التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العباداتصفحات 165-204
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وابن بشير، الذين ضاهوا الأوائل في كثرة تخريجاتهم واستقراءاتهم، والتي جرت عليهم انتقادات ممن جاء بعدهم، وخاصة اللخمي وابن بشير.

المطلب الثاني: منزلة ابن بشير الاجتهادية

بعد تدقيق النظر وإمعانه في الإجراءات والتخريجات التي وقفت عليها لهؤلاء الأئمة، خاصة منهم ابن بشير يمكنني أن أقول بأنه كان مجتهداً منتسباً؛ وهي منزلة بين الاجتهاد المطلق واجتهاد التخريج، فهو لم يستقل بأصوله بل تمسك بأصول المالكية في الاستنباط والتوجيه والتخريج، إلا أنه لم ينظر في نصوص إمام المذهب نظر المجتهد المستقل في نصوص الشارع، بل كان يرى عدم جواز ذلك، ويستشف هذا من اعتراضه على الباجي حين استقرأ من ألفاظ المدونة؛ اشتراط الجماعة لخطبة الجمعة وقد مر النص قريباً (1) وقد أوضح ذلك النص بجلاء موقفه من هذا النوع من التخريج.
إلا أن هذا لا يعني أنه كان لا يرى جواز التخريج على نصوص الإمام بل إن موقفه هذا كان محصوراً في استنباط الأحكام واستثمارها من نص الإمام.
وإنزال نصوصه منزلة ألفاظ المشرع، أما ما عدا ذلك فإننا نجده يخرج على نصوص الإمام، بمعنى أنه يقيس عليها ويلحق بها نظيرتها.
كما أنه يخرج على نصوص الشارع، وعلى القواعد الأصولية والفقهية، فنتج عن هذا انفراده ببعض الأقوال وإنشاؤه للخلاف في بعض المسائل.
وهذه أمثلة نصية توضح ذلك:

أولاً: تعامله مع نصوص الشارع مباشرة:

النموذج الأول: قال أثناء حديثه عن حكم المولاة في الوضوء: " ... وسبب الخلاف بين الوجوب والسقوط مبني على خلاف الأصوليين في الأمر هل يقتضي الفور أو للمكلف التراخي؛ فإن قلنا إنه يقتضي الفور وجبت1

الموالاة، وإن قلنا إنه يقتضي التراخي لم تجب.
وكذلك أيضًا وضوؤه - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (1). يتضح في هذا النص أنه وظف القواعد الأصولية، وطبقها على الحديث مباشرة، وأجرى حكم ترتيب أفعال الوضوء على حكم موالاة الأفعال، ولم يعتمد على نصوص المذهب.
النموذج الثاني: قال ابن بشير: "ولا خلاف أن الخطبة إذا اشتملت على حمد الله تعالى [والثناء عليه] والصلاة على نبيه عليه السلام وشيء من الوعظ ومن تلاوة القرآن أنها مجزية.
ولا يوجد في المذهب نص على اشتراط خطبتين حتى لا يجوز دونهما.
وحكى أبو الحسن اللخمي في ذلك قولين.
وهذا لو ساعدته الروايات لكان له وجه، لأن الرسول عليه السلام خطب خطبتين، فيجري على ما قدمناه من الالتفات إلى أفعاله.
وإن أتى منها بما لا بال له، مثل أن يقول الحمد لله وشبهَه.
فهل يجزي؟ قولان.
والرجوع في ذلك إلى لسان العرب، ولا شك أن مثل هذا المقدار لا يسمى خطبة ... " (2). يتضح من هذا النص أنه استدل على وجوب الخطبة من فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الرغم من وجود النص في المذهب واحتكم إلى أهل اللسان ولم يحتكم إلى نصوص المذهب.

ثانياً: تعامله مع القواعد الأصولية والفقهية.

النموذج الأول: قوله: "وفروض الأعيان تجب بالعقل والبلوغ والإسلام ودخول الوقت.
واشتراطنا البلوغ بعد ذكر العقل يجري على خلاف الأصوليين هل يوصف غير البالغ بالعقل أم لا؟ فإن قلنا إنه موصوف بذلك فيشترط البلوغ.
وإن قلنا إنه غير موصوف بذلك فيكتفى باشتراط العقل.
وأما اشتراط الإسلام فيجري على الخلاف في الكفار هل هم12

مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟ وإن قلنا إنهم مخاطبون فلا يشترط الإسلام، وإن قلنا إنهم غير مخاطبين فيشترط ... " (1). نلاحظ أنه وظف هنا مسألتين أصوليتين وهما هل يوصف غير البالغ بالعقل أم لا؟ وهل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟.
النموذج الثاني قوله: "وإن رجع سهواً فلا تبطل صلاته بلا خلاف فإن رجع جهلاً يجري على الخلاف في حكم الجاهل هل هو كالناسي أو كالعامد؟ " (2). نلاحظ أنه وظف في هذه المسألة قاعدة فقهية وهي هل الجاهل كالناسي أو كالعامد.
النموذج الثالث قوله: "ومنها لو طرأ الخوف ثم انكشف الغيب بعدمه فالمنصوص من المذهب صحة الصلاة وإسقاط الإعادة.
واستحب ابن المواز الإعادة في الوقت؛ وقد يقال: يجري الخلاف في الإعادة في الوقت على الخلاف في الاجتهاد هل يرفع الخطأ أم لا؟ ولعلٌّ هذا لم يقل به أحد من أهل المذهب" (3). نلاحظ أنه وظف قاعدة أصولية وهي هل الاجتهاد يرفع الخطأ أم لا؟ وانفرد بقول في المذهب.

ثالثاً: إجراء المسكوت على المنطوق:

النموذج الأول: قال ابن بشير: "وقد قدمنا أن ما لا نفس له سائلة لا ينجس [بالموت] عندنا، والبرغوث من هذا القبيل.
هذا إذا لم يجلب دماً فإن اجتلبه فقولان: فقيل هو طاهر نظراً إلى أصله، وقيل: نجس نظراً إلى الدم الحاصل معه.
وعلى هذا يجري حكم قتل البرغوث في المسجد" 4.123

نلاحظ هنا أنه أجرى حكم البرغوث إذا قتل في المسجد على حكم الميت الذي لا نفس له سائلة.
النموذج الثاني: قال ابن بشير: "وصوم رمضان من معالم الشريعة وأركان الإسلام.
ووجوبه معلوم من دين الأمة ضرورة، ومن يجحد الوجوب فهو كافر قطعاً؛ فإن أقر بالوجوب وامتنع من الصوم فهل يكون كافرا؟ يجري على ما قدمناه من الخلاف في المُقر بوجوب الصلاة التارك لها." (1). نلاحظ أنه أجرى حكم تارك الصيام المقر به على تارك الصلاة المقر بها.

رابعاً: الأجراء على الخلاف.

النموذج الأول: قال ابن بشير: "وفي المدونة في من صلى وذكر في الصلاة أنه نسي مسح رأسه فلا يجزيه أن يمسح رأسه بما في لحيته من بلل.
وهذا لا شك أنه يقطع الصلاة لأنه صلى بوضوء ناقص، وإذا قطع فإن كان ليس في لحيته من الماء ما يكفي لمسح رأسه فلا شك أنه يطلب الماء لذلك، وإن كان فيها من البلل ما يكفي لمسحه فهل يمسح بذلك أم لا؟ أما إن كان بحضرة ماء فإن لا يمسح بذلك.
وأما إن بعد عن الماء فيجري على الخلاف في الوضوء بالماء المستعمل، وقد تقدم" 2. نلاحظ هنا أنه أجرى حكم من وجد في لحيته بللاً لا يكفي لمسح كامل رأسه على الخلاف في الوضوء بالماء المستعمل.
النموذج الثاني: قال ابن بشير: " ... وكذلك يجري الحكم في مسح الرأس في الوضوء.
فإنه أجاز في المدونة أن تمسح على ضفرها.1

وهذا إذا لم يكن عليه حائل يمنع من وصول الماء إليه؛ فإن كان هناك حائل جرى نقضه وعدم نقضه على الخلاف في وجوب إيعاب جميع الرأس فقد تقدم".
نلاحظ هنا أنه أجرى حكم مسح الضفائر في الوضوء إذا كان هناك حائل يمنع وصول الماء، على الخلاف في وجوب إيعاب جميع الرأس.

