(ت 297 هـ) 1 كان كثير التحكك بالعراقيين والمجادلة لهم، فأوذي بسبب ذلك مرتين؛ مرة في آخر دولة الأغالبة، ضربه القاضي محمد بن أسود الصديني بالسياط، وكان هذا الأخير ممن يصرح بخلق القرآن.
ثم مرة أخرى على يد الفاطميين في بداية أمرهم، فقد سعى به كل من ابن ظفر والكلاعي المعتزلين إلى داعي الشيعة أبي عبد الله الصنهاجي، فأمر الداعي بقتله 2 ...
والتحالف بين المعتزلة والشيعة ليس بالأمر الغريب لأن "الشيعة تميل إلى العراقيين لموافقتهم لهم في مسألة التفضيل ورخصة مذهبهم" 3. بل إن بعض أئمة الشيعة تتلمذوا على يد واصل بن عطاء، كزيد بن علي بن الحسين إمام اليزيدية.
ومهما يكن من أمر، فإن أهل السنَّة في إفريقية - بالرغم من فقدانهم للمناصر السياسي- استطاعوا أن يضيقوا الخناق على المعتزلة، ويحاصروا نحلتهم فكريًا.
وقد حاول الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب إحصاء المتكلمين من المعتزلة خلال القرن الثالث وأوائل القرن الرابع فوجدهم حوالي العشرين رجلًا 4. وهذا كله نتيجة لجهود علماء أهل السنَّة ومواقفهم الصارمة مع أهل البدع.
فهذا عبد الله بن فروخ "سأله حبوس بن طارق فقال له: ما تقول في المعتزلة؟ فقال له وما سؤالك عن المعتزلة؟ فعلى المعتزلة لعنة الله قبل يوم الدين وفي يوم الدين وبعد يوم الدين وفي طول دهر الداهرير، فقال له حبوس بن طارق: لا تفعل فإن فيهم رجالًا صالحين، فقال: ويحك؟ ... وهل فيهم رجل صالح؟
ولما قدمت جنازة ابن صخر المعتزلي قالوا لابن غانم: الجنازة، فقال
كل حي ميت، قدموا دابتي، ولم يصل عليه.
فقيل لابن فروخ: الجنازة، فقال مثل ذلك، وقام ولم يصل عليه.
وقيل للبهلول: الجنازة، فقال مثل ذلك" (1).
ت - الشيعة
:
لقد كان أثقل وجود للفرق بإفريقية هو وجود الشيعة التي استطاعت أن تكون لها دولة سنة 297 هـ، وقد ألقت هذه الفرقة بثقلها الفكري العقدي تعززه وتؤازره السلطة السياسية.
فتغير أسلوب الصراع مع هؤلاء إذ انتقل من صراع فكري جدلي، وسيلته المناظرة والحجة والإقناع والتأليف والردود، إلى صراع حول الإيمان والكفر، وسيلته البطش والقتل والتمثيل من طرف الشيعة، والخروج والعصيان المدني من طرف المالكية وطبعًا علماء أهل السنَّة هم الضحية، تعرضوا لأبشع التعذيب وأصناف التنكيل، "فقد اعتبر المالكية التخلي عن المذهب المالكي ومتابعة بني عبيد، انسلاخًا من الدين وتبديلًا لنعمة الإسلام كفرًا.
فما الإسلام إلا مذهب مالك، وما مذهب مالك إلا دين الإسلام" 2، فامتحن أهل السنَّة في سبيل ذلك واستشهدوا في سبيل الثبات على العقيدة السنية.
فهذا أبو إسحاق بن البرذون السالف الذكر وقد فرش له النطع وجيء به للقتل لطعنه على العبيديين، وطلب منه أن يرجع عن مذهبه، فقال: "أعن الإسلام تستتيبني؟ " 3.
وهذا أبو محمد بن التبان وقد شدد عبد الله المعروف بالمختال- صاحب القيروان - في طلب أهل العلم ليشرقهم 4، فطلب الشيخ أبا سعيد بن أخي هشام، وأبا محمد بن التبان، وأبا القاسم بن شبلون، وأبا1
محمد بن أبي زيد، وأبا الحسن القابسي.
فاجتمعوا في المسجد .. وقيل إنهم أرادوا السير إلى عبد الله فقال لهم ابن التبان أنا أمضي إليه أبيع روحي من دونكم, لأنكم إن أتى عليكم، وقع على الإسلام وهن ... فذهب ابن التبان إلى عبد الله ودارت بينه وبين دعاة الشيعة مناظرة تفوق فيها ابن التبان.
فقال له عبد الله في الأخير: يا أبا محمد أنت شيخ المدنيين، وممن يتزين به.
أدخل العهد، وخذ البيعة.
فعطف عليه أبو محمد، وقال له: شيخ له ستون سنة يعرف حلال الله وحرامه، ويرد على اثنتين وسبعين فرقة، يقال له هذا؟ لو نشرت بين اثنتين ما فارقت مذهب مالك.
فلم يعارضه، وقال لمن حوله: امضوا معه.
فخرجوا ومعهم سيوف مصلتة، فمر بجماعة من الناس ممن أحضر لأخذ الدعوة، فوقف عليهم وقال لهم: تثبتوا، ليس بينكم وبين الله إلا الإسلام، فإن فارقتموه هلكتم.
فترك عبد الله بقية الشيوخ بعد ذلك المجلس (1).
بهذه العزيمة القوية والإرادة الصلبة واجه علماء أهل السنَّة دعاة العبيديين وثبتوا في وجههم زهاء قرن ونصف من الزمن.
فهذا يجلد، وذلك يسجن، والآخر يصلب.
فلم يزدهم كل هذا إلا ثباتًا وصمودًا.
وبثباتهم هذا تحصنت العامة فاقتدت بعلمائها ولم تسقط في مهاوي التشيع والبدع.
واستمر حال أهل إفريقية على هذا المنوال وهم صابرون محتسبون، غير مستكينين ولا خانعين، إلى أن فرج الله عليهم بانجلاء العبيديين إلى مصر، وإدراك خلفائهم أن المصلحة في الرجوع إلى مذهب أهل السنَّة ومفارقة أهل البدعة.
ث- انتشار الأشعرية بإفريقية
:
كما سبقت الإشارة فإن أهل الغرب الإسلامي تمسكوا بمذهب مالك فأخذوا منه الأصول- العقائد- والفروع والسلوك.
ولفظوا كل العقائد التي لم تأت عن طريقه، وخاضوا في سبيل ذلك صراعًا مريرًا مع الخوارج1
والشيعة والمعتزلة وغيرهم.
إلا أن الأمر اختلف تمامًا مع العقيدة الأشعرية؛ إذ لم تلق تلك المعارضة الحادة التي ووجهت بها باقي الفرق، بل دخلت في بداية أمرها بهدوء، واعتنقها بعض الخاصة.
ثم ما فتئت أن عممت بواسطة دولة الموحدين.
والتساؤل الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: لماذا لم تلق العقيدة الأشعرية مصير سابقاتها من العقائد؟ وما السر في دخولها بهذا الهدوء، إذا استثنينا دور الدولة الموحدية التي حاربت التوجهات العقائدية والفقهية للمرابطين؟
السبب في ذلك يرجع إلى عدة أمور من بينها:
1 - أن أبا الحسن الأشعري عده كثير من المالكية ضمن المالكيين 1، وعليه، يكون فكره منبثقًا من داخل المدرسة.
2 - ظهور القاضي أبي بكر الباقلاني (ت 403 هـ) في النصف الثاني من القرن الرابع، الذي يعد المؤصل الحقيقي لهذا المذهب.
فكان مالكية القيروان يشدون إليه الرحال، فيأخذون منه فقه مالك والعقيدة الأشعرية أيضًا.
(ومن اشهرهم: أبو عبد الله الأذري، وأبو طاهر البغدادي، وأبو عمران الفاسي).
3 - التقارب الكبير بين العقيدة الأشعرية والعقيدة السلفية، إذ الخلاف بينهما محصور في أمور ليست من أركان العقيدة الإسلامية وأسسها 2.
4 - أضف إلى هذا ما أثاره انسلاخ أبي الحسن الأشعري من الاعتزال الذي تربى في أحضانه وصار إمامًا فيه ينافح ويناظر من أجله.
فكان انسلاخه نصرًا لأهل السنة، أحدث هزة فكرية قوية بلغ صداها إلى كل الأقطار الإسلامية.
5 - ظهور الفكر الأشعري كان استجابة لضرورة حضارية في مجال الفكر العقدي؛ فالمعتزلة التي نشأت أوائل القرن الثاني تمثل صيغة جديدة في فهم العقيدة تقوم على الحجة العقلية، والتغالي في الاعتداد بالعقل، والزهادة في النص.
وعلى الأخص الحديث الذي سلطوا عليه مقياسًا نقديًا قاسيًا أفضى إلى رفض كثير منه، وتأويل جانب آخر بما يناسب آراءهم.
