يجب أو يستحب؟
وإن كان فذاً فلا يخلو أن يكون قبل الركوع أو بعده 2، فإن كان قبل الركوع 3 فقولان: أحدهما: أنه يقطع، والثاني: أنه يتم ركعتين نافلة.
وهذا على الخلاف في تكبيرة الإحرام، هل هي ركن يحافظ على ثبوته أم لا؟ وإن لم يرفع رأسه كان على الخلاف في عقد الركعة ما هو؟ فإن قلنا وضع اليدين على الركبتين أتم ركعتين نافلة، وأن قلنا رفع الرأس كان بمنزلة من لم يركع، وإن صلى ركعتين جعلهما نافلة وقطع، وإن صلى ثالثة فقولان: أحدهما: أنه يتمادى إلى أربع ثم يصلي المنسية ويعيد التي كان فيها، والثاني: أنه يقطع من الثلاث.
وهذا الخلاف في وجوب الترتيب؛ فمن أوجبه ورأى أن تحقيق أثره ألا يتم الصلاة المذكورة فيها أمر بالقطع، ومن لم يوجبه أو راعى الخلاف أمر بالتمادي.
وأذا أمرنا بالتمادي هل يجب عليه إعادة الصلاة التي كان فيها أو يستحب؟ قولان.
وهما على وجوب الترتيب واستحبابه.
وإن كان إماماً فهل يقطع أو يتمادى؟ قولان.
وهما على ما قدمناه من وجوب الترتيب.
وإذا قلنا بالقطع فهل يلزم ذلك من خلفه أو له أن يستخلف من يتم بهم وتصح لهم؟ قولان.
فمن التفت إلى وجوب القطع ولم يراع الخلاف قال بالاستخلاف قياساً على الحدث، ومن راعى الخلاف أمرهم بالقطع لأنه يصير كالمتعمد في الإبطال عند من 4 أوجب التمادي.
وإذا قلنا بالتمادي فهل يعيد واجباً أو استحباباً؟ قولان.
وهما على ما قدمنا في حكم الترتيب.
وإذا أعاد فهل يلزم المقتدين 1 الإعادة؟ قولان.
وهما على الخلاف في تعلق صلاة المأموم بصلاة الإمام.
وهذا الذي قلنا جار فيما كان [من] 2 صلاة اليوم أو مما فاته وقته.
قال ابن حبيب: أما لو كانت صلاة اليوم كمن يذكر الظهر مثلاً في يومه وهو في العصر فإنه يقطع ولو كان وراء الإمام فينصرف وأن كان على وتر.
وعلل ذلك بأن التمادي يفوت صلاة يومه وهي مستحقة الترتيب.
والوقتية 3 بخلاف المنسية فإنها وأن استحقت الترتيب فإنها لا تستحق الوقت.
ورأى في المشهور أن التمادي يلزم لمتابعة الإمام ولأنه دخل بوجه جائز.
فإن كانت الصلاة التي هو فيها نافلة وذكر صلاة لا يخلو من أن يكون عقد [ركعة] 4 من التي هو فيها أم لا.
وإن عقد ركعة أضاف إليها أخرى وسلم، وإن لم يعقد ركعة فقولان: أحدهما: القطع، والثاني: أنه يضيف إليها ثانية.
وهما على الخلاف المتقدم في المحافظة على الإحرام 5.
وقد أحلنا في باب إعادة الصلاة في جماعة بيان حكم من أقيمت عليه الصلاة وهو في صلاة أخرى على هذا الباب.
واختلف المذهب في ذلك على قولين: أحدهما: أنه يتمادى على التي هو فيها ولا يقطعها، فإذا أكملها مخففا نظر؛ فإن بقي من صلاة الإمام شيئاً دخل معه وإلا صلى لنفسه، وهذا هو الشاذ.
والثاني: أن الصلاة التي أقيمت 6 تؤثر في التي هو فيها.
ويختلف في صفة التأثير على قولين: أحدهما: أنه يريد من أقيمت
عليه الصلاة التي هو فيها، وقد تقدم بيانه.
والثاني: أنه يتمادى على التي هو فيها ما لم يخف فوات جملة الصلاة مع الإمام.
فأما الخلاف في التأثير وعدمه فلتقابل مخالفة الإمام بأن يكون في صلاة وهو في صلاة أخرى لوجوب التمادي- على ما افتتحه- واستحقاق الترتيب، وكونه يدخل مع الإمام فيما لا يعتد به.
والثاني: بالتمادي (1) ما لم يخف فوات صلاة الإمام مراعاة لقول من يقول يتمادى جملة.
والقطع إذا خاف ذوات ركعة مع الإمام بتقديم وجوب اتباع الإمام وقد قدّمنا أن ذكر صلوات كثيرة لا يؤثر ذكرها في الصلاة التي هو فيها، فلو ذكر صلوات كثيرة فقضاها حتى لم يبق منها إلا اليسير فنسي فدخل في صلاة وقتية لكان بمنزلة من ذكر صلوات يسيرة، لأن ما قضاه كأنه أوقعه في وقته، وكأنه ليس في ذمته إلا ما بقي.
وهكذا يكون حكمه لو ذكر هذا الباقي اليسير وهو في ضيق من وقت الصلاة الحاضرة لابتدأ بالمنسية على المشهور.
