المنسيات في ترتيب بعضها على بعض.
وإذا اعترى الشك في أيامها وأعيانها وأعدادها".
على هذا النهج سار ابن بشر، في كتابه وقد أثبت هذين النموذجين على طولهما تجلية لذلك.
أما بالنسبة للفصول، فإنه في الغالب الأعم يتركها بدون عناوين.
وقد يتناول في الفصل الواحد عدة جزئيات وفروع متناثرة، وأحياناً يفرد بعض القضايا بفصول مستقلة.
ثم إن ابن بشير آل على نفسه ألا يستطرد في ذكر الجزئيات والتفاصيل والأمور الواضحة، إلا أنه لم يتمكن من الوفاء بذلك أحياناً، وكثيراً ما يتنبه إلى أنه قد خرج عن المنهج الذي رسمه لنفسه.
فيقول: "ولنقبض عنان البيان عن هذا المكان، وقد خرجنا في هذا الباب عن مقصود الكتاب." (1).
ولكي يجعل الكتاب أكثر وضوحاً، وفي متناول طلبة العلم، قام بشرح الغريب الذي يستدعي شرحا، إذ نادراً ما يحتاج القارئ الرجوع إلى المعاجم اللغوية.
فأصبح الكتاب بذلك تام الوضوح لا يحتاج إلى مزيد بيان.
المطلب الخامس: طريقة تناوله للمسائل الفقهية
لقد اخترع ابن بشير طريقة جديدة، انفرد بها عن غيره، تقوم على الاختصار المبني على القواعد الأصولية 2. فقد حاول أن يجمع المادة الفقهية، وأن يذكر أقوال المذهب وفاقًا وخلافًا، وأن يذكر مبادئ الأدلة، مع الإشارة إلى أسباب الخلاف، وانتقاد الأقوال التي تخالف أصول المذهب، كل ذلك في حرص شديد على عدم الإطالة في الجزئيات والتفاصيل.
فجاء الكتاب في شكل مختصر اختصارًا موسوعياً.
ابتعد فيه عن1
الإطناب، واتسم بالوضوح والشمول.
فقارئه لا يشعر بأنه أمام مختصر مغلق، لا يفهم إلا بواسطة الشروح أو الشروح والحواشي، كما أنه لا يشعر بأنه أمام كتاب مطول ممل، يغرق صاحبه في تتبع الجزئيات والفروع التي لا تنتهي.
ومن أجل هذا نجد الباحثين المعاصرين اختلفوا في تصنيفه؛ هل هو ضمن الموسوعات (1) والمطولات؟ أو هو ضمن المختصرات؟ فالدكتور عمر الجيدي جعله ضمن الموسوعات المطولات (2) والدكتور محمد شرحبيلي جعله ضمن المختصرات (3). والحق أن الصفة التي تصدق عليه هو كونه مختصراً اختصارًا موسوعيًا.
المطلب السادس: منهجه في المسائل التي لا نص فيها في المذهب
: يندر جداً أن نجد مسألة ليست من النوازل، لا نص فيها في المذهب123
ولا تدخل في معنى المنصوص أو شيء من ضوابطه، يقول الجويني: "يبعد أن تقع واقعة لم ينص على حكمها في المذهب، ولا هي في معنى شيء من المنصوص عليه فيه من غير فرق، ولا هي مندرجة تحت شيء من ضوابطه." 1 وإن كان الجويني شافعياً فإن كلامه هذا ينطبق على سائر المذاهب.
وعلى ندرة هذه المسألة، فقد حظيت بالاهتمام من طرف العلماء، وتناولوها بالدرس والنقاش.
فالأحناف مثلاً يرون الرجوع والميل إلى المذهب المالكي عندما لا يجدون في مذهبهم قولاً في المسألة، على اعتبار أنه أقرب المذاهب إليهم 2.
والمالكية اختلفوا، فبعضهم يرى وجوب العمل بالمذهب الشافعي، على اعتبار أن الشافعي تلميذ لمالك.
والبعض يرى وجوب اتباع المذهب الحنفي، لقلة الخلاف بينهما.
لكن الذي رجحه المحققون كالقرافي والأجهري هو الرجوع إلى المذهب الشافعي فيما لا نص فيه 3، ولعل ابن بشير سار في هذا الاتجاه على الأقل في هذا الجزء الذي وقفت عليه، وقد لاحظت ذلك في مسألتين: الأولى: صرح فيها أنه عول على مذهب الشافعي وإن حكى في نفس الوقت مذهب أبي حنيفة.
والثانية: لم يصرح فيها باعتماده على مذهب الشافعي، وإنما حكاه، ويستشف من حكايته هذه مع عدم حكاية المذاهب الأخرى، أنه مال إليه.
والمسألتين هما كالتالي:
الأولى: قوله فيمن عجز عن كل أفعال الصلاة ولم يبق له إلا النية
:
" وقد طال بحثنا عن مقتضى المذهب في هذه المسألة.
والذي عولنا عليه في المذاكرات موافقة مذهب الشافعي مع العجز عن نص يقتضيه في المذهب.
فالمسألة في غاية الإشكال من [جهة أن التكليف لا يمكن إلا متمكناً ولا يقع التكليف إلا بممكن.
ولكن] الاحتياط مذهب الشافعي، والرجوع إلى براءة الذمة هو مقتضى مذهب أبي حنيفة.
ولا يبعد أن يختلف المذهب في هذه المسألة [وإن وجد فيها نص] " (1).
والثانية: قوله في المفاضلة بين الأفقه والأصلح في الإمامة
:
" وإن اجتمع الأصلح والأفقه، فلم أر في المذهب نصاً في هذه المسألة.
وللشافعية قولان: أحدهما تقديم الأفقه مراعاة لقدرته على مراعاة إصلاح ما يعرض له في الصلاة من المفسدات الشواذ.
والثاني تقديم الأصلح، إذا كان لَهُ من الفقه ما يمكن به أداء الصلاة وإصلاح ما يعرض له فيها من المفسدات المتكررة والتي ليست شاذة جداً" (2).
المطلب السابع: المنهج التأصيلي عند ابن بشير
:
لقد مر المذهب المالكي من حيث تأصيل المسائل الفقهية وربطها بأدلتها، قبل ابن بشير بعدة مراحل.
المرحلة الأولى: مرحلة الانطلاق من النصوص مباشرة عند استثمار الأحكام، والاستئناس بآراء الصحابة والتابعين والتمسك بالتراث الفقهي لأهل المدينة، وهذه المرحلة يمثلها إمام المذهب نفسه.12
المرحلة الثانية: مرحلة تدوين الأحكام مؤصلة ومرتبطة بأدلتها إقتداء بروح منهج الإمام.
وقد تبلور هذا المنهج على يد كل من سحنون في المدونة وابن حبيب في الواضحة ونظرائهما.
المرحلة الثالثة: مرحلة التخفيف من التأصيل والتقليل من الأدلة، وقد سُلك هذا الاتجاه تحت ضغط تنوع الأدلة وتضخم الكتب الفقهية.
ويعد ابن أبي زيد القيرواني بكتابه مختصر المدونة، والنوادر والزيادات.
والبراذعي، بكتابه التهذيب؛ رائدي هذه المرحلة.
المرحلة الرابعة: مرحلة العودة إلى التأصيل مرة أخرى، والسير على المنهاج العلمي الأمثل والانطلاق من المنابع الأولى؛ القرآن والحديث في إطار قواعد المذهب وفروعه 1.
وقد أحيى هذا المنهج كل من ابن يونس الصقلي (ت) 451 هـ، وأبو الحسن اللخمي 478 هـ والمازري 536 هـ وابن بشير.
فابن بشير ينتمي إلى المرحلة الرابعة مرحلة العودة إلى التأصيل.
وقد تجلت الصورة التأصيلية في كتابه التنبيه على مبادئ التوجيه، الذي اختار له هذا العنوان لينم عن مدى اهتمامه بتوجيه الأقوال وتأصيلها.
إلا أن طبيعة الكتاب المتسم بالاختصار؛ جعلته لا يتوسع في ذكر الأدلة.
بل يكتفي برؤوسها ومبادئها، حيث يقول مفصحاً عن منهجه في ذلك: "ولسنا لإكمال الحجاج وإنما نبهنا على أوائله" 2.
ومن خلال نماذج من كتابه التنبيه أحاول تلمس معالم منهاجه، وأختار مثالين من كتاب الصلاة الثاني.
المثال الأول قوله: "من كان إماماً فسلم من صلاته قبل كمالها، فقال له بعض المقتدين: إنك لم تكمل صلاتك، فقال: بل أكملت، وسأل غير المتكلم أولا، فأخبره أنه لم يكمل.
فهل تصح هذه الصلاة أو تبطل؟ في المذهب ثلاثة أقوال: المشهور صحتها، والشاذ بطلانها.
وقال سحنون: إن جرى ذلك في الصلاة الرباعية بعد ركعتين صحت الصلاة، وإن كان من غير الرباعية أو ليس بعد الركعتين بطلت.
ووجه المشهور الاعتماد على الحديث في أنه - صلى الله عليه وسلم - سلم من اثنتين فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله فقال: كل ذلك لم يكن، فقال ذو اليدين: قد كان بعض ذلك.
فسأل الناس فأخبروه بصحة ما قال ذو اليدين ورجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى إكمال صلاته.
ووجه الشاذ إما لأن الحديث لا يحكم بصحته.
وقد تكلم عليه أصحاب أبي حنيفة [من جهة] أن الراوي أبو هريرة رضي الله عنه، ولهم في ذلك معان لسنا لها.
وإما لأنه انفرد بنقله الآحاد.
وإما لأن القياس مقدم عليه.
وبين الأصوليين خلاف في تقديم القياس على خبر الآحاد.
وإما لأن القصة جرت في زمن يجوز فيه النسخ ولم يتكلم ذو اليدين إلا وهو يجوز النسخ فعذر بذلك.
بخلاف من يطرأ له ذلك بعد تقرر الشرائع واستحالة النسخ.
وعلى هذا عول ابن كنانة القائل ببطلان الصلاة، وأجاب ابن القاسم عن هذا بأن غير ذي اليدين من الصحابة تكلموا بعدما علموا بأن الصلاة لم تقصر.
