التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العباداتصفحات 333-369
أهل الأثرالأرشيف العلمي

في المدونة 1. والثالث: أنه لا يمسح في حضر ولا سفر، حكاه ابن وهب 2 وأشهب عن مالك، وهذه الرواية ينبغي أن تتناول على أن قصده: الغسل أولى.
وقد قال ابن القصار: إنكار المسح فسق.
وقال ابن حبيب: لا ينكره إلا مخذول 3. وقال أبو حامد الغزالي 4: أجمع فقهاء الأمة 5 عليه، وإنما يخالف فيه الروافض.
وحكى ابن القصار أن رواته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - سبعون نفساً رووه قولاً وفعلاً، ولهذا لم يختلف مذهب أبي حنيفة في جوازه مع أنه زيادة على النص والزيادة على النص نسخ عنده، لكنه رأى أن الحديث عنده في حيز التواتر، فذلك الذي أوجب أن قال به.
وأكثر الأحاديث يقتضي المسح في السفر 6. وفي بعضها ما يدل على المسح في الحضر 7. وبين الأصوليين خلاف في زيادة العدل هل تقبل أم لا؟ وإذا ثبت ذلك فالنظر في المسح في وجهين 8: أحدهما: صورته، والثاني: شروطه.

(صورة المسح)

فأما صورته فالمذهب فيها 1 على ثلاثة أقوال: أحدهما: أن 2 يبتدئ من مقدم الرجلين حتى ينتهي إلى العقب ويجعل يده اليمنى من أعلى الخف، واليسرى من أسفله.
والثاني 3: أنه يجعل الابتداء بالعقب فيجعل اليمنى من أعلى الخف واليسرى من أسفلها حتى ينتهي إلى مقدم الرجل.
والثالث: أنه يجعل اليمنى من أعلى القدم 4. واليسرى من [أسفل] 5 العقب ويذهب بهما مخالفاً.
واستحسن الأشياخ هذا لئلا يكون في أسفل الخف ما يلوث به ما يستر العقب.
وإذا ابتدأ منه فإنه لا يلوثه شيء.
وفي الكتاب في صفته (أن مالكاً أراهم المسح على الخفين فوضع يده اليمنى على أطراف أصابعه من ظاهر قدميه، ووضع اليسرى من تحت أطراف أصابعه من باطن خفيه ومر بهما وبلغ باليسرى حتى بلغ بهما إلى عقبيه وأمرهما على عقبه إلى موضع الوضوء، وذلك أصل الساق وحد الكعبين) 6. وظاهر هذا أنه يمسح 7 الرجلين في مرة واحدة.
وهكذا تأوله أبو القاسم ابن شلبون 8، وحمله أبو محمد بن أبي زيد وغيره من الأشياخ على كل رجل تفرد بالمسح 9، وإنما جمعهما في اللفظ، ولا يتبع غضون الخف 10 -وهو ما

تكسر (1) منهما وانطوى بعضه على بعض- فإن اقتصر على الأعلى دون الأسفل أو اقتصر على الأسفل دون الأعلى ففي المذهب في جملة ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: الإجزاء، وهو رواية أشهب، وعدم الإجزاء [حتى يوعب الأعلى والأسفل وهو بناء من هذا القائل على المسح إنما هو عوض عن الغسل، والغسل يجب استيعابه فليكن المسح كذلك.
والقول الثالث المقتصر على الأسفل لا يجزي، والمقتصر على الأعلى يجزيه، وهو المشهور من المذهب] (2). والخلاف في هذا كالخلاف في مسح الرأس.
وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: "لو كان هذا الدين يؤخذ بالقياس لأجزأ مسح أسفل الخفين عن أعلاهما ولم يجز أعلاه عن أسفله" (3). وهذا إشارة إلى إجزاء الأعلى عن الأسفل.
وعدم إجزاء الأسفل عن الأعلى توقيف، ولا يكون توقيفاً إلا ما علم من جهة [صاحب] (4) الشريعة.
وإذا قلنا بإجزاء مسح الأعلى فهل يعيد المقتصر عليه في الوقت أم لا؟ قولان: أحدهما: إنه لا يعيد، والثاني: إنه يعيد مراعاة للخلاف.

...

فصل (في شروط المسح)

وأما شروط المسح فشرطان 5: أحدهما: يرجع إلى الماسح، والثاني:1234

إلى المسموح؛ فأما ما يرجع إلى الماسح فمنه كونه مسافراً، وقد تقدم.
ومنه كونه كامل الطهارة.
فإن غسل رجلاً فأدخلها في الخف ثم غسل الأخرى فأدخلها، فالمشهور أنه لا يمسح، والشاذ أنه يمسح.
وهو على الخلاف في ارتفاع الحدث عن كل عضو بإكماله أو بإكمال الطهارة.
وكذلك يختلف فيمن نكس وضوءه فغسل رجليه ثم أدخلهما الخفين ثم [غسل] 1 بقية الأعضاء.
ولو أدخلهما بعد التيمم ففي المذهب قولان: المشهور أنه لا يمسح، والشاذ أنه يمسح.
وهو على الخلاف في التيمم هل يرفع الحدث أم لا 2؟ ويشترط في جواز المسح أن يلبسهما لضرورة المشي فإن لبسهما بغير ضرورة ذلك، كالمرأة تلبس الخفين وقد خضبت بالحناء، وكذلك الرجل يريد أن ينام أو يحدث فيلبس خفيه ليمسح عليهما.
فلا يجوز لهما ذلك ابتداء.
فإن فعلاه فهل تصح صلاتهما بذلك المسح أم لا؟ ففيه قولان: أحدهما: الصحة لما ثبت من جواز المسح مطلقاً، والثاني: أنه لا تجزيه 3 الصلاة لأن المسح رخصة وردت في اللابس لضرورة المشي فلا يلحق به 4 غيره.
وأما ما يرجع إلى الممسوح فأن يكون خفا من خفاف العرب 5، صحيحاً أو مقطوعاً قطعاً يسيراً لا يظهر منه القدم، ويمكنه مداومة المشي فيه، ويكون ساترًا لمحل الغسل، ولا يكون عاصيًا بلبسه.
فإن كان من غير أخفاف العرب 6 كالجوربين، فإن لم يكن على محل الفرض جلد فلا يجوز المسح، وإن كان عليه جلد ففيه قولان.
واختلف قوله في المدونة في الجرموقين يكون عليها جلد مخروز هل يجوز المسح عليهما أم لا؟ 7.

واختلف في مراده بالجرموقين فقيل: هما الجوربان، وقيل: هما خف على خف، وقيل: هما خفان دون الساقين غليظان، لا ساق لهما يستعملهما المسافرون مشاتًا.
وجميع هذه الصفات مختلف في المذهب في جواز المسح عليهما.
وسبب الخلاف أن المسح رخصة.
وبين الأصوليين خلاف في الرخص 1 هل تقتصر على ما وردت أو يقاس عليها؟ وأما صفة 2 الخف فلا يشترط فيها عندنا إلا ما قدمته.
لكن اختلف المذهب هل يشترط في ذلك ألا يبدو 3 القدم -وهو الذي عول عليه في الكتاب 4 - أو يشترط إمكان مداومة المشي به، وهو الذي اعتمده البغداديون من أهل المذهب.
وأما اشتراط كونه ساترًا لمحل فرض الغسل فهو المعروف من المذهب.
وقد روى الوليد بن مسلم 5 عن مالك في المحرم يقطع الخفين أسفل من الكعبين، أنه يمسح على الموجود منهما ويغسل ما ظهر من موضع الغسل.
وقد أنكر الباجي وغيره هذه الرواية.
ورأوا أنها غلط عن مالك والوليد هذا أكثر صحبة 6 للأوزاعي فكثيراً ما ينقل مذهب الأوزاعي 7 ويغلط في نسبته 8 إلى مالك.

