حول الثانية وهما على نقصهما 1 عادا إلى حول واحد إن كان فيهما بعد ذلك النصاب بتجر، فإن وقع التجر قبل ذلك أضاف الحول إلى يوم وقع الربح.
ولا يخلو من أن يحصل قبل حلول حول الثانية أو بعده أو معه؛ فإن حصل قبل حلول الثانية انتقل حول الأولى إليه وبقيت الثانية على حولها، وإن حصل بعد حول 2 الثانية صار حولهما جميعاً واحداً، وإن حصل مع حول الثانية فكذلك أيضًا يصير حولهما جميعاً واحداً.
والتمثيل 3 بما قدمناه في العشرين المحرمية والعشرة 4 الرجبية فإذا جاء المحرم فاعتبرهما فوجدهما ناقصين عن النصاب فإنه لا يزكي، وإن اتجر فيهما أو في أحدهما فكمل النصاب [في ربيع] 5 انتقل حول المحرمية إليه، وبقي حول الرجبية على حاله، فإن بقي على نقصهما 6 حتى أتى حول الرجبية وهما كذلك، ثم اتجر بهما أو بأحدهما فكمل النصاب في شعبان مثلًا، صار حولهما جميعاً شعبان.
وإن كمل النصاب في رجب صارتا جميعاً رجبتين.
ولو 7 زكى الأول [في المحرم] 8 لأنّ معه منها ما فيه النصاب، ثم نقصا 9 بعد ذلك حتى أتى رجب، فاعتبرهما فلم يكن فيهما النصاب، ثم اتجر بهما أو بأحدهما فكمل نصابه قبل المحرم، فإنه ينتقل حول الثانية إلى يوم كمال نصابه، [ويبقى حول الأول على حاله.
وأصل هذا أنهما يبقيان على حولهما ما لم يمر حول الأولى] 10 وحول الثانية، وليس فيهما مقدار
النصاب.
وأن الأرباح مزكاة على حول الأول (1) فإذا حصل الإكمال (2) بالربح عُدَّ (3) كأنه لم يزل حاصلاً.
لكن لا تجب الزكاة إلا يوم الحصول فجعل الحول من يوم حصل الإكمال وتفصيل هذا الإجمال (4) ما قدمناه.
...
فصل (حكم زكاة فائدتين جمعتا في ملك وحول)
وإذا جمع الفائدتين في ملك وحول زكيت إحداهما بالأخرى من غير خلاف.
لكن هل يكون حولهما واحدًا أو يعود حول الأول إلى يوم استفادهما؟ وقد قدمنا الخلاف في ذلك؛ ومثاله مسألة العشرتين (5). فإن لم يجمعهما حول واحد واجتمعا في ملك، ومثاله أن يستفيد عشرة فتقيم عنده في يده ستة (6) أشهر، ثم يستفيد عشرة فتقيم الثانية ستة أشهر، فبعدها ينفق الأولى أو تضيع، ثم تبقى الثانية إلى تمام الحول.
فابن القاسم يسقط الزكاة لأنه لم يكمل عنده نصاب حال عليه الحول، وأشهب يوجبها.
وهو بناءً على ما قدمناه من أصله أن الزكاة الأولى قد وجبت، وإنما لم يؤمر بالإخراج خوفًا من ضياع الثانية.
...
فصل (حكم اجتماع اقتضاءات وفوائد)
وإذا اجتمعت اقتضاءات وفوائد، وقد اجتمعت الفوائد وأصل الديون123456
في ملك وحول فإنه ينظر فإن كان في كل صنف من الاقتضاءات والفوائد مقدار النصاب لم يضف حول شيء منها إلى الأخرى، إلا أن يتفق حول الفوائد 1 ووقت الاقتضاءات.
وإن قصرت عن النصاب متفرقة وأكملته مجموعة، فإنه يضيف الفوائد إلى ما بعدما 2 والاقتضاءات إلى ما قبلها من صنفها، وهذا لأنّ الديْن حال الحول على أصله.
وإنما لم يزد 3 ما يقتضي منه وإن 4 كان دون النصاب؛ إما خوفاً ألا يقتضي، وإما لأنه لا يعد مستقرًا في ذمته إلا بعد اقتضائه.
فإذا اقتضاه تبيّن وجوب الزكاة فيرده إلى ما قبله.
والفوائد لم يحل 5 على أصلها حول فيضيفها إلى ما بعدها مما حال عليه الحول؛ ومثال هذا أن يقبض 6 عشرة ثم عشرة فإنه يزكي العشرة الثانية، أنفق الأولى أو أبقاها على ما قدمناه.
لأنّ الثانية مضافة إليها.
وإن استفاد عشرة ثم اقتضى عشرة فلا يضيف الفائدة إلى الدين إلا أن تبقى في يده حتى يحول عليه الحول عند ابن القاسم 7، وحتى يقضي عند أشهب على ما قدمناه 8 في المال إذا جمعه ملك ولم يجمعه حول.
ولو اجتمعت فوائد وديون ولو أضاف الفوائد مفردة إلى ما بعدها 9 لم يكمل منهما النصاب ولو أضاف الدين إلى ما قبله، لكنه إن أضاف بعضه إلى بعض كمل به النصاب.
وقد اختلف المتأخرون على قولين: فمنهم من أوجب الزكاة لما كان
الدين يقتضي الإضافة إلى ما قبله، والفوائد تقتضى الإضافة إلى ما يضاف بعضه إلى بعض من الدين.
وأسقط بعضهم اعتبارا بكل صنف منفردًا إلى ما يضاف إليه، ومثال هذا أن يقتضي عشرة ثم بعدها يستفيد عشرة ثم يقضي خمسة، وقد أنفق العشرة التي اقتضى أولًا.
فهذه الخمسة إذا أضفناها إلى العشرة الأولى المقتضاة لم تكن فيها زكاة.
وإن أضيفت العشرة 1 إليها فكذلك أيضًا.
فمن اعتبرهما أسقط، وإن أضيفت العشرة الفائدة إليها صارت خمسة عشرة؛ فالخمسة مضافة 2 إلى ما قبلها فكأنها واسطة بين الفائدة والاقتضاء الأول، فتجب إضافتها إلى كل واحد منهما، فيقتضي ذلك إضافة الجميع.
فمن اعتبر هذا أوجب الزكاة، لكن إنما اختلفوا هل تجب الزكاة في الخمسة المقتضاة خاصة، لأنها تزكى بالملكيين.
وسمعنا في المذاكرات وجوب الزكاة في الجميع عند بعض الأشياخ، وهو مقتضى ما عللنا به بعد.
وكذلك لو اقتضى عشرة ثم استفاد عشرة ثم بعدها اقتضى دينارًا فيجري هذا الخلاف في الدينار أو في 3 الجميع حسب ما ذكرناه.
ولو كان الاقتضاء عشرة لم يختلف في وجوب الزكاة في الجميع لأنها كيفما أضيفت على الانفراد وعلى 4 الاجتماع وجبت الزكاة.
وعلى هذا القانون 5 تجري مسائل خلافية في زكاة خليط الخليط هل توجب الواسطة اجتماع 6 الجميع أم لا؟ وسيأتي بيانه في حكم زكاة الخليط.
...
فصل (مسائل خلافية من الفوائد)
ولنذكر (1) من الفوائد مسائل خلافية وهي:
(حكم المال الموروث)
المال الموروث، وقد قدمنا أنه فائدة يستقبل به حولًا وذلك إذا قبضه من وجب له عند استحقاقه، أو قبضه وَكِيلُه بإذنه وأتاه به من غير حبس عنه.
فإن حبسه فقولان: أحدهما: أنه كالأول يزكيه من يوم قبضه وكيله لأنّ يده كيده، والثاني: أنه يزكيه للسنة الواحدة وإن أقام في يد الوكيل أعوامًا تشبيهًا بالدين.
وإن تأخر قبضه أو قبض وكيله عن يوم الاستحقاق حتى قام عاماً أو أعواماً، فلا يخلو من أن يكون علم به أو لم يعلم.
فإن لم يعلم به ولم يوقفه السلطان له فلا خلاف أنه يستقبل به حولًا من يوم قبضه.
هذه نصوص الروايات.
وأبو الحسن اللخمي يحكي قولاً ثانياً: أنه يزكيه من يوم وجب له 2. وهذا إن صح فإنما يكون وجهه أنه مال يملكه، وهو مهيأ للتنمية.
وعجز مالكه عن تنميته لا يوجب إسقاط الزكاة كالعاجز عن تنمية ما في يده.
وإن علم فقولان: أحدهما: أنه يكون كالمقبوض، وهذا يظهر إذا قدر على أخذه فلم يفعل.
والثاني: أنه لا يكون كالمقبوض لأنه لم يحصل فيه النماء المقصود أو القدرة عليه إلا يوم يقبضه.