خامساً: تخريج قول ثالث:

الأمثلة السابقة قد لا يكون فيها نص لأهل المذهب، فيجتهد ابن بشير لإلحاقها بمثيلاتها، ويخرج لها حكماً، أما هذه فقد وجدت فيها أحكام ونصوص، لكنه رأى أنه من الممكن أن تجري فيها أحكام أخرى، غير التي نص عليها سابقوه، وهذه أمثلة توضح ذلك: النموذج الأول: قال في حديثه عن إمامة العاجز عن القيام إذا كان المقتدون به عاجزين كعجزه: "وإذا صححنا الإقتداء به فصح بعض المقتدين فما يفعل؟ قولان: قيل يقوم فيتم لنفسه فذًا؛ لأنه افتتح الصلاة بوجه جائز، ولا يصح إتمامه مقتديًا.
والثاني أنهم يتمون معه الصلاة قائمين.
وهذا تعويلاً على صحة الإقتداء به أولاً، ومراعاة لقول من يقول يجوز الإقتداء بالجالس وإن كان المقتدي به قائماً، ويجري فيه قول ثالث: أنه يقطع الصلاة كالأمة تعتق في الصلاة وليس عليها ما يستر عورة الحرة." 1. نلاحظ هنا أنه حكى قولين عن المذهب وزاد قولاً ثالثاً يمكن أن يجري في المسألة.
النموذج الثاني: قال ابن بشير: "والستر هل هو من شرط صحة الصلاة، أو هو فرضٌ، من تركه أثم لكنه ليس بشرط في صحة الصلاة؟ وقد قدمنا القولين في الرجل يصلي بادي الفخذين هل يعيد في الوقت، أو لا إعادة عليه؟ فأما الإعادة في

الوقت فيحتمل أن يكون بناء على أن الفخذين ليسا بعورة ولكنه يعيد مراعاة للخلاف، أو على أنه عورة لكن يقتصر على الإعادة في الوقت مراعاة للخلاف.
وأما ترك الإعادة فيحتمل أن يكون بناء على أن الفخذين ليسا بعورة وهو الظاهر أو على أنه عورة، لكنها عورة خفيفة.
ولا شك أنه يجري فيه قول ثالث بوجوب الإعادة وإن خرج الوقت بناء على أنه عورة على ترك مراعاة الخلاف" (1). نلاحظ أيضًا أنه ذكر قولين في المسألة ونص على إمكان إجراء قول ثالث فيها.
النموذج الثالث: قال في حديثه عن زكاة المغشوش من الدنانير: " ... فإن اختلفت الموازين وكانت في بعضها كاملة وفي بعضها ناقصة فالمنصوص للبغداديين وجوب الزكاة تعويلاً على الكمال.
ولا يبعد أن يجري على قولين.
وبين الأصوليين خلاف إذا اجتمع شيئان أحدهما موجب والثاني مسقط هل يغلب الموجب أو بالعكس؟ " (2). نلاحظ هنا أنه ذكر قولاً منصوصا للبغداديين ورأى أنه يمكن أن يجري فيه قول آخر.
النموذج الرابع: قال في حديثه عن العطايا التي تقارن العقد ويقع عليها النكاح: "فإن انفسخ النكاح فهل تبقى على حكمها الأول من عدم افتقارها إلى الحوز أو لا تبقى على ذلك؟ فيه قولان للمتأخرين، ويجري فيه قول ثالث بأنها لا تلزم إذا ظهر أنها إنما أعطيت بقصد صحة النكاح." (3). نلاحظ أنه ذكر هنا قولين للأشياخ وزاد قولاً ثالثاً.

سادساً: إنشاؤه للخلاف:

ومما يلحق بالأمور السابقة؛ إنشاؤه للخلاف في مسائل لم يختلف123

فيها أهل المذهب، وقد يعبر عن ذلك بأساليب متعددة، منها قوله: "ينبغي أن يختلف" أو "لا يبعد أن يختلف" أو "فقد يختلف" أو "فيختلف".
أما إذا كان يحكي الخلاف عن علماء المذهب فإنه يستعمل الفعل الماضي المبني للمجهول اختلف، أو يبنيه للمعلوم وينسبه للمختلفين كقوله: اختلف الأشياخ أو المتأخرون أو غيرهم.
وقد سبق الحديث عن الخلاف عند ابن بشير، وأنه محصور في الخلاف الصغير أو النازل.
فنكتفي هنا بذكر أمثلة على إنشائه للخلاف.
النموذج الأول: قال فيمن صلى إلى غير القبلة: "فأما من صلى وهو قادر على التحويل أو التحول فينبغي أن يعيد أبدًا.
وأما من لم يقدر على ذلك لفقد من يحوله؛ فينبغي أن يختلف في إعادته كما اختلف في [إعادة] المريض يعدم من يناوله الماء، فيتيمم ويصلي ثم يجد من يناوله." 1. نلاحظ أنه أجرى المسألة على نظيرتها فرأى أنه يجب أن يختلف فيها كما اختلف في مثيلاتها.
النموذج الثاني: قال في العاجز عن كل حركات الصلاة ولم يبق له إلا النية: " ... وقد طال بحثنا عن مقتضى المذهب في هذه المسألة.
والذي عولنا عليه في المذاكرات موافقة مذهب الشافعي مع العجز عن نص يقتضيه في المذهب .... ولا يبعد أن يختلف المذهب في هذه المسألة وإن وجد فيها نص] " 2. نلاحظ أنه وإن ركن للمذهب الشافعى فإنه لا يستبعد أن يختلف المذهب لوجود أسباب الاختلاف.

النموذج الثالث: قال ابن بشير: "ولا يجوز أن يصلي وهو يدافع خروج الحدث؛ فإن فعل ففي الكتاب يعيد بعد الوقت.
قال الأشياخ: وهذا على ثلاثة أقسام: أحدها أن يمنع الحدث إتمام الفروض، وهذا يعيد في الوقت وبعده.
والثاني أن يمنعه من إتمام السنن، فهذا يعيد في الوقت لا بعده.
وينبغي أن يختلف في هذا على الخلاف في تارك السنن [متعمداً] هل يعيد بعد الوقت؟ ... " (1). نلاحظ هنا أنه ذكر قول الأشياخ، ورأى أن المسألة ينبغي أن يختلف فيها، طرداً للقواعد وإجراءً لها على مثيلاتها.
بعد هذا أنتقل إلى قضية أخرى وثيقة الارتباط بالاجتهاد أعني التعليل.

المطلب الثالث: التعليل عند ابن بشير

: إن إدراك كنه الشريعة، مرتبط أشد الارتباط بمعرفة مقاصدها وأسرارها وعللها "فمن لم يتفقه في مقاصد الشريعة فهمها على غير وجهها" 2. "وزلة العالم أكثر ما تكون عند الغفلة عن اعتبار مقاصد الشريعة" 3. لقد كان ابن بشير مدركاً لهذه الحقيقة أشد الإدراك.
وبذل جهداً في إبراز علل الأحكام وأسرارها، وألف في ذلك كتاباً مستقلاً سماه: "الأنوار البديعة إلى أسرار الشريعة" وجعل كتاب التنبيه، مدخلاً لهذا الكتاب 4. فمزج فيه الأحكام بالعلل حتى أصبح الكتاب يتميز بهذه الميزة قال محمد مخلوف: "ألف كتاب التنبيه ذكر فيه أسرار الشريعة" 5 ولو أنه ركز على النصوص الشرعية، بدل الأقوال الفقهية؛ لكان من أوائل المؤسسين لعلم المقاصد لكن يبدو أنه تأثر بشيخه اللخمي الذي رسم معالم هذا المنهاج 6.1

ويمكن تصنيف جهود ابن بشير في هذا المجال، ضمن المقاصد الجزئية التي تكتفي بذكر مقاصد الأحكام الفرعية، وإن كان من حين لآخر يتعرض للمقاصد الخاصة والعامة (1).

تجاذب الأحكام بين التعبد المحض ومعقولية المعنى

: لقد قسم الغزالي الأحكام الشرعية إلى ثلاث أقسام: قسم تعبدي محض لا مدخل للحظوظ والأغراض فيه، وقسم المقصود منه حظ معقول وليس يقصد منه التعبد.
وقسم مركب يقصد منه الأمران جميعاً وهو حظ العباد وامتحان المكلف بالاستعباد.
وبغض النظر عن صحة هذا التقسيم أو عدم صحته 2، فإن ابن بشير سار عليه.
فنجده يتردد أحياناً في إلحاق بعض العبادات بأحد الأقسام، أو يجزم بأنها من قسم معين.
والأمثلة على ذلك كثيرة منها: أولاً: الأحكام التي اختلف العلماء في كونها معللة أو غير معللة فمن ذلك: أ- اختلاف العلماء في غسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب هل هو للتعبد المحض أو لما يمكن أن يكون ولغ فيه من النجاسة أو لأنه مما يستقدر 3. ب- اختلاف القائلين بغسل جميع الذكر من المذي هل يفتقر إلى نية1

أم لا؟ وسبب الخلاف هل غسل جميعه تعبد فيفتقر إلى النية أو غسله لتتقطع مادة المذي فلا يفتقر إلى نية؟ 1. ج- الاختلاف في طلاق غير المدخول بها.
هل يجوز في الحيض إذ لا عدة يخاف تطويلها أو لا يجوز لأن ذلك غير معلل 2. د- وقال في أنصبة الزكاة: "وقد تصرفت الشريعة في هذه النصب تصرفاً مناسبًا يعقل معناه وإن كان فيه شوب التعبد على التفصيل" 3 ثم راح يذكر بعض الحكم والأسرار.
فهذه نماذج من الأحكام تردد الفقهاء في إلحاقها بأحد الجانبين؛ جانب الأحكام المعللة أو جانب الأحكام التعبدية.
وأما ما جزم بأنه تعبد محض فهو قليل، منه قوله: "وهل يفتقر النضح إلى نية؟ للمتأخرين قولان: أحدهما وجوب النية لأنه تعبد، والثاني إسقاطها.
قال ابن محرز؛ لأنه لا يخلو أن يكون أصابه شيء أم لا؟ فإن أصابه فلا يفتقر إلى نية، وإن لم يصبه فلا شيء عليه.
وهذا الذي قاله هو القياس، لولا أن النضح تعبد والتعبد يفتقر إلى نية" 4. أما ما عقل معناه فهو كثير منه ما حكاه عن غيره وأقره ومثاله: ما حكاه عن أبي المعالي في المقصد من الصوم فقال: " ... المقصود بالصوم في الشريعة وجهان: أحدهما: كسر الشهوتين؛ شهوة البطن والفرج، فإنهما إذا أرسلا على شهواتهما ولم تعود النفوس كسرها دعتا إلى الوقوع في المحظور.
وإذا تعوَّد الإنسان إمساكهما عن المباح وأخذ نفسه بذلك قدر على إمساكهما عن الممنوع.
فكأن الصوم في الشريعة إمساك عن مباح