والجمع بين الغسل والمسح كأنه خلاف الإجماع لأن الإجماع منعقد على أنه يغسل الرجل أو يمسحها (1) على مذهب من قال به، إلا أن يسترها الخف ففيه ما قدمناه من الخلاف.
وأيضاً فإن مسح الخف إنما رخص فيه لمشقة النزع، وإذا قطع الخف دون الكعبين فلا مشقة في نزعه.
وإن لبس خفين عاصياً بلبسهما كالمحرم يلبسهما من غير ضرورة؛ ففي جواز المسح له قولان: المشهور أنه لا يمسح، والشاذ أنه يمسح.
وفي المذهب أصل مطرد في كل عاص هل تباح له الرخص بما يعود بالرفق له، كالمسافر سفراً محرماً يريد قصر الصلاة أو الإفطار في رمضان في [معصية] (2) ففي المذهب قولان: المشهور أنه لا يترخص بذلك.
والشاذ أنه يترخص به.
وسبب الخلاف هل شرعت هذه الرخص معونة على الأفعال فلا يستعين على ما هو فيه عاص، أو شرعت تخفيفاً على الإطلاق فيترخص بها جميع من وجدت فيه الصفات التي جعلت علامة على الترخيص؟ ...

فصل (حكم نزع الخف بعد غسلهما)

وإذا غسل رجليه فلبس 3 خفيه ثم نزعهما فلا يؤمر بإعادة الغسل.
ولو أحدث بعد لبس الخفين ثم توضأ ومسح على الخفين ثم نزعهما فإنه يؤمر بغسل رجليه، فإن أخر غسلهما 4 جرى على الخلاف في12

الموالاة، وكذلك يجري في حكم ابتداء الوضوء بنزع الخفين على القول بأن التفرقة تفسد الطهارة لعذر كان أو لغير عذر.
هكذا رواه بعض الأسكندرانيين (1) عن مالك أن نازع الخف يبتدئ الوضوء من أوله، فإن أخرج رجلاً وامتنع عليه نزع الرجل الأخرى حتى خاف إن اشتغل بذلك فوات الوقت؛ ففي المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يغسل الرجل المنزوعة ويمسح الأخرى قياساً على الجبيرة، والثاني: أنه ينتقل إلى التيمم لأن الرجلين في حكم العضو الواحد، ولا يجتمع في العضو الواحد أصل وبدل (2)، والثالث أنه يمزق الخف ويغسل الرجل.
وهذا كله على الخلاف في القياس على الرخص؛ فمن قاس على ذلك قال بالمسح على الخف فيكون كالجببرة، ومن لم يقس عليها ولم يلتفت إلى إضاعة المال في طلب فروض الصلاة قال يمزق الخف، ومن التفت إلى إضاعة المال ردها إلى أصل التيمم، فإن الإنسان له السفر في المفازات التي لا ماء فيها، يَطْلُبُ بذلك الربح في المال.
فقال: هاهنا ينتقل إلى التيمم.

(مدة المسح)

والمشهور من المذهب أن المسح غير مؤقت بزمان، وله أن يستديمه ما لم يلزمه غسل الجنابة.
لكن يستحب له إن كان حاضراً 3 - وجوزنا له المسح على القول بجواز المسح للحاضر- أن ينزعهما لكل جمعة لغسل الجمعة.
وروي عن مالك أن المسح مؤقت للمسافر بثلاثة أيام وللحاضر يوم12

وليلة.
وأكثر الأحاديث تقتضي نفي التوقيت (1). وفي صحيح مسلم أنه - صلى الله عليه وسلم - وقَّت للحاضر والمسافر بما ذكرناه (2). وبين الأصوليين خلاف في زيادة العدل هل تقبل أم لا.

...

باب في أحكام التيمم

التيمم طهارة ترابية تتوجه (3) مع الاضطرار دون الاختيار.
والنظر فيها ينحصر في خمسة فصول: الأول: صفتها، والثاني: وقتها، ومن يباح له الانتقال إليها، وبأي شيء يكون، ولماذا تفعل؟

(صفة التيمم)

فأما صفة التيمم فهي مسح الوجه 4 واليدين.
واختلف المذهب هل123

يكتفي لهما بضربة واحدة يجعل يديه على الأرض ثم يمسح وجهه ثم يديه أم يفتقر 1 إلى ضربة ثانية لمسح اليدين؟ والمشهور الافتقار إلى ذلك، والشاذ أنه لا يفتقر إلى ذلك.
وسبب الخلاف اختلاف الأحاديث؛ ففي أكثرها ضربة للوجه وضربة لليدين 2. وفي بعضها الاقتصار على ضربة واحدة 3. وبين الأصوليين خلاف في قبول زيادة العدل 4. وإذا قلنا فإنه لا يقتصر على واحدة فاقتصر؛ فثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يعيد في وقت 5 ولا غيره، والثاني: أن يعيد في الوقت، والثالث: أنه يعيد وإن خرج الوقت.
وهذا طرد للقول بإيجاب الضربتين.
وترك الإعادة اختصاصها بالوقت مراعاة للخلاف.
ولا خلاف أيضاً في إيعاب 6 جميع الوجه بالمسح.
وأما اليدان فاختلف في المقدار الواجب منهما في التيمم؛ فقيل: إلى المرفقين، وقيل: إلى الكوعين.
وسبب الخلاف هل يرد المطلق إلى المقيد فيجب المسح إلى المرفقين،

أو يؤخذ بأوائل الأسماء فيجب إلى الكوعين؟ وإذا أمرناه بالمسح إلى المرفقين واقتصر على الكوعين؛ فثلاثة أقوال: أحدها: الإعادة في الوقت، والثاني: لا إعادة في وقت ولا غيره، والثالث: الإعادة وإن ذهب 1 الوقت.
وهذا طرد إيجاب المسح إلى المرفقين.
والأول مراعاة للخلاف 2. وهيأة المسح في الوجه لا تختلف.
وأما اليدان فقال محمد بن عبد الحكم: هيأتهما غير محصورة.
وأراهم صفة التيمم فابتدأ بالكفين وعمَّ سائر اليدين.
وفي الكتاب 3 أنه ابتدأ باليسرى على اليمنى فيُمِرُّهَا من فوق الكعبين إلى المرفقين ويُمِرُّهَا أيضاً من باطن المرفقين إلى الكوعين ويُمِرُّ أيضاً اليمنى على اليسرى كذلك.
وقد اختلف الأشياخ هل مقتضى هذا أنه إذا وصل إلى الكوع اليمنى لم يكملها، بل يجعل أصابع يده اليمنى على اليسرى، فإذا وصل إلى الكوع 4 اليسرى مسح كفيه أحدهما: بالأخرى وخلل أصابعه؟ أو يمسح اليمنى حتى يكملها، ثم يمسح اليسرى كذلك؟ وقد احتج الأولون بقوله: ويمرها أيضًا من باطن المرفقين إلى الكوعين.
ووقف 5 عند ذلك.
واعتذر الآخرون عن هذا بأن مراده إلى آخر 6 الكوعين أنه جعل ذلك غاية يقف عندها.
قالوا: ولو اتبعنا الظاهر من غير هذا التأويل لوجب أن يترك الكفين 7 من غير مسح؛ لأنه قال بعد قوله إلى الكوعين: ويمر أيضاً اليمنى على اليسرى كذلك.
والجمود على ظاهر قوله يقتضي مسح اليدين جميعاً إلى الكوعين من غير أن يمسح

الكفين، وهذا لم يقله أحد.
وإنما يقول: إنه لا يكمل مسح الأولى، ابن حبيب (1). لأنه يشترط (2) المسح بالتراب.
والمشهور أنه لا يشترط.
وإذا مسح على إحدى هذه الصفات فإنه يخلل أصابع يديه.
وقد اشترط الشافعية وضع اليدين على الأرض مضمومتي الأصابع في الضربة للوجه ومفتوحتِها (3) في الضربة لليدين.
وإنما راعوا المسح بالتراب.
وإذا فتح أصابعه في الضربة للوجه علق التراب ما بين الأصابع فيصير مسح ذلك الموضع بتراب قصد به الوجه.
وهذا لا يشترط على المشهور.
وقد يلزم من مراعاة التراب اشتراطه.
وإن كان في الأصابع خاتم أزيل.
هذا هو المنصوص من المذهب.
وإن لم يزله لم يجزه التيمم.
وقال محمد بن مسلمة: إن ترك شيئًا (4) من أعضاء التيمم أجزأه.
واستقرأ (5) أبو الحسن اللخمي من هذا أنه إن لم ينزع الخاتم أجزأه (6). ...

