(اختصاص وجوب الزكاة بالنعم)
وقد تقدم أن الشريعة علقت الزكاة بالأموال النامية، وإن منها النعم 1 فلا تجب الزكاة عندنا إلا فيها.
وهذا لاختصاص النص بها، ولأنها المعدة للنماء غالباً، وفيها الدر والنسل والأصواف والأشعار والأوبار.
وغير ذلك من الحيوان، لا يوجد فيها كمال النماء على هذه الصفة.
لكن إن [ضرب] 2 نوع من الوحش في نوع من هذه حتى كان عنه النتاج، فهل تجب في المتولد عنها زكاة أم لا؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: وجوب الزكاة، والثاني: إسقاطها، والثالث: وجوبها إذا كانت الأمهات من النعم، وسقوطها إن كانت من الوحش.
وقد استقرئ هذا القول من المدونة لقوله: كل ذات رحم فولدها بمنزلتها 3. وسبب الخلاف ما قدمناه من اجتماع موجب ومسقط أيهما يغلب؟ وأما القول الثالث فإن الأصول تقتضي أن الولد تبع للأم في الحرية والرق، وأيضًا فإن النطفة كالمستهلك 4 والولد جزء 5 من الأم.
ولعل وجه الإسقاط أيضًا أن النسل لا يكون [إلا] 6 من هذا المتولد، والنسل هو معظم النماء.
فصل (نصاب الإبل والواجب فيها)
وإذا تقرر اختصاص الزكاة بالنعم 1، فالنظر فيها أولًا في ركنين: أحدهما: النصاب الذي تعلق به الزكاة 2، والثاني: في قدر المخرج 3.
وأما النصاب فاجتمعت الأحاديث على بيانها، وتعلق بها أيضًا حكم المخرج على الجملة.
ولنبينها ثم نذكر مواضع الخلاف؛ فأما الإبل فلا شيء فيما دون الخمس منها، فإذا بلغت خمسا ففيها شاة إلى تسع، فإذا بلغت عشرة ففيها شاتان إلى أربعة عشر، فإذا زادت واحدة 4 ففيها [ثلاث شياه إلى تسع عشرة، وإذا زادت واحدة ففيها 5 أربع شياه إلى أربع وعشرين، فإذا زادت واحدة ففيها] 6 بنت مخاض 7، فإن لم توجد فابن لبون ذكر إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت واحدة ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين، فإذا زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت واحدة ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة فهاهنا وقع في الحديث في كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون 8.
واختلف المذهب في الزيادة المعتبرة على العشرين ومائة، هل تكون بالعشرات أو بالواحدة؟ في المذهب في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: اعتبار الزيادة بالعشرة، فلا تنتقل عن الحقتين إلى أن تبلغ ثلاثين ومائة، والثاني: أنها تنتقل فيكون فيها ثلاث بنات لبون، والثالث: أنها صورة 1 يخير فيها الساعي بين أخذ حقتين أو ثلاث بنات لبون.
وسبب الخلاف أنه - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إِذَا زَادَتْ"، ومقتضى اللفظ اعتبار زيادة الواحدة فأكثر، لكنه قال: "في كُل خَمْسِينَ حِقَّة وَفِي كُل أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُون"، فراعى زيادة العشرات 2؛ فمن التفت إلى اللفظ الأول غير بزيادة 3 الواحدة، ومن التفت إلى اللفظ الثاني راعى زيادة العشرة 4، وقد اختلف المتأخرون في توجيه القول الثالث؛ فمنهم من يراه مبنيًا على الشك والتردد وإجمال 5 الحديث، ومنهم من يراه مبنيًا على أنه مقتضى الحديث، ويكون الساعي مخيرًا في هذا المقدار كتخيره إذا بلغت مائتين 6 على ما سنذكره.
ومبنى هذا الاختلاف نذكره فيما بعد.
فإذا بلغت ثلاثين ومائة ففيها حقة وابنتا لبون.
ولا خلاف في المذهب في هذا المقدار.
ثم لا تتغير 7 الزيادة بعد ذلك إلا بالعشرات.
وتقريب النظر في ذلك أن الثلاثين ومائة فيها حقة وابنتا لبون كما ذكرنا، فكلما = فَفِيهَا ابْنَةُ لَبُونِ إِلَى خَمْسِ وَأَرْبَعِينَ فَإذَا زَادَت فَفِيها حِقَّةْ إِلَى سِتَّينَ فَإِذا زَادَت فَجَذَعَةٌ إِلَى خَمسِ وَسَبعِينَ فَإذا زَادَتْ فَفِيها ابنَتا لَبُون إِلَى تِسْعِينَ فَإِذا زَادَت فَفِيها حِقَّتَانِ إِلَى عشرِينَ وَمِائَة فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عشرِينَ وَمِائَةِ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةْ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونِ" الحديث.
زادت عشرة أزيلت (1) بنت لبون وجعل مكانها حقة.
فإذا صار الجميع حقاقًا (2) وزادت عشرة، رد الكل بنات لبون وزيد في العدد واحدة.
ثم إن زادت عشرة أزيلت بنت لبون ورد في مكانها حقة.
هكذا أبدًا.
ومثال ذلك إذا زادت على الثلاثين ومائة عشرة، وجبت فيها حقتان وبنت لبون.
فقد أزلنا بنت لبون ورددنا مكانها حقة، فإذا زادت عشرة وجبت ثلاث حقاق، فإذا زادت عشرة صار المأخوذ أربع (3) بنات لبون، فإذا زادت عشرة وجبت حقة وثلاث (4) بنات لبون.
هكذا أبدًا.
وأصله على التقريب ما قلناه.
والمعوّل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "في كُل خَمسِينَ حِقَّة وَفِي كُل أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُون".
وإذا بلغت مائتين فهاهنا إن عددت بالأربعينات كان فيها خمس بنات لبون، فإن عددت بالخمسينات كان فيها أربع حقاق، فيكون الساعي مخيرًا.
وفي المذهب تفصيل نذكره بعد.
...
فصل (أسنان الإبل وحكمها)
ويفتقر إلى معرفة الأسنان المذكورة في الحديث، وولد الناقة في أول السنَّة يسمى حُوَارًا، وهذا هو المحتاج إليه على ما ذكره الفقهاء في كتبهم، وإن كان له تفصيل أسماء يفتقر إليها في علم اللغة 5. فإذا دخل في السنَّة الثانية سمي ابن مَخَاضِ والأنثى بنت مخاض، ومعنى ذلك أن الأم صارت في حد المخاض لأنها تحمل سنة وتغب 6 أخرى.
فإذا دخل في السنَّة الثالثة سمي ابن لَبُونِ، بمعنى أن أمه صارت في حد مَن لها لبن ترضع به.1234
فإذا دخل في السنَّة الرابعة سميت الأنثى منه حِقَّة، بمعنى أنها استحقت الحمل للحمولة، والفحل تلقح (1) حينئذ.
وإن كان الذكر لا يلقح إلا في السنَّة السادسة.
فإذا دخلت في الخامسة سميت جَذَعَة، وهي آخر ما تؤخذ في الزكاة.
وفي السنَّة السادسة ثَنِيَّة (2)، ولا حاجة لنا إلى ذلك ولا ما بعده، إذ لا يتعلق به حكم الزكاة.
(بعض حِكَمِ ذلك)
وقد تصرفت الشريعة في هذه النصب 3 تصرفًا مناسبًا يعقل معناه على الجملة وإن كان فيه شوب 4 التعبد على التفصيل.
فَعُدَّ مالكِ الأربعة فدون فقيرًا، كما عُدَّ مالك دون العشرين [دينارا] 5 فقيرًا، ومالك الخمس 6 غنيًا فيستحق أن يؤخذ منه.
لكن إن أخذ من عين المال أجحف به.
والشركة أيضًا في الحيوان مضرة فيعوض عن القدر الواجب بشاة، ثم لا يجب في الزيادة القليلة شيء بخلاف العين لأنّ إخراج الجزء من العين ممكن، وهاهنا لا يمكن إلا بالشركة، ففيها مضرة.
فراعت الشريعة زيادة الخمسة إلى أن تبلغ خمسًا وعشرين فحينئذ يستحق الإخراج من الإبل، فيؤخذ من الخمسة وعشرين بنت مخاض، إذ ما قبلها لا يستغني عن أمه ولا يقدر الساعي على حمله 7. ثم يراعى الزيادة بالعشرة كرتين، ثم بالخمسة عشرة كرتين، ولا يؤخذ ما فوق الجذعة لأنها من كرائم 8 الأموال.
وإنما تكررت بنت لبون وحقة فتؤخذان مرتين مرتين إذا أثنى العدة 9 التي وجبت فيه أولًا.
