اللخمي أن يجعل فيه خلافاً إذا لم يطل، وعول في ذلك على كلام القاضي أبي محمد (1) أن ذلك سبب حدث (2). وهذا الذي قاله ليس بشيء، لأن القاضي لما قال إنه سبب للحديث [ساوى بين قليله وكثيره في نقض الوضوء، وفرق في النوم.
وإنما أراد به] (3) [أنه سبب حدث] (4) لكنه سبب يقتضيه ولا بد (5)، وذلك حقيقة السببية (6).
(هل تنقض الطهارة الكبرى بفقدان العقل؟)
وهل يقتضي فقدان العقل نقض الطهارة الكبرى؟ المشهور أنه لا يقتضيه.
ورأى ابن حبيب أنه يقتضيه في حق المصروع، لأنه رأى أن الغالب خروج المني من أهل هذه العلة متى صرعوا.
وهذا إنما يعول فيه (7) على وجدان المني بعد الإفاقة وعدم وجدانه.
والمشهور أيضاً من المذهب أن المني متى عري (8) عن اللذة لم يوجب غسلاً على ما نفصله [بعد] (9).
...
فصل (حكم لمس المرأة)
ويلحق اللمس بسبب الأحداث، وإن أخره في الكتاب.
وهو 10 يوجب عند مالك رحمه الله - إذا كان غير عار من اللذة- نقض الوضوء.123456789
والمعتمد في ذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (1). وتفصيل المذهب (2) أن اللمس لا يخلو من أربع صور؛ إحداها: أن يقصد به اللذة وتوجد، فيجب الوضوء بلا خلاف.
والثانية: أن يجد ولا يقصد، فكذلك أيضًا (3) يجب الوضوء.
والثالثة: ألا يقصد ولا يجد، فلا يجب الوضوء.
والرابعة: أن يقصد ولا يجد فيها، هنا مقتضى الروايات وجوب الوضوء.
والأشياخ يحكون عن المذهب قولين: الإيجاب والإسقاط، وإنما يعولون في ذلك على الخلاف في الوضوء هل يرفض (4) بالنية، وفي المذهب في ذلك قولان.
وهذا الذي يعولون عليه (5) ليس بشيء، لأن اللمس هاهنا قد وجد منه فعلاً (6) بخلاف الرفض بمجرد النية من غير فعل.
وهذا التفصيل المتقدم في حق اللامس، وأما الملموس فلا تفصيل فيه، وإنما يقال إن وجد اللذة توضأ وإن لم يجد فلا وضوء عليه.
(حكم القبلة)
وكذلك أيضاً لا تفصيل أيضاً في القبلة على الفم على المشهور من المذهب، بل توجب الوضوء إذا كانت فيمن توجد اللذة بقبلته على الإطلاق.
وهذا لأن الغالب وجود اللذة بها، فإن شذت نادرة فلا يلتفت إليها.
وقيل: هي بمنزلة اللمس؛ فإن فقدت اللذة والقصد إليها لم ينتقض الوضوء، وهذا على الخلاف هل تراعى الصور النادرة أو يعطي الحكم للغالب.
ومتى كان اللمس دون حائل فإنما يراعى فيه وجود اللذة [فيجب الوضوء] 7، أو 8 فقدانها فلا يجب.123456
(حكم الإنعاظ)
وأما الإنعاظ (1) من غير مس ففيه قولان: أحدهما: إيجاب الوضوء، والثاني: إسقاطه.
قال الأشياخ: وإنما ينبغي أن ينظر الإنسان إلى حاله، فإن اعتاد وجود المذي متى كان منه ذلك توضأ، وإن اعتاد فقده لم يتوضأ.
(حكم اللذة من غير مس)
وأما اللَّذة من غير لمس كمن يتذكر 2 فيتلذذ أو 3 ينظر فيتلذذ، فإن كان عن ذلك مذي وجب الوضوء، وإن لم يكن مذي ولا إنعاظ لم يجب الوضوء على المشهور والمعروف من المذهب.
وأوجبه أبو العباس الإبياني 4 وابن بكير 5. وهذا لا أصل له وهو يؤدي إلى الحرج الذي تسقطه الشريعة السمحة.
...1
فصل (في حكم من يعتريه المذي)
وأما الأحداث التي قدمنا تَعدادها فإن خرجت على وجه العادة أوجبت 1 الوضوء بإجماع، وإن خرجت على غير العادة كالمستنكح، فلا يخلو من كانت به تلك العلة من أن يقدر على رفعها كمن يعتريه المذي لطول عزبة 2 وهو قادر على إزالة العزبة بالتزويج أو التسري [أو لا يقدر على رفعها كمن لا يمكنه التزويج أو التسري] 3، وكمن يعتريه ذلك لإبرَدة 4 أو يعتريه شيء من الأحداث ويلازمه، فإن قدر على إزالة 5 ذلك بالتداوي كما قلنا ففيه قولان: المشهور إيجاب الوضوء، لأن قدرته على الرفع تلحق ذلك بالمعتاد، والشاذ إسقاط الوضوء لأنه خارج على غير العادة فأشبه من لا يقدر.
وقد يقال هاهنا أن هذا على الخلاف فيمن ملك أن يملك هل يعد مالكاً أم لا؟ وإن كان لا يقدر على الرفع فلا يخلو من أن يلازمه ذلك ولا يفارقه، أو يفارقه في بعض الأوقات 6 ويلازمه في بعضها؛ فإن لازم ولم يفارق فلا يجب الوضوء منه ولا يستحب، لأنه لا معنى للوضوء وهو يسيل 7 معه بعد 8 فراغه، وإن كان يلازم ويفارق فلا يخلو من ثلاث صور؛ إحداها: أن تكون ملازمته أكثر، فهذا يستحب منه الوضوء ولا يجب.
والثانية: أن تكون مفارقته أكثر، فهذا فيه قولان: المشهور إيجاب الوضوء، والشاذ -وهو رأي جماعة من البغداديين- إسقاطه، وهو خلاف في حصول الحرج بذلك.
فمن رآه حاصلا أسقطه، ومن رآه غير حاصل لم يسقط 9 بذلك الوجوب.
والثالثة: أن تكون ملازمته ومفارقته سيان 1، فهاهنا قولان؛ أحدهما: الإيجاب 2، وهو 3 شهادة [بأن الحرج غير 4 حاصل، والثاني: الإسقاط وهو شهادة] 5 بحصول الحرج.
والبغداديون يرون أن هذه الأحداث إنما توجب متى خرجت على العادة، فإن خرجت على غير العادة 6 وصارت علة فلا يتعلق عليها حكم على كل الأحوال.
واختلف في إسقاط 7 الوضوء هل يكون ذلك رخصة للإنسان في نفسه لا يتعداه، أو سقوط 8 ذلك يجعل الخارج كالعدم؟ فيه قولان، وعليه يختلف هل يجوز له الإمامة لغيره وكذلك الحكم في من كانت تنفصل 9 عنه النجاسة لا يقدر على الاحتراز منها، كمن به قروح؛ ففيه قولان 10: هل تجوز له الإمامة أو لا؟ وقد أخبر عمر رضي الله عنه أنه يجد ذلك في الصلاة فلا ينصرف حتى يقضي صلاته، وهذا يشعر بكونه مستنكحاً.
وقد كان إماماً، ولم يذكر أنه ترك الإمامة بسبب ذلك.
وهذا يشهد لأحد القولين.
وفي المدونة عنه هذا وعنه الأمر بغسله والوضوء منه 11 وتأول بعض الأشياخ على أن إخباره [عنه] 12 على حالتين مختلفتين، وهذا لا يفتقر إليه لأنه إنما أخبر في أحد الأثرين عن حالته 13، وأمر في الأثر الثاني غيره.
فتكلم على حكم نفسه في الاستنكاح وعلى حكم غيره إذا لم
يكن مستنكحًا.
