التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العباداتصفحات 453-492
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المكروهين: أحدهما: التنفل قبل المغرب.
والثاني: الانصراف من ركعة واحدة.
وإن صلى ركعتين فقولان: المشهور أنه يضيف إليهما ثالثة لينصرف.
والشاذ أنه يسلم ويدخل مع الإمام.
وهذا أيضاً لتقابل المكروهين: التنفل قبل المغرب، والمخالفة على الإمام بأن يصلي غيرها الإمام (1) ولا يتبعه.
وإن قام إلى الثالثة فلا شك على المشهور أنه يتم (2)، وعلى القول الثاني أنه يرجع إلى الجلوس ثم يسلم ويدخل مع الإمام.
وإن ركع ولم يرفع رأسه، اختلف (3) على القول بأنه يسلم من الاثنتين؛ هل يتم هاهنا (4) أم يرجع إلى الجلوس.
وهو على الخلاف في عقد الركعة هل هو وضع (5) اليدين على الركبتين أو رفع الرأس منها.

...

فصل (إذا أقيمت صلاة غير المغرب)

وإن كانت غير المغرب، فإن لم 6 يركع فقولان: أحدهما: أنه يكمل اثنتين ثم يدخل مع الإمام، ومذهب الكتاب أنه يقطع.
وفرق بين الفرض والنفل، فقيل في الفرق وجهان: أحدهما: أنه في الفرض يقطع ليأتي بها على صفة الكمال، وفي النافلة إذا قطع لا يعود إليها.
والثاني: أن التأثير إنما يكون بين متجانسين 7 لا بين فرض ونفل، وأيضاً أنه في الفرض لا بدّ أن يقطع على أقل مما دخل 8 عليه.12345

وفي النفل إذا أتمها اثنتين فقد أتى بما استفتح عليه.
وإن ركع ركعة أتم اثنتين (1). وإن أتم الركعتين سلم ودخل مع الإمام.
وإن قام إلى الثالثة رجع إلى الجلوس وسلم ودخل مع الإمام.
وإن ركع في الثالثة ولم يرفع رأسه فيجري على القولين في عقد الركعة ما هو.
وإن رفع رأسه أتم أربعاً ودخل مع الإمام.
ويقطع في جميع ما ذكرناه بسلام.
فإن لم يسلم بطلت صلاته لأنه أضاف صلاة إلى صلاة.
ولو تكلم عامداً لكان بمنزلة السلام.
وإن أقيمت (2) غير التي هو فيها فإنه (3) محال على [حكم] (4) قضاء الفوائت من كتاب الصلاة الثاني.
...

فصل (لا إعادة لمن صلى في جماعة)

ولا يعيد عندنا من صلى في جماعة؛ لأن الإعادة لما قدمناه من التلافي لما فاته من الأجر بصلاته وحده.
وإذا كانت الصلاة في جماعة فلا فائت يتلافى.
قال ابن حبيب: إلا أن تكون الصلاة الأولى في غير المساجد الثلاثة: الكعبة ومسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومسجد بيت المقدس، ثم يدرك الجماعة في أحد هذه المساجد؛ فإنه يعيد لعظم الأجر في هذه بخلاف غيرها 5. وألزمه أبو الحسن اللخمي أن يعيد في هذه المساجد فذاً، وإن صلى1234

أولاً في غيرها في جماعة لتفاوت فضل الجماعة والانفراد في غيرها (1). وألزمه ذلك من طريق القياس (2) إلا أن يقال: إنما ورد الأمر بإعادة الفذ في جماعة، وهذا عكسه.
والموضع موضع عبادة فلا يتعدى به ما ورد.
ويتساوى الأمر في الصلاة الأولى بين أن تحصل فيها الجماعة وجوباً ويحصل ذلك بالواحد فأكثر، أو حكماً ويحصل ذلك بالإمام يصلي في الموضع الذي عادته الإمامة فيه، ولا يصلي معه غيره فله حكم الجماعة.

(حكم من صلى معه صبي أو صلى بأهله)

واختلف الأشياخ في صورتين حولهما؛ لو صلى إنسان 3 واقتدى به صبي صغير، هل يعيد البالغ في جماعة لأن المقتدي به غير مفترض عليه فهو في حكم العدم، أو لا يعيد لأن الجماعة حاصلة؟ وقد قدمنا تردد الباجي في صلاة الصبي هل ينظر فيها إلى مقصده وهو يقصد الفرض، أو إلى حكم العدم.
أو لا يعيد لأن الجماعة حاصلة.
والصورة الثانية 4: لو صلى في داره بأهله هل يعيد إذا أتى المسجد لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - "صل معنا وإن كنت قد صليت في أهلك" 5، أو لا يعيد لأنه صلى في جماعة؟ ...12

فصل (لا يقتدي مفترض بمتنفل)

وإذا صلى وحده فلا يؤم عندنا غيره في تلك الصلاة، لإمكان أن تكون الثانية نفلاً؛ [فيكون قد أتم بمن ينوي فرضاً وهو ينوي نفلاً]، (1). وقد يلزم من قال إنه يعيد بنية الفرض [أن تصح إمامته.
وقد أشار أبو القاسم بن الجلاب وغيره إلى خلاف في المسألة.
وهذا راجع] (2) إلى صحة الرفض أن يؤم فيها، هذا (3) إذا لم يراع الخلاف، فإن أم فيها على القول بأنه لا يجوز فيعيد من ائتم به.
قال ابن حبيب: ويعيدون أفراداً؛ وهذا لأن الصلاة الأولى تجزيهم عند الشافعي وغيره، فإذا أعادوها في جماعة صاروا عند هؤلاء كمعيد في جماعة بعد أن صلى في جماعة، فراعى في الإعادة مذهب المخالف لا مذهب نفسه.
...

باب في تكرار الجمع في المسجد الواحد

ولا خلاف أن ذلك ممنوع إذا كان للمسجد إمام راتب، واختلف في علة منعه؛ هل حماية من تطرف أهل البدع للجمع بإمامهم والامتناع من الصلاة بأئمة العدل؟ أو حماية من الأذى للأئمة بأن يترك أهل البدع أو غيرهم الاقتداء بهم إظهاراً لبغضهم 4. وينتج من هذا الخلاف أن الأئمة متى أذنوا في الجمع هل يجوز أم لا؟ فعلى التعليل الأول لا يجوز إلا أن يعلم براءة من يرى الجمع من كونهم مبتدعين، وعلى التعليل الثاني يجوز مع إذن الأئمة.
ويستوي في هذا123

حكم وجود الجماعة الراتبة بالصورة أو بالحكم كما قدمنا، مثاله إذا صلى فيه الإمام ولم يقتد به أحد، فإن كان المسجد لا إمام له راتب فأجازوا الجمع في نصوص المذهب، وذلك بيِّن إذا عللنا بإذاية الإمام (1). وإذا عللنا بالجماعة من تطرف المبتدعين، فينبغي أن يمنع الجمع ثانياً، إلا مع العلم بالسلامة من الابتداع.
ولو كان المسجد مما يجمع فيه بعض الصلوات دون بعض فهل يجوز [فيه] (2) تكرار الجمع فيما ليس العادة أن يجمع فيه؟ في المذهب قولان: أحدهما: الجواز؛ لأنه في تلك الصلاة كمسجد ليس له إمام راتب.
والثاني: المنع؛ لأنه له إمام راتب في بعض الصلاة [دون بعض] (3)، فإذا جمع في غيرها فليس لمن أتى بعده الجمع.
وكأنه مبتدئ الترتيب فيما جمع فيه.
وللإمام الراتب أن يجمع إذا تعدى غيره فجمع قبله (4) إذ لا حرمة للمتعدي.
...

فصل (للأئمة حرمة يلزم مراعاتها)

وينخرط في هذا السلك النظر إلى مراعاة حرمة الأئمة في حكم لزوم الاقتداء بهم لمن أقيمت عليه الصلاة وهو في المسجد.
وسواء كان لم يصل تلك الصلاة أو صلاها فذاً على ما قدمناه، فإن صلى في جماعة جاز له الخروج.
ومنه أيضاً المخالفة على الإمام 5 بأن يجلس أو يصلي وهو غير مقتد1234

به.
وقد نهى - صلى الله عليه وسلم - عن ركعتي الفجر بعد الإقامة، فقال: "أَصَلَاَتانِ مَعاً" (1). ولهذا قال أهل المذهب إنه لا يركع الفجر (2) إذا كان الإمام يصلي الصبح في المسجد، ولا في رحابه وأفنيته المتصلة به.
ومن هذا القبيل أيضاً تعدي المسجد المجاور إلى غيره، ولا يجوز ذلك إلا إذا كان إمامه ممن لا يجوز الاقتداء به؛ فإن فعل فلا تبطل الصلاة عندنا وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ صَلَاةَ لِجَارِ المَسْجدِ إِلاَّ فِي المَسْجِدِ" (3)، محمول عند فقهاء الأمصار على نفي الكمال لا نفي الإجزاء.
...

