بالثلاث والرابعة لا يقين بها، فعليه أن يأتي بها.
ومتى يكون سجوده؟ المشهور أنه بعد السلام لأنه بين أمرين، إما عدم الزيادة، وإما وجودها.
ولا نقص بوجه.
والشاذ أنه قبل السلام، وهذا لما روي في الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - قال في مثل هذا:"أن يسجد سجدتين قبل أن يسلم" (1)، وقد تأول ذلك على أنه أشار إلى سجود الصلاة، أو على أنه أشار إلى السلام من السجدتين.
والتأويلان بعيدان، ولا معنى لتخصيص الأمر بسجود الصلاة، لأن ذلك معلوم من الشريعة (2).والسجود لا يكون إلا قبل السلام منه فلا معنى لهذا التأويل إلا على بعد ولسنا له.
ويحتمل أن يقال هذا نقص معنوي في حال المصلي فقدر كنقص للفعل أو القول، فكان السجود فيه قبل السلام.
(عدم وجوب اتباع الإمام إذا قام للركعة الخامسة)
وإذا قام إلى الخامسة 3 فإنه يرجع متى ذكر بلا خلاف ويسجد بعد السلام عندنا.
وإن كان إماماً فاختلف حال المقتدين به، فجلس قوم ولم يتبعوه، واتبعه آخرون لكن منهم من اتبعه سهواً، ومنهم من اتبعه عمداً.
أما من جلس فصلاته صحيحة وكذلك من اتبعه سهواً وأما من اتبعه عمداً فإن علم أنه لا يجوز له اتباعه بطلت صلاته.
فإن جهل فظن أنه يلزمه اتباعه ففي بطلان صلاته قولان.
وهما على الخلاف في الجاهل هل هو كالعامد أو كالناسي؟
ولو قال الإمام إنما قمت لأني نسيت من إحدى الركعات الأولى سجدة مثلاً؛ فأما من جلس فلا يخلو من أن يوقن بصحة صلاتهم وصلاة إمامهم، وما قال من 4 إسقاط السجدة باطل، أو يوقنوا بصحة صلاتهم دون صلاة إمامهم، أو يشكوا؛ فإن أيقنوا بصحة صلاتهم وصلاة إمامهم لم12
يلزمهم اتباعه وكانت صلاتهم صحيحة.
فإن 1 كانوا ممن يقع بخبرهم العلم الضروري وجب على الإمام اتباعهم، ويرجع إليهم ولا يعول على يقينه.
وإن كان عنده أنه أيقن بإسقاط السجدة، فإن يقينه هاهنا محال.
وإن كان من لايقع العلم بخبرهم بني على ما تيقنه على ما قدمناه.
وإن أيقنوا بصحة صلاتهم دون صلاة إمامهم فهل يلزمهم اتباعه فيما يقضيه ويكون ما أتوا به من السعير مغن عنهم؟ في المذهب قولان: أحدهما: اكتفاؤهم بصحة صلاتهم لأنهم إنما يلزمهم الاقتداء ما دام مكملاً لصلاتهم، فإن أخلَّ وأكملوا اقتدوا 2 بأنفسهم.
والثاني: أن جميعهم في حكم المصلي الواحد وهم تبع لإمامهم؛ فإذا أخلَّ تعدى الإخلال إليهم.
وإن شكوا في صلاتهم وصلاة إمامهم لزمهم اتباعه ثم النظر في بطلان صلاتهم وصحتها فكل موضع لا يلزم فيه اتباع الإمام تصح فيه صلاتهم، وكل موضع يلزمهم فيه اتباعه فالمنصوص أنه لا تصح صلاتهم.
وقال أبو الحسن اللخمي: تصح صلاتهم لأنهم معذورون في ترك الإتباع 3. وقد يجري الخلاف في هذه المسألة على ما قدمناه 4 في حكم المتبعين 5 في الخامسة على جهة التأويل هل تصح [صلاتهم] 6 أم لا؟
وأما من اتبعه عمداً، فإن علم بإسقاطه واتبعه على ذلك فلا شك في صحة صلاته.
ومتى لم يعلم بإسقاطه [واتبعه على ذلك، فإن شك] 7 أو قصد إلى العمد في الاتباع فيجري على الخلاف فيمن تعمد زيادة في صلاته فانكشف وجوب تلك الزيادة عليه لإخلاله بشيء مما تقدم، وفي ذلك قولان.
أما من اتبعه سهواً فتصح صلاته، وهل يلزمه قضاء ركعة متى لزمه حكم ما أسقطه الإمام من السجود؟ في ذلك قولان: أحدهما: أن هذه الركعة التى اتبع فيها الإمام سهواً تنوب له عما يلزمه من القضاء.
والثاني: أنه لا تنوب له.
وهو على الخلاف فيمن ظن أنه أكمل فأتى بركعتين نافلتين، فذكر أيضًا أنه إنما صلى ركعتين في نيابة هذه النافلة عما وجب عليه، قولان وقد تقدما.
وإذا وجب على الإمام الإتيان بهذه الخامسة لأنه أسقط سجودها (1) كما قال، وكان من المقتدين مسبوق فاتبعه، هل تنوب له عن ركعة مما سبق به؟ قولان: أحدهما: أنه لا تنوب، فهذا بناء على أن الإمام في هذه (2) الركعة قاض.
والثاني: أنه تنوب له، وهذا بناء على أنه يكون بانياً فهي آخر صلاته، فتجزي المسبوق لأنه واجب عليه الاقتداء به فيها.
...
فصل (صفة العود إلى تلافي الركوع والسجود إذا نسيهما)
وقد قدمنا حكم من نسي الركوع والسجود، ومتى يعود إلى تلافيهما، ومتى لا يعود.
نذكر هاهنا صفة عوده.
فإن نسي الركوع فهل يعود إلى القيام، أو يعود إلى حال الركوع؟ في المذهب قولان.
وهما على الخلاف في الحركات إلى الأركان هل هي مقصودة فيعود إلى القيام حتى يركع منه، أو غير مقصودة فيعود إلى حال الركوع؟
ولو نسي السجود فأين يعود؟ في المذهب قولان: قيل إلى القيام حتى ينحط منه إلى السجود كما كان يفعل لو لم ينسه، وقيل إلى حالة السجود.
وهما على ما قدمناه من الخلاف في الحركة إلى الأركان هل هي مقصودة12
أم لا؟ ومن هذا القبيل أن ينسى السجدة الثانية فهل يعود إلى الجلوس حتى ينحط (1) منه إلى السجود؟ قولان.
وهما على ما تقدم.
وإذا قلنا في ناسي الركوع إنه يرجع إلى القيام، فهل يؤمر بالقراءة؟ لا خلاف أنه لا يؤمر بها على جهة الوجوب لأنه قد أكملها.
وهل يستحب له؟ في المذهب قولان: الاستحباب، وهذا يتخرج من الخلاف بأن يأتي بالركعة من أولها.
ونفي الاستحباب لما قلناه من تقدم القراءة.
...
فصل (فيمن نسي التشهد الآخر)
وقد تقدم أن التشهد الآخر سنة، وهذا هو المعروف من المذهب.
وفي المبسوط: من تركه حتى انتقض وضوءه بطلت صلاته.
ولم يفصل هل تركه ساهيًا أو عامدًا.
فإن كان مراده العامد، فهو على أحد القولين فيمن ترك السنن عامداً هل تبطل صلاته أم لا؟ فإن حملناه 2 على إطلاقه فهو قول ثان في أن التشهد الآخر فرض، وإذا قلنا إنه سنة فهل يسجد تاركه؟ قولان.
وهما على ما قدمناه في ترك الأقوال.
لكن هذا إنما يؤمر بالسجود إذا أسقطه جملة، وأما لو أتى باليسير من الذكر لم يلزمه السجود.
وإذا قلنا إنه فرض فإنه يعود إليه.
وهل يعود بتكبير؟ 3 يجري على ما تقدم في العودة إلى إصلاح الفرض 4. وهل تبطل صلاته مع الطول؟ يجري على ما قدمناه من القولين.
ولو نسي السلام لكان الحكم في الرجوع إليه على ما قدمناه في الرجوع إلى إصلاح الصلاة من لزوم الإحرام وعدمه.1
وهل يحرم (1) قائماً أم لا؟ وهل يعود (2) مع الطول أم لا؟ ...
فصل (حمل الإمام لسهو المأموم)
ولا خلاف أن الإمام يحمل سهو المأموم، ولهذا يلزمه 3 حكم سهو الإمام ولو لم يسه معه أو لم يحضر سهوه بأن يكون مسبوقاً.
والمسبوق يسجد سجود إمامه إن كان قبل السلام، وأما إن كان بعد السلام فلا يسجد معه.
وخيَّره مالك في المدونة أن يجلس حتى يسلم إمامه من سجدتي السهو، أو يقوم عند سلامه من الصلاة.
واستحب ابن القاسم أن يقوم, لأن الصلاة قد انقضت بسلامه منها 4.
وإذا سجد معه [لأن السجود] 5 قبل السلام، ثم سها المأموم فيما يقضيه فهل يلزمه السجود لسهوه أم لا؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه لا يلزمه فيما يقضيه لأنه تنسحب عليه أحكام الإمام، والثاني: أن يسجد لأنه منفرد.
ولعلَّ هذا يجري على الخلاف فيما يأتي به هل يكون فيه قاضيًا فيكون حكم الإمام منسحبا عليه، أو بانيا فيكون كالمنفرد؟ وإذا كانت سجدتا الإمام بعد السلام ولم يسجدهما معه ثم سها المأموم سهواً بزيادة، فإن سجدتين تجزيان عنه.