وقد نبه - صلى الله عليه وسلم - على أن الشرف12
يحصل في المأخوذ بالأنوثية أو بزيادة السن, فقال: "في الخمسة والعشرين بنت مخاض، فإن لم توجد فابن لبون ذكر" (1). ونبّه بالذكورية هاهنا لأنه إنما انتقل (2) إلى السنن الأعلى مع فقد السنن الأدنى لكون الأنوثية فضلًا والذكورية نقصًا.
وهذا التعليل أهم (3) مما قيل من أنه إنما ذكر الذكوربة احترازًا من الخنثى، وهذا يعلم بطلانه قطعًا، وأن صاحب الشريعة لا يتعرض لمثل هذه الصورة إذ هي نادرة تكاد ألا توجد، نعم ولو وجدت لم يكن للاحتراز منها فائدة.
...
فصل (المأخوذ من الإبل عند فقد بعض الأصناف أو وجودها)
وإذا وصلت 4 الإبل خمس وعشرين، فلا يخلو من أن يوجد فيها بنت مخاض وابن لبون جميعًا، أو يفقدا جميعًا، أو يوجد أحدهما ويفقد الآخر.
فإن وجدًا جميعًا فلبس إلا بنت مخاض، إلا أن يرضى الساعي بابن اللبون ويراه نظرًا للمساكين، ففيه قولان: أحدهما: أنه يجزي، والثاني: أنه لا يجزي.
وهذا بناء على أن القيم لا تجزي بدلًا عن الأعيان الواجبة في الزكاة.
وأما القول الأول فهو بناء على أن القيم تجزي، أو على أن هذا قد يجب يومًا [ما] 5. ولم يخرج بالكلية عن النوع الواجب مخالف 6 القيم.
فإن فقدا جميعًا، فالمنصوص من المذهب أن على رب المال أن يأتي بابنة مخاض، طاع أو كره.
وتأول ابن المواز على أن ابن القاسم أنه قال:123
إن أتى بابن لبون قبل منه.
وأنكره بعض المتأخرين ورأوا أن المذهب كله على ما ذكرناه من المنصوص.
ويحتمل أن يكون المذهب على قولين، ويكون سبب الخلاف قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإن لم توجد فابن لبون" هل معناه: فابن لبون إذا وجد فيها، أو ابن لبون مطلقًا سواء كان فيها أو لم يكن.
وإن وجد أحدهما دون الثاني، فليس إلا ما وجد، وهذا لا خلاف فيه لتناول الحديث له نصًا ومفهومًا.
...
فصل (مسألة التخيير فيما زاد من الإبل على المائة والعشرين إلى المائة والثلاثين)
وقد قدمنا الخلاف في ما بين العشرين ومائة 1 إلى الثلاثين ومائة، وذكرنا أن أحد الأقوال 2 التخيير.
واختلف المتأخرون: هل القول بالتخيير شك في المقدار الواجب فيكون للساعي أن يبتدئ النظر عند نزول المسألة، أو هو 3 قول يقتضيه لفظ الحديث والنظر.
وعلى هذا اختلف 4؛ هل يكون التخيير ثابتًا وإن لم يكن في الإبل إلا أحد السنَّين، أو إنما 5 يكون التخيير مع وجودهما جميعاً.
وفي المذهب في ذلك قولان.
فإن قلنا إن التخيير شك في المقدار، وإنما يبتدئ الساعي النظر عند وقوع النازلة، فإذا قوي في نفسه أحد الأمرين، كلف رب الإبل 6 أن يأتي بحقتين 7 أو ثلاث بنات لبون على قدر ما يؤديه إليه اجتهاده.
وإن قلنا إن التخيير من مقتضى الحديث والنظر، فأيهما دفع رب المال أجزأه، وإن لم يوجد فيها إلا أحد السنين لم يكلف الآخر.
...
فصل (من المخير في الواجب في المائتين؟)
وقد قدمنا أن الواجب في المائتين؛ إما أربع حقاق، أو خمس بنات لبون.
وهل يكون الساعي في ذلك مخيراً أو رب المال؟ في المذهب ثلاثة أقوال:
أحدها: تخيير الساعي (1)، والثاني: تخيير رب المال، والثالث: تخيير الساعي إذا وجدا جميعًا.
وأما إن فقدا جميعًا أو فقد أحدهما، فالتخيير لرب المال.
والأول نظرًا إلى أن الواجب أحد السنين، فيختار وكيل المسلمين (2). والثاني: نظرًا إلى أن اختياره (3) قد يضر بصاحب الإبل وكل صنف منها واجب حقيقة (4). وهذا المعنى راعاه في القول الثالث فرأى أنه لا مضرة عليه إذا كانا جميعاً موجودين في الإبل.
...
فصل (المأخوذ في الإبل المزكاة بالغنم)
وإذا كانت الإبل مزكاة بالغنم، وهي المسماة شنقًا 5، فهل يؤخذ1234
من المعز أو من الضأن؟ أما إن تطوع (1) المزكي بالأفضل أخذ منه، وإن طلب الأدنى (2) فأراد إخراج المعز، فإن كانت هي كسبه وكسب أهل البلد أخذت منه.
وإن كان كسبه مخالفًا لكسب أهل البلد فقولان: أحدهما: مراعاة كسبه لأنه المأخوذ به، وفي تكليفه إخراج ما ليس في ملكه مشقة عليه، والثاني: مراعاة كسب أهل البلد, لأنّ كسبه نادر والنادر لا يراعى.
...
فصل (حكم إعطاء أفضل من الواجب)
وإذا وجبت على إنسان سن فبدل أفضل منها ورضي به المصدق، فلا شك في الإجزاء.
وإن أخذ على الفضل 3 ثمنًا، أو أعطى النقص وأكمل النقص بالثمن، فهل يجزي؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يجزي وجائز ابتداء.
والثاني: أنه مكروه، وإن وقع أجزأه.
والثالث: أنه لا يجزي إلا أن يعطي أفضل ويأخذ ثمنًا فيرد الثمن المأخوذ.
وهذا مع فوات المأخوذ.
وأما إن كان قائمًا، فيسترده على هذا القول ويخرج مقدار هذا الواجب.
ونفي الإجزاء مبني على منع إخراج القيم.
وأما الإجزاء فمبني على أحد الأمرين: إما لجواز إخراج القيم، وإما لأنه قد أخرج النوع على الجملة.
وأما الكراهية فهي مراعاة الخلاف مع [كون] 4 القول بالإجزاء.
...12
باب في زكاة البقر
وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه أسقط [عنها] 1 الزكاة قبل بلوغها ثلاثين 2، فإذا بلغتها ففيها جذع 3، ثم لا زيادة 4 حتى تبلغ أربعين ففيها مسنة 5، ثم لا زيادة 6 [فيها] 7 حتى تبلغ ستين ففيها جذعان 8، ثم لا زيادة 9 فيها حتى تبلغ سبعين ثم يكون 10 الحساب في كل أربعين مسنة وفي كل ثلاثين تبيع 11 ويكون الحكم على ما قدمناه في الإبل، سواء كما 12 قدمنا في الحساب.
وإذا بلغت عشرين ومائة، فهاهنا يتفق العددان، فإن عددت بالأربعينيات كان فيها ثلاث مسنات، وإن عددت بالثلاثينيات كان فيها أربع توابع.
فيكون الحكم كما قدمناه في المائتين من 13 الإبل.
واختلف في سن الجذع [منها] (1)، وهو التبيع؛ فقيل ابن سنتين، وقيل ما أوفاهما ودخل في الثالثة.
وكذلك اختلف في المسنة؛ فقيل بنت ثلاث سنين، وقيل ما أوفتهما ودخلت في الرابعة.
والتحاكم في هذا إلى أهل اللغة.
و [أصل] (2) القول الثاني هو الصحيح عندهم.
ولا يجزي في الأربعين إلا مسنة أنثى، ويجزي في الجذع في الثلاثين ذكر.
وهل تؤخذ الأنثى؟ أما إن طاع بها ربها فلا يختلف في جواز أخذها، وأما إن امتنع فهل ذلك من حق الساعي إذا كانت في البقر؟ في ذلك قولان: أحدهما: أنه لا يكلف ذلك إذ في الحديث النص على الذكر، والثاني: أنه يكلف قياسًا على المأخوذ من (3) الإبل [فإنها الإناث] (4).
...
باب في زكاة الغنم
(نصاب الغنم والواجب فيها)
وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه أسقط عنها الزكاة قبل أن تبلغ أربعين؛ فإذا بلغتها ففيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت (5) واحدة ففيها شاتان إلى مائتي شاة، وإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، ثم ما زاد ففي كل مائة، شاة.
ويكاد [ألا] (6) يظهر في هذا التقدير إلا حقيقة التعبد.