باب في المواضع التي تكره فيها الصلاة

وفي الترمذي وكتاب ابن سحنون عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن الصلاة في سبع مواضع: المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام ومعاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله الحرام" (4). والأحكام في هذه تختلف.

(حكم الصلاة في المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق)

فأما المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق النهي عن الصلاة فيها؛ لأن1234

الغالب نجاستها.
ومن صلى فيها؛ فإن تيقن بوجود النجاسة جرى على ما قدمناه من الخلاف فيمن صلى بنجاسة أو عليها، فإن لم يتيقن بوجود النجاسة فهل يكون كالمتيقن نظراً إلى الغالب؟ هذا مذهب عبد الملك بن حبيب (1). أو يرجع إلى الأصل، والأصل عدم النجاسة.
ولا يعيد إلا في الوقت عامداً كان أو غيره.
هذا هو المشهور.
وهو على ما قدمناه من النظر إلى الأصل أو إلى الغالب.

(حكم الصلاة في المقبرة)

وأما المقبرة؛ فإن كانت غير منبوشة وأمن في موضع الصلاة من شيء من أجزاء المقبورين 2؛ ففي المذهب قولان: الجواز، وهو المشهور.
والكراهية، وهو الشاذ.
وكأن الكراهية التفاتاً إلى عموم النهي، ولأن أصل عبادة الأصنام اتخاذ قبور الصالحين مساجد.
والجواز للأمن من ذلك على هذه الأمة، وحمل الحديث على توقي النجاسة.
فإن كان في موضع الصلاة شيء من أجزاء المقبورين، فيجري حكم الصلاة فيها على الخلاف في الآدمي هل ينجس بالموت أم لا؟ فإن قلنا بنجاسته كان المصلي فيها مصلياً على نجاسة، وإن قلنا بطهارته لم يكن كذلك.
ولكنه تكره الصلاة هناك كراهية لوطء أعضاء الميت.
هذا في مقابر المسلمين.
وأما مقابر الكفار فكره عند عبد الملك بن حبيب الصلاة فيها 3. وعلل بأنه حفرة من حفر النار.
ولكن من صلى فيها وأمن من النجاسة فلا تفسد صلاته وإن لم يأمن كان جارياً على ما قدمناه في المصلي على نجاسة.1

(حكم الصلاة في الحمام)

وأما الحمام فتكره الصلاة فيه ابتداء؛ لأنه محل الأوساخ.
وفي المذهب خلاف في [البخار] 1 المتصعد إلى أعلاه هل يكون ما يقطر منه نجس أم لا؟ وهو على الخلاف في رماد الميتة وما في معناه.
وقد قدمنا سبب الخلاف في ذلك.
فإن التجأ إلى الصلاة فيه، وسلم موضعه من النجاسة، صحت الصلاة.
وأما معاطن الإبل؛ فقد وقع في الحديث النهي عن الصلاة فيها ونهى عنها أهل المذهب.
ولكن اختلفوا في علة النهي على أربعة طرق: أحدها: أن الناس يستترون بها عند البراز؛ فعلى هذا إن أمن من نجاسة الموضع جازت الصلاة، وإن تيقنت النجاسة لم تجز.
وإن لم يتيقن فكان الغالب وجودها جرى على ما قدمنا من الخلاف التفاتاً إلى الأصل والغالب.
والطريقة الثانية أن العلة كونها خلقت من جان، وهذا لا يؤدي إلى منع الصلاة بل إلى كراهيتها 2 إن صحت.
والثالثة: لزفور 3 رائحتها.
والمستحب في الصلاة النظافة والبعد عن الأقذار، وهذا أيضاً لا يؤدي إلى المنع.
والرابعة: شدة نفورتها 4 فلا يأمن أن يثبت على جسمه 5، وإن لم يثبت فسدت الصلاة.
وهذا قد يؤدي إلى المنع.
وقد اختلف المذهب هل يعيد من صلى في معاطنها عامداً وإن ذهب

الوقت، ومثله الجاهل، وهذا رأي ابن حبيب.
ولا يعيد إلا في الوقت استحباباً.
وهذا الخلاف يجري على التعليل الأول بالالتفات إلى النجاسة.
وجمع القاضي أبو محمد في بعض كتبه هذا التعليل فقال: لا يصلي في معاطنها، وذكر العلل الأربعة فساقها مساقاً واحداً.
...

فصل (في الصلاة فوق الكعبة وفي جوفها)

وأما الصلاة فوق الكعبة فالنهي عنها لمعنى آخر، وهو أن المذهب اختلف هل المقصود سمت 1 الكعبة أو عينها؟ وقد اختلف المذهب في الصلاة على ظهر الكعبة هل هي منهي عنها على الإطلاق؟ أو يشترط ألا يجعل عليها [بين يديه] 2 قائماً يقصده المصلي، والأول: رأي الجماعة، والثاني: تأويل القاضي أبي محمد على المذهب، فكأنه يرى أنه متى أقيم عليها قائم يستقبله المصلي صار كالمصلي إلى فنائها 3 فتكون الصلاة هناك إلى الفناء 4 لا إلى السمت، فهذا وإن صح له حكم الاتصال فإنه يكون المصلي إليه قد ترك بعض سمت القبلة 5 وراء ظهره فأشبه المصلي في الكعبة.
وفي المذهب خلاف في المصلي في الكعبة هل تبطل صلاته فيعيد وإن ذهب الوقت أو تصح صلاته فلا يعيد؟ أو يعيد في الوقت دون غيره؟ وقد رواه بلال عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه صلى النافلة في الكعبة 6.

وروى ابن عباس أنه لم يصل 1، وهي دخلة واحدة.
لكن بناء الحديثين على أن بلالاً حكى ما رأى وشهد، وقد دخل معه - صلى الله عليه وسلم -. وحكى ابن عباس ما ظنه, لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يطل الجلوس، ولقرب خروجه ظنه لم يصل.
وقيل: وفيه معنى قول بلال صلى يعني صلاة لغوية وهي الدعاء؛ فمن عول على رواية بلال تأول ما حكاه ابن عباس، ورأى أن الفريضة كالنافلة في وجوب الاستقبال في الحضر مع الاختيار لم 2 يؤمر بالإعادة.
وتأول أبو الحسن اللخمي على [رواية] 3 أشهب جواز الصلاة ابتداء 4 وهو مقتضى [هذا] 5 الذي ذكرناه، ومن عول على رواية ابن عباس وتأول ما حكاه بلال قال بمنع الصلاة وأوجب الإعادة بعد الوقت لوجود 6 الاقتصار عن استقبال القبلة.
ومن صلى في جوفها لم يستقبل حقيقة.
ومن ترجح الأمر عنده أمر بالإعادة في الوقت.
ويحتمل أن يبني على المنع لكن إذا صلى أوقع ما اختلف الناس فيه، ولا 7 تجب الإعادة إلا في الوقت، أو يبني على الصحة ولكن يؤمر بالإعادة ليخرج من الخلاف احتياطاً.
هذا الالتفات إلى الآثار.
وأما الاعتبار فقد سلك أهل المذهب في تعليل المنع طريقين: أحدهما: أن المصلي في الكعبة مستدبر لبعضها، وقد أمر باستقبال جميعها، وهذا تعليل متقدمي أهل المذهب.
والثاني: أن المصلي في الكعبة يستحيل في حقه التكليف؛ لأنه حيثما أدار وجهه كان إلى جدار الكعبة، وإنما يصح

التكليف متى كان المكلف قادراً على الامتثال وتركه، وهاهنا 1 لا يقدر على الترك.
وهذا مذهب عبد المنعم ابن خلدون 2. وهذا الذي قاله لا يشترط على أصلنا في التكليف، وأيضاً فإن المصلي في الكعبة قادر على الخروج منها جملة إلا أن يمنع الخروج.
فيتصور ما قاله ابن خلدون.
وحكم الحِجر حكم البيت وهو ما في فناء الكعبة.
أصله منها 3، عجزت الجاهلية عن إدخاله فيها لما بنتها بعد أن هدمها السيل.
وقد أعاده عبد الله بن الزبير 4 إلى ما كان عليه قديماً من اشتمال الكعبة عليه لما سمعه من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة رضي الله عنها: "لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم عليه السلام" 5. فلما استولى عليه الحجاج 6 هدم ما بناه وأخرج الحجر فأعاده على ما بنته الجاهلية.