وإن سها بنقص فالمنصوص من المذهب أنه يسجد بعد السلام تغليبا لحكم الإمام.
وإذا قلنا إن له حكم المنفرد فيما يقضيه وجب عليه أن يسجد قبل, لأنه قد اجتمع عليه زيادة وهي ما لزمه من حكم الإمام، ونقص وهو ما طرأ له في نفسه.
...12
فصل (حكم من لم يذكر السجود القبلي حتى دخل في صلاة أخرى)
وقد تقدم حكم من ترك السجود قبل السلام فلم يذكر حتى دخل في صلاة [أخرى] 1، فإن ذلك يجري على الخلاف فيمن ترك السجود [قبل] 2 هل تبطل صلاته أم لا؟ وإذا قلنا الإبطال كان بمنزلة من ذكر [صلاة في صلاة.
وإذا قلنا بعدم الإبطال كان بمنزلة من ذكر] 3 بعض الصلاة وهو متلبس بصلاة أخرى.
وإذا كان كذلك فلا يخلو أن تكون الصلاتان فرضاً أو نفلاً، أو إحداهما نفلاً والأخرى فرضاً.
فإن كانتا جميعًا فرضاً، فإن لم يطل في الثانية رجع إلى إصلاح الأولى.
ومأخذ الطول في ذلك أربعة أقوال: أحدها: أنه يعتبر بما يعد طولاً، فإن أطال القراءة بطلت الأولى.
والثاني: أنه معتبر بعقد الركعة من الصلاة الثانية.
وأما عقد الركعة يجري على القولين المتقدمين.
والثالث: أنه يرجع وإن عقد ركعة وأتمها إذا اختصرها، وهذا كله يرجع إلى القول الأول.
والرابع 4: أنه يعود إلى إصلاح الصلاة الأولى ولو عقد ثلاث ركعات مثلاً.
وهذا القول الآخر- بناء على ما قدمناه من الطول- لا يمنع من إصلاح الصلاة التي أخلَّ منها بشيء.
والثلاثة المتقدمة متقاربة المعنى، وإنما مقصودها أنه إذا طال لم يرجع إلى الأولى لبطلانها.
فهل 5 يبتدئ بها [أم لا؟ يجري على ما تقدم في ذاكر صلاة في صلاة] 6. وإن لم يطل بني على ما تقدم له منها.
واختلفوا في مقدار الطول كما قدمنا.
وإن ذكر ذلك من نافلة وهو في نافلة؟ فإن طال تمادى على نافلته، وإن لم يطل فهل يرجع إلى الأولى أو يتمادى على هذه؟ قولان: أحدهما: أنه يرجع لوجوب الأولى بالدخول فيها وهي كالفرض.
والثاني: أنه لا يرجع لأن هذه الثانية تنوب عنها.
وإن ذكر ذلك من فرض وهو في نافلة؟ فقولان منصوصان: أحدهما: أنه بالإحرام للنافلة بطلت الأولى.
والثاني: عكسه، وأنه يرجع إلى إصلاح الأولى ولو صلى ست ركعات مثلاً، فرأى في الأول أن النافلة مضادة للفريضة، وأذا أحرم فيها بطلت الفريضة.
ورأى في القول الثاني أنه يرجع إلى إصلاح الفريضة وإن طال وبنى على القول الشاذ.
وإن ذكر ذلك من نافلة وهو في فريضة؛ فإن كان بعد أن طال تمادى على فريضته وقد بطلت النافلة، وإن كان لم يطل فهل يرجع إلى النافلة؟ قولان: أحدهما: أنه يرجع للزومها بالدخول فيها، والثاني: أنه يتمادى على فريضته لتأكيدها بالفرضية.
وقد قدمنا فيمن صلى النافلة أربعاً هل يكون سجوده قبل السلام أو بعده؟ وكذلك الخلاف أيضًا فيمن صلاها خامسة.
فمن نظر إلى أنه نقص السلام من الركعتين أو الجلوس إذا لم يأت به جعله قبل.
ومن عوَّل على مذهب نفسه ورأى أن كل ما أتى به بعد الركعتين زيادة قال: يسجد بعد السلام.
وقد استوفينا كثيرًا من أحكام السهو ولا يشذ عنه إلا نوادر الصور.
ومن حقق الأصول التي قدمنا لم يشذ عنه شيء من هذا الباب.
...
باب في أحكام الاستخلاف
وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه "ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم فتقدم أبو بكر رضي الله عنه وصلى بالناس، فوصل النبي-صلى الله عليه وسلم-وهو في الصلاة، وتأخر أبو بكر، وأشار إليه النبي-صلى الله عليه وسلم- أن أثبت مكانك، فلم يثبت"
الحديث كما ورد 1. وجعل هذا أصلاً في أن الإمام له أن يستخلف إذا طرأ عليه ما يمنعه الإتمام.
وهذا من خصائص الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذ له من الفضل ما لا نسبة بينه وبين أبي بكر رضي الله عنه.
فكان التقدم 2 بين يديه لا يصح، فصار أبو بكر مضطرًا إلى التأخر كالإمام إذا طرأ عليه ما يمنعه من إتمام الصلاة.
وهذا إما أن يكون أبو بكر اعتقده، وإما أن يكون لأن الأولى ذلك لا الأوجب، إذ ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى مقتدياً بعبد الرحمن بن عوف 3 وقد اختلف الناس في صلاته - صلى الله عليه وسلم - في مرضه هل كان أبو بكر رضي الله عنه هو الإمام؟ أو خرج عن الإمامة فصار النبي-صلى الله عليه وسلم- هو الإمام 4؟ فتكون هذه
القصة والقصة (1) الأولى سواء.
ومن جهة المعنى إن الإمام استحق رتبة المتقدم، فإذا طرأ عليه ما يمنعه التمادي (2) كان له أن يستخلف من ينوب عنه.
والمقتدون قد دخلوا على الصلاة (3) في جماعة، وإن لم تحصل لهم بالإمام الأول صح تحصيلها بإمام غيره.
فإذا تقرر هذا قلنا (4) أحكام هذا الباب تنحصر في ثلاثة فصول: أحدها: من يجوز استخلافه؛ والثاني: ما يفعله المستخلف؛ والثالث: حكم قضاء المستخلف إذا كان مسبوقاً [ببعض الصلاة] (5) من المقتدين.
...
فصل (من يجوز استخلافه؟)
فأما من يجوز استخلافه؟ فكل من صحت إمامته ابتداء جاز أن يستخلف، وذلك 6 إن انسحب عليه حكم الإمام قبل أن يطرأ على الإمام ما يمنعه التمادي 7. [وهذا احتراز من أن يكون إنسانًا مسبوقاً فيُحرِم بعد أن طرأ على الإمام ما يمنعه التمادي] 8، فهذا لا يجوز استخلافه لأنه لم12345 = يُوسُفَ مُرُوا أَبا بَكرِ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاس فَخَرَجَ أَبُو بَكْر فَصَلَّى فَوَجَدَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ نَفسِهِ خِفَّةَ فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ كأَنَّي أنْظُرُ رِجْلَيْهِ تَخُطَّانِ مِنَ الْوَجَع فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَتأَخَّرَ فَأوْمَأَ إِلَيهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ مَكَانَكَ ثُمَّ أُتيَ بِهِ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِه".
ينسحب عليه حكم الإمام.
فإذا استخلفه صار المقتدون به كأنهم أحرموا قبل إمامهم.
وينخرط في سلكه أن يسبقه الإمام بالركوع ثم يدخل معه فيطرأ على الإمام ما يمنعه التمادي، فلا يجوز استخلافه لأن هذا السجود الذي يأتي به في ابتداء أمره لا يعتد به.
والمقتدون يعتدون به فيصير كالمتنفل بالمفترض.
والمشهور من المذهب لا يجزيهم، وقيل يجزيهم.
وقد قدمنا ما فيه من الخلاف المستقرى، ويمكن تخريج هذا عليه.
(كيف يتم الاستخلاف؟)
والطارئ على الإمام إما أن يمنعه الإمامة خاصة، أو يمنعه التمادي على الصلاة جملة.
والمانع من الإمامة هو تقصيره عن فرض من الفروض، كمن عجز عن القيام مثلاً.
والمانع من التمادي جملة هو غلبة الحدث، أو الرعاف.
فيؤمر حينئذ بأن يستخلف.
والأولى أن يستخلف بالإشارة، وإن تكلم لم تصح صلاته وصح استخلافه, لأنه بالطارئ قد خرج عن أن يكون إمامًا.
والأولى أن يستخلف من يقرب من موضعه منه، لئلا يكون المستخلف إن حل في 1 محل الإمام يعمل عملاً كثيراً في الصلاة.
فإن استخلف من بَعُدَ، أتم الصلاة في موضعه.
ولو طرأ على الإمام ما يقتضي الاستخلاف وهو في حالة الركوع أو حالة السجود، فهل يستخلف على تلك الحالة أو بعد أن يرفع رأسه؟ في المذهب قولان.
وإذا قلنا إنه يستخلف بعد الرفع فإنه يرفع غير مكبر لئلا يرفعوا برفعه فيكونون مقتدين به 2، وهو ممن لا يصح الاقتداء به في هذه الحالة.