وقد تقدم القولان في الردة هل تنقض الوضوء أم لا؟
وسبب الخلاف اختلاف آيتين؛ قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ 1، وهذا يقتضي الإحباط [بنفس الارتداد] 2، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ 3، فقد اشترط الوفاة على الارتداد.
وهذا يقتضي أنه لا يكون الإحباط 4 بنفس الردة.
ويعتذر هؤلاء عن الآية الأخرى 5 بأن المخاطب بها الرسول - صلى الله عليه وسلم -. ولما كانت معرفته أكثر طرقًا 6 كانت عقوبته لو تصورت الردة أشدّ.
واعتذر الأولون عن هذا بأن المخاطب الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمراد غيره، لأنه - صلى الله عليه وسلم - لا تصح عليه الردة.
وهكذا اختلف في حكم المرتد 7 إذا عاد إلى الإسلام هل يعود كأنه لم يزل مسلماً، أو يكون كمبتدئ الإسلام الآن؟
وأما الاختلاف في الرفض فسببه أن النية فرض في الوضوء على المشهور من المذهب، لكن هل المقصود بها تصحيح الفعل 8 وقد حصل 9 ذلك، أو تكون كجزء من أجزاء الوضوء يجب استصحاب حكمها ما دام وضوؤه 10 باقيًا؟ فإذا أتى بما يناقضها 11 كان ذلك كبطلان جزء من أجزاء الوضوء، وبطلان جزء منه كبطلان جميعه.
...
([فصل] (1) هل يكون المذي بمنزلة البول والودي؟)
وقد اختلف في المذي هل يكون بمنزلة البول والودي، أو يختص بأحكام ينفرد بها؟ وإذا قلنا إنه بمنزلتهما فلا تفريع، وإذا قلنا إنه يخالفهما ففي أي شيء تقع المخالفة؟ المشهور أنه لا يجوز (2) فيه الاستجمار بالحجارة، لأنه في الغالب إنما يأتي مستجلبًا بخلاف البول والغائط فإنهما (3) يخرجان بطبع (4) الغذاء.
والمشهور أيضًا من مذهب المغاربة (5) من المالكية أنه يغسل منه جميع الذكر، ومذهب البغداديين أنه يجزي منه غسل موضع الأذى.
وسبب الخلاف [ما ورد] (6) في الحديث من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "اغْسِلْ ذَكَرَكَ" (7)، والذكر له أول وآخر.
وبين الأصوليين خلاف في الأسماء هل تحمل على الأوائل أو على الأواخر؟ فمن حملها على الأوائل قال يُقصر الغسل على مخرج الأذى، ومن حملها على الأواخر قال بغسل جميعه.
(حكم من صلى وقد غسل ذكره بلا نية)
واختلف القائلون بغسل جميعه هل يفتقر إلى نية أم لا؟ وسبب الخلاف هل غسل جميعه تعبد، أو هي عبادة تعدت محل سببها فأشبهت 81234567
الوضوء والغسل في افتقارهما إلى النية؟ أو غسله لتنقطع مادة المذي فلا يفتقر إلى نية؟
واختلف القائلون بالافتقار إلى النية لو صلى وقد غسله بلا نية؛ هل يعيد الصلاة أم لا؟ ومقتضى إيجاب النية أن يعيد الصلاة، وترك الإعادة مراعاة الخلاف.
واستقرأ بعض المتأخرين من المدونة أنه يغسل الذكر من المذي عند إرادة الوضوء، فإن غسله قبل ذلك لم يجزه وعوَّل في ذلك على قوله في المدونة: ولا يلزم غسل الأنثيين عند الوضوء، إلا أن يخشى أن يكون أصابهما شيء، وإنما عليه غسل ذكره 1. فعوَّل على هذا الكلام ظانًا أن مراده إنما عليه غسل ذكره إذا أراد الوضوء.
وهذا الاستقراء فيه بُعْدٌ، لأن مراده أنه لا يغسل الأنثيين وإنما يغسل الذكر خاصة.
وقوله: إلا أن يخشى أن يكون أصابهما شيء، يقتضي أنهما مع الشك هل أصاب الجسد نجاسة 2 فيغسله، بخلاف الثوب فإن الثوب يجزي فيه النضح.
وفي الجسد قولان: أحدهما: إجزاء النضح، والثاني: وجوب الغسل.
ونقل بعض المتأخرين 3 ما في المدونة على تحقيق الإصابة فقال إلا أن يصيبهما 4 شيء.
والمذي ماء إلى الصفرة أميل بين الدقة 5 والثخانة يخرج عند اللذة الصغرى كالقبلة والمباشرة.
والودي ماء إلى البياض أميل وفيه ثخانة يخرج عقيب 6 البول، فقد يعتريه من كثرة البردة 7، أو من حصار 8 عن النكاح.
والمني الموجب للغسل ثخين أبيض في الغالب يخرج عند اللذة الكبرى ورائحته كرائحة الطلع وكرائحة العجين.
...
فصل (في حكم الشاك في الوضوء)
والشاك في الوضوء لا يخلو شكه من أن يكون في جملة الوضوء أو في بعضه، ولا يخلو من أن يكون سالم الخاطر أو مُوَسْوَسًا 1؛ فإن شك في الجملة وهو سالم الخاطر فلا يخلو [شكه] 2 من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يوقن بالحدث ويشك هل توضأ بعده فيجب عليه الوضوء بإجماع.
والثاني: أن يوقن بالوضوء ويشك في الحدث، فهذا فيه قولان: أحدهما: الإيجاب للوضوء، والثاني: استحبابه.
[والقسم الثالث أن يشك في الحدث والوضوء جميعًا، فهذا يطرح ما شك فيه ويبني على ما كان حاله قبل الشك؛ فإن كان محدثًا لزمه الوضوء، وإن 3 كان متوضئًا كان كالقسم الثاني] 4. وحكى أبو الحسن اللخمي عن المذهب خمسة أقوال فيمن أيقن بالوضوء وشكَّ في الحدث: أحدها: وجوب الوضوء، والثاني: إسقاطه.
والثالث: استحبابه، والرابع: وجوبه إلا أن يكون في صلاة، والخامس التفرقة بين أن يستند شكه إلى سبب متقدم أو سبب في الحال؛ فإن استند شكه إلى سبب متقدم [كمن شك هل كان أحدث قبل وقته فيجب عليه الوضوء، وإن استند إلى سبب في الوقت] 5 كمن شك هل خرج منه ريح أم لا فإنه يعتبر هل سمع صوتاً أو وجد ريحاً، فإن لم ير أثراً من ذلك فلا وضوء عليه.
وهذا لا يوجد في المذهب على ما حكاه أبو الحسن اللخمي من
الخمسة الأقوال.
وإنما في المدونة القولان (1) خاصة، ومن قال بإسقاط الوضوء لا شك أنه يستحبه، ومن يفرق بين الصلاة وغيرها فإنما يبني على أنه مستحب فلا يقطع الصلاة بسببه.
وسبب القولين استصحاب حالتين: أحدهما: وجوب الصلاة في ذمته فلا يخرج عنها إلا بوضوء متيقن، والثاني: وجود الوضوء فلا ينتقض إلا بتيقن الزوال وإن شك في البعض.
والأصل أنه لم يقع فلا يبرأ (2) إلا بكماله، فتجب عليه الإعادة، وهذا كله إذا لم يكن مُوَسْوَساً (3). فإن كان مُوَسْوَساً فانه يبني على أول خاطره، فإن سبق إلى نفسه أنه أكمل فلا يعيد، وإن سبق إلى نفسه أنه لم يكمل أعاد، لأنه في الخاطر الأول مشابه للعقلاء (4)، وفي الثاني مفارق لهم.
...