(حكم من ذكر صلاة منسية وهو في الجمعة)
ولو ذكر صلاة منسية وهو في الجمعة فالمنصوص أنه إن طمع بإدراك ركعة من الجمعة بعد قضاء المنسية قطع وقضى ثم عاد إلى الجمعة، فإن لم يطمع تمادى، فإذا أكمل الجمعة صلَّى المنسيَّة خاصة.
وهذا يجري فيه الخلاف على ما قدَّمنا التنبيه عليه 2. فإن قلنا بأن الترتيب واجب فينبغي أن يتمادى لحق الإمام ثم يعيد الجمعة بعد قضاء المنسية، ويعيدها ظهراً أربعاً.
ويلتفت في الإعادة أيضاً إلى الخلاف في الجمعة؛ هل هي صلاة قائمة بنفسها أو بدل عن الظهر؟ فإن قلنا إنها صلاة قائمة بنفسها فيقوى نفي الإعادة، وإن قلنا هي بدل عن الظهر فيقوى وجوب الإعادة.
وقد تقدم الخلاف فيمن صلى الجمعة [بنجاسة] 3 ناسياً ثم علم1
في الوقت هل يعيد ظهراً أربعاً أم لا؟ وإذا صلَّى الوقتية ثم ذكر المنسيَّة فصلاَّها فإنه يعيد الوقتية ما بقي من وقتها شيء.
وهل يُراعي في ذلك وقت الاختيار أو وقت الضرورة؟ في المذهب قولان.
[وهما] (1) على الالتفات إلى وجوب الترتيب، فيعيد ما لم تفت جملة الوقت، واستحبابه فيعيد ما لم يفت الوقت الاختياري.
...
فصل (بأي صلاة يبدأ في قضاء المنسيات)
وإذا ذكر صلوات منسية فلا خلاف أنه مأمور بترتيبها 2 الأولى فالأولى، لكن اختلف في الأمر هل هو واجب أو ندب، وبأي صلاة يبدأ؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه يبدأ بصلاة الظهر؛ لأنها التي ابتدأ بها جبريل عليه السلام بالرسول عليه السلام، وبهذا سميت الأولى.
والثاني: أنه يبدأ بالصبح؛ لأنها صلاة أول اليوم.
وهذا على الخلاف في الزمن الذي بين طلوع الفجر وبين طلوع الشمس هل هو من الليل أو من النهار؟ فإن قلنا إنه من الليل بدأ بالظهر، وإن قلنا إنه من النهار بدأ بالصبح.
ثم يرتب الأولى فالأولى.
فإن شك في عدد الصلوات أو في أيامها أو في أعيانها.
فقد أطال الناس الأنفاس في هذا الباب وصوَّروا من شوَّاذ النوازل ما يفتقر إلى ذكر دقيق الحساب.
ونحن نذكر مبادئه بحسب ما يليق بهذا المجموع فنقول:
اختلف المذهب هل يلزم تعيين الأيام في الصلوات أو لا يلزم ذلك، وإنما يلزم القصد إلى صلاة الوقت من غير التفات إلى اليوم.
وقد قدمنا أيضاً الخلاف في القصد هل هو مُباح أو مأمور به؟ وهل الأمر واجب أو ندب؟ فإذا تقرر ذلك قلنا: من نسي صلاتين من يومين ظهراً أو عصراً1
مثلاً، وشك أيتهما قبل صاحبتها؟ فلا يخلو أن يذكر يومين بأعيانها، أو لا يذكر اليومين.
وإن ذكر اليومين فشك مثلاً هل الظهر من السبت والعصر من الأحد، أو بالعكس؟ فهاهنا قولان: أحدهما: أنه يصلي أربع صلوات: الظهر للسبت ثم العصر للأحد، ثم الظهر للأحد ثم العصر للسبت.
وهذا بناء على مراعاة الأيام.
والقول الثاني: أنه يصلي ظهراً بين عصرين، أو عصراً بين ظهرين.
وهذا على القول بأن الأيام لا تُراعى.
وإن لم يذكر الأيام بأعيانها فهذا لا خلاف فيه أنه يصلي ظهراً بين عصرين أو عصراً بين ظهرين، فيحصل (1) بذلك الترتيب، لأن العصر إن كانت (2) هي السابقة فقد صلَّى بعدها الظهر، وإن كانت هي المتأخرة فقد صلَّى قبلها الظهر.
(حكم من ذكر صلاة لا يدري يومها)
ولو ذكر صلاة لا يدري يومها بعينه (3) لاكتفى بصلاة واحدة بلا خلاف.
كان شك هل هي من السبت مثلاً أو من الخميس؟ فهاهنا قولان: أحدهما: أنه يصلي ظهرين ينوي بكل واحدة [منهما يوماً من المشكوك فيهما، ويبدأ بالأولى من اليومين.
والثاني] (4) أنه يصلي ظهراً واحداً يوماً ولا يضيفها إلى يوم معيّن.
(حكم من ذكر صلاة لا يدري أهي حضرية أم سفرية)
ولو ذكر صلاة يوم ونسي هل هي من حضر أو سفر؛ فعلى القول بأنه مُخيَّر بين القصر والإتمام له أن يُصلي صلاة يوم حضرية ويكتفي بها، وكذلك على القول بأن القصر مستحب.