وفي القرن الثالث بدأت تظهر بوادر الحركة الفلسفية المتأثرة بالفلسفة اليونانية، وكانت نزعة تقوم على اعتبار العقل قبل اعتبار الشرع، وإخضاع النص للعقل، وبذلك كانت هذه النزعة تمثل تحديًا أشد من المعتزلة- رغم اتفاق المعتزلة معهم في تقديم النص على العقل- ثم يأتي التحدي الصارخ للعقيدة الإسلامية عمومًا ولأهل السلف خصوصًا، متمثلًا في الديانات المعادية للإسلام، التي اتخذت لها في الجدل أساليب وطرائق عقلية، استقتها من المنطق اليوناني لسبق اتصالها بالفلسفة اليونانية 1. أضف إلى هذة التحديات ما سقط فيه بعض جهلة النصيين من الوقوع في التشبيه والتجسيم 2.
فهذا الوضع الفكري الذي أسفر عنه القرن الثالث الهجري جعل أهل السلف في موقع صعب في الميدان الفكري، فبانت بذلك الضرورة الحضارية في مجال العقيدة ملحة أشد الإلحاح على التكيف حسب هذه البيئة في إثبات حقائق العقيدة الإسلامية التي فهموها من النصوص وفي أساليب الرد على الشبهات الواردة عليها.
فكان ظهور الأشعرية ببغداد استجابة لتلك الضرورة في مجال الفكر العقدي 3.
هذه هي هم الأسباب التي جعلت مالكية الغرب الإسلامي لا يواجهون العقيدة الأشعرية بمثل ما واجهوا به باقي العقائد.
ورغم وجاهة هذه الأسباب، إلا أنها لم تشفع لها عند كثير من علماء الغرب الإسلامي الذين لا يبغون بديلًا عن عقيدة الإمام مالك السلفية، ولم يرضوا أن يحيدوا عنها قيد أنملة.
فهذا شيخ المالكية بالقيروان ابن أبي زيد القيرواني رغم إجلاله واحترامه ودفاعه عن أبي الحسن الأشعري لم يتبعه في عقيدته.
ومقدمة رسالته المشهورة دليل على ذلك.
فهي من الناحية المنهجية ذات صبغة استعراضية لا أثر فيها للاستدلال العقلي 1، كما أن الأفهام العقدية الواردة فيها لا تختلف عما كان مألوفًا عند أهل السلف سواء في مسألة الصفات- "فالله على العرش استوى وعلى الملك احتوى، وله الأسماء الحسنى والصفات العلى" 2 -، أو مسألة القرآن- فهو كلام الله ليس بمخلوق فيبيد ولا صفة لمخلوق فينفد-، أو مسألة علاقة الذات الإلهية بالمكان، وهي قوله: "وأنه -أي الله تعالى- فوق عرشه المجيد بذاته، وهو في كل مكان بعلمه" 3.
وهذا أبو الحسن اللخمي، فقد وصلنا عنه أنه كان يستثقل علم
الكلام.
جاء في المعيار ما يلي: "وسئل المارزي عن قوله - صلى الله عليه وسلم - ما سمع صوت المؤذن إنس ولا جن ولا رطب ولا يابس، وفي لفظ ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة 4 "، فإنه يقتضي أن الجمادات تعقل ذلك.
= الذي كان عليه الحال أيام السلف، فلم يكن ثم لزوم بل ولا مبرر لرواج هذه البدعة، ولذلك قاومها العلماء المغاربة بنصح وإخلاص: جولات في الفكر الإسلامي ص90، وقد أشار إلى هذه المسألة من قبل ابن رشد الجد في مسائله 2/ 860 - 862.
فأجاب: الذي عند أهل الأصول أن الجماد لا يسمع، ويستحيل أن يكون الجماد شيئًا من ذلك.
وقد ذكرت شيئًا من ذلك عند اللخمي، وقلت له: إن القاضي ابن الطيب يمنع من هذا.
فقال لي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ يدل على أن الجمادات كلها تسبح.
وأنكر قول القاضي غاية الإنكار.
وقال لي: خلوا ما أنتم عليه من كلام الأصوليين.
وكان رحمه الله يستثقل كلام الأصوليين.
فقال له عبد الجليل: فهذه الحصاة تسبح.
فقال نعم تسبح بالغيظ فسكت عبد الجليل لما رأينا من غيظه (1).
وهذا عبد الله بن ياسين تلميذ أبي عمران الفاسي وقد بعثه هذا الأخير إلى الأمير يحيي بن إبراهيم الصنهاجي مرشدًا ومعلمًا وزعيمًا روحيًا، فأسسا معًا دولة المرابطين على غير نفس أشعري.
بل قامت على روح فقهية واكتفت في العقيدة بما كان عليه أهل السلف.
وهذا كله يدل على أن الأشعرية في بداية أمرها وإلى حدود القرن الخامس لم تلق معارضة قوية، وفي نفس الوقت لم تلق ترحيبًا واعتناقًا مطلقًا.
فدخولها لم يحدث ضجيجًا.
رغم ما بذله الإمام المازري (2) الذي يمثل ظهوره بداية نضج الأشعرية، وعطائها بإفريقية.
إلا أن هذا السير الهادئ للأشعرية بإفريقية لم يكتب له الدوام، إذ بحلول القرن السادس دخلت الأشعرية دخولاً يختلف عن دخولها الأول، ففي الأول دخلت من الشرق محمولة في صدور وكتب العلماء، أما دخولها الثاني فجاء من الغرب على سيوف الموحدين.
ج - التصوف
: لم يرج هذا المصطلح وينتشر في الثقافة الإسلامية إلا في نهاية القرن الثاني الهجري 3. وقد كان يقوم مقامه مصطلح الزهد والورع أو ما شاكل12
ذلك.
ولم يكن أحد من المسلمين يحاول التميز بسلوك ينفرد به دون غيره، يفسر شططًا بعض أمور العقيدة على ضوء ما بدر منه.
فعامة المسلمين يؤدون شعائرهم على ضوء ما أمر به الله ورسوله ولم يكن بينهم من يريد أن يستقل بسلوك أو بنهج في التعبد يخرج به عن نطاق ما في كتاب الله والعمل بسنة رسوله.
ويتعسر هنا الحديث عن ظروف وحيثيات نشوء التصوف بمدارسه وأشكاله المعروفة.
لكن الذي يعنينا هو وضع هذه النزعة بإفريقية.
فقد بدأ التصوف فيها زهداً سنيًا مرتبطًا بالجهاد والرباط في الثغور والانقطاع لتدريس العلوم الشرعية.
وكان زعماؤه من فقهاء المالكية، فارتبط الفقه في هذه المرحلة بالزهد.
فهذا أبو إسحاق الجبنياني الزاهد الورع (ت) 369 الذي أقبلت عليه الدنيا وأعرض عنها، وقد كان أبوه وجيهًا عند الأغالبة ووصل إلى منصب الوزارة.
قال عنه عياض: "أحد أئمة المسلمين وأبدال أولياء الله الصالحين" 1.
وقد أثنى عليه كثير من العلماء جمعهم القاضي عياض في النص التالي: "وكان أبو الحسن القابسي يقول: الجبنياني إمام يقتدى به، وكان أبو محمد بن أبي زيد يعظم من شأنه ويقول طريق أبي إسحاق خالية لا يسلكها أحد في الوقت.
ويقول: لئن لم يكن أمر أويس القرني صحيحًا فالجبنياني أويس هذه الأمة.
ويقول: لو فاخرتنا بنو إسرائيل بعبادها لفاخرناهم بالجبنياني، ويقول من محبتي فيه وكثرة ذكري له أني أراه في المنام.
ولقد قوي قلبي أن يدعو لي، وأنه رأى جامع مختصر المدونة الذي ألفته فأعجبه.
وكان أبو محمد بن التبان يثني عليه.
وكان مسرة بن مسلم إذا ذكره يبكي بكاءً عظيمًا ويقول: كان والله مقدمًا علينا في صغره وفي كبره ... قال أبو القاسم اللبيدي: ... قال لي أبو إسحاق: أتدرسون في
هذا الوقت العلم؟ قالت: نعم، قال: فتجتمعون للمذاكرة؟ قال: لقد كنا نجتمع ولقد ألقينا المدونة في شهر ندرس النهار ونلقي الليل فما علمت أنا نمنا ذلك الشهر ... ثم قال لي: أي كتاب في أيديكم تدرسونه؟ فقلت العتق الأول، فألقى علي من أوله وسرد المسائل حتى كأن الكتاب في يده.
قال: وكان ينزع بالقرآن والسنة، وكان العلماء الفصحاء بين يديه كالغلمان بين يدي المعلم من هيبته" 1.
من خلال هذا النص يتبين لنا أن الفقهاء كان لهم تعاطف وإعجاب، بل وتنويه بهذا الزاهد السني.
وهذا شأنهم مع كل من لم يحد عن النهج القويم.
لكن صفاء هذه العلاقة الودية عكرها بعض من لم يلتزم بالضوابط والقواعد الشرعية.
ولا شك أن رحلات الإفريقيين إلى الشرق كانت من أهم العوامل التي ساعدت على انتشار الأنماط السلوكية الخاصة بأهل التصوف.
فبدأ المتصوفة بعد هذا يتميزون عن الفقهاء، وبدأت تلوح بوادر الصراع بين العلماء المحافظين على سلامة العقيدة في جوهرها ومظهرها وبين الصوفية المبتدعة.
فهذا يحيي بن عمر بن يوسف الكندي (ت) 289 ألف كتابًا في النهي عن حضور مسجد السبت، وأفتى بهدمه، وكان يجتمع فيه بعض أهل الزهد والصلاح وتنشد فيه الأشعار 2.