فصل (في طهارة سؤر الحائض والجنب)
وقد تقدم أن كل حي (5) طاهر، فسؤر الحائض والجنب طاهر.
وقد تقدم حكم من عادته يستعمل النجاسة، والنصراني من ذلك القبيل.
...
فصل (في حكم ترتيب الوضوء)
وقد تقدم أن ترتيب الوضوء سنة وهو المشهور، وفي المذهب قولان آخران: أحدهما: أنه فرض، والثاني: أنه يجب مع الذكر ويسقط مع12345
النسيان.
فإن قلنا بالفرضية فمن نكس بطل وضوءه ولا تجزيه الصلاة بالوضوء المنكس، وإن فرقنا بين العمد والنسيان أجزأه مع النسيان دون العمد، وإن بنينا على المشهور من المذهب فإن صلى أجزأته صلاته.
وهل 1 يعيد الوضوء؟ إن كان عامداً 2 أعاده من أوله ليأتي بالسنة على وجهها، وإن كان ناسياً فلا يخلو أن يكون بحضرة الماء أو بعد أن تباعد عنه؛ فإن كان بحضرة 3 الماء أعاد ما نكس وما يليه، وإن تباعد وكان مثلا 4 غسل يديه [قبل وجهه] 5 ثم مسح برأسه وغسل رجليه فمذهب ابن القاسم أنه يعيد غسل يديه خاصة، ومذهب ابن حبيب أنه يعيد اليدين وما بعدهما 6. وقد اعترض بعض الأشياخ قول ابن القاسم ورأوا أنه لا يحصل بذلك الترتيب بل يبقى على فساده 7؛ لأنه إذا أعاد اليدين خاصة صارتا واقعتين بين الرأس والرجلين وذلك فساد للترتيب.
وإنما أوتي على هؤلاء من قبل أنهم ظنوا إعادة اليدين للترتيب [الذي] 8 بينهما وبين سائر الأعضاء، وإعادتهما هاهنا إنما هي لتقع بعد الوجه، وإلا فقد حصل الترتيب بينهما وبين الرأس والرجلين بالغسل 9 الأول، وإنما فساد الترتيب بينهما وبين الوجه كما قلناه، فإذا أعادهما 10 ذهب ذلك الفساد.
...
فصل (في حكم المضمضة والاستنشاق)
وقد قدمنا أن المضمضة والاستنشاق سنتان، فمن تركهما لم يبطل وضوؤه ولا صلاته؛ هذا إذا تركهما ناسيًا، فإن تركهما متعمدًا فينبغي أن يختلف في (1) ذلك على الخلاف فيمن ترك السنن متعمدا.
ولا خلاف أنه لا يعيد (2) الصلاة بعد الوقت.
وإنما وقع الخلاف في المذهب في الإعادة (3) في الوقت.
ويمكن أن يقال ليس يلزم إذا قيل في سنة تجب الإعادة بعد الوقت أن يلزم (4) ذلك في كل سنة، لأن السنن متباينة الترتيب في التأكيد.
وحقيقة ما يعاد من السنن المتروكة في الوضوء وما لا يعاد أن كل سنة متى تركت ولم يؤت [بها] (5) في محلها بعوض فإنها تعاد (6)؛ وهذا كالمضمضة (7) ومسح داخل الأذنين، والترتيب.
وكل سنة عوضت (8) في محلها كغسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء وكمسح الرأس عائدًا من المؤخر إلى المقدم فلا يعاد، لأن محله قد حصل فيه الغسل والمسح.
وتَكرار (9) المضمضة والاستنشاق على ما قدمناه في تكرار المغسول.
وله أن يجمعهما في غرفة واحدة أو يفرقهما فيأتي بكل واحد منهما بغرفة.
(حكم ترك مسح داخل الأذنين)
وأما داخل الأذنين فلا خلاف أنهما سنتان؛ فمن ترك مسحهما لم تبطل طهارته 10 على ما قدمناه في المضمضة والاستنشاق، ويعيدهما لما123456789
يستقبل.
وأما خارج الأذنين ففيهما قولان: أحدهما: أن مسحهما فرض، والثاني: أنه سنة.
وفي الحديث: "الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ" (1)، ويحتمل أن يريد بذلك أنهما تمسحان كمسحه أو هما مفروضتان كفرضيته (2). والمعول على كونهما سنة على قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (3).
والأذنان لا تنطلق عليهما التسمية حقيقة، وأما هذا الحديث فلم يثبت.
وإذا قلنا إنهما فرض؛ فإن تركا فالمشهور صحة الصلاة لأنهما ممسوحتان من الرأس، والممسوح مبني على التخفيف وليسارتهما، وقال ابن الجلاب: القياس يوجب الإعادة.
وكأنه يوجب تعميم الرأس بالمسح، وإن تركهما كان كتارك [مسح] (4) بعض رأسه.
ويجدد لهما الماء، فإن لم يجدِّد فلا يعيد كما قدمناه.
وفي المذهب قول أنه لا يجدد.
...
فصل (في حكم ترك مسح بعض الرأس)
وفي تارك مسح بعض رأسه أربعة أقوال: المشهور: أنه لا يجزيه، والثاني: أنه يجزيه إن مسح الثلثين، قاله محمد ابن مسلمة 5، والثالث: أنه1234
يجزيه إن مسح الثلث، قاله أبو الفرج، والرابع: أنه يجزيه إن مسح مقدم رأسه خاصة، ولا يجزيه في غيره، رواه أشهب عن مالك.
وكان وجوب مسح الجميع [يقتضي] (1) ألا يجزيه البعض، وهو مقتضى قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (2) إذا قلنا ليس المراد (3) بذلك البعض بل الجميع، وإن قلنا المراد البعض فينبغي أن تجزي الشعرة الواحدة كما قال الشافعي.
لكن هذه (4) الأقوال التي في المذهب بناءً على أن مبنى المسح على التخفيف فأكثره يجزي عن أقله.
وفي المذهب (5) قولان في الثلث هل هو في حد الكثير أو في حدِّ القليل (6). وأما رواية أشهب فلما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "مَسَحَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ" (7)، فقصره (8) على ما ورد.
...
فصل (حكم الموالاة)
وقد قدمنا أن الموالاة فرض مع الذكر.
والموالاة أن يفعل الوضوء كله في فور واحد من غير تفريق، وفي المذهب في ذلك خمسة أقوال: أحدها: وجوب الموالاة على الإطلاق، والثاني: إسقاطها على الإطلاق،12345678
والثالث: التفرقة بين أن يتركها لعذر أو لغير عذر 1، والرابع: أنها تؤثر 2 بين المغسولات دون الممسوحات من غير مراعاة الممسوح ما كان، والخامس: أنها تؤثر بين المغسولات والممسوحات إذا كانت الممسوحات بدلاً كمسح الخفين والمسح في التيمم، ولا تؤثر إذا كان الممسوح أصلاً كالرأس، وإنما يجري على قانون الأصول.
وأما القول بوجوب الموالاة وبإسقاطها، بالتفرقة 3 بين العذر وغيره.
وسبب الخلاف بين الوجوب والسقوط مبني على خلاف الأصوليين في الأمر هل يقتضي الفور أو للمكلف 4 التراخي؛ فإن قلنا إنه يقتضي الفور وجبت الموالاة، وإن قلنا إنه يقتضي التراخي لم تجب.
وكذلك أيضًا وضوؤه 5 - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" 6 وقد والى؛ فإن كانت الإشارة إلى الفعل وصفته وجبت الموالاة، وإن كانت الإشارة إلى مجرد الفعل لم تجب.
وعلى هذا أيضاً يجري الخلاف في الترتيب لأنه - صلى الله عليه وسلم - توضأ مرة ثم قال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به".
وأما الالتفات إلى جهة المعنى فإن غلبنا على الوضوء حكم النظافة لم تجب الموالاة، وإن غلبنا عليه حكم العبادات أوجبنا الموالاة كالصلاة.