لكن الأولى هاهنا أن يُصلي كل يوم صلاة.
وأما على القول بأن القصر فرض أو سنة، فيصلي صلاة يوم1234
حضرية وصلاة يوم سفرية، ولا يعيد الصبح ولا المغرب لتساوي أمرهما في الحضر والسفر.
ولو ذكر ظهراً أو عصراً ولم يذكر كونهما حضريتين أو سفريتين لجرى حكم إعادتهما على ما قدمناه.
فإن شك في يومهما وشك في تقدم إحداهما على الأخرى، أو شك هل هما حضريتان أو سفريتان 1 أو إحداهما حضرية أو سفرية؟ فإنه يُصلي ست صلوات.
لكن اختلفوا في صورة ترتيبها؛ هل يصلي ظهراً أربعاً حضرية ثم هي سفرية، ثم عصراً حضرية ثم هي سفرية، ثم ظهراً حضرية وسفرية.
وإن بدأ بالعصر فعل فيها ما فعل بالظهر، أو تكون صورة ترتيبها أن يصلي ظهراً حضرية ثم عصراً سفرية ثم ظهراً سفرية ثم عصراً حضرية ثم ظهراً حضرية ثم عصراً سفرية.
فتقع له صلاة سفر بين صلاتي حضر وبالعكس.
وهذا كلّه طلباً لتحصيل الترتيب، وهو لازم على القول بوجوبها.
وأما على القول باستحبابها فإن تكثير الصلوات إنما هو من باب الأولى فيكتفي على القول بالتخيير بصلاتين ظهراً وعصراً حضريتين.
وعلى القول بأن القصر فرض أو سنة فأربع صلوات؛ ظهراً حضرية وسفرية وعصراً كذلك.
ولو ذكر صلاة يوم وليلة ويعلم أن أحدهما قبل الأخرى، ولا يدري اليوم قبل الليلة أو بالعكس؛ فإنه يصلي صلاة زمان منهما بين صلاة زمانين لتحصيل الترتيب.
وهل يبدأ بصلاة الصبح في اليوم أو بصلاة الظهر؟ في المذهب قولان.
وقد قدّمناهما.
ولنقتصر على هذا المقدار من ترديد 2 هذه المسائل، فإن الخروج عنه اشتغال بعلم الحساب ولسنا له.
...
باب في أحكام السهو
وهو وإن كثرت فروعه ودقت بعض مسائله فإنه يهون مع الالتفات إلى أصوله وقوانينه.
وهو لا يخلو من أن يكون بزيادة أو نقصان.
فإن كان بزيادة فلا يخلو أن تكون الزيادة كلاماً أو فعلاً، وإن كانت كلاماً فقد قدمنا أنها إن كثرت جداً أبطلت الصلاة، وإن كان ما دون ذلك أجزأ (1) عنه [عندنا] (2) السجود.
وكنا قدمنا في الكتاب الأول حكم الكلام عمداً، وأنه يكون لغير [إصلاح] (3) الصلاة أو لإصلاحها (4)، وأحلنا حكم الذي يكون لاصلاحها على هذا الباب فلنبدأ به فنقول:
(حكم الإمام يسلم سهواً من الصلاة قبل كمالها)
من كان إماماً فسلم من صلاته قبل كمالها، فقال له بعض المقتدين: إنك لم تكمل صلاتك، فقال: بل أكملت، وسأل غير المتكلم أولاً، فأخبره أنه لم يكمل.
فهل تصح هذه الصلاة أو تبطل؟ في المذهب ثلاثة أقوال: المشهور صحتها، والشاذ بطلانها.
وقال سحنون: إن جرى ذلك في الصلاة الرباعية 5 بعد ركعتين صحت الصلاة، وإن كان من غير الرباعية أو ليس بعد الركعتين بطلت.
ووجه المشهور الاعتماد على الحديث في أنه - صلى الله عليه وسلم - سلم من اثنتين فقال له ذو اليدين 6: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله1234
فقال: "كل ذلك لم يكن"، فقال ذو اليدين: قد كان بعض ذلك.
فسأل 1 الناس فأخبروه بصحة ما قال ذو اليدين ورجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى إكمال صلاته 2.
ووجه الشاذ إما لأن الحديث لا يحكم بصحته.
وقد تكلم عليه أصحاب أبي حنيفة [من جهة] 3 أن الراوي أبو هريرة رضي الله عنه، ولهم في ذلك معان لسنا لها.
وإما لأنه انفرد بنقله الآحاد.
وإما لأن القياس مقدم عليه.
وبين الأصوليين خلاف في تقديم القياس على خبر الآحاد.
وإما لأن القصة جرت في 4 زمن يجوز فيه النسخ ولم يتكلم ذو اليدين إلا وهو يجوز النسخ فعذر بذلك.
بخلاف من يطرأ له ذلك بعد تقرر الشرائع واستحالة النسخ.
وعلى هذا عول 5 ابن كنانة 6 القائل ببطلان الصلاة، وأجاب ابن القاسم عن هذا بأن غير ذي اليدين من الصحابة تكلموا بعدما علموا بأن الصلاة لم تقصر.
وأما وجه قول سحنون، فهو أن القياس بطلان الصلاة، وقد وردت صحتها في صورة فيقتصر على ما وردت.
