التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العباداتصفحات 1-41
أهل الأثرالأرشيف العلمي

التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العبادات

  • عَلَم: أبو الطاهر ابن بشير
  • الكتاب: التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العبادات
  • المؤلف: أبو الطاهر إبراهيم بن عبد الصمد بن بشير التنوخي المهدوي (المتوفى: بعد 536هـ)
  • المحقق: الدكتور محمد بلحسان
  • الناشر: دار ابن حزم، بيروت - لبنان
  • الطبعة: الأولى، 1428 هـ - 2007 م
  • عدد الأجزاء: 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

التنبيه على مبادئ التوجيه قسم العبادات لأبي الطاهر إبرهيم بن عبد الصمد بن بشير تحقيق ودراسة الدكتور محمد بلحسان المجلد الأول مركز الإمام الثعالبي للدراسات ونشر التراث دار ابن حزم

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى 1428هـ -2007مـ 2 - 490 - 81 - 9953 - 978 ISBN الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها مركز الإمام الثعالبي للدراسات ونشر التراث الجزائر -هاتف وفاكس:017029011 - جوال: 072745624 دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان -ص.
ب: 6366/ 14 هاتف وفاكس: 701974 - 300227 (009611) بريد إلكتروني: ibnhazim@cyberia.net.ib

التنبيه على مبادئ التوجيه قِسْمُ العِبَادَاتْ 1

بسم الله الرحمن الرحيم

المقَدّمَة الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فإنه من نافلة القول وفضول الكلام، أن يقال بأن الفقه الإسلامي، هو زبدة العلوم الإسلامية، وقطب رحاها بل غايتها ومنتهاها، فذاك أمر أطبق عليه جمهور المسلمين، فمعظم العلوم الإسلامية تهدف إما إلى الوثوق من ثبوت النص الشرعي، أو استثمار الحكم منه وفق المراد الإلهي، ثم تنزيله على واقع الحياة، وهذا هو الفقه الضابط لأفعال المكلفين، الجالب للسعادة في الدارين، فاستقامته ونضجه ضروريان لاستقامة ورقي المجتمع المسلم، ولا يتأتى له ذلك إلا إذا خَلُصت موارده وقوّمت مناهجه.
وقد أدرك السلف هذه الحقائق، فانكبوا على دراسة وتهذيب هذا العلم وتطوير موارده فآخوا فيه بين العقل والنقل، وخصوا منهجه بعلم هو علم أصول الفقه، فقوّم بذلك أوده وتحقق كماله ونضجه.
فظهرت فيه المهارات الفكرية والقدرات العقلية الرفيعة تجلت في الأئمة الفقهاء، خاصة تلك الكوكبة الأولى من المجتهدين مؤسسي المذاهب.
وفي طليعتهم مالك بن أنس الأصبحي إمام دار الهجرة، الذي تجلت ريادته في عطائه الفقهي المبني على أصح الأصول وأحكم القواعد، وقد عبّر عن ذلك ابن تيمية بقوله: "ومن تدبر أصول الإسلام وقواعد الشريعة، وجد أصول مالك وأهل المدينة أصح الأصول والقواعد، قد ذكر ذلك الشافعي

وأحمد وغيرهما" (1) فذاع مذهبه وانتشر في كافة الأصقاع وأصبح التمسك بمذهبه رمزًا للتمسك بالسنة ومجانبة البدعة وأصحابها، ومحبة الإمام في زمانه دليلًا على محبة السنة.
وقد كتب لهذا المذهب الانتشار والذيوع في الثغر الغربي للأمة الإسلامية فقام بدوره أحسن قيام، ولو لم يكن له من فضل ومنة على هذا الثغر وأهله إلا أن حماهم وحفظ بيضتهم من أن تكسر على أيد أهل التشيع والنصب والخوارج والمعتزلة لكان هذا وحده فضلاً عظيمًا ومنة لا تضاهيها منة.
يدرك ذلك من اطلع على تلك الصراعات المذهبية المتأججة في الشرق.
هذا فضلاً على ما لهذا المذهب من مميزات رجحته على غيره من المذاهب، أهمها مراعاته للمصلحة، وميله إلى التيسير المنسجم مع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن حرامًا.
وقد توالى أئمة المالكية على اختلاف مدارسهم وتنوع مشاربهم على خدمة هذا المذهب وصقله واستمراره حياً نابضاً مهيمناً على الحياة، ضابطًا لتطورها موجهاً لمسارها، فظهرت لهم في ذلك آثار طيبة وثمار يانعة سعدت بها البلاد والعباد.
إلا أن هذه الآثار وتلك الثمار بدأت تذبل شيئاً فشيئًا وتتلاشى نضارتها ويناعتها خاصة في العصور المتأخرة جداً، عندما أصبح الفقه عاريًا من الدليل مجردًا من الأصول بعيدًا عن الاستدلال والبحث النظري، فسيطرت بذلك المؤلفات التي قصد بها تبيين ما به العمل والفتوى على الدرس الفقهي، مقابل هجر المؤلفات التي تعتني بذكر الخلاف، ومثاراته، والاتفاق ومظانه، وأصول المذاهب وقواعدها وأنواع الأدلة ومراتبها، والتي تعتبر ضرورية لتحصِل الملكة الفقهية والتمرس على استثمار الأحكام اللازمين لاستمرار الاجتهاد.
وقد بلغت الانتكاسة أوجها بسيطرة شروح مختصر خليل بن إسحاق

على الدرس الفقهي، حتى قال قائلهم: "فحن أناس خليليون، إن ضل ضللنا" 1. فأصبح كثير من المهتمين بتاريخ الفقه الإسلامي يرون المذهب المالكي من خلال بعض المختصرات وشروحها، فأصدروا في حقه أحكامًا لا تنسجم وواقع المذهب ولا تتسم بالدقة، لعدم اعتمادها على مقتضيات التأريخ العلمي، والذي من أهم أركانه الدراسة المتأنية والمسح الكامل لأهم ما كتبه الفقهاء، وهذا أمر منيع المطلب صعب المرام في هذا الوقت على الأقل وذلك لسبب واحد وهو أن كثيراً من المؤلفات الفقهية لا زالت مخطوطة أو مفقودة.
فلكي نتمكن من التأريخ السوي لفقهنا لا بدّ لنا أولاً من إنقاذه من التلف والضياع، وذلك بإخراج الدرة إثر الدرة واللؤلؤة النادرة في عقب أختها، ثم تسليط أضواء النقد عليها في رحابة صدر ونقاوة منهج، فيتعاون الكل على صقل هذه الدرر وجلاء تلك اللآلئ.
وقد يقول قائل ها نحن قمنا بتحقيق تلك الكتب وأخرجناها إلى الوجود، وتوصلنا إلى أحكام دقيقة وسوية على المنهجية الفقهية المالكية ... فما الثمرة التي نجنيها من ذلك؟ وبأي شيء تفيدنا في عصر الذرة والفضاء والعولمة الاقتصادية والفكرية؟ أليس في هذه الكتب الموجودة كفاية؟ أليس من الأجدى أن نبذل هذه الجهود في أمور تساعدنا على التخلص من ربقة التخلف والتبعية للغرب؟ تساؤلات كثيرة من هذا القبيل نسمعها من هنا وهناك.
والإجابة عن هذه التساؤلات ليست من عزائم هذه المقدمة ولا من أهدافها، ورغم ذلك أقول وباختصار: إن هذه التساؤلات تدور حول نقطتين

رئيستين: الأولى: وهي وجوب الاهتمام والتركيز على الجوانب المادية والاقتصادية.
والثانية: وهي إمكانية الاكتفاء بالكتب المطبوعة، ففيها التوضيح الكافي للعبادات التي كُلفنا بها.
ويمكن الإجابة عن هذه التساؤلات بما يلي: فالنقطة الأولى يمكن أن يقال عنها: إن المعركة المستعرة الآن تدور حول الهوية والمفاهيم الثقافية والحضارية، ومحاولة تعميم القيم والمبادئ الغربية، وجعلها نموذجًا حضاريًا كاسحًا ومعيارًا ثقافيًا إلغائيًا.
فمشكلتنا مشكلة فكرية وهزيمتنا هزيمة نفسية قبل أن تكون هزيمة مادية، وقد علمنا التاريخ كيف أن الواثق بنفسه المعتز بحضارته وقيمه ينتصر في النهاية وإن كان ضعيفًا ماديًا.
فالبعث والنهوض بواقع الأمة الراكد والراكن إلى الجمود والاجترار والانزلاق نحو التغريب والانسلاخ من منظومته وقيمه المعرفية، لم ولن يكون إلا بالرجوع إلى ركائز الرسالة الخالدة؛ رجوعًا عقلانيًا بعيدًا عن العاطفة وتسطيح الأمور وتبسيطها مع مراعاة السنن الإلهية في هذا الكون، والأخذ بالأسباب المادية المشروعة، فإن عزمنا على ذلك فلا مناص لنا من استلهام الماضي والتوغل في العمق التاريخي لاكتناه حقيقة تراثنا والاطلاع على مواقع القوة والضعف وأسباب النهوض والسموط، وإخضاعه لعملية نقدية، بل تشريحية جريئة بعيدة عن كيل المدائح والاقتصار على الافتخار والتقديس.
وهذا كله لا يحط من قدره أو ينزل من قيمته بل غاية ما يقصد منه الوقوف على تجارب الأسلاف لتجنب أخطائهم واستصحاب صوابهم.
وبذلك نصل إلى التجديد والتجدد الذاتي.
والتراث الفقهي يعد حلقة رئيسية وأساسية لا يمكن تجاوزها أو تجاهلها في فهمنا للتراث عمومًا والكتاب والسنَّة خصوصًا، وذلك لتضمنهما عصارة أفكار وجهود أئمة الإسلام.
وبالنسبة للنقطة الثانية، فإنه لا يقول بها إلا من يرى الحياة جامدة