[فصل (وقت التيمم)

أما وقت التيمم فالمشهور أنه لا يجوز قبل دخول وقت الصلاة؛ لأنه 7 لا يجوز إلا بعد الطلب وفقد الماء، وذلك لا يجب إلا بعد دخول الوقت.
والشاذ جوازه بناء على أنه يرفع الحدث.
ومتى يجوز؟ على المشهور من المذهب فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يتيمم قبل دخول 8 الوقت، والثاني: أنه يتيمم اليائس من الماء وسط123456

الوقت، وغيره آخره 1، والثالث: هو المشهور فيه تفصيل 2؛ وذلك أن فاقد 3 الماء أو فاقد القدرة على استعماله لا يخلو من أن يكون عالماً باستدامة الفقد إلى أن يخرج الوقت، أو ظانًا لاستدامته، أو عالماً بوجود القدرة في الوقت، أو ظاناً لذلك، أو متردداً؛ فإن كان عالماً للفقد 4، أو ظاناً له تيمم أول الوقت.
وإن كان عالماً بالوجود، أو ظاناً له تيمم آخره.
وإن كان متردداً تيمم وسط الوقت.
فإن وجد الماء من أمرناه بالتيمم أول الوقت فلا إعادة عليه، وإن وجده من أمرنا بالتيمم وسط [الوقت] 5، [أو] 6 وجد القدرة على ذلك؛ فإن كان الأصل عنده الوجود والفقد متردد فيه، أعاد في الوقت.
وهذا كالعالم بموضع الماء ويخاف أن لا يدركه في الوقت، وكالمريض يكون عنده الماء ولا يجد من يناوله إياه ويتردد هل يجد في الوقت من يناوله أم لا؟ وإن كان الأصل عنده الفقد والوجود متردد، كالمتردد هل بين يديه ماء يبلغه أم لا؟ فهذا لا إعادة عليه.
وإن تيمم في أول الوقت من أمرناه بالتأخير إلى آخر الوقت؛ فأما العالم ففيه قولان: أحدهما: أنه يعيد وإن خرج الوقت، والثاني: أنه لا يعيد إلا في الوقت.
ويمكن تخريج هذا على الخلاف في الوجوب هل يتعلق بأول الوقت أو هو وجوب موسع؟ وأما الظان فإنه يعيد في الوقت فإن خرج الوقت فلا إعادة عليه] 7.

...

فصل (في حكم المتيمم يجد الماء)

والمتيمم يجد الماء لا يخلو من أن يكون الموجود منسيًا في رحله أو لم يتقدم له به علم؛ فإن كان منسياً في رحله فلوجوده ثلاث صور: إحداها: أن يجده قبل التلبس بالصلاة، والثاني: أن يجده في أثنانها، والثالث: أن يجده بعد إكمالها؛ فإن وجده قبل التلبس بها 1 فلا شك أنه يجب عليه استعماله، وإن وجده في أثنائها فقولان: أحدهما: أنه يقطع ثم يستعمله ويبدأ، لأنه مفرط بنسيانه.
والثاني: أنه يتم صلاته، لأنه فاقد للماء [فيعذر] 2، والناسي لا يلزمه التكليف.
وإن وجده بعد إكمال الصلاة ففي الإعادة ثلاثة أقوال: أحدها: سقوطها قياساً على الناسي، والثاني: وجوبها وإن خرج الوقت بناء 3 على أنه غير معذور بالتفريط 4، وقياسًا على المُظاهِر ينسى رقبة في ملكه فيصوم أو يطعم، ثم يعلم بها فإنه يجب عليه إعتاقها.
والثالث: أنه يعيد في الوقت.
والفرق بين هذا وبين الرقبة أن الإعتاق غير مؤقت بوقت والصلاة مؤقتة 5. فإذا ذهب الوقت فقد فات التلافي.
وإن لم يتقدم له بالماء علم؛ فإن وجده قبل التلبس بالصلاة فكما قلنا في الناسي، وإن وجده في أثنائها لم يقطع على المنصوص في المذهب، لأنه غير مفرط، وإن وجده بعد إكمالها فالأصل ألا إعادة إلا على ما قلناه 6 في تفصيل المشهور.

...

فصل (من يباح له التيمم)

وأما من يباح له التيمم فحصره على سبيل الإجمال أنه كل من لزمته الصلاة وتعذر عليه استعمال الماء بفقده، أو لفقده القدرة على استعماله.
وأما التفصيل؛ فإن المسافر والمريض إذا فقدا الماء فأجمعت الأمة على أن لهما الانتقال إلى التيمم عوضاً عن الوضوء، وكذلك عند فقهاء الأمصار عوضاً عن الطهارة الكبرى.
وأما الحاضر يفقد الماء ولا مرض به فهل يجوز له التيمم؟ لمالك قولان.
وإذا أجزنا له التيمم ففعل وصلى ثم وجد الماء بعد الوقت فهل يعيد أم لا؟ قولان في المدونة.
وسبب الخلاف في إجازة التيمم له خلاف الأصوليين في دليل الخطاب (1)؛ هل يقال به أم لا؟ إذ قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (2)؛ فإن قلنا بدليل الخطاب لم يجز التيمم للحاضر الصحيح، وإن لم نقل بدليل الخطاب أو قلنا به، ولكن (3) يحمل ما في الآية على أنه خرج على الغالب وفهمنا قطعاً أن المقصود إدراك الوقت بالتيمم، فالتيمم بدل عن الوضوء فأجزنا للحاضر أن يتيمم.
وأما الإعادة وإن خرج (4) الوقت مع إجازة التيمم فجواب من أشكل عليه الأمر وأخذ بالاحتياط فأمر بأداء الصلاة في الوقت وقضائها بعده ليجمع بين القولين.

(حكم من فقد الماء والتراب)

وقد اختلف المذهب فيمن فقد الماء والتراب أو ما في معناه على1234

أربعة أقوال: أحدها: أنه لا يصلي، ولا يعيد، والثاني: أنه يصلي ويعيد، والثالث: أنه يصلي ولا يعيد، والرابع: أنه لا يصلي ويعيد.
وسبب الخلاف هل الطهارة شرط في الوجوب فيسقط الأمر بالصلاة ولا تجب إعادتها، أو شرط في الأداء فيسقط الأمر بها وتجب إعادتها، أو ليس بشرط إلا مع القدرة فيؤمر بها ولا يعيد؟ والإعادة مع الأمر بها جواب من (1) أشكل عليه الأمر فاحتاط بأدائها في الوقت وقضائها بعده.
وقد أجرى أبو إسحاق التونسي (2) هذا الخلاف في الحاضر يفقد الماء إذا قلنا إنه ليس من أهل التيمم.