وأما
التفرقة بين العذر وغيره فلأنه يرى أن باب الموالاة [من] (1) باب المنهيات، والمنهيات يُتَفَرَّقُ (2) بين عمدها ونسيانها قياساً على الكلام في الصلاة فإنه يفرق بين عمده وسهوه.
وأما التفرقة بين الممسوح والمغسول فلأن الممسوح مبناه على التخفيف وقياس هذا يقتضي أنه لا يفسد بترك الموالاة.
ومن فرق بين أن يكون الممسوح أصلاً أو الممسوح بدلاً، فلأن الممسوح إذا كان بدلاً يعطى (3) حكم أصله وهو المغسول.
وإذا فرقنا بين العذر وغيره فما هو العذر؟ لا يخلو أن يكون نسياناً أو عجز ماء؛ فأما النسيان فلا خلاف (4) في المذهب المشهور أنه يعذر به، وأما عجز الماء فإن ابتدأ بما ظن أنه كفايته فعجز عنه ففيه قولان: أحدهما: أنه يعذر بذلك، والآخر: أنه لا يعذر به.
وهذا على الخلاف في الاجتهاد هل يرفع الخطأ أم لا؟ فإن ابتدأ بماء كاف بلا شك فغصب (5) أو أهريق له، فالصحيح أن يعذر به.
وفي المذهب قول لبعض المتأخرين أنه لا يعذر به.
وهذا أولى بالعذر من الناسي لأن الناسي معه بعض تفريط وهذا غير مفرط.
(حكم مسح الرأس وعليه حائل)
ولا يجزي من مسح رأسه على 6 حائل كالمرأة تمسح على خمارها أو على حناء، أو رجل مسح على عمامته.
فإن وقع ذلك ثم صلى بذلك الوضوء لم تصح الصلاة.
وهل يُبطل الوضوء؟ إن 7 فعل ذلك عمداً [أبطل الوضوء] 8 على12345
المشهور من المذهب 1، [وإن فعل ذلك سهواً لم يبطل الوضوء] 2، وإن فعل ذلك جهلاً ففي المذهب قولان في الجاهل؛ هل حكمه حكم المتعمد أو حكم الناسي؟
وقد قال مالك في الكتاب في الماسحة على خمارها أنها تعيد الوضوء والصلاة 3. قالوا وإنما أعادت الوضوء لأنها جاهلة، وهذا أحد القولين اللذين ذكرناهما.
وفي المدونة في من صلى وذكر في الصلاة أنه نسي مسح رأسه فلا يجزيه أن يمسح رأسه بما في لحيته من بلل 4. وهذا لا شك 5 أنه يقطع الصلاة لأنه صلي بوضوء ناقص، وإذا قطع فإن كان ليس في لحيته من الماء 6 ما يكفي لمسح رأسه فلا شك أنه يطلب الماء لذلك، وإن كان فيها من البلل ما يكفي لمسحه فهل يمسح بذلك أم لا؟ أما إن كان بحضرة ماء فإنه لا يمسح بذلك.
وأما إن بعد عن الماء فيجري على الخلاف في الوضوء بالماء المستعمل، وقد تقدم.
وإن طال 7 طلب هذا الماء فهل تبطل طهارته 8 أم لا؟ للمتأخرين قولان: أحدهما: الإبطال، والثاني: أنها لا تبطل.
وهو على ما قدمناه من الخلاف فيمن غصب ماؤه أو أهريق 9.
...
فصل
(1)
وإذا قلنا إن من عجز ماؤه لا يبني، وإنه إن طال طلبه للماء ابتدء، وإن قرب بني.
وما حد القرب؟ فيه قولان: قيل: هو أن لا يجف وضوؤه في زمان معتدل، وقيل: ما يعد طولاً، وهذا هو الأصل.
والحد بعدم الجفاف رفع للنزاع.
(حكم المسح بالمنديل بعد الوضوء)
وقال في المدونة لا بأس بالمسح بالمنديل بعد الوضوء (2). وإنما نبه على خلاف الشافعي، لأنه كره في أحد قوليه أن يمسح بالمنديل لأنه أثر عبادة فلا يزال كدم الشهيد.
(حكم تقليم الأظافر وحلق الرأس بعد الوضوء)
وفي المدونة في من قلم أظفاره أو حلق رأسه أنه ليس عليه أن يمسح 3 إذا كان قد توضأ أولاً 4. وقال عبد العزيز: هذا من لحن الفقه 5. ويروى بفتح الحاء، والمراد به الصواب 6، ويحتمل أن يريد من صواب الفقه قول من قال بالإعادة، أو من صواب الفقه قول مالك لأنه قال لا يعيد.
ويروى بإسكان الحاء وهو ينطلق على الصواب والخطإ؛ فإن حمل على الصواب كان كالأول، وإن حمل على خطإ12
احتمل أن يريد من خطإ الفقه قول مالك أنه لا يعيد، أو من خطئه قول من قال يعيد.
والذي يحكي أرباب مسائل الخلاف عن عبد العزيز أنه يقول بالإعادة، وفي المدونة في باب جامع الوضوء: وسمعت مالكاً يذكر قول الناسي في الوضوء حتى يقطر أو يسيل، قال: فسمعته يقول قطر قطر! استنكاراً لذلك (1). وتقدم [له] (2) نحو هذا الكلام في باب سلس البول والمذي.
وقد اختلف الأشياخ هل كلامه في الناسي (3) بيّن محمول على أنه ليس من شرط وجوب الوضوء من المذي أن يقطر أو يسيل؟ [أو على أنه في الناسي محمول على أنه ليس من شرط كمال الوضوء أن يقطر أو يسيل بل من شرطه الإصباغ؟ ولهذا قال في باب المذي: هل حد لكم مالك في هذا أنه لا يجزي ما لم يقطر أو يسيل] (4).
وقوله يجزي يدل على أن مراده ما يجزي من الماء في الوضوء.
وقيل كل كلام محمول على ما يليق ببابه؛ فالأول: المراد به المذي، والثاني: المراد به ما يجزي من الماء.
ولهذا عقبه بأن قال وقد كان بعض من مضى (5) يتوضأ بثلث المد.
قالوا: يريد به مد هشام (6)، ولم يرد به مدّ النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(حد ما يجزي من الماء)
ولا حدّ لكثير ما يجزي من الماء.
وأما قليله ففيه قولان: أحدهما:123456
أنه محدود بالمدّ (1) في الوضوء، والصاع (2) في الغسل.
والثاني: وهو المشهور أنه غير محدود.
ووجه الخلاف أنه - صلى الله عليه وسلم - "كَانَ يَتَوَضَّاُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ" (3). ويحتمل أن يكون فعل ذلك تنبيهاً على أقل ما يجزي أو لأن أقل ما يجزي ذلك المقدار.
وقد تقدم الكلام على حكم الشعور النابتة على الوجه.
وفي الكتاب ها هنا تحريك اللحية من غير تخليل (4)، قالوا وإنما حركت لئلا ينبو (5) الماء عن الشعر.
...
فصل (حكم القلس والقيء)
والقلس هو ما يخرج عند الامتلاء إذا برد المزاج، وقد يكون فيه طعام غير متغير فهو ليس بنجس.
لكنه إن خرج في الصلاة وكثر قطع.
ليس لنجاسته بل لأنه مشغل 6 عن الصلاة، وإن قل لم يقطع.
وأما القيء المتغير عن حال الطعام فهو نجس.
وقال أبو الحسن12345
اللخمي: إذا شابه أحد أوصاف العذرة (1). وهذا غير صحيح لأنه إذا شابه ذلك عاد من جنس الرجيع.
ولا يكون ذلك إلا لعلة ويخرج عن حدّ القيء.