وهذا ابن أبي زيد- شيخ المالكية- يؤلف كتابين في الرد على أبي القاسم عبد الرحمن بن محمد البكري 3، الذي ألف كتابًا في الكرامات سماه "كرمات الأولياء المطيعين من الصحابة ومن تبعهم بإحسان".
ويبدو أن أبا القاسم هذا كان في طليعة من أدخلوا آراء الصوفية وقواعدهم المنحرفة إلى إفريقية.
وهذا أبو الحسن علي بن أبي طالب- المعروف بالعابر- أتى بمسألة غريبة لا تعرف ماهيتها، "لكن يبدو أنها من نوع الدعاوى الصوفية التي ينكرها علماء السنة" 1، فدخل في صراع مع علماء البلد.
ولم تكن إفريقية بمنأى عما أحدثه كتاب "إحياء علوم الدين" لأبي حامد الغزالي في الغرب الإسلامي 2، بل تفاعلت مع الحدث.
ومن أبرز من تصدى للموضوع من أهل إفريقية؛ الإمام المازري الذي ألف كتابًا في الرد على "الإحياء" سماه "الكشف والإنباء عن كتاب الإحياء"، ومما جاء فيه: "ولقد أعجب من قوم مالكية يرون مالكًا الإمام يهرب من التحديد ويجانب أن يرسم رسمًا وإن كان فيه أثر ما أو قياس ما، تورعًا وتحفظًا من الفتوى فيما يحمل الناس عليه ثم يستحسنون من رجل فتاوى مبناها على ما لا حقيقة له، وفيه كثير من الآثار عن النبي-صلى الله عليه وسلم- لفق فيه الثابت بغير الثابت.
وكذا ما أورد عن السلف لا يمكن ثبوته كله.
وأورد من نزغات الأولياء ونفثات الأصفياء ما يجل موقعه، لكن مزج فيه النافع بالضار كإطلاقات يحكيها عن بعضهم لا يجوز إطلاقها لشناعتها.
وإن أخذت معانيها على ظواهرها، كانت كالرموز إلى قدح الملحدين.
ولا تنصرف معانيها إلى الحق إلا بتعسف على اللفظ، مما لا يتكلف العلماء مثله إلا في كلام صاحب الشرع الذي اضطرت المعجزات الدالة على صدقه المانعة من جهله وكذبه إلى طلب التأويل" 3.
فكان المازري بهذا مسايرًا للتيار العام الرافض لمضمون كتاب "الإحياء".
إلا أن هذا لا يعني أنه حصل الإجماع على ذلك، فقد وجد من أهل إفريقية من كان له رأي آخر في هذا الكتاب.
ولعل أبرز من يمثل هذا الرأي هو أبو الفضل يوسف بن محمد النحوي (1)، الذي تجاسر وكتب لأمير المسلمين يوسف بن تاشفين كتابًا في ذلك، وأفتى بأن الأيمان التي فرضت في عملية التفتيش أيمان لا تلزم.
وقال: وددت أنني لم انظر في عمري سوى كتاب الإحياء (2).
بعد هذا أرى أنه قد آن الأوان للحديث عن الوضع الفقهي في إفريقية.
ثانيًا وضع الفقه:
لقد كان المذهب المالكي في إفريقية في عصر ابن بشير هو المهيمن على الساحة الفقهية، والمسيطر عليها، وصاحب السيادة المطلقة فيها.
ولم يكن ينازعه في ذلك أي مذهب من المذاهب.
لكن قبل أن يصل إلى هذه المكانة مر بمراحل مختلفة وعصفت به أزمات متنوعة، استطاع أن يصمد في وجهها.
فما هي إذن هذه المراحل؟ وما هي هذه الأزمات التي مر بها؟ هذا ما سنتحدث عنه في هذا المبحث.
لقد كان المذهب الحنفي هو الأسبق إلى إفريقية من غيره، فكان هو السائد بها والغالب عليها.
يقول القاضي عياض: "وأما إفريقية وما وراءها من المغرب فقد كان الغالب عليها في القديم مذهب الكوفيين، إلى أن دخل علي بن زياد، وابن أشرس، والبهلول بن راشد، وبعدهم أسد بن الفرات وغيرهم بمذهب مالك فأخذ به كثير من الناس .. " 3.12
فقد دخل المذهب المالكي إلى إفريقية في حياة الإمام نفسه، إذ كان يرد عليه أبناء المنطقة ينهلون من علمه ويرجعون إلى بلدهم لبثه فيها.
وقد ورد عليها أكثر من ثلاثين رجلًا, كل منهم سمع منه.
يقول الخشني: "كانت إفريقية قبل رحلة سحنون قد غمرها مذهب مالك بن أنس لأنه رحل منها أكثر من ثلاثين رجلًا كلهم لقي مالكًا وسمع منه.
وإن كان الفقه والفتيا في قليهل منهم" 1. ومن أشهر من وفد على الإمام مالك من أهل المنطقة أبو الحسن علي بن زياد الذي كشف له مالك عن أصول مذهبه 2. فلما رجع فسر لهم قول مالك، ولم يكونوا يعرفونه.
ومن الوافدين على الإمام مالك كذلك: البهلول بن راشد القيرواني وعبد الله بن غانم الذي كان يجله الإمام مالك ويقعده إلى جنبه، بل عرض عليه أن يزوجه ابنته ويقيم عنده، فامتنع من المقام، وقال له: إن أخرجتها إلى القيروان تزوجتها 3. وعبد الرحمن بن أشرس 4 وغيرهم.
فدخل هؤلاء الصفوة بآراء مالك وفقهه إلى إفريقية، التي كانت تعج بآراء الأئمة الآخرين.
فمذهب أبي حنيفة قد تبناه العباسيون والمنطقة تابعة لهم.
كما عرفت المنطقة كذلك آراء كل من سفيان الثوري، والليث بن سعد 5، وسفيان بن عينية 6، والشافعي وغيرهم.
ورغم هذا الحضور المكثف للمذاهب المختلفة بإفريقية إلا أن الغلبة كانت للمذهب المالكي والمذهب الحنفي الذي كان المذهب الرسمي للأغالبة، فالتقى المذهبان في مجالس الدرس يتنازعان الظهور والغلبة، وكان النقاش بينهم هادئًا نوعًا ما، بل كان من العلماء من
يدرس المذهبين معًا، فأسد بن الفرات كان يتكلم في كتب أبي حنيفة.
وكان الطلاب يقولون له: أوقد القنديل الثاني يا أبا عبد الله فيتكلم في المذهب المالكي 1، وابن غانم كان يدرس مذهب أبي حنيفة كل يوم جمعة 2.
ثم جاء بعد هؤلاء إمام عظيم كان له دور بارز في تثبيت مذهب الإمام مالك ونصرته في إفريقية، أعني الإمام عبد السلام بن سعيد التنوخي المعروف بسحنون، الذي كان عهده فتحًا جديدًا للمذهب المالكي.
فصار هو الظاهر والغالب بسبب هذا العالم الذي انتهت إليه رئاسة العلم بإفريقية في عهده.
فكثر تلاميذه، حتى بلغ مشاهيرهم نحو سبعمائة 3 كلهم يحفظ ويلم بمدونته المشهورة.
قال محمد بن حارث: "ثم قدم سحنون بذلك المذهب واجتمع له مع ذلك فضل الدين والعقل والورع والعفاف والانقباض، فبارك الله فيه للمسلمين فمالت إليه الوجوه وأحبته القلوب وصار زمانه كأنه مبتدأ، قد أمحى ما قبله فكان أصحابه سرج أهل القيروان" 4.
ولعل ما ساعده على ذلك توليه لمهمة القضاء التي نجح فيها.
فكانت هذه الولاية مساعدة له في ترسيخ مذهب مالك.
ولم تكن هي السبب الرئيس كما زعم ابن حزم حيث قال عند حديثه عن دور يحيى بن يحيى في نشر المذهب المالكي في الأندلس وجعل منصب القضاء حكرًا على المالكية بالأندلس فقال: "وكذلك جرى الأمر في إفريقية لما ولي القضاء سحنون بن سعيد، ثم نشأ الناس على ما انتشر" 5.
ثم جاء بعد سحنون تلاميذه الذين يتمز عصرهم بالصراع العلمي الحاد
وكثرة الجدل والمناظرات والردود، حتى أصبح الأمر يستدعي وضع قوانين وقواعد للحوار والمناظرة.
فظهر كتاب ابن سحنون "أدب الجدل" 1، استجابة لهذه الضرورة وملئًا لذلك الفراغ.
وقد اختلفت نظرة العلماء لهذه الظاهرة؛ فالحجوي اعتبر ذلك بلاءً، وقال في حديثه عن ابن سحنون: "ألف في فنون كثيرة كالحديث والفقه والتاريخ وأدب المناظرة والخلافيات التي ابتلي بها ذلك العصر" 2.
ومهما يكن من أمر فإن المسألة لها ارتباط بظروف المذاهب الناشئة التي تجادل وتناظر من أجل الحفاظ على نفسها، إذ السمة البارزة لهذا العصر هي احتدام الصراع بين المذاهب، فكان لا بد للمالكية من نظار ينافحون ويذبون عن مذهبهم في خضم هذا النزاع المذهبي.