وإن أوقفه السلطان، فهل يكون قبض الموقوف عنده كقبضه؟ قولان: أحدهما: أنه لا يكون كذلك لأنه بكل حال عاجز عن التنمية.
والثاني: أنه يكون كقبضه لأنه عمل فيه أقصى المقدور عليه، وقبض السلطان للغائب كقبضه.1
وإذا قلنا إنه يكون كقبضه فأقام أعوامًا، فهل يزكيه لسنة (1) واحدة كالديون أو لجميع الأعوام؟ فيه قولان.
وتزكيته لجميع الأعوام تحقيق لأنّ المُقام قبض (2) كقبضه.
وهذا حكم من يقبض لنفسه من الرشداء.
وأما الصغار والسفهاء فهل يكون قبض الأوصياء ومن أقيم لهم قبضاً؟ لا خلاف في ذلك إذا قبض الوصي أو المقام لهم نصيبهم خاصة.
وأما إن قبض نصيبهم ونصيب الأكابر مختلطًا ففي ذلك قولان: أحدهما: أنه يكون قبضًا لهم.
والثاني: أنه لا يكون كذلك.
وهو على الخلاف في قسمته على الجميع هل تصح وإن لم يحضر الأكابر.
ومما يلاحظ هذا الأصل المال المغصوب يقيم (3) عن صاحبه.
فأما حكم الحرث والماشية فنحيل الكلام عليها على الكتاب الثاني، وأما العين فلا خلاف في المذهب أنه لا يزكيه لكل عام.
وهل يزكيه لعام واحد أو يستقبل به حولًا؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه يزكيه لعام واحد, لأنه ملكه في طرفي الحول (4) كالدين، وهو المشهور.
والثاني: أنه يستقبل به حولًا, لأنه مال معجوز عن تنميته من غير اختيار لمالكه.
(حكم المال يضيع ثم يعود إلى صاحبه)
ويلحق به المال يضيع عن صاحبه فيلتقط ثم يعود إليه، هل يستقبل به حولًا أو يزكيه 5 لعام واحد أو لكل عام؟ فيه ثلاثة أقوال هي جارية على ما تقدم.
وهل يزكيه ملتقطه إذا كان له عروض يجعل ما في ذمته فيها؟ أما إن لم ينو 6 تملكه فلا شك أنه لا يزكيه.
وأما إن نوى تملكه أو تسلفه أو1234
تصرفه فيه فلا إشكال أنه يزكيه، وأما إن نوى ولم يتصرف فقولان: أحدهما: أنه يزكيه.
والثاني: أنه لا يزكيه.
وهما على الخلاف في مجرد النية هل تؤثر، وينتقل [حكم] (1) الحيازة أم لا؟ لأنه كان أولاً يحفظه لصاحبه ثم قصد انتقال اليد (2) ففي هذا الأصل في المذهب قولان.
ومن هذا القبيل المال يدفنه صاحبه ثم يجده بعد أعوام؛ ففيه أربعة أقوال: أحدها: أنه يزكيه لما مضى من السنين لأنه مفرط.
والثاني: أنه يزكيه لسنة واحدة تشبيهًا بالدين.
والثالث: أنه إن دفنه في موضع صحراء زكاه لما مضى من السنين لأنه عرضه للتلف، وإن دفنه في بيت أو ما في معناه لم يزكه لما مضى من السنين, لأنه لم يفرط.
والرابع: عكس هذا، ويرى أنه إذا دفنه في موضع يحاط به فكأنه مقصر (3) في وجوده، فهذا كالمقدور عليه، وإذا دفنه في صحراء أو ما في معناها فهو كالتالف.
(حكم المال المهيأ للتنمية)
وقد يحصل من جميع ما تقدم أن المال [إذا تهيأ للتنمية وكان مالكه قادرًا على تنميته] (4) غير عاجز لا لتقصير (5) في المالك إن وجد فلا خلاف في المذهب أنه يزكيه لكل عام.
وهذا كالمال يكون في يد المالك وتحت قدرته.
وسواء كان صغيرًا أو كبيراً، سفيها أو رشيداً.
وقد قدمنا ما قال أبو الحسن اللخمي في الصغير والسفيه، وتخريج الخلاف فيهما ضعيف.
(حكم المال المعجوز عن تنميته)
وإن كان المال في نفسه مهيئا للتنمية لكن عجز مالكه عن تنميته لأنه غير قادر على التصرف فيه للمنع أو لعدم العلم أو لبعد مكانه عنه؟ فثلاثة12345
أقوال على الجملة: وجوب الزكاة لكل عام، ووجوبها لعام واحد، وسقوطها.
وهل يعتد (1) عليه من غير علمه وتفريطه من غير تفريطه فيه التفصيل المتقدم.
ولم (2) يختلف في المذهب في العين المغصوب أنه لا يزكيه لكل عام (3) وإنما يختلف (4) هل يستقبل به حولًا أم لا؟ ولم يختلف في الدين أنه يزكيه لعام واحد كما قدمناه.
واختلف فيمن عليه دين فوهب له عند حلول الحول هل يستقبل به حولًا (5) أم لا؟ وهذا لأنّ المديان لا يزكي لأنه غير كامل الملك لقدرة من له عليه دين على أن ينتزع (6) ماله من يديه.
فإذا وهب له (7) فهل يكون كأن لم يزل مالكًا لما وهب له لظهور الأمن من الانتزل أو كأنه إنما ملكه الآن؟ وهذا على الخلاف في المترقبات متى يعد حصولها حقيقة.
وأما الخلاف في المال المحال [به] (8) فنؤخر الكلام عليه إلى زكاة المديان.
...
فصل (حكم زكاة المنافع)
واختلف المذهب في الواجب في 9 المنافع هل يقدر استقرار ملكه يوم قبضه أو يوم استفاء العوض عنه؟ وعلى هذا اختلف المذهب فيمن12345678
استأجر 1 نفسه ثلاث سنين مثلًا بستين دينارًا فقبض 2 جميعها ثم مر حول، هل يزكي العشرين خاصة إذا كانت الأحوال 3 متساوية إذ لم تجب حقيقة غيرها؟ أو عن الجميع لأنّ الأصل السلامة وهي على الأصل الذي قدمناه؟ وذلك الأصل أيضًا مبني على حكم المترقبات متى يعد حصولهما، أو يلتفت إلى حكم الطوارئ هل تراعى أم لا؟
وينخرط في هذا السلك لو استأجر دارًا لسنين 4 وقبض جميع الكراء في أول الحول هل يزكي الجميع أو لسنة واحدة فيبقى ما قابل غيرها لأنه دين عليه؟ أو يجعل دينه في مقابلة الدار؟ وهل هي صحيحة أم مهدومة لتعرضها للانهدام؟ في المذهب في ذلك أربعة أقوال:
أحدها: أنه يزكي الجميع، وهذا بناءً على أن الإجارة وجبت يوم القبض، ولا يلتفت إلى الطوارئ.
وبتخرج هذا أيضًا على القول بأن من له عين مختلفة الأحوال وعليه دين، أنه يزكي ما حل حوله ثم يجعل دينه فيه، ثم يزكي المال الآخر فكذلك هذا.
وفي مسألة المستأجر نفسه يزكي عن 5 سنة واحدة إذا كان في الواجب عنها مقدار النصاب أو كان 6 يملك ما يتم به النصاب، ثم يجعل دينه فيما زكاه، [ويزكي الباقي إن كان ما زكاه يوفي دينه.
والقول الثاني: في مسألة المستأجر 7 للدار أنه لا يزكي غير ما حلَّ حوله من السنَّة الأولى وهذا بناء على أنه لم يجب غيرها، والباقي لم يجب، ويلتفت 8 على الشاذ من المذهب أن الدين] 9 يجعل في العين لا في العروض.
والثالث: أنه يزكي ما قابل (1) السنَّة ويجعل الدين الذي عليه في قيمة الدار صحيحة, لأنّ الأصل صحتها وانهدامها طارئ، وهو بناء على ترك مراعاة الطوارئ.
والقول الرابع: أنه يجعل ديْنه في قيمة الدار مهدومة لجواز انهدامها.
وهذا مبني على مراعاة الطوارئ وإن بعدت.
وقد أتينا بأحكام الفوائد مستوفًا (2) تصريحًا وتلويحًا، ولا يكاد يشذ من أحكامها شيء عما أتينا به.
...
باب في أحكام الزكاة في الدين
3
وقد قدمنا أنه يراعى في المالك كمال الملك، فإن كان كاملًا وجبت الزكاة، وان كان ناقصا لم تجب.
وقد قدمنا أن النقص يكون بالتعرض لانتزاع ما في يد المالك، وهذا كالعبد والمديان.
ولا تجب الزكاة عندنا على العبد في [كل] 4 أمواله.
فأما المديان فتسقط عنه زكاة العين الحولي إذا استغرقه 5 الدين، أو لم 6 يبق منه نصاب، واحترزنا بالحولي عما يخرج من المعدن فإنه لا يسقط الدين زكاته.