واختلف في
صفة المأخوذ
منها على ثلاثة أقوال: فقيل: يجزي الجذع والثني من المعز والضأن ذكراً كان أو أنثى، وقيل لا يجزي إلا أنثى، لكن123456
تجزي جذعة كانت أو ثنية من المعز أو الضأن.
وقيل: حكمها حكم الأضحية لا يجزي إلا الجذع من الضأن ذكرًا كان أو أنثى، والثني من المعز ذكرًا كان أو أنثى [إلا أن يكون تيسًا] (1) فالقول الأول بناء على أن النظر إلى الجذع، والثني هو العدل بين خيار المال وشراره.
ولم يثبت ما يقتضي أخذ شيء بعينه، فرجع في ذلك إلى العدل بين الشرار والخيار.
والثاني، التفاتًا إلى أن هذا عدل لكن المنصوص في الإبل أنها لا تؤخذ إلا إناثًا، فيرد هذا الحكم إليها.
وأيضاً فقد روي مثله عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -, وفي سنده ضعف.
وأما القول الثالث فوجهه القياس على الأضاحي.
وإنما فرق فيها بين المعز والضأن, لأنّ المعز لا يلقح منها الجذع، ويلقح من الضأن.
فكأن كمال المنفعة لا يحصل في المعز إلا إذا صارت إلى سن الثني.
والمطلوب في العبادات ما هو كامل المنفعة.
(صفة المأخوذ)
ولا تؤخذ كرائم الأموال كالأكولة والفحولة والربا 2 وهي التي لها ولد وذات 3 اللبن، ولا يؤخذ شراره كالسخال والتيوس والعجفاء وذات العوار 4. وهذا إذا كان في المال رديئًا وجيدًا.
فإن كان من جنس واحد رديئة كلها أو جيدة كلها، فهل يؤخذ منها إن جمعت؟ قلت أربعة أقوال: أحدها: أنه يؤخذ منها على الإطلاق حتى لو كانت سخالًا، قاله ابن عبد الحكم، لكنه ذكر أنه يراعى في قوله ترك الإيجاب 5 والثاني: أنه لا يؤخذ منها بل يكلف رب المال شراء الوسط1
على ما تقدم.
والثالث: يؤخذ منها إلا أن تكون عجافاً فلا يؤخذ منها، بل يكلف أن يشتري غيرها.
والرابع: أنه يأخذ من الجميع إلا أن تكون كلها سخالاً.
وسبب الخلاف هل يقاس ذلك على الحبوب فيؤخذ من كل نوع منها (1)، أو يرجع ذلك إلى عموم ما ورد عن عمر رضي الله عنه أنه يؤخذ من الوسط.
وأما التفرقة بين العجاف وغيرها؛ فإن العجاف لا منفعة فيها فهي كالعدم، وأما التفرقة بين السخال وغيرها فلأن السخال لا تجلب (2) ولا تقوم بأنفسها.
وقد نص عمر رضي الله عنه على أنها لا تؤخذ.
(هل تؤخذ الزكاة سنة الجدب)
وقد اختلف المذهب هل يبعث السعاة إلى أخذ الزكاة في سنة الجدب على قولين: أحدهما: أنهم لا يبعثون تخفيفًا عن أرباب الأموال، إذ أنها معدومة في مثل هذه السنة، [ولأن المأخوذ يكاد لا تكون فيها منفعة] (3)، والثاني: أنهم يبعثون لوجود أعيان الماشية التي تجب فيها الزكاة.
...
فصل (سن الجذع والثنية من الضأن)
وسن الجذع من الضأن 4 فيه أربعة أقوال: أحدها: أنه ابن ستة أشهر.
والثاني: أنه ابن ثمانية أشهر والثالث ابن عشرة أشهر والرابع ابن سنة كاملة.
والرجوع في ذلك إلى اللغة فيعول على قول أربابها.
وأما الثنية فهي التي طرحت ثناياها.
...123
باب في أجتماع الأصناف
وأصناف النوع يضاف بعضها إلى بعض فيكمل به النصاب، وتكون كالصنف الواحد كالبخت 1 والعراب 2 والبقر والجواميس والضأن والمعز.
لكن النظر في اجتماعها من أيها يؤخذ؟
ولنبدأ بالغنم؛ فإذا كانت في أول فرضها وهي أربعين 3 وكانت مختلطة، فهاهنا يراعى الأكثر بلا خلاف، فيؤخذ منه إن كان الضأن أو المعز.
فإن كانت متساوية فالمنصوص أن الخيار للساعي يأخذ أيها شاء.
ورأى أبو الحسن اللخمي أن القياس أن يؤخذ من كل واحدة نصفها، إذ لا ترجيح لأحد الصنفين على الآخر، وفي تخيير الساعي مضرة على رب الغنم 4. وهذا الذي قاله صحيح لولا أنه وقع 5 في مخالفة الأصول من مشاركة الفقراء لرب الغنم.
وقد قدمنا أن الأوقاص 6 إنما ضربت في الغنم حتى تجب العين الكاملة، فإن زادت الغنم على ذلك، وهي إذا انفرد كل صنف لا يجب فيه شيء أو تجب في صنف دون آخر، فالحكم كما قدمناه ينظر إلى الأكثر.
ويخير الساعي عند التساوي، وهذا 7 كالتسع والسبعين،
فإن الأربعين يجب فيها لو انفردت، والتسع والثلاثين [إذا انفردت] 1 لا يجب فيها شيء، أو السبعين مثلًا، فإن كل واحدة لو انفردت لم يجب فيها شيء، أو يكون أحد الصنفين أكثر فتجب فيه دون غيره، فإن كملت ثمانين وأحد الصنفين أكثر أخذ من الأكثر أيضًا بلا خلاف.
وإذا كانت متساوية كان الساعي مخيرًا كما قدمناه.
وإن زادت على ذلك فهل يبقى حكم التخيير أو يؤخذ من الأكثر، هاهنا قولان: المشهور أنه يؤخذ من الأكثر، والشاذ تخيير الساعي.
وهذا مثلًا في أربعين معزة وثمانين ضائنة 2 فينظر في المشهور إلى أن الشاة واجبة في الجميع، والضأن أكثر فيؤخذ منه.
وكذلك إن قلنا إن الشاة واجبة في الأربعين خاصة وما زاد عليها وقص لا يجب فيه شيء، فإن القسمة تقتضي كثرة الضأن إذا قسمنا المأخوذ منها كما يقسم الزائد.
ورأى في الشاذ أن كل واحد من الصنفين مستقل في الإيجاب، والزائد عليه غير مؤثر.
فإن زادت على ذلك فلا يخلو من أن يكون الصنفان 3 مستقلين في الإيجاب وهما 4 متساويان، أو يكون أحدهما أكثر لكنهما مستقلان أيضًا، أو يكون أحدهما مستقلاً والآخر غير مستقل؛ فإن استقلا وتساويا كمن له خمس وستون ضائنة 5 ومن المعز مثلها 6، فهاهنا تؤخذ واحدة من كل صنف بلا خلاف.
وإن استقلا وأحدهما أكثر من الآخر، فهاهنا قولان: مذهب الكتاب أنه تؤخذ شاة من الأكثر، وينظر إلى الباقي فإن كان الصنف الثاني مستقلاً بنفسه والباقي [من] 7 المأخوذ منه دونه أخذت شاة من الصنف الثاني، فإن كانا متساويين خُير الساعي، وإن كان المأخوذ منه أولًا أكثر 8 أخذ
منه 1. ومذهب سحنون أنه يؤخذ من المأخوذ منه على الإطلاق فيؤخذ من الأكثر شاتان.
ومثال هذه أن يكون للإنسان عشرون ومائة ضائنة وأربعون معزة فإنه يؤِخذ منه على المشهور ضائنة ومعزة، وعلى مذهب سحنون ضائنتان، أو يكون له مائة وثلاثون 2 ضائنة وأربعون معزة فيكون الخلاف كما قدمناه وإن كان له ثلاث مائة وأربعون ضائنة وأربعون معزة فيكون الخلاف كما قدمناه، وإن كان له ثلاثمائة وأربعون ضائنة وستون معزة فيؤخذ منه بلا خلاف ثلاث ضوائن على أصليهما, لأنه إذا أفرد الباقي عن ما وجبت 3 فيه الشاتان من 4 الضأن كان أكثر من المعز.
وعلى ما قدمناه عن ابن مسلمة 5 تكون عليه ضائنتان، وخير الساعي في المعزة.
ومثار 6 الخلاف بين ابن القاسم وسحنون أن ابن القاسم يقدر الأخذ من الأكثر حتى يكمل به تمام النصاب، ثم يلتفت إلى التقدير في الباقي فينظر إلى الكثرة والتساوي.
وسحنون يقدر الوجوب في حالة واحدة فيفض 7 الأكثر على الأقل.