ولا يصلى فيه ولا في الكعبة السنن، فإن صلى فيها أو صلى فيه ركعتي الطواف فهل يكتفي بهما أو يعيدهما؟ في المذهب قولان.
وهو على ما قدمناه في المصلي في الكعبة هل يعيد أبداً أم لا؟ ...

فصل (حكم من صلى إلى غير قبلة)

وقد تقدم أن من فروض الصلاة استقبال القبلة، وذكرنا حكم المريض العاجز.
ولا خلاف بين الأمة في وجوب استقبال القبلة مع القدرة والإمكان.
فإن صلى مصل إلى غير القبلة فهل يعيد؟ لا يخلو أن يكون اجتهد فأخطأ، أو تعمد، أو نسي، أو جهل؛ فإن اجتهد فأخطأ فلا يخلو أن يعيد 1 بعد المعرفة بخطئه 2 إلى يقين أم لا يأمن الخطأ في الإعادة كما لو لم يأمنه في الأولى 3؟ فإن رجع إلى [اليقين في الاستقبال فإنه يعيد في الوقت (5)، وهل يعيد] 4 بعد الوقت؟ قولان.
فظاهر الكتاب أنه يعيد في الوقت 5، ولأصبغ وغيره أنه يعيد وإن خرج الوقت، وهو على الخلاف في حصول العذر بالاجتهاد.
وإن انتقل إلى الاجتهاد مع القدرة على طلب اليقين أعاد أبداً بلا خلاف.
= بالمنجنيق وأذل أهل الحرمين تولى على العراق والمشرق كله عشرين سنة ... نسبه ولا نحبه بل نبغضه في الله فإن ذلك من أوثق عرى الإيمان وله حسنات مغمورة في بحر ذنوبه وأمره إلى الله وله توحيد في الجملة ... " سير أعلام النبلاء ج: 4 ص: 343.

قالوا: وهكذا يجري الحكم في مدينته - صلى الله عليه وسلم - إذ كون قبلتها صحيحة مقطوعاً بها؛ لأن جبريل عليه السلام أقامها (1) وألحق بهذا المتأخرون من أهل المذهب بيت المقدس.
ولو اجتهد فتبين له أنه استدبر القبلة؛ فإنه يعود هاهنا إلى يقين كون القبلة في غير الجهة التي استقبلها.

(كيفية الاجتهاد في معرفة القبلة)

وكيف الطريق إلى الاجتهاد؟ أما العارف بأحكام الطوالع والمغارب وعروض البلاد ونسبتها إلى الكعبة فيحال إلى معرفته في حق هذا.
والطريق إلى المعرفة في هذا أدق ويطول.
ولكن يتوصل منها إلى اليقين، أو ما يقاربه.
وأما غير هذا فقد قرب إليه بأن ينظر إلى نهاية الشمس في منتهى أرتفاعها في وسط النهار، فيقوم قائماً فينظر إلى ظله فيعلم أنه أخذ من القبلة إلى الدبور.
وهذا لا يتحصل منه ما يقارب اليقين لاختلاف الظلال في البلاد وبالشتاء والصيف.
وأوضح من هذا أن ينظر إلى القطب 2 الشمالي وهو: نجم خفي يدور عليه بنات نعش 3 وهو: وسط السمكة 4 فيجعلها على كتفه الأيسر ثم يستقبل الجنوب فيكون وجهه إلى القبلة.
فهذا صحيح في قطر الشام والمغرب 5. فإن فقد هذا بوجود السحاب استدل بالجبال والرياح، فإن عميت عليه طرق الأدلة فهاهنا قولان: أحدهما: أنه يصلي أربع صلوات إلى الجهات الأربع لأنه لا يأمن الخطأ في أحدهما: والثاني: أنه يختار جهته فيصلي إليها.
وهذا لأن الواجب في ذمته صلاة واحدة، وهو1

معذور لخفاء الأدلة (1). وقد حمل على هذه الصورة قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (2). ...

فصل (حكم من أعاد الصلاة ولم يتيقن بالجهة)

وإن كان لا يأمن الخطأ في الإعادة بأن يكون اجتهد في غير مكة والمدينة فأخطأ بأن شرَّق أو غرَّب، فالمنصوص من المذهب أنه لا يعيد إلا في الوقت؛ لأنه يرجع من اجتهاد إلى اجتهاد.
وهذا أوضح في حق غير العارف.
فأما العارف فكما قلناه.
ويتصور في رجوعه إلى اليقين، لكن أحكام الشريعة لا تبنى على الالتفات إلى معرفة مثل هذا، وإنما تبنى على ما يذكره الجمهور.
وفي المذهب 3 قولان في الالتفات إلى نوادر بعض الصور.
وأشار بعض البغداديين إلى أن من أدرك العلم برؤية الأهلة بحسابه أنه 4 يصوم على حسابه.
وهذا من ذلك القبيل.
ومن استقبل غير القبلة ناسياً؛ فظاهر المذهب أنه يعيد وإن خرج الوقت، ولا شك في ذلك في العامد، وهكذا حكم الجاهل.
وحكى أبو الحسن اللخمي قولين في الناسي 5، فكذلك [في] 6 الجاهل هل يعيد كل واحد منهما في الوقت وبعده؟ ولا يوجد 7 خلاف في ذلك، وإن ما يقع في هذا الباب محمول على المجتهد، وهكذا حمله أبو الحسن اللخمي 8.12

باب فى حكم وقت الضرورة وما يتعلق به من النظر في صلاة أهل (1) الأعذار

وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ 2، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكعَةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ" 3، ولا خلاف في تناول 4 الحديث لأصحاب الضرورة.
وهل يتناول أهل الاختيار؟ في ذلك قولان يأتي بيانهما.
واختلف أيضاً في الركعة المشار إليها هل هي كمال الركعة بسجدتيها، وهو المشهور؟ أو مجرد الركوع، وهو مذهب أشهب؟ وهذا على الخلاف في الألفاظ الواردة هل تحمل على العرف الشرعي أو على مقتضاها لغة؟ فمن حملها 5 على العرف الشرعي حصل 6 منه المشهور، ومن حملها على مقتضى اللغة حصل منه القول الشاذ.
ويلتفت 7 هذا إلى الخلاف في حمل الألفاظ على الأقل أو على الأكثر.
وقد قال المحققون في الانتصار 8 للمشهور إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما جعل مُدْرَكَ الصلاة قبل الطلوع أو قبل الغروب بالركعة لأن الركعة صلاة كاملة؛ فيها تكبير وقيام وقراءة وركوع وسجود، وهذه 9 جملة أحكام الصلاة.
ثم الركعات بعدها تكرير لهذه الأفعال من غير زيادة، وإنما تكررت لحصول تأثيرها في النفس وهي في1

معنى الأول قطعاً، فالمدرك للركعة حصلت له جملة الصلاة في الوقت، وتحصيل المقصود من التأثير بالتكرير بعد الوقت، ولا يكون ذلك مفيتاً للصلاة.
...

[فصل] (1) (أصحاب الأعذار الخمسة)

وأصحاب الأعذار [هم] 2 خمسة: الحائض تطهر، والصبي يحتلم، والكافر يسلم، وفاقد عقله يفيق، والناسي يذكر.
وهؤلاء إذا بقي لهم من الوقت الضروري الذي حددناه في أول الكتاب مقدار جملة الصلاة أو ركعة منها على ما حددناه من الاختلاف وجب عليهم القضاء 3. وهل يقدر لهم للإدراك بعد كمال تحصيل شروط الصلاة؟ أما الحائض فيقدر لها ذلك بلا خلاف، وأما ما عدا ذلك 4 ففي تقدير ذلك قولان.
وقد اختلف المتأخرون هل يجري الخلاف في الحائض ويكون سببه في الجميع هل الطهارة شرط في الوجوب فلا يلزم هؤلاء الصلاة إلا لبقاء ركعة بعد كمال الطهارة، أو شرط في الأداء فيراعى زوال الأعذار دون أن تحصل الطهارة؟ أو لا يجري الخلاف فيها فيكون الفرق بين الحائض وبين من ذكر معها أن الكافر قادر على أن يشهد بالشهادة في أول النهار فلا يرخص له من جهة أنه متعذر.
وهذا يجري على الخلاف فيه هل هو مخاطب بفروع الشريعة فلا يراعى إلا زوال عذره، أو هو غير مخاطب فيراعى كمال طهارته؟ والصبي كان ممن خوطب بالصلاة قبل البلوغ مخاطبة مثله إذ يؤدب على تركها.
فمن التفت إلى هذا لم يراع إلا زوال عذره ووجود الاحتلام.1