ولو فعل 3 فاقتدوا به لجرى على الخلاف في الحركة إلى الأركان، هل هي مقصودة فتبطل صلاتهم، أو غير مقصودة فلا تبطل؟
(ما الحكم إذا لم يستخلف الإمام؟)
فإن خرج الإمام ولم يستخلف، أمروا بأن يستخلفوا من يُتِم بهم، فإن لم يفعلوا وأتموا وحداناً فلا يخلو أن تكون الجمعة أو غيرها؛ فإن كانت جمعة بطلت الصلاة على المشهور سواء عقدوا مع الإمام ركعة أم لا، ولا تبطل على الشاذ وأن عقدوا ركعة.
وهذا على الخلاف في أحكام الجمعة وشروطها؛ هل يلزم في جميع أجزاء الصلاة، أو يجزي حصولها في ركعة منها؟ وسيأتي هنا مستوعباً (1) إن شاء الله.
[وإن كانت غير الجمعة فالمنصوص صحة صلاتهم، وقد أساءوا.
وكذلك إن استخلف قوم واحداً منهم، فأتم الباقون أو واحد من الجماعة وحداناً تصح صلاتهم على المشهور.
وقال محمد بن عبد الحكم: من لزمه أن يتم صلاته في جماعة فأتم فذا بطلت صلاته] (2).وقد أخذ من هذا أبو الوليد الباجي وأبو الحسن اللخمي بطلان صلاتهم إذا لم يستخلفوا بإمام، وبطلان صلاة من أتم فذاً (3). ويحتمل أن يريد من يخرج عن إمامة الإمام الأول والمستخلف بعد أن أقتدوا به.
وأنما أراد التشبيه على قول الشافعية أن للمأموم الخروج عن الاقتداء.
فإذا احتمل ذلك لم يلزم [منه] (4) الاستقراء.
(ما الحكم إذا استخلف الإمام إنساناً فتقدم غيره؟)
ولو استخلف الإمام إنساناً فتقدم غيره فأم فاقتدى به من استخلف الإمام لصحت الصلاة على المنصوص في المذهب.
وهذا يدل على أن المستخلف لا تصح له رتبة الإمام بنفس الاستخلاف حتى يقبله ويفعل بعض الفعل.
وقد سئل ابن القاسم عن هذه المسألة في المدونة فأخبر أنه لم1234
يسمع من مالك فيها شيئاً ولم يُجِب.
والحكم ظاهر إذا لم يقبل المستخلف ما أسند إليه.
والظاهر أنه إذا قبل (1) استحق رتبة الإمام وإن لم يفعل شيئاً.
ولعلَّ [مجمل] (2) ما قدمناه من الرواية على أنه لم يفعل فاستدل على عدم قبوله بكونه اقتدى بالمتقدم من ذات نفسه.
...
فصل (ما يفعله المستخلف؟)
وأما حكم المستخلف فيما يفعل، فإنه متم لصلاة الإمام، فعليه أن يصليها من حيث انقطعت 3. فإن كان الإمام لم يقرأ افتتح القراءة، وإن قرأ أتم من حيث وصل إن كانت صلاة جهر.
وإن كانت صلاة سر ففي العتبية أنه يبتدئ القراءة، وعللَّ بإمكان سهوه عنها.
ولعل التعليل [المحقق] 4 كونه لا يعلم مكانا انقطعت القراءة منه، ولو علم لكانت كالجهرية.
وإن ركع ولم يرفع تقدم راكعا 5 وكذلك السجود والجلوس.
وإن كان مسبوقاً أتم صلاته على حكم إمامه، فقرأ بما كان يقرأ الإمام وجلس حيث كان يجلس، ولم يبن علي حكم نفسه حتى يتم ما بقي من صلاة الإمام على ما كان يتمها الإمام.
وبالجملة فهو وكيل على فعل الإمام [فيحاذي فعله ولا يخرج عنه بوجه] 6.
...12
فصل (حكم قضاء المستخلف إذا كان مسبوقاً ببعض صلاة المقتدين)
وأما حكم [المسبوق من] 1 المقتدين والمستخلف إن كان مسبوقا، فإن المسبوق يقضي بعد إتمام 2 هذا المستخلف.
وهل يقضي بعد سلامه من جملة صلاته وإن كان مسبوقا؟ أو بعد إكمال صلاة الإمام؟ في المذهب قولان: أحدهما: أن المستخلف إذا أكمل صلاة الإمام أشار إلى المقتدين أن اجلسوا، فإذا أكمل صلاته قاموا 3 لأنفسهم.
والثاني: أنهم يقومون إذا أكمل صلاة الإمام.
وسبب الخلاف أنهم لا يقضون إلا بعد تمام صلاة إمامهم، وقد حصل لهذا الثاني رتبة الإمامة، فهل يكون حكمه في كل الأحوال كحكم الإمام الأول فكأنه هو، فإذا أتم صلاته صار كالمقتدين فيقضون عند قضائه؟ أو تراعى حالته في نفسه لحصول الرتبة فلا يقضون إلا بعد تمام صلاته؟ فهذا مثار الخلاف.
وإذا قلنا إنهم يقضون معه ولا يقتدون به لأنه إنما يقضي ما فاته من صلاة الإمام فحكمه أن يكون فيما يقضيه فذاً، فإذا اقتدوا به فهل يجزيه أم لا؟ في المذهب قولان: أحدهما: نفي الإجزاء، وهذا لما قدمناه من وجوب كونه فيما يقضيه فذاً 4. والثاني: الإجزاء، وهذا بناء على أنه فيما يأتي به بَانٍ ,ومراعاة لحصول الرتبة له ومساواتهم له بما يأتي به في النية.
وإن كان المستخلف مسبوقاً دون المقتدين أو دون بعضهم، فإنه إذا أكمل صلاة الإمام وقام للقضاء سلموا وانصرفوا.
وهذا تغليب لحكم الإمام، وكأنه هو الموجود إلى آخر صلاته.
وهذا قياس على أحد القولين
في صلاة الخوف.
والمشهور في هذه أنهم لا يسلمون إلا بعد قضائه، وهذا مراعاة لحكم نفسه.
(هل يجوز لإمام أن، يرجع للإمامة بعد زوال العذر؟)
ولو ناب الإمام ما أوجب الاستخلاف واستخلف ثم ذهب.
فإن زال عذره ثم تمادى فأخرج المستخلف وأتم هو الصلاة.
فقد اختلف المذهب في هذه الصورة هل تبطل الصلاة لأنّ الإمام قد يعزل باستخلافه، فإذا عاد صار كأن الإمام استخلفه بغير موجب فتبطل الصلاة.
أو تصح لأن المستخلف وكيل الإمام فإذا عاد انعزل الوكيل ورجع الأمر إلى موكله؟
وقد احتج لهذا القول بما قدمناه من خروج أبي بكر وتقدم النبي-صلى الله عليه وسلم-.
وقد اختلف هل ذلك من خصائصه أو متعد إلى غيره؟ وعليه يتخرج هذا الخلاف.
...
فصل (إذا ذكر الإمام الأول أنه أسقط من الصلاة ما يوجب بطلانها)
وإذا استخلف مسبوقاً فأكمل الصلاة التي استخلفه عليها فلما أكملها أتى الإمام الأول فذكر أنه أسقط من الأولى أو من الثانية ما يوجب بطلانها كالركوع والسجود، فأما المستخلف فلا علم عنده من صحة قوله، وأما غيره من المأمومين فلا يخلو من ثلاثة أقسام: أما إن تيقنوا سلامة صلاتهم وصلاة إمامهم فلا يلزمهم إتباعه فيما يقوله، وإما أن يشكو في سلامة صلاتهم وصلاته، ومثله أن يتيقنوا الآن بصحة قوله فيلزمهم التدارك، وإما إن تيقنوا سلامة صلاتهم دون صلاة إمامهم فقد قدمنا القولين في لزوم التدارك له.
وإذا لزمهم التدارك فإنهم يتبعون المستخلف فيما يأتي به من إصلاح صلاة الإمام.
وهل يكون فيما يأتي به من ذلك قاضياً فيقرأ بأم القرآن وسورة، أو
بانياً فيقرأ بأم القرآن خاصة؟ وقد قدمنا القولين في ذلك وهما منصوصان هاهنا.
ومتى يكون سجوده؟ لا شك أنه يسجد قبل السلام لأنه أتى بالجلوس في غير موضعه، فكأنه لم يجلس فقد حصل نقص الجلوس.
ومتى يكون سجوده هل بعد إكمال صلاة الإمام، أو بعد إكمال صلاة نفسه؟ في ذلك قولان.
وهما على ما قدمناه من تغليب حكم الإمام، أو النظر إلى حصول الإمامة له.
...
فصل (في المسبوق يقوم للقضاء ظاناً أن إمامه أكمل)
وإذا قام المسبوق إلى القضاء ظاناً أن إمامه أكمل وسلم وانكشف الغيب 1 أنه لم يكمل.
فإن كان إمامه لم يسلم رجع إلى صلاته 2 وطرح ما فعله، وإن لم يشعر حتى سلم فلا خلاف أنه يطرح ما فعله ويبتدئ الآن في القضاء.
وهل يلزمه سجود أم لا؟ قولان: أحدهما: أنه يلزمه لما فعله من القضاء قبل سلام إمامه.
والثاني: أنه لا يلزمه سجود.
وهذا تغليب لانسحاب حكم الإمام عليه.
وإذا قلنا إنه يلزمه السجود فأين محله؟ قولان: أحدهما: أنه قبل السلام، وعلَّل بأنه نقص النهضة التي حقه أن يأتي بها بعد سلام الإمام.