ليكون حمى للممنوع، وعليه نبه - صلى الله عليه وسلم -: "أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلاَ وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ".
والوجه الثاني: أن المقصود أيضًا كسر الشهوتين.
لكن ليس للاعتياد، بل يحصل من نفس الكسر قمع النفس عن شهواتها ومنعها من الاسترسال على لذاتها.
وإليه الإشارة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الصَّوْمُ جُنَّةٌ"" 1. ومنه ما حكاه عن المحققين في علة إدراك الصلاة بركعة واحدة قبل خروج الوقت.
فقال: "قال المحققون في الانتصار للمشهور إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما جعل مُدْرَكَ الصلاة قبل الطلوع أو قبل الغروب بالركعة؛ لأن الركعة صلاة كاملة؛ فيها تكبير وقيام وقراءة وركوع وسجود، وهذه جملة أحكام الصلاة.
ثم الركعات بعدها تكرير لهذه الأفعال من غير زيادة، وإنما تكررت لحصول تأثيرها في النفس وهي في معنى الأول قطعاً، فالمدرك للركعة حصلت له جملة الصلاة في الوقت" 2. ومنه ما نقله عن غيره وانتقده وله عدة أمثلة منها: أ- قال في الزرع الذي يسقى بالسيح، لكن رب الأصول لا يملك الماء وإنما يشتريه: "ومن أوجب هاهنا نصف العشر فإنما يعول على الالتفات إلى المعنى، وأن مقصود الحديث أن ما فيه كلفة ففيه نصف العشر، وما لا كلفة فيه ففيه العشر [كاملاً]، وهذا ظاهر [ما لم] يصادم النص؛ فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - جعل فيما يشرب بالعيون [أو بالبعل] العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر، فينبغي أن ينظر إلى المعنى لكن من غير أن يعود التعليل بمصادمة النص، وقد قال المحققون: إن كل علَّة تعود على النص بالإبطال فهي باطلة" 3. ب- قال في علة كراهية اتخاذ الأعرابي إماما: "وأبو الوليد الباجي

يرى أن العلة في الكراهية كالعلة في كراهة العبد، هو مداومته على ترك بعض الفروض كالجمعة، وإكمال الصلاة لكثرة أسفاره.
وابن حبيب وغيره من أهل المذهب يعللون لجهله بالسنن.
ولو صح ما قالوه لمنعت إمامته، لأنه إذا جهل أحكام الصلاة كان الإتمام به معرضًا للبطلان" 1. ج - قال في علة طهارة بول الصبي ونجاسة بول الصبية: "وقد علل هذا المذهب بأن الذكر خلق من تراب والأنثى من ضلع، فإذا لم يأكلا الطعام رُدَّا إلى أصلهما، فالتراب طاهر والضلع نجس.
وهذا ليس بشيء لأنه يقتضي الحكم بطهارة الرجيع وأجمعت الأمة على نجاسته.
وإنما الخلاف في البول.
وأيضاً فإن المخلوق من تراب ومن ضلع هما أصل الخلقة، آدم وحواء.
وأما من بعدهما فهو مخلوق من نطفة" 2. أما ما لم ينسبه لغيره فهو كثير منه: أ- قال في وجوب جمع الذهب والفضة في تكميل النصاب، لاتحاد مقاصدهما: "ولما كان النقدان متفقين في حال المقاصد، وأنهما ثمن للمبيعات وقيم المتلفات، وهذا هو المقصد الأول [بهما]، ولا يختلفان إلا من باب كثرة القيمة وقلتها وجب عندنا أن يجمعا في الزكاة فيكمل النصاب من أحدهما بالآخر" 3. ب- قال في علة كراهية الصلاة بين الأساطين: "والصلاة بين الأساطين مكروهة، إلا أن يضيق المسجد.
واختلف في علة الكراهية فقيل: أنها محل الشياطين والنجاسات، إذ كانوا يلقون هناك نعالهم، وقيل إنما كرهت لتقطيع الصفوف، ولا تفسد الصلاة على هذا التعليل.
وإن عللنا بنجاسة الموضع تفسد الصلاة" 4.

ج- قال في العلة في امتناع أهل الفضل عن الصلاة، على مظهري الكبائر: "فينبغي لأهل الفضل أن يجتنبوا الصلاة على مظهري الكبائر ليرتدع بذلك أمثالهم" (1). د- قال في العلة من منع إعطاء آل البيت من الصدقة: "فالمنع لقوله - صلى الله عليه وسلم - للحسين رضي الله عنه وقد أخذ تمرة من تمر الصدقة: أما علمت أن الصدقة لا تحل لآل محمد.
ومن حمل ذلك على عمومه؛ منع في التطوع والواجبة، ومن قصره على الغالب من كونه من الصدقة الواجبة، قصره على الواجب دون التطوع.
ويدل عليه تعليله - صلى الله عليه وسلم - للمنع لأنها أوساخ الناس.
وأما الجواز مطلقاً فمعلل بأنهم إنما منعوا منها لما كانت الأرزاق الواجبة لهم جارية عليهم، والآن انقطعت فحلت لهم الصدقة.
وأما التفرقة في إجازة الواجبة دون التطوع فإن الواجبة لا مِنَّة فيها بخلاف التطوع، فجاز لهم أخذ ما لا منة فيه" (2).

المطلب الرابع: ابن بشير والأصول

: إن كل من أراد أن يسلك مسلك الاجتهاد، لا مناص له من التحقق والتمكن من الأصول، وابن بشير حامل لواء الاستقلال بالاجتهاد والترفع عن أهل التقليد، كان واحداً ممن استجمعوا شرائط هذا العلم وسلكوا سبيله.
بل عبدوه ومهدوه لغيرهم.
فهو كثير الاعتماد على القواعد الأصولية في كتابه التنبيه، وقد وظفها توظيفًا رائعاً محكمًا، فمزج الفروع بالأصول وبين مناهج العلماء في استنباط الأحكام، وتوسع في ذلك توسعا بينا لا تخطئه العين.
حتى أصبح ذلك سمة بارزة فيه.
ولعل ما ساعده على ذلك اهتمامه بهذا العلم، وإفراده بالتأليف 3 في12

وقت اتهم فيه المغاربة بالتقصير في علم الأصول والعزوف عنه وقلة بضاعتهم فيه 1. ومن كثرة استعماله للقواعد الأصولية واعتماده عليها، أصبح محط انتقاد بعض العلماء.
قال ابن فرحون: "وكان رحمه الله يستنبط أحكام الفروع من قواعد أصول الفقه.
وعلى هذا مشى في التنبيه.
وهي طريقة نبه ابن دقيق العيد على أنها غير مخلصة، إذ الفروع لا يطرد تخريجها على القواعد الأصولية" 2. وقد سبق الحديث عن هذه القضية، فلا داعيًا لتكراره 3. ومهما يكن من أمر فإن الدارس أو المتفقه، يجد متعة في التعامل مع القواعد الأصولية وربطها بالفروع الفقهية.
فهي الوسيلة المثلى لتنمية الملكة والمساعدة على استنباط الأحكام واستثمارها.
ولتجلية الموضوع أكثر يستحسن ذكر بعض القواعد الأصولية التي احتج بها ابن بشير أو رد إليها اختلاف الفقهاء.
فمن ذلك قوله: هل الأمر يدل على الوجوب أو الندب؟ 4 هل القضاء يفتقر إلى أمر ثان؟ 5 هل الأمر يقتضي الفور أم التراخي؟ 6. هل الأوامر تتعلق بوقت الكراهة؟ 7 هل يقتدى بأفعاله كلها؟ 8 هل الأمر بالشيء نهي عن

ضده؟ 1 هل تحمل الأسماء على الأوائل أم الأواخر؟ 2 هل العطف يفيد التشريك؟ 3 هل الجمع يفيد التشريك؟ 4 هل إلى للانتهاء أم للغاية؟ 5 هل يخصص العام بالعادة؟ 6 هل العام الوارد على سبب يتعداه أم لا؟ 7 هل النفي يقتضي الإجمال؟ 8 هل يرد المطلق إلى المقيد؟ 9 هل يعمل بدليل الخطاب؟ 10 هل يعمل بلحن الخطاب؟ 11 ما المقدم إذا اجتمع موجب ومسقط؟ 12 إذا قال الصحابي شيئاً ولم ينكر عليه هل يعد إجماعا؟ 13 إذا قال الصحابي شيئاً من السنَّة كذا هل يضاف إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ 14 زيادة العدل هل تقبل أم لا؟ 15 هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ 16 هل يكلف غير المطبق؟ 17 ما العمل إذا تعارض استصحابان؟ 18 هل يقاس على الرخص؟ 19 هل يعول على قياس الشبه 20 ما حقيقة قياس العكس 21 هل

يقدم القياس على خبر الآحاد؟ (1) هل ترتفع العلة بارتفاع حكمها أم لا؟ (2) هل يجب النسخ بالبلوغ أو بالنزول؟ (3) هل كل مجتهد مصيب أم لا؟ (4) إلى غير ذلك ... هذا العدد الكبير من القواعد الأصولية المنثورة في الكتاب، تضفي عليه قيمة علمية خاصة، وتحقق أهداف مؤلفه منه وهي التمرس على الاجتهاد والارتفاع عن التقليد.