وقد رويت أحاديث تقتضي سقوط الزكاة بالدين 7.12
والفرق المحقق بين العين الحولي وما عداه أن الدين خفي ولو كان معلوما بالبينة، فإن خلو الذمة عما يقابله لا يكاد يقطع به.
فلما كان هذا مما يخفى سقط (1) زكاة ما يخفى من الأموال.
وأما ما لا يخفى فلا تسقط زكاته لئلا يتطرق المتساهلون في إخراج الزكاة إلى إظهار الدين، فيمتنع من إخراج زكاة ما ظهر من أموالهم.
يعضد (2) هذا بأن السلف كانوا يبعثون أرباب الزكاة لأخذ الزكاة ولا يراعون ديون أرباب الأموال.
وقد قدمنا [أن] (3) الإشارة إلى ما روي من الأحاديث في أن الدين يسقط الزكاة.
وكان عثمان رضي الله عنه وغيره يأمر بأداء الدين عند حلول الأحوال حتى تجب الزكاة.
فيؤخذ من مجموع هذا وجوب الزكاة في غير المال الحولي، وإسقاطها فيه على مقتضى المذهب.
وإذا تقرر ما قدمناه (4) فإن المقصود من الباب ينحصر في فصلين: أحدهما: في حكم الدين المسقط للزكاة، والثاني: في حكم العروض التي يجعل فيه الدين.
وهل يحصل في العين؟
...
فصل (الدين المسقط للزكاة)
فأما الدين المسقط للزكاة، فهو كل دين وجب في معاوضة.
ويخرج عن هذا، الدين الواجب للمساكين في الزكاة.
وفي المذهب فيه قولان:
أحدهما: أنه كدين المعاوضة يسقط الزكاة، لأنا قد عللنا إسقاط الزكاة بقدرة من له الدين على انتزاع ما في يد المالك، وهذا من ذلك القبيل.1234
والثاني: أنه لا يسقط 1، وهذا لضعف أمر هذا الدين.
إذ لا يلزم بعد الموت من رأس المال، بل من الثلث 2 لإمكان إخراجه.
ولا يخرج عن 3 الديون الواجبة من قيم المتلفات وأروش الجنايات، لأن هذه وإن لم يؤخذ عنها معاوضة فقد أتلف 4 عنها عوضاً.
ولا يخرج عنها 5 أيضًا نفقة الزوجات، لأن النفقة في حقهن في مقابلة الاستمتاع، فهي كالمعاوضة.
وهل يلحق بذلك نفقة من تجب نفقته من الأقارب؟ أما نفقة الولد فإن قضي بها واستقر الطلب 6 فلا خلاف في المذهب أنها تسقط الزكاة، لأنها واجبة في الأصل، وقد تقررت بالطلب.
وأما نفقة 7 الأبوين فإن لم يقضِ بها لم تسقط، لأنها غير واجبة في الأصل.
وأنما تجب بعد المطالبة بها والقضاء.
فإذا قضي بها فقولان: أحدهما: أنها تسقط لتقررها بالقضاء، والثاني: أنها لا تسقط نظراً إلى أنها غير واجبة في الأصل.
فإن لم يقض بنفقة الولد فهل تسقط الزكاة؟ قولان: أحدهما: أنها لا تسقط نظراً إلى أنها لم تجب عن معاوضة، فلا تقرر إلا بقضاء.
والثاني: تسقط لوجوبها في الأصل.
وهل يسقط [الدين] 8 الزكاة ما العادة أنه لا يبادر لأخذه بل يبقى في الذمم إلى الأجل البعيد، كمهور النساء؟ فيه قولان: أحدهما: 9 أنه يسقط، لقدرة مالكه على المطالبة به.
والثاني: أنه لا يسقط نظراً إلى أن العادة ترك المطالبة به إلى موت أو فراق.
...
فصل (ما يجعل الدين فيه)
وأما ما يجعل 1 الدين فيه، فالمشهور في المذهب أنه [يجعل] 2 في العروض دون العين.
وهذا لأن العروض تباع عليه في الدين، وهو مليء بها ويبقى العين لا دين عليه فيه فيخرج زكاته.
والشاذ أنه يجعل دينه في العين إذ للغرماء جعل ديونهم [في العين ولا يؤخرونها لبيع العروض.
وإذا قلنا إنه يجعل دينه] 3 في عروضه فهل يشترط فيها أن يملكها من أول الحول أو يجعل 4 دينه فيهما؟.
وإن ملكها عند توجه 5 الزكاة، في المذهب قولان: أحدهما: مراعاة ملكها من أول الحول, لأنها إن لم تكن كذلك لم يقدر استقرار ملكه على العين إلا يوم ملك العروض.
فقد حال الحول [على] 6 ما لم يستقر ملكه عليه.
والثاني: أنه يترك مراعاة ذلك، وهذا بناء على أن المترقبات تعد كأنها لم تزل.
وقد قدمنا الخلاف لو وهب له الدين هل تجب عليه زكاته؟ فهذا من ذلك القبيل.
والعروض التي يجعل فيها دينه كل ما يباع عليه في الدين، ويترك عليه من كسوته ما لا يعد سرفًا لمثله وثوبي جمعته 7 إن لم يكن سرفًا 8 فيتركان.
وهل يترك له خاتمه؟ في المذهب قولان.
وهما خلاف في حال، فمن الأشخاص من يكون الخاتم في حقه سرفًا، ومنهم من عكسه.
ولو كان له عين مختلف 1 الأحوال كما تبيّن، مثلًا حَوْل أحدهما المُحَرَّم والآخر رجب وعليه مائة، فهل 2 يزكي 3 الأولى ثم يجعل دينه فيها، ثم يزكي الثانية إلا ما نقصه 4 مقدار الزكاة؟ في المذهب قولان: وجوب الزكاة فيهما احتياطًا لها.
والقياس على أصل المذهب أنه لا يزكي إلا مائة، وهو أحد القولين.
فإن كان له دين وعليه دين وبيده عين جعل دينه في الدين 5 الذي له على المشهور من المذهب، وعلى الشاذ الذي قدمناه يجعل دينه فيما بيده [من العين كما قدمناه] 6. وإذا قلنا إنه يجعل دينه في ما له 7 فهل قيمته أو عدده؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يراعي قيمة دينه، والثاني: عدده، والثالث: أنه إن كان حالًا وكان على مليء روعي عدده، وإن كان مؤجلًا أو على غير مليء روعيت قيمته، وهذا هو الأصل.
ويمكن أن يكون تفسيرًا للقولين.
ولو كان له مال لا تسقط الزكاة منه للدين لجعل دينه فيه، وهذا إذا كان مالًا معدنيًا لم يختلف فيه، وأما إن كان حرثًا أو ماشية فالحكم كالأول على مشهور المذهب، وعلى الشاذ: لا يجعل فيه الدين بل في العين.
ولو كان له مكاتب لجعل فيه دينه على المشهور من المذهب.
وفي أي شيء يجعل دينه؟ ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يجعل في قيمته عند إمكان
رجوعه إلى الرق بالعجز، وهذا احتياطًا للزكاة.
والثاني: أنه يجعله في قيمة كتابته لأنها هي التي يملك 1 بيعها.
والثالث: أنه يجعله في قيمته مكاتبًا لأنه 2 يملك بيعها [كذلك] 3.
وأما المدبر 4 ففيه قولان: أحدهما: أنه لا يجعله في رقبته بوجه 5، وهذانظرًا إلى أن بيعه [لا] 6 يمكن من غير التفات إلى إمكان رجوعه إلى الرق.
والثاني: أنه يجعل فيه 7.
وإذا قلنا بذلك [ففي أي شيء يجعله؟] 8 قولان: أحدهما: أنه يجعله في رقبته لضعف عقد الحرية [التي فيه] 9، إذ قد يرده الدين بعد الموت.
والثاني: أنه يجعله في قيمة خدمته, لأنها المملوك 10 بيعها الآن.
وهذا كله إذا تقدم التدبير على الدين.
وأما إن تأخر عنه فلا يختلف فيه أنه يجعل دينه في قيمة رقبته، إذ تباع للدين السابق على التدبير.
وأما المخدم 11 فإن كان له عبد فأخدمه، فالمنصوص أنه يجعل دينه في مرجع رقبته.
وقد يختلف في ذلك لترقب 12 موته قبل الرجوع.
وإن كانت الرقبة لغيره وإنما أعطي الخدمة، فيجعل دينه في الخدمة.
وأما المعتق 1 إلى أجل فإن قلنا في المدبر إنه لا يجعل فيه دينه فأحرى ألا يجعل دينه في هذا.
وإن قلنا إنه يجعل دينه فيه فيجعله 2 هاهنا في قيمة خدمته.
فإن كان له آبق 3 فإن كان غير مرجو، فلا يجعل دينه فيه.