وإذا فض ذلك أخذ من الأكثر على الإطلاق.
وقد ألزم أبو الوليد الباجي ابن القاسم مذهب سحنون في قوله في الكتاب فيمن له أربعون جاموسًا وعشرون بقرة: إنه يأخذ تبيعًا من كل واحد منهما 8. وهذا الإلزام ليس بشيء لأنّ ابن القاسم استمر على أصله, لأنه
أخذ تبيعًا من ثلاثين، وبقي عشرون وعشرة من الأربعين.
والواجب فيها تبيع فيؤخذ من الأكثر منهما، والعشرون بلا شك أنه أكثر، وإنما يجب أخذ تبيعين من الأكثر على مذهب سحنون القائل بالفض 1 كما تقدم.
وألزم ابنَ القاسم أيضًا أبو الحسن اللخمي أن يقول فيمن له اثنان وثمانون ضائنة وتسع وثلاثون معزة أن يأخذ من ذلك ضائنة ومعزة، واستقرأه من مسألة الجواميس والبقر, لأنه يأخذ عن مائة وعشرين شاة واحدة، ويبقى الزائد مع المعز فيؤخذ منه شاة أو يأخذ من الثمانين ضائنة وتبقى الاثنان والتسع والثلاثين فيأخذ منها معزة لأنه الأكثر 2. وهذا الذي قاله صحيح إن قلنا إن الأوقاص مزكاة، وإن قلنا إنها غير مزكاة فإنه يقع الأخذ هاهنا عن الأربعين ثم يبقى من الضأن اثنان وأربعون فيؤخذ منها.
وإن أضيف إليها المعز فهو يسير بالنسبة إليها، وإن ظن أن الأربعين إذا أخذ منها بقي ما بعدها وقصًا، فليس تقدير الباقي وقصًا بأولى من تقدير المعز وقصًا.
وبالجملة فالتسع والثلاثون 3 غير قائمة بنفسها والاثنان والثمانون أكثر فيؤخذ منها الشاتان 4 جميعًا.
ويختلف لو كان يملك عشرين ومائة ضائنة وأربعين معزة هل تؤخذ الشاتان من الضأن، وهذا بناء على أن الأوقاص غير مزكاة.
لكن يجعل المعز هاهنا وقصًا، أو يؤخذ من كل واحد شاة لأنّ الواحدة 5 مأخوذة عن مائة وعشرين ضائنة والأخرى عن الأربعين معزة.
وقد قدمنا أن ابن القاسم يقول في هذه الصورة: تؤخذ شاة من كل واحدة منهما.
وأن سحنون يقول: تؤخذ شاتان من الأكثر.
وبينا وجه قوله وهو ينبني 6 أيضاً في هذه الصورة على القول بأن الأوقاص غير مزكاة، وهكذا
يجري الأمر في البقر والجواميس ويسهل الحساب فيها لقرب النصاب 1 وكذلك في الإبل [والبخت] 2.
ولو كان للإنسان أربعون من نوع البقر وعشرة من نوع آخر لأخذ من الأكثر، وإن تساويا خُيّر الساعي.
وإن كان له عشرون من نوع وعشرة من آخر فلا شك أنه يؤخذ من الأكثر.
وقد قدمنا ما يجري من الخلاف إذا كان له أربعون من نوع وعشرون من نوع ولو كان بدل العشرين ثلاثون لم يختلف المذهب هاهنا أنه يؤخذ عن الأربعين منها وعن الثلاثين منها.
وهكذا يجري الأمر كلما كثرت.
وإن كانت الإبل مما تجب فيه الزكاة 3 من سن واحد كحقتين أو بنتيْ لبون، يجري الأمر أيضًا على ما تقدم في الغنم.
ولو كان له أربعون بختًا ومثلها عراب وجبت بنتا لبون، واحدة من كل صنف.
وكذلك لو كانت خمسة وأربعين من صنف ومثلها من صنف آخر، لكان الحكم كالأول.
ولو كانت له خمسون بختًا وثلاثون عرابًا لكان الحكم أيضًا كما تقدم, لأنّ كل واحدة لو انفردت وجبت فيها بنت لبون.
وهذا بيَّن على مذهب ابن قاسم.
وأما على رأي سحنون الذي يقدر الفض 4 [فيها ويفض هاهنا الأكثر على الأقل] 5 ويوجب بنتا 6 لبون من الأكثر، ولو كانت أربعًا وخمسين بختًا وستًا وثلاثين عرابًا يجري على القولين.
وهكذا يجري الأمر في الحقاق.
وفيما قدمناه كفاية بحسب هذا المجموع.
...
فصل (حكم زكاة القراض إن كانت ماشية)
وقد قدمنا حكم زكاة القراض إذا كان عينًا أو عرضًا، فإن كان ماشية ومر به الحول فلا يختلف هاهنا أنها تؤخذ منها الزكاة معجلة، وتؤخذ من الماشية إن كان القدر المأخوذ موجودًا فيها، فإن لم يوجد كلف ربها بأن يأتي بما يجب عليه، وإذا أخذ فهل تلغى كأنها خسارة وقعت في المال، أو يحسب على رب المال في رأس مالها، أو يحسب عليه وعلى العامل بحسب ربحه؟ في المذهب ثلاثة أقوال، وهي على ما تقدم.
فمن (1) رأى أن الزكاة واجبة في النماء وهو موجود في المال ألغاها جملة وقدرها [كالذاهب] (2) من جملة المال.
ومن اعتد بها (3) رأى أن المساكين كالشركاء وقد أخذوا جزءًا من المال.
لكن هل يقدر ملك العامل للربح من يوم التحريك أو عند حصوله؟ وقد قدمنا الخلاف في ذلك، فإن قدرناه مالكًا من يوم التحريك حوسب بجزء الزكاة في نصيبه، وإن لم يقدره مالكًا إلا (4) يوم الحصول كان ذلك على رب المال خاصة.
...
فصل (زكاة الماشية إذا كانت للتجارة)
زكاة الماشية مأخوذة من 5 عينها، ولهذا نقول 6 إنها إذا كانت نصابًا فأكثر أخذت منها زكاة العين لا زكاة القيمة, لأنّ زكاة العين هي الأصل وزكاة1234
القيمة إنما تؤخذ على تقدير كون العروض كالعين على ما تقدم.
فمن ملك ماشية؛ فإن كانت دون النصاب جرت على حكم العروض، وإن كانت للقنية فلا زكاة فيها، وإن كانت للتجارة قوّمها المدير وزكى غيرَها (1) إذا باع.
وإن كانت للقنية.
جرت على القولين فيما اتخذ من العروض للقنية (2)، هل تكون فيه الزكاة إذا بيعت أم لا (3)؟ وإن كانت نصابًا وهي للقنية (4) لا للتجارة زكّاها زكاة العين [إذا مر بها الحول.
وإن كانت للتجارة فكذلك أيضًا.
ولا تقوم (5) وإن كان مديرًا لما قلناه من تقويم زكاة العين] (6). لكن إن باع التي للتجارة قبل أن يحول الحْول أو قبل إتيان الساعي رجعت إلى حكم أصلها في التجارة، وإن باع التي للقنية فهل يستقبل بها حولًا أو يبني حول ثمنها على حول عينها؟ في المذهب خلاف نذكره في الباب الذي يلي هذا إن شاء الله.
...
باب في حكم (7) بدل الماشية
ومن ملك ماشية فأبدلها بعين أو بماشية فرارًا من الزكاة، فإنه يؤمر 8 بزكاة الأول، ولا يمكن من قصده إلى سقوط الزكاة، وهذا بلا خلاف.
فإن لم يكن فرارًا فلا يخلو من أن يبدلها بعين أو ماشية، فان أبدلها بماشية فلا يخلو من أن تكون من نوعها أو من غير نوعها، ولا يخلوا أن يتخلل ذلك عين أو لا يتخلله.1234567
فإن أبدل ماشية بعين والماشية للتجارة فقد قدمنا أنه يبني على حكم حولِ الأصل، ولا يختلف في ذلك.
وإن كانت لغير التجارة وهي دون النصاب يستقبل بالثمن حولًا، وإن كان فيه نصاب أو 1 أضافه إلى ما يكمل به النصاب, لأنّ هذه لا زكاة في أصلها المبيع فيضاف الثمن إليه.
فإن كانت نصابًا فباعها بعين فهل يستقبل به حولًا أو يبني على حول الماشية؟ في الكتاب قولان، 2 فمن التفت [إلى أن] 3 الأولى مزكاة والثانية كذلك حكم بالإضافة، ومن التفت إلى اختلاف أحكام الزكاة وأنها غيرها 4 حقيقة وإنما زكيت الأولى وإن كانت في معنى العروض لوجود النماء فيها عدها كالعروض للقنية.