وقد اختلف المتأخرون هل يوجب إذا شابه الرجيع نقض الطهارة، وهو على خلاف في الصور النادرة هل تراعى أم لا؟
(مشروعية غسل موضع المحاجم)
وقد قال مالك في موضع المحاجم (2) أنه يغسله، ولا يجزيه أن يمسحه.
فإن مسحه وصلى أعاد في الوقت، وقيل: لا إعادة عليه.
وهو دم يسير في مواضع كثيرة؛ فمن التفت إلى يسارته أسقط الإعادة، ومن التفت إلى كثرة مواضعه أوجبه.
واختلف الأشياخ هل يعيد في الوقت وإن كان عامداً ليسارته، أو يكون بمنزلة من صلى بنجاسة؟ فإن كان متعمدًا أعاد أبدًا، وإن كان ناسيًا أعاد في الوقت.
...
فصل (في أحكام النجاسة)
أحكام النجاسة في المذهب على أربعة أقسام:
قسم يزال عينه دون أثره إن شاء المكلف وهو ما على المخرجين وقد تقدم حكمه.
وقسم يزال الكثير منه واليسير، لكنه إن صلى بيسيره لم يعد كالدم.
واختلف في المذهب في المقدار اليسير منه؛ فأما ما فوق الدرهم منه فهو12
كثير بلا خلاف، وأما مقدار الخنصر فهو يسير، وما بين الخنصر إلى الدرهم ففيه قولان: قيل يسير قياساً على المخرجين، وقيل هو كثير لأن الضرورة إنما تدعو غالباً إلى مقدار الخنصر.
وقسم لا يؤمر بإزالته إلا على طريق الاستحباب وهو كل ما تدعو الضرورة إليه، ولا يمكن الإنفكاك عنه، وهو الجرح يمصل 1 والدمل 2 يسيل وسلس الأحداث.
وألحقوا بذلك المرأة ترضع ولدها.
وقسم يزال قليله وكثيره وعينه وأثره، ومتى صلى باليسير منه أعاد الصلاة على ما نفصله.
وهذا ككل نجاسة غير داخلة في الأقسام التي ذكرنا أولاً.
واختلف المذهب في الخف يطأ به 3 على روث الدواب وأبوالها، هل يؤمر بغسله أم يكفي فيه المسح؟ فإن وطئ به على دم أو عذرة فالروايات متفقة على وجوب الغسل.
واختلف في علة الفرق بين الدم والعذرة [4 وبين ما تقدم فيه الخلاف؛ فقيل لأن الدم والعذرة نجاسة بإجماع، وأرواث الدواب وأبوالها مختلف فيها هل هو نجس أو مكروه؟ وقيل لأن الطرقات تخلو من الدم والعذرة ولا تخلو من أرواث الدواب وأبوالها.
وعلى هذا التعليل لو اتفق أن يكون موضع كثير الدم والعذرة حتى لا ينفك عنه يجري على الخلاف في أرواث الدواب وأبوالها.
واختلف على القول بجواز المسح هل يكون النعل في ذلك بمنزلة الخف لأنه تدعو الضرورة إلى المشي به، أو يجب غسله على كل حال وإزالته، لأن الخف يشق نزعه بخلاف النعل.
وخرج المتأخرون على هذا الخلاف في الرجل هل يجزي مسحها أو يجب غسلها.
وهذا في من تدعوه الضرورة إلى الخف 5.
وفي المدونة لا بأس بطين المطر وإن كان فيه الدم أو العذرة (1). وقال أبو محمد ابن أبي زيد: ما لم تكن غالبة أو عينًا قائمة.
وهذا يمكن أن يكون تفسيرًا ويمكن (2) أن يبقى ما في الكتاب على ظاهره وإن كان غالباً أو عينًا قائمة إذا تساوت الطرقات في وجود ذلك فيها، وكان لا يمكن الإنفكاك عنه.
واختلف المذهب في المرأة تطيل ذيلها للستر في السير فتمر به على المكان القذر إذا كان رطبًا هل يطهره [ما بعده؟ ولا خلاف فيما إذا كان يابساً أنه يطهره ما بعده.
وقد] (3) ثبت أن الرسول عليه السلام سئل عن درع المرأة (4) تمر به على الموضع القذر، فقال: "يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ" (5)؛ فمن حمله على عمومه ساوى بين الرطب واليابس، ومن لم يقل بالعموم فرق بين الرطب واليابس، لأن الرطب لا يزيله إلا الماء واليابس ينثر ما يتعلق به إذا مر به بعد ذلك على موضع جاف طاهر.
...
فصل (حكم إزالة النجاسة)
واضطرب المتأخرون في النقل عن المذهب في إزالة النجاسة هل هي سنة أو فرض؟ فحكى القاضي أبو محمد في إشرافه أنها فرض بلا خلاف في المذهب، وإنما الخلاف في الإعادة، على الخلاف هل هي شرط في صحة الصلاة أو ليس بشرط.
وإلى هذا مال ابن القصار وحكى القاضي أبو12345
محمد أيضاً في شرح الرسالة أن المذهب كله على أنها سنة، وإنما الخلاف في الإعادة فيمن ترك السنن متعمدًا.
وأما أبو الحسن اللخمي فحكى أن المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: إزالة النجاسة فرض، وهو مذهب ابن وهب 1 القائل أن من صلى بها يعيد في الوقت وبعده عامدًا كان أو ناسيًا.
والقول الثاني: أن إزالتها سنة، وهو مذهب أشهب القائل إن من صلى بها لا يعيد إلا في الوقت وإن كان متعمدًا.
والقول الثالث: إن إزالتها سنة مع النسيان فرض مع الذكر 2، وهو مذهب المدونة لأنه يقول: من صلى بها عامدًا أعاد وإن خرج الوقت، وإن كان ناسياً أعاد في الوقت، 3 وهذا الذي قاله أبو الحسن اللخمي يشهد بصحته 4 هذه الرواية.
فإذا ثبت ذلك فلا يخلو أن يرى النجاسة قبل الدخول في الصلاة أو بعد الدخول فيها أو بعد كمالها؛ فإن رأى ذلك قبل الدخول في الصلاة أمر بغسلها على ما قدمناه، وإن رأى ذلك بعد الدخول في الصلاة- فإن كان [دماً] 5 يسيراً- تمادى ولا يقطع ولا ينزع الثوب إن كانت فيه، إلا أن يشاء، ويخف 6 نزعه.
وإن كان دماً كثيرًا أو يسيراً 7 أو غيره من النجاسات، أو كثيرها فهل يقطع الصلاة أو يتمادى؟
في المذهب ثلاثة أقوال: أولها وجوب القطع، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أنه يتمادى ويعيد.
والثالث: أنه إن خف نزعه 1 نزعه، وإن لم يمكن ذلك أو كان في الجسد، قَطَعَ.
وسبب الخلاف هل يقال إن كل جزء من الصلاة عبادة قائمة بنفسها، أو يقال صحة أوائلها موقوفة على صحة أواخرها؟ فإن قلنا إن كل جزء منها قائم بنفسه فها هنا لا يجب أن يقطع إذا أمكنه النزع، وإن قلنا إن الأوائل موقوفة على الأواخر قطع.
ومن قال بالتمادي والإعادة فإنما راعى الخلاف لإشكال الأمر عليه.
ومما اعترض به 2 مذهب ابن القاسم أنه يقول من صلى به ناسيًا فإنه يعيد في الوقت.
وإذا ذكر في الصلاة قطع.
وكيف يوجب القطع وهو فيما مر من الصلاة 3 ناسيًا؟ والجواب أنه في الحالة التي أبصر النجاسة صار مصليًا بها مع الذكر فبطل ذلك الجزء من الصلاة، وإذا بطل جزء منها بطلت كلها.