(متى ينتقل المسافر إلى التيمم مع وجود الماء؟)

وينتقل المسافر إلى التيمم وإن وجد الماء وذلك بشروط منها: أن يخاف إن استعمله من لصوص أو سباع، فهذا إذا خاف على نفسه.
فإن خاف على ماله فقولان: أحدهما: إجازة الانتقال قياساً على السفر لطلب الأرباح مع تجويز فقد الماء.
والثاني: أنه لا ينتقل.
وهذا يرى أن ذهاب المال لا يقابل الصلاة بالتيمم، وهو مذهب بعيد.
وأولى ما نزل على 3 عدم تيقن الخوف أو غلبة الظن؛ منها: أن يجد ويخاف- متى استعمله- العطش على نفسه أو على حيوان معه [أو] 4 آدمي أو غيره.
وهذا يبيح التيمم بلا خلاف في المذهب.12

ومنها أن يجد الماء لكن بثمن خارج عن المعتاد بما يجحف به لقلة دراهمه أو لكثرة الزيادة في الثمن.
وقد قرر ابن الجلاب التحديد المزيد بمقدار ثلث الثمن.
ولا أصل لذلك.
وقد يهون ثمن الماء فيكون زيادة ثلاثة (1) أمثاله فأكثر ليس بمجحف.
ولو وجد المسافر أو الحاضر - إذا ألحقناه بالمسافر- الماء (2)، لكنه في موضع يفتقر إلى إخراجه.
ومتى اشتغل بإخراجه فإنه يفوت وقت الصلاة؛ فإنه يتيمم لأنه معدم في وقت الصلاة.
فإن كان بين يديه ولا يفتقر إلى إخراجه لكنه لو اشتغل باستعماله لفاته الوقت؛ ففيه قولان: مذهب المغاربة يستعمله لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (3)، وهذا واجد.
ومذهب البغداديين أنه يتيمم.
إلا أن المقصود قطعا إدراك الصلاة في الوقت ولولا هذا المقصود لما أبيح التيمم، لأنه متى فقد الماء ولم يراعِ الوقت أُمهل حتى يجد الماء.

(حكم المريض الذي يخاف استعمال الماء)

وأما المريض فإن خاف من استعمال الماء تَلَفَ نفسِه فلا خلاف في المذهب أنه لا يستعمله وينتقل إلى التيمم.
وإن خاف زيادة مرض، فالمشهور أنه ينتقل.
والشاذ أنه لا ينتقل.
وهذا لتقابل المكروهين.
والصحيح انتقاله، لأن استعمال الماء على هذه الصفة من الحرج الذي تسقطه الشريعة.
وإذا بنينا على المشهور فله استعمال التيمم متى خاف أحد أربعة أوجه: حدوث مرض، أو زيادته إن كان مريضا، أو تأخير برء، أو إتلاف نفس.
ووجدان ما لا يقوم بجميع الطهارة كفقدان الجميع عند مالك.

...123

فصل (في ما يتيمم به)

وأما ما يتيمم به.
فإن تيمم بتراب طاهر منبت غير منقول عن وجه الأرض إلى الأواني فلا خلاف في الإجزاء.
فإن لم يكن على الأرض تراب ففيه قولان: المشهور أنه غير مشترط، والشاذ اشتراطه.
وقد اختلف أهل اللغة في الصعيد ما هو؟ فهل كل ما صعد على [وجه] 1 الأرض ترابًا كان أو غيره إذا كان من أجزائها؟ وقيل: وإن لم يكن من أجزائها إذا اتصل بها نباتاً أو سقوطاً معتاداً كالثلج 2 أو الجليد.
وقيل: هو التراب.
واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿طَيِّبًا﴾ 3 فقيل: منبِتاً.
وقيل: طاهراً، وهو الأظهر.
لكن احتج من قال هو المنبت بقوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ 4. وفي الحديث قوله - صلى الله عليه وسلم -: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً" 5. وفي بعض الطرق "وتربتها طهوراً" 6. وبين الأصوليين خَلاف في قبول زيادة العدل.
وإذا قلنا بأن التيمم على غير التراب جائز فهل يجوز مع وجود التراب ومع فقده؟ في المذهب قولان: أحدهما: جوازه، وهو الأصح 7 على هذا المذهب.
والثاني: كراهيته، مراعاة للخلاف.
وعلى ما قلناه في الآية والأحاديث اختلف المذهب هل يشترط التراب

كما قاله ابن شعبان؟ (1) أو يشترط وجه الأرض [و] (2) ما كان من أجزائها أو [من غير أجزائها؟ أو يكون] (3) يجوز التيمم بالخشب والحشيش والثلج والجليد (4) والحجر (5). وأما المعادن على القول بأنا لا نشترط التراب فإذا خلت منه جاز التيمم بها ما دامت مصاحبة لسطح الأرض.
وكذلك الأحجار واليواقيت.
فإن نقلت المعادن وصارت عقاقير أو معدة للاستعمال واللباس خرجت عن حكم الصعيد.

(حكم التيمم بالملح)

وفي الملح ثلاثة أقوال: قال أبو الحسن ابن القصار 6: يتيمم به، وحكى الباجي وغيره أنه لا يتيمم به، وفصل الباجي 7 بين المعدني فأجاز التيمم به وبين المصنوع فمنع التيمم به فجعله كالثلج أو الماء بل اشترط فيه من الصناعة.
وهذا كما اختلف في حلوله في الماء هل يكون كقراره أو كالمائعات.
وإن نقل التراب لمن يتيمم به ففي جواز التيمم قولان: أجازه ابن القاسم في كتاب محمد 8 لأنه من الصعيد، ومنعه ابن بكير.
واحتج بقول12345

النبي - صلى الله عليه وسلم -: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً".
ولا يكون ذلك إلا بمباشرتها بالكف.
...

فصل (لأي شيء يكون التيمم؟)

وأما لأي شيء يكون؟ فإذا تعينت الصلاة جاز التيمم لها 1، وهذا يختص بصلاة الفرض ويعم كل من ذكرنا أنه من أهل التيمم اتفاقًا.
وعلى قول من أجازه وإن لم يتعين فلا يجوز التيمم لها إلا المسافر الفاقد للماء يصير من أهل التيمم فإنه يتيمم لكل ما يفتقر إلى طهارة.
وهل يتيمم من فقد الماء لصلاة الجمعة حذراً من فواتها؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه لا يتيمم، قاله أشهب.
وهذا لأنه يراها بدلاً من الظهر فإن 2 لم يمكن أداؤها بشرطها انتقل إلى الأصل.
والثاني: أنه يتيمم، حكاه ابن القصار وأبو جعفر الأبهري 3. وهذا لأنها صلاة قائمة بنفسها، وفي المذهب قولان في ذلك.
وفي جوازه للسنن في حق الحاضر قولان: مذهب الكتاب أنه لا يجوز، على المشهور في المذهب.
والشاذ أنه يجوز، قاله ابن سحنون 4. ولعل هذا لأنه مطلوب بالصلاة ومطالب بتحصيل 5 الأجر فيستوي أن يكون مطلوبًا بها جزماً أو ندباً.

وأما صلاة الجنازة فإن لم يتعين الوجوب جرت على القولين، والمشهور (1) أنه لا يتيمم لها لأنها وإن قلنا بفرضيتها على الكفاية فإذا لم تتعين لحقت في عدم التعين بالسنن.
وإن تعينت فحكى ابن القصار أن القياس يوجب جواز التيمم.
قال: ويحتمل أن يقال لا يجوز (2) لأن من الناس من يجوز الصلاة على القبر، وقد روي ذلك عن مالك.
فيدفن الميت، ثم إذا وجد الماء توضأ وصلى على القبر.
...