والثاني: أنه بعد السلام إذا 3 زاد في صلاته زيادة قد ألغاها.
وإذا تقرر هذا رجعنا إلى ما نحن بسبيله من مسائل الاستخلاف فقلنا: لو استخلف الإمام مسبوقاً فقام للقضاء، ثم أتى الإمام فأخبره أنه أسقط من صلاته شيئاً يلزمه تلافيه، فإن كان موجب استخلافه [طريان ما أفسد صلاته اعتد هذا المستخلف بما فعله وقضى ما أسقط الإمام على نحو ما قدمناه،
وإن كان موجب استخلافه رعافاً] (1) فإن قطع الإمام صلاته فتعمد الكلام أو ما في معناه فهو بمنزلة ما قدمناه من اعتداد المسبوق بما فعله، وإن كان لم يقطع صلاته فإن أتى بعد أن طال المستخلف طولا يفوت الإمام به التلافي فإنه يقتدي بما فعله، وإن كان لم يطل لم يعتد بما فعله ورجع إلى تلافي ما يقضيه الإمام، فإذا أتى به رجع إلى قضاء ما سبق به.
...
باب في أحكام التشهد والسلام
(بعض أحكام التشهد)
وقد قدمنا أن التشهد الأوسط سنة بلا خلاف عندنا.
وذكرنا أن الآخر كذلك على المشهور، وما فيه من استقراء 2 الوجوب.
ولا شك أنه لا يتعين فيه لفظ، لكن الأولى التعويل على ما ثبت به النقل من تشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو معلوم فلا نطول بنقله.
وقد أضاف إليه العلماء من الشهادة ما يعتقده أهل السنة.
والمروي في الصلاة عن النبي-صلى الله عليه وسلم- ما حكاه ابن أبي زيد وغيره.
وقد قدمنا أيضًا الخلاف في الصلاة على النبي-صلى الله عليه وسلم- هل هي من فروض الصلاة أو من سننها، وقد قدمنا أيضًا حكم من ترك التشهد وذلك في حق الإمام والفذ.
فأما المأموم فإذا لم يتشهد حتى سلم إمامه [فمقتضى أهل المذهب أنه يسلم ويجزيه تشهد الإمام.
وفي العتبية رواية ابن القاسم عن مالك رحمه الله أنه يتشهد بعد سلام إمامه ولا يدعو بعده ثم يسلم] 3 وهذا تدارك التشهد بعد سلام الإمام.
وظاهره يقتضي وجوب التشهد عليه.
وقد قدمنا متى يتدارك المأموم ما فاته به الإمام من الفروض.
وعندنا في السلام قولان: هل يمنع من التدارك كعقد الركعة1
الثانية لأنه ركن أو لا يمنع لأن المانع في عقد الركعة الثانية مخالفة الإمام وهاهنا لا يخالف؟ وإذا وجد الخلاف في منع سلام الإمام من التدارك للفروض فأحرى أن يمنع التدارك في التشهد.
وقد قدمنا كراهية الدعاء قبل التشهد، وكذلك البسملة مكروهة عندنا أيضًا قبل التشهد.
وإذا أكمل تشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الجلسة الوسطى فهل يجوز الدعاء بعده كما يجوز في الجلسة الآخرة؟ في المذهب قولان: الكراهية، والجواز.
فالكراهية إذ فيه تطويل لا سيما إن كان إماماً, والجواز لأن الصلاة مظنة الدعاء وقياساً على الجلوس الآخر.
(معنى التحية)
ويفتقر إلى تفسير لفظ التحية، والتحية تطلق على ثلاثة معان: السلام، والملك، والبقاء.
وقد اختلف في معنى السلام فقيل هو: اسم من أسماء الله تعالى، وقيل: هو بمعنى السلامة.
وإن قلنا بمعنى السلامة؛ فإن التحيات في التشهد قد يراد فيها الثلاثة معان التي ذكرناها، وإن قلنا اسم من أسماء الله تعالى كان المقصود بالتحية الملك والبقاء.
...
فصل (حكم السلام في الصلاة وصفته)
والسلام عندنا من فروض الصلاة وقد تقدم ذلك.
والأصل في فرضيته قوله - صلى الله عليه وسلم -:وَتَحْليلُهَا التَّسْليمُ" 1 واستمرار العمل [به] 2. ولفظه متعين عندنا.
وهل يجوز أن يؤتى به على جهة التنكير؟ المشهور من المذهب أنه لا يؤتى به إلا معرَّفا.
والشاذ جواز تنكيره.
وإذا نكره على المشهور فهل
يجزي من التحليل؟ قال ابن أبي زيد: لا يجزي.
وقال ابن شبلون: يجزي.
وفي المدونة: لا يجزي من السلام إلا السلام عليكم 1. وهذا يقتضي ما قاله ابن أبي زيد وقد تأول على أن القصد به تعيين السلام على الجملة تنبيها على خلاف أبي حنيفة القائل: إن كل فعل مضاد للصلاة ينوب مناب التسليم.
ومقتضى المذهب تعيين لفظ السلام بالتعريف قياسًا على الإحرام.
وهل يسلم الإمام والفذ واحدة أو اثنتين؟ في المذهب قولان: المشهور من المذهب الاقتصار على واحدة.
واحتج مالك رحمه الله بأن ذلك الذي اتصل به العمل من زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: وإنما أحدثت التسليمة الثانية في زمن بني هاشم.
والشاذ أن الثانية مشروعة.
وفي صحيح مسلم عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه "كان يسلم تسليمتين" 2. وهذا الأولى على مقتضى النظر لأن من حكى 3 الثانية زاد، ومن زاد أولى ممن نقص 4.
فإذا قلنا بالاقتصار على الواحدة فهيئة الإشارة بها أن يسلم قبالة وجهه ويتيامن قليلاً.
ويقصد الإمام الخروج بها من الصلاة والسلام على الملائكة ومن معه من المقتدين.
ويقصد الفذ الخروج من الصلاة والسلام على الملائكة.
وأما المأموم فيسلم أولاً تسليمة يسير بها إلى يمينه.
ثم اختلف 1 هل يبتدئ بعدها بالرد على الإمام أو السلام على من على يساره من الملائكة والمصلين.
وإذا قلنا إنه يبتدىء بالرَّد على الإمام فلا يسلم عن يساره إلا أن يكون هناك أحد من المقتدين فيردّ عليه، وهذا راجع إلى النقل.
ولا حرج في تخيير أحد الأمرين.
وإذا كان المأموم مسبوقاً فهل يرد على الإمام ومن على يساره بعد قضائه.
قولان 2. وهما على النظر إلى مقصود السلام هل هو مجرد الرد، أو هو مشروع للصلاة؟ ولو ابتدأ المأموم 3 بالسلام مشيراً به إلى جهة يساره ثم تكلم 4 فهل تبطل صلاته أم لا؟ [في المذهب] 5 قولان، [وهما على النظر إلى قصده] 6؛ فإن قصد بذلك التسليم 7 التحليل من الصلاة صحت لأنه إنما 8 خالف الهيئة، وإن قصد بها مجرد الرد لم تصح الصلاة لأنه تكلم قبل أن يتحلل.
وهل ينسحب حكم النية على السلام أو يفتقر إلى نية مجددة؟ 9 في المذهب قولان؛ فمن 10 سحبها رأى أن ركن النية متعلق 11 بسائر
الأركان، ومن لم يسحبها نظر إلى كونه قطع للصلاة.
والنية إنما تنسحب على ما هو من الصلاة دون ما يقطعها (1).
والمشروع (2) للإمام التنحية عن موضعه عقيب السلام.
وقد اختلف في عله ذلك فقيل: إنه موضع فضيلة، وإنما استحقها برتبة الإمامة فإذا انقطعت صار كالمعزول عنها، فعلى هذا يزول عن موضعه فلا بد.
وقيل: ليراه من لا يسمع تسليمه فيعلم انقطاع الصلاة.
فعلى هذا لو قام أو تزحزح عن موضعه بحيث ما ينظر أجزأه.
...
باب في صلاة الجمعة وأحكامها
(حكم صلاة الجمعة)
وهي واجبة بالكتاب والسنَّة وإجماع الأمة.
فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ 3، فأمر بالسعي ونهى عن البيع، وفي معناه كل شغل 4. وإذا قلنا إن الأمر على الوجوب فلا يفتقر إلى غير الآية.
وإن لم نقل بذلك فقرينة الوجوب هاهنا الإجماع.
وهذا إذا قلنا إن صلاة الجمعة صلاة قائمة بنفسها.
وإن قلنا إنها عوض عن الظهر كان الدليل أيضًا على وجوبها ما ورد في وجوب الصلاة من الآي.
وقد قال بعض العلماء إنها المراد 5 بالصلاة الوسطى.
وأما السنَّة فقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم -الأمر بها والمواظبة عليها، وفعله لها12
متواتر النقل.
ويكاد قوله أن يكون متواتر المعنى.
وقد ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم -توعد على تركها ثلاثًا بالطبع على القلب (1). وهذا مبالغة في تقرير الوجوب.
واجتمعت الأمة على وجوبها في الجماعة، والجمهور أنها واجبة على الأعيان لا على الكفاية، إذ ما ورد من الآي [والاخبار] (2) يقتضي ذلك، وهو مما شرع لإقامة أبهة (3) الإسلام وتمكينه في النفوس وتفخيم أمره.
ولهذا شرع فيها البناء المخصوص والخطبة والجهر بالقراءة وإن كانت صلاتها نهارية.