وكان من أشهر المناظرين محمد بن سحنون الذي يبدو أنه كان يهيأ من صغره لهذه المهمة، فقد أخذ مواد الخلاف العالي عن كبار العلماء، وكان يناظر أباه 3. فحرص هذا الأخير على تخريجه مناظرًا ألمعيًا.
فلم يبخل عليه بالتوجيه والتسديد.
ومن جملة ما وجه له في هذا الشأن قوله: "يا بني إنك ترد على أهل العراق، ولهم لطافة أذهان وألسنة حداد.
فإياك أن يسبقك قلمك لما تعتذر منه" 4.
وقد جر له هذا المسلك الذي سلكه خصومات وعداوات خاصة مع سليمان بن عمران الحنفي الذي ناصبه العداء بسبب كثرة ردوده على الأحناف 5.
ومن الفقهاء البارزين في هذه المرحلة كذلك تلميذ ابن سحنون عبد الله بن طالب الذي كان مولعًا بالمناظرة الفقهية، وجعلها تقليدًا راسخًا.
قال ابن حارث: "كان ابن طالب لقنًا 1 فطنًا، جيد النظر، يتكلم في الفقه فيحسن.
حريصًا على المناظرة.
ويجمع في مجلسه بين المختلفين في الفقه، يغري بينهم لتظهر الفائدة، ويبيتهم عند نفسه، ويسامرهم، فإذا تكلم أجاد وأبان حتى يود السامع ألا يسكت" 2.
ولعل هذا النمط من السلوك -أعني الولوع بالمناظرة-، لم يكن هو المسيطر على الساحة العلمية؛ فقد وجد من كان ينفر منه ويأبى الدخول فيه.
فهذا يحيي بن عمر الكندي، لم يكن ينتحي الجدل والمناظرة على سعة علمه، قال القاضي عياض: "كان لا يفتح على نفسه باب المناظرة، وإذا ألحف عليه سائل أو أتاه بالمسائل العويصة، ربما طرده" 3. وكذلك ابن اللباد الذي كانت مناظرته تعسر كما يقول عياض 4.
هكذا كانت هذه المرحلة غزيرة الإنتاج كثيرة الجدل والمناظرة.
إلا أن هذا الجدل وإن اتسم بنوع من الحدة، فإنه لم يخرج في الغالب الأعم عن إطار الآداب والأخلاق العلمية، إذا استثنينا بعض التصرفات الطائشة من بعض الأحناف 5، كما هو الشأن بالنسبة لابن عبدون القاضي الذي "ضرب طائفة من أهل العلم والصلاح من أصحاب سحنون بالسياط وطيف بهم على الجمال بغضًا منه في مذهب مالك وفي أصحابه، منهم أحمد بن معتب وأبو إسحاق بن المضاء وأبو زيد المديني والحسن ابن مفرج مولى مهرية، فمات
ابن المديني وأبو إسحاق بن المضاء على الحال وهما على الجمال، وكان ابن عبدون حنفيًا رجل سوء" 1.
وإن كان بعض المالكية أيضًا يسلكون هذا النوع من التصرف، إلا أنه لم يصل إلى هذه الحدة.
فهذا يحيي بن عمر السالف الذكر، وقد كان "شجا على العراقيين" 2 أقصى ما فعله قوله في إحدى مجالسه، وقد حضر رجل من أهل العراق: "من كان هنا من أهل العراق فليقم عنا" 3.
هكذا كان وضع المالكية مع الأحناف وغيرهم من المذاهب السنية، لكن بعد قيام دولة للشيعة العبيديين في المنطقة سنة 297 هـ تغير وضع المذهب المالكي؛ إذ دخل في مواجهة شاملة مع العبيديين لا تقتصر على الفروع بل تتعداها إلى أركان الأصول، إذ كثير من المالكية كانوا يرون كفر بني عبيد 4. ومما زاد وضع المالكية تعقيدًا مع العبيديين كونهم لا يؤمنون بالحوار ولا بالنقاش ولا بالمناظرة، بل يؤمنون فقط بالبطش والقهر.
فهذا المزدي قاضي العبيديين جمع الفقهاء للمناظرة فاستجابوا له فقال: "إني أمرت أن أناظركم في قيام رمضان، فإن وجبت لكم حجة رجعنا إليكم، وإن وجبت لنا رجعتم إلينا.
قال ابن الحداد: فقلت له: ما تحتاج إلى المناظرة، فقال لي لا بدّ منها.
فقلت له: شأنك وما تريد.
فقال: ألستم تعلمون وتروون أن النبي- صلى الله عليه وسلم - لم يقم إلا ليلة ثم قطع، وأن عمر بن الخطاب هو الذي استن القيام، وقد جاء في الحديث الذي تروونه ونرويه أن كل محدثة بدعة، وأن كل بدعة ضلالة، وأن كل ضلالة في النار؟ فقلت له: هذه البدعة من البدع التي يرضاها الله عز وجل، ويذم من تركها.
فقال: وأين تجد ذلك في كتاب الله عز وجل؟ فقلت له: في كتابه المنزل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
قال: وأين؟ قلت له: قال الله عز وجل: ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها.
فنحن نثابر على هذه البدعة التي هي رهبانية، لئلا يذمنا الله عز وجل كما ذمهم.
فقال: من صلى القيام ضربت عنقه، قال: فقلت له: قد قلت لك هذا أولًا، ما تحتاج إلى المناظرة، فلم تقبل" 1.
فضرب علماء المالكية وهون بهم وقتل خيارهم كابن الهذيل 2 وإبراهيم بن البرذون 3، قال عياض: وغلظ الأمر على المالكية من هذا الحيز ومنعوا من التحليق والفتيا، فكان من يأخذ منهم ويتذاكر معهم إنما يكون سرًا وعلى حال خوف ورقبة 4.
فاعتبر المالكية أنفسهم مسجونين فقد كان جبلة بن حمود الصدفي لا يحضر الجمعة ويصليها ظهرًا أربعًا فسأله بعض المالكية كيف جاز لك أن تصلي أربعًا والجامع يجمع؟ فقال: ألم يمر بك قول مالك في المسجونين أنهم يجمعون في السجن لأنهم منعوا من الجمعة؟ ونحن منعنا من الجمعة فأقمنا أنفسنا مقام المسجونين 5.
على أن المالكية لم يستكينوا ولم يخنعوا بل ثبتوا وصمدوا وواجهوا العبيديين بكل ما أوتوا من قوة.
فخرجوا مع أبي يزيد بن مخلد بن كيداد الخارجي ضد العبيديين سنة: 383 هـ، وعبؤوا الرأي العام واستنهضوا الهمم والعزائم للجهاد.
وكادوا يقضون على العبيديين الذين حوصروا في مدينة المهدية، إلا أن أبا يزيد هذا لما رأى "هزيمة الفاطميين وشيكة الوقوع وتأكد من نهايتهم، دعته نزعته الخارجية إلى التفكير في القضاء على فقهاء المالكية ومن اجتمع إليهم من أهل السنَّة فقال لأصحابه: إذا لقيتم القوم فانكشفوا
عن علماء القيروان حتى يتمكن أعداؤهم منهم، فيكونوا هم الذين قتلوهم لا نحن فنستريح منهم، وظن أن قتل شيوخ القيروان وأئمة الدين سيتيح له فرض مذهبه وبسط سلطانه.
لكنه لم يكن يدري أنه وضع نهاية ثورته بخيانته تلك.
فبعد أن قتل من صلحاء القيروان وفقهائها من أراد الله سعادته ورزقه الشهادة، غضب من بقي على قيد الحياة وفارقوا أبا يزيد" 1.
بعد هزيمة أبي يزيد الخارجي ازدادت أحوال المالكية سوءًا مع الفاطميين، واستمروا على ذلك الوضع إلى أن خرج العبيديون إلى مصر سنة 361هـ، وجاء بعدهم خلفاؤهم الصنهاجيون، فخفت حدة التوتر.
ولم تزل إلا سنة 433 هـ على يد ابن باديس.
وخلال هذه الفترة -أعني النصف الثاني من القرن الرابع إلى النصف الثاني من القرن الخامس- امتاز الدرس الفقهي بالاتجاه نحو التخفيف من التأصيل 2 والتقليل من الأدلة والميل إلى جمع فروع المذهب المشتتة في الأمهات مع الاختصار في العبارة، وقد كان رائد هذا الاتجاه أبو محمد بن أبي زيد القيرواني، جامع المذهب وشارح أقواله.
فاشتغل من جاء بعده بما كتبه ابن أبي زيد.
وقد حاول البراذعي محاكاته في نهجه فألف مختصره، إلا أنه لم يلق قبولا لدى معاصريه.
فقد كانوا ساخطين وناقمين عليه لموالاته بني عبيد، إذ كان يقبل هداياهم، وألف كتابًا في تصحيح نسبهم 3. وقد حاول البراذعي إقناع أهل القيروان بالانتفاع بعلمه، فجاء بكتابه المختصر إلى الشيخ أبي محمد بن أبي زيد، فأمر بحرقه أو محوه، وعاوده وأتى به إليه وأنشده:
خذ العلوم ولا تعبأ بناقلها ... واقصد بذلك وجه الخالق الباري
أصل الرواية كالأشجار مثمرة ... اجن الثمار وخل العود للنار
فاضطر البراذعي بعد هذا للخروج إلى صقلية.