فصل (هل يصلى بالتيمم أكثر من فرض)

وقد تقدم الخلاف في التيمم هل يرفع الحدث أم لا؟ والاتفاق على توجه 3 الطلب؛ ولهذا يقول أهل المذهب إذا تيمم لاستباحة فرض فلا يصلي به فرضاً غيره، لأنه يتوجه عليه الطلب للثانية 4. فبعد الفقد يلزمه التيمم ثانية، وإن اتحد وقت الفرضين بأن يكونا مجموعين أو كانت فروضا فائتة؛ ففي المذهب قولان: المشهور أنه لا يجمع بينهما بناء على أن التيمم لا يرفع الحدث، والشاذ أنه يجمع بينهما، وهي قولة لمالك، وهو بناء على أنه يرفعه.
فإن أمرناه بأن يجمع فجمع فهل يعيد الثانية؟ ثلاثة أقوال: أحدها: الإعادة في الوقت، قاله مالك في كتاب محمد.
وقال ثانية 5: يعيد أبدًا.
وقال أصبغ 6: إن كانتا مشتركتي الوقت كالظهر والعصر، وكالمغرب12

والعشاء الآخرة أعاد الآخرة [في الوقت.
وإن كانتا غير مشتركتي الوقت كالصبح والظهر أعاد الآخرة] (1). وإن خرج الوقت فالإعادة بعد الوقت على نفي مراعاة الخلاف، والتخصيص بالوقت مراعاة له، والتفرقة لأن الطلب يتوجب إذا افترق وقتهما.
ولم يختلف المذهب أنهما لا يجتمعان.
ومعلوم أنه لا يصلي الفريضة بتيمم النافلة، هذا على القول أنه لا يرفع الحدث.
أما على القول بأنه يرفعه فيلزم أن يصلي بذلك الفرض إلا أن يقال يتوجه الطلب للفرض فلا نظر إذا لم يتوجه في حق العاجز.
وكذلك (2) لو تيمم للفريضة فصلى قبلها نافلة للزمته الإعادة للفريضة لتوجه الطلب، فإن صلى بتيممه الفريضة فله أن يصلي به النافلة (3)، لأن النوافل في حكم التبع للفرائض (4) فينسحب عليها حكمها.
...

فصل (هل تصلى السنن بتيمم الفرض؟)

فإن تيمم لصلاة الصبح، فهل له أن يصلي بذلك التيمم ركعتي الفجر المشهور أنه لا يجوز له لما قدمناه من توجيه 5 الطلب.
وروى يحيى بن يحيى 6 عن مالك إجازته استحبابا.
وهذا لأنه رآها في حكم التبع، وهي1234 = وأشهب وسمع منهم، كان كاتب ابن وهب وأخص الناس به روى عنه البخاري وغيره وعليه تفقه ابن المواز وابن حبيب له تآليف حسان.
توفي سنة خمس وعشرين ومائتين وقيل سنة أربع ومولده بعد الخمسين ومائة.
الديباج المذهب ص: 97 وطبقات الفقهاء ص: 158.

بدل من (1) الأخيرتين من الرباعية.
وهل له أن يصلي السنن كالوتر بما صلى به الفرض؟ فالمشهور من المذهب جوازه، واستحب سحنون إعادة التيمم للوتر (2)، وهذا لتأكيده.

(هل توطأ الحائض إذا انقطع دمها وتيممت؟)

وعلى الخلاف في رفع التيمم للحديث اختلف هل يجوز وطئ الحائض إذا انقطع دمها وتيممت؟ فالمشهور منعه، والشاذ جوازه.

(حكم إمامة المتيمم بالمتوضئين)

وكذلك الخلاف في إمامة المتيمم بالمتوضئين؛ فالمشهور كراهيته، والشاذ جوازه.
...

فصل (في مسائل متفرقة من أحكام التيمم)

وحكم التيمم في وجوب النية حكم الوضوء لكنه، [لا]، 3 يقصد بالتيمم على المشهور إلا استباحة الصلاة دون رفع الحدث.
وعلى الشاذ: له أن يقصد رفع الحدث.
وقد قدمنا أن مذهب المدونة فيمن تيمم للحدث الأصغر ولم 4 يذكر أنه جنب لا يجزيه.
وقيل: يجزيه، وهذا لاتحاد12 = سمع يحيى مالكاً والليث وجلة أصحاب مالك.
وكانت له رحلتان من الأندلس، سمع في الأولى من مالك والليث وابن وهب واقتصر في الأخرى على ابن القاسم، وبه تفقه.
قدم الأندلس بعلم كثير فعادت فتيا الأندلس بعد عيسى بن دينار إلى رأيه.
وبيحيى وبعيسى انتشر مذهب مالك.
وكان مالك يعجبه سمت يحيى وعقله وسماه العاقل.
توفي سنة أربع وثلاثين ومائتين.
الديباج المذهب ص: 350، 351، والشجرة 63 (46).

الفعل.
وإذا نفينا الإجزاء فصلى، فمقتضى الكتاب الإعادة.
وهكذا نص عليه في مختصر ابن عبد الحكم.
وقيل: يعيد في الوقت مراعاة للخلاف.
وكذلك حكم الموالاة والترتيب في التيمم كحكمها 1 في الوضوء.
وفي المدونة فيمن نكَّس تيممه وصلى، تجزيه صلاته ويعيد التيمم لما يستقبل 2. وهذا مما يسأل عنه فيقال: أليس يعيد التيمم؛ لأنه يتيمم لكل صلاة فما معنى أمره بإعادته ها هنا؟ والجواب إن مراده استحباب الإعادة إذا أراد أن يصلي به نافلة.
وفي المدونة في اليائس من الماء يتيمم في أول الوقت ثم يجد الماء قال: لا إعادة عليه 3. وقال الأشياخ: معناه أنه وجد ماء غير الذي أيس 4 منه، وإلا لو وجده بعينه لأعاد 5؛ لأنه ظن فأخطأ.
وفي المذهب قولان في رفع الخطأ بالاجتهاد، وهو على خلاف بين الأصوليين في تصويب المجتهدين.
وقال في الكتاب في المريض والخائف والمسافر يتيممون في وسط الوقت 6. قال ابن عبدوس 7 وغيره: معناه وقت الاختيار 8. وقال فيمن غربت عليه 9 الشمس إن طمع أن يدرك الماء قبل مغيب الشفق مضى

إليه 1. وهذا يؤخذ منه أن وقت المغرب ممتد إلى مغيب الشفق.
وفي المذهب في ذلك قولان.
وقد يقال: إنه قال ذلك مراعاة للخلاف، إذ أحد القولين أن الحاضر لا يتيمم 2، وهذا حاضر.
على أن المذهب اختلف هل من شرط السفر المبيح للتيمم كونه مما تقصر فيه الصلاة، أو ليس من شرطه ذلك؟ وقوله في الكتاب: وقد كان ابن مسعود يقول غير هذا ثم رجع إلى أنه يغتسل.
فاختلف الأشياخ ما مراده بذلك فقيل: كان ابن مسعود يقول: إنه إذا وجد الماء لا يغتسل لأن تيممه يرفع الحدث ثم رجع إلى أنه يغتسل.
وقيل: إن مراده أن ابن مسعود يقول: يغتسل ويعيد الصلاة، ثم رجع إلى أنه يغتسل فقط، فلا إعادة عليه 3. وقوله في الكتاب: لا يعيد الجنب الصلاة إذا وجد الماء.
قال أبو الحسن ابن القابسي: هذا إن لم يكن في بدنه نجاسة، وإلا لو كانت لأعاد في الوقت.
وقال أبو بكر ابن اللباد 4: وإن لم تكن في بدنه نجاسة لكنه أجنب من وطئ في الفرج فإن فرجه ينجس من بلة فرج المرأة.
وهذا عندنا فيه قولان: أحدهما: الحكم بنجاسته لأن النجاسة تمر عليه، والثاني: أنه غير نجس لأنه ولوج لا يتعلق به نجاسة.
وقوله في المدونة: [ولا بأس]، 5 في الطين الخضخاض 6 يخفف

وضع يديه عليه (1). قال ابن حبيب: ثم يرفع يديه ويخففهما لينثر (2) ما فيه من الأذى خيفة أن يتعلق (3) بوجهه، ويفعل في الضربة لليدين كذلك.
...