ولا يجري 7 القياس فيما عداها.
وإذا تكلمنا على حديث ذي اليدين فنستوفي ما يتعلق به بحسب هذا المجموع، وذلك أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - رجع إلى قول المخبرين فأتم.
والمصلي إذا أخبره غيره أنه لم يتم فلا يخلو أن يخبره من معه في صلاة 1، أو من ليس معه في صلاة؛ فإن أخبره من معه في صلاة فلا يخلو من أن يكون موقنا بخلاف ما قاله، أو موقناً بصحة ما قاله، أو شاكاً.
فإن أيقن بخلاف ما قاله المخبر فإنه يرجع إلى يقينه ولا يلتفت إلى يقين المخبر، إلا أن يكثر 2 المخبرون جداً حتى يكونوا ممن يقع بهم العلم الضروري 3. فيعلم حينئذ أن يقينه ليس بصحيح، وإنما ظن أنه أيقن وليس كذلك.
وإن كان موقناً بصحة ما قاله رجع إليه، وكذلك إن شك.
[وهذا إذا] 4 طرأ له الشك واليقين بصحة ما قالوه بعد أن سلم، وإلا فلو سلم على الشك هل أكمل أم لا، أو على اليقين بأنه لم يكمل، بطلت صلاته.
ويحمل رجوع الرسول عليه السلام إلى المخبرين في قصة ذي اليدين على أنه شك بعد أن أخبروه، أو أيقن بصحة ما قالوه ولذلك سلم وقال: كل ذلك لم يكن.
وإن كان المخبرون ليسوا معه في صلاة فإن أيقن ببطلان ما قالوه لم يرجع إليه، فإن شك أو أيقن بصحة ما قالوه رجع إلى يقينه لا إلى خبر المخبر.
[وهل يرجع إلى الخبر] 5 فيكون من باب الشهادة، وذلك 6 إذا لم يتصور له يقين ولا شك؟ في المذهب قولان: المشهور أنه لا يرجع إليه لأنه ليس معه في صلاة وإنما يرجع إلى من معه في صلاة لأنهم في حكم المصلي الواحد.
والشاذ أنه يرجع إليه لأنه من باب الشهادة.
وإذا حكمنا بالرجوع بعد أن سلم من اثنتين، فإن طال الأمر وكثر الفعل بطلت الصلاة
واستأنفها على المشهور.
وقيل: لا تبطل وإن طال (1). وإن قرب بني كما ما قدمناه.
(هل يفتقر في البناء إلى تكبيرة الأحرام)
وإذا حكمنا بأنه يبني فهل يفتقر إلى تكبيرة أم لا؟ أما إن كان قريباً جداً فلا يفتقر إلى تكبيرة بلا خلاف؛ لأن حكم التكبير الأول منسحب عليه.
وإن بعد بعداً لا يقتضي بطلان الصلاة ففي أفتقاره إلى إحرام جديد قولان: أحدهما: أنه لا يفتقر إليه، لانسحاب حكم الإحرام للصلاة 2 عليه.
والثاني: افتقاره إليه؛ لأن الصلاة تخللها فعل من غير جنسها فضعف حكم انسحاب الإحرام الأول، وصارت كالمستأنفة.
وإذا قلنا إنه يحرم فهل يأتي به قائماً أو جالساً؟ في المذهب قولان.
والقيام قياس على الإحرام الأول، والجلوس لأنه على تلك الحالة فارق الصلاة فيرجع إليها.
فإذا قلنا إنه يحرم قائماً فهل يجلس بعد 3 القيام؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه يرجع إلى الجلوس ثم ينهض منه إلى إكمال الصلاة.
والثاني: أنه لا يرجع إلى الجلوس، بل يتمادى على القيام.
وهذا على الخلاف في الحركات إلى الأركان هل هي مقصودة فيرجع إلى الجلوس حتى ينهض في صلاة، أو غير مقصودة فيتمادى على القيام؟ وما ذكرنا من التقسيم في اليقين 4 والشك وأصل المذهب والمعول عليه وما يذكر 5 من القولين في رجوعه إلى العدد اليسير ممن خلفه، فإنما يتصور ذلك مع غلبة الظن.1
وإذا التفت إلى أصل المذهب في أن المصلي لا يرجع إلى غلبة الظن وإنما يبني على يقينه، فهذا يرجع مع غلبة الظن إلى يقينه، واليقين أنه لم يكمل، فلا يختلف في ذلك.
فالحق أن يقال إن أيقن بالإكمال لم يرجع (1) على التفصيل المتقدم، وإن شك أو غلب (2) على ظنه الإكمال بني على يقينه ورجع إلى قول المخبر هاهنا.
وهو إنما يبني على أن الأصل عنده عدم الإكمال فيكمل.
وإذا طرأ (3) له الشك بعد أن سلم فهل يسأل من خلفه أم لا؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه لا يسأل بل يبني على طرح ما شك فيه والاعتماد على ما يتيقن.
والثاني: أنه يسألهم فيستفيد منهم علماً.
وهذا تعويل على سؤال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قصة ذي اليدين وحمل السؤال على حالة الشك.
وإذا قلنا إنه يرجع إلى المخبرين وإن كانوا ليسوا معه في صلاة فهل يكتفي في ذلك بخبر الواحد؟ فيكون بابه باب الإخبار، أولاً بد من مخبرَيْن فأكثر فيكون بابه باب الشهادة؟ في المذهب قولان.