وأما وجه قول سحنون، فهو أن القياس بطلان الصلاة، وقد وردت صحتها في صورة فيقتصر على ما وردت.
ولا يجري القياس فيما عداها." 1.
المثال الثاني قوله: "ولو نسي أن يسجد سجود السهو فلم يسجده حتى طال الأمر؛ فأما اللتان بعد السلام فيسجدهما متى ما ذكر، وأما اللتان قبله فهل تبطل الصلاة لتركها متى طال الأمر؟ في المذهب خمسة أقوال:
أحدها: أنها تبطل، وهو المشهور.
والثاني: أنها لا تبطل، وهو الشاذ.
والثالث: أنها تبطل إن كان السجود واجبًا عن نقص فعل، ولا تبطل إن كان عن نقص قول.
والرابع: أنها تبطل لنقص الجلوس الأوسط وأم القرآن من ركعة واحدة، ولا تبطل إن كان من نقص غير ذلك.
والخامس: أنها تبطل إن كان النقص في القول أو في الفعل، إلا أن تكون التكبيرتان وما في معناهما من قول "سمع الله لمن حمده".
فأما القولان بالبطلان ونفيه فبناء على أن السجود واجب لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر به فتبطل الصلاة لتركه، أو على أنه ليس بواجب لأنه بدل على غير واجب فلا تبطل الصلاة لتركه.
وهذا الذي قلناه من كون المبدل غير واجب هو أصل المذهب وقاعدته.
وانفرد أبو الوليد الباجي فرأى أن القول بالبطلان يقتضي أن المبدل عنه واجب، ورأى أن الصلاة على ثلاثة أضرب؛ منها إن كان لا يجزيه عنها إلا الإتيان بها ونفي ما قدمنا من الفروض.
ومنها واجبات ينوب عنها السجود، وهذه التي عددناها آنفاً.
ومنها فضائل هيئة لا تجبر.
وهذا قياس على الحج فإنه على هذه الثلاثة الأقسام.
وأما الأقوال الأخيرة فمبناها على تأكيد المتروك وعدم تأكده، فتأكد عند قوم لكونه فعلاً، وعند قوم لهذا أو بالخلاف في فرضيته كأم القرآن في ركعة، وعند قوم بهاذين، وبكثرة الأقوال".
وبهذين المثالين تبرز النزعة التأصيلية الواضحة والمتمكنة في منهج ابن بشير، ورغم ميله إلى الاختصار والاكتفاء برؤوس الأدلة؛ يمكن أن تدفع به مع غيره ممن ساروا على نفس المنهج، التهمة التي حاول البعض إلصاقها بالمذهب المالكي.
أعني دعوى عدم تأصيله واستناده إلى أقوال الرجال بدل الاستناد إلى النصوص من الكتاب والسنة 1.
...
المبحث الثاني: الخلاف (1) الفقهي عند ابن بشير
لقد ظهر الخلاف في المسائل الفقهية من عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، واختلف الصحابة رضوان الله عليهم بين يديه عليه السلام، وأقرهم على ذلك 2. وقد ظهر الحديث عن الخلاف في وقت مبكر جداً.
ومن بين أقدم المؤلفات في هذا الميدان: الحجة على أهل المدينة لمحمد بن الحسن الشيباني (ت) 189هـ.
وقد كانت مناهج العلماء الخائضين في هذا المجال في بداية الأمر لا تخرج عن منهجين اثنين:
الأول: منهج سرد الأقوال والآراء الفقهية مجردة من أدلتها وأصولها، أو مع ذكر بعض الأدلة والأصول من غير قصد إلى الترجيح والاختيار.
ومن جملة من سلك هذا المنهج نجد: أبا عبد الله محمد بن نصر المروزي ت 294هـ في كتابه اختلاف العلماء.
وأبا جعفر محمد بن جرير الطبري في كتابه اختلاف العلماء كذلك.1
وكأن أصحاب هذا المنهج يعتمدون على مشروعية الخلاف، أو يرون أن كل مجتهد مصيب ما دام الخلاف مشروعاً ومقصوداً.
الثاني: منهج من يسرد الأقوال والآراء الفقهية، معززة بأدلتها وأصولها، مع قصد الترجيح والاختيار ونصرة مذهب من المذاهب أو رأي من الآراء.
وقد شحنت مؤلفات أصحاب هذا المنهج بأساليب أهل الجدل والمناظرة.
أو أساليب أهل الحديث والأثر الذين يركزون على دراسة الأسانيد وضبط المتون، كالتمهيد لابن عبد البر وغيره.
وفي القرن الخامس وفي الغرب الإسلامي بالتحديد، حصل تقدم وتطور نوعي في تعامل الفقهاء مع الخلاف الفقهي، فقد نقلوا الدرس الفقهي من سرد للخلاف، أو الانتقاء منه، إلى تعليل الخلاف وتأصيله وتقعيده وذكر أسبابه ومبرراته.
وقد تناول علماء الغرب الإسلامي هذه القضية من شقين:
شق نظري مجرد قصد به، حصر أسباب الخلاف الرئيسية.
وشق تطبيقي قصد به ربط الفروع بتلك الأسباب.
ولعل أول من تحدث بوضوح عن الشق النظري هو: ابن حزم الظاهري في كتابه الإحكام في أصول الأحكام، 1 وقد لخص أسباب الخلاف في عشرة نقاط، تعتبر أصولاً ترجع إليها كل الأسباب الفرعية 2. ثم تبعه بعد ذلك ابن السيد البطليوسي، فأفرد المسألة بكتاب مستقل 3، وإن تحدث فيه عن أسباب الخلاف عمومًا في الفقه وأصول الدين وغيرهما، ثم جاء بعد هؤلاء الشاطبي 4 وابن
جزي (1) وغيرهما، ولم يظهر التأليف في هذه القضية عند المشارقة- حسب علمي- إلا في القرن الثامن على يد ابن تيمية، في كتابه رفع الملام عن الأئمة الأعلام.
أما الشق التطبيقي الذي يتتبع المسائل الخلافية، ويذكر سبب الخلاف في كل مسألة؛ فقد ظهر في القرن الخامس.
ومن رواده الأوائل: اللخمي، وعبد الحميد الصائغ، والمازري، وابن بشير، وهؤلاء كلهم مالكية من الغرب الإسلامي، ولا أعلم للمشارقة كتاباً ألف على هذا المنوال الذي يتتبع المسائل الخلافية، ويعللها ويبين أسبابها ودواعيها.
وما إن انتشر هذا المنهج الجديد، وتداوله المالكية في الخلاف الداخلي بالخصوص، حتى أنجب الغرب الإسلامي جهبيذًا التقط الخيط وخطى به خطوة إلى الأمام، أعني أبا الوليد محمد بن رشد الحفيد ت 595هـ الذي استفاد من جهود سابقيه، ووظف ما قالوه في الخلاف العالي، وخرج على الناس بكتاب غاية في السبك والإحكام فبهر أعينهم ونال إعجابهم، إلا أن هذا المنهج لم يكتب له الاستمرار إذ آخر من سار على هذا المنهج هو أبو الحسن علي بن سعيد الركراكي من علماء القرن السابع (2) في كتابه مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل.
المطلب الأول: اقتصار ابن بشير على ذكر الخلاف داخل المذهب
:
إن أهم ما يلاحظه المطلع على الكتاب؛ هو كثرة إيراده للأقوال والخلاف داخل المذهب.
وقد استغرب البعض كثرة هذه الأقوال في المذهب وسأل عنها فقيل له: "ذلك لكثرة نظاره في زمان إمامه، وقد أخذ عنه مشافهة، نحو ألفين كلهم مجتهد، أو قارب الاجتهاد" 3. ومهما يكن12
من أمر فإن المسألة ظاهرة صحية، تدل على مرونة المذهب، وإمكان استيعابه لأراء متعددة داخل دائرته.
ولعله من هذا المنطلق حرص ابن بشير على إيراد هذه الأقوال، بل نص على أن من مقاصده في هذا الكتاب ذكر خلاف المذهب.
فقال في المقدمة: "فرأيت أن أملي عليهم من خلاف أهل المذهب، ما يحصل به للجمهور الاستقلال، منبهًا على أوائل التوجيه والاستدلال".
وقال كذلك في كتاب الصلاة الثاني: "هذا أصل الكلام في صلاة الخوف على المذهب وفاقًا وخلافاً." 1.
والكتاب كله شاهد على هذا، فإن كانت المسألة متفقا عليها أشار إلى ذلك.
وإن كانت مختلفا فيها داخل المذهب، ذكر ذلك الخلاف.
وطريقته في ذلك؛ أن يبدأ بذكر المشهور، ثم يثني بالشاذ، وقد يخالف هذه الطريقة في بعض الأحيان كما هو الشأن في المثالين التاليين، حيث قدم الشاذ على المشهور:
أ- "واختلف هل الأفضل في تشييع الجنازة المتقدم عليها، أو التأخير؟ على ثلاثة أقوال: أحدها أن الأولى المتقدم.
والثاني بالعكس، وهما شاذان.
والثالث هو المشهور، أن المشاة يتقدمون والركبان يتأخرون." 2.
ب- "قال في الهارب بماشيته: ولا شك أنه متعد في الهروب، فالواجب عليه متعلق بذمته.
فلا يختلف المذهب في ذلك، لكن اختلف إذا زادت نعمه بعد أن كانت ناقصة في أعوام، هل يؤخذ بما يوجد في يده من الزيادة على سائر الأعوام؟ وهو الشاذ من المذهب، أو يؤخذ عن كل عام بما في يده؟ وهو المشهور ... " 3.
وفي كثير من الأحيان يذكر الأقوال بدون أن ينص على شهرتها أو
شذوذه، فيكتفي بقوله: القول الأول كذا، والقول الثاني كذا، والثالث ... الخ.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الكتاب يعد مصدراً هاماً لمعرفة الأقوال التي حكم عليها تحت ضغط مؤثرات مختلفة بالشذوذ، فأغفلها كثير من الناس، والحاجة ماسة إليها في عصرنا هذا الذي لا بدّ لنا فيه من اللجوء إلى الاجتهاد الانتقائي في المسائل المبحوثة، والإنشائي في المسائل المستجدة.