وإن رأى النجاسة بعد كمال الصلاة؛ فأما الدم اليسير فلا يعيد منه كما قررناه، وهذا في سائر الدماء إلا دم الميتة والحيض فقيل إنهما كهذه الدماء 4، وهو المشهور.
وقيل بخلافه لعموم تحريم الميتة ولأن دم الحيض يلاقي مخرج البول، وأيضاً فهذان 5 لا تدعو الضرورة إليهما بخلاف غيرهما من الدماء التي تنفصل من الأجسام الحية.
وأما غير ذلك من النجاسات فقد قدمنا الثلاثة الأقوال متى 6 تكون الإعادة.
وإن بنينا على المشهور أن الناسي يعيد في الوقت والعامد يعيد وإن خرج الوقت فما الوقت؟
أما الظهر والعصر فيعيدهما ما لم تصفر الشمس، وإن اصفرت فقولان: مذهب المدونة أنه لا يعيدهما 1 بعد ذلك، ومذهب ابن وهب أنه يعيدها.
وسبب الخلاف تقابل المكروهين لأن الصلاة بالنجاسة مكروهة والإعادة بعد الاصفرار مكروهة، فأيهما يغلب؟ فهذا محل الخلاف.
وعلى القول بأن الصلاة [بعد الاصفرار يحرم تأخيرها إليه لا يعيدها.
واختلف في المغرب والعشاء هل المذهب كله على أنهما تعادان ما لم يطلع الفجر، أو يختلف فيهما بعد مضي نصف الليل كما اختلف فيما بعد الاصفرار] 2 في الظهر والعصر؟ للمتأخرين في ذلك قولان.
وكذلك اختلف في الصبح هل يعيد ما لم تطلع الشمس، أو يختلف فيما بعد الإسفار كما اختلف فيما بعد الاصفرار؟ والصحيح أن المغرب 3 والعشاء تعادان ما لم يطلع الفجر 4، والصبح 5 ما لم تطلع الشمس لأنه لم يقل أحد من أهل المذهب إن التأخير إلى ذلك الوقت محرم.
ولا خلاف أن الماء تحصل به إزالة النجاسة.
ولا خلاف بين جمهور العلماء أنه متعين لطهارة الحدث ولا ينوب غيره منابه إلا نبيذ التمر عند أبي حنيفة.
وهل تزال النجاسة بالمائعات القلاعة كالخل وما في معناه؟ قولان في المذهب: المشهور تعيين الماء قياسًا على طهارة الحدث، والشاذ صحة
الإزالة بكل مائع قلاع، لأن المطلوب زوال النجاسة، فبأي شيء حصل الزوال (1) حصل المطلوب.
...
فصل (في مشروعية النضح في الثوب)
وإذا تحقق إزالة النجاسة فالمأمور به ما قلناه 2 من الغسل.
فإن شك في الجسد 3 هل أصابته نجاسة أم لا فقد قدمنا القولين.
وإن شك في الثوب فلا خلاف في إجزاء النضح.
ولا يخلو الناضح من ثلاثة أقسام: إما أن يوقن بأن شيئًا أصابه ولا يدري هل هو نجس أم لا؟ فهذا فيه قولان: أحدهما: أنه يلزم النضح، والثاني: أنه لا يلزم.
والقسم الثاني: أن يشك هل أصابه أم لا؟ ويشك هل الذي أصابه نجس أم لا؟ فهاهنا لا يلزمه النضح لضعف الشك.
والثالث: أن يوقن بالنجاسة ويشك هل أصابته أم لا؟ فهذا يلزمه النضح فيه بلا خلاف في المذهب.
والنضح كان على خلاف القياس لأن فيه تكثير النجاسة من غير إزالة لها، وفي الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بنضح الحصير الذي اسود من طول ما لبس 4. وقد رأى المالكية أن النضح خيفة 5 أن1
يكون أصابته نجاسة من تصرف اليتيم الذي كان في الموضع عليه، وكأن مالكاً استند (1) في النضح فيما شك فيه إلى العمل فقال: هو الشأن وهو طهور لكل ما شك فيه (2).
ولا خلاف في المذهب أن إزالة النجاسة لا تفتقر إلى نية.
وهل يفتقر النضح إلى نية؟ للمتأخرين قولان: أحدهما: وجوب النية لأنه تعبد، والثاني: إسقاطها.
قال ابن محرز: (3) لأنه لا يخلو أن يكون أصابه شيء أم لا؟ فإن أصابه فلا يفتقر إلى نية، وإن لم يصبه فلا شيء عليه.
وهذا الذي قاله هو القياس لولا أن النضح تعبد (4) والتعبد (5) يفتقر إلى نية.
...
فصل: في المسح على الجبائر
[وقد أجمعت الأمة على وجوب إمساس الماء بالأعضاء إلا أن يمنع من ذلك مانع] 6. ومن أصاب عضواً من أعضاء طهارته ما يمنعه أن يلاقيه بالماء فلا يخلو من أن يثبت 7 عليه ساتر يمكن ملاقاة الساتر بالماء، أو لا يثبت عليه ذلك؛ فإذا ثبت عليه مسح الساتر وناب ذلك عن غسله.
ولا يفتقر في موضع 8 الساتر عليه أن يكون على طهارة كما يفتقر إلى ذلك في المسح على الخفين، لأن هذا قد يطرأ على الإنسان من غير اختياره.
والخفان إنما يلبسهما مختارًا.
وإن افتقر إلى شد العصائب على الساتر مسح12345
على العصائب.
وإن وقع الرباط على غير الموضع المألوم.
وهكذا حكم العضد إذا لم يمكنه مباشرة الموضع بالماء وافتقر إلى شده بعصائب فستر شيئاً من ذراعه، فإنه يمسح على تلك العصائب ويجزيه 1. وإن كان الموضع المألوم لا يمكن أن يجعل عليه ساترًا فإن جعل ذلك لم يمكنه مباشرة ذلك الساتر بالماء ولم يمكنه أن يعصب عليه، فهذا لا يخلو أن يكون في أعضاء 2 التيمم كالوجه واليدين، أو في غير أعضاء التيمم؛ فإن كان في أعضاء التيمم فيغسل ما صح ويترك ما لم يصح، لأنه لو انتقل إلى التيمم لصلى بطهارة ناقصة 3. وإذا كان لا بدّ من النقص فنقص طهارة الماء أولى من نقص طهارة التيمم 4. فإن كان الألم 5 في غير أعضاء التيمم كالرأس والرجلين فها هنا اختلف المتأخرون على ثلاثة طرق: أحدها: أن يتوضأ ويترك الموضع المألوم، والثاني: أنه ينتقل إلى التيمم، والثالث: أنه إن كان الموضع المألوم يسيرًا توضأ وتركه، وإن كان كثيراً انتقل إلى التيمم.
وهذا لتقابل 6 المكروهين؛ أحدهما: الانتقال إلى التيمم مع 7 وجود الماء.
وطهارة الماء أولى من طهارة التراب، والمكروه الثاني: ترك جزء من موضع الطهارة غير مغسول ولا ممسوح، وذلك غير مشروع.
فاختلف طرق هؤلاء، أي المكروهين أخف يرتكب 8؟ ومن فرق بين اليسير والكثير رأى أن الأقل تابع للأكثر، فإذا كان المتروك يسيراً كان في حكم العدم.
...
فصل
(حكم من سقطت جبيرته في الصلاة)
وإذا مسح على الجبيرة ثم دخل في الصلاة فسقطت الجبيرة عن موضعها قطع الصلاة، لأنه صار كالمصلي بطهارة ناقصة، إذ يجب عليه إعادة الجبيرة ومسحها.
وكذلك لو صح ما تحت الجبيرة لوجب (1) عليه إزالتها وغسل ما تحتها.
ولو صح في الصلاة لقطع الصلاة كما قلناه.