أما كتابه فقد لقي قبولا لدى الأجيال اللاحقة.
كما تأثر علماء هذه المرحلة ببعض كتب الحديث التي دخلت المنطقة؛ وأهمها صحيح البخاري، الذي دخل على يد أبي الحسن القابسي (ت) 403، فانتعش الدرس الحديثي، واشتغل الناس بشرح البخاري والموطأ.
إلا أن العصر الذهبي للمذهب المالكي بإفريقية يبدأ عندما أدرك المعز بن باديس أن القضاء على المذهب المالكي أمر بعيد المنال ومتعذر الوقوع، ورأى أن مصلحة الدولة في جمع الشمل والقضاء على القلاقل.
ولم يجد أفضل من التخلي عن العبيديين، وتبني المذهب المالكي ذي القاعدة الشعبية العريضة.
فارتفع الضغط والتسلط والقهر الذي مورس على المالكية ولم يبق هناك داع ولا مبرر للاشتغال بالجدل والردود والمناظرات، إذ لم يعد هناك وجود معتبر للمذاهب المخالفة.
فالأحناف لفظهم المجتمع بسبب تشرقهم ولم يعد لهم مساند سياسي، فخلت الساحة للمالكية فتفرغوا لخدمة فروع مذهبهم وأصوله، فركزوا على رواياته وأقواله وقارنوا بينها وميزوا صحيحها من سقيمها ومشهورها من شاذها.
وبعبارة أخرى بدأت عملية الغربلة والتمحيص بعدما انتهت مرحلة الجمع.
كما بدأت تظهر بوادر الرجوع إلى التأصيل مرة ثانية، ونشط تعليل الخلاف 1 وذكر أسبابه.
فنشط بذلك الدرس الفقهي وظهرت طبقة من العلماء تحاول التحرر من التقليد، وتتعامل مع نصوص المذهب بعقلية نقدية وتحاكمه إلى قواعده وأصوله.
فقامت ثلة من المالكية في هذه المرحلة بدور كبير وبحركة أحدثت صدى ظاهرًا.
عملوا من خلالها على لفت الانتباه إلى منهج السلف، وإلى ضرورة العودة إلى المنهج العلمي الأمثل.
فألفوا كتبًا
انتهجوا فيها نهج التأصيل والرجوع مباشرة إلى المنابع الأولى: القرآن والحديث في إطار المذهب وفروعه، غير متخلين عن اجتهاداتهم الخاصة.
ومن أبرزهم ابن يونس واللخمي والمازري 1.
يقول الفاضل بن عاشور في نفس الصدد: "وتكون بالإمام اللخمي الإمام أبو عبد الله المازري، فكان مع الحلبة التي عاصرته من الفقهاء الذين نستطيع أن نذكر منهم على سبيل المثال الواضح أربعة: وهم المازري وابن بشير وابن رشد الكبير والقاضي عياض.
فهؤلاء هم الذين سلكوا طريقة جديدة في خدمة الحكم؛ هي الطريقة النقدية التي أسس منهجها أبو الحسن اللخمي.
فصاروا في الفقه يتصرفون فيه تصرف تنقيح، وينتصبون في مختلف الأقوال انتصاب الحكم الذي يقضي بأن هذا مقبول، وهذا ضعيف، وهذا غير مقبول، وهذا ضعيف السند في النقل، وهذا ضعيف النظر في الأصول، وهذا مغرق في النظر في الأصول، وهذا محرج للناس، أو مشدد على الناس، إلى غير ذلك.
وهي الطريقة التي درج عليها الإمام المازري في شرحه على التلقين للقاضي عبد الوهاب، ودرج عليها ابن بشير في شرحه عل المدونة الذي سماه التنبيه على مسائل التوجيه" 2.
بعد هذا قد يقول قائل: إن ما قررته يتعارض تمامًا مع ما قاله المازري عندما تحدث عن اشتراط الاجتهاد في القاضي فقال: "وهذه المسائل تكلم عليها العلماء الماضون لما كان العلم في أعصارهم كثيرًا منتشرًا وشغل أكثر أهله بالاستنباط والمناظرة على المذاهب، وأما عصرنا هذا فإنه لا يوجد في الإقليم الواسع العظيم مفت نظار، قد حصل آلة الإجتهاد واستبحر في أصول الفقه ومعرفة اللسان والسنن والاطلاع على ما في القرآن من الأحكام، والاقتدار على تأويل ما يجب تأويله، وبناء ما تعارض بعضه على بعض، وترجيح ظاهر على ظاهر، ومعرفة الأقيسة وحدودها وأنواعها وطرق استخراجها، وترجيح العلل والأقيسة بعضها على
بعض.
هذا الأمر زماننا عار منه في إقليم المغرب كله فضلًا عمن يكون قاضيًا على هذه الصفة" 1.
فالنص صريح الدلالة على خلو إقليم المغرب كله ممن حصَّل آلة الاجتهاد زمن المازري المعاصر لابن بشير، فكيف إذا تصف هذا العصر بأنه عصر اجتهاد وتحرر؟ 2.
ويمكنني أن أجيب عن هذا بما يلي:
أولًا: كلام المازري جاء في سياق الرد على من يشترط الاجتهاد في القاضي، ولم يأت في إطار الحديث عن وجود المجتهدين أو عدم وجودهم.
ومعلوم أن السياق قيد، فجاءت العبارات عرضية.
وغير خاف أن الكلام الذي يأتي عرضيًا لا يكون دقيقًا في بعض الأحيان, لأنه يؤتى به ليخدم فكرة أخرى.
ثانيًا: إذا كان المازري لم ينسب الاجتهاد لنفسه، ولم يدَّعِه -وهو إمام عصره بدون منازع، اتفق الفقهاء على أنه بلغ رتبة الاجتهاد 3. ولم يخالف في ذلك أحد، إلا ما روي من تحفظ ابن عرفة.
وأنكر عليه العلماء تحفظه هذا أشد الإنكار؛ لأنه أثبت الاجتهاد لابن دقيق العيد وابن عبد السلام الهواري، وهما دون مرتبة المازري 4. بل إن ابن دقيق العيد استغرب من عدم ادعاء المازري للاجتهاد فقال: "ما رأيت أعجب من هذا- يعني المازري- لأي شيء ما ادعى الاجتهاد" 5. وأكثر من هذا كون المازري لم يكن يتجرأ على الخروج حتى على المشهور.
ولذلك تفسيرات وتأويلات ليس هذا محلها.
أقول: إذا كان المازري على هذه الجلالة والإمامة والمكانة، لم يدع الاجتهاد لنفسه ولم يخرج عن المشهور، فكيف ننتظر منه أن يدعيه لغيره؟
ولم يكن المازري وحيدًا في نسيجه أو حالة فريدة في شريحته، بل هذا شأن كبار العلماء أمثاله، وهم كثر.
أذكر منهم الشاطبي؛ المنظر والراسم لمعالم الاجتهاد؛ فقد نفى هو أيضًا عن نفسه الاجتهاد فقال: "ومراعاة الدليل، أو عدم مراعاته ليس إلينا معشر المقلدين، فحسبنا فهم أقوال العلماء، والفتيا بالمشهور منها، وليتنا ننجو مع ذلك رأسًا برأس، لا لنا ولا علينا." 1.
وبهذا يتبين أن كلام المازري جاء متأثرًا بطبيعته ونفسيته الميالة إلى إجلال العلماء المتقدمين والتهيب من اقتحام باب الاجتهاد، الذي من شروطه:- بالاضافة إلى العلم- الشجاعة.
وهذا دأب العلماء الراسخين في العلم، المغلبين جانب الورع والتواضع على جانب العجب والغرور، ورغم هذا كله فإن المازري كان يمارس الاجتهاد عمليًا في الجانب التكويني التفقيهي 2، والله أعلم.
بقي أن أشير إلى أن علماء هذه المرحلة فرغوا جهودهم في المدونة المصدر الأول للمذهب.
وكانوا يسمون الكتب التي تدور في ذلك المدونة شروحا أو تعاليق.
قال ابن خلدون: "ولم تزل علماء المذهب يتعاهدون هذه الأمهات بالشرح والإيضاح والجمع؛ فكتب أهل إفريقية على المدونة ما شاء الله أن يكتبوا، مثل ابن يونس واللخمي وابن محرز والتونسي وابن بشير وأمثالهم" 3.
بعد هذا، أرى أنه آن الأوان للحديث عن حياة ابن بشير، وأرى أن ما سبق ذكره فيه كفاية لفهم الظروف المؤثرة في حياة هذا الإمام.
الفصل الثاني: حياة ابن بشير
المبحث الأول: حياته الشخصية.
المبحث الثاني: عطاؤه العلمي.
الفصل الثاني: حياة ابن بشير
1
قبل أن أتحدث عن حياة ابن بشير لا بد من الإشارة إلى أن هذا الإمام لم يلق من العناية والاهتمام ما يليق بمكانته العلمية ومنزلته الفقهية داخل المذهب، فقد ضن المؤرخون والمترجمون على أن يجودوا بترجمة وافية عنه، والمترجم الرئيس له هو: ابن فرحون (ت) 799 هـ الذي يفصل بينه وبين ابن بشير قرنان ونصف من الزمن، وكل من ترجموا له فمعولهم على ما ذكره ابن فرحون.