(حكم الزيادة من جنس الصلاة)
ولنرجع 4 إلى أصل التقسيم ونقول: إن كانت الزيادة فعلاً فلا يخلو من أن تكون من جنس الصلاة أو من غير جنسها؛ فإن كانت من جنس الصلاة-[فإن قَلَّت] 5 - فلا تبطلها، وهذا كزيادة الركعة في الصلاة الرباعية.
وإن كثرت فلا تخلو أن تكون صلاة رباعية أو ثنائية أو ثلاثية.
فإن كانت رباعية فزاد فيها مثلها؛ فالمشهور من المذهب بطلان الصلاة بكثرة123
الأفعال 1 وإلحاقها بأفعال غير مجانسة للصلاة، والشاذ صحة الصلاة.
وهذا لأن المحاذرة فعل يشوش نظم الصلاة، وهذا ليس من ذلك القبيل.
وإن كانت الزيادة مثل نصفها كمن يصلي الظهر مثلاً ست ركعات، فهاهنا قولان: أحدهما: بطلان الصلاة نظراً إلى كثرة الزيادة، والثاني: الصحة نظراً إلى أنه ليس بمشوش، وإنما المزيد يسيراً بالنسبة إلى عدد الركعات.
وإن كانت الصلاة ثنائية فزاد مثلها كمن يصلي الصبح أربع ركعات؛ فإن قلنا إنه إذا زاد في الرباعية مثلها لا تبطل، فأحرى هاهنا ألا تبطل [فإن قلنا إن تلك تبطل فهاهنا قولان: قيل تبطل كتلك، والثاني: أنها لا تبطل] 2. وهذا نظراً إلى قدر المزيد في نفسه، أو بالنسبة 3 إلى ما زاد عليه.
ولو زاد في هذه ركعة ففيها أيضاً قولان: البطلان؛ لأنه زاد مثل نصف الصلاة.
والثاني: أنها لا تبطل؛ لأن الزيادة يسيرة في نفسها.
وهل تكون الثلاثية كالرباعية أو كالثنائية؟ في المذهب قولان.
فإن حكمنا في جميع هذه المسائل بصحة الصلاة فيكون عليه السجود بعد السلام؛ لأنها زيادة، وكل هذا إذا زاد سهواً، أما لو كانت الزيادة عمداً بطلت الصلاة ولو زاد مثلاً سجدة واحدة.
وإن كانت جهلاً جرى على الخلاف في حكم الجاهل هل يلحق بالعامد أو بالناسي؟
وإن كانت من غير جنس الصلاة وفعلت عمداً، فقد قدمنا حكم الفعل في الصلاة إذا قصد إليه.
وإن فعلت سهواً فقد قدمنا أيضاً أنها إن كثرت بطلت، وإن قلَّت أجزى عنها سجود السهو، وفي كتاب الصلاة الأول أنه إذا سلم من اثنتين فأكل أو شرب بطلت صلاته 4، وفي هذا الكتاب إذا أكل في الصلاة أو شرب أن صلاته صحيحة ويجزيه سجود السهو 5.
وقد اختلف الأشياخ هل هذا اختلاف قول أو بين المسألتين فرق؟ وإذا قلنا بالفرق فهاهنا طريقان: أحدهما: أن ما في الكتاب الأول حصل بعد السلام من الصلاة وكثر الفعل، وما في هذا الكتاب انفرد الأكل أو الشرب فقل (1)، والثاني (2): أن ما في [الكتاب] (3) الأول فعل كثير لأنه جمع بين الأكل والشرب [والسلام، وفي الكتاب الثاني إنما فعل أحدهما: فصار يسيراً، وبالجملة إن المسألة محل الإشكال] (4). ...
فصل (السهو بالنقصان)
وإن كان السهو بنقصان فلا يخلو من أن يكون نقص فريضة، أو سنة، أو فضيلة، أو هيئة.
فإن نقص فريضة لم ينسب عنها إلا الإتيان بها، فإن فاته محلها من الركعة بطلت الركعة.
وقد قدمنا حكم من نقص تكبيرة الأحرام أو أخل بأم القرآن.
وإن أخل بالركوع أو السجود فإنه يتلافى ما أخل به، فإن لم يفعل بطلت الركعة التي أخل بذاك فيها.
ومتى يتلافى؟ [فإنه يلافي] 5 ما لم يعقد الركعة 6 التي بعد هذه التي أسقط منها.
وما 7 عقدها؟ فيه قولان: أحدهما: وضع اليدين على الركبتين.
والثاني: رفع الرأس منها.
وقد تقدم.
وإن أخل بالركوع مثلاً من ركعة، والسجود من الركعة التي بعدها،1234
فهل يجزيه ركوعه للثانية عن الركوع للأولى (1)؟ لا شك أنه لا يجزيه؛ لأنه أخلَّ بالترتيب.
وإن أخل بالسجود من الأولى والركوع من الثانية فهل يجزيه سجود الثانية عن سجود [الاولى]؟ (2) المنصوص أنه لا يجزيه.
ووقع لمحمد بن مسلمة فيمن نسي السجود من الرابعة (3) وسجد للسهو أن ذلك [السجود] (4) يجزيه عما أخل به من سجود الركعة.