أما بالنسبة للمذاهب الأخرى؛ فإنه يكتفي بالإشارة إليها من حين لآخر، وهي إشارات قليلة، ولا ضير في ذلك إذ الكتاب في الخلاف داخل المذهب، وليس في الخلاف العالي، وقد ألمع إلى هذا ابن بشير فقال: "لأن القصد بيان المذهب والإشارة إلى مذهب المخالف ... " 1. وإشاراته مقصورة غالباً على المذهب الشافعي والحنفي.
وقد يشير من حين لآخر لغير هؤلاء من المجتهدين كالليث بن سعد، وداود الظاهري، وغيرهما.
أما الإمام أحمد فإني لم أقف له على أية إشارة، ولعل هذا راجع إلى ما كان رائجا آنذاك من عد الإمام أحمد من المحدثين لا من الفقهاء.
ومن مصطلحاته في هذا الشأن؛ أنه يطلق على علماء غير المذهب لفظة الناس، كما في النماذج التالية حيث قال: "لكن اختلف الناس والمذهب." 2 "وقد اختلف الناس فيه وفي المذهب قولان" 3 "وأما أوقات النوافل فإنه يحرم أداؤها عند طلوع الشمس وعند الغروب بإجماع.
واختلف الناس فيما عدا ذلك، ولسنا للاختلاف ... " 4 "واختلف في العشر الأواخر وسنذكر خلاف الناس فيها" 5.
واستعماله لهذا المصطلح لا يشم فيه أية إشارة إلى التنقيص، أو اللمز كما هو مستعمل عند البعض (1).
المطلب الثاني: ثمرة الخلاف
:
ثم إن ابن بشير لم يقتصر على سرد الخلاف والتعرض للأقوال.
بل تعدى ذلك إلى ذكر ثمرة الخلاف وفائدته، والتي بها يتضح للقارئ ما يترتب على كل قول عند تفعيله.
وهذا كله يساعد على الترجيح والاختيار وينمي ملكة النظر عند المحصلين.
ومن أمثلة ذلك قوله في باب زكاة الفطر:
"فأما زمان الخطاب بها ففي المذهب اضطراب يؤخذ من مسائل مفردة في المذهب.
ويتحصل من ذلك أربعة أقوال: أحدها أنها تجب بغروب الشمس من ليلة الفطر، [والثاني من طلوع الفجر، والثالث من طلوع الشمس، والرابع أنها تجب بغروب الشمس من ليلة الفطر]، لكن وجوباً مُوَّسعاً آخره غروب الشمس من يوم الفطر ... وفائدة هذا الخلاف فيمن ولد أو أسلم أو مات أو بيع [من العبيد] في ما بين هذه الأزمان، هل تجب فطرته؟ أو لا تجب على المولود والداخل في الإسلام؟ وهل تسقط عن الميت؟ " 2.
وقوله كذلك: "وإن كان الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان فهل يخرج عند غروب الشمس قياساً على الأول أو بعد طلوع الفجر؟ في المذهب قولان: البقاء إلى طلوع الفجر، لأنه المروي عن الرسول عليه السلام.
وإذا قلنا إنه يبقى إلى الطلوع فهل على جهة الوجوب أو على جهة الندب؟ في المذهب قولان ...
وثمرة الخلاف لو فعل بعد خروجه فعلاً يضاد الاعتكاف فهل يفسد1
اعتكافه ويبتدئه من الأول أم لا؟ فإن أوجبنا الإقامة فسد اعتكافه وابتدأه من الأول، وإن قلنا باستحبابه لم يفسد.
وقيل إنه يفسد بنفس الخروج." (1).
المطلب الثالث: الخلاف في الحال
:
ومن منهجه أيضًا في تعامله مع المسائل الخلافية؛ التمييز بين الخلاف الذي يكون بتباين الأقوال، وهو المعروف بخلاف في فقه.
والخلاف في الحال، أو الخلاف في شهادة، الذي يتفق فيه على أصله، ويختلف في حصوله في محل النزاع.
فمن الفقهاء من يرى حصوله في محل النزاع، ومنهم من لا يرى ذلك فيقع الخلاف.
وقد أكثر ابن بشير من التنبيه على هذا النوع من الخلاف.
قال ابن راشد القفصي (ت) 736 هـ: " ... وقد يتفق على سببية السبب وشرطية الشرط، ويختلف هل وقع ذلك في محل النزاع أو لا؟ وعن هذا يعبر ابن بشير بأن الخلاف في شهادة، وإذا تأملت ذلك ظهر لك سبب الاتفاق والاختلاف، فاحتفظ بهذا الأصل فإنه جيد جدا" 2، وقال الونشريسي: "ولأجل تغيير الفوائد في الأموال والسكك وغيرهما، جمع العلماء الأقوال المختلفة الصادرة عن أئمتهم المتقدمين على وقتهم، فقالوا في كثير من مسائل الخلاف هو خلاف في حال لا خلاف في مقال، وللشيخ أبي الطاهر بن بشير التنوخي عناية بالجميع في كثير من مسائل الخلاف، وردها إلى خلاف في حال." 3. فمن خلال هذين النصين، يتبين أن ابن بشير يتميز باعتنائه واهتمامه بهذا النوع من الخلاف.
وهذه أمثلة توضح ذلك:
- أولاً: قال في إزالة النجاسة من المخرجين بالأحجار: "وهل يكتفي للمخرجين بثلاثة أو يطلب لكل واحد ثلاثة؟ قولان.
وهو خلاف في1
شهادة، هل يتلطخ الحجر بأحدهما فلا يكفي في الآخر، أو يمكن أن يحصل الانتقاء في الموضعين بثلاثة." (1).
- ثانياً: قال في تطهير الزيت من النجاسة: "وهل يطهر الزيت وسائر الأدهان بعد تنجيسها بماء يقع فيها؟ في المذهب قولان: المشهور أنه لا يطهر، والشاذ أنه يطهر وهو خلاف في شهادة ترجع إلى الحس، وذلك أن الأدهان لا تمتزج بها النجاسة امتزاجاً لا يمكن انفصالها عنها، بخلاف امتزاج سائر الأطعمة.
وإذا تقرر ذلك فهل يمكن أن يبلغ إذا غسل منها مبلغاً يذهب النجاسة ويبقى الدهن على أصله؟ هذا محل الخلاف وهو محال على شهادة." (2). - ثالثًا: قال في تنزيل التنحنح في الصلاة منزلة الكلام فيها: "وهل يتنزل التنحنح بمنزلة الكلام؟ أما إن كان بغلبة فلا خلاف في صحة الصلاة، وأما إن كان بغير غلبة، ففي المذهب قولان: أحدهما أنه بمنزلة الكلام، ينظر في السهو والعمد إلى ما قدمناه.
والثاني أنه ليس بمنزلته، وهو خلاف في شهادة تصوره هل تتركب منه حروف كما تتركب من الكلام، أم لا يتركب ذلك؟ وهكذا اختلفوا في النفخ هل يتنزل منزلة الكلام، وهو على ما قدمناه" (3).
المطلب الرابع: خلاف التنوع
كما أنه كثيرًا ما ينبه على نوع آخر من الخلاف يمكن الاصطلاح عليه بخلاف التنوع، أو خلاف الهيئات والصور، وهذا النوع من الخلاف تكون كل صوره وهيئاته جائزة، وتبرأ ذمة المكلف بفعل أيهما شاء.
ومن أمثلته: قوله: "وهل يشير بالمسبحة أو يمدها غير محرك لها؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها أنه يشير بها.
فقيل المراد بذلك طرد الشياطين وقمعها.
وهذا123
أيضاً تحقيق معناه، أنه يقرر على نفسه ما يذكر من التشهد.
ويذكرها بالتقصير عن معاني ما يذكره ويمنعها أيضاً من الغفلة عن ذلك.
والقول الثاني أنه [يبسط مسبحته غير محرك لها.
قيل المراد بذلك الإشارة إلى الوحدانية.
والقول الثالث أنه] يبسطها موحداً إلى أن يبلغ قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله" فيشير بأصبعه مقررا على نفسه جميع ما يلزمه الإيمان به.
وهذا كله لا ينبغي أن يعد خلافاً، وإنما يعد هيئات" (1).
المطلب الخامس: ما لا ينبغي أن يختلف فيه
:
بقدر حرص المؤلف على ذكر الخلاف، فإنه لا يعزب عنه ذكره المسائل المتفق والمجمع عليها، إما داخل المذهب أو حتى خارجه، والمسألة واضحة نستغن عن تكلف الأمثلة والشواهد لها.
لكن الذي ينبغي أن يشار إليه، هو أن ابن بشير لم يتوقف عند ذلك، بل تعداه إلى ذكر المسائل التي لا ينبغي أن يختلف فيها.
وكأنه يريد بذلك سد الباب على من يريد أن ينشئ خلافاً بدون وجود أسبابه ودواعيه، وهو ما يمكن أن نسميه بالخلاف المرفوض، الذي لا مسوغ له ولا مبرر.
ومن أمثلة ذلك قوله في الواجب بارتكاب الممنوعات:
"ويتعلق بارتكاب الممنوعات ثلاثة أشياء: القضاء والكفارة وقطع التتابع، ولا يخلو المرتكب من أن يكون معذوراً أو غير معذور؛ فإن كان معذورا بالنسيان أو بالغلط في التقدير؛ وجب القضاء في جميع أقسام الصيام إلا في التطوع فلا يجب بلا خلاف على هذا.
وهل يستحب؟ في المذهب قولان، وهكذا نقل.
ولا ينبغي أن يختلف في استحبابه، لأنه فعل بر." 2.
وقال في باب حكم التحريم بالمصاهرة: "وقد قدمنا أن مقدمات الوطء؛ كالوطء، وهذا إذا كانت اللذة.
فإن كان لمس وما في معناه لغير لذة؛ فإنه لا تنتشر الحرمة، وإن كان للذة من غير بالغ ففيه قولان، وهذا1
إنما يصح في المميز.
وأما من لا يميز اللذة من غيرها، فينبغي ألا يختلف فيه." (1).