وهكذا القولان أيضًا لو كانت الأولى عينًا فاشترى بها ماشية فهل تزكى أم لا؟ وهما على ما قدمناه.
وإن كانت الأولى ماشية وأبدلها بماشية من غير صنفها كإبل وغنم أو بالعكس، فلا يخلو من أن يكون كل واحد منهما نصابًا، أو غير نصاب، أو أحدهما [نصابًا] 5 دون الآخر؛ فإن كانت كل واحدة نصابًا فقولان: المشهور الاستقبال بالثانية حولًا، والشاذ بناؤها على حول الأولى.
وهما على ما قدمناه من الالتفات إلى جريان الزكاة [فيهما] 6. [والثاني بناء على الالتفات إلى اختلاف [معناهما في] 7 الزكاة.
فإن 8 كانتا جميعًاً دون النصاب فلا شك في الأحكام 9 للزكاة] 10
وكذلك إذا كانت الثانية دون النصاب ولم يقصد الفرار.
وقد قدمنا الحكم 1 إذا قصده.
وإن كانت الأولى دون النصاب والثانية نصابا فقولان على القول بجريان الزكاة: أحدهما: سقوط بناء الثانية على [حول] 2 الأولى لما كانت الأولى [لا] 3 تجب فيها الزكاة، والثاني: وجوب البناء على أصل ملكه الأول 4، ويعد 5 هذا إكمال النصاب 6 كالربح.
وإن كانت الماشية الثانية من نوع الأولى 7؛ فالمشهور من المذهب بناء حول الثانية على حول الأولى لأنهما لما تجانسا فكان الثانية هي الأولى بعينها 8. والشاذ الاستقبال بالثانية حولًا]] 9.
وهذا اشتراط أن يمضي على العين الواحدة حولًا دون أن تبدل، وهذا إذا كانت الأولى نصابًا، فإن كانت دونه فلا شك على القول بالاستقبال بالثانية حولًا، وإن كانت الأولى نصابًا فإنه يستقبل هاهنا.
وأما على القول الثاني ففي البناء والاستقبال قولان.
وسببهما ما قدمناه من عد الزيادة كالربح والالتفات 10 إلى سقوط الزكاة في الأولى.
فإن تخلل ذلك عين كمن باع ماشية بعين ثم يشتري بالذهب 11 ماشية، فهل يبني على حول الأولى أو يستقبل؟ قولان: المشهور أنه يستقبل إلا أن يكون الأول للتجارة، وهما
[على] (1) ما قدمناه [من الخلاف إذا اشترى بالعين ماشية] (2)، فهاهنا أحرى (3) بالبناء إذا التفت إلى الأصل [الأول] (4) والذي بعده وألغى (5) الوسط.
فإن استهلكت لإنسان ماشية وأخذ عنها ماشية بدلًا عن قيمتها، فهل يكون ذلك كبدل ماشية بماشية، أو كبيع الأول بالعين ثم يشتري بالعين ماشية (6)؟ في الكتاب قولان وهما على الخلاف فيمن خُيِّر بين شيئين هل يعد كأنه لم يأخذ إلا ما وجب له فيكون هو (7) كالبدل أو يعد كالتارك للقيمة والآخذ عنها ماشية فيكون كالمتنقل من شيء إلى شيء وفي هذا الأصل في المذهب قولان.
...
باب في زكاة فوائد الماشية
ولا تخلو الماشية من أن تصادف عند مستفيدها شيئًا 8 من نوعها أو لا تصادف؛ فإن لم تصادف فبيَّن أنه يستقبل بما أفاده حولًا، وإن صادفت عنده شيئًا من نوعها فإن كانت الأولى دون النصاب أضافها إلى الثانية بلا خلاف واستقبل بها حولًا، ويستوي 9 في هذا حكم العين والماشية.
وإن كانت الأولى نصابًا فهل يضيف الثانية إليها فيزكيها لحول الأولى أو يستقبل بها حولًا؟ في المذهب قولان: المشهور أنه يزكيها لحول الأولى1234567
بخلاف العين.
ومذهب ابن عبد الحكم أنه يستقبل بها حولًا بمنزلة العين.
وقد اختلف في وجه الفرق بينهما على طريقين: أحدهما: أن العين لا سعاة له، فإذًا تبقى كل فائدة 1 على حولها, لأنه يخرج الزكاة متى حل حول كل واحدة 2. والماشية لها سعاة فإذا أبقى كل واحدة 3 على حولها أمكن أن تحل الأحوال في وقت لا سعاة فيه فيتأخر إخراج الزكاة عن وقتها، فكان عدلًا بين أرباب الأموال والمساكين أن تضاف الثانية إلى الأولى.
وأْيضًا فقد يدعي المالك أنه استفاد البعض بَعْدُ لتسقط الزكاة عنه وقت 4 مجيء الساعي، ثم يستمر السقوط إلى العام الثاني فلم يمكن من ذلك [بحمية] 5 الذرائع.
والطريقة الثانية أن الماشية لها أوقاص، فلو بقي كل منها على حوله لأدى ذلك إلى مخالفة النصاب الذي قدره النبي- صلى الله عليه وسلم - مثال ذلك أن يكون للإنسان أربعون شاة ثم بعد مضي نصف الحول مثلًا يستفيد أربعين فلو أبقى كل فائدة 6 على حولها لأدى إلى أن يُخرِج من ثمانين شاتين، وهذا خلاف حكم الشريعة.
[وقد يستفيد أربعين أخرى، فيخرج شاة أخرى عنها لو قدر بقاء كل فائدة على حولها، فيصير في عشرين ومائة ثلاث شياه، وهذا خلاف حكم الشريعة] 7. فكان على هذا إضافة الثانية إلى النصاب الأول عدلًا بين أرباب الأموال والمساكين.
وعلى اختلاف حكم الطريقتين يختلف الحكم بين من لهم سعاة وبين من لا سعاة لهم؛ فإن عللنا بالأول وجب على من لا سعاة لهم أن يزكوا كل مال على حوله، وعلى التعليل الثاني يستوي الأمر فيهما فيضيف الثانية إلى الأولى.
[ووجب على من لا سعاة لهم أن يزكوا كل مال على حوله] 8، وقد نص عليه في
المستخرجة (1). ولا يمكن أن يختلف في أن الأوقاص تزكى على الروايتين جميعًا، وإنما تزكى الثانية على حولها إذا كانت زائدة على الوقص أو كمل بالأول النصاب.
ومثال هذا أن يكون للإنسان أربعون ثم يستفيد أربعين فلا يختلف أنه لا يزكي إلا واحدة, لأنّ الفائدة الثانية لا تؤثر.
وكذلك أيضًا لو كانت الفائدة الثانية ثمانين.
وإن كانت أكثر من ذلك فهاهنا ينظر إلى اختلاف التعليلين على ما قدمناه؛ فإن كان في موضع فيه سعاة فلا يختلف أنه يضيف الثانية إلى الأولى على المشهور من المذهب.
فإن لم يكن له سعاة فهل يزكي عن الأولى شاة فإذا حل حول الثانية زكاها أيضًا، هاهنا يتصور الخلاف على اختلاف التعليلين؛ فمن علل بمجيء السعاة زكى كل مال على حاله (2)، ومن علل بالأوقاص أجرى (3) الحكم على المنصوص في المذهب [وإن لم يكن سعاة] (4).
...
فصل (هل يشترط لوجوب الزكاة إتيان الساعي)
وإن لم يكن للماشية سعاة كان حولها كَحَول العين، وهو مرور الزمان.
فإذا حل عليه الحول وجبت الزكاة، فإن كان لها سعاة فهل يشترط في وجوب الزكاة إتيان الساعي؟ في المذهب قولان: المشهور اشتراط ذلك، وإنما لا تجب إلا بوجهين: أحدهما: حلول الحول، والثاني: مجيء الساعي.
والشاذ مراعاة الحول خاصة.
وهذا قياس على سائر الأموال، والأول نظراً إلى ما استقر في الزمان واستمر عليه العمل.
وأيضًا فلما كان رب المال ممنوعًا من إخراج الزكاة قبل إتيان السعاة، صار الوجوب إنما يتقرر بعد إتيانهم.
وعلى هذا اختُلف لو مات من حال الحول على ما عنده1234
من الماشية قبل (1) إتيان الساعي فعلى المشهور من المذهب لا يجب عليه شيء، وهكذا قال في الكتاب (2). ولو أوصى بها لكانت في الثلث غير مبدأة (3) على الوصايا لأنها لم تجب، بخلاف أن يوصي بزكاة فرط فيها فإنما تكون مبدأة على الوصايا.
القول الثاني أنه يجب إخراجها وإن لم يوص بها، وهذا على ما قدمناه.