باب في حكم الحيض والنفاس

وينفصل من الفرج دمان: أحدهما: لا يوجب حكماً، وهو دم علة وفساد، ويعبر عنه بالاستحاضة.
وإنما يستحب منه الوضوء عندنا لكل صلاة.
والثاني: دم الحيض والنفاس، وهما يمنعان من ثمانية أشياء، واختلف في تاسع: يمنع من وجوب الصلاة وأدائها، وأداء الصوم، والطواف، والاعتكاف، ومس المصحف، ودخول المسجد، والجماع، والطلاق.
واختلف هل للحائض أن تقرأ القرآن ظاهرا؟ والمشهور من المذهب جوازه لأنها مضطرة وتخاف النسيان.
وهل يمنع الجماع في الفرج وغيره؟ أما الفرج فلا خلاف في منعه.
وأما ما فوق الإزار فلا خلاف في جوازه، أما تحت الإزار مما دون الفرج ففي المذهب فيه قولان: المشهور منعه، والشاذ جوازه.
وسبب الخلاف قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ 4 الآية.
واختلف هل المراد به موضع الحيض أو زمانه؟ فإن قلنا المراد به موضعه اختص الفرج بالتحريم، وإن قلنا المراد زمانه اقتضى تحريم الجملة، لكن خص ما فوق الإزار بالحديث.123 = الكثير الماء والشجر، خَضْخَضْتُ الأَرضَ إِذا قلَبْتَها حتى يصير موضعها مُثاراٌ رَخْواٌ إِذا وصل الماءُ إِليها أَنْبَتَتْ.
والخَضِيضُ: المكانُ المُتَتَرِّبُ تَبُلُّه الأَمطارُ.
والخَضْخَضَةُ: أَصلُها من خاضَ يَخُوضُ لا مِنْ خَضَّ يَخُضُّ.

فإن انقطع دم الحائض ولم تغتسل بالماء ففي تحريم وطئها قولان: المشهور تحريمه تعويلاٌ على قراءة من قرأ (يَطَّهَّرْنَ) بالتشديد، وعلى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾.
والشاذ أنه لا يحرم.
قاله ابن بكير تعويلاٌ على قراءة من قرأ ﴿يَطْهُرْنَ﴾ بالتخفيف، لكنه كرهه مراعاة للخلاف.
...

فصل (في حد الطهر والحيض)

ولا حد لكثير الطهر بإجماع.
وكذلك لا حد عندنا ليسير الحيض فيما يرجع إلى العبادات.
وأما ما يرجع إلى العادة 1؛ فيسيره محدود بما بيانه 2 محال على موضعه.
وأما كثير الحيض فهو محدود.
والمشهور حده إما بالرجوع إلى العادة وإما بخمسة عشر يوما.
وقال ابن نافع 3: تستظهر 4 على الخمسة عشر يوماً بثلاثة أيام.
وهذا يدل على أن أكثره ثمانية عشر يوماً.
والصحيح هو المشهور.
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أن 5 النساء يتركن الصلاة شطر عمرهن 6 "، وقد

خرج مخرج الذم، فيكون منبئاً على أكثر الحيض وأقل الطهر.
وفي أقل الطهر قولان: أحدهما: حده بما يثبت بالعادات، والثاني: حده 1 بالأيام.
وإذا حددناه بالأيام فما عددها؟ أربعة أقوال: أحدها: خمسة أيام، قاله ابن الماجشون.
والثاني: ثمانية أيام، قاله سحنون واستقرأه أبو محمد بن أبي زيد من المدونة.
والثالث: عشرة أيام، قاله ابن حبيب.
والرابع خمسة عشر يوما، قاله محمد بن مسلمة.
وهذه الأقوال لا أصل لها إلا الرجوع إلى العادة، وكذلك جميع ما اتفق فيه من مسائل الحيض والاستحاضة، وجميع ما اختلف فيه.
فإنما يرجع الاتفاق إلى اتفاقهم في العادة، والاختلاف إلى اختلافهم فيها؛ لأن دم الحيض فضلات الغذاء يجمع في الرحم ثم ينفصل بعد الاجتماع.
وذلك على عادة أجراها الله تعالى في النساء.
ومتى استمرت على العادة فهو دم الحيض، ومتى خرجت عن العادة فهو دم الاستحاضة.
وإنما يعول في ذلك على العوائد نفيًا وإثباتًا؛ فمرة يرد مالك الأمر إلى العادة من غير جزم، ومرة يجزم هو أو أحد أصحابه بحسب ما ثبت عندهم.
فإن ثبتت عادة فلا إشكال فيما 2 اتفقوا.
وإن اختلفت شهد كل واحد بما ثبت عنده من العادة.
وقد احتج لمذهب ابن مسلمة بأن الله سبحانه جعل عدة من تحيض ثلاثة قروء واليائسة ثلاثة أشهر، وهي بدل من 3 القرء.
والتقسيم يؤدي 4 إلى أن الشهر يقوم مقام 5 أكثر الحيض وأقل الطهر.
وأيضاً فالحديث المتقدم يشهد لذلك.
... = أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن" قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: "أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل" قلن: بلى قال: فذلك نقصان من عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ " قلن: بلى قال: "فذلك من نقصان دينها".

فصل (في حكم الدم الخارج ممن لا تحيض أو ممن تحيض)

وإذا رأت المرأة دماً فلا يخلو من ثلاثة أقسام: إما أن تكون ممن لا تحيض لصغر، وإما أن تكون ممن لا تحيض لكبر، وإما أن يكون سنها من من تحيض 1؛ فالأولى لا حكم لدمها لأنه دم علة [وفساد] 2، والثانية فيها قولان فيما يرجع إلى العبادة 3 لا إلى العِدَدِ: أحدها: أنه كدم الحيض.
رواه ابن المواز عن مالك 4 لأن ترك العبادة تنزيه عن 5 قربها مع وجود دم، والكبيرة 6 أولى بذلك.
والثاني: أنه كدم العلة، قاله في كتاب العدة من المدونة، وبه قال ابن حبيب 7. وهذا قياس على الصغيرة وعلى حكم العدة 8. وهل تغتسل على هذا القول لانقطاعه؟ قال ابن القاسم: لا غسل عليها، وهذا هو الأصل.
وقال ابن حبيب: عليها الغسل وهذا احتياط.
وكم سن اليائسة؟ قال ابن شعبان 9: خمسون سنة.
محتجاٌ بقول عمر: بنت خمسين عجوزاً في الغابرين.
وقالت عائشة: قل من تُجَاوِزُ الخمسين فتحيض إلا أن تكون فارهة 10 والثالثة: هي التي في سن من تحيض، فيحمل 11 ما تراه من الدم على الحيض بإجماع، إلا أن يعرض ما