المطلب الخامس: ابن بشير والقواعد الفقهية

: إذا كان الفقه هو ثمرة العلوم الشرعية، فإن القواعد الفقهية هي ثمرة الفقه وزبدته، فيها تبلورت العقلية الفقهية الإسلامية الناضجة، القادرة على التجميع والتأصيل للمسائل الفقهية المتكاثرة 5. وقد ظهر علم القواعد الفقهية كمادة مستقلة في القرن الرابع الهجري، وذلك بعد اختمار ونضج المادة الفقهية، فانكب أصحاب كل مذهب على دراسة فروع مذهبهم، ووضع الضوابط والقواعد له وضم المسائل المتشابهة إلى نظائرها، وجمع كل قضية مع شبيهتها.
وهذا كله من أجل تكوين الملكة الفقهية، واكتساب القدرة على التخريج والتفريع وتيسير ضبط الفقه واستحضار جزئياته.
وقد ألف عدد من الفقهاء كتباً مستقلة في هذا الميدان.
وبالنسبة لابن بشير فإننا لا نسنطيع أن نثبت له كتاباً مستقلاً في هذا الفن، ولا أن ننفيه عنه، نظراً للإهمال الشديد الذي تعرض له تراثه، نعم نستطيع أن نجزم له بكتاب في الأشباه والنظائر وقد سبقت الإشارة إلى1234

ذلك، ومعلوم أن هناك فرقا بين القواعد الفقهية والأشباه والنظائر: إذ الأولى عبارة عن أصول فقهية كلية في نصوص موجزة دستورية تضم أحكاماً تشريعية عامة، في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها، وتصاغ بعبارة موجزة ومحكمة 1، وتلحق بها القواعد الفقهية التي تشمل جزئيات وفروع تندرج في باب واحد أو جزء من باب 2. أما الأشباه والنظائر، فليست كذلك.
إذ يقصد بها المسائل التي يشبه بعضها بعضا مع اختلاف في الحكم لأمور خفية 3 ... ومهما يكن من أمر فإن ابن بشير ضمن كتابه التنبيه على مبادئ التوجيه مادة علمية غزيرة في مجال القواعد الفقهية لو استخرجت منه لكانت كتاباً ضخما 4. ومعظم القواعد التي وظفها ابن بشير في كتابه هي قواعد وأحكام كلية خلافية، كانت مثار نقاش وجدال بين الفقهاء ونتج عن الخلاف فيها خلاف في فروع أخص منها.
ولعل لهذا ما يبرره، إذ الكتاب قصد به حكاية الخلاف داخل المذهب، فناسب هذا التعامل مع هذا النوع من القواعد الفقهية.
وأرى من المفيد ذكر بعض القواعد التي تعامل معها ابن بشير في كتابه.
فمنها على سبيل المثال: "من ملك أن يملك هل يعد مالكاً؟ " 5 "هل تراعى الطوارئ أم لا؟ " 6 "الأتباع هل تعطى حكم نفسها أو حكم متبوعاتها؟ " 7 "هل يكون

النظر إلى الحال أو إلى المآل" (1) "هل المساكين كالشركاء بمضي الحول، أو ليس كالشركاء؟ " (2) "المترقبات هل تعد حاصلة من يوم ترقبها أو من يوم حصولها؟ " (3) "إمكان الأداء هل هو شرط في الوجوب أم لا؟ " (4) "هل يعطى الحكم للنية أو للموجود؟ " (5) "هل تتعين الأضحية بالشراء أو بالنية؟ " (6) "من ملك ظاهر الأرض هل يملك باطنها أم لا؟ " (7) "مجيء السعاة هل هو شرط في الوجوب أو في الأداء" (8) "هل كل جزء من الصلاة عبادة قائمة بنفسها أو يقال صحة أوائلها موقوف على صحة أواخرها؟ " (9) "هل يعلق الحكم على الصور النادرة أم لا؟ " (10). هذه جملة من الأمثلة على القواعد الفقهية التي تعامل معها ابن بشير في كتابه، ووظفها فيه، ولعل الحديث عن طريقة استثماره لها ومنهج استدلاله بها في الخلاف يقتضي بحثاً مستقلاً فلنكتفي بما ذكرنا.

المطلب السادس: مصادر ابن بشير في الكتاب

: إذا كان بعض العلماء يميلون إلى التكتم على مصادرهم، وعدم البوح بها، كابن رشد الحفيد في بداية المجتهد ونهاية المقتصد، وابن خلدون في المقدمة وغيرهم، فإن ابن بشير كان واضحاً في هذه المسألة، كاشفاً عن مصادره ومبيناً لها في الغالب الأعم.12345678910

ويمكن تقسيم مصادره إلى ثلاثة أقسام: مصادر صرح بأسمائها، ومصادر لم يصرح بها وإنما صرح بمؤلفيها (1)، ومصادر أبهمها.
فبالنسبة للمصادر التي صرح بها أو صرح بمؤلفيه، أول ما نذكر منها: 1 - المدونة؛ المصدر الذي يعتبر محور الكتاب وأساسه، وقد يعبر عنه أحياناً بالكتاب وأحيانًا أخرى بالمدونة؛ ولعل هذا من تصرف النساخ، وإن كان هناك احتمالاً بأن يقصد بالكتاب تهذيب البراذعي، لأنه بعد ظهوره أصبح البعض يطلق عليه مصطلح الكتاب، وعلى المدونة مصطلح الأم، ولكن هذا بعيد لسببين: أولهما: أن مصطلح الأم لم أقف عليه في كتاب التنبيه، ثانيهما: أنه من خلال تتبعي للنصوص التي نسبها للمدونة أو الكتاب وجدتها كلها في المدونة.
فتبين لي أن المصطلحين لمسمى واحد.
وبما أن المدونة كانت مصدراً رئيساً عند ابن بشير، بل هي محور كتاب التنبيه وقطب رحاه، حتى عد شرحاً لها، أرى أن ذلك يدعوني للحديث عن موقفه منها.

موقفه من المدونة

: من المعلوم أن ابن بشير ينتمي إلى المدرسة القيروانية، التي توسم بأنها أثرية تركز على نصوص المدونة، وتدارسها وتناقشها، وتخرج عليها، يقول أبو العباس المقري: "أما الاصطلاح القروي، فهو البحث عن ألفاظ الكتاب، وتحقيق ما احتوت عليه بواطن الأبواب وتصحيح الروايات، وبيان وجوه الاحتمالات، والتنبيه على ما في الكلام من اضطراب الجواب واختلاف المقالات مع ما انضاف إلى ذلك من تتبع الآثار، وترتيب أساليب الأخبار، وضبط الحروف على حسب ما وقع في السماع، وافق ذلك عوامل الإعراب أو خالفها" 2.1

فإذا هو منهج أشد التصاقاً واحتكاكاً بالمدونة من غيره من المدارس المالكية 1. والكتاب الذي بين أيدينا ناطق بذلك، فبالإضافة إلى أنه حريص على محاذاتها في الشكل والترتيب والتخريج عليها والتنبيه على ما ليس فيها، فإنه كذلك حريص على تتبع ألفاظها، وضبط حروفها وتصحيح رواياتها.
وأسوق مثالين يوضحان ذلك: الأول: قوله: "وفي المدونة في خشاش الأرض أنه لا ينجس ما مات فيه [من الماء].
وإن وقع في قدر فيها طعام أكل ما فيها.
وذكر عن أبي عمران أنه قال سقط من المدونة: "لا"، وإنما الأصل أنه لا يؤكل ما فيها لأنه لا ينجس الماء في الاستعمال، ويُمنع شربه وأكل الطعام لعلة أنه لا يؤكل إلا بذكاة.
وهذا الذي قاله صحيح على أصل المذهب لكنه بعيد أن يقال سقطت لفظة "لا" من جميع الكتب وأغفلها الرواة" 2. والثاني: قوله: "وفي المدونة: لا بأس بالخبز من سؤر الفأرة.
ويروى بضم الخاء وبفتحها، ومعنى الضم نفس الخبز إذا أكلت منه ... ومعنى الفتح في الخَبْز أنها إذا شربت من ماء فيجوز أن يعجن به، وصوب بعض الأشياخ هذه الرواية ... " 3. وعلى الرغم من هذا كله، فإنه لم يصل به اهتمامه بالمدونة واعتماده عليها وإعجابه بها إلى درجة التحفظ في انتقادها، والتهيب من التنبيه على أخطائها.
بل بقدر ما هو معجب بها، ومتمسك بها، بقدر ما ينتقدها حيث

تدعو الضرورة لذلك اتباعاً للصواب إذا ظهر واستمساكًا بقوانين النظر الفقهي الذي يدور مع الدليل حيث دار، وأثبت هنا نصا من التنبيه بالغاً في الدلالة على هذا المعنى.
قال ابن بشير: "والذي سمعناه في المذاكرات؛ أن هذه المسائل كلها ضعاف، وقد خالفه كثير من أصحابه في مثل هذه المسائل، وإن كانوا رواتها لما يرون من ضعفها.
فروى أشهب عن مالك أنه قال: أكره حفر بيوت الجاهلية، وقبورهم للطلب فيها.
وقال: أشهب بل يجوز حفر قبورهم، وفتشهم وأخذ سلبهم، وليست حرمتهم موتى أعظم من حرمتهم أحياء.
وقد قال مالك في الذي يحلف بطلاق كل امرأة يتزوجها، إلى ثلاثين سنة، ثم يخاف العنت: يجوز له أن يتزوج.
قال ابن نافع: إن تزوج طلقت عليه.
وبه قال ابن الماجشون.
وقال: لست آخذ فيها بقول مالك، فإن له أن يتسرى، وهو لو خص بلدا أو قبيلة لزمه.
وكذلك إذا خص زمانًا يبلغه غيره.
وقال مالك: من باع امرأته، طلقت عليه البتة.
وقال ابن وهب: لا تطلق عليه، ولكنها إن طاوعته على البيع وهي رشيدة.
وأقرت أن مشتريها وطئها طائعة رجمت، وإن ادعت الإكراه صدقت.
وقال ابن القاسم وابن نافع: تطلق طلاق الخلع.
وقال أصبغ بن الفرج: إن باعها من أهلها فهي طلقة خلع، وإن باعها من غيرهم، فهي ثلاث تطليقات.
وقال مالك: من قال لرجل أو امرأة، دلني على من يشتري مني جاريتي ولك كذا.
فيدله فإنه يلزمه ما سمى له.
وان قال دلني على امرأة اتزوجها ولك كذا وكذا بذلك.
قال لا شيء له، لأن النكاح لا بيع فيه، ولا إكراه.
وبه قال ابن القاسم.
وقال سحنون: لا أقول به، بل يلزمه، لأن المؤمنون عند شروطهم.
وقال مالك في رجل يكون له على رجل دينار قرضًا، فيأخذ منه سدس دينار، أو يأخذ منه عند الأجل به درهم؛ إن ذلك جائز.
وكذلك إن