وإن رجيت عودته أو القدرة عليه فظاهر المذهب على قولين: أحدهما: أنه يجعل دينه فيه.
والثاني: أنه لا يجعله.
وهما على النظر إلى أصل الملك، ورجاء العودة أو النظر إلى عدم القدرة الآن.
وقد قدمنا الخلاف فيمن كان عليه دين فوهب له بعد حلول الحول، هل يزكيه؟ ويختلف أيضًا في الواهب هل يلزمه زكاته, لأنه يعد 4 كأنه قبضه ثم وهبه.
وهو على الخلاف فيمن ملك أن يملك هل يعد مالكًا أم لا؟
وعلى هذا نزلوا حكم مال يزكيه ثلاثة، وهو أن يكون على إنسان ديون وهو مليء وله 5 عروض يجعل فيها دينه، وعلى 6 الطالب له بالدين دين أيضًا وله عروض يجعل ما عليه فيها، فأحال الوسط منهم طالبه على مديانه الأول فقبضه بعد حلول الحول 7.
فأما من عليه الدين وهو المقبوض منه، ومن له وهو القابض، فيزكيان بلا خلاف.
وأما المحيل فهل يزكي أم لا؟ ففيه قولان، وهما على الخلاف فيمن
ملك أن يملك، فإن عددناه مالكًا تصور أنه قبض ثم دفع لمن يطلبه فتجب عليه الزكاة، وإن قلنا لا يعد مالكاً لم يعد قدرته على القبض كالقبض (1) فلا يزكي (2). ...
باب في [أحكام] (3) زكاة القراض
والنظر فيه في شيئين: أحدهما: هل تجب الزكاة أو تسقط؟ والثاني: متى يؤمر بإخراجها؟
أما الأول، فلا خلاف أن رب المال متى كان مخاطبًا بالزكاة على انفراده، والعامل كذلك أيضًا أن الزكاة واجبة في الجميع.
فإن سقط عنهم الخطاب لدين عليهما أو لكونهما عبدين، فلا خلاف أيضًا في سقوط الزكاة.
وإن خوطب أحدهما دون الثاني فهاهنا ثلاثة أقوال:
أحدها: مراعاة رب المال، فمتى [توجه عليه الخطاب توجهت الزكاة عليه، وفي ربح المال.
وإن كان ممن لا يخاطب بها ولم يتوجه] 4 خطابه، سقطت الزكاة عن العامل أيضًا.
والثاني: مراعاة حكم العامل في نفسه، فإن كمل له النصاب وكان ممن يخاطب بالزكاة وجبت عليه، وإلا لم تجب.
والثالث: مراعاتهما جميعًا، فمتى توجب سقوطها عن أحدها سقطت عن العامل في الربح.123
وسبب الخلاف النظر إلى المترقبات متى يعد حصولها، هل يوم ترقبها أو يوم تقررت؟ فإن عددنا حصولها يوم تقررت جعلنا 1 المال على ملك ربه، وكأن العامل لم يملك منه شيئًا إلا يوم قبضه.
وقد وجبت الزكاة قبل ذلك وعلى هذا يراعى حلول الحول على رب المال، ولا يراعى أن يعمل العامل حولًا.
فإن عددنا الحصول يوم ترقبت كان العامل كالمالك لما وجب له من الربح يوم ابتدأ عمله.
فيراعى حكم نفسه، فإن عمل حولًا وكمل له 2 النصاب زكى.
ولا يراعى على هذا سقوط الزكاة عن رب المال.
وأما طريق القول الثالث وعليه حمل الأشياخ مذهب ابن قاسم فإنه متوسط بين المذهبين.
فلا يجعل العامل مالكًا حقيقة إلا إذا توجهت الزكاة على رب المال، وكأنه راعى مجموعها.
لأن وجود الملك للعامل إنما هو على تقدير كونهما كالمالك الواحد، وإذا صار كالمالك الواحد فمتى أمكن سقوط الزكاة من أحد الجانبين سقط حكمها عن العامل.
وحكى أبو القاسم بن محرز أن المذهب لم يختلف في سقوطها متى كان رب المال مديانًا أو عبدًا أو نصرانيًا.
وهذا إن أراد به [أنهم] 3 لم ينصوا 4 على الخلاف 5 فكما قال، وإن أراد أنه لا يلزمه 6 ذلك ففيه نظر.
والقياس جريان الخلاف إلا أن يقال إن الربح مضاف حقيقة إلى المال على المشهور من المذهب.
وإذا استحق أصل المال [ألا] 7 يزكى فأحرى ألا يزكى ما هو مسند إليه.
وملك العامل للربح وإن عددناه من يوم التحريك فإنما يصح إذا أسندناه 8 إلى أصل المال، وأصل المال هاهنا غير
مزكى.
ولا شك أن هذا الاختلاف جارٍ على أن الأرباح مضافة إلى أصول الأموال، وإلا فعلى القول بأنها فائدة لا يزكي العامل إلا بعد أن يمر له حول (1) من يوم يقبض ربحه.
(حكم اشتراط الزكاة على أحدهما)
وإذا اشترطت الزكاة [إن وجبت] (2) على أحدهما، فإن كان الشرط على رب المال أن يزكي ربح العامل فقولان: الجواز, لأنه يرجع إلى جزء مسمى (3). والمنع, لأن [الحال يختلف، فقد تتوجه] (4) الزكاة على العامل، وقد لا تتوجه.
لا سيما والخلاف في المسألة كما تقدم.
ولا يدرى ما يكون مذهب المعول على قوله عند توجه الزكاة.
وأما إن اشترط على العامل ما يخص رب المال فلا يجوز قولًا واحدًا, لأنه قد يستغرق ذلك مقدار ربحه، أو لا يجد ربحًا فيزكي من عنده وهذا أكثر غررًا.
...
فصل (متى يؤمر بالإخراج)
وأما متى يؤمر بالإخراج؟ فلا يخلو من أن يكون مديرًا أو غير مدير؛ فإذا 5 كان مديرًا فلا يخلو من أن يكون موافقًا لحال رب المال أو مخالفًا، وكذلك إذا كان غير مدير.
فإن كان غير مدير وهو مخالف 6 لحال رب المال فبلا خلاف في المذهب أنه لا يزكي قبل الانفصال ولو أقام أعوامًا،1234
ولو كان المال الذي في يد العامل عينًا عند حلول الحول.
ورأى أبو الحسن اللحمي أنه يلزم من قال يزكي المدير عند حلول الحول أن يزكي غير المدير إذا كان ما بيده عينًا، قال: لأن نهاية الأمر في عروض المدير أن تكون كالعين 1. وهذا لا يلزم لأنهم في المذهب حكموا لما في يد العامل بحكم الدين الذي لا يزكى قبل أن يقبضه، وإذا حكموا له بذلك، فالمدير يقوم دينه، وغير المدير لا يقومه.
فقد صار حكم المدير في هذا المعنى أقوى من حكم غيره.
وإذا اختلف في العامل إذا كان مديرًا فلا يلزم عليه الاختلاف إذا كان في يده عينًا, لأنه بمنزلة الدين كما قلنا.
وإن كان العامل مديرًا 2 وهو موافق [لحال] 3 رب المال فهل يقوم ما في يديه عند حلول الحول؟ قولان كما ذكرناهما.
والتقويم لأنّ نهاية هذا أن يكون كالدين، والدين يُقَوْمُ على المشهور من المذهب.
ونفي التقويم لأنه لا يدري ما يحصل فيه من النماء والنقص فيرجئه إلى المفاصلة.
وإن قلنا بأنه يقوم فمن أين يخرج الزكاة؟ هل منه أو من مال رب المال؟ أجراه أبو الحسن اللخمي على قولين.
وسنتكلم على هذا في حكم زكاة الماشية وزكاة الفطر إذا كان العبيد والماشية قراضًا.
وإذا كان حال العامل في الإدارة وغيرها مخالفًا لحال رب المال 4 فأشار أبو المقاسم بن محرز إلى إجرائه على ما تقدم من الخلاف إذا كان لرجل مالان، أحدهما مدار والآخر غير مدار.
وقد قدمنا تفصيل المذهب وما فيه من الخلاف.
وهذا الذي قاله بَيِّن إن قلنا إن الحكم في الزكاة مراعاة حكم رب المال.
وأما إن راعينا حال العامل في نفسه فنعطيه فيما يختص بربحه وفي 5 جميع ما في يديه حكم نفسه في الإدارة وعدمها.
وإذا لم يزكِّ حتى مرت أحوال لأنه غير مدير، وقلنا إن المدير لا يقوم، فهل يزكي لسنة واحدة أو لما تقدم من السنين؟ في المذهب قولان.
والحكم بزكاة واحدة قياسًا على الدين، والحكم بزكاة ما تقدم من السنين، لأنّ الدين لا نماء فيه، وهذا مال ينمى لربه.