باستثناء المخطوط المجهول المؤلف الموجود في الخزانة العامة رقم: 928 د، الذي أضاف شيئًا قليلًا جدًا عما ذكره ابن فرحون، وإن كان ينقل عنه أيضًا.
وقد بحثت عن أخباره المنيعة المطلب والصعبة المرام في كل ما وصلت إليه يدي من كتب الطبقات والتراجم والفهارس والبرامج والإثبات والمشيخات والمعاجم، ولم أظفر إلا بالنزر اليسير.
ولم يكن حظ ابن بشير مع المعاصرين بأسعد من حظه مع المتقدمين.
فقد لقي منهم نفس الإهمال الذي لقيه من سابقيهم- في حدود علمي- إذ
لم أقف إلى هذه اللحظة على أي كتاب طبع له، ولا على أية دراسة أنجزت حوله، ولا حتى على مقالة كتبت عنه.
اللَّهم إلا ما بلغني من أن الدكتور محمد أبا الأجفان يحقق كتابه (المختصر).
ولو كان ابن بشير فقيهًا مغمورًا أو ضعيف القول والإنتاج، لما استغربت ذلك.
ولكن الرجل من فحول فقهاء المالكية، وقوله يعتد به داخل المذهب، وكل من جاء بعده من الفقهاء ينقل عنه بما يجعل موقف المترجمين منه لغزًا يحتاج إلى تفسير.
هذه كلمة لا بد منها لكي يكون القارئ على بينة من الظروف المتحكمة في الترجمة.
...
المبحث الأول: حياته الشخصية
المطلب الأول: اسمه ونسبه
هو: أبو الطاهر إبراهيم بن عبد الصمد بن بشير التنوخي.
هكذا سمته جميع المصادر التي وقفت عليها، باستثناء ما وجدته في أول كتاب الجامع 1 من أن كنيته أبو إسحاق وأنه أندلسي.
حيث جاء فيه: كتاب الجامع من كتب أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد بن بشير الأندلسي رضي الله عنه.
ولم أقف على شخص بهذا الاسم، فظهر لي- والله أعلم- أن هذا خطأ من الناسخ.
وإن جرت عادة كل من تسمى بإبراهيم أن يتكنى بأبي إسحاق.
أما نسبته إلى الأندلس فخطأ بين.
هذا كل ما نعرفه عن نسبه.
وأبوه عبد الصمد غير معروف، وجده
بشير كذلك.
أما القبيلة التي انتسب إليها "تنوخ"؛ فهو اسم أطلق على عدة قبائل عربية، اجتمعت في البحرين وتحالفت على التناصر.
فسميت تنوخا لتنوخها، أي: إقامتها (1).
وقد ذكر ابن فرحون ومن تبعه أن ابن بشير كانت بينه وبين أبي الحسن اللخمي قرابة.
ولم يوضح نوع هذه القرابة.
ويبدو أنها قرابة من جهة الأمهات، أو المصاهرة.
لأن الأول تنوخي، والآخر لخمي.
فامتنع بذلك أن تكون القرابة من جهة الآباء.
وبالنسبة لإخوانه فإنا لا نعرف عنهم شيئًا، إلا ما استنتجه الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب من احتمال أن يكون أبو عبد الله محمد بن عبد الصمد بن بشير (2) الشاعر أخًا لإبراهيم.
فقال: "ويلوح لي أن الأديب أبا عبد الله محمد بن عبد الصمد بن بشير التنوخي المهدوي أحد شعراء الأمير علي بن يحيي بن تميم الصنهاجي- هو أخو الفقيه المتقدم.
إلا أني لم أقف على من أثبت هذه القرابة، التي حملتني على التفكير فيها وحدة اللقب والنسب" (3).
المطلب الثاني: موطنه
:
بالنسبة لموطنه، فقد جاء في الصفحة الأولى من نسخة (ص) ما يفيد أن ابن بشير من أهل المهدية 4. وقد نسبه إليها، كل من محمد مخلوف وحسن حسني عبد الوهاب، ولم ينسبه غيرهما إليها.
ولم أقف على معتمدهما في ذلك.123
كما أن محققي كتاب العمر نَقَلا عن صلة السمط لابن شباط، أن ابن بشير كان يقيم في بجاية 1، وأن أصله من سفاقص- إن ثبتت أخوته لأبي عبد الله الشاعر السالف الذكر-، ولم يذكرا كيف توصلا لهذا الاستنتاج 2 ..
وهذا كله غير مستبعدة فيمكن أن يكون أصل العائلة من سفاقص ثم انتقلت العائلة إلى المهدية.
وانتقل ابن بشير بعد ذلك إلى بجاية.
هذا إذا علمنا أن هاتين المدينتين تغري العلماء بالإقامة فيهما زمن ابن بشير.
فالمهدية 3 التي بناها عبيد الله المهدي سنة 304 هـ ليحتمي بها العبيديون من غارة أعدائهم 4، كانت هي الملاذ الآمن للصنهاجيين بعد اجتياح الأعراب لإفريقية سنة 444 هـ. فقد انتقل إليها المعز بن باديس وجعلها قاعدة لملكه، فنشطت فيها الحركة وازدهرت التجارة والعلوم.
أما بجاية فقد اتخذها بنو حماد سنة 457 هـ مقرًا لهم لما عجزت قلعتهم عن حمايتهم من الزحفة الهلالية.
وكانت عبارة عن ميناء صغير به دور قليلة وحقيرة، فأعاد بنو حماد بناءها وحصنوها وجعلوها قاعدة لملكهم.
فازدهرت فيها الحياة العلمية "فكان القضاة وأهل الفتوى ومدرسو العلوم ينتقلون بحكم الارتباط السياسي والإداري بين تونس وبجاية، وذلك ما سمح لوشائج العلم وأوابد الفكر أن تروج مرددة الأصداء بين جامع
الزيتونة بتونس، والجامع الأعظم ببجاية.
فنفقت في بجاية زهرة العلم بسبب ذلك" (1). فما إن أطل عليها القرن السابع حتى أصبحت تعج بالعلماء.
وفيهم من يحفظ كتاب التنبيه لابن بشير.
وقد سجل كل هذا أبو العباس الغبريني في كتابه "عنوان الدراية في من عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية".
كما أني لا استبعد دخول ابن بشير الأندلس طلبًا للعلم فقد أخذ عن علماء أهل الأندلس كما سيأتي.
المطلب الثالث: طلبه للعلم
لم يبلغنا شيء عن طريقة ابن بشير في طلبه للعلم، ولا متى بدأ ذلك.
ولكنه في الغالب لن يخرج عن الطريقة المألوفة والمعهودة عند المالكية في إفريقية والأندلس.
وقد تحدث عن هذه الطريقة بعض العلماء منهم ابن خلدون 2.
وقد جرت العادة أن يتخذ المالكية الكتاتيب لتعليم الأطفال الصغار، ولا يدخلون إلى المساجد تنزيهًا لها عن عبث الأطفال، وتمشيًا مع رأي مالك الفقهي الذي لا يرى دخول الأطفال للمساجد؛ لأنهم لا يتحفظون من النجاسة.
ولم تنصب المسجد للتعليم 3.
وقد صور ابن خلدون طريقة أهل إفريقية في تعليم الولدان فقال: "وأما أهل إفريقية فيخلطون في تعليمهم للولدان القرآن بالحديث في الغالب، ومدارسة قوانين العلوم وتلقين بعض مسائلها.
إلا أن عنايتهم بالقرآن واستظهار الولدان إياه ووقوفهم على اختلاف رواياته وقراءاته أكثر مما سواه.
وعنايتهم بالخط تبع لذلك.
وبالجملة فطريقهم في تعليم القرآن أقرب إلى طريقة أهل الأندلس؛ لأنّ سند طريقتهم في ذلك متصل بمشيخة الأندلس" 4.1
فإذا ناهز الطفل الحلم، وتمكن من تلك العلوم الأولية، حق له بعد ذلك أن ينتظم في حلقات الشيوخ بالمساجد (1). وأظن أن ابن بشير قد يكون مر بهذه الطريقة التي مر بها غيره من العلماء.
المطلب الرابع: أخلاقه
كذلك لم يبلغنا شيء عن صفاته وأخلاقه وسلوكه في الحياة وطريقة تعامله مع الناس ومكانته في المجتمع، باستثناء تلك العبارة الوجيزة التي قالها ابن فرحون من أنه كان "جليلًا فاضلًا".
ورغم وجازة هذه العبارة، فإنها تدل على أنه كان نبيلًا ذا قدر عظيم ودرجة رفيعة.
إلا أنني وقفت على ما يمكنني أن أستشف منه أنه كان حسن السمت، عليه وقار العلماء، حافظًا لمروءته.
فقد جاء في باب الرد بالعيب من كتاب البيوع ما يلي: "مسألة جرت فيها المناظرة بين بعض الفقهاء ببلد إفريقية، وهي الدار إذا عرفت بنزول الأجناد فباعها البائع ولم يبين، فهل يكون للمشتري الرد بذلك؟ فذهب بعض من حضر إلى أنه لا يكون له عيب فإنه يزول وليس بالعيب الذي يوجب الرد وهو عند الناس مستقل، فإنهم يسكنون معهم حتى يمضي.