فأخذ من هذا أبو الحسن اللخمي أن السجود للركعة الثانية ينوب عن السجود للركعة الأولى (5). ورأيت من فرَّق بينهما [من الأشياخ] (6) وقال إن سجود السهو لم يقصد به (7) ركعة بعينها فيجزيه وإن كان ليس بفرض، بخلاف ما قصد به ركعة بعينها.
[[وهذا القول غير صحيح.
...
فصل
8. وفي المذهب قولان في الإمام والفذ يخلان بركن من الأولى أو من الثانية حتى يفوتهما 9 تلافيه فحجب عليهما قضاء تلك الركعة، هل يقضونها 10 بأم القرآن وسورة أو بأم القرآن خاصة؟ فقد قصدوا إلى أن تكون الركعة أولى [أو] 11 ثانية فعادت على قول أخيرة فكذلك يكون حكم1234567
السجود.
[وإن قصد به ركعة بعينها]] (1) ينوب مناب ما أخل به] (2) من الفروض في الركعة التي قبلها (3).
وفي المذهب أيضاً قولان فيمن ظن أنه قد أكمل صلاته فأتى بركعتين نافلة، [ثم ذكر أنه لم يصل الفريضة] (4) إلا ركعتين، فقيل: تجزيه هاتان الركعتان عما بقي عليه من صلاته، وقيل: لا تجزيه.
وكذلك لو تعمد أن يأتي بركعتين نافلتين، وقد علم أنه قد أخل بركعتين من الفريضة، فقيل: حكم النية منسحب (5) في جميع هذا، فيجزيه عن الفريضة.
وقيل: لا يجزيه؛ لأن النية إنما تنسحب ما لم يأت بنقيضها، [وإلا إذا أتى بنقيضها] (6) بطل حكم الانسحاب (7).
...
فصل (الشك في النقصان حكمه كحكم تيقن وقوعه)
وحكم الشك في النقصان كحكم تيقن وقوعه.
فإذا شك هل أخل بركن وجب عليه الإتيان به، كما يجب على من تيقن أنه أخل به.
وهذا إذا لم يكن موسوساً.
وأما الموسوس فإنه يبني على أول خاطر به، كما سبق في الشك في الحدث وغيره.
ولو ذكر في الركعة الرابعة أنه أخل بسجدة، أو شك هل أخل بها، ولم يدر محلها.
هاهنا قولان: أحدهما: أنه يأتي بسجدة لئلا تكون من هذه الركعة، ثم يأتي بركعة لئلا تكون من ركعة غيرها.
والثاني: أنه يأتي بركعة خاصة تجزيه عما أخل به كيف تقدر أمره.1234567
وسبب الخلاف تقابل المكروهين: أحدهما: التفرقة بين أجزاء الركعة، والثاني: الزيادة في الصلاة.
فمن راعى حكم التفرقة قال: يأتي بسجدة، ومن راعى حكم الزيادة قال تسقط السجدة ويأتي بركعة خاصة.
ولو سلم من الصلاة ثم ذكر سجدة من الركعة الآخرة فهل يكون السلام حائلاً بينه وبين التلاقي؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه حائل (1) فيقوم فيأتي بركعة، والثاني: أنه لا يكون حائلاً فيأتي بسجدة وتجزيه.
فمن التفت إلى كونه ركنا قائماً بنفسه عدَّه حائلاً، ومن التفت إلى كونه قصيراً لم يعده حائلاً.
هذا حكم الإخلال بالأركان على الجملة، وبقي منها حكم الإخلال بالسلام.
ومتى أخلَّ به ولم يطل الأمر سلم وأجزأه، وإن طال فقد قدمنا القولين هل تبطل الصلاة؟ وهو المشهور، أو لا تبطل؟ وهو الشاذ.
...
فصل (حكم من أخل بالسنن)
وإن أخلَّ بالسنن فإن كان عامداً ففي بطلان صلاته قولان، وقد تقدما.
وإن قلنا بالصحة فهل يسجد؟ قولان: المشهور أنه لا يسجد؛ لأن السجود إنما ورد في السهو.
والشاذ أنه يسجد؛ لأنه إذا سجد للسهو ولا أثر له فيه فأحرى أن يتلافى في العمد بالسجود.
وإن أخلَّ بها سهواً فإن كانت فعلاً فلا خلاف في أنه مأمور بالسجود، وإن كانت قولاً فقولان: المشهور أنه مأمور بالسجود كالفعل، والشاذ أنه لا سجود عليه.
فمن استعمل القياس أمر بالسجود، ومن لم يستعمله رأى أن السجود إنما ورد في نقص الفعل دون القول 2. فإن قلنا بالسجود فأين1
محله؟ قولان: أنه قبل السلام كنقص 1 الأفعال.
والشاذ أنه بعده لضعف الأمر به فأخَّر لئلا تكون الزيادة في الصلاة.
وهذا ما لم تقل الأقوال، فإن قلت كالتكبير ونحوها ففي الأمر بالسجود قولان: المشهور نفيه ليسارة المتروك، والشاذ إثباته حكماً له بإلحاقه بالسنن في الحكم.
ولا شك على ما قدمناه أن من سها عن الجلسة الوسطى سجد قبل السلام لاشتماله على أقوال وأفعال.