وإذا تقرر ما قلناه فالنظر في هذا الباب ينحصر في ثلاثة أركان (4): أحدها: شروط وجوبها، والثاني: شروط أدائها، والثالث: صفة الأداء وحكم الأعذار المبيحة للتخلف عنها.
...
فصل (شروط الوجوب)
فأما الفصل الأول في شروط الوجوب فإن عددها ستة وهي: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والذكورية، والحرية، والإقامة.
فأما الإسلام فنعده شرطًا في الوجوب إن قلنا إن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة.
وإن قلنا إنهم مخاطبون، عددناه في شروط الأداء.
وهكذا1234
عدَّه القاضي أبو محمد [عبد الوهاب] 1. ولا خلاف في عدّ البلوغ شرطا في الوجوب.
وأما العقل فإن قلنا: إن من ليس ببالغ غير عاقل، فيكتفى بلفظ العقل عن ذكر البلوغ.
وإن قلنا: إنه قد يكون عاقلاً، فلا بدّ من ذكرهما.
وبين الأصوليين خلاف في ذلك.
وأما الذكورية فلا خلاف عندنا في عدها شرطاً في الوجوب.
وأما الحرية فالمعروف من المذهب عدَّها شرطاً ولا تجب الجمعة عندنا على العبد.
وقد قدمنا الخلاف في سقوطها عنهم في الأصل ووجوبها.
وإنما سقطت لحق السيد.
وذكرنا ما في المذهب من إمامة العبد في الجمعة.
وفي مختصر ابن شعبان: أن المشهور من مذهب مالك رحمه الله سقوط الجمعة عن العبد.
قال أبو الحسن اللخمي رحمه الله: يريد أنه اختلف قوله في ذلك 2. وفي مختصر ابن شعبان أنه قال: يؤمرون بها ويقامون إليها.
ويحتمل أن يكون ذلك في وجوبها عليهم، [أو] 3 على جهة الندب.
وقد قدمنا أن هذا الخلاف في دخول العبيد في خطاب الأحرار.
وأما الإقامة فهي مشروطة في وجوب الجمعة، ولا نعلم في ذلك خلافاً.
واستدل على سقوطها عن المسافر بأن الرسول عليه السلام وقف يوم الجمعة بعرفة فصلى صلاة المسافر ولم يصلِّ صلاة الجمعة 4. فإذا ثبت ذلك فهل يجزي المسافر إذا شهدها وتنوب له عن صلاة الظهر؟ في المذهب قولان: المشهور أنها تنوب عن ذلك قياسًا على نيابتها للعبد والمرأة، والشاذ أنها لا تنوب.
وهذا على الخلاف هل دخل المسافر في ثبوت الوجوب ثم سقطت عنه لعذر السفر فإذا شهدها نابت له، أو لم يتوجه عليه الخطاب بها أصلاً؟ فينظر هاهنا هل هي صلاة قائمة بنفسها فلا تنوب، أو هي ظهر مقصورة؟ فيختلف في إجزائها عنه على الخلاف فيمن ترك السنن تعمدًا لأنه صلى ركعتين جهرية 5 والواجب عليه في الأصل أن يُسِرَّ.
(حكم إمامة المسافر في صلاة الجمعة)
وإذا قلنا بصحة النيابة فهل تصح إمامته فيها إذا حضرها؟ ثلاثة أقوال:
أحدها: لا تصح بوجه ابتداء ولا استخلافاً.
وهذا بناء على سقوطها أصلاً لكن نابت لأنها ظهر مقصورة.
أو بناء على أنه لما خير في التزامها عدمه صار كالمتنفل مثلاً يؤم المفترض.
والثاني: تصح ابتداء واستخلافاً، وهذا بناء على أنه مخاطب بها، لكن سقطت لعذر السفر.
فإذا شهدها والتزمها صار كالمقيم.
والثالث: أنها تصح إن استخلف بعد أن عقدها مع الإمام، ولا تصح قبل أن يعقدها, لأنه بعد الدخول وجب عليه إتمامها، وقبل الدخول مخير.
(حكم الوالي الأعظم يمر بقريه يوم الجمعة)
ولو مرَّ الوالي الأعظم بقرية تجب عليهم الجمعة وهو مسافر لكان له أن يجمع بهم لأن المولى على الصلاة في تلك القرية خليفته والنائب عنه فإذا حضر المستخلف فهو بالإمامة أولى.
وإن كانت ممن لا تجب 1 فيها الجمعة لم يجمع بهم لأنه مسافر والقوم حاضرون والجمعة ساقطة عنهم.
وإن جمع بهم فقولان: أحدهما: أنها لا تصح له ولا لهم، والثاني: أنها تصح له دونهم.
قال الأشياخ: وهذا على الخلاف فيمن جهر في صلاته متعمداً هل تصح أم لا؟ لأن هذا الإمام مسافر، فصلاته ركعتان لكنها سرية وقد جهر.
ويغلب على ظني أني رأيت في المنتخبة ليحيى بن عمر 2 قولاً
ثالثاً أنها تجزيه وتجزيهم.
فهذا مما ينظر فيه.
فإن صح وظهرت صحته فهو إما بناء على أن الإمام وطنه حيث ما حل، وإما بناء على وجوب الجمعة في الأصل وإنما سقطت تخفيفاً عن المسافرين ومن في معناهم من القاطنين (1) بمكان (2) [لا يمكنهم مداومة إلزامه (3)، والاستغناء] (4) عن غيره.
...
فصل (الركن الثاني شروط الأداء)
وأما شروط الأداء فهي خمسة: إمام، وجماعة، وموضع الاستيطان، وجامع، وخطبة.
(الشرط الأول: الإمام)
فأما الإمام فقد قدمنا في الركن الأول حكم من تجب عليه الجمعة عندنا في الأصل، ومن لا تجب عليه، والخلاف في صحة إمامته، ويشترط فيها ما يشترط في الإمامة لسائر الصلوات.
وليس من شروطه عندنا أعلى المشهور] 5 أن يكون إماماً تؤدى إليه الطاعة، أو مولىّ من قبل إمام.
وقد قال مالك:"لله فروض في أرضه لا يسقطها، وليَهَا إمام، أو لم يَلِهَا، منها الجمعة" 6. ومذهب محمد بن مسلمة ويحيى بن عمر اشتراط الإمام الذي تؤدى إليه الطاعة.
قال يحيي بن عمر 7: ويخاف جانبه.
وقال محمد بن مسلمة: أو مولى من قبل الإمام.1234
والأصل في هذا الخلاف فيها أو في ما يأتي بعدها أن الجمعة وقعت في ابتداء الإسلام في مصر بإمام تؤدى إليه الطاعة وخطبة وجامع.
وهذا يحتمل أن يكون اتفاقًا، ويحتمل أن يكون مقصودا إليه.
وقد اختلف في أفعاله - صلى الله عليه وسلم - هل تحمل على الوجوب إلا ما قام الدليل أنه ندب، أو تحمل على الندب إلا ما قام الدليل أنه واجب.
(الشرط الثاني: الجماعة)
وأما الجماعة فلا خلاف في اشتراطها على الجملة.
وهل هي محدودة أم لا؟ في المذهب قولان: المشهور أنها غير محدودة بعدد، لكن لا يجزي منها اثنان ولا ثلاثة ولا أربعة وما في معنى ذلك.
والشاذ أنها محدودة بعدد.
وما هو؟ قولان: أحدهما: ثلاثون، وقد روي حديث في هذا التحديد 1 وإن لم تكن فيه شروط الصحة.
والثاني: أنها خمسون 2، وهذا تحديد على مقدار تتقرى بهم القرية ويمكنهم فيها مداومة الثوى 3، ويستغنون عن غيرهم ويحصل بجماعتهم إقامة أبهة الإسلام في موضعهم.
وهل يشترط في الجماعة المشار إليها كونهم فيمن تلزمهم الجمعة وتنعقد بهم وإن كانوا لا تلزمهم ابتداء لكن تنوب لهم كالصبيان والعبيد ومن في معناهم من المسافرين؟ في المذهب قولان.
وهما على ما قدمناه من
سقوطها عنهم في الأصل ولا تنعقد بهم، أو تجب عليهم (1) لكن سقطت للأعذار، وهذا في غير الصبيان.
ولعلَّ الخلاف في الصبيان على ما قدمناه في تعلق (2) الوجوب عليهم بحسب حالهم، أو لأن المراعى وجود الجماعة في الجملة (3).
وهل يشترط بقاء الجماعة إلى إكمال الصلاة، أو يشترط انعقاد ركعة بهم؟ في المذهب قولان: المشهور اشتراط ذلك إلى الكمال, لأن شروط الصلاة إذا وجبت في الابتداء وجبت في الانتهاء كالطهارة وستر العورة واستقبال القبلة.
والشاذ الاكتفاء بذلك في ركعة قياساً على المسبوق.
(الشرط الثالث: موضع الاستيطان)
وأما موضع الاستيطان فإنه شرط في الجمعة، وهل شرط ذلك الموضع أن يكون مصراً؟ في المذهب قولان: المشهور أنه لا يشترط ذلك، بل يجمع في القرى إذا كانت على الصفة المتقدمة من إمكان الثوى والاستغناء لمراعاة العدد كما تقدم آنفًا.
وهذا الخلاف على ما قدمنا في الالتفات إلى إقامة الرسول عليه السلام.