ففي المذهب قولان في الصبي يبلغ بعد أن أدى الصلاة في أول الوقت ويكون بلوغه في الوقت.
هل تجب عليه الإعادة أم لا؟ وإسقاط الإعادة يقتضي أنه مخاطب بالصلاة في أول الوقت؛ فمن التفت إلى هذا قال بمراعاة زوال العذر كما قدمنا، ومن التفت إلى حقيقة الوجوب وأنه لا يحصل إلا بعد البلوغ راعى تحصيل الغسل.
وللفاقد للعقل قد قال بعض المخالفين يجب عليه القضاء، فمن التفت إلى هذا الخلاف لم يراع إلا زوال عذره.
ولا خلاف في الحائض أنها غير مخاطبة بالصلاة في حال الحيض ولا تقضيها، فلهذا اتفق على مراعاة تحصيل الغسل.
وإذا راعينا 1 ذلك فيراعى فيه القدر المأمور به دون مراعاة حال المتطهر في وسوسته وتطويله.
ولا خلاف في الناسي يذكر، أنه لا يراعي إلا زوال عذره دون تحصيل الشروط.
وظاهر حكم الصلاة الواحدة كالصبح أنه يراعى بقاء ركعة لطلوع الشمس.
فإن كان في الذمة صلاتان كالظهر والعصر، أو المغرب والعشاء؛ فأما الظهر والعصر فاشترط أن يدرك جميع صلاة 2 الأول، وركعة من الآخر.
وذلك مقدار خمس ركعات للحاضر وثلاث ركعات للمسافر.
وأما المغرب والعشاء؛ فإن أدرك جميع الأولى وركعة من الآخرة كان مدركا للصلاتين.
وهذا كأربع ركعات في حق المسافر 3. وأما الحاضر يدرك أربع ركعات والمسافر يدرك ثلاثاً ففي سقوط الأول من الذمة قولان.
وسبب الخلاف هل يجعل الوقت الذي زال فيه العذر لأول الصلاتين أو لآخرتيهما؛ فإن جعلنا الوقت للآخرة سقط المغرب في حق الحاضر يدرك أربع ركعات ووجبت الصلاتان في حق المسافر يدرك ثلاثاً، وإن

جعلنا (1) الوقت لأول الصلاتين وجبت الصلاتان في حق الحاضر يدرك أربع ركعات وسقطت الأولى في حق المسافر يدرك ثلاثاً.
فهو على الخلاف في الاشتراك لأصحاب الضرورات هل يقدر من أول وقتي الصلاتين أو بعد مضي زمان مقدار الأول.
وعلى هذا الخلاف لو صلت العصر أولاً ثم حاضت وقد بقي مقدار أربع ركعات هل يسقط الظهر لأن هذا الوقت مستحق لها، أو تكون مقررة (2) في ذمتها لأن هذا الوقت مختص بالعصر ووقوعها أولاً قبل الظهر كأنها وقعت في غير محلها؟ ...

فصل (متى يجب على الحائض قضاء الصلاة)

وقد قدمنا ما في المذهب من مراعاة تحصيل الشروط لأصحاب الأعذار.
فلو حصل للحائض تطهير أو لغيرها التطهر ثم أحدثت، وكانت إذا أعادت الطهر فات وقت الصلاة، فالقضاء واجب عليها باتفاق.
لأنها بعد التطهر مطلوبة بالصلاة.
فإحداثها كإحداث من هو مطلوب بالصلاة، وقد تعينت عليها فيجب عليها العودة للتطهر 3 وقضاء الصلاة.
ولو تطهرت بماء نجس ثم علمت به بعد أن أكملت طهرها وكانت لو أخذت في الظهر لانقضى الوقت، فهاهنا قولان: أحدهما: وجوب القضاء في ذمتها.
والثاني: نفيه وهذا على الخلاف في المخطىء مجتهداً هل يعذر بخطئه؟ وذلك إنما يتصور إذا لم يكن الماء متغير أحد الأوصاف أو كان متغيراً بنجاسة فظن أنه متغير لقراره 4. ولو علمت بتغيره لم يكن إشكال في12

وجوب القضاء عليها.
ويجري على قول من حكم بطهارة الماء حلته النجاسة ولم تغير أحد أوصافه أن تصلي هذه (1) من غير إعادة.
وعلى قول من جعله مشكوكا فيه أن تصلي به ثم تتطهر (2) بغيره وتصلي إن وجدت.
وإن لم تجد فيجري على الخلاف هل تصلي به وبالتيمم صلاة واحدة، أو بكل واحد منهما صلاة على ما قدمنا؟ ويظهر هاهنا أنها إذا ذكرت ذلك بعد التطهر به أنها تتيمم وتصلي (3) صلاة واحدة لحصوله في الأعضاء.
...

[فصل] (4) (تعويل أصحاب الأعذار على التقدير)

وأصحاب الأعذار يعولون على 5 التقدير بغلبة الظن؛ فإن ثبت في ظنونهم أن الوقت بقي منه ما يدركون 6 به الصلاتين جميعاً كما قدمناه عولوا على ما ثبت في ظنونهم، فإن قدرت الحائض مثلاً أن الوقت بقي منه مقدار خمس ركعات فعولت على صلاة الظهر والعصر، فلما صلت ركعة 7 غربت الشمس، أنها تنصرف من صلاة الظهر وتصلي العصر.
وهل الأولى انصرافها من شفع أو تقطع بعد وتر إن شاءت؟ في المذهب قولان.
وهاهنا التمادي إلى الشفع مأمورة 8 به لحق الابتداء، والقطع مأمورة 9 به لحق الصلاة الواجبة حقيقة.
وفي العصر فيمن تقابل1234

عنده الأمران خُيِّرَ، ومن ترجح عنده حكم الابتداء (1) وكان الانصراف على وتر عنده ممنوعاً أمر بالتمادي.
ولو قدرت بالعكس فظنت أن الباقي من الوقت يسع الصلاة الثانية دون الأولى فبدأت بالثانية ثم ظهر لها اتساع الوقت للصلاتين فلا يخلو أن يظهر لها ذلك في الصلاة أو بعد كمالها؟ فإن ظهر في الصلاة انصرفت عنها وأتت بالأولى ثم بالثانية.
وهل تنصرف على شفع؟ يجري على الخلاف الذي قدمناه.
وإن ظهر (2) ذلك بعد كمال العصر، أعادت الظهر.
وهل تعيد العصر؟ قولان.
وهذا على (3) ما قدمناه في الوقت.
وهل يقال إن أوله مستحق للأولى لا تشاركها الثانية فيه فيجب عليها هاهنا قضاء الصلاتين جميعاً، لأن الزمان الذي طهرت فيه مقدر بالزوال في حق المختار.
فإذا أدت فيه صلاة العصر فكأنها أوقعتها في وقت الظهر المختص بها، فلا تجزيها.
ويقال: إن الوقت يقع فيه الاشتراك من بدايته إلى نهايته، فصارت موقعة للصلاة في وقتها حقيقة فتجزيها وتعيد الظهر.
فتكون كأنها صلت صلاة العصر وأكملته، ثم ذكرت ظهراً من يوم ثان ولم يبق من الوقت إلا مقدار ما يسع الصلاة المنسية، فإنها لا تعيد العصر.
وأما لو صلت العصر ناسية الظهر ولا حيض بها أو غيرها من سائر الناس ثم ذكرت الظهر، ولم يبق من الوقت إلا ما يسع الظهر خاصة فهل تعيد العصر؟ قولان وهما على ما قدمناه أيضاً.
...

فصل (هل يُبْتَدَأ بالحاضرة أو المنسية عند ضيق الوقت)

ولو بقي من الوقت مقدار صلاة واحدة ثم ذكر أصحاب الأعذار صلاة منسية.
فهل يبتدؤون بالحاضرة أو بالمنسية؟ قولان توجيههما محال على123

حكم قضاء الفوائت.
وإذا قلنا بالابتداء بالحاضرة -وهو الشاذ- فلا شك أن هؤلاء يصلون الحاضرة ثم المنسية بعد الوقت.
فإذا قلنا بالابتداء بالمنسية فضاق الوقت على قضائها فهل عليهم قضاء الحاضرة بعد الوقت؟ [قولان: أحدهما: وجوب القضاء لتوجبه الصلاة في] (1) الوقت، وإنما بدئ بالمنسية لحق الرتبة (2) في الصلاة المنسية.
والثماني: سقوط القضاء؛ لأن الوقت [مستحق للمنسية ولم يبق للحاضرة بعده شيء.
وكان الأعذار إنما ارتفعت بعد خروج الوقت (3). ...