ومتى يحصل تاركاً له؟ أَما إن نسي فنهض، فإن لم يفارق الأرض فإنه يعود إليه ولا سجود على المشهور، وقيل يسجد.
وهذا بناء على الأمر بالسجود وإن قلَّ الفعل.
وإن استقلى قائماً فلا خلاف في المذهب أنه لا يعود إلى الجلوس.
وقد تقرر السجود في ذمته.
وإن كان بين الجلوس والقيام فهل يرجع إلى الجلوس أو يتمادى [على القيام] 2؟ قولان: أحدهما: أنه يرجع لسبق 3 الجلوس ولم يحصَّل رتبة الفريضة وهي القيام 4 والثاني: أنه يتمادى إلى القيام؛ لأنه فرض وقد 5 أخذ في الحركة إليه.
فإن رجع بعد القيام فلا يخلو رجوعه من ثلاثة أقسام: إما أن يكون عامداً ففي بطلان صلاته قولان: أحدهما: [أنها] 6 لا تبطل صلاته، وهذا مراعاة لقوله من يقول إنه يرجع.
والثاني: الحكم بالبطلان؛ لأنه وجب عليه التمادي على 7 القيام ورجع إلى الجلوس وقد فات محله، [فكأنه زاد في
صلاته متعمداً.
وإن رجع سهواً فلا تبطل صلاته بلا خلاف] (1). فإن رجع جهلاً، يجري (2) على الخلاف في حكم الجاهل هل هو كالناسي أو كالعامد؟ (3). ويتصور السهو هاهنا بأن يذهل عن حقيقة الأمر أو يظن أنه قام من الجلسة الآخرة.
[فإذا رجع] (4) وحكمنا بصحة صلاته فمتى يكون سجوده؟ قولان: أحدهما: يسجد قبل السلام؛ لأن الجلوس فات محله ورجوعه لا يتلافاه، فهي زيادة محضة.
والثاني (5) أنه بعد السلام، وهذا بناء على أن الجلوس الذي عاد إليه يسد مسد الأولى (6).
وإن أخل بالفضائل أو الهيأة فلا سجود عليه، وتجزيه الصلاة لضعف أمر المتروك.
(قاعدة المذهب في الزيادة والنقصان)
هذا حكم السهو في الزيادة والنقصان، وقاعدة المذهب أن السجود للزيادة بعد السلام والنقصان قبله، إلا ما قدمناه في ترك الأقوال.
وفي المجموعة 7 لمالك رحمه الله ما يشير إلى أن هذه التراتيب ليست بمتعينة، بل يجوز أن تخالف فيؤتي بالجميع قبل السلام أو بعد السلام.
والأصل المعول عليه في المشهور أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حديث ذي اليدين سجد بعد السلام، وقد زاد خامسة فسجد أيضاً بعد السلام 8. وقد قام أيضاً من اثنتين123456
فسجد قبل السلام.
وهذا كالنقص بمقتضى المشهور.
وأيضاً فإن النقص ينبغي أن يؤتى بعوضه في نفس الصلاة ليسد مسده، والزيادة لم تؤثر في الصلاة تأثيراً يجب (1) تلافيه إلا بالاستغفار أو ما يرغم الشيطان، فكان السجود لذلك (2) بعد السلام.
(حكم اجتماع النقص والزيادة)
فإن اجتمع النقص والزيادة غُلِّب المتأكَّد منهما، وهو النقص، فيسجد قبل السلام.
وإنما أخر سجود السهو ولم يؤت به عقيب سببه لإمكان أن يتكرر السهو، فيكفي عن جميعه سجدتان.
وهذا في سجود النقص، وأما في سجود الزيادة فمحله بعد الصلاة، فمن ضرورته التأخير.
...
فصل (هل يتشهد ويحرم لسجود السهو)
وهل يتشهد لسجود السهو؟ أما اللتان بعد السلام فلا خلاف أنه يتشهد لهما لأنهما مستقلتان بنفسهما، وأما اللتان قبل السلام ففي التشهد لهما قولان: أحدهما: الأمر به، إذ المشروع أن السلام لا يكون عقيب السجود 3. والثاني: نفيه، إذ لا يكون تشهدان في جلوس واحد.
وهل يحرم لهما؟ أما اللتان قبل السلام فحكم الصلاة منسحب عليهما فلا يحرم لهما وإنما يكبر للخفض وللرفع.
لكن إذا نسي إيقاعهما قبل السلام فذكر بعد السلام من غير طول فلا يحرم لهما.
وإن طال طولا لا يفسد الصلاة جرى على حكم الإحرام على ما قدمناه في الرجوع إلى إكمال الصلاة.
وأما اللتان بعد السلام ففي الإحرام لهما قولان: أحدهما: أنه لا12
يحرم قياساً على سجود التلاوة، والثاني: أنه يحرم لأن السلام فيهما مشروع عنده.
وإذا ثبت الأمر بالسلام منهما وجب أن يؤمر بالإحرام.
وكيف صورة السلام؟ فيه قولان: أحدهما: أنه كالسلام من الصلاة في السر والجهر، والثاني: أن المشروع في ذلك السر.
فمن قاسها على الصلاة قال بالأول، ومن قاسها على صلاة الجنازة أيضاً قال بالثاني.