وإذا قلنا إن فيه زكاة واحدة فإنه 1 يراعى ما يحصل حالة الانفصال.
وإذا قلنا إنه يزكى لكل عام، فإن تساوى مقداره في سائر الأعوام 2 زكى كذلك، وحكمه بَيّن.
وإن اختلف مقداره فإن كان أولًا أكمل متن حاله يوم الانفصال لم يُراعَ ذلك الكمال لأنه لم يحصل، وإن كان الأمر بالعكس، وكان في السنين الماضية ناقصًا ثم كمل، زكى عن كل سنة عما كان فيها.
لأنه إنما يخاطب الآن عما تقدم من السنين.
ومثل هذا أن يكون له مال قارض 3 به، وهو مائة فمر به عام ثم صار مائتين 4 ثم عام فصار ثلاثمائة.
فإنه يزكي عن العام الأول عن المائة، وعن الثاني عن المائتين إلا ما نقص منها مقدار الزكاة، وعن الثالث عن الثلاثمائة [إلا ما نقص منها مقدار الزكاة] 5 بحسب ما قلناه.
ولو كانت ثلاثمائة في العام الأول ثم مائتين ثم مائة، لم يزك إلا عن المائة.
ولو كانت في العام الأول مائتين وفي الثاني مائة وفي الثالث ثلاثمائة، زكى عن العامين الأولين عن مائة، وعن العام الثالث عن ثلاثمائة.
وأصل هذا أن يراعى في النقص حالة خوطب بالأخراج، وكذلك يراعى في الزيادة.
ولكنه مع الزيادة لا يجب عليه، لما 6 تقدم من الأعوام مراعاتها لأنه غير مالك [لها] 7.
...
باب في "أحكام النية في الزكاة [وحكم مانعها] (1) وأين تفرق؟
(حكم النية في الزكاة)
والأصل في النية أنها تختص بما لا تظهر فيه الأغراض، وإنما تمحض 2 فيه العبادة.
ولهذا اجتمعت الأمة على وجوب النية في الصلاة والصوم، واجتمعت على نفي الوجوب في قضاء الديون ورد الودائع، واختلفوا فيما سوى ذلك نظرًا إلى كونه مشوبًا بين 3 حكم العبادة والأغراض المعجلة.
فمن غلب عليه حكم العبادة أوجب النية، ومن غلب عليه حكم الأغراض الدنيوية أسقطها.
وهذا كما قدمناه في الطهارة، وكما نحن نسرده في الزكاة، وقد حكى أبو الحسن ابن القصار عن المذهب افتقارها إلى النية.
وعن بعض أصحابنا أنها لا تفتقر إليها وعابه وتأول عليه 4 أنه إنما أخذ ذلك من قول مالك رحمه الله أن الإمام يأخذ من مال مانع الزكاة وتجزيه.
ورأى أن هذا لا يؤخذ منه إسقاط النية, لأنه إذا أخذ الإمام ذلك مع علم من وجبت عليه بالوجوب فذلك المقصود بالنية.
واستقرأ الوجوب من قول مالك رحمه الله فيمن وجبت عليه كفارتان، فأعتق عن واحدة بعينها، ثم غلط فأعتق عنها.
أنها 5 لا تجزيه للأخرى.
قال وإذا افتقر إلى النية في تمييز أحد الفرضين عن الآخر، فأحرى أن يفتقر إليها في تمييز الفرض عن النفل.
وقد قدمنا الخلاف في كون المساكين شركاء بمقدار الزكاة.
فإذا راعينا هذا وغلبنا [عليها] 6 رفق المساكين وأنها تكون كرد الوديعة وقضاء الدين فلا تفتقر إلى نية، وإن غلبنا عليها حكم العبادة1
بما قدمناه في أول الكتاب من [أن] (1) القصد بها التقرب إلى المساكين فافتقرت إلى النية.
فلا خلاف في المذهب أن الإمام يأخذها ممن وجبت عليه وتجزيه.
وهذا إن بنيناه على أنها لا تفتقر إلى النية فوجهه ظاهر، وإن بنيناه على افتقارها إلى النية فوجهه ما قاله أبو الحسن بن القصار.
وهذا صحيح إذا أخذها وهو عالم، وأما إن لم يعلم فأجراه أبو الحسن اللخمي على الخلاف فيمن أعتق عن إنسان في كفارة من غير إذنه، وفيمن ذبح أضحية إنسان بغير إذنه.
والأولى في هذا أن يجري على الخلاف في افتقارها إلى النية، وعلى الخلاف فيمن أعتق عن إنسان بغير إذنه.
وأما الأضحية (2)، فسبب الخلاف في هذا هل تتعين الأضحية بالشراء أو بالنية؟ فتكون كالهدي لا يفتقر إلى النية عند الذبح، أو لا تتعين إلا بالذبح فتفتقر إلى النية.
...
فصل (ما يفعل مع من امتنع عن الزكاة)
ومن امتنع من أداء الزكاة، فإن كان بحيث يمتنع فلا يقدر عليه إلا بالمقاتلة والمحاربة لجماعته أو لمنعة موضعه، وجب قتاله كما فعل الصديق رضي الله عنه، ووافقه عليه الصحابة 3. وإن كان مقدورًا عليه أخذت من12
ماله كرهًا كما قدمنا.
هذا فيما يظهر من الأموال، وأما ما يخفى فإن علم به وأنه ممن لا يؤدي أخذت منه كالأول، وإن أظهر الفقر واطلع منه على خلاف ذلك، ولم يعلم مقدار الواجب عليه أو لم يوجد ماله، عوقب وحُبس حتى يؤدي ما عليه.
وهذا لأنه دين الله تعالى، فيُحبس فيه كما يحبس في دَيْن الآدميين.
فإن ظهر له مال فادعى أنه مديان أو عبد، فإن ظهر ما قاله عوّل عليه، وإن ظهر ضده أخذت منه الزكاة، وإن أشكل أمره لم تؤخذ منه.
وهل يحلف؟ قولان، وهما على الخلاف في أيمان المتهم.
وفي المذهب على ما ينقله كثير من الأشياخ ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يحلف المتهم وغيره.
والثاني: أنه لا يحلف واحد منهما.
والثالث: يحلف المتهم دون غيره.
...
فصل (من يتولى توزيع الزكاة؟)
وهل للإنسان تفرقة زكاته بيده أو يؤديها إلى الإمام؟ أما إن كان الإمام جائرًا فلا يؤديها إليه، وإن خفي له إخراجها أخرجها.
وإن لم يخف له وأخذها منه جبرًا فإن كان يعدل في إخراجها 1 أجزأته.
وأما إن لم يعدل فهل تجزيه؟ قولان.
وهما على الخلاف في قسمة الغاصب هل تصح؟ فمن صححها حكم بالإجزاء, لأنّ هذا أخذ نصيب المساكين، وميزه من نصيب رب المال، ثم جار فيه.
ومن لم يصححها حكم بعدم الإجزاء.
وإن أداها إليه طوعًا لم تجزه إذا كان يجور في تفريقها.
وأما إن كان الإمام عدلًا فلا شك في إجزائها إذا أديت إليه.
وهل للإنسان أن يتولى إخراجها؟ أما المال الظاهر كالحرث والماشية فهو إلى الإمام، وأما العين ففيه قولان: أحدهما: أنه كالأول لقوله
تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (1)، وولاة أئمة العدل بمنزلة الإمام في هذا.
والثاني: أنها إلى أرباب الأموال لأنّ الإمام كالوكيل، فإذا أخرجها الإنسان وأصاب مواضع الزكاة أجزأته.
وإذا أخرجها من وجبت عليه واجتهد في إعطائها فظهر صحة اجتهاده أجزأته.
وإن ظهر عكس ذلك فقولان: أحدهما: أنها لا تجزيه، والثاني: أنها تجزيه.
وكذلك في الكفارة إذا دفعها مجتهد، ثم تبيّن أن آخذها غير مستحق لها ففيه قولان: أحدهما: أنها تجزيه، والثاني: عكسه.
وهو على الخلاف في الاجتهاد هل يرفع الخطأ أم لا؟ وهذا إذا فاتت في يد آخذها ولم يقدر على استرجاعها، وأما إن قدر على ذلك أخذها منه وأديت إلى مستحقها.
...
فصل (حكم نقل الزكاة إلى مكان آخر)
وإذا وجبت الزكاة فأديت إلى فقراء الموضع الذي وجبت فيه أجزت بلا خلاف.
فإن أديت إلى غيرهم؛ فإن كان بأهل الموضع حاجة وغيرهم ليس بمنزلتهم لم تجز، وإن تساوت الحالات فهل يجزي إخراجها إلى غير الموضع الذي وجبت فيه؟ فالمذهب على قولين.