المطلب السادس: أسباب الخلاف عند ابن بشير
لقد سبقت الإشارة إلى أن ابن بشير ينتمي إلى مدرسة تعليل الخلاف التي ولدت وازدهرت في الغرب الإسلامي.
والمتتبع للكتاب يلاحظ حرص ابن بشير على ذكر سبب الخلاف في معظم المسائل الخلافية التي أوردها في كتابه، ويعبر عن ذلك بأساليب متعددة فإما أن يقول: "وسبب الخلاف كذا" أو "الخلاف آيل إلى كذا" أو "منشأ الخلاف كذا" أو "مثار الخلاف كذا".
وقد لا يصرح في بعض الأحيان بذلك وإنما يستشف من خلال كلامه.
ولعل حرص ابن بشير على ذكر سبب الخلاف؛ راجع إلى أهمية هذا الأخير في معرفة أصول الآراء الفقهية وأسسها، ومناهج العلماء في استنباط الأحكام واستثمارها من مصادرها.
وهذا كله يخدم مقصده من الكتاب، الذي يهدف منه إلى تمرين المتفقة على الاجتهاد، والارتفاع به عن التقليد.
والمتأمل في أسباب الخلاف التي ذكرها ابن بشير، يرى أنها كثيرة جدًا ومتنوعة، والغالب عليها القواعد الخلافية التي وردت بصيغة الخلاف، وانبنى على الخلاف فيها خلاف في مسائل فرعية وهي؛ إما قواعد أصولية أو فقهية.
فمن القواعد الأصولية قوله: "هل تحمل أوامره على الوجوب أو على الندب" 2 "هل يخصص العموم بالعادة أم لا؟ " 3 "هل الأمر يقتضي الفور، أم للمكلف التراخي؟ " 4.
- ومن القواعد الفقهية قوله: "هل كل جزء من الصلاة عبادة قائمة1
بنفسها أو يقال صحة أوائلها موقوف على صحة أواخرها؟ 1 " "من ملك أن يملك هل يعد مالكاً؟ " 2 "هل يعلق الحكم على الصور النادرة أم لا؟ " 3.
- وقد يكون الخلاف راجعاً إلى النصوص.
ومن ذلك قوله: "اختلاف آيتين" 4 أو "اختلاف الظواهر" 5 أو "تعارض آية وحديث" 6. - وقد يكون الخلاف راجعاً إلى مسائل لغوية، ومن ذلك قوله: "هل الأسماء تحمل على الأوائل أو الأواخر" 7، "هل "إلى" لانتهاء الغاية أو للجمع" 8 "الاختلاف في اسم الوجه" 9.
- وقد يكون الخلاف راجعاً إلى مسائل تتعلق بعلوم الحديث، ومن ذلك الاختلاف في ثبوت الحديث 10 - والاختلاف في زيادة العدل هل تقبل أم لا؟ 11 أو قبول رواية الصحابي غير الفقيه 12 ... وقد يكون الخلاف راجع إلى غير ذلك كالاختلاف في رعي الخلاف 13 أو الاختلاف في التعليل 14 أو الاختلاف في التغليب 15 ... إلى غير ذلك.
وحتى لا يبقى الكلام نظرياً أرى أنه من الضروري أن أورد أمثلة توضح منهج ابن بشير في تعرضه لسبب الخلاف.
وأكتفي بذكر ثلاثة أمثلة:
الأول: قال فيمن شك في طلوع الفجر هل يباح له الأكل في رمضان أم لا؟
"وأما إن شك فهاهنا قولان: كراهية الأكل، وتحريمه.
ورأى ابن حبيب أن القياس الإباحة.
وسبب الخلاف استصحاب حالين: أحدهما إباحة الأكل، والثاني وجوب الصوم؛ فمن نظر إلى استصحاب زمن الليل؛ أجاز الأكل أو كرهه مراعاة للخلاف، ومن نظر إلى وجوب استصحاب الصوم منع إلا أن يتيقن بالجواز" 1.
الثاني: "وإذا وجبت الزكاة فأديت إلى فقراء الموضع الذي وجبت فيه، أجزت بلا خلاف.
فإن أديت إلى غيرهم؛ فإن كان بأهل الموضع حاجة وغيرهم ليس بمنزلتهم، لم تجز، وإن تساوت الحالات فهل يجزي إخراجها إلى غير الموضع الذي وجبت فيه؟ فالمذهب على قولين.
وسبب الخلاف قوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: "فأخبرهم -يعني أهل اليمن- أن الله أوجب عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم"، فهل يحمل ذلك على فقراء المسلمين أو فقراء أهل الموضع؟ هذا سبب الخلاف ... " 2.
الثالث: قال في باب الكفارة في الصيام "وأما الكبرى فقد اختلف المذهب في صفتها؛ فالمشهور: أنه ليس فيها إلا الإطعام.
لكن اختلف المتأخرون هل ذلك من باب الأولى ويجزئ غيره، أو من باب الأوجب فلا يجزئ غيره.
والشاذ أن يكون بالإطعام وغيره.
وإذا قلنا بهذا فهل تتنوع بقدر أنواع الموجب، أو تكون على حدٍّ سواء؟ في المذهب قولان: والأشهر تساويهما وإن اختلف الموجب.
والشاذ أنها بالإطعام إن كانت بغير
جماع، وعتق أو صيام إن كانت بالجماع.
وإذا قلنا بالتساوي فهل هي على التخيير ككفارة الأيمان أو على الترتيب ككفارة الظهار؟ في ذلك قولان.
وإذا قلنا بالتخيير هل يبتدأ بالطعام أولاً أو بالعتق؟ في ذلك قولان.
وسبب الخلاف اختلاف ظواهر، فَعَوَّلَ في المشهور على قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، وحمله على الكفارة الكبرى بتعمد الفطر.
وقد قدمنا الخلاف في معنى الآية.
ومن فرَّق بين الموجب رأى أن الآية محمولة على الفطر بغير الجماع، والأحاديث تقتضي الفطر بالجماع، ونظر أيضاً إلى أن الأشد والآثم [يجب على الأشد في الارتكاب] والجماع أشد والشهوة فيه أغلب، فكان الواجب عنه أكبر من الواجب عن غيره.
ومن قال بالترتيب عوَّل على ما في بعض الطرق من أنه - صلى الله عليه وسلم - سأل المستفتي له هل يستطيع إعتاق رقبة؟ فلما أخبره بعدم قدرته على ذلك سأله عن استطاعته الصوم، فلما أخبره بالعجز عنه سأله عن القدرة عن الإطعام.
فهذا يقتضي الترتيب ككفارة الظهار، ولأنها أيضًا تنوعت بأنواع الظهار ومقدرة بقدرها فتجب المساواة بينهما.
ومن خيَّر فلما في بعض الطرق من التخيير، وكأن من يرى أن الأولى الابتداء بالعتق يراعي مذهب المرتبين، ومن يرى الابتداء بالإطعام يراعي مذهب المقتصرين عليه.
هذا مبادئ سبب الخلاف بحسب ما يليق بهذا المجموع ... " 1.
نلاحظ من خلال هذه الأمثلة كيف أن ابن بشير يذكر الأقوال وسبب الخلاف باختصار وتركيز بل صرح في آخر المثال الثالث بأنه اكتفى بذكر مبادئ أسباب الخلاف.
وهذا هو المنهج الذي سار عليه في الكتاب، فقد آثر عدم الإطالة والتوسع في هذا الباب، وإنما أتى بما فيه الكفاية.
...
المبحث الثالث: النقد عند ابن بشير
ينتمي ابن بشير إلى المدرسة النقدية التي أسسها أبو الحسن اللخمي في القرن الخامس، والتي كان من روادها بالإضافة إلى ابن بشير؛ المازري وابن رشد الجد والقاضي عياض وغيرهم.
يقول الفاضل بن عاشور: "فهؤلاء هم الذين سلكوا طريقة جديدة في خدمة الحكم، هي: الطريقة النقدية، التي أسس منهجها أبو الحسن اللخمي، فصاروا في الفقه يتصرفون فيه تصرف تنقيح، وينتصبون في مختلف الأقوال انتصاب الحكم الذي يقضي بأن هذا مقبول، وهذا ضعيف، وهذا غير مقبول، وهذا ضعيف السند في النقل، وهذا ضعيف النظر في الأصول، وهذا مغرق في النظر في الأصول، وهذا محرج للناس أو مشدد على الناس إلى غير ذلك.
وهي الطريقة التي درج عليها الإمام المازري في شرحه على التلقين للقاضي عبد الوهاب، ودرج عليها ابن بشير في شرحه على المدونة الذي سماه التنبيه على مسائل التوجيه ... " (1).
المطلب الأول: مجانبة ابن بشير للتعصب
وقبل الحديث عن منهجه النقدي لا بدّ لنا من التعرض لقضية تعتبر أساساً للنقد السليم ومعياراً للتقويم النزيه، أعني الإنصاف ومجانبة التعصب الذي ابتلي به بعض الفقهاء، فانساقوا وراء أهوائهم وتحاملوا على مخالفيهم.
فجاءت معظم انتقاداتهم متابعة لأهوائهم.
والشيخ ابن بشير رحمه الله معافى من ذلك في الجملة، فإنصافه لغير المالكية فضلاً عن المالكية واضح جلي، وربما امتدح رأي المخالف وتوجيهه مومئاً أو مصرحاً بضعف رأي المذهب وتوجيهه، ويستحسن أن أذكر أمثلة توضح ذلك:
المثال الأول قال: "وروي عن عمر رضي الله عنه أنه صلى فلم يقرأ،1
فقيل له في ذلك، فسأل عن الركوع والسجود هل أكملت؟ فقيل له أكملت، فقال: لا بأس إذاً.
وقد تأول المالكية ذلك على أنه أعاد.
وهذا بعيد؛ لأنه يبطل معنى سؤاله عن الركوع والسجود.
وتأوله الشافعية على أنه ترك الجهر ولم يترك القراءة جملة.
وهذا أقرب من التأويل الأول" 1.
المثال الثاني: " ... وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ [وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَالْبِئْرُ جُبَارٌ] وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ".
وقد تعلق أصحابنا بهذا الحديث في أن المعدَن غير الركاز، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سماهما باسمين مختلفين.