والأيام نسخًا لا تتبدل ولا تتغير.
والواقع غير ذلك، فالأمة الإسلامية عرفت تغيرات جذرية عميقة، والعالم كله خضع لانقلابات اجتماعية مهولة.
وهذا يفرض علينا إعادة النظر في ترجيحات واختيارات الأوائل, لأنّ ما كان راجحًا في زمانهم ليس هو بالضرورة الراجح في زماننا، وهذا ما يعبر عنه بالاجتهاد الانتقائي، الذي مارسه أسلافنا من قبل فيما يعرف "بالعمل"، ونحن في أمس الحاجة إليه الآن، ولا تتم هذه العملية إلا بإخراج الكتب التي اعتنت بالتشهير والترجيح وتضمنت الأقوال التي حكم عليها بالضعف أو الشذوذ لظروف زمانية أو مكانية متغيرة.
فالقول إذاً بالاكتفاء بما هو موجود غير مسلم.
والمتأمل في المسيرة العلمية المعاصرة يلاحظ أنها لا زالت في بداية طريقها رغم الجهود الخيرة المبذولة والتي لا يمكن أن تخطئها عين الملاحظ.
إلا أنه رغم ذلك لا يمكننا أن نعتبر تلك الجهود كافية ومرضية، وخاصة بالنسبة للتراث الفقهي المالكي الذي لا زال كثير من عطاء أساطينه حقلًا غُفلًا لا نعرف عنه إلا القليل، ولا يعوزني الدليل على ذلك، فالنماذج كثيرة أكتفي بالإشارة إلى تراث الإمام الذي بين يدي الآن، أعني أبا الطاهر إبراهيم بن عبد الصمد بن بشير التنوخي، المترفع عن درجة التقليد إلى رتبة الاجتهاد والترجيح.
والذي يعد اجتهاده قولاً داخل المذهب ولا تكاد تجد كتابًا من كتب المالكية المعتبرة إلا وينقل عنه ويستشهد بأقواله.
هذا الإمام على جلالته ومكانته الرفيعة لم يحقق له أي كتاب ولم تنجز عنه أية دراسة- حسب علمي- إلى هذه اللحظة.
كل ما سبق ذكره أقنعني بمشروعية وأهمية البحث في التراث الفقهي وحقل المخطوطات.
لكن كنت أتهيب اقتحام ذلك العالم لما للخوض فيه من مثبطات ومعوقات، سواء على مستوى الحصول على المخطوط أو قراءته أو تحقيقه وإخراجه.
ولا يستطيع تجاوز ذلك إلا من أوتي صبراً طويلاً ونفسًا عميقًا، وأخذ بناصية أدوات التحقيق وانقادت له آلياته.
وأنا لا أرى نفسي كذلك، فزادي قليل وبضاعتي مزجاة.
لكني أقدمت على ارتياد

هذا الميدان، مساهمة مني في البعث الحضاري المنشود على قدر الطاقة والوسع، وما يبلغ إليه الجهد أو تناله الحيلة.
ورغبة مني في المعرفة إذ العلم بالتعلم والخبرة بالإقدام والممارسة.
لما تبلورت في ذهني فكرة البحث في التراث، رميت بطرفي نحو الخزانات أنقر فيها، وأمعن في الفحص وأتعمق في البحث لعلي أقف على نفيسة من نفائس مخطوطاتنا وعيون تراثنا.
وشيئًا فشيئًا بدأت تظهر لي علامات اليمن وأمارات الخير، فاستقر أمري في النهاية على وعاء من أوعية الفقه المالكي بل غرة من غرره، وشهاب ساطع من شهبه.
إنه كتاب "التنبيه على مبادئ التوجيه" لأبي الطاهر إبراهيم بن عبد الصمد بن بشير التنوخي.
وقد وقع اختياري على هذا الكتاب لاعتبارين رئيسين: الأول: راجع إلى المؤلف، والثاني: إلى المؤلِف.
فبالنسبة للاعتبار الأول فيمكن حصره في النقط التالية: 1 - كون الكتاب من أجلّ كتب ابن بشير وأشهرها عند العلماء وأكثرها تداولًا بينهم، حتى إنه إذا قيل: قال ابن بشير فإنه ينصرف غالبًا إلى قوله في "التنبيه".
2 - تضمن الكتاب لخلاف المذهب وجمعه لأقواله، سواء منها الضعيفة أو الشاذة أو الراجحة أو المشهورة، وهذا كله يوسع دائرة الاجتهاد الانتقائي المنشود.
3 - حرصه على ذكر مثارات الخلاف وأسبابه ودواعيه، وغير خفي ما لذلك من أهمية في معرفة أصول المذاهب وقواعدها.
4 - ربطه للمسائل الفقهية بأدلتها، وتبيين عللها وأصولها، وتوضيح طريقة استثمار الأحكام منها.
5 - توظيفه لعدد هائل من القواعد الأصولية والفقهية، البعض منها نادر، وقليل الدوران على ألسنة الفقهاء.

6 - اختصار عبارته مع وفائها بالمقصود، فهي ليست بالطويلة المملة، ولا بالموجزة المخلة.
7 - الكتاب عبارة عن دعوة للاجتهاد والترفع عن التقليد، وتنظير ذلك ورسم معالمه.
وبالنسبة للاعتبار الثاني وهو الراجع إلى المؤلِف، فيمكن حصره في نقطتين رئيستين: الأولى: إذا نظرنا إلى تراث هذه الأمة فإننا نجد أن تراثها، أخصب تراث وأغزره وأغدقه، تعاقبت عليه أيادي الأجيال فأحكمت بنيانه ووطدت أركانه وصيرته سلس المطلب داني الملتمس، إلا أن هؤلاء الأئمة الذين ساهموا في بناء صرح هذا التراث العظيم، لا زال الكثير منهم في قوائم الإغفال وزوايا الإهمال، طويت ذكراهم وراحت مع أدراج النسيان.
وهذا لا ينسجم مع أخلاق الحب والوفاء، والاعتراف بالجميل لأهله.
فهؤلاء لهم دين علينا وفضل يطوّق أعناقنا، ومن الواجب علينا الوفاء بهذا الدين، والاعتراف بذلك الفضل، وإن أقل ما يفعل في حقهم بعد الدعاء لهم هو إخراج كتبهم والتعريف بأشخاصهم وتخليد ذكراهم، وإذاعة فضلهم ليكون لهم "لسان صدق في الآخرين".
الثانية: إن ابن بشير لم يكن فقيهًا عاديًا بل يعد من أشهر الأعلام الذين أنجبتهم المدرسة المالكية.
فقد آتاه الله عقلًا نقادًا وذهنًا وقادًا وقدرة على التحليل والتعليل، ولا غرو في ذلك فقد شب إمامنا في بيئة علمية رضع من ألبانها وتزود من ثمارها، أعني البيئة الإفريقية التي كانت إلى حدود زمن ابن بشير قيّمة على الحياة الفكرية والثقافية ببلاد المغرب، ولعل هذا ما أهله للانضمام إلى المدرسة النقدية التي أسسها أبو الحسن اللخمي فتعاطى للنقد وهو أعلى درجات الإمامة بل تصدى لانتقاد إمام المدرسة نفسه.

خطة البحث

: فيما يخص خطة البحث فقد اقتضى النظر أن تكون من شقين: شق يتعلق بالدراسة وشق يتعلق بالتحقيق.

فبالنسبة للشق الأول المتعلق بالدراسة، فقد جعلته في مقدمة وثلاثة فصول.
الفصل الأول: خصصته للحديث عن عصر ابن بشير، وقد قسمته إلى مبحثين: المبحث الأول: تحدثت فيه عن الوضع السياسي، وقد جاء في خمسة مطالب ضمنتها الحديث عن الحالة السياسية في بغداد، ومصر، والمغرب، والأندلس، وختمت ذلك بالحديث عن إفريقية موطن ابن بشير.
المبحث الثاني: عقدته للحديث عن الوضع الثقافي والفكري لعصر ابن بشير.
وقد جاء في ثلاثة مطالب، تناولت فيها الحالة الثقافية للشرق الإسلامي، والمغرب والأندلس وإفريقية.
الفصل الثاني: خصصته للحديث عن حياة ابن بشير وقد جاء في مبحثين.
المبحث الأول: تناولت فيه حياته الشخصية، وقد قسمته إلى خمسة مطالب، تحدثت فيها عن اسمه ونسبه، وموطنه ومكان نشأته، وطلبه للعلم، وأخلاقه، وشيوخه.
المبحث الثاني: أنشاته للحديث عن عطائه العلمي.
وقد جاء في تسعة مطالب ضمنتها الحديث عن مؤلفاته، ومكانته العلمية، وتأثيره على من جاء بعده، وموقفه من البدعة وأصحابها، كما تعرضت فيه لأهم الانتقادات التي وجهت له، وحددت المراد [بابن بشير] عند الإطلاق لدى المالكية.
ثم حاولت أن أجيب فيه عن سبب إهمال المترجمين له.
وختمت المبحث بالحديث عن وفاته.
أما الفصل الثالث: فقد عرفت فيه بالكتاب المحقق وقد جاء في خمسة مباحث.
المبحث الأول: تحدثت فيه عن توثيق الكتاب وبيان منهجه.
وقد جعلته في خمسة مطالب تحدثت من خلالها عن اسم الكتاب، ونسبته لابن