فصل (حكم المسافر يقدم والحاضر يسافر)

وقد ألحق أهل المذهب بأصحاب الأعذار المسافرَ يقدُم وقد [بقي من النهار مقدار خمس ركعات فيؤدي الصلاتين حضريتين 4. والحاضر يسافر وقد بقي من النهار مقدار ثلاث ركعات فيؤديها سفريتين؛ فهذا يقتضي تنزيل قوله - صلى الله عليه وسلم -:"من أدرك ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك الصلاة" الحديث 5 كما تقدم على عمومه في أصحاب الأعذار.
والاختيار يقتضي هذا من قولهم أن مؤخر الصلاة إلى أن يبقى من الوقت مقدار ركعة مؤد غير قاض.
وحكى أبو الحسن اللخمي الاتفاق على تأثيم من فعل ذلك عمداً.
وما قاله أهل المذهب في حكم الحاضر والمسافر يقتضي خلاف123

قوله.
وما قاله أيضاً يشبه قول أبي إسحاق التونسي أن من أخر صلاة العصر إلى الاصفرار يكون آثماً مع كونه مؤدياً.
ولا يتفق الأداء والتأثيم؛ لأن معنى الأداء موافقة الأمر، والتأثيم إنما يحصل لمخالفته.
فكان بعض الأشياخ (1) يقول: لو قيل إن مؤخر الصلاة عن الأوقات التي حددها جبريل عليه السلام في صلاته بالنبي عليه السلام يكون آثما لكان صواباً.
وما ورد من الجمع بعرفة والمزدلفة، والجمع في السفر والمرض والمطر، فذلك يقتضي اختصاص هذه الأوقات بهذه الضرورات ولا يلحق بها غيرها.
وإلى هذا يميل أبو الحسن اللخمي (2). وهو مذهب الإصطخري (3) من أصحاب الشافعي.
ولكن الجمهور على خلافه، معولين على قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أدرك ركعة من العصر الحديث"] (4). ...

فصل (هل يحصل انعكاس الأمر بطرء الأعذار)

وقد قدمنا حكم ارتفاع الأعذار.
وهل يحصل 5 انعكاس الأمر بطرء 6 الأعذار؟ أما الحائض فظاهر انعكاس الأمر فيها بأن تكون طاهراً 7 فتحيض أو حائضاً فتطهر.
وكذلك العاقل يجن، والمجنون يفيق، والحاضر1234

يسافر، والمسافر يحضر، والذاكر ينسى.
ويتصور في هذا الطردُ والعكسُ دون غيره، ولا يصح بعد الوقت.
ولا يصح ذلك في الصبي يحتلم ولا ينعكس الأمر في حقه، ولا الكافر يسلم.
وأما الناسي يذكر فيتصور انعكاس الأمر في حقه.
لكن إن نسي بعد ذكره فلا يسقط عنه قضاء الصلاة، بخلاف الطاهر تحيض، والعاقل يفقد عقله.
وما قالوا أيضاً في الطاهر والعاقل يقتضي كونهما مؤديين وإن أخرا الصلاة حتى لو لم يبق إلا [مقدار] 1 ركعة واحدة.
لذلك ما وجبت الصلاة في ذمتيهما متى ظهرت أعذارهما ولو لم يبق إلا مقدار ركعة في حق الصلاة الواحدة أو صلاة كاملة، وركعة في حق الصلاتين جميعاً.
ثم يجري الخلاف في هذين وفي المسافر يقدم والحاضر يسافر إذا بقي لطلوع الفجر أربع ركعات، أو ثلاث ركعات على ما قدمنا من الخلاف في جعل 2 الوقت لآخر الصلاتين أو لأولهما.
ولو أخرت الطاهر مثلاً العصر حتى لم يبق إلا مقدار ركعة واحدة فقامت تصليها، فلما أكملتها وغربت الشمس حاضت قبل إكمال الصلاة، فهل يجب عليها قضاء هذه الصلاة لأنها حاضت بعد 3 وقتها أو لا يجب عليها قضاؤها؟ في ذلك قولان.
ومثار هذا الخلاف في مدرك ركعة من الوقت هل يكون مؤدياً لجميع الصلاة؟ وهو مقتضى سقوط القضاء عنها، أو مؤدياً للركعة وقاضياً للثلاث 4 الواقعة بعد الوقت، وهو مقتضى وجوب القضاء عليها.

...

باب في حكم ستر العورة وخصوصها بالصلاة

(تعريف العورة لغة)

والعورة في اللغة (1) هو ما يحاذر الإنسان التطرق إليه منه، والنظر إليه والتطلع عليه.
قال الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ (2)، ومعنى ذلك ما يحاذر الاطلاع عليه، وهو مقصودنا (3)، وما يحاذر النظر إليه.
والنظر في هذا الباب في ثلاثة أركان: أحدها: [ما هي] (4) العورة؟ والثاني: متى يجب عليه سترها؟ والثالث: في المقدار الساتر لها.

(ما هي العووة؟ وذكر الخلاف في تحديدها)

فأما العورة ما هي؟ فإن المكلفين صنفان: رجال ونساء، والنساء قسمان: أرقاء وحرائر 5. فأما الرجال فاجتمعت الأمة على أن السوأتين منهم عورة، واختلفوا في ما عدا ذلك.
وفي المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: لا عورة إلا ما ذكرناه.
والثاني: العورة من السرة 6 إلى الركبة، والسرة والركبة داخلتان في ذلك.
والثالث: هذا التحديد، ولكن السرة والركبتين غير داخلتين.
ومثار هذا الخلاف اختلاف ظواهر [الآثار] 7 "فأجرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -1234

فرساً 1 حتى بدا فخذه" 2، وكان جالساً بين جماعة من أصحابه وركبته مكشوفة حتى دخل عثمان بن عفان فغطاها، فأعلم أنه استحيت منه ملائكة السماء رضي الله عنه 3، وهذا يدل على أنها ليست بعورة ولكن تغطيتها من باب الأولى.
وقد قال - صلى الله عليه وسلم - 4 لجرهد 5: "غط فخذك فإنه عورة" 6، وهذا نص.
ولكن ذكر البخاري رحمه الله أن سند الحديث الأول أقوى، وهو يحتمل أن يكون بدا منه فخذه - صلى الله عليه وسلم - وهو غير عالم بذلك، ويحتمل الحديث الآخر أن يكون غافلاً عن كشف ركبته حتى دخل عثمان رضي الله عنه فنبهه لذلك.
لكن هذا الاحتمال فيه بعد.
وكان - صلى الله عليه وسلم - شديد التحفظ ومحفوظ من كشف ما لا يسوغ كشفه، ولما كشف عورته في حال الصبا يستعين بذلك على نقل الحجارة لبناء الكعبة سقط إلى الأرض وفتحت 7 عيناه إلى السماء فلم ير بعد ذلك مكشوف العورة.
فهذا يدل على أنه كان محفوظاً مما ذكرناه في تأويل الحديثين المتقدمين.
وبالجملة فمثار الخلاف الترجيح بالنص 8 الذي لا يحتمل التأويل أو

صحة (1) السند.
وبين الأصوليين خلاف في أيهما يقدم.
هذا النظر في الآثار, وأما الاعتبار فالرجوع فيه إلى العوائد؛ فما جرت العادة أنه يستر منه (2) ويحاذر من انكشافه فهو عورة.
فلا شك في المحاذرة من انكشاف السوأتين.
وتختلف العوائد فيما عداهما مما ذكرنا من الخلاف.
ولهذا قال أبو حنيفة: إن العورة على قسمين: مثقلة وهي السوأتان، ومخففة وهي ما عداهما.
مراده أن الإعادة (3) تجب في كشف السوأتين دون ما عداهما.
وروى أبو الوليد الباجي أن المذهب يشير إلى ما قال أبو حنيفة.
وقد قالوا في الرجل يصلي بادي الفخذ أنه يعيد في الوقت في قول، ولو كان بادي السوأتين أعاد أبداً.
وفي الحرة تصلي بادية الشعر أو ظهور القدمين تعيد في الوقت، فإن بدا غير ذلك مما لا تبديه لذوي المحارم أعادت أبداً.
وقالوا في الأمة تصلي بادية الفخذ إنما تعيد في الوقت، بخلاف الرجل فإنه لا يعيد.
وهذا كله يقتضي انقسام العورة إلى ما قاله أبو حنيفة.
وأما الأرقاء فحكمهم حكم الرجال الأحرار ذكوراً كانوا أو نساءً.
وقد ذكرنا حكم الأمة.
وأما ستر الحرائر؛ فيجب عليهن ستر سائر أجسادهن إذ كلهن عورة إلا الوجه والكفين؛ فلا يجب عليهن سترها في مقصودنا، وهو الصلاة.
...