وعلى هذا أيضًا اختُلف إذا تخلف السعاة لعذر هل تجزي المخرج أم لا؟ والمشهور أنه لا يجزيه، والشاذ أنه يجزيه.
(مسائل تنخرط في هذا السلك)
ومما ينخرط في هذا السلك أن يمر الساعي بإنسان فيجد عنده دون النصاب ثم يعود في رجوعه فيجدها قد كملت بولادة.
والمشهور أنه لا يزكي إذ ليس له أن يعود إليه.
وقد استقر 4 الأمر أنه لا زكاة 5 عليه في هذا الحول، والشاذ أنه يؤخذ منه, لأنّ مروره الأول 6 لا يوجب حكمًا إذ ليس من أهل الزكاة، وإنما يوجبها المرور الثاني.
وينخرط 7 في هذا أيضًا أن يمر به الساعي فيسأله عما عنده فيخبره ثم يصبح فيعد عليه فيجد بعضها قد مات أو زادت بولادة؛ فأما إن مات بعضها فالمنصوص أنه يحتسب بما يجد لا بما أخبره.
قال بعض الأشياخ: وهذا إذا كان في أعيانها المأخوذ [منها] 8. وأما إن كانت إبلًا تزكى بالغنم فإنه يأخذ عما أخبره به لا 9 عما وجد بعد أن أصبح.
وفي المذهب قول123
أنه إن صدقه 1 فيما أخبره به فيأخذ به ولا يلتفت إلى الزيادة والنقصان، وإن لم يصدقه ولم يثق بقوله فإنه يأخذ بما وجد لا بما أخبره.
وهذا يحتمل أن يكون تفسيرًا ويحتمل أن يكون خلافًا، وكذلك عده أبو عمران.
وبالجملة هذه المسألة تجري على ما قدمناه في زكاة العين إذا ضاعت بعد الحول وقبل إمكان الأداء.
وقد تقدم أن المشهور من المذهب أنه لو بقي دون النصاب لم يأخذ منه شيئًا، و [أن] 2 الشاذ أنه يأخذ مما بقي بحسابه.
وكذلك يختلف إذا ماتت وبقي منها دون النصاب، هل يأخذ مما بقي معولًا على خبر رب المال أو لا يأخذ وهو المشهور من المذهب؟ وإنما يكون ذلك إَذا عول على خبره، وأما إن لم يعول عليه وعول على أنه يعد فيأخذ بما وجد، فإنه [لا] 3 يختلف أنه لا يلتفت إلى ما كان قبل العدد.
وأما لو زادت.
بالولادة، فإن لم يعول على خبره إخذ بما يجد عند العدد، وإن عول عليه ووفق به فهاهنا للمتأخرين قولان: أحدهما: أن المذهب على قول واحد، أنه ينظر إلى ما عول عليه.
والثاني: أن المذهب على قولين: أحدهما: أنه لا يلتفت إلى خبره, لأنّ هذا من الأموال الظاهرة، فلا يلتفت فيها إلا إلى الموجود لا إلى خبر المالك.
والثاني: أنه إن كان موثوقًا بقوله وصدقه فقد صار حكمًا بأن الواجب عليه مقدار ما أخبره به، لا سيما أن الأمر 4 على ما أخبره، وإنما زادت بالولادة [أو نقصت بإتلاف] 5.
ولو أخذ الساعى في العدد بعد النظر وبقي الشطر الآخر لم يعده حتى 6 تلف بعض المعدود أو زاد بالولادة، فهل يكون عدها كالحكم بأن الواجب فيه ما استقر عنده من عدد؟ فيه للمتأخرين قولان: أحدهما: أنه
كحكم استقر عنده فلا يلتفت إلى زيادته ولا نقصانه بمنزلة ما لو عد الجميع.
والثاني: أنه يعول على الزيادة والنقصان؛ لأنه لا يستقر الوجوب إلا بعد عد الجميع.
إذا قلنا باستقرار الوجوب في المعدود فتلف منه البعض حتى لم يبق من الجميع إلا مقدار دون النصاب، أو تلف طير المعدود فكان المعدود دون النصاب، فهل يزكي ما بقي؟ هذا يجري على الخلاف الذي قدمناه في العين يتلف منه شيء بعد حلول الحول، وقبل إمكان الأداء.
وكذلك أجراه الأشياخ على هذا المعنى، وتقدم في ذلك القولان.
...
باب في أحكام الخلطة في الماشية
(معنى النهي عن الجمع بين المفترق)
وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة" (1). وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية.
ولا خلاف أن للخلطة تأثيرًا في زكاة الماشية على الجملة وإن اختلف في التفاصيل.
ومعنى نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الجمع بين المفترق عند مالك وأصحابه أن يكون اثنان لهما غنم يجب في افتراقهما أكثر مما يجب في اجتماعهما، فإذا أطلهما (2) الساعي جمعا ليخففا عن أنفسهما، كاثنين، لكل واحد منهم أربعون أو ستون فتجب عليهما في الافتراق شاتان ومع الاجتماع واحدة.
فنهيا عن الجمع ليُسقطا بعض ما وجب عليهما.
(معنى النهي عن التفريق بين المجتمع)
ومعنى النهي عن التفريق أن يكونا خليطين لواحد مثلًا مائة وعشرون12
وللآخر إحدى وثمانون، فإذا أطلهما الساعي فرّقا ليؤدي كل واحد منهما شاة، وفي الاجتماع يجب عليهما ثلاث شياه.
فإذا فعلا ما نهيا عنه من التفريق أو من الجمع فالمذهب أن يأخذا بزكاة ما كانا عليه في الأول.
واستقرأ أبو الحسن اللخمي من مسألة البائع ماشيته فرارًا، أنهما يؤخذان هاهنا بزكاة ما رجعا إليه، كما قاله في مختصر ابن شعبان في مسألة البائع فرارًا، أنه يؤخذ بزكاة العين (1). وهذا الاستقراء لا يلزم لأنّ تلك الماشية قد أخذت فيها الزكاة، وقد لا يختلف الحال بين زكاة الماشية وزكاة العين، وربما كانت زكاة العين أنفع للمساكين.
وفي مسألة الخلط يختلف اختلافًا بينًا كما مثلنا به.
(بما يعرف القصد إلى الفرار)
وبأي معنى يحصل ظهور القصد إلى الفرار بالتفريق أو الجمع؟ أما إن قامت 2 قرينة حال تدل على القصد بذلك فينبغي أن يعول عليها ولا يلتفت إلى الزمان، وأما إن لم تقم قرينة حال فهل يرجع إلى الزمان أم لا؟ في المذهب قولان: المشهور أنه يستدل على ذلك بقرب الزمان، والشاذ أنه لا يستدل عليه بزمان أصلًا بل ينظر إلى ما يظهر من قرينة الحال، ولا شك أن هذا هو الأصل.
وإنما مراعاة الزمان [طلبًا للاستدلال على قصد الفرار من الزكاة بقرب الزمان.
وإذا قلنا بمراعاة الزمان] 3، فما مقداره؟ ثلاث روايات: أحدها: أنه الشهران ونحوهما، والثاني: أنه الشهر، والثالث: أنه دون الشهر.
ولا يظهر لهذا التحديد معنى يؤدي إليه حتى يكون غيره في حد الطرح 4، بل تحريم الجمع 5 على قرب الزمان.
فكل منهم شهد بنوع، والأصل كما قلناه مراعاة ظهور القصد.1
وإذا وقع الإشكال في هذا القصد، هل تجب اليمين أم لا؟ يجري على الخلاف في أيمان التهم، وقد تقدم أن فيها ثلاثة أقوال.
...
فصل (أقسام الخلطة)
وإذا تقرر ما قدمناه، قلنا بعده: الخلطة على قسمين: أحدهما: الاشتراك في أعيان الماشية، فهؤلاء يسمون خلطاء وشركاء، والثاني: الاشتراك في الانتفاع، فهؤلاء يسمون خلطاء ولا يسمون شركاء.
ومحمل 1 الحديث المتقدم في التراجع إلى القسم الثاني لا إلى الأول.
وفيه يصح التراجع إذا أخذ من ماشية أحدهما.
وأما مع 2 الاشتراك، فلا يأخذ إلا مما هما 3 مشتركين فيه، ولا معنى للتراجع.
وقال أبو الحسن اللخمي: يصح التراجع بين الشريكين على أحد قولي مالك رحمه الله أن الأوقاص غير مزكاة، 4 5 إذا كان لأحد الشريكين ثلث وللآخر الثلثان، والجملة عشرون ومائة من الغنم، فإنه هاهنا إذا أخذ شاة يجب أن يكون نصفها على صاحب [الثلث والنصف على صاحب] 6 الثلثين.