وهل يحصل ذلك بالإقامة وإن لم يكن الاستيطان؟ حكى أبو الوليد الباجي قولين، ومثاله قرية خالية مرَّ بها جماعة تنعقد بهم الجمعة ونووا الإقامة شهرًا فهل يجمعون أم لا؟ قولان 4. وحكى عن ابن القاسم أنهم يجمعون.
ولا شك أن المعروف من المذهب أنهم لا يجمعون.
وإذا صحَّ كون الموضع ممن تلزم أهله الجمعة، فهل يلزم ما قاربهم من القاطنين شهودها؟ أما من قرب حتى يكون ممن يسمع النداء غالبًا فيلزمه ذلك.
وحَدَّه أهل المذهب بثلاثة أميال وما قاربها.
ولا يلزم من بَعُد إلا أن123
يشاء شهودها فتجزيه عن ظهره.
وهل يشترط هذا المقدار من المنار أو من سور المصر؟ وقع في المذهب قولان.
وإذا كان المعول على سماع الأذان فينبغي أن يحال على الوجوب (1) ويراعى موضع المنار.
ويظهر أن المقصود شهود من يشتمل عليه (2) حكم المصر، ويتكرر في حاجته حتى يكون كالساكن فيه.
وهذا يحصل لمن كان على المقدار المذكور.
ويراعى في ذلك بعده من السور لا من المنار.
(حكم السفر يوم الجمعة)
وهل يجوز للمخاطب بالجمعة أن ينشئ السفر قبل شهودها؟ أما ما لم يطلع الفجر من يوم الجمعة فذلك جائز له بلا خلاف.
وأما إذا زالت الشمس فذلك ممنوع بلا خلاف في المذهب.
وذكر أبو الحسن قولاً بالكراهية وعوَّل فيه على اختلاف الرواية كشأنه في الاستقراء من المحتملات.
ويمكن تنزيل الرواية على ما قبل الزوال.
وأما ما بين طلوع الفجر إلى الزوال فالمذهب على قولين: الكراهية، لما يفوته من فضيلة الجمعة، والجواز, لأنه حينئذ غير مخاطب.
ولو أنشا السفر فحضر الوقت قبل أن يجاوز ثلاثة أميال فقال الباجي: مقتضى المذهب لزوم الجمعة؛ وفيه نظر لأنه رفض الإقامة وحصل له حكم السفر فعلاً ونية.
وعكس هذا أن يكون مسافراً فيقدم إلى وطنه فهل يلزمه شهود الجمعة؟ أما من لم يصل الظهر فإنه يؤمر بشهودها بلا خلاف [إذا أدرك منها ركعة] 3، وأما من صلاَّها [ظهراً ثم دخل من سفره قبل صلاة الجمعة، فاختلف فيه على] 4 ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يلزمه شهود الجمعة إذا أدرك منها ركعة.
والثاني: أنه لا يلزمه، وقد أدَّى فرضه.
والثالث: قول سحنون:12
إنه إن صلاها وقد بقي بينه وبين موضعه ثلاثة أميال فأقل فإنه يلزمه شهود الجمعة، وإن كان فوق ذلك فلا يلزمه.
فنظر في الأول إلى كونه مخاطباً بالإدراكة للجمعة، وفي الثاني إلى وقوع الصلاة في السفر وقد أدَّى فرضه.
ويلتفت في هذين إلى تعلق الوجوب بأول الوقت أو بآخره.
ونظر في الثالث إلى قدر المسافة؛ فإن كانت مما لا يسقط شهود الجمعة لم يكتف بالصلاة الأولى، وبالعكس فيكتفي.
(الشرط الرابع: الجامع)
وأما الجامع فهو من شروط الأداء.
وحكى أبو الوليد الباجي نفي الخلاف في ذلك إلا ما ذكره القزويني 1 عن أبي بكر الصالحين 2 من ذكر الخلاف في اشتراطه وأنكر هذه الحكاية، وذكر أن الصالحي هذا غير معروف.
قال: وإنما عوَّل على ما في المدونة من حكايته ابن القاسم أن مالكًا رحمه الله قال مرة في صفة القرية التي يجمع فيها, إنها المتصلة البنيان التي فيها الأسواق، ومرة لم يذكر الأسواق 3. ولم يذكر في القولين المسجد، وذلك دليل على أنه غير مشروط وعول أبو الوليد الباجي على أن مقصده في هذه الرواية صفة القرية التي يجمع فيها، وهي من شروط الأداء.
إلا أنه ذكر جميع الشروط، والجامع شرط [غير] 4 متعلق بصفة القرية.
وإذا ثبت اشتراط الجامع فمن شرطه 5 البناء المخصوص.
ويضاف
إلى ذلك كونه مما يجمع فيه.
وأما المساجد التي لا تؤدى فيها الجمعة فلا تكون شرطا في الأداء ولا تقام الجمعة فيها.
ولو طرأ على الناس ما يمنعهم إقامة الجمعة في المسجد المعتاد فلا تجزيهم إقامتها في غيره من المساجد إلا أن يعولوا على إدامة الإقامة فيه فحينئذ يحصل له حكم الجامع المشروط في الجمعة.
ولا تؤدى في جامعين [في بلد واحد] 1 إلا أن يكون المصر كبيرًا [جداً بحيث يكون الجامع الواحد لا يسع الناس للصلاة، ويكون بينهم ثلاثة أميال] 2. فظاهر المذهب فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كمصر صغير، والثاني: إجازة الإقامة في الجامعين، والثالث أنه إن كان ذا جانبين أو جوانب وبينهما نهر وما في معناه مما يتكلف فيه المشقة إذا قطع، جاز إقامتها في موضعين أو في مواضع بحسب الحاجة.
وإن لم يكن كذلك فليس إلا كونه كالصغير.
وهذا كله تجويز على غير احتياج إلى إقامتها في موضعين.
فإن ظهرت ضرورة إلى ذلك جاز، وإلا منع.
وإلى هذا ترجع الأقوال.
وإذا اشترطنا إقامتها في موضع واحد وكان بالقرب من المصر موضع فيه قوم مستوطنون، لهم حكم الاستقلال بأنفسهم، وأرادوا أن يجمعوا في موضعهم؛ فإن كان بين الموضعين ثلاثة أميال فأقل رجع إلى ما حكيناه في المصر الكبير، فإن قلنا باتحاد موضع الجمع لم 3 يجمعوا، وإن أجزنا الجمع في موضعين جمع هؤلاء.
وإن كانت المسافة أكثر من ذلك كان لهم أن يجمعوا في جامعهم.
وكم مقدار هذه المسافة؟ ثلاثة أقوال: أحدها: ما فوق الثلاثة أميال، وهذا نظر إلى كون الجمعة 4 لا تلزمهم.
والثاني: ستة أميال، وهذا نظر إلى أن
لكل مسجد مقداراً وهو كالحريم، فيلزم منه إتيان الجمعة وهو (1) ثلاثة أميال.
فيحصل من تقدير ذلك للمسجدين (2) ستة أميال.
والثالث: أنه البريد، وهو (3) التفات إلى حصول ما يشعر بانقطاع أحد المسجدين عن الآخر.
وتحديد البريد تقريب [لذلك لا مسافة التحقيق.
وهل تجزئ الجمعة على ظهر المسجد؟ في المذهب قولان: المشهور عدم الإجزاء، إذ ذلك] (4) الموضع لا يحصل له البناء المخصوص.
والشاذ الصحة، إذ حرمة أعلى المسجد كحرمة أسفله.
ولا شك في عدم الإجزاء في المواضع المنقطعة من المسجد إذا لم تتصل الصفوف.
فإن اتصلت وضاق المسجد بأهله ولم تكن تلك المواضع محجورة بالملك صحت صلاة من صلى بها.
وإذا لم يضق المسجد واتصلت الصفوف وكان الموضع قريبًا كالأفنية، ففي المذهب قولان: المشهور صحة الصلاة، والشاذ عدم صحتها.
وهذا على الخلاف فيما قرب الشيء هل له حكمه أم لا؟ وإن كانت المواضع محجورة ففي المذهب قولان أيضًا: نفي الصحة، وهو المشهور, لأنها بالحجر منقطعة عن المسجد.
والشاذ الحكم بالصحة، للقرب والاتصال.
واحتج قائل ذلك بما ثبت من صلاة الجمعة في حجر أزواج النبي-صلى الله عليه وسلم-كعمرو وهي محجورة بالملك، ورأى في المشهور أن حكمها حكم المسجد، وعلى هذا بنيت.
(الشرط الخامس: الخطبة)
وأما الخطبة ففي كونها فرضاً قولان.
فإن قلنا بفرضيتها كانت شرطاً في الأداء، وإن قلنا بنفي الفرضية كانت سنة وليست فرضاً.
والخلاف في هذا على ما قدمناه من النظر إلى فعل الرسول عليه السلام.
فإن قلنا بأنها1234
شرط فهل تشترط فيها الطهارة الصغرى؟ قولان.
وهما على ما قدمناه؛ فمن نفى الاشتراط عوَّل على أنها ذكر وقراءة فلا يشترط الوضوء لذلك، ومن أثبته عول 1 على أنها بدل عن الركعتين في الظهر، وقد احتج لفرضيتها بقوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ 2. قال الناقلون: إنه قائم في الخطبة فذمهم على الهروب عنه - صلى الله عليه وسلم-في حال الخطبة.
وذلك يدل على وجوبها ولا يستقل [من] 3 هذا دليل، إلا على أن 4 الهروب حينئذ غير جائز.
وأما وجوب الخطبة فلا يظهر منه.