أخذ بنصفه أو ثلث غرضًا جاز.
فإن أخذ بما بقي من الدينار درهما؛ فلا خير فيه.
قال أرى أنه يصير ذهبا وورقًا بذهب وعرضًا بذهب.
قال أشهب: بل يجوز أن يأخذ باقيه ذهباً، فإنه بعض ديناره، فإنه قد كان بقي له من الجزء، وأخذه إذا لم يكن ذلك بالشرط عند التبايع.
وكذلك في أخذ العوض بالجزء، والدراهم بجزء أخر، فإن ذلك لم يكن في صفقة واحدة، ولكن في عقد الأول مشروط.
قال مالك: أكره أن يكون ولد الزنا إمامًا راتبًا، وقال ابن نافع: لا أرى به بأسًا ولا أدري، فإن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
قال مالك: من سرق من بيت مال المسلمين، تقطع يده، وإن كان له فيها سهم.
وقال عبد الملك: لا تقطع عليه حتى يسرق فوق سهمه بربع دينار.
وقال سحنون: الحق ما قال عبد الملك، إذا كان زيادة ربع دينار على حظه من ذلك المسروق منه.
وقال مالك: من خلع امرأته على أنها متى ما طلبت الذي أعطته، فهي امرأته كما كانت، فطلبت ذلك فرده إليها، وراجعها ثم أصابها.
قال: يفرق بينهما ولا يتناكحان أبدًا؛ لأنه نكحها في عدتها منه.
رواه أشهب عن مالك.
قال محمد بن المواز: سألت عنها غير واحد من أصحاب مالك، وكلهم يقول لا نأخذ به، ولا يحرم عليه التأبيد.
وقال مالك: في الرجل يبتاع عشر نخلات، يختارها من حائط البائع، فذلك جائز.
قال ابن القاسم: ما رأيت أحداً من أهل المعرفة يعجبه قول مالك ولا يعجبني.
ولقد وافقته فيها نحوًا من أربعين ليلة.
وقال مالك: أرى أن يقسم البيت الصغير وإن لم يقع لأحدهم ما ينتفع به.
وكذلك الأرض القليلة.
والدكان الصغيرة والحمام، وكل شيء.
لقوله تعالى: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ قال بن القاسم: وأنا لا أرى ما لم ينقسم إلا بضرر من ارض، أو دار، أو حمام، لم ينقسم.
إلا بحيث أن يظهر لكل واحد منهم ما ينتفع به على طريق الاستقلال، فيقسم، وإلا فلا.

ثم قال: وهذا قول جميع الرواة من أصحاب مالك إلى غير ذلك مما يكثر تتبعه.
فلا تعتقد أن كل ما في المدونة صحيح، وإن في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، صحيح وسقيم، وقد حان أن نرجع إلى الكتاب" 1. انتهى.
وقد أثبت هذا النص على طوله، لأهميته ونفاسته.
فهو يوضح بجلاء تحرر المالكية وتمسكهم بالآراء الراجحة ومخالفة الآراء المرجوحة، ولو كانت هي آراء الإمام نفسه.
2 - الموطأ؛ لقد اعتمد ابن بشير الموطأ، ولكن ليس كاعتماده المدونة، إذ إشاراته إليه ونقوله عنه قليلة جداً إذا ما قورنت بالمدونة، ورغم هذا فإنه كان ينظر إليه نظرة إجلال وإكبار ويرى أنه كتاب علم ألف للعلماء.
قال في كتاب المرابحة: "هذه مسألة من مسائل الموطأ قد قرأها سحنون، وكان يقول ما في الموطأ هو أصل علم المدنيين وكثير من أهل العلم أصله في الموطأ، إلا أنه ليس بتفسير يعلمه الجاهل، وإنما هو كلام مجموع من اختيار العلماء ممن قد تبصر في العلم.
قال سحنون سمعت ابن القاسم يقول ما قرأت الموطأ قط إلا ازددت فيه علما ومعرفة، وهو أول ما سبق من العلم إلى أهل إفريقية، وكانوا يقرؤونه ولا يعرفون معناه، فكان بعض من كان بها من العلماء، إذا قرأه، ولم يفهم ما فيه، من الفقه والضوابط التي فيه من أصول العلم، يقول: ما أدري ماذا فيه من العلم، حتى قدم علي بن زياد من تونس إلى القيروان، فرووه عنه، وسألوه عن معانيه، فأخذ يشرح لهم معانيه، ويفسر لهم وجوهه، حتى استبان لهم ذلك الذي فيه".
هكذا كان ابن بشير ينظر إلى هذا الكتاب القيم، وقد خصصته مع المدونة بهذه الكلمة، لما يتمتعان به من مكانة متميزة في الفقه الإسلامي.
أما باقي المصادر فإني سأكتفي بالإلماع إليها، إذ المقام لا يسمح بغير ذلك.

3 - كتب عبد الله بن وهب (ت) 197 هـ، وهي عبارة عن سماعاته من مالك والجامع الكبير.
4 - كتب عبد الملك بن الماجشون، ت 212هـ، وهي عبارة عن سماعاته وكتاب في الفقه يرويه عنه يحيى بن حماد السجلماسي.
5 - كتب أصبغ بن الفرج، ت 225هـ، وهي سماعه من ابن القاسم وكتاب آداب الصائم وكتاب المزارعة.
6 - الواضحة لعبد الملك بن حبيب، ت 238هـ، وهي كتاب في الفقه والسنن اقتفى فيه منهج الإمام مالك في الجمع بين الأصول والفروع.
7 - المستخرجة لمحمد بن عبد العزيز العتبي (ت) 254 هـ ويسميها البعض العتبية نسبة إليه ويسميها البعض الآخر المستخرجة لأنه استخرجها من الأسمعة التي رويت عن الإمام مالك بواسطة تلاميذه.
8 - كتب محمد بن سحنون، ت 256هـ، وأهمها كتابه الكبير المعروف بالجامع.
9 - المجموعة لمحمد بن عبدوس، ت 261هـ، وكتابه هذا يعد من أجل كتب المالكية لولا أن المنية عاجلته قبل إتمامه.
10 - كتب محمد بن عبد الحكم، ت 268هـ. 11 - الموازية أو كتاب محمد لمحمد بن إبراهيم بن المواز، ت 269هـ، يعد هذا الكتاب من أجل كتب المالكية قصد به صاحبه بناء فروع المذهب على أصوله.
12 - المبسوط في الفقه للقاضي أبي إسحاق إسماعيل، (ت) 282هـ. 13 - كتب ابن اللباد أبي بكر محمد بن وشاح، ت 333هـ وهي كتاب الطهارة والآثار والفوائد.
14 - كتب أبي إسحاق محمد بن شعبان القرطبي، (ت) 355هـ، وهي: كتاب الزاهي الشعباني في الفقه، ومختصر ما ليس في المختصر.

15 - كتب أبي بكر محمد عبد الله بن محمد صالح الأبهري الكبير، (ت) 375 هـ ومن أهمها شرحه على مختصر ابن عبد الحكم، وهو من الكتب المعتمدة عند المالكية.
16 - كتب ابن خويز منداد أبي عبد الله البصري، وهي أحكام القرآن، ومسائل الخلاف.
17 - التفريع لابن الجلاب عبيد الله بن الجلاب، ت 378 هـ، وهو معروف باسم الجلاب عند المتأخرين وهو معتمد عند علماء المذهب.
18 - كتب ابن أبي زيد القيرواني، ت 386 هـ، ومن أهمها: النوادر والزيادات، والمختصر والرسالة.
19 - المقصد لعبد الخالق بن خلف بن سعيد بن شبلون، ت 390 هـ. 20 - كتاب أبي الحسن علي بن عمر بن القصار، 398هـ، عيون المجالس في مسائل الخلاف.
21 - كتب أبي جعفر أحمد بن نصر الداودي، ت 402هـ، منها كتاب النامي شرح الموطأ، وكتاب النصيحة شرح البخاري.
22 - الممهد في الفقه وأحكام الديانة لأبي الحسن علي بن محمد المعافري المعروف بابن القابسي، ت 403هـ. 23 - كتب القاضي عبد الوهاب بن علي أبي محمد البغدادي، ت 422هـ، ومنها كتاب التلقين، والإشراف في مسائل الخلاف، والمعونة في درس مذهب عالم المدينة، والممهد في شرح مختصر ابن أبي زيد القيرواني، وشرح الرسالة، وشرح المدونة، والنصرة لمذهب إمام دار الهجرة، والأوائل في مسائل الخلاف، وغيرها من كتب الفروع والخلاف.
24 - تعليقة أبي عمران موسي بن عيسى الغفجومي الفاسي، ت 430هـ، على المدونة.