والظاهر أنه لا دليل في ذلك بل [يكاد أن] يكون حجة لأبي حنيفة القائل بأن ما يوجد في المعدن فيه الخمس، لأنه - صلى الله عليه وسلم - تكلم على حكمين مختلفين، فأخبر بأن ما سقط في المعدن أو يسقط عليه المعدن، فهو جبار لا دية فيه.
ثم أخبر أن في الركاز الخمس، أي في الركاز الذي يكون في المعدن.
وبهذا يحسن تأليف النظم في الحديث، ولسنا لإكمال الحجاج، وإنما نبهنا على أوائله." 2.
فهذه النصوص معبرة بوضوح على إنصافه وعدم تعصبه لمذهبه وتعسفه على مخالفه، وهي ليست في حاجة إلى تعليق، فالنص الأول صرح فيه ببعد تأويل المالكية وقرب تأويل الشافعية.
والنص الثاني صرح فيه كذلك بأن ما تعلق به المالكية لا دليل لهم فيه بل هو حجة للأحناف 3.
ورغم هذا فإن ابن بشير رمي بالتحامل والتعسف في انتقاده للخمي.
فقد ورد في طبقات المالكية لمجهول: "وكان بينه وبين أبي الحسن اللخمي قرابة وتعقبه في كثير من المسائل، ورد عليه اختياراته الواضحة في التبصرة وتحامل عليه في كثير منها، قال ابن ناجي: كان بعض من لقيته يقول: تعسف ابن بشير هنا كعادته معه في كثير من المسائل، وتعسفه عليه بين لمن وقف على كتابه التنبيه" 1 والحق أن المطلع على كتاب التنبيه يلاحظ أن ابن بشير انبرى للرد على تخريجات واختيارات اللخمي، ويلاحظ أنه خص أقواله واختياراته باهتمام زائد على غيره.
ومرد ذلك في رأيي؛ جنوح اللخمي الواضح إلى كثرة التخريج، والترجيح، والنقد، والاستقراء، والاختيار على وجه اعتبره النقاد غير متقيد بالمسالك والتقريرات المذهبية في ذلك 2. فنتج عن منحاه هذا، تكون مادة فقهية غزيرة متميزة عن سابقاتها، جديرة بالاهتمام، والتتبع، والتمحيص والتدقيق.
فكان الأليق أن يقوم بذلك واحد من أبناء مدرسة اللخمي النقدية.
ومهما يكن من أمر فإن ابن بشير لم يخرج في انتقاده للخمي عن إطار الأخلاق والآداب العلمية، وإن لوحظت صرامة، وشدة اقتضتهما المباحثة والاعتراض مما يدخل في مجال نقد النقد.
وتأكيدًا لما سبق أذكر بعض الأمثلة التي انتصر فيها ابن بشير للخمي، وأشاد فيها برأيه ليتأكد بطلان ما قيل من تحامله وتعسفه عليه.
المثال الأول: قال في باب حكم المسبوق وقضائه بعد إكمال إمامه: "لكن هذه المسألة نزلت قديما، فطال بحثنا عن روايات المذهب فيها، = الثاني: في مسألة جواز العليل بالحكم في إثبات حكم آخر، وذكر فيها قولين: الأول: جواز ذلك ونسبه إلى الحنابلة، والثاني: عدم جوازه ونسبه إلى بعض المتأخرين، وقال عنه: (وهو الصحيح ولكن ننصر قول أصحابنا) انظر المصدر السابق 4/ 44.
وخالفني بعض أشياخي ودافع ما قاله أبو الحسن كل المدافعة.
وإنما اعتمدت له على أن ما قاله القياس، إذاً لا بالروايات.
فأخرجت من كتاب "الإملاء" لابن سحنون أن من أدرك ركعة من المغرب يقوم فيأتي بركعتين بأم القرآن وسورة في كل واحدة منهما بجهر بالقراءة ولا يجلس بينهما، وهذا نص في صحة طريقة أبي الحسن اللخمي، إذ جعل في هذه الرواية أن ما أدرك آخر صلاته في القراءة والجلوس جميعاً.
ولم يكن عند من خالفني في هذه المسألة أكثر من قوله لبعض تلامذته: الكتب لا تقوم بأنفسها" 1.
المثال الثاني: قال في كتاب الزكاة: "واستحسن أبو الحسن اللخمي أن يجعل في الجميع حولاً وسطًا لا ينبني على أول الاقتضاءات والفوائد ولا على آخرها.
وهذا له وجه أن يحصل الوسط في ذلك، وهو جار على أصل المذهب في مال تنازعه اثنان أنه يقسم بينهما، لأن التعجيل والتأخير قد تنازعه المساكين ورب المال، ولا يمكن تغليب أحد الجانبيين مع الشك، فيقسم بينهما.
وهذا بناء على [إسقاط] مراعاة الخلاف" 2.
المثال الثالث: قال أثناء حديثه عن اضطراب المذهب في حكم إزالة النجاسة: "وأما أبو الحسن اللخمي فحكى أن المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: إزالة النجاسة فرض، وهو مذهب ابن وهب القائل إن من صلى بها يعيد في الوقت وبعده عامدًا كان أو ناسيًا.
والقول الثاني: أن إزالتها سنة، وهو مذهب أشهب القائل إن من صلى بها لا يعيد إلا في الوقت وإن كان متعمدًا.
والقول الثالث: أن إزالتها سنة مع النسيان فرض مع الذكر، وهو مذهب المدونة لأنه يقول: من صلى بها عامدًا أعاد وإن خرج الوقت، وإن كان ناسيًا أعاد في الوقت، وهذا الذي قاله أبو الحسن اللخمي يشهد بصحته هذه الرواية" 3.
فالأمثلة السابقة يظهر فيها بجلاء إنصافه للخمي وعدم التحامل عليه بل الانتصار لرأيه وإظهار وجاهته.
ففي المثال الأول يظهر تبني ابن بشير لرأي اللخمي ودفاعه عنه ومناظرة شيوخه فيه.
والمثال الثاني نرى ابن بشير يتحدث عن وجاهة رأي اللخمي وجريانه على أصل المذهب.
والمثال الثالث نلاحظ كيف استدل للخمي بروايات المدونة.
بعد هذا أرى أن المقام مناسب للحديث عن النقد عند ابن بشير وأبدأ بانتقاده للخمي للأسباب السالفة الذكر.
المطلب الثاني: انتقاد ابن بشير للخمي
لقد تبين بالتتبع والاستقراء أن ابن بشير كان يتعقب اللخمي في عدة أمور لا يسمح المجال بذكرها كلها.
وسأكتفي ببعض منها:
أ- يؤاخذ ابن بشير اللخمي، على حكاية أقوال ونسبتها للمذهب وليست منه، ومن أمثلة ذلك
:
1 - قال ابن بشير: "فإن كان الماء يسيرًا ولم يتغير.
ففي المذهب ثلاثة أقوال: أحدهما: إنه نجس وهو مقتضى مذهب المدونة.
والثاني: إنه طاهر مطهر لكنه يكره للخلاف.
والثالث: مشكوك في حكمه فيجمع بينه وبين التيمم.
فوجه الحكم بنجاسته قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً"، ليبين إذا كان الماء دون القلتين حمل الخبث.
وأيضاً فإن النفوس تعاف الماء اليسير إذا حلته النجاسة اليسيرة ومبنى النجاسات على ما تعافه النفوس وتستقذره الطباع.
ووجه الحكم بطهارته قوله - صلى الله عليه وسلم -: "خلق الله [تعالى] الماء طهوراً لا ينجسه شيء"، وهذا عموم في كل المياه.
ومن رواية البغداديين في هذا الحديث: "إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه".
وهذا نص [في] أنه باق على الطهارة والتطهير ما لم يتغير أحد هذه الصفات، فهذه مبادئ أدلة المذهب.
ووجه الحكم بالشك فلتعارض الأدلة.
وحكى أبو الحسن اللخمي عن أبي مصعب أنه طاهر مطهر من غير كراهة.
وهذا لا يوجد في المذهب بل مقول البغداديين على رواية أبي مصعب.
وقد قالوا بالكراهة مراعاة للخلاف" (1).
2 - "أن يوقن بالوضوء ويشك في الحدث، فهذا فيه قولان: أحدهما: الإيجاب للوضوء، والثاني: استحبابه.
[والقسم الثالث: أن يشك في الحدث والوضوء جميعاً، فهذا يطرح ما شك فيه ويبني على ما كان حاله قبل الشك؛ فإن كان محدثاً لزمه الوضوء، وإن كان متوضئاً كان كالقسم الثاني].
وحكى أبو الحسن اللخمي عن المذهب خمسة أقوال فيمن أيقن بالوضوء وشكَّ في الحدث: أحدها: وجوب الوضوء، والثاني: إسقاطه.
والثالث: استحبابه، والرابع: وجوبه إلا أن يكون في صلاة، والخامس: التفرقة بين أن يستند شكه إلى سبب متقدم أو سبب في الحال؛ فإن استند شكه إلى سبب متقدم [كمن شك هل كان أحدث قبل وقته فيجب عليه الوضوء، وإن استند إلى سبب في الوقت] كمن شك هل خرج منه ريح أم لا فإنه يعتبر هل سمع صوتاً أو وجد ريحاً، فإن لم ير أثراً من ذلك فلا وضوء عليه.
وهذا لا يوجد في المذهب على ما حكاه أبو الحسن اللخمي من الخمسة الأقوال.
وإنما في المدونة القولان خاصة" (2).
3 - "وأما متى يجب عليه ستر العورة؟ فيجب عن أعين الإنسان بإجماع.
وهل يجب في الخلوة لحرمة الملائكة؟ حكى أبو الحسن اللخمي استحبابه.
والذي سمعناه في المذاكرات القولين؛ الوجوب والندب" (3).
ب- يؤاخذه على تعويله على اختلاف الروايات والاستقراء من المحتملات ومن أمثلة ذلك
: 1 - قال ابن بشير في حديثه عن السفر يوم الجمعة: " ... وأما إذا زالت الشمس فذلك ممنوع بلا خلاف في المذهب وذكر أبو الحسن قولاً123
بالكراهة وعول فيه على اختلاف الرواية كشأنه في الاستقراء من المحتملات" (1).