وهل من شرطها حضور الجماعة لها؟ قال القاضي أبو محمد وغيره من البغداديين: مقتضى المذهب اشتراطه مع عدم النص عليه.
واستقرأه أبو الوليد الباجي من المدونة من قول مالك رحمه الله: ولا تجزئ الجمعة إلا بالجماعة والإمام يخطب 5. ولا شك أن مقتضى هذا اللفظ في اللسان ما قاله, لأن قوله: والإمام يخطب، معناه: الحال.
فيكون بجماعة في حال خطبة الإمام.
وهذا لو عوَّل عليه من كلام صاحب الشرع لكان له وجه.
ولا يخفى أن ألفاظ المدونة لا يعول فيها على مثل هذا.
على أن ظاهر المسألة من أولها يشهد بخلاف ما قال، ولأنه قال في الإمام يخطب فيهرب الناس عنه ولا يبقى معه إلا الواحد أو الاثنان وما لا عدد له من الجماعة وهو في خطبته أو بعد ما فرغ منها: أنهم إن لم يرجعوا إليه [فيصلي بهم 6 الجمعة، صلى ظهراً أربعاً.
قال: لأن الجمعة لا تكون إلا بالجماعة والإمام يخطب.
فظاهر هذا أنهم إن لم يرجعوا إليه] لم يصل بهم الجمعة.
فهذا يشهد بأن الجماعة مشروطة في الصلاة لا في الخطبة، على أننا لا ننازعه في أن اللفظ محتمل لما قال.
ولا خلاف أن الخطبة إذا اشتملت على حمد الله تعالى [والثناء عليه] (1) والصلاة على نبيه عليه السلام وشيء من الوعظ ومن تلاوة القرآن أنها مجزية.
ولا يوجد في المذهب نص على اشتراط خطبتين حتى لا يجوز دونهما.
وحكى أبو الحسن اللخمي في ذلك قولين (2). وهذا لو ساعدته الروايات لكان له وجه, لأن الرسول عليه السلام خطب خطبتين، فيجري على ما قدمناه من الالتفات إلى أفعاله.
وإن أتى منها بما لا بال له، مثل أن يقول الحمد لله وشبهَه فهل يجزي؟ قولان.
والرجوع في ذلك إلى لسان العرب، ولا شك أن مثل هذا المقدار لا يسمى خطبة.
فصل (الركن الثالث: صفة الأداء، والأعذار المبيحة للتخلف عنها)
وأما الركن الثالث وهو صفة (3) الأداء وحكم الأعذار، فنذكر ما يفعل في الجمعة (4) من فاتحة أمرها إلى خاتمته.
(حكم الغسل يوم الجمعة)
أجمعت الأمة على أن الغسل والطيب مشروعان لها.
وأن الغسل آكد من الطيب.
وقد ثبت عنه- صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"غُسْلُ الجمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلمِ" 5، وفي بعض الطرق: "عَلَى كُلِّ مُسلِم" 6. وهذه الألفاظ صريحة في الوجوب.
والمذهب كله على أنه سنة لا واجب.
وحكى أبو الحسن اللخمي عن أبي جعفر 71234
أنه حكى 1 اختلاف أصحابنا في غسل الجمعة فقال بعضهم: سنة مؤكدة لا يجوز تركها إلا بعذر، وقال بعضهم: مستحب.
وعوَّل على أن المذهب مختلف في وجوبه، أخذا من حكاية أبي جعفر هذه 2. وليست صريحة في الوجوب كما ظنه، بل ظاهرها على غير الوجوب.
وإنما يؤخذ من هذا أن المذهب على قولين: أحدهما: أن الغسل سنة، والثاني: مستحب.
وهكذا قال أبو الحسن اللخمي في كتاب الطهارة.
وقد يقال: إن ما حكاه أبو جعفر يقتضي الوجوب.
وقوله: سنة، أي مما علم 3 وجوبه بالسنة، كقول سحنون 4 إن الوضوء من البول سنة، يريد: مما علم وجوبه بالسنة، وليس من قبل المندوبات.
ولا شك أن ذلك محتمل، لكن الأظهر الأول.
وإنما خرج فقهاء الأمصار عن ظواهر تلك 5 الألفاظ المتقدمة المقتضية للوجوب بما ثبت من قوله عليه السلام في الجمعة:"لَوِ اغْتَسَلْتُمْ" 6. وهذا لفظ يشعر بنفي الوجوب، إذ لا يقال في الواجب لو فعلت.
ولقوله عليه السلام:"مَنْ تَوَضأَ لِلْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنعْمَتْ وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالغُسْلُ أَفْضَلُ" 7. وهذا نص صريح في إسقاط الوجوب، وهو أيضاً يقصده القائل بالاستحباب.
وبما ثبت من قول عمر رضي الله عنه للداخل وهو يخطب "أي ساعة هذه؟ فقال ما زدت على أن توضأت، فقال عمر رضي الله عنه: = متقناً مؤلفاً مجيداً، له حظ من اللسان والحديث والنظر، ألف كتابه النامي في شرح الموطأ والواعي في الفقه والنصحية في شرح البخاري والإيضاح في الرد على القدرية وغير ذلك، وكان درسه وحده لم يتفقه في أكثر علمه على إمام مشهور وإنما وصل بادراكه، حمل عنه أبو عبد الملك البوني وأبو بكر بن محمد بن أبي زيد توفى بتلمسان سنة ثنتين وأربعمائة.
الديباج المذهب ص: 35 والشجرة ص: 110 (293).
الوضوء أيضًا، وقد علمت أن الرسول عليه السلام أمر بالغسل" 1 ثم لم يأمره بالخروج ليغتسل.
وكان ذلك والصحابة متوافرون ولم ينكر منهم أحد.
وهذا عند بعض الأصوليين كالإجماع.
واختلفوا في الداخل من هو؟ فقيل عثمان، وقيل غيره.
وإذا قلنا إن الغسل سنة فمتى يُفعل؟ لم يختلف المذهب أنه إذا اغتسل قبل الفجر أنه لا يجزيه، وإذا اغتسل [بعد الفجر] 2 ثم راح إلى الصلاة فلا خلاف أيضًا أنه يجزيه.
وإن اغتسل بعد الفجر وأخر رواحه إلى الزوال فهل يجزيه أم لا؟ في المذهب قولان: نفي الإجزاء وهو المشهور، والشاذ إثباته.
وهو خلاف في حال هل يزول الغسل في هذا المقدار من الزمان أم لا؟ وأراد أبو الحسن اللخمي أن يجعل المذهب على ثلاثة أقوال: [القولان اللذان تقدما] 3،والثالث: أن الغسل لا يجزي إلا أن يتصل بالرواح إذا راح بعد الزوال لا في أول النهار 4.وهذا الذي قاله في الرواح لا يجزيه، وإنما أخذه من قول مالك: إن المشي إلى الجمعة لا ينبغي أن يكون أول النهار.
وهذا الذي قلناه في الرواح إذا كانت مسافته إلى الجامع قريبة، فإن بعدت حتى يزول أثر الغسل فعلى المشهور من المذهب أنه يؤمر بإعادته، وعلى مذهب ابن وهب القائل بالإجزاء أنه بعد الفجر يجزيه.
واختلف هل يغلب على غسل الجمعة حكم النظافة فلا يفتقر إلى نية ويجزئ بالماء المضاف إلى الرياحين والطيب، وهذا هو الشاذ.
أو يغلب
عليه حكم العبادة ويفتقر إلى النية ولا يجزي إلا بالماء المطهر (1)، وهذا هو المشهور.
ولا شك أن المقصود الأول من هذا الغسل النظافة، لكنه مشروع وإن كان المكلف أنظف الناس بدناً وأطيبهم ريحاً.
فالالتفات إلى أصله يقتضي تغليب النظافة وإلى استرساله إلى سائر المكلفين يقتضي [تغليب] (2) العبادة.
(استحباب التبكير للجمعة)
وقد ثبت عنه عليه السلام أنه قال: "من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنه" الحديث كما ورد 3. واختلف المذهب هل أراد الساعة السادسة 4 فيكون الرواح من أول النهار؟ أو هي ساعة قدرها الشرع عقيب الزوال؟ وهذا هو المشهور من المذهب.
والأول قول ابن حبيب.
ولفظ الرواح يقتضي القول المشهور لأن المشي 5 قبل الزوال لا يسمى رواحاً.
وقوله:"الساعة الأولى" يقتضي قول ابن حبيب.
ولا بد من التجويز في أحد اللفظين.
وقد احتج فيها للمشهور بأن قول ابن حبيب يقتضي أن تكون الصلاة قبل الزوال لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم -جعل آخر الرواح الساعة السادسة؛ قال:"إذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر" والساعة السادسة هي قبل الزوال لا بعده.
وهذا الذي قلناه في الرواح بعد الزوال جاز في12
حق من يمكنه إدراك الجمعة إذا راح حينئذ.
وأما من لا يمكنه إلا بالرواح قبل ذلك، فيجب عليه الرواح متى علم أنه لو أخر لفاتته الجمعة.
ولا تفوت عندنا إلا بأن يرفع الإمام رأسه من الركعة الثانية، ولكن لا يجوز لكل الناس التراخي إلى هذا المقدار.
ولا بدّ من افتتاح الصلاة بجماعة تنعقد بهم الجمعة وقد قدمنا حكم اشتراط الجماعة في حضور الخطبة.
(تحريم البيع وقت تعين السعي للجمعة)
وإذا تعين السعي حرم البيع وما في معناه من الاشتغال على كل من تجب عليه الجمعة.