25 - تعليق عبد المنعم بن محمد أبي الطيب الكندي، ت 435هـ، على المدونة.
التهذيب لخلف ابن سعيد الأزدي المعروف بالبراذعي، ت 438 هـ. 26 - شرح الموازية لأبي إسحاق إبراهيم بن حبيب التونسي، ت 443هـ. تعليق أبي القاسم عبد الخالق بن عبد الوارث السيوري القروي، ت 460هـ، على المدونة.
27 - التبصرة أو التعليق على المدونة والقصد والإيجاز لأبي القاسم عبد الرحمن بن محرز، ت450هـ. 28 - التبصرة أو التعليق على المدونة لأبي الحسن علي بن محمد اللخمي (ت) 478 هـ. 29 - كتب الباجي أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، ت 478هـ، من أهمها المنتقى شرح الموطأ ومختصر المدونة.
هذه أهم الكتب التي اعتمدها ابن بشير وذكرها بأسمائها أو ذكر مؤلفيها.
أما القسم الثالث المتعلق بالمصادر التي أبهمها، والتي تتسم بشيء من الغموض، ولو صرح بها لأماط اللثام عن كثير من جوانب حياته الغامضة؛ هذه المصادر هي التي عبر عنها بمصطلح: الأشياخ أو الشيوخ وهو مصطلح راج كثيراً في الكتاب، وقد تبين لي من خلال استقراء الكتاب ومقارنته مع معاصريه الذين استعملوا نفس المصطلح كالمازري واللخمي، أنه يقصد به شيوخه وأساتذته، والفقهاء المعاصرين له.
إلا أنه للأسف ضن علينا بذكر أسمائهم مما زاد حياته غموضًا.

المطلب السابع: القيمة العلمية للكتاب

بعد أن تعرفنا على منهج ابن بشير الفقهي، ومكانته العلمية، وشخصيته المستقلة التي أهلته لأن ينافس وينتقد كبار الفقهاء ويزاحمهم

بآرائه، مسلحاً في ذلك بما يمتلكه من قواعد النقد والترجيح والاجتهاد.
أرى أن نتحدث بعد هذا عن قيمة الكتاب العلمية، ومكانته بين الكتب الفقهية، وأسارع إلى القول بأن هذا الكتاب يعد من أهم كتب فقه المالكية وأنفسها، وأجودها، وذلك للأسباب التالية: أولاً: لم يؤلف الكتاب لمجرد التأليف أو رغبة في التأليف فحسب.
وإنما جاء تلبية لمقصد وهدف حدده ابن بشير في مقدمة الكتاب.
كما أنه ملأ فراغاً حاصلاً في الفقه المالكي.
إذ لم يألف قبله- فيما أعلم- كتاب سلك فيه صاحبه مسلك الاختصار المبني على قواعد الأصول.
ثانياً: جمع فيه مؤلفه مسائل الفقه المشتتة في كتاب واحد، متوسط الحجم، وضمنه ما تحتويه الدواوين الطويلة من العلم.
ولكن بعد تلخيصها وتنقيح فصولها وحذف حشوها وفضولها.
مع الإيجاز في العبارة والأسلوب الواضح، الذي لا يحتاج إلى شرح أو تبيين.
ثالثاً: تضمن الكتاب نكتا عجيبة، وفوائد غريبة يتشوف لمعرفتها كبار العلماء وحذاقهم.
فضلاً عن عامتهم، وأشير هنا إلى ما ذكره إبراهيم ابن هلال السجلماسي (ت): 903هـ عن القرافي في بحثه عن الفرق بين الشهادة والرواية حيث قال: "فقول القرافي: أقمت أطلب الفرق بين الشهادة والرواية نحو ثماني سنين.
فلم أظفر به، وأسأل الفضلاء عنه.
قال ولم أزل شديد القلق والتشوق إلى معرفته حتى طالعت شرح البرهان للمازري رضي الله عنه، فوجدته حققه وميزه ... إلى آخر كلامه؛ قصور إذ الفرق موجود في تنبيه ابن بشير، وتبصرة ابن محرز.
وهما بين يدي صغار الطلبة ..... " 1. الذي يعنينا من هذا النص هو: أن الإمام القرافي مكث يبحث عن الفرق بين الشهادة والرواية، ثماني سنين مع شدة القلق والتشوف إلى ذلك، وسؤال الفضلاء.
وهذه النفيسة التي يبحث عنها الإمام القرافي، هذا البحث

هي: واحدة من الكنوز والنفائس، التي احتوى عليها كتاب التنبيه.
قال ابن بشير: " ... ولما كان القياس عند المتأخرين من أهل المذهب ردّ ثبوت الهلال إلى باب الأخبار.
[رأوا أن] الفرق بين [باب] الأخبار وبين باب الشهادة؛ أن كل ما خصّ المشهود عليه فبابه باب الشهادة، وكل ما عمَّ ولزم القائل به ما يلزم المقول [له]، فبابه باب الأخبار" 1. رابعًا: مما يدل على قيمت الكتاب العلمية كذلك؛ انتشاره بين الناس وإقبالهم عليه وحفظهم له 2. وتأثيره فيمن بعد وقد سبق أن أشرت لذلك.
ومما يزكي هذا قول ابن هلال في النص السابق: "إذ الفرق موجود في تنبيه ابن بشير وتبصرة ابن محرز وهما بين يدي صغار الطلبة".
فنستنتج من هذا أن الكتاب كان ذائعاً في عصر ابن هلال حتى بين صغار الطلبة.
وإن كانت العبارة فيها نوع من المبالغة، إذ صغار الطلبة والمبتدئون منهم خاصة، ألفت لهم رسالة ابن أبي زيد وأمثالها.
لكن نستشف من هذا أن الكتاب كان ذائع الصيت ومنتشرًا وفي متناول حتى صغار الطلبة.
خامسًا: ربط المؤلف فيه المسائل الفقهية بأدلتها المعتبرة؛ من الكتاب والسنَّة والإجماع والقياس، وعلل ووجه ووضح طريقة استثمار الأحكام من الأدلة، وهذا كله يقوي الثقة بهذه الأحكام ويكون مدعاة للتمسك بها والامتثال لمقتضياتها.
سادسًا: تضمن الكتاب لخلاف المذهب وأسبابه، ومبرراته ودواعيه.
وهذا يعد ضروريًا لمن أراد الوصول لدرجة الاجتهاد لأنه يصير بذلك بصيراً بأصول المذهب وقواعده ومواطن الاتفاق والاختلاف ... سابعاً: اشتماله على كم هائل من القواعد الفقهية والأصولية، التي

يندر وجودها في كثير من أمهات الكتب.
وغير خاف ما لهذه القواعد من أهمية في الفتاوى والأحكام.
...

المبحث الخامس: منهج التحقيق

بعدما تعرفنا على الكتاب ومؤلفه والبيئة المؤثرة فيه بقي أن نختم هذه الدراسة بالحديث عن منهج التحقيق.
وقبل ذلك أبدأ بوصف النسخ المعتمدة.

* المطلب الأول وصف النسخ

:

نسخة (ق)

: مكانها: القروين.
رقمها: 1875 عدد أسطرها: 27 سطراً.
عدد كلماتها: حوالي 28 كلمة في السطر.
عدد صفحاتها: 206 صفحة من الحجم الكبير.
الناسخ علي بن أحمد.
تاريخ النسخ: جماد الأول 749 هـ. الخط: مغربي متوسط الجودة.
يبتدئ من أول الكتاب، وينتهي بآخر كتاب الجهاد.
الصفحة الأولى تختلف عن باقي صفحات الكتاب، خطها دقيق وفيه خروم كثيرة.
أما باقي صفحات الكتاب فهي جيدة من حيث العموم، وقليلة الخروم والطمس.
خالية من السماع والتمليك.
يبدو أن ناسخها راجعها وأثبت بعض التصحيحات في الهامش.
كتبت عناوين الكتب والأبواب والفصول بخط كبير متميز.

نسخة (ر)

: مكانها: الخزانة العامة بالرباط.
رقمها: 397 جلبت من الزاوية الناصرية بتمكروت، رقمها هناك: 127 ص. عدد أسطرها: 31 سطراً.
عدد كلماتها: حوالي 19 كلمة في السطر.
عدد صفحاتها: 258 صفحة في سفر من الحجم الكبير.
خطها: أندلسي متوسط الجودة.
خالية من السماع والتمليك.
ليس فيه تاريخ النسخ، ولا اسم الناسخ.
فيها تصحيحات على الهامش، مما يدل أنها مراجعة.
قليلة الخروم والطمس، ولكنها كثيرة السقط.
كتبت عناوين الكتب والأبواب بخط غليظ.
مبتورة الأول تبتدئ بأحكام المياه.
وتنتهي بكتاب الأطعمة والأشربة.
جاء في أسفل الصفحة الأخيرة: (وبتمامه تم الجزء الأول من كتاب "التنبيه على مبادئ التوجيه" للفقيه الجليل الحافظ أبي الطاهر إبراهيم بن عبد الصمد بن بشير التنوخي رحمة الله عليه ويتلوه في السفر الثاني كتاب الأيمان والنذور وصلى الله على آله وصحبه وسلم).

نسخة (ص)

: مكانها: خزانة القرويين بفاس.
غير مرقمة، وضعت في صناديق ضمن المبتورات.
عدد أسطرها: 27 سطراً، في السطر حوالي: 26 كلمة.
عدد أوراقها 50 ورقة من الحجم الكبير.
خطبها مغربي واضح تبتدئ من أول الكتاب، إلى باب الصلاة على الدابة من كتاب الصلاة الأول.
تاريخ التحبيس 801 هـ. غير مرقمة.