فصل (متى يجب ستر العورة؟)

وأما متى يجب عليه ستر العورة؟ فيجب عن أعين الإنسان بإجماع 4.123

وهل يجب في الخلوة لحرمة الملائكة؟ حكى (1) أبو الحسن اللخمي استحبابه (2). والذي سمعناه في المذاكرات القولين؛ الوجوب والندب.
وقد قال - صلى الله عليه وسلم - "إِياكم وَالتعَرَّيَ فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لاَ يُفَارِقُكُم"، (3)، يعني الملائكة.
ثم قال في آخر الحديث: "فَاستَحْيُوهُمْ وَأَكَرِمُوهُمْ"، هذا أمر.
وبين الأصوليين خلاف في مقتضاه هل الوجوب أو الندب.
وأيضاً فمن أوجب قاس على الإنسان، ومن أسقط الإيجاب رأى أن التزامه من المشقة التي تسقطها الشريعة السمحة.
وأراد أبو الحسن اللخمي أن يجعل المذهب على قولين: هل يجب (4) ستر العورة في الصلاة أو ليس (5) كذلك، إذا كان المصلي في الخلوات حيث لا ناظر (6). وإنما عوَّل على قول من قال من أهل المذهب: من صلى بادي العورة أعاد في الوقت، وليس كما ظنه".
وإنما المذهب على قول واحد في وجوب الستر.
لكن الخلاف في وجوب الإعادة في الوقت، أو فيه وبعده على الخلاف في ستر العورة هل هو من شروط الصحة أم لا؟ فإذا تقرر هذا قلنا: لا يخلو مريد الصلاة من أن يكون عاجزاً عن الستر أو قادراً.

(حكم العاجز عن ستر العورة)

فإن كان عاجزاً فلا يخلو أن يكون بحيث لا آدمي ينظر إليه، أو بحيث ينظر إليه.
وهذا لا يخلو إما أن يكون في ليل أو نهار.
فإن كان123456

عاجزاً أو لا ناظراً صلى على حالته باتفاق ولا يسقط عنه فرض من الفروض إلا ما عجز عنه من ستر العورة.
وهذا 1 حكمه إذا كان في ليل مظلم يأمن النظر إليه.
فإن كان هناك جماعة وأرادوا الجمع جمعوا وتقدمهم إمامهم إن علموا أن الظلام ساتر.
وإن كان الأكمل في الستر أن يصلوا صفاً واحداً صلوا كذلك.
وإن كان النهار أو الليل المقمر والناظر موجود، فإن أمكنهم التباعد حتى يصلوا بموضع لا ينظر بعضهم إلى بعض طلبوا ذلك الموضع، ولا يصلوا جماعة إن خافوا مع الجمع نظر بعضهم إلى عورة بعض.
ولا فرق في هذا بين الرجال والنساء.
وإن جمعهم موضع ولم يمكنهم التباعد، فهل ينتقلون إلى الجلوس والإيماء أو يصلون قياما ويؤمر كل واحد منهم أن يغض بصره؟ هاهنا للمتأخرين قولان.
وسببهما تغليب أحد المكروهين؛ فالقيام والركوع والسجود فرض، والستر عن أعين المخلوقين فرض.
فمن قال يصلون جلوساً إنما رأى ذلك أولى إذ ما انتقل 2 عنه من فروض الصلاة فقد أتى بأبدالها، وهي تقوم مقامها عند الضرورة.
ومن قال يقومون، نظر إلى كثرة المتروك من الفروض.
وأيضاً فيقدروا على الستر بأن يغض كل واحد منهم بصره، فإن لم يفعل أثم الناظر منهم.
وإذا أمرنا العاجز بالصلاة على حاله وافتتح كذلك ثم وجد وهو في الصلاة ما يستر به فهل يتمادى ويعيد؟ أو يقطع ويستأنف؟ قولان في المذهب: التمادي قياساً على طرء الماء في الصلاة في التيمم، والإعادة هاهنا في الوقت.
ويجري على قول 3 أنه لا يعيد قياساً على المتيمم.
والقطع هاهنا إذ لا بدل- بخلاف المتيمم 4 [إذ هناك وجود البدل

يقوم مقام الماء، وفي العورة لم يجزه ذلك إذ لا بدل لها بخلاف الماء] (1) فإنه يرجع فيه إلى البدل (2) وهو ما أتى به من التيمم.
...

[فصل] (3) (القادر يلزمه الستر على كل حال)

وأما القادر فيلزمه الستر، أما إذا كان بحيث لا يأمن النظر إليه فلا شك أنه فرض، وأما إن كان بحيث يأمن ذلك، فقد قدمنا أن المذهب على قولين 4 في فرضيته، وما قاله 5 أبو الحسن اللخمي في ذلك.
وما حكيناه هو رأي أهل التحقيق من البغداديين ومن لقيناه من المشايخ.
وذكر أبو القاسم بن محمد 6 أن المذهب على قولين في ستر العورة: هل هو من فروض الصلاة، أو من سننها.
ومراده أنه إن كان فرضاً فليس يشترط في الصحة 7 على أحد القولين.
وإن أراد ما قاله أبو الحسن فقد بينا ما فيه.
لكن المذهب المشهور أنه لا يلزم إلا ستر العورة خاصة، وغير ذلك شرط في الكمال لا شرط في الإجزاء.
وفي المذهب قول ثان أنه يلزم ستر سائر123

الجسد 1 لقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ 2. وقد اختلف ما المراد بالمساجد هاهنا؟ هل هو ظاهر ما يدل عليه، أو المراد به الصلاة؟ وهذا مقتضى القول الشاذ.
وهذا أمر، وبين الأصوليين خلاف في حمله على الوجوب أو الندب؛ فإن حملناه على الوجوب جاء منه الشاذ.
وإن حملناه على الندب جاء منه المشهور.
وإذا أوجبنا ستر العورة فصلى باديها مع القدرة، هل يعيد أبداً أو في الوقت؟ قولان، وهما على ما حكيناه من الخلاف.
والستر هل هو من شرط صحة الصلاة، أو هو فرضٌ، من تركه أثم لكنه ليس بشرط في صحة الصلاة؟ وقد قدمنا القولين في الرجل يصلي بادي الفخذين هل يعيد في الوقت، أو لا إعادة عليه؟ فأما الإعادة في الوقت فيحتمل أن يكون بناء على أن الفخذين ليسا بعورة ولكنه يعيد مراعاة للخلاف، أو على أنه عورة لكن يقتصر على الإعادة في الوقت مراعاة للخلاف.
وأما ترك الإعادة فيحتمل أن يكون بناء على أن الفخذين ليسا بعورة وهو الظاهر أو على أنه عورة، لكنها عورة خفيفة.
ولا شك أنه يجري فيه قول ثالث بوجوب الإعادة وإن خرج الوقت بناء على أنه عورة على ترك مراعاة الخلاف.
وقد قدمنا أيضاً أن عورة الأمة كهي من الرجل.
وأراد أبو الحسن اللخمي أن يجعل المذهب على قولين: أحدهما: ما قدمناه.
والثاني: وجوب ستر سائر الجسد في الصلاة 3. وعوَّل على ألفاظ وقعت في المدونة منها قوله: "لا تصلي الأمة إلا وعلى جسدها ثوب يستر جميع جسدها" 4، وهذا يحتمل أن يريد به الكمال لا الإجزاء.
ولا شك أن من قال في الرجل يلزمه ستر جميع جسده في الصلاة يكون لزوم ذلك في الأمة أولى وأحرى عنده.