بشير، وأسلوبه، ولغته، وطريقة تنظيمه، ومنهج تناوله للمسائل الفقهية.
المبحث الثاني: عقدته للحديث عن الخلاف الفقهي عند ابن بشير.
وقد جاء في خمسة مطالب، أوضحت من خلالها اقتصار ابن بشير على الخلاف داخل المذهب، واعتنائه بذكر ثمرة الخلاف، والخلاف في الحال، وخلاف التنوع، ثم ختمته بالحديث عن أسباب الخلاف.
المبحث الثالث: تحدثت فيه عن النقد عند ابن بشير، وقد جاء في خمسة مطالب تناولت فيها تعقبه للخمي وغيره من العلماء، كما أشرت إلى منهجه في الترجيح، وموقفه من المشهور والشاذ.
المبحث الرابع: تحدثت فيه عن الاجتهاد عند ابن بشير، وقد جاء في سبعة مطالب.
تناولت فيها الحديث عن أنواع الاجتهاد، ومنزلة ابن بشير الاجتهادية، وطريقة توظيفه للقواعد الفقهية والأصولية، وأخيرًا أبرزت القيمة العلمية للكتاب.
المبحث الخامس: تحدثت فيه عن المنهج الذي سلكته في التحقيق.
أما الشق الثاني المتعلق بالتحقيق فيتضمن الجزء المحقق، ويبتدئ من أول كتاب الطهارة إلى آخر كتاب الزكاة، وقد تتبعت في إخراجه الخطوات التالية: أولًا: حاولت قدر المستطاع أن أخرج النص بأفضل أسلوب وأشرق عبارة تتفق مع المعنى المراد وذلك وفق المنهج الانتقائي القائم على اختيار أصح العبارات ... كما قمت بكتابة النص وفق قواعد الإملاء، وضبطته بالنقط والفواصل.
ثانيًا: قمت بوضع عناوين للفصول، والمسائل المتناولة داخل الفصول ووضعتها بين قوسين تمييزاً لها عن العناوين التي وضعها المؤلف.
ثالثًا: ضبطت أرقام الآيات والسور التي وردت فيها.
رابعًا: قمت بتخريج الأحاديث والآثار الواردة في النص وذكرت مصادرها وألفاظها، وأشرت في بعض الأحيان إلى درجة الأحاديث صحةً أو ضعفًا.

خامسًا: عرّفت بالأعلام التي تحتاج إلى تعريف عند أول ورودها في النص المحقق، أما الأعلام التي ورد ذكرها في قسم الدراسة فاكتفيت بذكر اسمها الكامل وتاريخ وفاتها.
سادسًا: قمت ببعض التعليقات على النص من حين لآخر تجلية وتوضيحًا لبعض المسائل.
سابعًا: وثقت النصوص التي رأيت أنها تحتاج إلى ذلك.
ثامنًا: وضعت فهارس للآيات والأحاديث والأشعار والمصادر والمراجع والمواضع.
هذه جهودي المتواضعة في هذا البحث، وإني على يقين أنها في أمس الحاجة إلى مزيد من التدقيق والتحقيق، رغم أني بذلت قصارى جهدي وطاقتي، وقد أبى الله ألا يكمل إلا كتابه.
ولن أضع القلم من يدي وأنهي هذه الكلمة، قبل أن أسجل باعتزاز، شكري وامتناني لأستاذي الفاضل، أستاذ النبل والمروءة، الدكتور أحمد الريسوني الذي تكرم بقبول الإشراف على هذه الأطروحة رغم كثرة مشاغله وتعدد اهتماماته، ولم يبخل علي بتوجيهاته القيمة وآرائه السديدة وملاحظاته الدقيقة، فقدم لي ذلك كله بعطف ولطف.
فجزاه الله عني خير الجزاء.
وبارك له في علمه وعمره وعياله.
كما أتقدم بخالص تشكراتي إلى كل من ساعدنى من قريب أو بعيد في إنجاز هذا البحث.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

الفصل الأول: عصر ابن بشير المبحث الأول: الوضع السياسي.
المبحث الثاني: الوضع الثقافي والفكري.

الفصل الأول: عصر ابن بشير

مما لا شك فيه أن للبيئة وللظروف المحيطة بالإنسان تأثيرًا على حياته وسلوكه وثقافته، حتى قيل: إن الإنسان ابن بيئته، وكلما ازداد اطلاع الإنسان واتسعت ثقافته ومعارفه، دل ذلك على اتساع الرقعة المؤثرة فيه، فالعالم لا يتأثر ببيئته الضيقة فحسب، بل يتأثر بالمحيط الواسع الذي يتصل به.
ومن هنا لم يكن ليقتصر تأثر ابن بشير بما وقع بالقيروان وتونس وما والاهما من حواضر إفريقية، بل إنه ابن البيئة الممتدة في العالم الإسلامي آنذاك.
وهذا يحتم علينا توسيع دائرة الحديث عن عصر ابن بشير ليشمل الشرق والغرب الإسلاميين.
وكل ذلك باقتضاب وبحسب ما تدعو الحاجة إليه.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا العصر سبق وأن درس من قبل، لكن وإن تعددت الدراسات فإن لكل دراسة خصوصيتها تتميز بها عن غيرها، فالدراسات السابقة؛ إما دراسات عامة أو جزئية، أو دراسات تصب في التعريف بشخص في الشرق أو في الغرب، فتتحكم ظروف ذلك الشخص في الدراسة، ولذلك إن أحلنا عليها نكون قد أحلنا على شيء لا يمكننا من فهم الشخصية المراد التعريف بها.
كما أن الكتاب المحقق قد يقع في يد شخص لا علم له بتلك الدراسات أو لا طاقة له إلى الوصول إليها، فيقرأه بدون أن يدرك الإطار

الزماني والمكاني الذي ألف فيه الكتاب.
من أجل هذا رأيت أنه لا بد من الحديث عن عصر ابن بشير، وأبدأ بالوضع السياسي.
...

المبحث الأول: الوضع السياسي

إن المصادر التاريخية التي تمكنت من الوقوف عليها ضنت علينا بضبط تاريخ ولادة ابن بشير وتاريخ وفاته، وغاية ما أفادتنا به هو أنه كان حيًا سنة 526 هـ. لكن من خلال تأملي في القضية- كما سأوضح من بعد- غلب على ظني أن ابن بشير عاش بين النصف الأخير من القرن الخامس والنصف الأول من القرن السادس الهجريين.
وقد وُسمت هذه المرحلة بسمة الاضطراب وتتابع الفتن على إفريقية والشرق الإسلامي والمغرب والأندلس.
وبصفة عامة كان الوضع السياسي في العالم الإسلامي مضطربًا ومتفككًا.

المطلب الأول: الوضع في بغداد

ففي بغداد أصبح الخلفاء رمزًا واسمًا بدون سلطة.
بل دمية يضعها ويحركها السلاجقة، ومن قبلهم البويهيون 1، فكانت الأوامر تصدر باسمهم، وعلى الخليفة أن يوقع على ما قرروه.
وكان أول خليفة قهر وحجر عليه؛ المعتمد على الله وقد صور حال نفسه فقال: "أليس من العجائب أن مثلي ... يرى ما قل ممتنعا عليه وتؤخذ باسمه الدنيا جميعًا ... وما من ذاك شئ في يديه إليه تحمل الأموال طرًا ... ويمنع بعض ما يأتي إليه" 2.

وصور أحد الشعراء هؤلاء الخلفاء فقال: "خليفة في قفص ... بين وصيف وبغا 1. يقول ما قالا له ... كما تقول الببغا" 2. أما بالنسبة للخلفاء الذين عاصرهم ابن بشير فيظهر أن أولهم هو أبو جعفر عبد الله القائم بأمر الله الذي تولى الخلافة من 422 هـ إلى 467 هـ 3، وبويع بعده حفيده أبو القاسم عبد الله المقتدي بأمر الله الذي تولى الخلافة من 467 إلى 487 هـ ثم تولى بعده أبو العباس المستظهر بأمر الله من 487 إلى 512 هـ 4، ثم بويع بعده أبو المنصور الفضل المسترشد بالله الذي تولى الخلافة من 512 إلى 529 هـ 5، ثم أبو العباس المنصور الراشد بالله الذي تولى الخلافة من 529 إلى 530 هـ 6، وأخيرًا أبو عبد الله محمَّد المقتفي بأمر الله الذي تولى الخلافة من 530 إلى 555 هـ 7. ولم يكن لهؤلاء الخلفاء من أمر الخلافة شيء، اللَّهم إلا ما كان من الدعاء لهم على المنابر، وضرب السكة باسمهم.
وكل من ظهرت منه بوادر التحرر والتخلص من سلطة السلاجقة يكون مصيره التنحية أو القتل.
فالخليفة القائم بأمر الله حبسه وزيره أرسلان التركي المعروف بالبساسيري وسيره إلى غابة سنة 450 هـ إلى أن فك أسره أبو طالب