فإن وقع البيع حينئذ هل يقضي أو يفسخ؟ في المذهب قولان، وهما على الخلاف في النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟ وإذا قلنا يفسخ [فإن فات] 1 فهل يمضي بالثمن أو تكون فيه القيمة؟ في المذهب قولان.
ومضيه بالثمن إذ لا فساد في ثمنه ولا مثمونه، وإنما يرجع إلى القيمة لأنها عوض من عينه، فالرجوع إلى ما تراضوا به من الثمن أولى من مضيه بالقيمة, لأنه متى أمضيناه بالثمن [كانا متممين العقد] 2 الفاسد.
والقيمة جعلتها الشريعة عوضا من ردّ العين.
وإذا قلنا: إن فيه القيمة فمتى تكون؟ قولان: أحدهما: وقت القبض، وإن وقع في وقت يحرم فيه البيع ويقدر جواز البيع حينئذ.
والثاني: أنه بعد انقضاء الصلاة، إذ لا قيمة شرعية في وقت النداء إلى انقضاء الصلاة.
وثمرة هذا الخلاف لو اختلفت الأسواق فيما بين الوقتين.
وهل تنزل سائر العقود كالنكاح والصلح والخلع وما في معنى ذلك منزلة البيع في التحريم؟ لا شك في نزولها منزلته لأنها مشغلة، والمفهوم من الآية قطعًا تحريم المشغلات، وذكر البيع لأنه السبب الذي نزلت فيه الآية وهو الشغل في الأكثر.
ولكن اختلف في فسخ هذه العقود على القول بفسخ البيع على قولين: أحدهما: أنه يفسخ قياساً على البيع، والثاني: لا يفسخ لأنها مشبهة به، والمشبه بالشيء دونه في المرتبة.
قال الأشياخ: هكذا يجري الأمر في الصلوات وغيرها من العبادات إذا تعيَّن وقتها واشتغل عنها ببيع أو غيره.
وهذا فيه نظر, لأن الشريعة شأنها الالتفات إلى الكليات وحماية الذرائع ومنع المشغلات وهذا يظهر في الجمعة.
وأما ما سواها فصوره نادرة.
والصور النادرة لا يعلق (1) عليها مثل هذه العقوبات كفسخ البيع وما في معناه.
قال الأشياخ أيضًا: ومما ينخرط في مثل البيع الشرب من السقاء بعد النداء إذا كان بثمن، وإن لم يدفع إليه الثمن في الحال.
وهذا الذي قالوه ظاهر ما لم تدع إلى الشرب ضرورة.
(النداء للجمعة)
وللجمعة نداء وهو المشروع في زمان الرسول عليه السلام، وهو عند جلوس الإمام على المنبر.
ولما كثرت العمارة في أحوال المدينة أمر عثمان رضي الله عنه بالنداء عند الزوال ليأخذ الناس في الأهبة إلى الصلاة والسعي إليها.
والأحكام تتعلق بالنداء الثاني لا بالأول.
وإذا خرج الإمام فلا خلاف أن [المشروع له] 2 يسلم على الناس عند خروجه من المقصورة.
وإذا صعد على المنبر فهل يسوغ له أن يسلم على الناس؟ في المذهب قولان: المشهور: أنه لا يسلم لاشتغاله بما هو أهم مما صرف إليه.
والثاني: أنه يسلم لأنه بموضع يبصره من لا يبصره أولاً، ويسلم على الجميع ثم يجلس.
ولا خلاف في الجلوس الأول في خطبة الجمعة، وأما غير ذلك من الخطب كالاستسقاء والعيدين ففيها قولان: أحدهما: الأمر بالجلوس قياساً على الجمعة.
والثاني: نفيه؛ لأن الجمعة إنما جلس في أول الخطبة انتظاراً للفراغ من الأذان، وهاهنا لا أذان ينتظره.
لكن الجلوس أولى إذ به تسكن1
حواس الخطيب (1) ويمكنه المقصود من الوقار (2).
(حكم النافلة وتحية المسجد بعد صعود الخطيب المنبر)
ولا خلاف عندنا أن النافلة تمنع بصعود الخطيب على المنبر، وفي المذهب قولان: هل تمنع بخروجه من موضعه قاصد إلى الصعود، فلا شك أن امتناعها قبل أخذه في الخطبة حماية للذريعة.
والظاهر أن 3 الحماية للذريعة لا تتعدى إلى خروجه، وإنما يمكن أن يتعلق على صعود المنبر.
فإذا صلى فصل النافلة في الوقت الذي ذكرنا أنه ممنوع فهل يقطع أو يتمادى؟ في المذهب قولان، وهما على مراعاة الخلاف؛ فمن لم يراعه أمر بالقطع، ومن راعاه أمر بالتمادي.
وقد كان الشيخ أبو القاسم السيوري [رحمه الله] 4 يقول 5 إن الأولى جواز الركوع لداخل المسجد 6 وإن كان الإمام في الخطبة، لما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم -أنه [أمر] 7 الداخل وهو يخطب بالركوع 8،وما ذكره أصحابنا من أن الداخل [كان صعلوكاً وهو رجل] 9 فقير رث الهيئة فأراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-أن يبصر 10 حاله فيتصدق عليه [يرده ما وقع في بعض الطرق من قوله عليه السلام: "إذا جاء أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس وإن كان الإمام يخطب", لكن هذا لم [يقطع12
به] (1) في بعض الطرق (2) وبين الأصوليين خلاف في انفراد العدل بالزيادة هل تقبل أم لا؟
(حكم الكلام بعد افتتاح الخطبة)
ولا يمنع الكلام بصعود الإمام على المنبر حتى يفتح الخطبة، فإذا افتتحها حرم الكلام إلا أن يكون مجاوبة للإمام.
والأصل في ذلك قوله- صلى الله عليه وسلم -:" إذا قال أحدكم لصاحبه أنصت والإمام يخطب فقد لغا" 3.وهذه مبالغة في منع الكلام, لأن المراد بالإنصات أمر بالمعروف، فإذا عُدَّ لغواً فأحرى أن يعد غيره من الكلام لغواً.
وإذا تقرر ذلك قلنا بعده: لا يخلو أن يتكلم الإنسان في حال الخطبة بالقرآن والذكر أو بغيرهما؛ فإن كان كلامه قرآناً أو ذكرًا وطال فإنه ممنوع لأن فيه اشتغال عن الإنصات للخطبة، وإن لم يطل فإنه جائز، والأولى تركه [خوفاً من أن يستدرجه إلى ما هو أكثر ويشغله ذلك عن الخطبة.
وهذا إذا أسر به] 4 ,وإن جهر فقولان: الكراهية, لأن فيه اشتغالاً عن السماع واشتغالاً بغيره.
والجواز، ليسارته وهو من جنس المسموع.
وإن كان كلامه بغير هذين فإنه ممنوع على كل الأحوال.
وينسحب حكم المنع على حالة جلوس الإمام بين الخطبتين، إذ لو أبحنا 5 الكلام حينئذ لأمكن تماديه إلى قيام حال الإمام إلى الخطبة الثانية.
فإذا لغا الإمام بسب 6 أحد وذكر ما لا يجوز ذكره له، فهل يحرم الكلام12
حماية للذريعة، أو يجوز لأنه أخذ فيما لا يلزم 1 استماعه؟ في المذهب قولان.
ويلزم من لا يسمع الخطبة من الصمت ما يلزم سامعها لانسحاب حكم السماع عليه.
فإن تكلم أحد فلا يأمره من سمعه بالصمت نطقاً.
وفيه ورد الحديث.
وله أن يشير إليه بذلك.
ويستحب للإمام في حال خطبته أن يتوكأ على قوس أو عصا وما في معنا ذلك.
وبه استمر العمل.
وفيه شغل عن العبث باليدين.
ويخطب قائمًا وإن جلس عصى 2.
وقد قدمنا ما يجزئ من الخطبة.
ولا تقع الخطبة قبل الزوال، فإن فعل كان كمن لم يخطب.
وقد قدمنا القولين هل هي فرض أو سنة فيجري إجزاء الصلاة بعد الخطبة قبل الزوال على ما تقدم من ذلك؟ ولا تقدم الصلاة عن الخطبة، فإن فعل كان أيضاً كمن لم يخطب.
ولو أكمل الخطبة ثم وصله كتاب عزله قبل الصلاة فهل يعيد المولى الخطبة؟ أو يجتزي بما تقدم؟ في المذهب قولان.
خرجه 3 أصحابنا على الخلاف في النسخ متى يكون؛ هل وقت النزول والحصول، أو وقت البلاغ 4؟ فإن قلنا: إن النسخ وقت النزول أعاد الخطبة، وإن قلنا: إنه وقت البلوغ لم يعد.
وإذا حققنا هذا التعليل وقلنا بطرده لزم إعادة الصلاة وإن أكملها على القول بأن النسخ من وقت النزول.
وإنما حقيقة الأمر في هذه المسألة أن يجري على كون الخطبة كالجزء من الصلاة فلا يصح أن يخطب إمامًا ويصلي غيره إلا عند الضرورة التي توجب الاستخلاف، أو يقال إن الخطبة ذكر منفصل عن الصلاة فكيفما حصل أجزى.
وإذا قلنا بإعادة الخطبة فلم يعدها حتى صلى؛ فإن لم يراع الخلاف كان بمنزلة من صلى بغير خطبة، ولو راعينا الخلاف صحت الصلاة.