فإن افتتحت الأمة الصلاة على حالها التي تؤمر بها ثم طرأ عليها العلم بالعتق في أثناء الصلاة؛ فلا يخلو العتق الطارئ من أن يكون سابقاً للدخول في الصلاة لكنها إنما علمت (1) في أثنائها، أو يكون غير سابق وإنما وقع حيث علمت به.
فإن سبق لها افتتاح الصلاة فهاهنا قولان: قيل تقطع (2)، وقيل تتمادى.
وسبب الخلاف هل يعد النسخ واجباً من حين البلوغ، فتكون هذه كالمعتقة في أثناء الصلاة؟ أو يعد من حين النزول والوجود، فتكون هذه كالحرة تدخل في الصلاة غير ساترة لما يجب عليها فيلزمها القطع؟ وإن كان العتق غير سابق، وإنما وقع في أثناء الصلاة؛ فإن قلنا تتمادى في الصلاة في المسألة الأولى (3) فأحرى أن تتمادى هاهنا؛ لأنها دخلت في الصلاة بوجه جائز وهي أمة حقيقة في الظاهر والباطن، وإن قلنا تقطع [في] (4) تلك، ففي هذه قولان: هل تقطع، أو تتمادى؟ وسبب الخلاف هل كل جزء من الصلاة قائم بنفسه، أو أولها موقوف على كمالها؟ وإذا قلنا في الصورتين: تتمادى، فذلك ظاهر إذا وجدت ما تستر به في الصلاة، فإن لم تجد فهاهنا قولان: أحدهما: أنها تتمادى لدخولها (5) بوجه جائز قياساً على المتيمم يطرأ عليه الماء في أثناء الصلاة، والثاني: أنها تقطع مراعاة للأجزاء الباقية، والمتيمم معه بدل فهاهنا لا بدل.
...

فصل (حكم من انكشفت عورته في الصلاة)

وينخرط في هذا السلك لو انكشفت عورة المصلي في الصلاة؛ فإن ترك الستر وهو قادر عليه كان كمفتتح الصلاة بادي العورة، وإن تستر في12345

الحال فهاهنا قولان: أحدهما: [وجوب] (1) القطع نظراً إلى الحالة التي انكشفت فيها العورة.
وهذا لما قدمناه في ذكر النجاسة في الصلاة.
والثاني: التمادي، نظراً إلى كونه معذوراً (2) في حال كشف عورته.
ووقع لسحنون في هذه المسألة بطلان صلاة من نظر إلى عورة المنكشف.
فاعترضه الأشياخ فقالوا: يلزم على قياس قوله: أن تبطل (3) صلاة كل من عصى في حال صلاته.
فلا يبعد أن يلزم ذلك سحنون متى تصورت المعصية في أثناء الصلاة.

...

فصل (المقدار الساتر للعورة)

وأما المقدار الساتر فله صفتان: صفة إجزاء وصفة كمال؛ فأما صفة الإجزاء فقد تقدم حكمها، وأن المذهب على قولين: أحدهما: وجوب ستر العورة لا غير، والثاني: وجوب ستر سائر الجسد في حق من جسده غير عورة.
ومن 4 صفة الساتر أن يكون صفيقاً [كثيفاً] 5 بحيث لا يشف ولا يصف.
وإن كان خفيفا يشف فإنه كالعدم مع الانفراد، وإن كان خفيفاً بحيث يصف ولا يشف فهو مكروه، ولا يؤدي إلى بطلان الصلاة.
وقد كره مالك رحمه الله الصلاة بالسراويل منفرداً 6 وخصه بالكراهة دون الإزار.
وقيل في وجه الكراهية إنه من لباس الأعاجم.
والظاهر أن مراده بذلك أنه123

يصف، وإلا فقد صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جبة شامية ضيقة الأكمام، وهي من لباس الأعاجم 1. وأما صفة الكمال فأن يأخذ الإنسان الهيئة المعتادة من كمال الزي.
وكره مالك رحمه الله للأئمة الصلاة بغير رداء، والرداء مستحب في غير 2 الأئمة إذا كان ذلك زيهم المعتاد.
ومن الكمال حل الشعر إن كان معقوصا 3، وإرسال الثياب إن كانت مشمرة.
ويكره كفت 4 الشعر والثوب لأجل الصلاة- والكفت هي التشمر 5 - لكن إن شُمَّرت الثياب وسُتِر 6 الشعر لأنه من الزي المعتاد عندهم، أو الحالة 7 التي أدركته الصلاة عليها، فلا يكره ذلك.
والإكمال إرسال 8 الثياب والشعر كما قدمناه، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء ولا أكفت 9 شعراً ولا ثوباً" 10.

وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن الصلاة والشعر معقوص 1. وقيل في هذا: إن الشعر يسجد 2. والإشارة بذلك [إلى] 3 الاسترسال وملاقاة محل الصلاة بما يكره الإنسان من شعر وثوب؛ لأن في سترهما 4 رفاهية وكبرا عن ملاقاة محلَّ السجود بهما، وأيضاً ففعل ذلك خروج عن حالة المتذلل الخاضع.
ومن صفات الكمال إبراز اليدين حتى يلاقي بهما محل السجود.
وفي الحديث النهي عن اشتمال الصَّماء 5. وصورتها أن يشتمل بالثوب الواحد من غير أن يبرز يديه للسجود أو غيره، وهي مكروهة بالاتفاق لو 6 لم يكن عليه إزار يستر به عورته، فإن كان عليه إزار حتى يمكنه إبداء يديه من تحت ثوبه في حين السجود ففيه قولان: الكراهية والجواز.
والكراهية لعموم النهي، والجواز لقدرته على إبراز اليدين.
ولا يقدر على ذلك من ليس عليه إزار؛ لأنه إن فعل ذلك بدت عورته.
وعلل النهي عن اشتمال الصماء بوجهين: أحدهما: ما أشرنا إليه من ستر اليدين عند السجود، والثاني: لأنه قد يعرض للإنسان ما يفتقر إلى مدافعته بيديه ولا يمكنه ذلك مع سترهما.
وعلى هذا التعليل يكره اشتمال الصماء في الصلاة وفي غيرها.
ولو بدت أحد اليدين لكان مكروهاً أيضاً، وهو من باب الاشتمال.
فالأكمل 7 إذا لم يكن على المصلي سوى ثوب أن 8 يتوشح به ويعقده على صدره إن افتقر

إلى عقده.
وقد صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذلك بهذه الصفة التي تسمى في العرف حراثية (1) وبالله التوفيق.
...

باب في حكم المسبوق وقضائه بعد إكمال إمامه

وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون (2) وأتوها وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" (3)، وفي طريق آخر: "وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا" (4). وقوله: "فَأَتِمُّوا" يقتضي ظاهره أن ما أدرك أول صلاته وأن الذي يقضي هو آخرها، ويحتمل أن يريد بالتمام إكمال الصلاة فلا يكون فيه دليل على أن الذي يأتي به بعد سلام الإمام هو آخرها.
وقوله: "فَاقضُوا" يقتضي ظاهره أن ما أدرك هو آخر الصلاة، وما يأتي به هو أولها.
ويحتمل أن يعبر بالقضاء عن التمام والوفاء كما تقول: قضيت الحج وقضيت الدين إذا أديت ووفيت.

(اختلاف المذهب في المدرَك هل هو أول الصلاة أم آخرها)

وإذا تقرر هذا قلنا بعده؛ اختلف المتأخرون في مقتضى المذهب على ثلاثة طرق: أحدها: أن المذهب كله على قول واحد، وهو البناء في الأفعال والقضاء في الأقوال.
وإذا أرادوا حكمه في القراءة قالوا: إن الذي أدرك هو آخر صلاته ويقضي ما فاته على نحو ما فاته.
فإذا أرادوا حكمه في الجلوس قالوا: إن الذي أدرك هو أول صلاته فيكون مؤديا.
وهذا معنى1234

ما وقع في المذهب من اختلاف الألفاظ وهي طريقة أبي محمد بن أبي زيد وجل المتأخرين.
والثانية: أن المذهب على قولين في القراءة خاصة وعلى قول واحد في الجلوس.
وعلى أحد القولين أن ما أدركه آخرُ صلاته، ويقضي ما فاته على نحو ما فاته في 1 القراءة.
والقول الثاني: إن ما أدرك هو أول صلاته ويقرأ فيما يأتي بعد سلام الإمام على نحو ما كان يقرأ مع إمامه لو كان حاضرا.
وهذه طريقة بعض القرويين.
والطريقة الثالثة: أن المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه بان في الأقوال والأفعال فيكون ما أدركه هو أول صلاته، وما يأتي به بعد سلام الإمام وهو آخرها.
والثاني: أنه قاض فيهما، فيكون ما أدرك فهو آخر 2 صلاته، وما يأتي به فهو [أولها] 3. والثالث: أنه قاض في القراءة بان في الأفعال كما قاله في المدونة وفي غيرها من الكتب المشهورة، فهذه طريقة أبي الحسن اللخمي 4. فأما الأولون فاعتمدوا على ما في المدونة والكتب المشهورة من أن المدرك لركعة 5 من الصلاة الرباعية إذا سلم الإمام قام وأتى بركعة بأم القرآن [وسورة ثم يجلس ثم يقوم ويأتي بركعة بأم القرآن وسورة] 6، ولا يجلس.
ثم يقوم ويأتي بركعة بأم القرآن وحدها خاصة ويجلس ويسلم.
فقد جعله بان في حكم الجلوس، فجعل ما أدرك أول صلاته، وقاض في حكم القراءة، وجعل ما أدرك في ذلك آخر صلاته.
وأما من جعل المذهب على قولين فيعتمد على نص الخلاف فيمن