محمد بن مكيال المعروف بطغرلبك سنة 451هـ 1. وقد حدث في عهد هذا الخليفة ما لم يكن معهودًا عند سابقيه من الخلفاء، وذلك أن العادة والعرف جريا على ألا يتزوج بنات الخلفاء إلا من كان من بني العباس.
لكن القائم بأمر الله زوج ابنته لطغرلبك "بعد أن دافع بكل ممكن، وانزعج واستعفى ثم لان لذلك برغم منه، وهذا أمر لم ينله أحد من بني بويه مع قهرهم الخلفاء وتحكمهم فيهم ... " 2. والمقتدي بأمر الله حاول التدخل في الحكم وتدبير شؤون الخلافة فما كان من السلطان السلجوقي ملك شاه إلا أن نفاه من بغداد.
وأرغمه على خلع ولي عهده وأن يعهد لابنه الصغير جعفر، لكن ذلك لم يتم له بسبب موته قبل انتهاء المدة التي ضربت له لتنفيذ ما طلب منه 3. أما الخليفة المسترشد بالله فقد أسر هو وأعيان دولته بهمدان، ثم نقل إلى مراغة، وطلب منه إن أراد أن يرجع إلى بغداد ألا يجمع العساكر، ولا يخرج من داره فرضخ لذلك 4. وابنه الراشد بالله أبو العباس المنصور حاول أن يكون جيشًا ويخرج به من بغداد، فما كان من السلطان مسعود إلا أنه ادعى عليه أنه كتب في شروط عقد توليته "أني متى جندت أو خرجت أو لقيت أحداً من أصحاب السلطان بالسيف فقد خلعت نفسي من الأمر"؟؟.
فحكم أهل الحل والعقد من العلماء والقضاة بخلعه وتولية أبي عبد الله محمد المقتفي بأمر الله على شروط وعهود وضعوها عليه فقبلها 5. هكذا كان حال الخلفاء العباسيين في هذه المرحلة وهو وضع لا يحسدون عليه، انعدمت فيه الثقة بينهم وبين السلاجقة، فحاول السلاجقة

تضييق الخناق على الخلفاء خوفًا منهم وحرصًا على بقائهم لاستمداد الشرعية منهم، فحيكت الدسائس والمؤامرات داخل أركان الدولة، وأصبح الجو مناسبًا ومواتيًا لكل معكر لصفوة الحياة وناشر للفتن.

وضع السلاجقة

: أما السلاجقة، فعلى الرغم من أنهم هم الحكام الفعليون في المشرق، إلا أن دولتهم لم تكن مستقرة، إذ سرعان ما تمزقت وتناثرت أشلاؤها بعد موت السلطان ملك شاه سنة 458 هـ الذي كان يحكم من حدود الصين شرقًا إلى جورجيا وفلسطين غربًا.
فبموت هذا السلطان حصل تنافس وصراع على السلطة، ودارت في سبيل ذلك حروب طاحنة بين أبناء السلطان من جهة وأعمامهم من جهة أخرى، ثم بينهم وبين أبناء أعمامهم سلاجقة الروم بآسيا الصغرى، ثم بين أبنائه فيما بينهم.
وقد دام هذا الصراع حوالي 77 سنة من موت ملك شاه سنة 485 إلى 552 هـ 1. وقد نتج عن هذا الصراع ضعف السلاجقة واضمحلال دولتهم واندثار هيبتهم.
فكونوا ثلاث دويلات؛ واحدة بدمشق، والثانية بآسيا الصغرى، والثالثة بالعراق وفارس.
وقد أدى هذا إلى ظهور إمارات عربية صغيرة متناحرة فيما بينها يتقلب ولاؤها بين العباسيين تارة، والعبيديين تارة أخرى.
كما ظهرت دويلات مستقلة عرفت بالأتابكة أو الشاهات 2. في هذه الأجواء انتعشت الحركات الباطنية والإسماعيلية، فتحركوا في البلاد طولًا وعرضًا يبثون أفكارهم ويعيثون في الأرض فسادًا بزعزعة عقائد الأمة ونشر الرعب والفزع في أبنائها، والقضاء على كل من يقف في طريقهم من العلماء 3.

المطلب الثاني: الوضع في مصر

: لم يكن وضع مصر بأحسن حالًا من وضع العراق؛ فقد كانت مصر في هذه الحقبة أسيرة حكم العبيديين الأدعياء، الذين لم يكن لهم هم إلا منازعة العباسيين أمر الخلافة وفرض عقيدة الرفض والتشيع وإقناع الناس بصحة نسبهم لآل البيت.
وقد يكون ابن بشير عاصر من حكامهم المستنصر بالله أبا تميم معد بن الظاهر الذي حكم من سنة 427 هـ إلى سنة 487 هـ، ثم جاء بعده المستعلي بالله بن المستنصر الذي حكم من سنة 487 هـ إلى 495 هى، ثم بعده ابنه الآمر بأحكام الله الذي حكم من سنة 495 هـ إلى 524 هـ، ثم الحافظ لدين الله الذي حكم من سنة 524 هـ إلى 544 هـ، ثم الظافر بالله الذي حكم من سنة 544 هـ إلى 549 هـ، ثم الفائز الذي حكم من سنة 549 هـ إلى 555 هـ. وهؤلاء الحكام تولى أكثرهم الحكم وهم أطفال صغار؛ فالمستنصر بويع وعمره سبع سنين، وكان يسير الحكم الوزير الجرجري وبعد موت الجرجري استوزرت أم المستنصر أبا سعيد التستري اليهودي .. وتولى الآمر بأحكام الله، والفائز بالله 1 الأمر وعمر كل منهما خمس سنين.
ويذكر عن الفائز بالله أنه لما حمله وزيره على كتفيه وأخذ له البيعة من القواد والأعيان، فقالوا كلهم: سمعًا وطاعةً بصوت مرتفع، فزع الطفل وبال على كتف الوزير 2. هذا فضلًا عن الظلم والطغيان الذي صدر منهم ومن آبائهم في حق الرعية، بل ادعاء الربوبية.
فأبو علي الحاكم الزنديق الذي قتلته أخته ست الملك سنة 411 هـ. يقول الذهبي في حقه: " .. كان شيطانًا مريدًا، جبارًا

عنيدًا، كثير التلون، سفاكًا للدماء، خبيث النحلة، عظيم المكر، جوادًا ممدحًا، له شأن عجيب ونبأ غريب، كان فرعون زمانه، يخترع كل وقت أحكامًا، يلزم الرعية بها، أمر بسب الصحابة رضي الله عنهم، وبكتابة ذلك على أبواب المساجد والشوارع وأمر عماله بالسب ... " (1). واستمر حال المصريين هكذا مع العبيديين إلى أن قضى على دولتهم صلاح الدين الأيوبي رحمه الله سنة 564 هـ. هذه الأحداث، وهذا الضعف السياسي في الشرق الإسلامي، كان ينتظره العدو الخارجي المتربص ويراقب وقائعه من بعيد، فما إن تأكد لديه حتى انقض على الأمة وأصابها في قلبها.
أعني بذلك الحملة التي دعا إليها البابا أوريان الثاني سنة 488 هـ واحتلال بيت المقدس سنة 492 هـ وتأسيس مملكة صليبية به، وإجراء السيف في رقاب المسلمين وإبادة آلاف منهم والتمثيل بهم ... ومحاولة الزحف على باقي بلاد الشام.
وقد استمرت بلاد الشام على هذا الوضع المضطرب والحروب الطاحنة مع الفرنجة إلى أن قاموا بحملتهم الثانية سنة 543 هـ، التي قصدوا بها دمشق فصدهم المسلمون عنها وانقلبوا خاسرين، وكانت بداية النهاية لوجودهم بالشام ومقدمة لتحريرها على يد صلاح الدين الأيوبي سنة 583 هـ.

المطلب الثالث: الوضع في المغرب

أ: دولة المرابطين

لقد مر المغرب بأطوار عديدة من الفتح الإسلامي إلى أن ظهر المرابطون في وقت كانت فيه إفريقية في صرل مع أعراب بني هلال وبني سليم من جهة، والنرمن الغازين لسواحلها من جهة أخرى، وكانت دولة الأمويين بالأندلس تتمزق بين أمراء الطوائف، في هذه الظروف بدأت تنبثق1

دولة جديدة جنوب المغرب، وضع بذرتها يحيي ابن إبراهيم أمير جدالة، والفقيه عبد الله بن ياسين.
فقام هذا الأخير بتعليم الناس وحثهم على التمسك بأحكام الإسلام.
ولقيت دعوته صعوبة في بداية الأمر، إذ نفر منها من لم يوطن نفسه على ذلك.
وثابر عبد الله بن ياسين إلى أن صار له أتباع سماهم بالمرابطين.
فخرجوا من قلب الصحراء سنة 445 هـ وانطلقوا إلى درعة، ومن بعدها إلى سجلماسة.
واستمر أمرهم إلى أن ظهر يوسف بن تاشفين سنة 454 هـ نائبًا عن ابن عمه أبي بكر بن عمر، الذي توجه إلى الصحراء ليصلح بين لمتونة ومسوفة.
فواصل ابن تاشفين الفتوحات شمال المغرب، وأسس عاصمة جديدة للمرابطين بدلًا من أغمات لتكون مركزًا لقواتهم في جنوب المغرب هي مدينة مراكش.
ولما توفي أبو بكر بن عمر استقل الأمر ليوسف ابن تاشفين الذي يعتبر المؤسس الحقيقي لدولة المرابطين 1. فكون دولة عظيمة، موطدة الأركان مهيبة الجانب.
تمتد أطرافها من بجاية شرقا إلى المحيط الأطلسي غربًا، ومن بلاد السنغال جنوبًا إلى سرقسطة والثغر الأعلى في الأندلس شمالًا.
ولما توفي يوسف بن تاشفين سنة 500 هـ خلفه ابنه علي بن يوسف فصار على سيرة أبيه؛ جادًا، حازمًا، نزيه النفس، بعيدًا عن الظلم.
فأحاط به العلماء والفقهاء، فلم يكن يقطع أمرًا إلا بمشورتهم 2. وهذا "من وضع الشيء في محله وإسناد الأمر إلى أهله، فالدولة إسلامية وأحق الناس بتولي مناصب الحكم والشورى فيها العلماء العارفون بأحكام الشرع المتفقهون في الدين" 3 وقد أنفق الجزء الأعظم من جهوده في متابعة شؤون الأندلس، فعبَر إليها أربع مرات ليتفقد بنفسه أحوالها.
ولما توفي علي بن يوسف سنة 537، خلفه ابنه تاشفين فتوالت عليه الهزائم على يد عبد المؤمن بن علي الكومي.
ولما توفي سنة 539 هـ

بوهران، بايعوا ابنه إبراهيم فوجدوه ضعيفًا عاجزًا، فخلعوه وبايعوا عمه إسحاق بن علي، الذي كان آخر المرابطين، إذ بموته سنة 541 هـ سقطت مراكش وحكمها الموحدون.