ومازال الأمير ينزل بجنوده في دور البصرة وبغداد ومصر [وغيرهم من البلاد حتى يمضي، ولو كان ذلك عيبًا لما كان الأمراء الأولون يفعلون ذلك، ولو كان الدار المعتاد الضيوف في نزولها عيبًا أيضًا، وقال له من حضر الفرق بين ما نحن فيه مسألة الضيف].
وما ذهب إليه من سير الأولين أن مسألة الضيف ينزل برضى أصحاب المنزل على سبيل الشهرة، والرحمة التي أمر بها الشرع حيث قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة والضيافة ثلاثة أيام وما زاد فهو صدقة ولا يحل له أن يجلس عنده1
حتى يحرجه 1. وما نحن فيه من المسألة إنما ينزل الجند على وجه التعدي من غير أن يختار ذلك أهل المنزل، فهو أشبه بالذي يقال له عيب أو هو بعينه.
وذلك عيب، لا يخفى أنه ينقص من ثمنها، وتقل الرغبة في طلبها.
وما قلته من سيرة الأولين فلم يذكر عن ابن الخطاب رضي الله عنه مع كثرة دورانه في خطة الشام والعراق وغيرها، أنه كان يكثر الدوران وينزل الأجناد في دور الناس بغير إذنهم وهذا لا يليق به وبأمثاله فإن كنت تستدل بمثل فعل الحجاج بن يوسف أو غيره من الأمراء الظلمة فلا حجة في فعله.
ولما وقع السؤال في نقل المسألة وطلبت في عينها، قلت لهم- عند سكوتهم واعترافهم- بأن النقل لم يقف عليه واحد منهم.
قيل لي: عندك أنت النقل؟ قلت: نعم.
قلت لهم المسألة عن مالك أنها إذا كانت ضيعة نقيلة 2 الخراج، وكانت معتادة في نزول الأجناد، فإن ذلك كله عيب ترد به" 3.
والذي يعنينا في هذا النص هو قوله: "ولما وقع السؤال في نقل المسألة وطلبت في عينها قلت لهم- عند سكوتهم واعترافهم- بأن النقل لم يقف عليه واحد منهم".
فمن خلال هذا النص يتبين أن ابن بشير كان حاضرا أثناء النقاش والمناظرة.
ولم يتدخل رغم أنه كان عنده علم في عين المسألة لم يكن عند المتناظرين.
ثم تدخل في الأخير بعدما طلب منه التدخل، وبعد سكوت المتناظرين.
وهذه صفات أهل الوقار والمروءة والسمت الحسن، فهم لا يتكلمون
إلا إذا سكت الآخرون واستمع لكلامهم.
ولا يتكلمون إلا بعد الطلب ليكون لكلامهم قيمة ووقع في آذان المتلقين.
ويتجنبون مواطن التشاغب ورفع الأصوات والمراء، الذي يقصد به الغلبة والإفحام.
ولو لم يكن ابن بشير من هذا الصنف، لوجدناه تدخل من بداية الأمر، وخاض مع المتناظرين؛ إظهارا للفضل والشرف، واستمالة لوجوه الناس.
المطلب الخامس: شيوخه
لقد عاش ابن بشير في زمن كانت إفريقية تعج فيه بالعلماء.
ولا شك أنه أخذ عن عدد كبير منهم فأثروا في تكوين شخصيته العلمية، إلا أن كتب التراجم لم تحتفظ لنا إلا بعدد قليل منهم.
بل إن مترجمه الرئيس ابن فرحون لم يذكر له أي شيخ ولا تلميذ.
كما ساهم ابن بشير نفسه في ذلك.
فقد كان ضنينا ومتكتما على شيوخه فكثيرًا ما يردد قال بعض أشياخي ولا يسميهم وهذان مثالان على ذلك.
المثال الأول: "وقد استقرأه بعض أشياخي من المدونة." (1).
المثال الثاني: "لكن هذه المسألة نزلت قديمًا فطال بحثنا عن روايات المذهب فيها، وخالفني بعض أشياخي، ودافع ما قاله أبو الحسن كل المدافعة." (2).
ومما وصلنا ممن قيل إنهم شيوخه
: السيوري
واللخمي وابن رشد وابن عتاب والمازري.
ولنتحدث عن كل واحد منهم، ولننظر هل ثبتت مشيخته لابن بشير أم لا؟12
1 - السيوري: هو: أبو القاسم عبد الخالق بن عبد الوارث
السيوري.
من تلاميذ أبي عمران الفاسي، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وطبقتهم.
قرأ الكلام والأصول على الأذري.
قال عياض: "آخر طبقته من علماء إفريقية، وخاتمة أئمة القيروان، وذو الشأن البعيد في الحفظ والقيام بالمذهب، والمعرفة بخلاف العلماء، وكان زاهدًا فاضلًا دينًا نظارًا، وكان آية في الدرس والصبر عليه.
ذكر أنه كان يحفظ دواوين المذهب الحفظ الجيد، ويحفظ غيرها من أمهات كتب الخلاف، حتى إنه كان يذكر له القول لبعض العلماء، فيقول: أين وقع هذا؟ ليس هو في كتاب كذا ولا كتاب كذا.
ويعدد الدواوين المستعملة من كتب المذهب والمخالفين والجامعين، فكان في ذلك آية، وكان نظارًا.
ويقال إنه مال أخيرًا إلى مذهب الشافعي" 1. توفي رحمه الله سنة 460 هـ.
وقد أثبت مشيخة السيوري لابن بشير محمد مخلوف فقال: "أخذ عن الإمام السيوري وغيره 2 ".
وأثبتها كذلك حسن حسني عبد الوهاب فقال: "إبراهيم بن عبد الصمد بن بشير التنوخي المهدوي أبو الطاهر من تلاميذ السيوري" 3. إلا أن محققي كتاب العمر شككا في ذلك.
فقالا: شيخه الوحيد الذي أمكننا معرفته حسب رواية الديباج 4. ولكن وقائع التاريخ تستبعده- إذا كان المقصود أبا القاسم عبد الخالق السيوري-؛ لأن هذا الأخير توفي سنة 463 هـ بينما ابن بشير عاش إلى ما بعد 573 كما يتضح فيما يأتي بعد.
ثم قالا في الهامش 4: جاء في صلة السمط 4/ 103 ظ أن أبا الطاهر ابن بشير كان يقيم في بجاية.
وكان أبو الحسن علي بن أبي بكر عبد الله التقيوسي من
المعدودين في أصحابه.
فتوفي أبو الحسن التقيوسي فصلى عليه أبو الطاهر.
ولم يذكر ابن الشباط تاريخ وفاته، ولكنه نقل ذلك عن كتاب أبي عمرو بن حجاج التوزري ولم يسمه.
والذي نعلم- من جهة أخرى- أنه ألفه بعد رحلته إلى المشرق ولقاء السلفي سنة 573 هـ، وبهذا يتأكد أن أبا الطاهر بن بشير عاش بعد سنة 573 هـ" 1.
فارتكز المحققان في تشكيكهما في ذلك على أن ابن الشباط نقل هذه المعلومة من كتاب التوزري الذي لم يؤلف إلا بعد لقاء التوزري مع السلفي في المشرق سنة 573 هـ. ولم يوضحا كيف توصلا لذلك.
والحق أن ما ذكره المحققان لا يمكننا أن نقطع بصحته لأن ابن الشباط ما دام لم يصرح بمصدره، فمن المحتمل أن يكون أخذ المعلومة من مصدر آخر، أو سمعها من التوزري مشافهة قبل تأليف الكتاب.
وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال.
كما أننا لا نجزم في نفس الوقت بثبوت مشيخة السيوري لابن بشير، لأننا لم نعثر في الكتاب على ما يوحي بذلك، بل نجد ما يدلّ على عكسه.
وقد تتبعت المواطن التي ذكر فيها السيوري فوجدته يشير إليه مرة بقوله: قال "أبو القاسم السيوري"، أو "الشيخ أبو القاسم السيوري"، أو "الشيخ أبو القاسم السيوري رحمه الله" 2. ولو كان شيخه لقال: (قال شيخي) كما جرت العادة بذلك.
بل إن هناك ما يدل بوضوح على أنه ليس شيخًا له، فقد ذكر مرة رأي السيوري، وذكر أن بعض أشياخ ابن بشير رد عليه.
ولو كان السيوري شيخًا لابن بشير لصرح بذلك في هذا الموطن؛ لأن السياق يقتضيه.
قال ابن بشير: "والمعروف من المذهب أن حكم المرأة الحامل بعد الستة أشهر حكم المريض.
ويعرف فيها قول ثان؛ أن حكمها حكم الصحيح.
ولا أذكر الآن موضعه، وهو مذهب الشافعي.
وهذا الذي كان يعتمد عليه أبو القاسم
السيوري بناء على أن الغالب السلامة.
وقد ألزمه بعض أشياخي أن يحكم لها بحكم الصحيح، وإن كانت في الطلاق" (1).
وهكذا نرى أن المسألة لا زالت غامضة.
2 - اللخمي: هو: علي بن محمد الربعي أبو الحسن
اللخمي.
كان إمامًا فاضلًا دينًا متفننًا، ذا حظ من الأدب والحديث، جيد النظر، حسن الفقه جيد الفهم، كان فقيه وقته، وأبعد الناس صيتًا في بلده.
بقي بعد أصحابه فحاز رئاسة بلاد إفريقية جملة.
