ومنهم من يتجاوز كل هذا إلى اغناء النص بالشروح والتعليقات المستفيضة والترجيح بين الآراء والتوسع فيما اختصره المؤلف وإضافة ما فاته.
ولقد آثرت أن أسلك في تحقيق هذا الكتاب المنهج الثاني الذي يقوم على خدمة النص.
لأسباب رجحت كفتها عندي.
وبما أن هذا المنهج هو أيضاً مختلف في بعض تفاصيله وجزئياته، فلا مناص لي من توضيح ما اخترت منه:
1 - حاولت قدر المستطاع أن أخرج النص بأفضل أسلوب وأشرق عبارة تتفق مع المعنى المراد.
وذلك وفق منهج الاتقاء القائم على اختيار أصح العبارات، وإثباتها في النص، والإشارة إلى العبارات المرجوحة، فإن لم يتيسر لي ذلك، أو تساوت عندي العبارات، أثبت ما جاء في نسخة "ر" أو "ق" غالباً.
وللقارئ إذا ما لاحظ اضطراباً وقلقاً في العبارة أن يختار من الحواشي اللفظة التي يراها أنسب.
كما قمت بكتابة النص وفق قواعد الإملاء المعاصرة وضبطه بالنقط والفواصل وعلامات الاستفهام والتعجب، ويعلم الله كم عانيت في سبيل ذلك.
فالنسخ لا تميز بين ألف الممدودة والمقصورة والتاء المبسوطة والمربوطة والهمزة تحذف دائماً في آخر الكلمة ووسطها إذا لم تكن أصلية.
أما وضع النقطة والفاصلة فإنه احتاج مني إلى تركيز ودقة متناهية، وتكرار القراءة مرات عدة لفهم المعنى المقصود.
إذ المعنى مرتبط بوضع النقطة، فإن وضعت في غير محلها اختل المعنى.
2 - كما قمت بوضع عناوين للفصول والمسائل المتناولة داخل فصول الكتاب، ووضعتها بين قوسين تمييزاً لها عن العناوين التي وضعها المؤلف.
3 - ذكرت أرقام الآيات القرآنية والسور التي وردت فيها.
4 - قمت بتخريج الأحاديث والآثار الواردة في النص وذكرت مصادرها، وألفاظها الأصلية.
وقد أشرت في بعض الأحيان إلى درجة الأحاديث في الصحة أو الضعف.
5 - كما عرّفت بالأعلام التي تحتاج إلى تعريف عند أول ورودها في النص المحقق أما الأعلام التي ورد ذكرها في قسم الدراسة فأكتفي بذكر اسمها الكامل وتاريخ وفاته.
6 - كما قمت ببعض التعليقات على النص المحقق من حين لآخر تجلية وتوضيحاً لبعض المسائل العلمية.
7 - أما بالنسبة لتوثيق النقول والأقوال فقد لاحظت أن الكتاب عبارة عن نقول وأقوال يحكي المؤلف من خلالها خلاف المذهب، فرأيت إن تتبعت تلك الأقوال في مظانها فسيتطلب مني ذلك وقتاً طويلاً جداً قد لا تجود به أنظمة البحث المعاصرة.
بل رأيت إنه سيكون جهداً يبذل في عمل قليل الجدوى إذ تلك الأقوال مستفيضة ومنتشرة وناقلها عدل ضابط فلا داعي للتكلف في ذلك، وقد وجدت من العلماء من يستنكر إهدار الجهود في مثل هذا العمل، وإغفال ما هو أهم منه.
أذكر منهم أبا زهرة الذي قال: (ولقد نهج ذلك المنهج المتكلف شبابنا الذين يكتبون، فظنوا أنه كلما عني أحدهم بالإكثار من المصادر كان ذلك دليلاً على أنه يفهم نظام البحث الحديث وأنه مجدد فيما يكتب، وأن كتابته قد بلغت الذروة وبلغت الغاية.
بل وصلت إلى النهاية، حتى لقد وجدنا بعضهم يجتهد في أن يأتي للأمثال الفقهية بمصادرها فيأتي للمثل الواحد بعدة مصادر مخطوطة وغير مخطوطة.
والمثل مذكور في الكتب المتداولة المشهورة التي هي أوثق أحياناً من المخطوط) 1.
من أجل هذا رأيت أن أسلك مسلكًا وسطاً لا أتخل فيه عن توثيق الأقوال نهائياً ولا أقوم باستقصائها كلها بل أكتفي بما تدعو الضرورة إليه.
وقد رأيت أنه لا بدّ من توثيق النصوص المنقولة عن المدونة على اعتبار أنها هي محور الكتاب وعليها معتمده، فعمدت إلى تلك النصوص،
فما وجدته بحرفه وضعته بين قوسين تمييزاً له عن النصوص التي نقلها بمعناها.
كما أني رأيت أن كلام اللخمي هو أيضاً جدير بأن يوثق على اعتبار أن ابن بشير قصد تتبعه بالنقد والتعقيب.
أما ما سوى هذين فإني لم أقصد إلى استقصاء توثيق أقوالهم وتتبعها بل قصدت إلى أخذ نماذج في كل الكتاب ليظهر من خلالها منهجه في النقل والاستشهاد.
8 - كما قمت بوضع فهارس للآيات والأحاديث والأشعار والمصادر والمواضيع.
كتاب الطهارة
بسمِ الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمَّد وآله وصحبه وسلم تسليمًا
الحمد لله الذي أبدع الأنام 1، وشرع الأحكام، وأسبغ الإنعام على المتفقهين في الحلال والحرام.
فصَّيرهم قدوة الأنام، ومصابيح الظلام.
والصلاة على المبعوث لبيان شرائع الإِسلام وعلى آله وصحبه [البررة الكرام] 2 المرافقين له في دار السلام 3.
وبعد، فإنه لما انتهض إلى الطلب من لم يمارس قراءة الكتاب 4، ابتدأنا 5 لهم موعداً بقصد الإيجاز [والاختصار] 6 دون التطويل والتكرار 7، وفيه من تحرير الدلائل وتقرير المسائل ما تشوكوا 8 إلى نقله، وضعفوا عن حمله.
فرأيت أن أملي عليهم من خلاف أهل المذهب ما يحصل به
للجمهور الاستقلال، منبهاً على أوائل التوجيه والاستدلال.
وسميته "كتاب التنبيه على مبادئ التوجيه"، وهو كالمدخل إلى كتابي المسمى "بالأنوار البديعة في أسرار الشريعة" 1. وفي هذا الإملاء 2 لمن اقتصر عليه ما يخرجه من زمرة أهل التقليد، وفي ذلك لمن ترقى إليه ما يبلغه رتبة المبرز المُجيد، ومن الله سبحانه أستمد 3 المعونة والتأييد وإياه أسال التوفيق والتسديد، إنه جل ذكره الجواد المجيد.