ب: ظهور الموحدين

: يعتبر ابن تومرت واضع بذرة دولة الموحدين، فقد بدأ دعوته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وانتهى بادعاء العصمة.
وكان ينتقل بين المدن، وحيثما حل يُطرد أو لا يَطيب له المقام.
إلى أن وصل إلى مراكش، وشدد على أهلها في النكير، وأغلظ لهم في القول، فرفع أمره إلى أمير المسلمين علي بن يوسف، فجمع له الفقهاء لمناظراته، فأشار عليه البعض بقتله أو سجنه، فتوقف أمير المسلمين في ذلك وقرر إخراجه من مراكش (1). فانتقل إلى تنمل بالسوس واجتمع حوله الطلبة وبويع سنة 515 هـ وسمى أتباعه بالموحدين، ولم تزل طاعتهم له في ازدياد وفتنتهم به في اشتداد.
فلما اطمأن إلى أتباعه واستشعر ولاءهم وقوتهم دخل في مناوشات مع المرابطين سنة 517 هـ وتوفي سنة 524 هـ وتولى بعده تلميذه عبد المؤمن بن علي الكومي الذي قضى على دولة المرابطين سنة 541 هـ (2).

المطلب الرابع: الوضع في الأندلس

: لقد عرفت الأندلس نوعًا من الاستقرار والازدهار العلمي والعمراني أيام الخلفاء الأمويين بالأندلس.
لكن لما وهن حكمهم في النصف الأول من القرن الخامس الهجري، سادت البلاد حالة من الارتباك والحيرة تبينت خيوطها السوداء بقيام ما عرف بدويلات الطوائف التي صور حال أمرائها ابن رشيق القيروانى أحسن تصوير عندما قال:12

مما يزهدني في أرض أندلس ... تلقيب معتضد فيها ومعتمد ألقاب مملكة في غير موضعها ... كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد 1. وقد حاول الإمام الباجي أن يجمع شمل هذه الدويلات ويوحد كلمتهم، فقام بجهود خيرة ومساع حميدة في هذا الشأن.
فطاف على الأمراء داعيًا إلى توحيد الكلمة وجمع الشمل، ونبذ أسباب التفرق والفتن، ورغم أنهم كانوا يتلقونه بالترحيب والتعظيم في الظاهر، إلا أنه لم يجد آذانًا صاغية وبقي الوضع على ما هو عليه إلى أن منَّ الله على المغرب والأندلس بالملك العادل والمجاهد الصادق، أمير المسلمين يوسف بن تاشفين رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته، فهب لإنقاذ الأندلس وعبر إليها أربع مرات، الأولى سنة 479 هـ التي وقعت فيها معركة الزلاقة الشهيرة، ورجع منها ظانًا أن أهل الأندلس قادرون على حماية بلادهم، لكن تبين أنهم ليسوا أهلًا لذلك فكثرت القلاقل والفتن وعادوا إلى سالف عهدهم، فترددت الكتب والفتاوى إلى أمير المسلمين لإنقاذ الأندلس هذه المرة من ملوك الطوائف.
قال ابن خلدون: "وأفتاه الفقهاء وأهل الشورى من المغرب والأندلس بخلعهم وانتزاع الأمر من أيديهم، وسارت إليه بذلك فتاوى أهل الشرق الأعلام مثل الغزالي والطرطوشي" 2. فما كان منه إلا أن عبر إلى الأندلس وبدأ في القضاء على أمراء الطوائف.
فضم غرناطة بعد استسلام أميرها عبد الله بن بلقين سنة 483 هـ. ثم عاد أمير المسلمين وترك عددًا من قادته ليتموا خلع ملوك الطوائف.
وخضعت قرطبة وكانت متابعة لبني عباد.
واستسلمت إشبيلية في رجب من نفس السنَّة بعد مقاومة شديدة من المعتمد بن عباد، الذي استعان بالفونس السادس النصراني، فأسر ابن عباد ونفي إلى أغمات بالمغرب.
ثم تتالت الفتوحات؛ ففتحوا مارية وشاطبة ومدنًا أخرى كما فتحت بلنسية مرة ثانية سنة 495 هـ بعد معركة أفليش بين المرابطين والقشتاليين، ثم بطليوس وأشبونة (لشبونة).

وبعد وفاة يوسف بن تاشفين سنة 500 هـ تولى ابنه علي الذي اقتفى سيرة والده وعبر في السنَّة الأولى من حكمه إلى الأندلس، وعين أخاه أبا الطاهر تميمًا على الجيوش في الأندلس، واستأنف المرابطون جهادهم هناك، ودخلوا معارك طاحنة مع النصارى كان النصر في أكثرها للمسلمين، واستمر حال الأندلس هكذا إلى أن ضعفت دولة المرابطين سنة 539 هـ، فهبت الوفود الأندلسية مستنجدة بالموحدين الذين قضوا على المرابطين.
ولن أتحدث عن جهود الموحدين في الأندلس لأن ذلك خارج الفترة المدروسة.

المطلب الخامس: الوضع في إفريقية

: تعتبر إفريقية 1 موطن ابن بشير الأصلي والبيئة المؤثرة والفاعلة مباشرة في حياته.
ولهذا يتعين علينا تناولها بشيء من التفصيل، تجليةٌ للوضع وتقريبًا للصورة.
فقد كانت هذه المنطقة هي المحطة الثانية للعبيديين، الذين انتقلوا إليها من سلجلماسة فكونوا بها دولتهم التي دامت زهاء قرن من الزمان.
ثم انتقلوا بعد ذلك إلى مصر، واستخلفوا يوسف بن بلكين الصنهاجي على إفريقية سنة 361 هـ. وبعد رحيل المعز العبيدي إلى القاهرة باشر يوسف بن بلكين أمور الحكم، وقام بغزو مناطق من المغرب ليضمها إليه ويقطعها عن الأمويين بالأندلس.
وانتصر في كثير من معاركه.
وتوفي أثناء عودته إلى إفريقية سنة 373 هـ. وبويع بعده ابنه المنصور الذي كان يوثر السلم على الحرب واللين على العنف، وكان رجلًا عاقلًا عفيفًا عن الدماء، فجبلت الناس على محبته وقد دام حكمه ثلاثة عشرة سنة.
وبعد وفاته سنة 386 هـ تولى ابنه باديس الذي دخل في حروب طاحنة مع أعمامه الذين ولاهم على بعض المناطق

تقريبًا لهم وطمعًا في مؤازرتهم ووقوفهم في جانبه، إلا أن ظنه خاب فيهم، إذ انفصلوا عنه وخذلوه فاضطر لمحاربتهم والقضاء عليهم.
كما دخل في حروب طاحنة مع أمراء زناتة كزير بن عطية وفلفل بن سعيد الزناتي انتهت بانتصار ابن باديس.
وقد بلغت أصداء هذه الحروب وشجاعة ابن باديس إلى العبيديين في مصر فلقبوه بنصير الدولة، وأرسلوا إليه هدية فاخرة تثبيتًا له على الولاء والتبعية لهم.
ولما توفي باديس سنة ست وأربعمائة بايعوا ابنه المعز الذي كان سنه حوالي ثماني سنين.
وفي عهد المعز هذا طرأت على الساحة الإفريقية أحداث بالغة الأهمية، أفرزت وضعًا جديدًا كان له تأثير واضح في تغيير المجرى السياسي والمذهبي والثقافي لإفريقية؛ فقد انفصلت الدولة الصنهاجية عن العبيديين، وانقسمت إلى دولتين، واكتسحها الأعراب وخربوها.
فبالنسبة لانقسامها إلى دولتين: فإن الخلافات التي كانت بين باديس وأخيه حماد طفت على السطح بعد مبايعة المعز بن باديس الذي لم يكن تجاوز الثماني سنين، فاستغل حماد صغر سن المعز وأعلن استقلاله عن الدولة، وزحف على المدن المجاورة للقلعة.
فلما بلغ الخبر للمعز جهز جيشًا للقائه وزحف نحوه فانهزم حماد، وفر إلى القلعة وقبض على أخيه إبراهيم، فأظهر الرغبة في الصلح، فأستجيب له وتوقفت الحروب ووقع الاتفاق على تقسيم الدولة الصنهاجية إلى دولتين، دولة آل المنصور بن بلكين، أصحاب القيروان، ودولة آل حماد بن بلكين أصحاب القلعة.
وبالنسبة لانفصال الصنهاجيين عن العبيديين، فقد أدرك الصنهاجيون أنه لا فائدة ترجى من إكراه الناس على اعتناق مذهب يمجونه ولا يستسيغونه.
وقد لاحظوا أن أولياء نعمتهم- العبيديين- قضوا زهاء قرن من الزمن وهم يحاولون فرض التشيع على المغاربة بحد السيف وقهر السلطان ولم يفلحوا في ذلك، إذ اصطدموا بأناس عاضين على مذهب أهل السنَّة بالنواجذ، مستعدين بذل مهجهم وأموالهم في سبيل ذلك.