والجامع [بينهما] (1) أن كل واحد منهما جزء من الصلاة [قال ينبني] (2) على أنه [قد] (3) اختلف في صلاة الجنازة أيضاً هل المشروع الإسرار بالسلام (4)، أو يكون كالسلام من الصلاة؟ والرجوع في ذلك إلى الإتباع.
فإن قدم اللتين بعد السلام فسجدهما قبل السلام فهل تبطل صلاته؟ أما إن كان ناسياً فلا تبطل (5)، وإن كان عامداً ففي ذلك قولان.
وهما على مراعاة الخلاف.
فمن راعى الخلاف نفى البطلان، ومن لم يراع أثبته.
وإن أخر اللتين قبل السلام فسجدهما بعد السلام؛ فإن كان ناسياً صحت صلاته، وإن كان عامداً أجري على القولين في الإبطال والصحة.
وهذا الموضع أولى بالصحة.
(حكم من نسي أن يسجد لسجود السهو)
ولو نسي أن يسجد سجود السهو فلم يسجده حتى طال الأمر؛ فأما اللتان بعد السلام فيسجدهما متى ما ذكر، وأما اللتان قبله فهل تبطل الصلاة12345
لتركها متى طال (1) الأمر؟ في المذهب خمسة أقوال: أحدها: أنها تبطل، وهو المشهور.
والثاني: أنها لا تبطل، وهو الشاذ.
والثالث: أنها تبطل إن كان السجود واجبًا عن نقص فعل، ولا تبطل إن كان عن نقص قول.
والرابع: أنها تبطل لنقص الجلوس الأوسط وأم القرآن من ركعة واحدة، ولا تبطل إن كان من نقص غير ذلك.
والخامس: أنها تبطل إن كان النقص في القول أو في الفعل، إلا أن تكون التكبيرتان وما في معناهما من قول: "سمع الله لمن حمده".
فأما القولان بالبطلان ونفيه فبناء على أن السجود واجب لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر به فتبطل الصلاة لتركه.
أو على أنه ليس بواجب لأنه بدل على غير واجب فلا تبطل الصلاة لتركه.
وهذاالذي قلناه من كون المبدل (2) غير واجب هو أصل المذهب وقاعدته.
وانفرد أبو الوليد الباجي فرأى أن القول بالبطلان يقتضي أن المبدل عنه واجب، ورأى أن الصلاة على ثلاثة أضرب؛ منها إن كان لا يجزيه عنها إلا الإتيان بها ونفي ما قدمنا من الفروض.
ومنها واجبات ينوب عنها السجود، وهذه التي عددناها آنفاً.
ومنها فضائل هيئة لا تجبر.
وهذا قياس على الحج فإنه على هذه الثلاثة الأقسام.
وأما الأقوال الأخيرة فمبناها على تأكيد المتروك وعدم تأكده، فتأكد عند قوم لكونه فعلاً، وعند قوم لهذا أو بالخلاف في فرضيته كأم القرآن (3) في ركعة، وعند قوم بهاذين (4)، وبكثرة الأقوال.
(حكم من ذكر سجود السهو من صلاة وهو في صلاة ثانية)
ومن 5 ذكر سجود السهو من صلاة وهو في صلاة ثانية؛ فإن كان من1234
زيادة تمادى على صلاته فإذا انتهى سجدهما.
فإن كانتا من نقص يجري حكم بطلان هذه الصلاة التي هو فيها والرجوع إلى الأول على ما قدمناه من الخلاف في بطلان الصلاة بترك السجدتين اللتين من النقص.
وقد استوفينا حكم السهو في الزيادة والنقصان على قدر هذا المجموع.
وقد شذَّت مسائل ونحن نستوفيها فنتبع مسائل الكتاب.
...
فصل (فيمن شك في صلاته ولم يدر أصلى ثلاثاً أم أربعاً)
ومن شك في صلاته فلم يدر أثلاثًا أم أربعًا، فلا يخلو من أن يكون شكه موسوساً أو سالم الخاطر؛ فإن كان موسوساً بني على أول خاطريه، فإن سبق إلى نفسه أنه أكمل بني على ذلك، فإن سبق إلى نفسه أنه لم يكمل أتى بما شك فيه، وهذا لأنه في الخاطر الأول مساو 1 للعقلاء وفيما بعد ذلك مخالف لهم.
والتزامه البناء على اليقين مع كثرة وساوسه، قد يؤدي إلى الحرج وقد لا يحصل له يقين.
فإذا سبق إلى نفسه الإكمال فبنى عليه فهل يسجد أم لا؟ قولان: قيل لا سجود عليه, لأنه سقط عند البناء على اليقين للحرج فسقوط السجود بالحرج أولى.
وقيل عليه السجود إذ لا مشقة عليه في سجدتين.
ومتى يسجد إن أمرناه [بالسجود؟] 2 قولان: أحدهما: أنه يسجد قبل السلام لأنه سجود 3 للنقص.
والثاني: بعد لأن هذا النقص 4 مطرح، وإنما السجدتان ترغيماً للشيطان.
وإن كان سالم الخاطر فلا خلاف عندنا أنه يطرح المشكوك فيه ويبني على حصول المتيقن.
فإذا شك هل صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ فاليقين إنما حصل