وسبب الخلاف قوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ "فأخبرهم -يعني أهل اليمن- أن الله أوجب عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم" 2، فهل يحمل ذلك على فقراء المسلمين أو فقراء أهل الموضع؟ هذا سبب الخلاف.
وإن نزلت بقوم حاجة فقد أمر مالك أن ينقل إليهم من الزكاة.
وظاهر1
قول سحنون أنها لا تجزي إذا كان حيث وجبت فقراء.
وقال ابن الماجشون: تفرق في موضع (1) يصيب الفقراء والمساكين.
وأما ما يجب لبقية الأصناف فذلك إلى الأئمة يفرقونه إلى [أمهات] (2) البلاد التي فيها ذلك، وهذا إن أراد به أن الزكاة يجب تفريقها على كل من سمي في الآية حتى يجب لكل صنف ثمن الواجب فليس هو مذهبنا وإنما هو مذهب الشافعي، وإن أراد أنه يفرق على هؤلاء الأصناف متى أدى الاجتهاد إلى التفرقة عليهم فقد لا يخالف في ذلك، وإنما كلام الآخرين على نصيب الفقراء والمساكين.
وهل يعتبر في وجوبها بالمال أو بالمالك (3)؟ في المذهب قولان.
ومثاله أن تجب الصدقة على إنسان غائب عن موضع وجوبها، فإن كان يخرج عنه حيث وجبت فلا يخرج، وإن كان لا يجد من أين يخرج حيث هو ولو تسلف لم يجد من يسلفه، أو يخشى أن يضطر إلى ما في يديه لم يخرجها.
وإذا كان يقدر على إخراجها من غير ضرورة فقولان.
وهما على ما قدمناه من اعتبار موضع المال لأنه سبب الوجوب، أو اعتبار موضع المالك لأنه مخاطب بها.
...
فصل (حكم إخراج الزكاة قبل حلول الحول)
وغلب أهل المذهب حكم العبادات على الزكاة وأنها لا تجزي قبل أن يحل الحول بالزمن الكثير، لأنهم رأوا أن الحول ضُرِب رفقاً بأرباب الأموال وتعبدًا وطهورًا لتعبد فيه، لكن اختلفوا إن أخرجها قبل الحول بالزمان اليسير123
هل تجزيه أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنها لا تجزيه، وهذا محض (1) العبادات.
وقاسها [في هذه الرواية] (2) على صلاة الظهر في أنها لا تجزيه قبل الزوال.
والقول الثاني: أنها تجزي، وهذا إما مراعاة للخلاف وإما تغليب لشوب العبادة مع الالتفات إلى رفق أرباب الأموال، ولأن ما قارب الشيء، حكمه حكم الشيء.
وقد اختلف في هذا الأصل على قولين.
وكم مقدار [الزمان] (3) اليسير؟ حُدَّ باليومين والثلاثة وهو أقل ما قيل وبالشهر وبالخمسة أيام ونحوها، وبنصف شهر.
فهذا كله على جهة التقريب، ولا يقتضيه أصل محقق، وإنما هو خلاف في حد المقاربة.
...
باب في عشور أهل الذمة والحربيين
(أحكام عشور أهل الذمة)
والكفار على ضربين 4 معاهدين وغير معاهدين؛ فالمعاهدون صنفان: أهل ذمة وغيرهم، فأما أهل الذمة إذا سافروا نظر، فإن سافروا في قطرهم الذي فيه 5 ذمتهم لم يكن عليهم غرم، فإن خرجوا إلى غيره لزمهم الغرم.
لكن اختلف المذهب هل يلزمهم لحق الوصول 6 إلى القطر الثاني، أو لحق 7 الانتفاع فيه.
وفي ذلك قولان: والمشهور أنه لحق الانتفاع فيه 8. وتظهر ثمرة الخلاف إذا وصلوا ولم يبيعوا ما معهم أو لم يشتروا بما قدموا123
به من العين هل يلزمهم العشر؟ والمشهور أنه لا يلزمهم حتى يبيعوا أو يشتروا، والشاذ أنه يلزمهم.
وإذا قلنا بالمشهور فوصلوا 1 بمتاع كف عنهم 2، فإن باعوا أخذ منهم عشر الثمن، وإن لم يبيعوا ورجعوا إلى قطرهم لم يؤخذ منهم شيء.
وعلى القول الثاني يؤخذ منهم وإن رجعوا به على حالهم 3، وإن كان معهم رقيق فعلى المشهور لا يحال بينهم وبين ما يحدثونه فيه من استخدام أو وطء، وعلى القول الثاني يحال بينهم وبين ذلك.
وإن وصلوا بعين غير مسكوك فأرادوا أن يضربوه في بلد الإسلام؛ فعلى المشهور إن ضربوه أخذ منهم مقدار إجارة عشر، ومثاله أن يصل 4 واحد منهم بمائة دينار تبرا 5 فيضربها، فلمن يلي أمر المسلمين أن يأتي بعشرة 6 فيضرب للمسلمين 7، أو يأخذ من الذمي أجرة عشرة 8. وعلى القول الثاني يأخذ منه عشرة كاملة.
وإن أتى بمسكوك فعلى المشهور إن اشترى سلعًا فوقع في الرواية يأخذ عشرها.
وفي نقل أبي محمد بن أبي زيد يأخذ [قيمة] 9 عشرها.
وقال بعض المتأخرين: أما إن كانت تنقسم فيأخذ عشرها، وإن كانت لا تنقسم فيأخذ تسعها قيمة.
وهذا بناء على التقريب؛ لأنه رأى أن تقويم العشر بيع للسلعة، فوجب أن يؤخذ [منه قيمة] 10 العشر المقوم ثم يؤخذ
[عشر ما] 1 بعده، هكذا حتى يدور.
فقصاره 2 أن يرجع إلى قيمة التسع من الأول.
فهذا خيال بعيد, لأن الواجب عليه عشر واحد، ومتى تصرف بعده لم يلزمه شيء مادام في ذلك القطر إلا أن يسافر لقطر ثانٍ.
وتقديم العشر نهايته أن يكون كشراء سلعة بما ودّى عشره إلا أن يكون ودّى العشر 3 من مال آخر معه، فلِمَا قاله هذا وجه.
ولو كان انتفاع الذمي بغلة كمن له ظهر [بهائم] 4 يكريه فهل يلزمه عشر الكراء أم لا؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه يلزمه، وهو المشهور.
والثاني: أنه لا يلزمه.
وقد قدمنا الخلاف فيما يقتنيه من الغلات، هل حكمها حكم الرقاب أم لا؟ وإذا قلنا باللزوم فكيف صفته؟ ثلاثة أقوال: أحدها: إن عقد الكراء في قطره لم يلزمه، وإن عقده في القطر الثاني لزمه.
والقول الثاني: بالعكس.
والثالث: أنه ينظر فيما سار في قطره الأول لم يلزمه عشر، وما سار في القطر الثاني الذي سافر إليه لزمه عشر ما أخذ فيه من الكراء.
والخلاف في هذا على الخلاف في الكراء 5 متى يستقر وجوبها، هل بالعقد؟ فلا يلزمه على المشهور إلا إن عقد في غير قطره.
أو باستفاء 6 المنافع؟ فيكون الحكم بالعكس.
أو ينظر فكل ما وفي به لزمه مقداره لاستحقاقه له فيفض 7 الكراء على ما سار 8 في القطرين.
ولو ترددوا في أقطار المسلمين لوجب أن يؤخذ منهم العشر في كل قطر على ما قدمنا.
والأصل في هذا فعل عمر رضي الله عنه (1). ولم يخالفه عليه مخالف.
وبين الأصوليين خلاف هل يعد هذا إجماعًا أو لا؟
والمأخوذ العشر كما قدمناه.
هذا في كل الأشياء، وفي كل قطر إلا الطعام إذا وصلوا به إلى المدينة ففيه قولان: أحدهما: أنه كالأول، والثاني: أنه يؤخذ منهم نصف العشر.
وكذلك كان يفعل عمر رضي الله عنه ليكثر جلبه (2) إلى المدينة للحاجة إليه (3). وأما القول الثاني فوجهه شهادة بالاستغناء عنهم في هذا الزمان.
...
فصل (حكم المعاهدين)
وأما المعاهدون فإن قدّر لهم مقدار فليس عليهم إلا هو، وإن لم يقدر لهم فهم كالحربيين، وقد اختلف المذهب هل حكم هؤلاء حكم أهل الذمة في العشر أو يصرف ذلك إلى اجتهاد الإمام؟ والأصل في هذا المأخوذ، فعل عمر رضي الله عنه، لكنه إنما فعله مع ذميين؛ فمن التفت إلى المشاركة في الكفر ساوى بينهم، ومن التفت إلى أن أموال أهل الحرب مباحة إلا بالعقد 4 صرف ذلك إلى اجتهاد الإمام.
والمشهور من المذهب أنه يؤخذ منهم، باعوا أو لم يبيعوا، بخلاف أهل الذمة.