فرأى الصنهاجيون أن المصلحة تقتضي الرجوع إلى المذهب الأصيل والتخلي عن المذهب الدخيل ليحصل الاستقرار والتلاحم بين الحكام والرعية.
فبدأوا يظهرون ميلهم ويعلنون توجهاتهم الجديدة شيئًا فشيئًا بدءًا من الترضي عن أبي بكر وعمر، وغض الطرف عن العامة الذين انقضوا على الشيعة وآذوهم.
وكل هذا كان يراقبه العبيديون بقلق شديد، إلا أنهم فضلوا سلوك سياسة المهادنة والترغيب وإرسال الهدايا وإطلاق الألقاب، لكن بحلول سنة 433 هـ، ظهر كل شيء على حقيقته، وقطع الصنهاجيون علاقتهم كليا مع العبيديين، ودعوا على المنابر للعباسيين، وترضوا على الخلفاء الراشدين، وضربوا سكة خالية من أسماء العبيديين.
فلما وصل الأمر إلى هذا الحد، يئس الفاطميون من رجوع الصنهاجيين لولائهم فعزموا على الانتقام منهم.

اكتساح الأعراب لإفريقية

: لما عزم المستنصر العبيدي على الانتقام من الصنهاجيين استشار وزيره الحسن بن علي البزوري، فأشار عليه بخطة بالغة في المكر والدهاء، وكفيلة بسحق الصنهاجيين والقضاء عليهم دون أن يتكبد العبيديون أية خسارة، والخطة عبارة عن إعطاء الإذن لأعراب بني هلال وبني سليم ليجتازوا النيل نحو المغرب ومنحهم الأراضي التي يستولون عليها.
وقد كان هؤلاء الإعراب معروفين بجفائهم وهمجيتهم يعيشون على السلب والنهب ولا يخضعون لسلطان ولا نظام وقد حصرهم العبيديون في صعيد مصر، ومنعوهم من تجاوز النيل تسهيلاً لضبطهم وصونًا للحواضر المصرية من إفسادهم 1. وقد كانت الخطة ناجحة غاية النجاح، أعطت أكثر مما كان يرجى منها، فبمجرد أن وصل الإعراب إلى برقة بدأت معاول الهدم تنهش في

جسم الدولة الصنهاجية، ولعل ما ساعدهم على تخريبهم، اغترار المعز بن باديس بشدة بأسهم وبطشهم وطمعه في استمالتهم وتقريبهم منه، وذلك أن المعز لم يكن مرتاحًا لإخوانه وبني عمه، فأراد أن يقرب هؤلاء الإعراب ويكون منهم جيشًا بديلًا عن الجيش الذي نفذ فيه أقاربه، فدفعه هذا الطمع إلى عدم التصدي لهم في بداية الأمر.
بيد أن ابن باديس لم يكن على دراية بطبائع هؤلاء الإعراب وما جبلوا عليه من التمرد والتخريب والسلب والنهب، جاء في كتاب تاريخ المغرب الكبير: "وكان أول من وصل من بني هلال مؤنس بن يحيي الرياحي أمير رياح، فقدم على المعز، وكان المعز قد سئم صنهاجة فأراد أن يستبدلهم بعنصر آخر، فاستلطف مؤنسًا وكان سيدًا في قومه، شجاعًا عاقلًا، فاستدناه المعز إليه، وزوجه من إحدى بناته.
وفاوضه في استدعاء عرب بني هلال من طرابلس وحدود إفريقية ليستعين بهم علي بني عمه فنصحه مؤنس بعدم التفكير في ذلك وعرفه بقلة اجتماعهم على الكلمة، وعدم انقيادهم إلى الطاعة.
ولكنه ألح عليه إلحاحًا متواصلًا، وعلل امتناعه من استقدامهم إلى إفريقية بحسده لقومه.
فلم يسع مؤنسًا أمام هذا الإلحاح إلا أن يدعوهم ... " 1. فما كاد الأعراب يصلون إلى قرية من القرى الإفريقية حتى ظنوا أنها القيروان فتنادوا القيروان القيروان فهبوا إلى تخريبها ونهبها.
فعظم الأمر على المعز فظن أن مؤنسًا دفعهم إلى ذلك ليظهر صدق نصحه للمعز.
فأمر المعز بالقبض على أخي مؤنس، وبثقات أولاده، وختم على داره بالقيروان.
وزاد ذلك من حنق مؤنس على المعز فقال: قدمت النصيحة فحاق الأمر بي ونسبت الخطيئة إلى فكان أشد إضرارًا من القوم 2. ولما وصل الأمر إلى هذا الحد في سنة 443 هـ، لم يجد المعز بدًّا من مواجهة الإعراب فخرج إليهم في جيش عرمرم يقدر بثلاثين ألف جندي، إلا أن هذه الأعداد لم تثبت معه.
فالعرب البلديون الذين كانوا معه

وهم من بقايا الفتح، انضموا إلى إخوانهم في الجنس، وانخذل عنه الصنهاجيون والزناتيون ففروا من المعركة، وبقي معه عبيده وخاصته يواجه الإعراب فثبت في وجههم وأبلى النبلاء الحسن، إلا أنه سرعان ما تكشف وهزم هزيمة نكراء وأعمل الإعراب السيف في عبيده، وقتل منهم عدد كبير، ففر المعز بنفسه وخاصته إلى القيروان، وبدأ يقاوم من داخلها إلى سنة 448 هـ. فاضطر للخروج منها إلى المهدية، فدخل الإعراب إلى القيروان وخربوها وتركوها قاعا يبابًا، بعد ما كانت مدينة في قمة الحضارة والتمدن، تعج بالعلماء والصناع والتجار.
ولم يقتصر تخريب وفساد الإعراب على القيروان بل تعداها إلى كل إفريقية، فنتج عن هذا كله قيام فترة من الاضطراب السياسي والاقتصادي، فخرب العمران وقضي على معالم الحضارة، وساد قطاع الطرق في المنطقة.
ولعل ابن بشير صاحبنا واحد من ضحايا هذه الفتنة.
وسيأتي ذلك.
أما المعز بن باديس فقد قضى بقية عمره في المهدية حزينًا إلى أن توفي سنة 454 هـ. وتولى بعده ابنه أبو يحيي تميم بن المعز، فورث عن أبيه دولة ممزقة الأشلاء، توالت عليها الحركات الانفصالية، فاستقل كل قائد بمدينة أو قلعة حتى أصبحت أشبه بالأندلس في عهد ملوك الطوائف 1. ورغم هذه الظروف فقد بذل تميم بن المعز جهودًا لا يستهان بها في قمع الثوار وجمع شتات الدولة.
ففي سنة 455 هـ تمكن من استرجاع مدينة سوسة، وحاصر تونس بعد ما تمرد حاكمها ابن حرصان، وأرغمه على النزول على شروطه.
كما أن القيروان أعلنت تمردها كذلك بقيادة ابن ميمون الصنهاجي فأرسل لها جيشًا، تمكن من استرجاعها والتجأ ابن ميمون إلى الناصر ابن علناس حاكم القلعة.
وفي سنة 456 هـ تجرأ حمو بن مليل البرغواطي حاكم سفاقص وهَمَّ

بالزحف على المهدية مركز الدولة الجديد.
وجمع حوله جيشًا كبيرًا من الأعراب، إلا أن تميمًا بادره قبل أن يصل إلى المهدية، وتمكن من صد هجومه والقضاء على جيشه.
ولقد كان العدو الخارجي متربصًا مستغلاًّ لفرط الضعف, ففي سنة 480 هـ استغل النصارى خروج تميم من المهدية لقمع بعض الثوار فهاجموها من البحر.
وتمكنوا من السيطرة عليها.
ولما بلغ الخبر تميمًا رجع إلى المهدية وبذل أموالًا طائلة للنصارى مقابل خروجهم منها.
وفي سنة 484 استولى النصارى على صقلية بعدما بقيت في أيدي المسلمين مائتين ونيفا وسبعين سنة.
وبقيت أحوال تميم بن المعز معتلة وأموره متدهورة إلى أن توفي سنة 501 هـ، وتولى بعده يحيي بن تميم.
وفي عهد هذا دخل محمد بن تومرت المهدية، متظاهرًا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثم رحل إلى المنستر ثم إلى بجاية.
ولما توفي يحيي سنة 509 هـ تولى بعده ابنه أبو الحسن علي بن يحيي باتفاق من الجند.
ودخل في حروب مع الأعراب كأبيه وجده.
واستمر حكمه إلى سنة 515 هـ حيث توفي وتولى بعده ابنه الحسن بن علي الذي كان عمره لا يتعدى اثني عشر عامًا.
فقصده صاحب صقلية سنة 517 هـ بأسطول ضخم ولما وصل المهدية هاج البحر ودمر سفنهم، وتعقبهم المسلمون بالقتل وغنم المسلمون غنائم كثيرة.
إلا أن هذا الطاغية عاود الكرة مرة ثانية، واستولى على جربة وسفاقص وطرابلس.
وفي سنة 543 هـ باغت أهل المهدية، وأخذ أهلها على حين غفلة منهم.
ففر منها الحسن بما خف حمله ودخلها النصارى من غير قتال.
واستولوا على ذخائر الحسن.
ثم انطلقوا نحو سوسة وسفاقص ودانت لهم سائر البلاد.
أما الحسن فقد التجأ إلى عبد المؤمن بن علي الكومي مستنجدًا به ومستجيرًا، فأكرمه وأحسن وفادته، وهب لنصرته، فاتجه بنفسه سنة 554 هـ ومعه الحسن بن علي في جيش جرار لم تشهد المنطقة مثله، وحاصر المهدية ستة أشهر وفتحها بكرة عاشوراء سنة 555 هـ، وهي التي