(حكم الشجة إذا صح صاحبها)
و [فرق] 2 في الكتاب فيمن أصابته شجة وكان ينكب عنها الماء في غسله من الجنابة أنه إذا صح غَسَلَهَا.
فإن لم يغسلها حتى صلى صلوات كثيرة ناسيًا لغسلها، فإن كانت تلك الشجة في مواضع الوضوء فإنه تجزيه الصلاة، وإن كانت في غير مواضع الوضوء كالظهر فإنه يغسل مواضع الشجة ويعيد ما صلى من يوم صح 3.
قال الأشياخ: وهذا إذا كانت الشجة في الموضع المغسول من أعضاء الوضوء، وأما لو كانت في عضو ممسوح لم تجز فيه الطهارة الصغرى عن الكبرى، لأن الواجب فيه في الكبرى الغسل كالرأس، والواجب فيه في الصغرى المسح ولا يجزي المسح عن الغسل.
ومما ألزم 4 الأشياخ على مذهب التناقض بين هذه المسألة وبين مسألة باب التيمم لأنه قال في هذه المسألة: يجزي الغسل للطهارة الصغرى عن الغسل للطهارة الكبرى، وقال [هناك] 5: من تيمم للصلاة ناسيًا الجنابة لا يجزيه.
وقياس ما قال في1
مسألة الجبيرة أن يجزيه، وقياس ما قال في مسألة التيمم ألا يجزي في الجبيرة.
وقد فرق بين المسألتين بوجهين: أحدهما: أن الفعل وإن اتحد في مسألة (1) التيمم واتحد في مسألة الجبيرة فإن النية تختلف في التيمم لأن التيمم بدل عن الغسل.
وإذا قصد به البدل عن الوضوء فلا يجزي لأن الوضوء في أربعة أعضاء والغسل في الجسد كله، وعليه في التيمم أن يقصد المبدل (2) منه.
وأما مسألة الجبيرة فلا بدل منه يجب عليه (3) قصده، وإنما عليه غسل ذلك الموضع.
فإذا غسله في الوضوء (4) أجزأه عن الطهارة الكبرى.
والوجه الثاني: أن التيمم إنما يستبيح (5) به الصلاة فعليه أن ينوي ما ترتب [عليه] (6) من طهارة كبرى أو طهارة صغرى ليكون التيمم مؤثرا في الاستباحة مما (7) ترتب في ذمته.
وهذان الفرقان إنما يفتقر إليهما لئلا يكون ما في المدونة اختلاف قول، وإلا ففي مسألة التيمم خلاف نذكره في موضعه إن شاء الله.
...
فصل (في حكم اليدين)
وقد تقدم أن غسل اليدين من الفروض والنظر في حكم اليدين في ثلاثة أوجه 8:1234567
(حكم المرفقين)
أحدها: هل يجب إدخال المرفقين في الغسل أم لا؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: وجوب إدخالهما وهو المشهوو، لقوله في المدونة في قطع المرفقين: إنه لا يغسل ما بقي إلا أن تعرف 1 العرب والناس أنه بقي شيء من المرفق فيغسل 2، والقول الثاني: أنه لا يجب غسل المرفقين، والقول الثالث: أنه يجب عليه غسلهما ليس لفرضيتهما بل لأنه لا يتوصل إلى غسل جميع الفرض إلا بغسلهما.
وهذا هو القول بإسقاط فرضيتها لكن أوجبها لغيرها.
وسبب الخلاف في فرضيتهما هل (إلى) في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ 3 لانتهاء 4 الغاية أو للجمع؟ قال سيبويه: 5 إن (إلى) إن تقدم قبلها (من) كانت لبيان الغاية وخرج ما بعدها عن 6 حكم ما قبلها، وإن لم يتقدم (من) احتملت الغاية واحتملت الجمع.
ومن الجمع قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ 7، وقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ 8 معناه مع أموالكم، ومع الله.
(وإلى) في الآية لم يتقدمها ذكر (من) فهي تحتمل التحديد والجمع.
وإذا احتملت أمكن أن يقال الذمم على
البراءة فلا تعمر إلا بدليل.
أو يقال الموضع موضع عبادة فيؤخذ فيه بالأحوط حتى يقوم دليل على الإسقاط.
واحتج المشهور من المذهب بقول المبرد أن ما بعد (إلى) إذا كان من جنس ما قبلها وجب دخولها في حكم ما قبلها، وإن كان من غير جنسه لم يجب ذلك.
والمرفقان من الساعدين على أنه قد تردد بعض أهل اللغة في اسم المرفق على ما ينطلق؛ فقيل على طرف الساعد، وقيل على مجمع الساعد والعضد.
فإن قلنا إنه على طرف الساعد كان في قول المبرد حجة.
وأشار ابن القاسم بقوله: إلا أن تعرف الناس والعرب، إلى ما قلنا (1) من التردد.
(حكم تخليل الأصابع)
والوجه الثاني: من النظر في اليدين حكم (2) تخليل الأصابع، وفيه قولان: الوجوب، والإسقاط.
وعلة الوجوب ليحصل (3) الدلك، وعلة الإسقاط إنما بناء على أن التدلك غير واجب، أو لأن الأصابع تضطرب في حين الغسل، فيحصل التدلك (4) وإن لم يقصد.
(هل تجب إزالة الخاتم؟)
والوجه الثالث: الخاتم يكون في الأصابع هل تجب إحالته؟ ثلاثة أقوال: أحدها: وجوب الإحالة، والثاني: إسقاطها، والثالث: التفرقة.
فإن كان واسعًا لم تجب الإحالة، وإن كان ضيقاً وجبت، وإيجابها لطلب التدلك، وإسقاطها لأن الماء لطيف الجوهر فهو يحصل تحت الخاتم وإن لم يحل.
وهذا لا يكفي في طلب التدلك وإنما ينبغي أن يقال هذا إما لأن1234
المكان يسيرٌ فيعفى عن تدلكه مراعاة للخلاف، وإما لأنه ملبوس مستدام فأجزأ إصابة ظاهره بالماء قياساً على الخف.
والقياس على الخف ينبني على اختلاف الأصوليين في الرخص هل يقاس عليها أم لا؟
ووقع لمحمد بن عبد الحكم (1) أنه يزيل الخاتم في وضوءه وهذا إما على طريق الاستحباب ليكون ذلك أبلغ في إصابة الموضع بالماء والتدلك، وإما لأنه يحتمل أن الإحالة لا تؤثر في ذلك.
...
فصل (في حكم الرجلين)
وأما الرجلان فالنظر فيهما من وجهين:
(حكم الكعبين)
أحدهما: حكم الكعبين في وجوب غسلهما، والنظر في ذلك كالنظر في المرفقين.
لكن اختلفوا في الكعبين ما هما على قولين؟ المشهور أنهما الناتئان في الساقين، وحكى القاضي أبو محمد 2 عن مالك أنهما اللذان عند معقد الشراك.
والكعب عند العرب كل ناتئ ومنه سميت الكعبة، والمرأة كاعباً وهي التي برز ثديها عند الإدراك.
وكل موضع مما قيل ها هنا فيه1
بروز، لكن بروز اللذين في الساق أكبر، فلهذا كان وقوع التسمية عليهما أشهر (1). وفي المدونة: يغسل أقطع الرجلين الكعبين وما بقي من القطع، لأن (2) القطع تحتهما (3). وهذا على أنهما اللذان في الساقين.
وأما على القول الثاني فلا يغسل لأن القطع يأتي عليهما.
(حكم تخليل أصابع الرجلين)
والوجه الثاني: تخليل الأصابع وظاهر المذهب (4) على ثلاثة أقوال: أحدهما: استحبابه، والثاني: إنكاره، والثالث: وجوبه.
فأما الوجوب فلطلب (5) التدلك، وأما الإنكار فلأنه رأى أن ما بين أصابع الرجلين في حكم الباطن، فغسله (6) من الغلو الذي تنهى عن مثله الشريعة.