2 - "إن استخلف قوم واحداً منهم، فأتم الباقون أو واحد من الجماعة وحدانا تصح صلاتهم على المشهور.
وقال محمد بن عبد الحكم: من لزمه أن يتم صلاته في جماعة فأتم فذا بطلت صلاته].
وقد أخذ من هذا أبو الوليد الباجي وأبو الحسن اللخمي بطلان صلاتهم إذا لم يستخلفوا بإمام، وبطلان صلاة من أتم فذا.
ويحتمل أن يريد من يخرج عن إمامة الإمام الأول والمستخلف بعد أن اقتدوا به.
وإنما أراد التنبيه على قول الشافعية أن للمأموم الخروج عن الاقتداء.
فإذا احتمل ذلك لم يلزم [منه] الاستقراء" (2).
ج- يؤاخذه على جعل الخلاف في مسائل لا خلاف فيها ومن أمثلة ذلك
:
1 - " وأما فقدان العقل بالجنون والسكر والإغماء، فيوجب الوضوء على أي حالة كان، لأنه يقتضي عدم العلم بخروج الحدث.
وأراد أبو الحسن اللخمي أن يجعل فيه خلافاً إذا لم يطل، وعول في ذلك على كلام القاضي أبي محمد أن ذلك سبب حدث.
وهذا الذي قاله ليس بشيء، لأن القاضي لما قال إنه سبب للحدث [ساوى بين قليله وكثيره في نقض الوضوء، وفرق في النوم.
وإنما أراد به] [أنه سبب حدث] لكنه سبب يقتضيه ولا بد، وذلك حقيقة السببية" 3.
- قال في حكم غسل الجمعة "والمذهب كله على أنه سنة لا واجب.
وحكى أبو الحسن اللخمي عن أبي جعفر أنه حكى اختلاف أصحابنا في غسل الجمعة فقال بعضهم: سنة مؤكدة لا يجوز تركها إلا12
بعذر، وقال بعضهم: مستحب.
وعوَّل على أن المذهب مختلف في وجوبه، أخذاً من حكاية أبي جعفر هذه.
وليست صريحة في الوجوب كما ظنه، بل ظاهرها على غير الوجوب.
وإنما يؤخذ من هذا أن المذهب على قولين: أحدهما: أن الغسل سنة، والثاني: مستحب.
وهكذا قال أبو الحسن اللخمي في كتاب الطهارة.
وقد يقال: إن ما حكاه أبو جعفر يقتضي الوجوب.
وقوله: سنة، أي مما علم وجوبه بالسنة، كقول سحنون إن الوضوء من البول سنة، يريد: مما علم وجوبه بالسنة، وليس من قبل المندوبات.
ولا شك أن ذلك محتمل، لكن الأظهر الأول" 1.
2 - وقال في كتاب الصيد: "حكى أبو الحسن اللخمي أربعة أقوال في شروط الجارح، أحدها إذا زجر انزجر وإذا أشلي أطاع.
الثاني أن يضاف إلى ذلك إذا دعي أجاب، وهذا في الكلاب، وأما الطير فلا يشترط فيها الانزجار، حكى ذلك ابن حبيب.
وقال قول ابن القاسم أن الطير والكلاب سواء، فأخذ أبو الحسن من هذا قولاً ثالثاً، أن ابن القاسم اشترط في الكلاب والطير ثلاثة أوصاف وهي: الانزجار والاشلاء والاجابة عند الدعاء.
وأخذ القول الرابع من الكتاب إذ قال: فيمن أدرك كلابه تنهش الصيد ولم تنفذ مقاتله فمات بنفسه قبل أن يمكنه ذكاته أنه يؤكل فجعل الانزجار ليس بشرط.
وهذا الذي حكاه أبو الحسن ليس بخلاف وإنما يقال في هذا أن كل ما فقه التعليم من سباع الطير وسباع الوحش فإنه يشترط فيهما، والمقصود من ذلك أن تنتقل عن خلقها الأصلي حتى يصير تصرفها بحكم الصائد.
فحينئذ تكون آلة له، وإذا تصرفت على خلفها الأصلي كانت آلة لنفسها فلم تمسكه على الصائد بل على نفسها، وأما قوله في الكتاب: فيحتمل أن يكون مات الصيد بنفسه لما نهشته الجوارح ولو زجرها فانزجرت لم ينفعه ذلك فلا يؤخذ منه قوله إلا برفع احتماله" 2.
د- يؤاخذه على استعماله للقياس في مسائل لا مجال للقياس فيها ومن ذلك قوله
:
1 - " ولا يعيد عندنا من صلى في جماعة؛ لأن الإعادة لما قدمناه من التلافي لما فاته من الأجر بصلاته وحده.
وإذا كانت الصلاة في جماعة فلا فائت يتلافى.
قال ابن حبيب: إلا أن تكون الصلاة الأولى في غير المساجد الثلاثة: الكعبة ومسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومسجد بيت المقدس، ثم يدرك الجماعة في أحد هذه المساجد؛ فإنه يعيد لعظم الأجر في هذه بخلاف غيرها.
وألزمه أبو الحسن اللخمي أن يعيد في هذه المساجد فذًا، وإن صلى أولاً في غيرها في جماعة لتفاوت فضل الجماعة والانفراد في غيرها.
وألزمه ذلك من طريق القياس إلا أن يقال: إنما ورد الأمر بإعادة الفذ في جماعة، وهذا عكسه.
والموضع موضع عبادة فلا يتعدى به ما ورد" 1.
هكذا إذا تعامل ابن بشير مع اللخمي في نقاش علمي هادىء بعيد عن التحامل والتعسف، إلا أنه في بعض الحالات النادرة جداً يسبقه القلم فيستعمل ألفاظاً قاسية كما يتضح في المثال التالي:
"واحتج محمد بن عبد الحكم لوجوب الصلاة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾.
وإذا حرمت الصلاة على غير المؤمنين وجب ضدها، وهو الصلاة على المؤمنين، لأن النهي عن الشيء أمر بضده.
وتعقب هذا أبو الحسن اللخمي بأن النهي عن الشيء أمر بضده إذا كان له ضد واحد، وإلا متى كانت له أضداد فلا يكون النهي أمراً بالضد.
قال: وترك الصلاة على غير المؤمنين لها أضداد.
وعدَّ من أضدادها إباحة الصلاة على المؤمنين، والندب إلى ذلك، والوجوب.
وإذا ثبت النهي في حق غير المؤمنين أمكن أن يكون محمولاً على أحد أضداده في حق المؤمنين.
إما الندب أو الإباحة أو الوجوب.
فهذه غلطة فاحشة؛ لأن الضد في الحقيقة
إنما هو الأمر، فإن كان النهي مقتضياً للتحريم كان الأمر مقتضيًا لضده، وضد التحريم الوجوب" (1). هذه إذاً نماذج من انتقادات ابن بشير للخمي نكتفي بذكر ما ذكرناه إذ ليس الغرض استقصاء كل انتقاداته.
المطلب الثالث: انتقاد ابن بشير لباقي العلماء
لم يكن جهد ابن بشير النقدي مقصوراً على اللخمي بل انتقد كل من رأى أن قوله لا ينسجم مع أصول المذهب ورواياته وقواعده وهذه نماذج من ذلك:
1 - انتقاده للمدونة بسبب التناقض.
وانتقاده للقاضي عبد الوهاب لبعد قوله عن مقتضى اللفظ.
وانتقاده للبراذعي لزيادة عبارة في النص.
وانتقاده للباجي لكون قوله غير سالم من الاعتراض.
وكل هذا في نص واحد.
قال في حكم سؤر الحيوان الذي يمكن الاحتراز منه:
" ... والثالث التفرقة بين الماء والطعام، ينطرح الماء ليسارته ويستعمل الطعام لحرمته، وهذا مذهب المدونة.
ولكن حكم الماء الذي شربت منه الدجاج المخلاة أن يترك وينتقل إلى التيمم.
ثم جعل المصلي به يعيد في الوقت خاصة.
وهذا كالمتناقض لأن الانتقال إلى التيمم يقتضي الحكم بنجاسته والإعادة في الوقت تقتضي طهارته على كراهية فيه.
وقد أجيب عن هذا الاعتراض بثلاثة أوجه: أحدها: أن مراده بالتيمم لا يقتصر عليه دون أن يتوضأ، وإنما تجوز في الكتاب بقوله يتيمم ويتركه.
ومراده يجمع بينه وبين التيمم، قاله القاضي أبو محمد عبد الوهاب.
هذا وإن ساعده الفقه فهو بعيد عن مقتضى اللفظ.
والجواب الثاني: أنه حكم بنجاسته على أصله فقال يتيمم ويتركه ثم إذا صلى به أحد وقعت صلاته جائزة عند من يقول بطهارته، وهو أحد قولي مالك .... وهذا جار على أصل المذهب1
في مراعاة الخلاف، والجواب الثالث: أن الإعادة إنما هي لأنه صلى بنجاسة، ولذلك يترك الماء لأن فيه نجاسة لا يدري موضعها ......
وهكذا نقل البراذعي في تهذيبه في هذا الموضع، فقال: ومن صلى ولم يعلم أعاد في الوقت.
واستدرك الأشياخ عليه زيادته: "ولم يعلم".
وإنما عول في ذلك على ما في كتاب الصلاة الأول من المدونة ... وهذا الجواب أشار إليه الباجي وهو معترض، لأن النجاسة إذا حلت بالماء تختلط بأجزائه فلا تبقى في مكان واحد" 1.
2 - انتقاده لأشهب حيث رأى أن قوله، باطل لانخرامه وعدم شموله.
فقال في حديثه عن وقت وجوب الزكاة:
"وانفرد أشهب فقال: لا تجب على من لم يصم يوماً من رمضان.
وهذا باطل بغير المكلَّف، فإنما تجب عليه وإن لم يلزمه صيام.
فإن علَّل أشهب بأنها طُهرة للصائمين، ومن أسلم أو ولد ولم يمض له زمن يصح صومه فلا طهرة عليه، وغير المكلَّف أيضاً لا يفتقر إلى تطهير إلا أن يقول تلزم من كان موجودًا تجري عليه أحكام المسلمين ولو يوماً.