فإذا أخذها من الجملة فقد فضل صاحب الأربعين بسدس شاة 7 يرجع عليه بها, لأنّ الواجب على صاحب الأربعين 8 نصف وهو إنما أدى على الحقيقة الثلثين.
...
فصل (أحكام الخلطة)
وإذا تقرر ما قلناه، قلنا ما بعده من أحكام الخلطة تحصر (1) في ثلاثة فصول: أحدها: ما يوجب الخلطة، والثاني: [في] (2) حكم المأخوذ من الخليطين (3). والثالث: في حكم الخليط يكون له خليط آخر وماشيته منفردة عن الاختلاط (4).
(موجبات الخلطة)
فأما الفصل الأول؛ فإن موجبات الخلطة خمسة وهي: الراعي والفحل والدلو والمراح والمبيت.
ومعنى هذه: أما الراعي فأن 5 يكون راعي الغنم واحدًا أو جماعة مشتركين بإذن أرباب الأموال.
واشترط أبو الوليد الباجي الافتقار 6 إلى جميعهم، فإذا حصل هذا المعنى عد هذا شرطًا من شروط الخلطة.
فأما الفحل فأن يكون فعل جميع الغنم واحدًا أو جماعة يشتركون في أعيانها 7، أو يكون كل واحد منها 8 يضرب [في] 9 الجميع، واشترط أيضًا أن يفتقر إلى الجميع.
وأما الدلو فمعناه السقي، ومقتضى اللفظ أن يسقى الجميع بدلو واحد، لكن ألحق بذلك الاشتراك في الماء، إما أن يكون موضعه مملوكًا أو تكون المنفعة فيه مشتركة.1234
وأما المراح فاختلف فيه على قولين: أحدهما: أنه الموقع 1 الذي تقيل فيه الغنم، والثاني: أنه الذي تجمع فيه ثم تنصرف منه إلى المبيت.
ويشترط فيه أيضًا أن يكون مملوك الرقبة لجميعهم أو مملوك المنفعة.
فإن كانت مواضع كثيرة، فيفتقر أن يكونوا محتاجين إلى جميعها، وكذلك الحكم في المبيت.
وقد 2 أضيف إلى هذه الشروط، [المسرح 3 وهو الموضع الذي ترعى فيه.
وهذا يكفي فيه اتحاد 4 الراعي أو تعاون الرعاة.
وإذا تقررت هذه الشروط] 5، فلا خلاف أنه لا يشترط في ثبوت الخلطة وجود جميعها.
واختلف المذهب بعد ذلك في المعول عليه منها على أربعة أقوال: أحدها: أنه جلها، والثاني: أنه اثنان ما كان منهما، والثالث: أنه الراعي، والرابع: أنه الراعي والمرعى.
وهذا كله تحريض 6 على حصول الاشتراك في المنفعة التي تجعل المالكين كالمالك الواحد.
فمن التفت إلى كثرة الاشتراك اشترط الجل حتىّ يكون ما يفترقان 7 فيه تابعًا، ومن التفت إلى حصول الاشتراك جملة اشترط أثنين لأنّ الواحد لا يحصل به المقصود، ومن التفت إلى الراعي فلأنه يرى أنه إذا اجتمعت فيه حصل [به] 8 الاجتماع في غيره، وكان إضافة المرعى 9 إليها إنما ما هو تَتْميم، وإلا فإذا اجتمعت في الراعي لا بدّ أن يجمعها في المرعى.
ويمكن أن ترجع هذه الأقوال إلى معنى واحد، وهو اجتماع الجل.
ويكون المذهب على قولين: أحدهما: اشتراط الجل، والثاني: اشتراط اثنين، والتفات الجميع
إلى حصول الاختلاط فيما يجعل المالكين في المرافق كالمالك الواحد.
...
فصل (شروط زكاة الخلطة)
وأما أحكام (1) زكاة الخلطاء فقد قدمنا أن شروط الخلطة إذا حصلت عد الملك كالمتحد، وذلك عندنا بشروط: أن يكون كل واحد من الخلطاء مخاطبًا بالزكاة, لأنه ملك النصاب، وقد حل على [غنمه] (2) حول.
فإن لم يكن كذلك فلا تأثير لخلطته.
(حكم من كان خليطه يهوديًا أو ذميًا)
واختلف المذهب لو كان يهوديًا أو ذميًا أو عبداً هل يزكي خليط المسلم زكاة الانفراد أو زكاة من له خليط؟ والمشهور من المذهب أنه يزكي زكاة المنفرد.
والشاذ أنه يزكي زكاة من له خليط.
واستقرأ أبو الحسن اللخمي من هذا مراعاة الخلطة 3 إذا نقص نصيب أحدهما عن النصاب، أو لم يحل على غنمه الحول.
والجامع عنده أن كل واحد من الذمي والعبد والمالك دون النصاب والذي لم يحل 4 على غنمه الحول غير مخاطب بالزكاة.
فإذا اختلف في أحد هؤلاء وجب إجراء الخلاف في الباقي 5. وليس كما قاله لأنّ الذمي قد اختلف فيه الأصوليون والمذهب هل هو مخاطب بفروع الشريعة أم لا؟ والخلاف [في مراعاة] 6 خلطته على هذا الأصل؛ فمن قال إنه غير مخاطب [جعل خلطته غير مؤثرة ومن قال إنه12
مخاطب] (1) حكم بتأثيرها.
لكن يوجب على من خالطه من المسلمين ما يلزمه ويكون الذمي كالظالم للمساكين بإمساك ما يلزمه.
(حكم زكاة ما بِيَدِ العبد)
والعبد قد اختلف الناس في زكاة ما بيده، فقيل: تجب على سيده لأنه غير مالك أصلًا، وقيل: عليه في نفسه لأنه مالك حقيقة، وقيل وهو المذهب لا يجب عليه شيء.
والقول بمراعاة خلطته مبني على مراعاة الخلاف، والإجماع على أن من قصرت غنمه عن النصاب أو لم يحل عليها الحول لا يجب في نفسه شيء، فكيف يقاس بعضهم على بعض؟ ومقتضى حكمها (2) بأن الخلطاء كمتحدي الملك, لأنّ أحدهما لو كان معه معز وللآخر ضأن لكانا كالمالك الواحد وجرى في حكم ما تقدم على حكم المالك (3) تكون غنمه مختلطة.
وهذا نص في كتاب ابن سحنون.
(حكم زكاة الأوقاص)
واختلف المذهب في الأوقاص هل هي مزكاة أم لا؟ وعلى هذين القولين سيأتي ما في الكتاب في خليطين؛ لأحدهما تسع 4 من الإبل وللآخر خمس 5 هل يقتسمان المأخوذ منهما على أربعة عشر جزءًا أو على التساوي؟ 6 فإن حكمنا بزكاة الأوقاص فعلى التفاضل، وإن حكمنا أنها غير مزكاة فعلى التساوي.
وسبب الخلاف إلغاؤها قبل كمال النصاب الثاني والاعتداد 7 بها بعد كماله، فمن نظر إلى الإلغاء قال لا شيء فيها، ومن نظر إلى الاعتداد123
أوجب.
ولا خلاف في الاعتداد بما لو كان لأحدها تسعة والآخر ستة, لأنّ الأوقاص هاهنا أثرت زيادة الشاة فلولا الواحدة والأربعة الزائدة على خمسة كل واحد لم يجب إلا شاتين، وإنما لفقت الأوقاص [هاهنا] (1) لما قدمناه من عد الخليطين كالمالك الواحد.
وهكذا تنقلهم الخلطة إلى أن يخرجا من الإبل , وإن كان الانفراد يقتضي إخراج الغنم أو يخرج أحدهما، وقد ينقلها من فرض إلى فرض وهذا بيّن إذا اعتبر.
...
فصل (2) (حكم أخذ الساعي من الخليطين ما لا يجب عليهم)
وإذا تقرر أن أصلنا اشتراط النصاب في حق كل واحد منهما، فإذا اجتمعا 3 وليس لكل واحد منهما نصاب فلا زكاة عليهما، وإن كان لأحدهما نصاب والآخر دونه فالزكاة على من في حظه نصاب.
فإن خالف الساعي هذا الحكم فأخذ ولا يجب الأخذ 4 فلا يخلو من أن يكونْ المجتمع عنهما غير نصاب أو نصاباً، فإن قصّرا 5 عن النصاب فهو غاصب، تكون 6 مصيبتها من أخذت من غنمه.