وتفقه به جماعة من السفاقسيين وغيرهم.
"أخذ عنه أبو عبد الله المازري .. وهو مغرى بتخريج الخلاف في المذهب، واستقراء الأقوال.
وربما تبع نظره فخالف المذهب فيما ترجح عنده، فخرجت اختياراته في الكثير عن قواعد المذهب .. " 2. ويعد كتابه التبصرة من أوائل المصادر المالكية الموجودة التي تحدثت عن أسباب الخلاف، على الرغم من أنه اقتصر على الخلاف داخل المذهب.
توفي رحمه الله سنة: 478 هـ وقد نص على مشيخة اللخمي لابن بشير محمد مخلوف فقال: "بينه وبين أبي الحسن اللخمي قرابة، وتفقه عليه في كثير من المسائل ورد عليه اختياراته" 3.
ويلوح لي أن هذا سبق قلم من المؤلف، فقد اعتمد على ابن فرحون وتحرفت عنده بعض ألفاظه.
فعبارة ابن فرحون كالتالي: "وكان بينه وبين أبي الحسن اللخمي قرابة وتعقبه في كثير من المسائل ورد عليه اختياراته" 4 فعبارة مخلوف هي نفس عبارة ابن فرحون إلا أن الأول استبدل كلمة "تعقبه" بعبارة "تفقه عليه".
ومما يؤكد وهم محمد مخلوف أن عبارة ابن1
فرحون، وجدت منقولة دون تحريف في كتاب طبقات المالكية المجهول المؤلف.
ومن حيث المعنى فإن رد الاختيارات، يكون بالتعقب وليس بالتفقه.
فعبارة "ورد عليه اختياراته" تناسبها "وتعقبه".
أضف إلى هذا أنه على كثرة تردد اسم اللخمي في كتاب التنبيه لم أجد فيه ما يدل على ثبوت مشيخة اللخمي لابن بشير، بل وجدت ما يمكن أن يستنتج منه عكس ذلك.
فقد ذكر اللخمي في سياق يقتضي أن ينص على مشيخته له، ولكنه لم يفعل.
والنص هو التالي: "لكن هذه المسألة نزلت قديمًا فطال بحثنا عن روايات المذهب فيها، وخالفني بعض أشياخي، ودافع ما قاله أبو الحسن كل المدافعة" (1). فنلاحظ أنه نص على أن المخالف شيخ له، ولم يفعل ذلك مع اللخمي.
ومهما يكن من أمر فإن ابن بشير متأثر بمنهج اللخمي النقدي وسيأتي الحديث عنه.
3 - ابن عتاب:
هو: أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن عتاب آخر الشيوخ الأجلة الأكابر في علو الإسناد وسعة الرواية بالأندلس، روى عن أبيه وتفقه عليه كان عالمًا بالقراءات والتفسير وغريبه.
شوور في الأحكام بقية عمره.
وكانت الرحلة في وقته إليه، ومدار أصحاب الحديث عليه (ت) سنة 520 هـ (2).
وقد نص على مشيخة
ابن عتاب
لابن بشير المؤلف المجهول صاحب طبقات المالكية، فقال: "أخذ عن القاضي أبي الوليد بن رشد، وسمع من أبي محمد بن عتاب" 3.12
وقد وجدت في التنبيه ما يدل على سماع ابن بشير من ابن عتاب، فقد جاء في كتاب البيوع ما يلي: "وكان بعض الشيوخ فيما أخبرنا به الفقيه أبو محمد عبد الرحمن بن محمد" (1). فالعبارة صريحة الدلالة على سماع ابن بشير من ابن عتاب.
4 - ابن رشد:
هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد.
يعرف بابن رشد الفقيه أو الجد تمييزًا له عن
ابن رشد
الحفيد الفيلسوف.
أحد كبار علماء المالكية.
يعد شيخ مسائل المذهب وفروعه بعد ابن أبي زيد القيرواني.
وصف بأنه؛ العالم المحقق، المعترف له بصحة النظر وجودة التأليف، زعيم الفقهاء، إليه المرجع في حل المشكلات، متفننًا في العلوم، بصيرًا بالأصول والفروع.
وكان له دراية بالعقائد والأصول.
وقد اشتغل ابن رشد في حياته بوظائف متعددة منها القضاء والإفتاء والتدريس والتأليف والخطابة والإمامة.
توفي رحمه الله سنة: 520 هـ.
والذي نص على مشيخته لابن بشير صاحب طبقات المالكية المجهول حيث قال: "أخذ عن القاضي أبي الوليد بن رشد".
وهذه المشيخة غير مستبعدة لأن ابن بشير نص على أخذه عن ابن عتاب كما سبق وهو بلدي معاصر لابن رشد الجد فلا يبعد أيضًا أخذه عنه.
5 - المازري: هو: الإمام أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي
المازري،
المعروف بالإمام.
خاتمة العلماء المحققين والأئمة الأعلام المجتهدين الحافظ النظار.
كان واسع الباع في العلم والاطلاع، مع ذهن ثاقب ورسوخ تام.
بلغ درجة الاجتهاد.
وبلغ من العمر نيفًا وثمانين سنة.
ولم يفت بغير مشهور مذهب مالك.
أخذ عن أبي الحسن اللخمي وعبد الحميد الصائغ وغيرهما.
وعنه من لا يعد كثرة.
له تآليف تدل على فضله وتبحره في العلوم.
كان الشيخ تقي1
الدين بن دقيق العيد يقول: ما رأيت أعجب من هذا، يعني المازري، لأي شيء ما ادعى الاجتهاد؟ 1. وقد توفي رحمه الله سنة 536 هـ 2.
لم أقف في كتب التراجم على من نص صراحة على مشيخة المازري لابن بشير لكني وجدت إشارات في بعض الكتب تدل على ذلك منها:
أولًا: قول ابن شاس: "قال الشيخ أبو الطاهر: والكل مجمعون على مراعاة وجود اللذة وفقدها, لكن عدوًا في الروايات أن فقدها مع ما قيدوه نادر، فلا يراع.
وراعاه العراقيون.
وقال شيخه الإمام أبو عبد الله: من لم يراع اللذة من أصحابنا، ورأى أن مجرد مسه بباطن الكف سهوًا وعمدًا ينقض الوضوء، فإنه يرى أن نقض الوضوء بمسه غير معلل" 3.
ثانيًا: نفس النص الذي ذكره ابن شاس، ذكره تاج الدين الفكهاني في رياض الأفهام شرح عمدة الأحكام وهو: (قال ابن بشير والكل مجمعون على مراعاة وجود اللذة ... وقال شيخ الإمام أو عبد الله المازري ...) 4 النص يدل بوضوح على أن المازري شيخ لابن بشير لأنه قال: "قال أبو الطاهر" ثم قال: "وقال شيخه" فالضمير يعود على أبي الطاهر، فيكون المعنى، وقال شيخ أبي الطاهر.
ثالثًا: قول الدسوقي: "ما ذكره المصنف من عدم الإعذار هو قول القاضي ابن بشير أحد تلامذة الإمام وهو غير ابن بشير تلميذ المازري" 5. فالقاضي ابن بشير تلميذ الإمام هو: محمد بن سعيد بن بشير المعافري قاضي قرطبة تلميذ الإمام مالك المتوفى بقرطبة سنة 198 هـ 6. وابن بشير-
تلميذ المازري- هو إمامنا أبو الطاهر.
لأنه ليس هناك أحد من فقهاء المالكية ممن تنتهي أسماؤهم بابن بشير معاصر للمازري، ويمكن أن يكون تلميذًا له غير أبي الطاهر.
وبهذا يتبين والله أعلم أن ابن بشير أخذ عن المازري.
تلاميذه
:
هذا ما يتعلق بشيوخ ابن بشير.
أما الحديث عن تلاميذه فهو أشد غموضًا من الحديث عن شيوخه، إذ لم أعثر له على أي تلميذ مباشر في كتب التراجم والفهارس.
وكل ما وقفت عليه هو ما التقطه محققا كتاب العمر من صلة السمط لابن شباط، "من أن أبا الحسن علي بن أبي بكر عبد الله التقيوسي كان من المعدودين في أصحابه، فتوفي أبو الحسن التقيوسي فصلى عليه أبو الطاهر" (1). ولم أقف على ترجمة أبي الحسن التقيوسي هذا.
...
المبحث الثاني: عطاؤه العلمي
المطلب الأول: مؤلفاته
:
إن خير ما يصور مكانة ابن بشير العلمية ويوضح بجلاء منزلته الفقهية، هو ما تركه من آثار ومؤلفات.
وقبل أن أتحدث عن آثاره ومؤلفاته لابدّ أن أسجل هنا شيئًا مهما وهو أن ابن بشير اشتهر في الساحة الفقهية بمؤلفاته وكتبه ولم يشتهر بتلاميذه ومترجميه.
فبكتبه ظهرت قدرته على التأصيل والتفريع وبراعته في المناقشة والاستدلال والتعليل والنقد مع غاية في التدقيق والتمحيص.
ويلوح لي في الأفق أن الرجل كان كثير التأليف غزير الإنتاج، ولكن للأسف ضاعت كتبه ولم يصلنا منها إلا النزر اليسير.
ومن الكتب التي وصلتنا أو ثبتت نسبتها لابن بشير ولم تصلنا:1
1 -