تعرف بسنة الأخماس، ودانت له سائر إفريقية، وجمع شتاتها تحت حكمه.
فانتشر الأمن, وشعر الناس بالطمأنينة والسلام.
ثم رجع إلى مراكش بعد أن استخلف على إفريقية أبا عبد الله محمد الكومي وجعل معه الحسن وأقطعه أراضي مهمة.
وبهذا انتهت دولة الصنهاجيين.
ويبدوا أن ابن بشير عاصر من ملوكهم تميم بن المعز، ويحيى بن تميم وعلي بن يحيي، والحسن بن علي آخرهم.
وقد تحدثت عن المعز ومن قبله رغم أن ابن بشير لم يعاصرهم لما لتلك المرحلة المتقدمة من تأثير على ما بعدها.
وهكذا يظهر أن ابن بشير رحمه الله عاش في فترة زمنية متسمة بالاضطراب وعدم الاستقرار بل بانتشار السلب والنهب ولعل ابن بشير نفسه كان واحدًا من ضحايا هذه المرحلة، إذ قتله قطاع الطرق كما سيأتي بيانه.
ويبقى السؤال الأهم وهو: كيف انعكست آثار هذا الوضع السياسي المضطرب على الحياة الفكرية والثقافية في المنطقة؟ هذا ما سنتحدث عنه في المبحث اللاحق.
...

* المبحث الثاني: الوضع الثقافي والفكري

توجد علاقة وطيدة بين الوضع السياسي والنشاط الفكري والأدبي الموازي له، وقد تنعكس الخطوب والفتن السياسية سلبًا على هذا النشاط فتميد العلوم ويهوي صرح الأدب.
وقد تنعكس هذه الأحداث إيجابًا فيحيي الله بها العلوم والآداب والثقافة، وهذا ما حصل في المرحلة المدروسة حيث انعكس الوضع السياسي المتدهور إيجابًا على الوضع الثقافي، واستفادت الثقافة من الصراع السياسي، إذ تنافس الأمراء والوزراء في تقريب العلماء ورعايتهم والإغداق

عليهم، إما لرغبتهم في العلم، أو لتزيين مجالسهم واجتلاب محبة الشعب لهم بهم.
فنتج عن هذا تنافس كبير في تحصيل العلم.
كما كان الصراع الفكري والتصادم المذهبي بين الفرق والمذاهب الإسلامية حافزًا مهما لدفع العلماء نحو البحث والتنقيب، نصرة للمذهب ودحضًا لآراء مخالفيه.
وقد تجلى هذا الصراع في شكل مناظرات كانت المساجد والقصور والمنتديات ساحة لها.
فافرز هذا النشاط الموازي أجيالاً من الأئمة النحارير والعلماء الجهابيذ، دونوا من الكتب والمصنفات ما لا يقع تحت حصر.

المطلب الأول: الوضع الثقافي في الشرق الإسلامي

: تعتبر منطقة الشرق الإسلامي؛ الشام والعراق ومصر، بحكم موقعها وظروفها التاريخية؛ موطنًا لكل المذاهب والفرق الإسلامية السنية وغير السنية؛ إذ امتزجت رواسب الديانات القديمة مع الفلسفة اليونانية المترجمة، فاصطدمت بالعقيدة الإسلامية الربانية.
فأفرز هذا الاصطدام مذاهب فكرية وعقائدية مختلفة.
كما كان لاختلاف مناهج الفقهاء في استنباط الأحكام دور أساس في نشوء المذاهب الفقهية.
وحتى لا نحيد عما نحن بصدده نبقى في الفترة المدروسة، وهي النصف الأخير من القرن الخامس والنصف الأول من القرن السادس.
ففي هذه الفترة كاد نجم المعتزلة يأفل، وذلك بفقدانهم لمناصرة العباسيين خاصة المأمون والمعتصم والواثق، الذين حملوا الناس على اعتناق آراء الاعتزال وأجبروهم على ذلك.
وما فتنة القول بخلق القرآن إلا نموذج لذلك.
وفي مقابل ذلك لمع نجم الأشاعرة وانتشر مذهبهم في الآفاق، لشهرة إمامهم وانسلاخه من الاعتزال بعد ما كان رأسًا فيه، ومحاولته التوسط بين المعتزلة وأهل الحديث.
بالإضافة إلى جهود أتباعه في تثبيت وتوطيد أركان المذهب.
وأذكر على سبيل المثال جهود الباقلاني (ت) 403 هـ والجويني (ت) 478 هـ والغزالي (ت) 505 هـ. كما أنه كان للأشاعرة دور مهم في صد الفكر الشيعي الباطني الذي تبناه البويهيون والقرامطة في بغداد والجزيرة، والعبيديون في مصر.

كما أن النزعة الصوفية عرفت تطورًا ملحوظًا وتقلبًا لم يكن يرضي كثيرًا من العلماء فقد انتقلت من زهد سني مقبول، إلى كشف 1 وتجل، ثم حلول واتحاد 2، وأخيرًا وحدة وجود 3. وبالنسبة للفقه فإنه يتميز في هذه الفترة بانقراض الاجتهاد المطلق الذي يتسم أصحابه بالاستقلال التام في الأصول والفروع، واقتصر الناس على المذاهب الأربعة المعروفة التي كانت موجودة في المشرق الإسلامي على تفاوت بينها في الانتشار.
فأخلدوا إلى تقليد هذه المذاهب.
واهتموا بتهذيبها وتوثيقها وتحرير أقوال أئمتها وتوجيهها والاستدلال لها والتخريج عليها وتأصيل أصولها وبناء فروعها.
وأحيانًا معاداة مخالفيها والذود عنها بالتأليف والمناظرة والتدريس، والتزام القضاة والمفتين بها وعدم الخروج عن قواعدها.
وقد كان أكثر هذه المذاهب انتشارًا في الشرق في هذه الفترة المذهب الشافعي وذلك بسبب تبني بعض قادة السلاجقة له، وخاصة الوزير نظام الملك ت 485 4، الذي لم يأل جهدًا في خدمة العلم والعلماء عن طريق المذهب الشافعي.
فبنى عدة مدارس فاخرة، وجلب كبار العلماء وأحاطهم بالرعاية والتكريم والتبجيل.
فكثر خريجو هذه المدارس، وانتشروا في سائر الأقطار، وتولوا أهم المناصب الإدارية، مما جعل نفوس كثير من العلماء تهفو إلى الانتماء للمذهب الشافعي، وأذكر منهم على سبيل المثال أبا

الفتح بن تركان (ت 518 هـ) المعروف بالجامعي الذي كان حنبليًا ثم انتقل إلى المذهب الشافعي 1. بل وجد من انتقل من المذهب الحنبلي إلى المذهب الحنفي ثم الشافعي كالمبارك بن المبارك الواسطي النحوي المعروف بالوجيه.
الذي أثار تحركه هذا اشمئزاز كثير من العلماء حتى قال الشاعر أبو البركات ابن زيد التكريتي: تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبل ... وذلك لما أعوزتك المآكل وما اخترت قول الشافعي تدينًا ... ولكنما تهوى الذي منه حاصل وعما قليل أنت لا شك صائر ... إلى مالك فافطن لما أنا قائل 2. أما المذهب الحنفي فيأتي في الدرجة الثانية بعد المذهب الشافعي رغم تبني الخلفاء العباسيين له وكثير من سلاطين السلاجقة، فقد انحصر انتشاره في العراق وبلاد الأعاجم وخراسان وفارس، ولعل مرد هذا الانحصار إلى كون كثير من المعتزلة تمذهبوا في الفروع بالمذهب الحنفي، فأعرض الناس عنه، خشية أن يتسرب الاعتزال إليهم، أو يصنفوا مع المعتزلة.
وبالنسبة للمذهب الحنبلي، فإنه أقل انتشارًا من سابقيه وقد كان مقتصرًا على بغداد، وذلك لأسباب عديدة منها عدم الدعم السياسي؛ إذ لم تتبنه أية سلطة سياسية، فاكتفى بطاقاته وقدراته الذاتية.
أضف إلى هذا طبيعة المذهب، إذ لم ينطلق انطلاقة واضحة من بداية أمره.
فقد اختلف في عده مذهبًا مستقلًا.
ويعد أبو بكر الخلال هو الذي حسم هذا الخلاف وجعله مذهبًا مستقلًا.
يقول الذهبي: "ولم يكن قبله للإمام مذهب مستقل حتى تتبع هو نصوص أحمد ودونها وبرهنها بعد الثلاثمائة" 3. ورغم هذا كله فإن صوت الحنابلة كان مسموعًا وتأثيره في الساحة ملموسًا.
وذلك لجرأتهم

على الصدع بالحق وصراعهم المرير مع الأشاعرة ومن قبلهم المعتزلة وغيرهما من الفرق الكلامية.
أما المذهب المالكي، فعلى الرغم من أن مصدره كان بالمدينة وكانت له مدرسة نشطة بالعراق، إلا أنه في الفترة المدروسة قل أتباعه، واضمحل تأثيره في المنطقة، ولم تكد تجد- بعد القاضي عبد الوهاب- مالكيًا لامعًا، اللَّهم إلا بعض الأفراد هنا وهناك، ربما كان أغلبهم نازحين من الغرب الإسلامي.