ينقله عن ذلك على ما نفصله.
وإن حكمنا بكونه حيضاً 1،وانقطع اغتسلت وصلت وكانت طاهراً.
وكيف يعلم انقطاعه؟ لانقطاعه علامتان: الجفوف وهو أن تدخل الخرقة فتخرجها جافة.
والقَصَّة البيضاء وهي أن الدم يكون في أول الحيض أسوداً غليظاً ثخيناً، لا يزال يدق ويصفر حتى يكون في آخره كالقصة 2 وهو الجير.
وإن كانت المرأة معتادة لأحدهما فرأت عادتها حكمت بانقطاعه.
وإن رأت غير عادتها فقولان: أحدهما: أن القصة أبلغ من الجفوف؛ فمن اعتادت بالجفوف طهرت بالقصة البيضاء، ومن اعتادت بالقصة لم تطهر بالجفوف، قاله ابن القاسم.
والثاني: عكس هذا وهو أن الجفوف أبلغ، قاله ابن عبد الحكم.
[وإن كانت غير معتادة فلا تطهر إلا بالجفوف، قاله ابن القاسم وابن الماجشون.
وقال الباجي: وهو نزوع 3 إلى قول ابن عبد الحكم] 4. وكل هذا مبني على عوائد النساء كما قدمناه، ولكن إن رأت غير عادتها وقلنا لا تطهر بذلك فإنما معناه أن تنتظر الثاني، ما لم تخف فوات وقت الصلاة.
وما هو الوقت؟ حكى أبو محمد عبد الحق عن أشياخه قولين: أحدهما: أنه الوقت المختار، والثاني: الضروري.
وهذان وجههما 5 كون أحد الأمرين يسد مسد الآخر.
لكن طلب المعتاد 6 من باب الأولى والأسَدِّ 7 وعند الضرورة وخوف الفوات الكلي.
...

فصل (حكم الدم المتمادي)

وإن تمادى الدم فلم ينقطع فلا يخلو من أن تكون مبتدئة أو معتادة؛ فإن كانت مبتدأة ففي الكتاب أنها تمكث خمسة عشر يوماً ثم هي مستحاضة 1. وروى علي بن زياد وابن وهب عن مالك أنها تمكث أيام عادتها وهي أترابها 2. وإذا قلنا بهذا فهل تستظهر وإن كانت معتادة؟ في الكتاب قولان: أحدهما: أنها تقيم خمسة عشر يوماً، والثاني: أنها تمكث أكثر عادتها.
وهل تستظهر على ذلك؟ روايتان كما قلنا في المبتدئة.
وهل تكون فيما بين أيام العادة 3 وبين الخمسة عشر يوماً كالطاهر 4 على الإطلاق أم لا؟ روايتان عن مالك رحمه الله: أحداهما: أنها طاهر مطلقاً، وهو مقتضى المدونة على ما سنذكره.
والثاني: أنها تحتاط، تصوم وتقضي، وتصلي ولا تقضي، وتُمنع من وطء الزوج 5. وإذا قلنا إنها تجلس أيام عادتها وتستظهر، فإن الاستظهار بثلاثة 6 أيام ما لم تزد على خمسة عشر يوماً على المعروف من المذهب.
وقد قدمنا قول ابن نافع.
فإن انقطع عنها الدم عند الخمسة عشر يوماً فهل تعيد الغسل؟ أما 7 على القول بأنها تحتاط فلا شك في وجوب الغسل، وأما على القول بأنها طاهر على الإطلاق فلا يلزم الغسل إلا مراعاة للخلاف.
وقد اختلف 8 في دم الاستحاضة ينقطع.
وفي الكتاب قولان 9:

إسقاط الغسل وهو الأصل؛ لأنه دم علة وفساد لا يوجب (1) غسلاً.
والثاني: استحباب الغسل مراعاة للخلاف.
وكل هذا الخلاف راجع إلى عوائد كما قدمناه مع (2) الرجوع إلى أحد ثلاثة أصول (3): إما إلى الاحتياط في لزوم العبادة (4)، فلا تسقط مع الشك، وإما النظر إلى الأصل والأصل (5) فقد دم الحيض.
فمتى وقع الشك رجعنا إلى أصل الحقيقة (6). وأما استصحاب وجود دم الحيض فلا يحكم بزواله إلا مع تيقن الزوال.
فتصرف هذه الأقوال إلى هذه الأصول.
...

فصل (حكم الدم الذي ينقطع ثم يعود)

وإذا انقطع الدم ثم عاد نظرنا؛ فإن كان بين انقطاعه وعودته مقدار أقل الطهر على ما قدمناه من الخلاف حكمنا بأن الثاني حيض مستأنف.
وإن كان ما بينهما أقل من ذلك 7 حكمنا بأن الثاني مضاف إلى الأول.
لكن إن كمل من الأول أكثر من [مدة] 8 الحيض على ما قدمناه فالثاني استحاضة، وإن لم يكمل فالثاني تكميل للحيض الأول.
فإن كانت المرأة ممن ترى الدم يوماً أو يومين والطهر يوماً أو يومين، فإن كانت أيام الدم أكثر من أيام الطهر فلا خلاف أنها مستحاضة لأن المرأة123456

لا تحيض أكثر من زمان طهرها.
وإن كانت أيام الطهر كأيام الحيض أو أكثر، فهاهنا قولان: المشهور أنها مستحاضة، ومذهب محمد بن مسلمة أنها طاهرة حقيقة في أيام انقطاع الدم، وحائض حقيقية في أيام وجوده.
وهذا راجع إلى عادة كما قدمناه.
...

فصل (مدة الاستحاضة)

وإذا حكمنا بالاستحاضة فإن حكمها مستصحب ما لم يتغير الدم.
وإن تغير بعد زمن بينه وبين الحيض السابق أقل من الطهر لم يُلتفت إلى تغييره، وإن كان زمان مقدار الطهر فأكثر فالثاني حيض مبتدأ.
وإذا حكمنا بأن الدم المتغير حيض وتمادى فعلى القول الأول بأن من تمادى بها الدم تجلس خمسة عشر يوماً فلا تستظهر (1) إلا على ما قاله ابن نافع.
وعلى القول بأنها تجلس أيام عادتها فهل تستظهر؟ قولان: أحدهما: أنها لا تستظهر، قاله محمد بن مسلمة.
والثاني: أنها تستظهر، قاله ابن عبد الحكم.
وأشار الباجي إلى أن هذا الخلاف على القول بأن من لم يحكم [لها] (2) بالاستحاضة تستظهر.
وهذا لأن تلك إنما تستظهر لعل الدم زاد زيادة يسيرة فتستظهر رجاء أن ينقطع الدم، وإذا حكمنا باستحاضتها فالرجاء في ذلك ضعيف.
...