فهذه مراعاة لحكم الإسلام لا لحكم الصوم" 2.
3 - انتقاده لأبي العباس الإبياني وابن بكير لكون قولهما يؤدي إلى الحرج الذي تسقطه الشريعة فقال: "وأما اللَّذة من غير لمس كمن يتذكر فيتلذذ أو ينظر فيتلذذ، فإن كان عن ذلك مذي وجب الوضوء، وإن لم يكن مذي ولا إنعاظ لم يجب الوضوء على المشهور والمعروف من المذهب.
وأوجبه أبو العباس الإبياني وابن بكير.
وهذا لا أصل له وهو يؤدي إلى الحرج الذي تسقطه الشريعة السمحة" 3.
4 - أ- انتقاده لابن الجلاب حيث رأى أن في قوله تناقضا 1 ومخالفة لأهل المذهب فقال:
"ولا يكرر الممسوح لأن مبنى أمره على التخفيف، والتَّكرار تثقيل.
وفي حديث عبد الله بن زيد أنه "مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهمَا وَأَدْبَرَ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ... " وهذا يظهر منه التَّكرار.
ولمحاذرته رأى الشيخ عبيد الله بن الجلاب أنه إذا ذهب بهما إلى قفاه، رفع راحتيه عن فوديه - وهما جانبا رأسه- فإذا ردَّ يديه رفع أصابع يديه عن وسط رأسه ومسح جانبي رأسه حتى يسلم من التكرار بالمسح على موضع واحد.
والذي قاله خلاف لجميع أهل المذهب.
واتفاق أهل المذهب أن يمر بيديه على جميع رأسه ذاهبًا وعائدًا ... وفي تفسيره في هذا الحديث لصفة المسح مناقضة لما ابتدأ به لأنه قال أقبل وأدبر، ثم فسره بالإدبار والإقبال.
وخير ما يُؤَوَّلُ لذلك بأن الواو لا توجب رتبة الترتيب.
فقال: أقبل وأدبر، ومراده أدبر وأقبل، فابتدأ في اللفظ بذكر الإقبال تفاؤلاً" 2.
ب - وفي النص الثاني رأى أن قوله لا أصل له.
فقال أثناء حديثه عن انتقال المسافر إلى التيمم مع وجود الماء: "ومنها أن يجد الماء لكن بثمن خارج عن المعتاد بما يجحف به لقلة دراهمه أو لكثرة الزيادة في الثمن.
وقد قرر ابن الجلاب التحديد المزيد بمقدار ثلث الثمن.
ولا أصل لذلك.
وقد يهون ثمن الماء فيكون زيادة ثلاثة أمثاله فأكثر ليس بمجحف".
5 - انتقاده لحمديس حيث رأى أن قوله مخالف لبعض طرق الحديث وللعلة.
فقال:
"ولا يجب الوضوء بمس شي من البدن ولا من الدبر على المشهور.
وذكر حمديس أنه يلزم على قول من أوجب الوضوء على المرأة إن مست
فرجها أن يقول يلزم الوضوء من مس الدبر.
وهذا الذي قاله غير صحيح، لأن الفرج ينطلق عليه تسميته.
وقد ورد في بعض الطرق: "ومن مس فرجه توضأ"، وأيضاً فإنه مما يمكن اللذة بمسه بخلاف الدبر" 1.
6 - انتقاده لأبي مصعب لتطرق الاحتمال لدليله فقال:
"أما إمامة غير البالغ في الفرائض؛ وهو ممن يؤمر بالصلاة في الفريضة فلا تجوز ابتداء.
فإن وقعت ففي بطلان الصلاة قولان: المشهور بطلانها لسقوط الفرض عن الصبي ووجوبه على البالغ.
وقال أبو مصعب: تصح الصلاة.
واحتج له بما في البخاري عن عمرو بن سلمة أنه كان يؤم قومه وهو دون البلوغ.
لكنه كان غائباً عن حضرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -. ويمكن أن يكون لم يبلغه ذلك، وإنما يكون حجة لو بلغه فأقره.
وقال أبو الوليد الباجي: ويحتمل هذا القول أن يكون بناء على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل، ويحتمل أن يكون بناء على المشهور لكون الصبي معتقدًا للوجوب، فلم يكن اقتداء مفترض بمتنفل" 2.
7 - انتقاده للباجي لاستقرائه شرطاً شرعيًا من غير صاحب الشرع فقال في شروط الخطبة:
"وهل من شرطها حضور الجماعة لها؟ قال القاضي أبو محمد وغيره من البغداديين: مقتضى المذهب اشتراطه مع عدم النص عليه.
واستقرأه أبو الوليد الباجي من المدونة من قول مالك رحمه الله: ولا تجزئ الجمعة إلا بالجماعة والإمام يخطب.
ولا شك أن مقتضى هذا اللفظ في اللسان ما قاله، لأن قوله: والإمام يخطب، معناه: الحال.
فيكون بجماعة في حال خطبة الإمام.
وهذا لو عوَّل عليه من كلام صاحب الشرع لكان له وجه.
ولا يخفى أن ألفاظ المدونة لا يعول فيها على مثل هذا ... " 3.
8 - انتقاده للأشياخ لتخريجهم أقوالاً على أقوال في المذهب دون جامع بينها فقال في حكم اللمس:
"وتفصيل المذهب أن اللمس لا يخلو من أربع صور: إحداها: أن يقصد به اللذة وتوجد، فيجب الوضوء بلا خلاف.
والثانية: أن يجد ولا يقصد، فكذلك أيضاً يجب الوضوء.
والثالثة: ألا يقصد ولا يجد، فلا يجب الوضوء.
والرابعة: أن يقصد ولا يجد فيها، هنا مقتضى الروايات وجوب الوضوء.
والأشياخ يحكون عن المذهب قولين: الإيجاب والإسقاط، وإنما يعولون في ذلك على الخلاف في الوضوء هل يرفض بالنية، وفي المذهب في ذلك قولان.
وهذا الذي يعولون عليه ليس بشيء، لأن اللمس ها هنا قد وجد منه فعلاً بخلاف الرفض بمجرد النية من غير فعل" 1.
9 - انتقاده الأشياخ لتعلقهم بصور نادرة لا تعلق الشريعة على مثلها أحكاماً.
فقال في حديثه عما يحرم أثناء وقت صلاة الجمعة:
"ولكن اختلف في فسخ هذه العقود على القول بفسخ البيع على قولين: أحدهما أنه يفسخ قياساً على البيع، والثاني لا يفسخ لأنها مشبهة به، والمشبه بالشيء دونه في المرتبة.
قال الأشياخ: هكذا يجري الأمر في الصلوات وغيرها من العبادات إذا تعيَّن وقتها واشتغل عنها ببيع أو غيره.
وهذا فيه نظر، لأن الشريعة شأنها الالتفات إلى الكليات وحماية الذرائع ومنع المشغلات وهذا يظهر في الجمعة.
وأما ما سواها فصوره نادرة.
والصور النادرة لا يعلق عليها مثل هذه العقوبات كفسخ البيع وما في معناه" 2.
10 - انتقاده لبعض المتأخرين لبعد المعنى المعتمد في الاستقراء فقال:
"واستقرأ بعض المتأخرين من المدونة أنه يغسل الذكر من المذي عند إرادة الوضوء، فإن غسله قبل ذلك لم يجزه وعوَّل في ذلك على قوله في المدونة: ولا يلزم غسل الأنثيين عند الوضوء، إلا أن يخشى أن يكون
أصابهما شئ، وإنما عليه غسل ذكره.
فعوَّل على هذا الكلام ظاناً أن مراده إنما عليه غسل ذكره إذا أراد الوضوء.
وهذا الاستقراء فيه بُعْدٌ، لأن مراده أنه لا يغسل الأنثيين وإنما يغسل الذكر خاصة" (1).
المطلب الرابع: ترجيحات ابن بشير واختياراته
ومن أوجه النقد الفقهي عند ابن بشير نجده يحكم على الأقوال بالضعف والصحة ويختار ويرجح ... إلخ.
أ - ومن أمثلة ذلك قوله في وقت أذان الصبح
:
"ومتى يجوز الأذان لها؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: إنما يؤذن لها في سدس الليل الآخر لأن المقصود التأهب لها، وذلك يحصل في هذا الوقت.
والثاني: أن يؤذن لها بعد خروج الوقت المختار للعشاء الآخرة.
والقول الثالث: أنه يؤذن لها بعد صلاة العشاء الآخرة، وإن صليت في أول وقتها.
والصحيح هو الأول، ولا يحصل الغرض من التأهب على هذين القولين." (2).
ب - قال في حديثه عن تأويل رفع اليدين في الصلاة
:
" وقد قدمنا أن الرفع من الفضائل، وسببه إما تأهب لما يقدم عليه من الصلاة ورهبة، وإما نبذ للدنيا على ما نذكره في صفة الرفع.
فيمكن أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع بحسب ما يكون عليه من الأحوال من رغبة أو رهبة، أو ما يخطر بباله من نبذ الدنيا وطرحها.
وهذا خير ما تأولت عليه هذه الأحاديث الواردة المختلفة في صفة الرفع".
ج - قال في حكم مس الفرج
: " فإن مسه ثم صلى قبل أن يتوضأ فأربعة أقوال؛ أحدها: أنه لا إعادة عليه، والثاني: أنه يعيد في الوقت، والثالث: أنه يعيد وإن خرج الوقت، والرابع: أنه يعيد بعد اليومين والثلاثة، فإن طال لم يعد.12
والإعادة على ترك مراعاة الخلاف، وإسقاط الإعادة على مراعاته، وكذلك الإعادة في الوقت.
وأما من قال يعيد بعد اليومين والثلاثة دون أن يطول فهو أضعف الأقوال".
د- قال في باب الهارب بماشيته من السعاة
:
" ولا شك أنه متعد في الهروب، فالواجب عليه متعلق بذمته.
فلا يختلف المذهب في ذلك، لكن اختلف إذا زادت نعمه بعد أن كانت ناقصة في أعوام، هل يؤخذ بما يوجد في يده من الزيادة على سائر الأعوام؟ وهو الشاذ من المذهب، أو يؤخذ عن كل عام بما في يده؟ وهو المشهور.