وهو بناء على أنهم يوقفون 5 على العشر.
والشاذ أنهم كأهل الذمة إنما يؤخذ منهم إن باعوا وانتفعوا، كما تقدم في أهل الذمة.
وإن قدموا بما لا يجوز لأهل الإسلام تملكه ولا التصرف فيه مثل123
الخمر والخنزير؛ فإن أرادوا بيعه [من أهل الإِسلام لم يمكنوا من ذلك بلا خلاف.
ومن أراد بيعها] (1) من كفار أهل الذمة فهل يمكنون من ذلك ويؤخذ منهم من أثمانه؟ في المذهب قولان: المشهور تمكينهم منه، وهذا لأنهم كفار يعامِلون أمثالهم.
والشاذ أنهم لا يمكنون منه.
ويمكن تخريج هذا على الخلاف هل هم مخاطبون بفروع الشريعة فلا يمكنهم منه، أو غير مخاطبين فيمكنهم.
...
باب في أحكام مصارف الزكاة
(الأصناف المستحقين للزكاة)
وقد بين الله تعالى صفة المستحقين، وأنهم ثمانية أصناف، فقال 2 تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ 3 الآية، وهذه اللام عندنا لام الصرف 4 لا لام التمليك، ولهذا نقول: لا يجب أن تقسم الصدقات على ثمانية أصناف فيعطى لكل صنف قسم، بل لو أعطيت لصنف واحد أجزأ، وإنما تصرف بحسب الاجتهاد.
فالتعبد هاهنا إخراجها إلى من يستحقها من هذه الأصناف بخلاف ما نقوله في الكفارات؛ فإن الأعداد المذكورة في القرآن مستحقة، ولهذا لو أعطى كفارة الظهار لأقل من ستين مسكينًا لم تجزه، وإن كان مقدار ما يعطيه هو الواجب لستين.
وسيأتي بيانه ولنتكلم على أحكام الأصناف الثمانية على الترتيب الوارد في القرآن.1
(هل الفقراء والمساكين اسمان لمسمى واحد أم لا؟)
وقد سمى الله تعالى في كتابه الفقراء والمساكين، وقد اختلف في المذهب هل هما اسمان لمسمى واحد أو لمسميين مفترقين 1 في المعنى، في المذهب في ذلك قولان.
والجمهور على أنهما مختلفان في المعنى.
ويشهد لهذا أن الله تعالى ذكرهما بواو العطف.
فلولا اختلاف معناهما لم يكن للتكرار معنى.
وإذا قلنا إنهما مختلفان فإلى أي شيء يرجع الخلاف؟ هاهنا طريقان: أحدهما: أنه يرجع إلى شدة الحاجة وضعفها.
لكن اختلف هؤلاء أيهم أشد حاجة؟ هل المسكين لأنه مأخوذ من سكون الحركة، وهذه الحالة 2 إنما تكون مع الموت، [أو الفقير 3 الذي لا وجدان معه حتى يكون مشبهًا بالميت] 4، ويحتج هؤلاء بقول القائل:
أما الفقير الذي 5 كانت حلوبته ... وفق العيال ولم يترك له سبد 6
وقد أخبر بكونه فقيرًا وأن له حلوبة.
أو الفقير مأخوذ من فقار الظهر ومعناه أنه انكسر فقاره.
ومن وصل إلى تلك الحال فلا يحيى.
ويحتج هؤلاء بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ 7 فسماهم مساكين وأخبر أن لهم سفينة.
واعتذر الأولون عن قول الشاعر بأن الفقر مختلف فله بداية ونهاية ولذلك لم يذكر مطلقًا، وإنما ذكره مضافًا إلى المعنى 8 الذي وصفه به.
واعتذر الآخرون
عن قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ (1) بأنهم كانوا أُجراء لا مالكين.
والطريق الثانية: أنه يرجع إلى صفة الحال (2) فالفقير الذي يسأل، والمسكين الذي لا يسأل، وقد قيل الفقير الذي يعلم به فيتصدق عليه والمسكين الذي لا يعلم به واحتج هؤلاء بما ورد في الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس المسكين الذي ترده اللقمة ولا اللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يعلم به، فيتصدق عليه ولا يسأل"، الحديث كما ورد.
(بعض شروط الفقراء والمساكين)
وإذا تقرر كونهما بمعنى أو بمعنيين فلا خلاف أنه يشترط فيهما الإسلام، والحرية، وهل يشترط فيهما عدم القدرة على الكسب، في المذهب قولان: أحدهما: أنه لا يشترط.
والثاني: أنه يشترط، وهو يجري على الخلاف في من ملك أن يملك هل يعد مالكًا أم لا؟ فمن لم يَعُدّه مالكًا لم يشترط عدم القدرة.
ومن عده مالكًا اشترطها.
ويحتج من يشترطها بما روى عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة ... " وهذا الحديث لو صح لكان كالنص لأحد القولين في اشتراط عدم القدرة على الكسب.
ولا خلاف أنها تشترط الحاجة ولا شك أن ذلك يوجب اسم الفقر أو المسكنة.
وهل من شروط المحتاج أن يكون غير مالك للنصاب؟ في المذهب قولان: أحدهما: أن ذلك من شروطه لقوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: "وأخبرهم أن الله تعالى فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم" وهذا يقتضي تمييز من تؤخذ منه الزكاة ممن ترد عليه، وكونهما صنفين.
ولا يحصل ذلك إلا إذا لم تعط لمن يملك نصابًا.
والقول الثاني: أن ذلك ليس12
من شرطه لأنّ المقصود بالزكاة إغناء المحتاج، وهذا إذا لم يكفه ما بيديه فهو محتاج حقيقة.
ولا شك على القول بأن من له نصاب لا يعطى، أنه لا يدفع إلى الفقير الواحد نصابًا كاملًا.
وأما على القول الثاني فإنه يدفع إليه نصاب إذا كان في القدر المخرج سعة، وكان الآخذ محتاجًا إلى النصاب.
ولا شك أن من كان في عيال غيره، والنفقة تلزم من هو في عياله لا يعطى من الزكاة, لأنه وإن كان فقيرًا فإنه مليء بلزوم نفقته لغيره (1). فإن كان لا تلزم نفقته غيره، فإن عول على الاستدامة فلا يستحق أخذ الزكاة، وإن عول على الانقطاع عن نفقة من هو في عياله أو صرفه المنفق، فإنه يستحق أخذ الزكاة.
(حكم إعطاء أحد الزوجين للآخر من الزكاة)
ولا شك أن الزوج لا يعطي زوجته لأنها مليئة بماله.
وأما المرأة فهل تعطي زوجها؟ منعه في الكتاب، (2) وحمله ابن القصار على الكراهية، وفرق أشهب (3) بين أن تعطيه فيعيده في النفقة عليها، أو يصرفه في منافع غير ذلك.
فمنع في الأول، وأجاز في الثاني.
والمنع؛ لأنّ منفعته (4) عائدة عليها.
وأما الكراهة فإنه مطالب بالنفقة، فهي تأخذ بغير الوجه الذي تدفعه إليه به.
وأما التفرقة فراعى فيها ما راعى في القول الأول، لكن لم يلتفت إلى المعونة على ما يصرف إليها، بل إلى نفس المصروف.
وبيّن من هذا أنه لا يعطي لقرابته الذين تلزمه نفقتهم.
(حكم من لا تلزمه نفقته)
وأما من لا تلزمه نفقته؛ فإن كانوا في عياله فلا يعطيهم النفقة ولا الكسوة إن كان يكسوهم، فإن كان لا يكسوهم أعطاهم الكسوة.
فإن كانوا1234
ليسوا في عياله فهل يعطيهم؟ لا يختلف أنه لا يمنع من ذلك.
وهل يجوز أم لا (1)؟ في المذهب ثلاثة أقوال: الكراهية في الكتاب، وعلل بخشية المدح (2). وفي غيره قولان: الجواز لمساواتهم لغيرهم في الاستحقاق، والاستحباب لانفرادهم بحق القرابة.
وفي الحديث أنهم أفضل من صرفت إليهم الصدقة (3). وقد يكون هذا خلاف في حال، فإن قصد المن أو فضلهم وهم ليسوا في الحاجة كغيرهم كره، وإن أمن المن وأعطاهم لسد الحاجة (4) ولمساواتهم لغيرهم في الحاجة فالأولى هاهنا الاستحباب لما لهم من حق القرابة.
...
فصل (العاملون على جمع الزكاة)
والصنف الثالث: العاملون على الزكاة وهم جُباتها وموصّلوها إلى الإمام ليفرقها أو يتولون تفريقها.
ولا خلاف أن الصدقة تحل لهذا الصنف وإن كانوا أملياء.
وهم أحد الخمسة الذين استثناهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أخذ الزكاة وإن كانوا أملياء.