وإن أكمل باجتماعهما نصاب فإن قصد إلى الغصب فالحكم كالأول, وإن أخذ بتأويل فالمذهب أنهما يتراجعان في المأخوذ، وهذا على مراعاة الخلاف، أو لأنّ 7 الساعي كالحاكم في مضي حكمه 8 بلا خلاف.12
وإن كان لأحدهما نصاب وللآخر دونه، فلا يخلو من أن يضر الذي له النصاب بالآخر حتى يوجب بالتأويل زائد أو لا يضره؛ فإن ضره كمن له مائة وعشرون من الغنم وللآخر إحدى عشر، [فجاء الساعي فأخذ شاتين فإن أخذهما بغير تأويل فواحدة على رب النصاب، والثانية مصيبة ممن أخذت] 1 منه، وإن أخذها بتأويل ففي المذهب قولان: أحدهما: أنهما يتراجعان في الشاتين، إذ كذلك قصد الآخذ فيمضي حكمه 2 يكون كحكم 3 بما اختلف النَّاس فيه.
والثاني: أن واحدة تكون ممن له النصاب لأنّ ذلك هو الواجب عندنا، والثانية يتراجعان فيها لأنها [من] 4 التي وقع فيه التأويل.
وأجرى الأشياخ المتأخرون على هذا ما لو كان لأحدهما اثنان وثلاثون من الإبل وللآخر أربعة فجاء الساعي وأخذ بنت لبون؛ فعلى القول الأول يتراجعان فيها، وعلى القول الثاني يكون على صاحب الأكثر بنت مخاض، وينظر إلى قيمة ما زادت بنت لبون عليها فيتراجعان فيها.
قال أبو الحسن اللخمي: ويجري فيها قول ثالث: - يعني في مسألة الغنم - أْن الشاة الزائدة 5 يكون على كل واحد منهما نصفها، قال: بمنزلة ما لو شهد أربعة بالزنا واثنان بالإحصان ثم رجعوا ففي الدية قولان: أحدهما: أنها تكون على [عدد] 6 الرؤوس، والثاني: أنها تكون نصفين: نصف علي الشهود بالزنا, ونصف على الشهود بالإحصان 7 والجامع عنده أن كل واحد في الخليطين مؤثر في أخذ الزائد، كما أن كل فريق من هؤلاء الشهود مؤثر في وجوب الرجم.
ولا يلزم ما قاله لأنّ القول [بكون] 8 الدية 9 شطرين نظرًا إلى أن
الإحصان يستقل بالإثنين كاستقلال (1) الزنا بالأربعة فهم في المعنى كالمتشاطرين (2). ومسألة الخليطين، لا شك أن لزيادة العدد تاثيرًا في وجوب الزكاة، وفي (3) تأويل المصدق فتقسمت (4) على الأعداد.
وإن كان صاحب دون النصاب غير مضر بالآخر، فإن أخذ الساعي مقدار الواجب فلا شك في اختصاص من له النصاب [به] (5)، وإن (6) زاد عليه فهو ظلم محض يكون ممن أخذ منه.
وقد تقدم أن من وجبت له غنم بأعيانها فالزكاة فيها من يوم الوجوب.
وحكم المرأة تتزوج على غنم بأعيانها جارية على هذا الأسلوب.
فإذا ما طلقها الزوج فصار إليها نصف صداقها لأنّ الطلاق قبل الدخول فهل يستقبل حولًا من يوم عادت إليه أو يبني على ما تقدم له؟ في المذهب قولان.
وهو على الخلاف في المرأة هل تملك الكل بالعقد أو نصفه؟ فإن قلنا إنها تملك الكل استقبل الزوج حولًا، وإن قلنا إنها تملك النصف خاصة يبني على الحول الأول.
وإذا قلنا إنه يبني على الحول الأول فمن أين يجعله، هل من وقت ملك أو زكى أو من يوم أصدق؟ للمتأخرين قولان: والأكثر وهو الصحيح أنه من يوم ملك أو زكى.
وقال بعض المشايخ من وقت عقد.
ويكاد أن لا يكون له وجه إلا أنه يحتمل أنه بالعقد صار كأنه مِلْكٌ مفتتح فيبنى على ذلك الوقت.
...
فصل (حكم الخليط يكون له خليط آخر)
أما حكم الخليط تكون له ماشية منفردة أو يكون له خليط آخر فيها؛123456
فإن كان له خليط آخر ففي المذهب أربعة أقوال:
أحدها: أنهم يعدون كلهم خلطاء، ومثاله أن يكون لواحد أربعون وللآخر ثمانون.
أربعون منها خالط بها صاحب الأربعين، وأربعون خالط بها الآخر.
وإذا عد الجميع [خلطاء] 1 زكوا شاتين على كل واحد من صاحبي الأربعين نصف شاة، وعلى صاحب الثمانين شاة.
والقول الثاني: أن كل واحد من صاحبي الأربعين لا يحتسب بالآخر، وإنما يحتسب بغنم صاحبه الخالط له خاصة.
فيكون على كل واحد من صاحبي الأربعين ثلث شاة وعلى صاحب الثمانين [ثلثا] 2 شاة لأنه لا يحسبها مع 3 كل واحد من صاحبي الأربعين.
القول الثالث: أن كل واحد من صاحبي الأربعين لا يحتسب إلا بما معه خاصة، فيكون عليه نصف شاة وعلى صاحب الثمانين شاة 4 , لأنه يجمع 5 جميع ملكه فيضيف بعضه إلى بعض.
والقول الرابع: أن صاحب الثمانين لا يجمع ملكه بعضه إلى بعض، لكن يزكى كل ملك خالط به الآخر كأنه لا يملك غيره.
ولكن هذا القول يوافق القول الأول في هذه الصورة، فيكون عليهما 6 شاتان، على كل واحد من صاحبي الأربعين نصف 7، وعليه نصفان.
والطريق إلى الموافقة في هذه الصورة مختلف 8 , لأنه في القول
الأول يجعل الجميع مختلطين (1)، وفي الرابع يجعلهم كالمنفردين بالاختلاط ولا يجمع (2) مالك الثمانين بعضه إلى بعض.
وتتصور المخالفة لو كان لواحد خمسة عشر من الإبل خالط (3) بخمسة منها صاحب خمسة، وبعشرة صاحب خمسة أخرى.
فعلى القول الأول يكون على الجميع بنت مخاض، وعلى القول الرابع تكون زكاتهم بالغنم فيزكي كل واحد من صاحبي [الخمسة] (4) شاة واحدة، ويزكي صاحب الخمسة عشر ثلاثة شياه.
وأما إذا كان إنسانًا مخالطًا ببعض غنمه, ونمثله بالصورة الأولى فيكون له ثمانون، خالط بالأربعين [منها من له أربعون] (5)، ولم يخالط بالأربعين الأخرى.
فيجري هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يكون عليهما شاة، على صاحب الثمانين ثلثاها وعلى صاحب الأربعين ثلثها، والثاني: أن يكون عليهما شاة وسدس، على صاحب الثمانين ثلثان وعلى صاحب الأربعين نصف (6)، والثالث: أنهما يخرجان شاة ونصفًا (7)، على صاحب الثمانين شاة وعلى صاحب الأربعين نصف.
(مآخذ هذه الأقوال)
وقد تقدم مآخذ 8 هذه الأقوال في أحكام الاقتضاءات، لكنا ننبه عليه هاهنا، وذلك أنه اجتمع في هذه أمران كالمتناقضين: أحدهما: أن الخليط الأوسط يجب ضم ملك بعضه إلى بعض [مع عدم الخلطة، والطرفان ليس1234567
بينهما خلطة، فلا يجب ضم ملكيهما بعضه إلى بعض] (1).
فمن غلب حكم الوسط ورأى أن كل واحد منهما يجب ضم ملكه (2)، وهو يجب ضم ملكه (3) بعضه إلى بعض، قال (4) يكون الجميع كالخلطاء.
ومن غلب حكم الطرفين المنفردين أفرد ملك الوسط فجعله كالمالكين أربعين [أربعين] (5) ولم يضم ملكه [بعضه] (6) إلى بعض (7)، وهذا هو القول الرابع.
ومن رأى أن الوسط قد حصل لكل واحد من صاحب الأربعين خلطة (8). والخليط يجب أن يضاف جميع ما يملكه إلى ما خالط به، جاء منه القول الثاني.
ومن وجب عنده ضم ملك الواحد بعضه إلى بعض وأفرد حكم الخليط لما خالط به، جاء منه القول الثالث.
...
باب في الهارب بماشيته من السعاة
ولا شك أنه متعد في الهروب، فالواجب عليه متعلق بذمته.
فلا يختلف المذهب في ذلك، لكن اختلف إذا زادت نعمه بعد أن كانت ناقصة في أعوام، هل يؤخذ بما يوجد في يده من الزيادة على سائر الأعوام؟ وهو الشاذ من المذهب، أو يؤخذ عن كل عام بما في يده؟ وهو المشهور.
وكان المشهور هو القياس لأنه إنما يؤخذ بما تعدى عليه، فإذا ظلم فلا ينبغي أن يظلم فيزاد عليه12345678