فصل (حكم الدم المنفصل من الحامل)

والذي تقدم حكم الحائل.
وأما الحامل فالدم المنفصل من فرجها عندنا على حكم الحيض، فإن انقطع فكما قلناه في الحائل، وإن تمادى فلا تخلو إما أن تتغير عادتها بالحمل أو لا تتغير؛ فإن لم تتغير فحكمها حكم12

الحائل، وإن تغيرت فهاهنا قولان: مذهب أشهب أنها بحكم الحائل لكون الحمل عندنا 1 يذهب الدم.
ولهذا شبهه بالرضاع والمرض.
ورواية ابن حبيب عن مالك وهو مذهب ابن القاسم وابن وهب أنه ليس كذلك، وإنما يجتمع الدم ثم يندفع وليس أول الحمل كآخره.
وكم مقدار ما تجلس؟ ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تجلس بعد الشهرين والثلاثة الأشهر خمسة عشر يوماً ونحوها.
وإذا جاوزت الستة الأشهر فرأته فإنها تترك الصلاة ما بين العشرين أو نحو ذلك، قاله ابن القاسم.
والثاني: إن رأته في أول شهور الحمل جلست قدر أيامها والاستظهار.
وإن رأته في الثاني فمثلي ذلك ولا تستظهر.
وإن رأته في الثالث فثلاثة أمثال ذلك.
وفي الرابع أربعة 2 أمثاله حتى تبلغ ستين يوماً فلا يُزاد عليها.
قاله مالك عند ابن حبيب.
والثالث: أنها في آخر الحمل تضعف أيام حيضتها ثم تغتسل لأن دمها أكثر من [دم]، 3 الحيض.
وكأن قول ابن القاسم وابن وهب مبنيان على أن الدم وإن اجتمع فهو ينقص باغتذاء الولد منه.
وقول مالك عند ابن حبيب مبني على أن الدم يجتمع ثم يندفع.
ولمالك قول رابع في المبسوط 4 ينفي التحديد، لكن تجلس ما لم تسترب من طوله، ويرى أنه سقم حدث، وليس مما يعرض للنساء في الحمل، فإذا رأت 5 ذلك حكمت بالاستحاضة.
وهذا جواب من لم يثبت عنده عادة مستقرة 6 فأحال على حال من اعتادت ذلك وما يظهر من أمره.

فصل

(حكم دم النفاس المنقطع والمتمادي)

وقد تقدم أن دم النفاس كدم الحيض وهو متى انقطع كان حكمه كحكم انقطاع دم الحيض (1)، فإن تمادى ففي المذهب قولان: أحدهما: أن أقصاه ستون يوما، فإن زاد على ذلك كان دم علة وفساد.
وهذا لتقرر العادة عنده بذلك.
والثاني: الإحالة على الرجوع إلى أهل المعرفة بالعوائد من النساء وغيرهن.
وهو جواب من لم يتقرر عنده عادة [يجري عليها الحكم] (2). وإذا عاد الدم بعد إنقطاع دم النفاس؛ فإن كان بين الانقطاع والعودة مقدار أقل الطهر على الأقوال المتقدمة عد الثاني حيضاً مؤقتاً، وإن كان بينهما أقل من ذلك [فإن] (3) كمل دم النفاس بما قدمناه من الأجل فالثاني استحاضة، وإن لم يكمل أكملته من الثاني (4). فإن انقطع عند الكمال فهو دم النفاس وإن زاد فهو دم استحاضة.
وقد قدمنا القولين في خروج الولد نقياٌ عن دم.

(حكم من ولدت وبقي في بطنها آخر)

وما حكم من ولدت ولدا وبقي في بطنها آخر والدم ينبعث؟ في المدونة قولان: أحدهما: أن حكمها حكم الحامل تحيض لأن الحمل باق.
والثاني: أن حكمها حكم النفساء 5 لانفصال الولد 6. ...1234

تنبيهات

منها: اختلاف الأشياخ في مقتضى مذهب المدونة في حكم الأيام التي بين أيام الاستظهار والخمسة عشر؛ أما ابن وهب فلا شك أن مقتضى روايته الأخذ بالاحتياط، لقوله: تصلي 1 وليست عليها أحب إلى من أن تترك الصلاة وهي عليها.
وأما رواية ابن القاسم في كتاب الطهارة فلا تدل تصريحاً على أحد أمرين 2، لكن في كتاب الحج إذا حاضت المرأة قبل الطواف حبس عليها كَرْيُهَا 3 قدر أيامها والاستظهار.
وأخذ أبو موسى ابن قناس من هذا كونها طاهراً مطلقاً؛ لأنها إذا طافت بعد أيام الاستظهار فأجزأها فهي لا شك طاهر مطلقاً.
وذكر أبو محمد عبد الحق مخالفة غيره من الأشياخ لهذا التأويل.
وقال: معنى حبس الكري 4 هذه المدة لعل الدم ينقطع فإذا لم ينقطع فسخ الكري لأنه ضرر بالكري.
ومنها: قوله في الكتاب في امرأة رأت الدم خمسة عشر يوماً ثم رأت الطهر خمسة أيام ثم رأت الدم أيامها 5 ثم رأت الطهر 6 سبعة أيام.
قال: هذه مستحاضة 7. فاستقرأ أبو محمد بن أبي زيد من هذا أنها لو رأت الطهر ثمانية أيام لم تكن مستحاضة.
وإن أقل الطهر ثمانية أيام لاقتصاره على سبعة.
وأنكر أبو عمران وغيره من الأشياخ هذا الاستقراء لأن ذكر السبعة [إنما] 8 جرى في السؤال ولم يقصد به التحديد.
وإنما يؤخذ من ذلك أن السبعة الأيام لا تكون طهراً.

واختلف المتأخرون أيضاً في قوله: هذه مستحاضة هل في الأيام التي أتاها فيها الدم بعد الخمسة؟ أو فيما بعد السبعة؟ ولا شك أنها مستحاضة في الجميع.
ومنها: حكمه في الكتاب فيمن اختلط عليها الطهر والحيض لأنها مستحاضة، واختلف الأشياخ لو طلقها الزوج في أيام انقطاع الدم هل يكون طلاقه مباحاً ولا يجبر على الرجعة قاله غير واحد من الشيوخ الصقليين، أو يكون طلاقه محرماً 1 فيجبر على الرجعة؟ قاله غير واحد من القرويين.
وهذا على 2 الخلاف في تحريم الطلاق في الحيض هل ذلك خيفة تطويل العدة فيكون [على] 3 هذا محرماً، أو شرع غير معلل فيكون هذا مباحاً.
وعلى هذا اختلف متقدموا أهل المذهب 4 في طلاق التي لم يدخل بها هل يجوز في الحيض إذ لا عدة يخاف تطويلها أو يحرم لأن ذلك غير 5 معلل؟ ومنها: قول أشهب في الحامل لا تستظهر إلا أن تكون استرابت.
وروي بإسقاط "لا" 6. وأكثر الأشياخ على أن إثبات"لا" هو الصواب ولا معنى لإسقاطها.
وحكى أبو محمد عبد الحق عن بعض القرويين أنه التمس لإسقاطها وجها فقال: معنى استرابتها أنها شكت في كون دمها دم حيض أو دم [نفاس] 7 سقط.
ومتى استرابت هذه الريبة فإنها تقيم أيامها وتستظهر عليها ولا تجلس أكثر من ذلك وإن كانت قد شكت.
وتبقى على جلوس الحائض دون جلوس النفساء.
وهذا بعيد عن مقصد أشهب.
والصحيح إثبات "لا" لأنها متى لم تسترب كانت كالحائل كما قدمناه فتستظهر بناء على أحد القولين.

ومنها: قوله في الكتاب (وإذا جاوزت الستة أشهر من حملها.
ثم رأته تركت الصلاة ما بين العشرين يوماً أو نحو ذلك) 1 فاختلف الأشياخ في حكم الستة الأشهر هل تكون كحكم ما بعدها؛ لأن الوضع 2 قد يكون فيها، ولأن أفعال من بلغتها في الثلث كفعل من جاوزتها.
وقيل: حكم الستة كحكم ما قبلها لأنه قيد في الكتاب مجاوزة 3 الستة.
والأول: مذهب ابن التبان 4 وغيره من الصقليين.
والثاني: مذهب ابن أبي زيد تم كتاب الطهارة بحمد الله وحسن عونه.

فصول الكتاب · 12 فصل · 967 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العبادات · 967 صفحة
المقدمة
كتاب التنبيه على مبادئ التوجيه،
كتاب الجامع
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الجنائز
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة
كتاب الزكاة الثاني
جارٍ التحميل