فاتته سجدة مع الإمام حتى وجب عليه قضاء ركعة وكانت الأولى أو الثانية.
فإن أصحاب مالك اختلفوا فيما يأتي به من تلك الركعة هل يقرأ فيها بأم القرآن خاصة.
وهذا يقتضي أنه بان، أو بأم القرآن وسورة وهذا يقتضي أنه قاض.
ولا فرق عند هؤلاء بين هذا وبين المسبوق لتساويهما في وجوب القضاء بعد سلام الإمام.
وقد فرق 1 الأولون بين المسألتين بأن هذا التارك للسجدة 2 قرأ بأم القرآن وسورة مع الإمام أو حضر قراءتها، فلا يعيد إلا المقدار الواجب خاصة في قول 3، وهي أم القرآن.
والمسبوق لم يقرأ ولم يحضر [القراءة] 4. فأمر بتلافي ما فاته من القراءة.
وأما أبو الحسن اللخمي فاعتمد على ألفاظ وقعت في المذهب؛ منها قول القاضي أبي محمد عبد الوهاب في تلقينه ما أدرك هو آخر صلاته وما يأتي به هو أولها، 5 وحكى في الإشراف قولين هذا أحدهما، والقول الثاني أن ما أدرك هو أول صلاته وما فاته هو آخرها.
فأما ما احتج به مما 6 في التلقين فلا حجة فيه لأنه في المدونة قال: ما أدرك هو أول 7 صلاته، إلا أنه يقضي بمثل الذي فاته.
وقد جعل ما أدرك أول الصلاة، وإنما يريد في حكم الجلوس، وجعل يقضي مثل الذي فاته، فإنه يريد 8 في القراءة.
وأما ما احتج به من القولين اللذين في "الإشراف" فيحتمل أن يكون في القراءة خاصة، ويكون ذلك حجة من جعل المذهب على قولين.
لكن

هذه المسألة نزلت قديماً فطال بحثنا (1) عن روايات المذهب فيها، وخالفني بعض أشياخي ودافع ما قاله (2) أبو الحسن كل المدافعة.
وإنما اعتمدت له على أن ما قاله القياس، إذا لا بالروايات (3). فأخرجت من كتاب "الإملاء" لابن سحنون أن من أدرك ركعة من المغرب يقوم فيأتي بركعتين بأم القرآن وسورة في كل واحدة منهما يجهر بالقراءة ولا يجلس بينهما، وهذا نص في صحة طريقة أبي الحسن اللخمي إذ جعل في هذه الرواية أن ما أدرك آخر صلاته في القراءة والجلوس جميعاً.
ولم يكن عند من خالفني (4) في هذه المسألة أكثر من قوله لبعض تلامذته (5): الكتب لا تقوم بأنفسها.
والمشكل في هذه المسألة مذهب المدونة في تفريقه بين الأقوال والأفعال، ولا يتخرج له معنى إلا أن يقال إن ما أدرك هو أول صلاته حقيقة، فلهذا يبني عليه [في] (6) الجلوس.
لكنه يزيد فيما يأتي به بسورة مع أم القرآن، إذ لا تفسد الصلاة ولا ينقص كمالها بزيادة السورة، بل ينقص الكمال (7) نقصها.
فيأتي بالسورة ليتلافى ما فاته من الكمال.
وقد قدمنا في باب الرعاف حكم اجتماع القضاء والبناء وتفصيل ذلك مستوفى (8). ...

[فصل] (9) (هل يقوم المسبوق بتكبيرة أو بغير تكبيرة)

والنظر في هذا الباب هل يقوم المسبوق بتكبير أو بغير تكبير؟ أما123456789

كل من حصل له ركعتان مع الإمام فإن جلوسه 1 في موضع الجلوس، فيقوم بتكبير.
وإن حصل له أقل من ركعتين أو أكثر 2 فها هنا جلس 3 في غير موضع جلوسه.
وفي قيامه بالتكبير قولان: المشهور أنه يقوم بغير تكبير؛ لأنه ليس موضع جلوسه 4 وإنما جلس لئلا يخالف الإمام.
والشاذ أنه يقوم بتكبير؛ لأن التكبير 5 جعل متى وجب حركة من ركن إلى ركن فها هنا قد وجب 6. وقد استقرأه بعض أشياخي 7 من المدونة [في قوله] 8 فيمن أدرك الإمام في التشهد الآخر أنه يقوم بتكبير، وهو في جلوسه تابع للإمام وليس بجلوس [له] 9 كما قال حيث قال: موضع جلوس [له] 10.

...

باب في أحكام النوافل

(صفة النوافل)

والنظر في هذا الباب في فصلين: أحدهما: في صفة النوافل، والثاني: أوقاتها.
وأما صفاتها فمنها العدد.

(عدد النوافل)

والنوافل عندنا ركعتان ولا مزيد عليها في ليل ولا نهار، فإن زاد ثالثة في نهار فلا خلاف في المذهب نعرفه أنه يؤمر بإكمال الرابعة.
وهذا إذا انعقدت له الثالثة على اختلاف في عقدها هل هو وضع اليدين على الركبتين أو رفع الرأس من الركوع؟ وإذا أكمل فإنه يسجد لسهوه إذا زاد سهواً.
ومتى يكون السجود؟ ففيه قولان: أحدهما: أن يكون قبل السلام لنقصه التسليم بعد الاثنين.
والثاني: أنه بعد السلام لزيادة ركعتين 1، وسيأتي بيانه في باب السهو.
وإن كانت الزيادة في ليل فهل يكمل الرابعة؟ قولان: المشهور 2 أنه يكملها مراعاة للخلاف، إذ من المخالفين من يقول إن النافلة أربع ركعات في الليل والنهار، وهو قول مشهور.
والشاذ أنه لا يكملها لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى" 3. وهذا القول يقتضي كون الشاذ في الدليل لا يراعي القول المشهور في نفسه وهو في مقابلة الحديث فالتفت هذا إلى الحديث لا إلى شهرة 4 القول.
ولو زاد على أربع ركعات ركعة أخرى أو أكثر من ذلك؛ فإنه يرجع

فصول الكتاب · 12 فصل · 967 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العبادات · 967 صفحة
المقدمة
كتاب التنبيه على مبادئ التوجيه،
كتاب الجامع
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الصلاة الأول
فصل (إذا أقيمت صلاة غير المغرب)فصل (لا إعادة لمن صلى في جماعة)(حكم من صلى معه صبي أو صلى بأهله)فصل (لا يقتدي مفترض بمتنفل)باب في تكرار الجمع في المسجد الواحدفصل (للأئمة حرمة يلزم مراعاتها)باب في المواضع التي تكره فيها الصلاة(حكم الصلاة في المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق)(حكم الصلاة في المقبرة)(حكم الصلاة في الحمام)فصل (في الصلاة فوق الكعبة وفي جوفها)فصل (حكم من صلى إلى غير قبلة)(كيفية الاجتهاد في معرفة القبلة)فصل (حكم من أعاد الصلاة ولم يتيقن بالجهة)باب فى حكم وقت الضرورة وما يتعلق به من النظر في صلاة أهل (1) الأعذار[فصل] (1) (أصحاب الأعذار الخمسة)فصل (متى يجب على الحائض قضاء الصلاة)[فصل] (4) (تعويل أصحاب الأعذار على التقدير)فصل (هل يُبْتَدَأ بالحاضرة أو المنسية عند ضيق الوقت)فصل (حكم المسافر يقدم والحاضر يسافر)فصل (هل يحصل انعكاس الأمر بطرء الأعذار)باب في حكم ستر العورة وخصوصها بالصلاة(تعريف العورة لغة)(ما هي العووة؟ وذكر الخلاف في تحديدها)فصل (متى يجب ستر العورة؟)(حكم العاجز عن ستر العورة)[فصل] (3) (القادر يلزمه الستر على كل حال)فصل (حكم من انكشفت عورته في الصلاة)فصل (المقدار الساتر للعورة)باب في حكم المسبوق وقضائه بعد إكمال إمامه(اختلاف المذهب في المدرَك هل هو أول الصلاة أم آخرها)[فصل] (9) (هل يقوم المسبوق بتكبيرة أو بغير تكبيرة)باب في أحكام النوافل(صفة النوافل)(عدد النوافل)
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الجنائز
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة
كتاب الزكاة الثاني
جارٍ التحميل