المطلب الثاني: الوضع الثقافي في المغرب والأندلس

: إذا كان الشرق الإسلامي عرف بكثرة مذاهبه وفرقه وطوائفه وصراعاته العقائدية، والفكرية، فإن الغرب الإسلامي على خلاف ذلك عرف استقرارًا فكريًا وهدوءًا عقائديًا على العموم، وذلك بحكم بعده عن الشرق مصدر الخلاف وموطن تفريخ المذاهب والفرق.
وبحكم طبيعة السكان وظروف المنطقة التاريخية فقد دخل الإسلام إلى المغرب والأندلس في إطار سني صاف من كل الشوائب والمعكرات، وصادف نفوسًا على الفطرة سرعان ما تخلصت من رواسب الوثنية والمسيحية، فتناغمت وانسجمت مع الإسلام الصحيح، ونفرت من باقي المذاهب المنحرفة وإن كان لبعض الفرق وجود في ظروف معينة كالخوارج والمعتزلة والشيعة، إلا أنه لم يكن لها جذور عميقة وممتدة في المجتمع المغربي، إذ سرعان ما تخلص المجتمع منها.
كما أن المذهب المالكي كان له دور مهم في ترسيخ العقيدة السنية ومنافرة علم الكلام.
فقد اعتنق المغاربة مذهب مالك في وقت مبكر جدًا، وجعلوه مصدرًا لعقيدتهم وسلوكهم ولم يحصروه أو يقصروه على الفروع كما هو الشأن عند المتأخرين.
فقد جعلوا نصب أعينهم قولة مالك التي توارثها عنه العلماء جيلًا بعد جيل، وجعلوها قاعدة لهم في هذا الشأن، وذلك عندما سئل عن معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)﴾، فقال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
يقول ابن عبد البر: "أجمع أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار، أن

أهل الكلام أهل بدع وزيغ.
ولا يعدون عند الجميع في طبقات العلماء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه.
ويتفاضلون في الإتقان والميز والفهم.
وقال أيضًا: أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام.
فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع؛ أشعريًا كان أو غير أشعري.
ولا تقبل له شهادة في الإسلام، ويفجر ويؤدب على بدعته.
فإن تمادى عليها استتيب منها .. وليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء نصوصًا في كتاب الله أو صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو اجتمعت عليه الأمة" 1. على هذا المنهج سار أهل المغرب والأندلس، إلى أواخر القرن الخامس الهجري.
فتبنى بعض كبار المالكية العقيدة الأشعرية، وفرضها الموحدون على الغرب الإسلامي، كما سيأتي توضيح هذا في الحديث عن إفريقية.
وبالنسبة للتصوف فقد عرفته المنطقة، وعرفت بدايته السنية القائمة على الزهد في الدنياّ، والرباط في الثغور، والجهاد في سبيل الله ضد النصارى.
إلا أنه ما فتئ يتأثر شيئًا فشيئًا بالتصوف الفلسفي القادم من الشرق، إلى أن وصل إلى حد الانحراف والتصادم مع العلماء المحافظين على سلامة العقيدة في جوهرها ومظهرها.
بل تطور التصوف في الأندلس حتى صدرت هذه الأخيرة للمشرق بعض زعماء التصوف من أشهرهم ابن عربي صاحب وحدة الوجود.
أما وضع الفقه، فإن المغرب والأندلس يعدان من البلدان القليلة التي عرفت وحدة المذهب الفقهي؛ فقد وصل إلى المغاربة في بداية أمرهم مذهب الإمام الأوزاعي، ومذهب الإمام أبي حنيفة النعمان 2. لكن سرعان ما تخلصوا منهما وتمسكوا بالمذهب المالكي، وآثروه على غيره من المذاهب، وتكونت لهم في نفوسهم منزلة عظيمة حتى عدوا من خالفه

جديرًا بالعقوبة.
فقد جاء في بعض مكاتبات المستنصر ما نصه: "من خالف مذهب مالك بالفتوى وبلغنا خبره أنزلنا به من النكال ما يستحقه، وجعلناه عبرة لغيره.
فقد اختبرت فوجدت أن مذهب مالك وأصحابه أفضل المذاهب، ولم أر في أصحابه ولا في من تقلد بمذهبه غير معتقد للسنة والجماعة.
فليتمسك الناس بهذا، ولينهوا أشد النهي عن تركه.
ففي العمل بمذهبه جميع النجاة" (1). ولعل هذا التصرف ومثله أدى إلى التعصب الممقوت فاكتوى به كثير من العلماء الذين لم يجدوا بدًا من مواجهته، وأذكر هنا على سبيل المثال موقف ابن حزم الذي واجه هذا الموقف بصلابة وعناد.
ومن بين أقواله في هذا الشأن، ما ذكره صاحب نيل الابتهاج حيث قال: "قد وصل أهل الأندلس في تقليد مالك حتى يعرضوا كلامه تعالى وكلام رسوله على مذهب إمامهم، فإن وافقاه قبلوهما وإلا طرحوهما وأخذوا بقول صاحبهم، مع أنه غير معصوم.
ولا نعلم بعد الكفر بالله معصية أعظم من هذا" (2). بعد هذا أرى أنه قد آن الأوان للحديث عن الوضع الثقافي في إفريقية موطن ابن بشير.

المطلب الثالث: الوضع الثقافي في إفريقية

قبل الحديث عن هذا الموضوع لا بد أن أشير إلى أنه لا يمكنني أن أبتر الفترة المدروسة عن سياقها الزمني وتأثير ما قبلها فيها.
ولذلك سأكون مضطرًا للحديث عن المؤثرات السابقة التي تركت بصماتها ماثلة في الفترة الزمنية المعنية.
وأستهل حديثي بعلم العقائد وعلم الكلام قبل الحديث عن وضع الفقه.12

أولًا علم العقائد وعلم الكلام:

من المؤكد أن أئمة أهل السنَّة والجماعة مالكًا وأبا حنيفة وأحمد والشافعي متفقون في الأصول والعقائد، مختلفون في الفروع.
والدليل على ذلك تطابق ما قرره ابن أبي زيد القيرواني في مقدمة رسالته مع ما قرره الطحاوي الحنفي في عقيدته، ما عدا الخلاف في تعريف الإيمان الذي خالف فيه أبو حنيفة، واعتبر ابن أبي العز الحنفي الخلاف لفظيًا (1). فالخلاف- إذا- كان بين أهل السنَّة من جهة وبين باقي الفرق من جهة أخرى.
ومن أهم الفرق التي كان لها وجود بالمنطقة وأثرت في ثقافتها الخوارج والمعتزلة والشيعة:

أ -الخوارج

: المعروف عن الخوارج أن تاريخهم تاريخ حروب وثورات وخروج عن الأئمة؛ فمن عهد الخليفة الراشد علي - رضي الله عنه - وهم يشكلون شوكة في خاصرة الدولة الإسلامية، ولم يستطع لا الأمويون ولا العباسيون القضاء عليهم، رغم أنهم تمكنوا من كسر شوكتهم وتمزيقهم وتشريدهم في البلاد.
ولعلهم وجدوا في الغرب الإسلامي ملاذًا آمنًا ومستقرًا بعيدًا عن بطش الخلفاء الأمويين والعباسيين.
وإن كان البعض يرجع سبب وجودهم في الغرب الإسلامي إلى عكرمة مولى ابن عباس.
قال يحيي بن بكير: "قدم عكرمة مصر وقدم هذه الدار وخرج إلى المغرب.
فالخوارج الذين بالمغرب عنه أخذوا" 2. ومهما يكن من أمر، فإن تأثيرهم في الساحة الفكرية كان خافتًا ومضمحلًا, لأنهم لم يسلكوا مسلك الإقناع والحجة والمناظرة والتأليف، بل سلكوا مسلك الخشونة والشدة والتهور وحمل الناس على آرائهم بالعنف1

والقسوة.
ولهذا لم يحتج علماء السنَّة كبير جهد لدحض آرائهم، بل كان صراعهم غالبًا مع الحكام.
وقد حاولت الوقوف على بعض علمائهم ونظارهم في المنطقة فلم أقف إلا على قلة قليلة منهم، كمعاوية بن الصمادحي (ت) 199 (1) هـ، وأبي الخطاب الكندي (2)، وهود بن محكم الهواري عاش في النصف الثاني من القرن الثاني (3)، وسليمان بن يخلف أبي الربيع المزاتي (4)، وموسى بن زكريا المزاتي الدمري (5).

ب- المعتزلة

: لقد ظهرت البوادر الأولى للاعتزال في المنطقة، منذ زمن مؤسسه واصل بن عطاء.
حيث يحكي القاضي عبد الجبار في كتابه فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة أن واصلاً أرسل بعثة إلى المغرب لنشر الاعتزال هناك 6. وقد كانت آثار هذه البعثة واضحة في المغرب الأقصى وبالأخص في طنجة والمغرب الأوسط خصوصًا بتهارت، إلا أن تلك الآثار امتدت إلى إفريقية 7، حيث وجدت مناصرًا قويًا وداعمًا سياسيًا من طرف الأغالبة تقليدًا للعباسيين.
وحتى عند اندثار دولة الأغالبة واستيلاء العبيديين على إفريقية، لم يجد المعتزلة حرجًا في التحالف معهم ضد أهل السنة.
والأمثلة على ذلك كثيرة منها: أن إبراهيم بن محمد الضبي أبا إسحاق المعروف بالبرذون12345

فصول الكتاب · 12 فصل · 967 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العبادات · 967 صفحة
المقدمة
كتاب التنبيه على مبادئ التوجيه،
كتاب الجامع
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الجنائز
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة
كتاب الزكاة الثاني
جارٍ التحميل