لكن اختلف في العبد والنصراني؛ هل يجوز استعمالهما عليها أم لا؟ فأما العبد فالخلاف فيه مبني على أخذ 5 المستعمل؛ هل يغلب عليه حكم الإجارة المحضة [أو يضاف إلى ذلك] 6 كونه ممن يستحق على الجملة؟ فإن قلنا بتغليب حكم الإجارة أعطي منها، وإن قلنا بتغليب1234
ذلك وإضافة كونه ممن يستحق على الجملة فإنه لا يستعمل عليها.
وأما الذمي ففي استعماله ولاية له، ولا تحل ولايته.
لكن إن كان خادمًا بحيث لا يكون له سلطان على أحد من المسلمين فيختلف فيه على الخلاف في العبد.
وإن استعمل عليها فقيرًا أعطي لحق الفقر والاستعمال.
وإن كان غنيًا أعطي أجره (1) بحسب الاجتهاد، ولا يزاد على قدر ما يستحقه بالعمل.
...
فصل (المؤلفة قلوبهم وهل حكمهم باق أو منسوخ)
والصنف الرابع: هم المؤلفة قلوبهم.
وقد اختلف هل حكمهم باق أو منسوخ لاستغناء المسلمين عنهم.
وإنما كان ذلك في زمن حاجة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليهم.
والصحيح بقاء حكمهم، لكن إنما يعطون وقت الحاجة إليهم، قاله القاضي أبو محمد.
واختلف في صفتهم فقيل هم قوم من الكفار يعطون ليستألفوا 2 على الإسلام.
وكانوا لا يسلمون بالسيف والقهر، لكن يسلمون بالعطايا والإحسان.
وقيل: هم قوم أسلموا في الظاهر ولم يَسْتَقْرِ الإسلام في قلوبهم، فيعطون ليتمكن الإسلام في قلوبهم.
وقيل هم قوم من عظماء المشركين أسلموا ولهم أتباع يعطون ليستألفوا أتباعهم على الإسلام.
وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى، والقصد بها الإعطاء لمن لا يتمكن الإسلام عنده حقيقة 3 إلا بالعطاء، فكأنه ضرب من الجهاد.
وقد علمت الشريعة أن المشركين ثلاثة أصناف: صنف يرجع بإقامة الدليل وإظهار1
البرهان، وصنف بالقهر والسيف، وصنف بالعطاء والإحسان.
فيستعمل الإمام بالنظر (1) ما يكون للمسلمين مع كل صنف ما يكون لسبب نجاته من الكفر وتخليصه.
...
فصل (عتق الرقاب)
والصنف الخامس: الرقاب.
ولا خلاف عندنا في الإجزاء إذا اشتروا رقبة سليمة من العيوب، مؤمنة، ليس فيها عقد حرية.
فأعتقها عن المسلمين حتى يكون ولاؤها لهم.
فإن كانت معيبة فهل تجزي؟ في المذهب قولان: أحدهما: الإجزاء لتناول العموم لها، والمنع 2 قياسًا على الكفارات 3، وكذلك إن كانت كافرة 4. فإن كان فيها عقد حرية كالكتابة، أو عتق البعض، أو التدبير فهل يجزى الإعطاء في ثمن حريتها؟ في المذهب ثلاثة أقوال: الجواز، لتناول العموم له.
ومنع الإجزاء, لأنّ الولاء ليس للمسلمين لكن لمن ابتدأ الحرية.
والتفرقة بين أن يعطي لإكمال العتق 5 فيجزي، أو لغير إكماله 6 فلا يجزي.
وهذا نظرًا إلى أن المقصود تحرير الرقبة لا الولاء.
فإن حصلت الحرية بالعطية أجزأ وإلا لم يجزي.
وإن أعتق عن نفسه فهل يمضي عتقه مجزيًا عن الزكاة ويكون ولاؤه للمسلمين، أو يمضي العتق عنه ويكون [الولاء] 7 له ولا يجزى عن المسلمين ويعيد الزكاة؟ في المذهب قولان: أحدهما: مضيها عن الزكاة،1
ويكون ولاؤه للمسلمين, لأن المال لهم فيغلب حكمه لأنه المخطئ في اشتراط الولاء له.
والثاني: نفي الإجزاء عن الزكاة تغليبًا للقصد.
(هل يعطى الأسير لفك رقبة)
وهل يعطى منها الأسير لفك (1) رقبته؟ قولان: المشهور: أنه لا يعطى، وهو نظرًا إلى اشتراط الولاء للمسلمين ولا ولاء هاهنا.
والثاني: أنه يعطى لأنه فك لرقبته (2)، وقال ابن عبد الحكم: إنه إذا أخرج زكاته ثم افتقر، فإنه لا يأخذ (3) منها.
وإن أسر افتكت منها رقبته.
وهذا لأنّ المال غير عائد إلى الأسير في الفك وعائد إليه في الفقر.
...
فصل (الغارمون)
والصنف السادس: الغارمون.
ولا خلاف 4 أن من عرف بالدين 5 وكثر عليه، واستدانه من الآدميين في غير فساد أنه يستحق [أخذ] 6 الزكاة لأداء دينه، وإن كان عنده مال يؤدي 7 منه دينه لكنه إذا أداه كان فقيرًا؛ فإن استدانه في فساد، فإن كان على حالته لم يعط، وإن نزع عنها فهل يعطى؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه لا يعطى لأن استدانته غير مباحة بل محرمة، والثانى: أنه يعطى.
وهذا نظرًا إلى حالته التي فيها الآن.
والأول نظرًا إلى ابتداء أمره 8.
وإن كان الدين لله تعالى كالكفارة والزكاة التي فرط فيها فهل يعطى123
لذلك؟ في المذهب قولان.
وقد قدمنا الخلاف في هذا الدين هل يسقط الزكاة أم لا؟ وهذا جار عليه.
وإن مات مستدينًا فهل يؤدى دينه من الزكاة، في المذهب قولان: أحدهما: أنه لا يؤدى، وهذا حمل الآية على الحي لا على الميت، والثاني: أنه يؤدى، وهذا نظر إلى كونه غارمًا في حين الاستدانة 1.
وهل من صفات الغارم أن يكون محتاجًا؟ ذكر الداودي عن مالك قولين: أحدهما: مراعاة ذلك.
والثاني: أنه يشير إلى أنه لا يراعى، بل إن 2 كان مديانًا وله من المال ما يؤدي منه دينه وفوق 3 ذلك أنه يعطى، قال ولا يفصح 4 به، وفي الكتاب فيمن بيده ألف أدينار، 5 وعليه ألفان وله دار وخادم يساويان 6 ألفان، أنه لا يعطى من الزكاة إلا أن 7 يؤدي الألف في دينه فتبقى عليه ألف فحينئذ يعطى ويكون من الغارمين 8. وقال أشهب يعطى وإن لم يؤد.
وهذا يشير إلى الخلاف الذي ذكره 9 الداودي.
وسبب الخلاف النظر 10 إلى الحال أو إلى المآل.
ولا شك في مراعاة كونه لا يستدين لأخذ الزكاة لأنه إن استدان لذلك صار قاصدًا لأخذ الزكاة بالدين، فلا يمكن من ذلك.
ومراعاة الحاجة كما قدمناه قد يلحق 11 الغارم بالفقير والمسكين، ولهذا قال في القول الثاني لا يراعى ذلك.
...
فصل (المراد بسبيل الله)
والصنف السابع: سبيل الله [تعالى] (1). وهو محمول على الجهاد عند الجمهور من العلماء، فيصرف إلى المجاهدين وآلة الحرب.
ولا خلاف في ذلك أن المغازي يعطى من ذلك، وإن كان غنيًا ببلده [إذا كان فقيرًا بموضعه.
وإن كان غنيًا بموضعه] (2) فهل يعطى؟ قولان: أحدهما: أنه لا يعطى، لعدم حاجته.
والثاني: أنه يعطى، إذ لو لم يعط مع ملائه لكان هذا الصنف راجعًا (3) إلى صنف ابن السبيل.
وأيضا فإنه يعطى على سبيل الإجارة على الغزو فيأخذها وإن كان غنيًا.
وهل تصرف في بناء الأسوار التي يتقى بها مضرة (4) العدو، وإنشاء الأساطيل التي المقصود بها مجرد الغزو وما في معنى ذلك من مجرد الآلات (5)؟ ظاهر المذهب على قولين: والمشهور: أنها لا تعطى لذلك، وهذا لأنهم فهموا من هذا الصنف نفس الجهاد دون ما يستعان به عليه.
والثاني: أنها تعطى لذلك، وهذا لأنّ الأساطيل مما يستعان بها على الجهاد، وفي الأسوار تحصن من العدو، وهذا (6) داخل في عموم قوله تعالى: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
...
فصل (ابن السبيل)
والصنف الثامن: ابن السبيل.
والمراد به من كان بغير بلده، يعطى123456