وكان المشهور هو القياس" (1).
المطلب الخامس: موقف ابن بشير من المشهور والشاذ
ما دمنا تحدثنا عن النقد والترجيح والاختيار، يستحسن أن نتحدث عن مسألة لصيقة بهذا المحور؛ أعني بذلك موقفه من المشهور والشاذ، وقد سبقت الإشارة إلى أن منهجه في ذلك أن يذكر الأقوال داخل المذهب، وينص على شهرتها وشذوذها في بعض الأحيان، وفي البعض الآخر لا يتعرض لذلك، بل يذكرها مجردة.
ولعل العصر الذي عاش فيه ابن بشير ساعده على ذلك.
إذ كان عصره عصر تنقيح وتحقيق وتهذيب، جمعت فيه الأقوال والروايات، وميز صحيحها من سقيمها.
وربما تأثر بشيخه المازري الذي كان له دور كبير في ذلك.
قال أبو القاسم النويري: " ... إن مذهب مالك، كان قبل المازري مشكلاً لكثرة رواياته، واختلاف أقوال أصحابه، فيبقى فيه المقلد حائراً في الفتوى وفي القضاء وفي ما يتدين به، ولذلك اختار عنه المشارقة مذهب الشافعي وأبي حنيفة، حتى قام المازري فاعتنى بنخل المشهور عن الضعيف واختياراتهم وترجيحاتهم، ورجح هو كثيراً فتبعه من بعده فسهل المذهب حينئذ" 2.1
وعلى الرغم من عدم التسليم بكل ما جاء في هذا النص، فإن الذي يعنينا منه، هو أن هذا العصر كان عصر خدمة المذهب.
ولنعد إلى شيخنا، لنشير إلى أنه اختصر الخلاف في تحديد المعنى المراد بالمشهور؛ فحصره في قولين بدلاً من ثلاثة، قال ابن فرحون: "وقد اختلف المتأخرون في رسمه فقيل: المشهور: ما قوي دليله، وقيل: ما كثر قائله، حكاهما ابن بشير ... " 1. وبهذا يكون قد أزاح القول الثالث الذي يرى أن المشهور هو: قول ابن القاسم.
وبالاستقراء والتتبع تبيين لي أنه يقصد بالمشهور: ما كثر قائله، بغض النظر عن رجحانه أو عدم رجحانه، وقد تبين لي ذلك من خلال بعض الأمور منها: أنه ينص على رجحان المشهور في مقابل الشاذ، كما أنه ينص على رجحان الشاذ، أو يلمح إليه بدون تصريح.
ولو كان يقصد بالمشهور الراجح؛ لما احتاج إلى الإشارة إلى رجحانه ولما احتاج إلى التنبيه على رجحان الشاذ، ويزكي هذا تنصيصه في بعض الأحيان على شهرة القولين معا، مما يدل على أنه يقصد انتشارهما واشتهارهما بين الناس.
لا رجحانهما، إذ يستحيل ذلك، اللَّهم إلا على قول المصوبة، وابن بشير ليس منهم.
وأجلي ما قلت بالأمثلة:
فمن أمثلة تنصيصه على رجحان المشهور قوله في الزروع التي تسقى بالسيح:
"فإن كان يشرب بالسيح لكن رب الأصول لا يملك الماء وإنما يشتريه بالثمن ففيه قولان: والمشهور - وهو الصحيح - أنه يزكي بالعشر، إذ فيه نص الحديث." 2.
ومن أمثلة ترجيحه للشاذ ما جاء في حديثه عن تخلف السعاة:
"وهل ينظر إلى ما يوجد عند أرباب الماشية فيقدر كأنه ملكوه [في] كل عام؟ أما إن كانت الماشية فيما تقدم أكمل، فلا خلاف أنهم لا يضمِّنون أرباب الأموال وإنما يأخذون عن الأنقص.
وأما إن كانت أنقص فكملت فهاهنا قولان: المشهور من المذهب أنهم ينظرون إلى حالة الوجود فيزكون على مقدارها لما تقدم من السنين.
والشاذ أنهم يزكون عن كل عام بقدر المملوك فيه، وهذا [هو] القياس، لأن من تخلف عنه السعاة غير متهم" 1.
ومن أمثلة التنصيص على شهرة القولين معاً قوله: "وإن ركع في بيته للفجر ثم أتى المسجد فهاهنا قولان مشهوران: أحدهما: أنه يركع في المسجد ركعتين للأمر بالتحية.
والثاني: أنه لا يركع للحديث المتقدم في نفي الركوع بعد الفجر" 2.
بعد هذا بقي سؤال يطرح نفسه بإلحاح، وهو ما هو موقفه من العمل بالراجح في مقابل المشهور؟
الحق أنه لا يمكنني أن أحدد موقفه بدقة من خلال ما بيدي من كتاب التنبيه؛ إذ ربما يتجلى موقفه أكثر في كتابه النوازل المفقود، الذي يكون النظر الفقهي فيه عملياً؛ لأن الجواب فيها يتنزل على مقصود السائل وهو التطبيق في الواقع، أما كتاب التنبيه فقد يكون سلك فيه مسلك التفقه بالرجوع إلى الأقوال المرجوحة والشاذة للنظر فيها من الناحية النقدية والتوجيهية، وهي الطريقة التي يقصد بها تأسيس المذهب من جهة والتمرن على استثمار الأحكام من جهة أخرى.
ولا نستغرب هذا إذا علمنا بأن الشيخ المازري كان لا يفتي إلا بالمشهور بالرغم من بلوغه درجة الاجتهاد.
وعلى هذا النهج سار كثير من الفقهاء، حتى وصل التعصب للمشهور قمته عند إبراهيم بن هلال (ت 903هـ) الذي قال: "لا يجوز لأحد أن يفتي
إلا بالمشهور ولا يعمل إلا بالمشهور فمن أفتى بغير ذلك لم يعتد به" (1)، وقال: "لأن الحكم بغير المشهور لا يجوز.
بل هو فسق وزندقة، قاله العلماء، لأنه من ناحية اتباع الهوى" (2)، ولا يتجه هذا الكلام إلا إذا حمل على أن المقصود به ردع من لا قدرة له على الترجيح من الهجوم على الاختيار بالهوى والتشهي، أما مطلقاً فما أبعده عن الصواب.
ولن أجد أفضل من يرد على هذا الكلام، من أحمد بن عبد العزيز الهلالي حفيد الشيخ المذكور، الذي يرى أن ما عليه المحققون؛ هو وجوب العمل بالراجح في مقابل المشهور حيث قال: "إن الراجح نشأت قوته من الدليل نفسه، من غير نظر للقائل، والمشهور، نشأت قوته من القائل.
فإن اجتمع في قول سبب الرجحان والشهرة ازداد قوة، وإلا كفى أحدهما.
فإن تعارضا؛ بأن كان في المسألة قولان أحدهما: راجح والآخر مشهور، فمقتضى نصوص الفقهاء والأصوليين؛ أن العمل بالراجح واجب." (3).
ففي هذا القدر كفاية، ودلالة واضحة، على أن ابن بشير يعد من رواد المدرسة النقدية وحذاقها في المذهب المالكي.
وبما أن الآليات التي وظفها في النقد والتعقيب، هي غالباً نفس الآليات التي وظفها في الاجتهاد.
أرى أن ذلك يدعوني للحديث عن اجتهاده في هذا المكان.
...
المبحث الربع: الاجتهاد عند ابن بشير
:
المطلب الأول: أنواع الاجتهاد
إن للاجتهاد مراتب ودرجات، أعلاها، الاجتهاد المطلق أو المستقل، والمقصود به أن يستقل الإنسان بأصوله وفروعه، وهذا النوع افتقد من أوائل123
القرن الرابع، ولعل آخر المجتهدين المستقلين ابن جرير الطبري ت 310هـ إذ لم نسمع بعده عمن استقل بالاجتهاد.
إلا أن جذوة الاجتهاد من حيث العموم لم تتوقف ولن تتوقف إذ لا بدّ أن يوجد في الأرض من يقوم لله بالحجة.
ولقد ظهر الاجتهاد بعد هذه المرحلة في أنماط وأشكال مختلفة، أهمها التخريج والاستقراء أو الإجراء، وهي مصطلحات ذات معان متقاربة، يستعملها المجتهد المقيد الذي التزم النظر في نصوص إمامه، يستنبط منها ويقيس عليها، ويلحق ما سكت عنه إمامه بما نص عليه.
ولقد اختلف علماء المذهب في حكم التخريج ونسبة القول المخرج إلى الإمام؛ فأجازه عامتهم بشروط منها: مراعاة قواعد الإمام الخاصة به.
وأجازه اللخمي مطلقاً، من غير مراعاة قواعد الإمام بل يخرج على قواعده وقواعد غيره.
ومنعه مطلقاً ابن العربي، وابن عبد السلام، وميارة الفاسي، وهو ظاهر نقل الباجي 1.
وكيف ما كان الحال، فقد تعاطى له كبار أئمة المذهب بعد مرحلة الاجتهاد المطلق، استجابة لما أفرزه المجتمع من قضايا ونوازل لا تجيب عنها أقوال إمام المذهب على كثرتها، فكان من الضروري الالتجاء إلى الاجتهاد لملئ ذلك الفراغ التشريعي، والإجابة على تلك النوازل والمسائل، فنشطت حركة التخريج والتفريع ... وقد كان هذا في المرحلة التي تلت مرحلة الأئمة الكبار، أعني القرن الثالث والرابع.
والمرحلة التي جاءت بعد هذه ورث أصحابها عن سابقتها ثروة فقهية غزيرة، احتاجت إلى من يقوم بتنقيحها وغربلتها وتميز صحيحها من سقيمها ومشهورها من شاذها، فتفرغ علماء هذه المرحلة لهذا العمل.
ولعل هذا هو السبب الرئيس الذي جعلنا نلاحظ قلة المخرجين في المرحلة التي تلت مرحلة الظهور والتأسيس، وإن كانت هناك استثناءات وحالات خرجت عن هذا النسق.
كاللخمي والمازري