كتب على الصفحة الأولى: (السفر الأول من كتاب التنبيه على مبادئ التوجيه.
تأليف الشيخ الإمام العلامة الزاهد الورع أبي الطاهر إبراهيم بن عبد الصمد بن بشير التنوخي المهدوي رحمه الله.
فيه من الكتب: كتاب الطهارة.
كتاب الصلاة الأول.
كتاب الصلاة الثاني كتاب الجنائز كتاب الصيام كتاب الاعتكاف كتاب الزكاة الأول كتاب الزكاة الثاني كتاب الأيمان والنذور كتاب العقيقة كتاب الصيد كتاب الذبائح.
الحمد لله حبس هذا الكتاب على خزانة جامع الأندلس شرفه الله، أحمد العبدري ... تحبيسها؟؟؟ دائم الأبد لا يبدل عن حاله ولا يغير بمزيد لأصله والله حسبه.
بتاريخ يوم الجمعة من شهر ربيع الثاني عام واحد وثمانمائة.

نسخة (ت)

: مكان وجودها: خزانة الجامع الأعظم بتازة.
رقمها: 217. عدد أسطرها 30 سطراً.
في السطر حوالي 29 كلمة.
عدد الصفحات: 242 صفحة.
في سفر ضخم.
الخط: مغربي دقيق.
الناسخ غير مذكور، ولا تاريخ النسخ.
خال من السماع.
محبس على الجامع الأعظم بتازة.
مبتورة الأول كتب فوق الصفحة الأولى: إبراهيم بن بشير حبس على الجامع الأعظم بتازة رعاها الله.
والنسخة جيدة من حيث الجملة، لولا بعض الخروم والطمس الذي أصاب أول صفحاتها وآخرها، تبتدئ من قوله في كتاب الطهارة: (فصل وأما الرجلان فالنظر فيهما ...). وتنتهي بقوله: (فصل وإذا ورث الخيار عن الميت).

نسخة (م)

: مكانها: القرويين.
رقمها: 819. عدد أسطرها: 35 سطراً.
في السطر حوالي 29 كاملة.
وهي في سفر من الحجم الكبير.
غير مرقمة الأوراق.
خطها: مغربي رديء.
فيه خروم كثيرة، وطمس تصعب الاستفادة منه.
ليس فيها اسم الناسخ، ولا تاريخ النسخ.
ولا ما يدل على السماع ولا التمليك.

المطلب الثاني: النسخ المعتمدة

لقد تعرفت على كتاب التنبيه، من خلال نسخته الموجودة بالخزانة العامة بالرباط.
فوقر في خلدي أن هذا الكتاب يستحق، لا بل يجب أن يحقق، وأن يخرج للوجود، فبدأت أبحث عن نسخه في الفهارس المتوفرة، فوقفت على بعض أجزائه في خزانة القرويين بفاس تحت رقم: 1132 وهي التي أشرت إليها بـ: "ل".
فاعتقدت أن الكتاب بإمكانه أن يحقق من خلال هاتين النسختين.
فأقدمت على تسجيله، ثم شرعت في نسخ نسخة "ر" ريثما أحصل على صورة لنسخة "ل" والتي طال انتظاري لها أكثر من ثمانية أشهر!! فلما حصلت على تلك النسخة، وشرعت في المقابلة الأولية لاختيار النسخة الأم.
فوجئت بأمر لم يكن يخطر في بالي، ولم يكن في حسباني، وذلك أني وجدت نفسي، كأني أمام كتابين مختلفين [رغم أنه كتب على كل واحد منهما: كتاب التنبيه على مبادئ التوجه لإبراهيم ...]. فوجدت النسختين تختلفان في بعض الأحيان تماماً في المضمون، وفي بعض الأحيان تختلفان في التعبير وتتفقان في المعنى.
وفي بعض الأحيان الأخرى تكون "ل" كالشارحة للكتاب، أو "ر" مختصرة له.
فذهلت لما رأيت، وكادت الآمال المعقودة على الكتاب تتبخر.

فمكثت قرابة سنة أو أكثر، أبحث في الفهارس عن نسخة أو نسخ أخرى علي أجد فيها ما أحل به هذه النازلة المعضلة، ولما لم اظفر بشيء عزمت على تغيير الموضوع.
فبدأت من جديد أبحث عن كتاب يستحق التحقيق.
وفي هذه المرحلة التقيت مع أحد الأساتذة الفضلاء، فأخبرني بأن له صورة لكتاب التنبيه جلبها من خزانة الجامع الأعظم بتازة فقلت له: إني بحثت في فهارسها ولم أجد الكتاب ضمنه، فقال لي: إنه فعلاً، لم يذكر في الفهرسة 1. فأمدني مشكورًا بصورة من الكتاب.
فوجدت هذه النسخة تتقارب كثيراً مع نسخة "ر" فتنفست الصعداء وبدأ يلوح لي بصيص من الأمل.
وعلمت حينئذ أن الاعتماد على الفهارس غير مجد، وأن الطريقة المثلى هي جرد المكتبات والتعامل معها مباشرة.
وأنى لي ذلك؟ وقد أحيطت هذه الأخيرة بترسانة من القوانين الصارمة والمعقدة.
ورغم هذا فإني قصدت خزانة القرويين، فوجدتها مغلقة في وجه الزوار استعداداً لنقلها إلى المبنى الجديد، فتوسلت للمسؤولين هناك وتلطفت معهم.
فاستجابوا لي مشكورين، وقدموا لي المساعدات الممكنة.
فعثرت، بل اكتشفت ثلاث نسخ كانت غير معروفة من قبل.
الأولى وقد أشرت إليها بـ "م" كتب عليها في الفهارس: أنه كتاب الفقه لمؤلف مجهول.
والثانية أشرت إليها بـ: "ق" عثرت عليها في جناح بكر غير مفهرس، وأعطي لها حينئذ الرقم التالي: 1875، والثالثة أشرت إليها بـ: (ص) وهي عبارة عن قطعة كانت في الصناديق ضمن المبتورات ولا رقم لها.
فهذه النسخ ر، وت، وق، وم، وص.
وجمتها متقاربة تصلح للمقابلة.
والنسخة الشاذة هي التي أشرت إليها بـ: ل، ألغيتها وأنا مطمئن البال مرتاح النفس، لعدة أسباب أذكر منها ثلاثة فقط: أولاً: مخالفتها للنسخ الخمسة المذكورة.
وحتى لا يبقى الكلام تجريدياً أجليه ببعض الأمثلة: 1 - جاء في مقدمة الكتاب في سبب تأليفه ما يلي: (وبعد، فإنه لما

انتهض إلى الطلب من لم يمارس قراءة الكتاب، ابتدأنا لهم موعداً ...). أما في "ل" ففيها ما يلي: (أما بعد فإنه لما انتهض خاطري إلى شرح كتاب المدونة أردت أن أسلك فيه الإيجاز والاختصار).
لاحظ كيف أن الدافع لتأليف الكتاب في باقي النسخ هو محاولة نفع الطلاب الذين لم يتمرسوا على قراءة الكتاب، الذي هو المدونة بينما الدافع في "ل" هو: انتهاض خاطره لشرح المدونة.
2 - جاء في نفس المقدمة في النسخ المعتمدة: (أحكام الشريعة تنحصر في ثلاثة أقسام: مطلوب فعله، ومطلوب تركه، ومأذون في فعله وتركه.
والمطلوب فعله ينقسم قسمين: مطلوب طلباً لا خيرة للمكلف في تركه وهذا هو الفرض، ومطلوب طلباً للمكلف خيرة في تركه وهذا هو المندوب.
والمطلوب تركه ينقسم قسمين: مطلوب طلباً لا خيرة للمكلف فيه وهذا هو الحرام، ومطلوب طلباً للمكلف فيه خيرة وهذا هو المكروه.
والمأذون في فعله وتركه وهو المباح.
ولا تقسيم فيه.
والفرض يسمى على الحقيقة واجباً ولازماً وحتماً، والحرام يسمى محظوراً وممنوعاً.
والمندوب ينقسم ثلاثة أقسام.) وجاء في نسخة "ل": (أحكام الشريعة تنحصر في خمسة أقسام: الواجب والمحرم والمباح والمكروه والمندوب ... ؟؟ قارن بين هذين النصين، فالخلاف فيهما بين وواضح.
ثانياً: وقفت على ما يدل على أن نسخة "ل" لم تكن معتمدة عند المتقدمين، فقد نقل محمد بن يوسف العبدري (ت) 897هـ نصاً من التنبيه في كتابه التاج والإكليل، وبعد مقارنته بالنسخ المتوفرة، تبين لي أنه لم يكن يعتمد على نسخة "ل" لأن النص مخالف لها ومطابق لباقي النسخ والنص هو التالي: (ولا شك أنه [إذا كان مطلقاً] فيبني على الرؤية أو العدد كما قدمناه.
فإن كان في مهواة لا يمكنه التوصل إلى الروَّية بني على العدد وأكمل كل شهر ثلاثين.
فإن التبست عليه المشهور اجتهد وبنى على غلبة ظنه).
بينما في "ل" فيه: (لا شك أن الأسير الذي قبض في بلاد الروم إن أرسل فإنه يصوم لرؤية الهلال ويفطر لرؤيته، فإن كان في مهواة لا يمكنه التوصل إلى الرؤية بني على العدد فأكمل كل شهر ثلاثين يوماً فإن إلتبست عليه الشهور، اجتهد وبنى على أغلبية ظنه).
ثالثاً: ضياع أربع أسطر تقريباً من كل صفحة في "ل" اثنان في الأعلى واثنان في الأسفل، نتيجة لمحاولة إصلاح قديمة.
بالإضافة إلى اختلاط أوراقها وضياع ترتيبها.
لأجل هذا وغيره اضطرت مكرهاً، لعدم الاعتماد على هذه النسخة، والتي اشتملت في بعض الأحيان على زيادات نفيسة جداً، وتوسعاً في ذكر الأدلة وأسباب الخلاف.
وهذا لا يعني أنني ألغيتها كلياً.
بل كنت أستأنس بها وأستعين بها من حين لآخر كما هو مبين في هوامش الفروق.
بعد هذا، هناك سؤال يطرح نفسه بإلحاح.
وهو ما السر في اختلاف هذه النسخة عن غيرها؟ في الحقيقة إن اختلافها يعد لغزاً، ولعل مزيدًا من البحث يحل هذا اللغز.
لكن الذي يمكن أن أجزم به هو: استبعاد تصرف النساخ فيها، لأنها تصرفات خارجة عن إطار النسخ، فبقي احتمال أن تكون هذه النسخة، إبرازة من إبرازات الكتاب.
بمعنى أن الكتاب أخرجه المؤلف ثم أعاد فيه النظر من بعد.
ويحتمل أن يكون أحد التلاميذ أو أحد العلماء تصرف في الكتاب.

المطلب الثالث: مسلكي في التحقيق

حاولت في البداية أن أختار نسخة لتكون هي النسخة المعتمدة أثبتها في المتن، وأذكر الفروق بينها وبين باقي النسخ في الهامش.
وهذا هو المنهج الأسلم والأحكم، ولكن للأسف الشديد لم أفلح في ذلك، ولم

أتمكن من ترجيح نسخة على أخرى، وبدأت أجيل النظر بين النسخ الأربع (ق) و (ر) و (ت) و (ص) بعدما استبعدت (م) فلم أجد في هذه النسخ ما يدل على أن آية واحدة منها نسخة المؤلف الأصلية، أو نسخة أحد تلامذته، أو مقابلته على النسخة الأصلية، أو متصلة بالسماع إلى المؤلف.
فلما لم أظفر بأي شيء من ذلك.
انتقلت إلى المفاضلة بين النسخ عن طريق ترشيح الأقل خرومًا وطمسًا، والأكثر صواباً.
فابتعدت بهذه الطريقة نسخة "ت" لكثرة خرومها، ووجود طمس في أول وآخر كل صفحة منها.
واستبعدت كذلك نسخة "ص" وإن كانت جيدة لأنها عبارة عن قطعة تحتوي على كتاب الطهارة وجزء يسير من كتاب الصلاة الأول فقط.
فبقي الاختيار بين نسخة "ر" و"ق" والحق أن نسخة "ق" رجحت كفتها على نسخة "ر" لكثرة خروم وسقوط وأخطاء هذه الأخيرة وقلتها في الأولى.
فراودتني فكرة اختيار نسخة "ق" وجعلها أصلاً، وبذلك أنأى بنفسي عن عهدة اختيار الكلمة الإنسب، عند اختلاف النسخ.
ولكن لم أتمكن من ذلك، إذ وجدت هذه النسخة كثيرة الأخطاء كذلك.
وكون ما في غيرها أولى بالإثبات مما فيها.
فاضطررت مكرهاً بعد تقليب النظر والتهيب أن أسلك مسلك الانتقاء على خطورته ومشقته.
فأقدمت عليه أقدّم رجلاً وأخّر أخرى، لعلمي بخطورة هذا المسلك وصعوبة اختيار اللفظة الصحيحة من بين ألفاظ النسخ.
ورغم استحضاري لهذا كله فإني لما ترجمت الفكرة إلى عمل، تكشف لي أن الأمر أكثر مما كنت أتوقع.
وأعظم مما كنت أتصور فقد واجهت أخطاء لا حصر لها، وتصرفًا من النساخ غريب يصل إلى حد العبث أحياناً.
بل أكثر من هذا وجدت نفسي في بعض الأحيان أمام تعارض وتناقض بين النسخ لا يحتمل التأويل، ولا يدخل في التصحيف والأخطاء المعتادة عند النساخ.
هذا فضلاً عن الأخطاء الإملائية والنحوية التي قد تتفق عليها كل النسخ في بعض الأحيان.

ولكي أجعل القارئ أمام وضعية هذه النسخ أسوق أمثلة توضح ذلك.
ولن أتعرض للفروق العادية التي تكون بسبب التحريف والتصحيف، والتي لا تخل منها المخطوطات.
ولكن أذكر الفروق الغريبة التي جعلتني أتعامل مع النسخ بحذر شديد.
وقد قسمت هذه الفروق إلى قسمين: قسم تكون فيه النسخ متعارضة تماما.
تدل كل واحدة منهما على نقيض ما تدل عليه الأخرى كأن تدل واحدة على الوجوب، والأخرى على التحريم.
أو تدل واحدة على ارتباط الحكم بالليل والأخرى تدل على ارتباطه بالنهار وهكذا ... وقسم جاء نتيجة تصرف النساخ الواضح.
وهذه أمثلة من القسم الأول:

  • إذا كان الماء دون القلتين حمل الخبث /// في (ر)، و (ق): فوق 1.
  • ولا يجزي من مسح رأسه على حائل /// في (ر) و (ص) و (ق): دون 2.
  • فيأتي بركعة بأم القرآن وحدها /// في (ق) و (ت): خاصة وفي (م): بأم القرآن وسورة 3.
  • في مقدار ثلاث ركعات بعد مغيب الشفق /// في (ق): قبل 4. يقطع بغير سلام وهذا جواب من لا يراعي الخلاف /// في (ق): يقطع بسلام وهذا جواب من يراعي الخلاف 5.

فالمنصوص صحة الصلاة /// في (ق): بطلان 1. صحت صلاته على كراهية فيها/// في (ق): لا عن كراهة 2. لأنها حاضت بعد وقتها /// في (ق): قبل 3. أن المذهب على قولين في فرضيته /// في (ق): على قول واحد 4. والرداء مستحب في غير الأئمة /// في (ر): في حق 5. ما أدرك فهو آخر صلاته /// في (ق): أول 6. وكذلك لو سافر في البر بأهله /// في (ت): البحر 7. فهل يصلي التي في ذمته سفرية أو حضرية؟ /// في (ت): وقتها 8. يجري الخلاف في الإعادة بعد الوقت /// في (ر): في الوقت 9.

  • وهي عبارة عن ظلمة أحد المنيرين، الشمس والقمر، أو بعضهما /// في (ق): لا بعضهما 10. أن الفجر الأول المستطيل /// في (ت): الأول غير المستطيل 11. إمساك جزء من الليل /// في (ر): النهار 12. واستقرأ أبو الحسن اللخمي وجوب صومه /// في (ق): جواز 13.

ويجوز أن يقوم من المصحف إذا استمر على القراءة فيه، لا أن ينظر فيه /// في (ق) و (ت) و (م): ولا يصح أن يقرأ في المصحف إذا استمر على القراءة فيه إلا أن ينظر (1). يستوي الإنفاق بعد الحول قبل الشراء أو بعده في إيجاب الزكاة /// في (ر): إسقاط (2). وعلى صاحب الثلاثين نصف /// في (ر): الثلث (3). هذه نماذج من الفروق بين النسخ، وهي فروق غير عادية، سببت لي كثيراً من القلق والتعب.

القسم الثاني: تصرف النساخ

كما هو معلوم فإن النسخ أمانة، ولا يحق للناسخ أن يتدخل في المنسوخ بزيادة أو نقص أو تبديل أو تغيير.
وهذا ما لم يلتزم به النساخ، فقد وصل بهم الأمر إلى حد انفراد كل نسخة بلفظة تخالف ما في غيرها.
أما التقديم والتأخير، التعبير بأساليب مختلفة تؤدي نفس المعنى فهذا كثير جداً.
فمن أمثلة انفراد كل نسخة بلفظة أذكر المثالين التاليين:

  • وقد قدمنا أن الرفع من الفضائل.
    وسببه إما تأهب /// في ص: تهيئاً وفي (ت): تهيب وفي ق: تنبيهاً 4.
  • وهذا ينبغي أن يختلف في حق الموتى /// في (ت): حكم الكفن.
    وفي (ر): حق الورثة 5.123

أما التقديم والتأخير والتعبير بأساليب مختلفة تؤدي نفس المعنى فأذكر من أمثلته ما يلي:

  • باب في أحكام القصر في السفر/// في (ق) و (ر): الصلاة (1).
  • ثم ذكر أنه لم يصل الفريضة /// في (ق) و (ت): وقد علم أنه قد أخل بركعتين من الفريضة (2) أن السلام لا يكون عقيب السجود /// في (ر): إلا عقيب التشهد (3). والجواز للنساء خاصة /// في (ق): والمنع للرجال خاصة (4).
  • وعدم الإجزاء مع غير قصدها /// في (ت): مع عدمها وفي (ق): مع فقدها (5). لأن أرباب الماشية يقيمون /// في (ق) و (ت) و (م): يجتمعون (6).

المطلب الرابع: عملي في التحقيق

لقد اختلفت مناهج المحققين وتضاربت أساليبهم في التحقيق، ولم يتمكنوا من الاتفاق على منهج موحد، فمنهم من يقصر التحقيق على إخراج النص، إخراجاً سليمًا، قريباً مما كتبه المؤلف على اختلاف بينهم في بعض الأمور كجواز التدخل في المتن أو عدم جوازه وغير ذلك.
ومنهم من يتعدى ذلك إلى خدمة النص بحل إشكالاته والتعريف بأعلامه وتخريج أحاديثه وتوثيق أقواله وشرح غريبه ... إلخ.
وقد وقع اختلاف كبير كذلك بين المحققين في تحديد ما يحتاج إلى تعريف أو تعليق، وقدر ذلك.123456

فصول الكتاب · 12 فصل · 967 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العبادات · 967 صفحة
المقدمة
كتاب التنبيه على مبادئ التوجيه،
كتاب الجامع
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الجنائز
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة
كتاب الزكاة الثاني
جارٍ التحميل