وأما الاستحباب فلكونه في حكم الباطن.
وقد ورد في الحديث التخليل (7) فيحمل على الاستحباب لأنه أبلغ في النظافة.
...
فصل (في حكم بول الصغير الذي لم يأكل الطعام)
وقد تقدم أن بول الآدمي وروثه نجسان، وهذا في من لم يكن1234567
صغيراً لم يأكل الطعام.
وأما الصغير الذي على هذه الصفة، ففي نجاسة بوله ثلاثة أقوال: أحدها: الحكم بنجاسته قياساً على الكبير.
والثاني: الحكم بطهارته، لما ورد في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أوتي بصبي لم يأكل الطعام فبال على ثوبه فنضحه، وفي بعض الطرق: ولم يغسله 1. والثالث: التفرقة بين بول الصبي وبول الصبية فيحكم بطهارة بول الذكر 2 للحديث، ويقصره على ما ورد خاصة، ويحكم بنجاسة بول الأنثى طرداً 3 للأصل.
ولم يرد فيها حديث 4. وقد علل هذا المذهب بأن الذكر خلق من تراب والأنثى من ضلع، فإذا لم يأكلا الطعام رُدَّا إلى أصلهما، فالتراب طاهر والضلع 5 نجس.
وهذا ليس بشيء لأنه يقتضي الحكم بطهارة الرجيع وأجمعت الأمة على نجاسته.
وإنما الخلاف في البول.
وأيضاً فإن المخلوق [من تراب ومن ضلع هما أصل الخلقة، آدم وحواء.
وأما من بعدهما فهو مخلوق من نطفة وهو] 6 يتغذى 7 في الرحم بدم الحيض، فلا يقال فيه يرجع إلى الأصل.
...
فصل (في النهي عن البول قائمًا)
ونذكر 1 هاهنا من آداب الأحداث البول قائما.
وقال الأشياخ: لا يخلو الموضع المقصود بالبول من أربعة أقسام: أحدها: أن يكون طاهراً رخواً، أو صلبًا نجساً، أو صلباً طاهراً، أو رخواً نجسًا؛ فإن كان طاهراً رخواً فالأولى أن يجلس للبول لأنه أقرب إلى الستر، ولا يحرم عليه القيام.
وإن كان الموضع صلبًا نجساً فينبغي أن يُترك ويُقصد غيره، لأنه إن قام خاف أن يتطاير عليه وإن جلس خاف أن يتلطخ بنجاسة الموضع، فإن كان صلباً طاهراً فليس إلا الجلوس لأنه يأمن التلطخ بالنجاسة [إن جلس] 2 ولا يأمن منها 3 إن قام، لأنه يتطاير عليه.
وإن كان الموضع رخواً نجساً فهاهنا ليس إلا القيام، لأنه يأمن التطاير وإن جلس خاف التلطخ.
ومحصول هذا أنه يجتنب النجاسة ويفعل ما هو أقرب للستر.
واجتناب النجاسات آكد من الستر إذا كان بموضع لا يرى فيه.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه بال قائماً 4. وقالت عائشة رضي الله عنها: "من حدثكم أن النبي عليه السلام بال قائماً فلا تصدقوه" 5. وإنما حكت عن أكثر أحواله أو ما لم تر غيره 6. وأما بوله قائماً ففي الحديث ما يدل على أن ذلك كان لعلة وهي كون الموضع نجساً لأنه قال: أتى سباطة 7 قوم فبال قائماً، والسباطة هي المزبلة والغالب كونها رخوة نجسة.
...
فصل (في أحكام المياه الجارية والراكدة)
وقد مرَّ الكلام على حكم المياه ولم نفصل 1 هناك حكم الجاري والراكد، وهذا موضع تفصيله لنحاذي به الكتاب.
وذلك أن الماء لا يخلو من أن يكون جاريًا أو راكداً؛ فإن كان راكداً فلا يخلو من أن تكون له مادة أو لا مادة له، فإن كان جاريًا 2 فإن حكمه فيما تحل فيه النجاسة حكم الماء الكثير، فيجتنب المتغير منه دون غير المتغير، لأن هذا الماء غير ثابت والنجاسة غير ثابتة فيه في موضع متعين 3، فينظر إلى محل أثرها، فإن أثرت اجتنب موضع التأثير دون غيره.
فإن كان راكداً ولا مادة له فهو راجع إلى الأصل الذي قدمناه 4، فإذا حلته النجاسة وهو يسير كان فيه ما قدمناه من الخلاف إذا 5 لم يتغير.
وإن كان كثيراً فإن تغير فهو نجس وإن لم يتغير 6 فهو طاهر.
غير أنهم 7 قد فرقوا بين وقوع النجاسة فيه وبين موت الحيوان الذي له نفس سائلة؛ فرأوا أن لموت هذا الحيوان تأثير البلة [التي] 8 تنفصل منه عند خروج نفسه.
ولهذا أمر بأن يراق منه مقدار من الماء لأن تلك البلة دهنية تصعد على وجه الماء فتزال بما يراق منه.
وما وقع في بعض الروايات من تحديد القدر المراق بالأربعين لا أصل له، إلا لئلا يُكثر العامي الموسوس إراقة الماء ويُقله المتساهل.
ولهذا نقل عن ابن الماجشون أنه كان متى استفتاه أحد في مثل هذا قال له أرق منه أربعين دلواً أو خمسين أو ستين [أو سبعين] 9.
وإنما كان يقول ذلك لئلا يُفهم من التحديد أنه قانون شرعي لا يتعدى، وذلك يختلف بكثرة الماء وقلته وصغر الدابة الميتة وعظمها (1). فإن كان الماء له مادة كماء الآبار فإنه يرجع إلى ما قدمناه (2)، فإن كان كثيرًا ولم (3) يتغير حكمنا بالطهارة، وإن كان يسيراً فعلى الخلاف المتقدم.
وإذا حكمنا بالنجاسة على أحد الأقوال أو تغير الماء فإنا نأمره (4) بإزالة جميع الماء المتغير النجس (5) حتى يخلفه غيره.
ولو تغير الماء بنجاسة ثم زال التغيير ففيه قولان: قيل حكم النجاسة باق، وقيل إذا زال تغييره زال حكم النجاسة، إذ زوال التغيير يشعر بغلبة الماء وقهره للنجاسة.
...
فصل (في حكم الطعام تحله النجاسة)
وأما حكم الطعام تحله النجاسة، فإن كثرت النجاسة وقل الطعام وتخللت 6 جميع أجزائه فلا خلاف في الحكم بنجاسته.
وإن قلت النجاسة وكثر الطعام ففي المذهب قولان: أحدهما: الحكم بنجاسته، لأنه لا يدفع عن نفسه ولا جزء منه إلا ويمكن أن تحله النجاسة.
فلا يجوز الإقدام على استعمال شيء منه لإمكان أن تكون النجاسة حلته.
والقول الثاني: الحكم بطهارته ليسارة النجاسة وكثرة الطعام، فهي كالمستهلكة 7، وهي كما نقول فيمن اختلط ذات محرم له مع نساء العالم وجهل عينها 8 فإنه يسوغ له الزواج بلا خلاف.
وإن أمكن أن يتزوج ذات محرم منه.12345
وإذا راعينا حكم النجاسة في الطعام فإنه لا يخلو أن يكون مما تسري النجاسة في جملته كالذائبات من الأدهان وغيرها، أو لا تسري في جملته كالجامدات؛ فإن كان مما تسري في جملته حكمنا بنجاسته جميعه، وإن كان مما لا تسري في جملته حكمنا بنجاسة ما سرت فيه دون غيره، وهذا كالعسل يكون (1) جامداً فتقع فيه فيحكم بنجاسة ما سرت فيه دون غيره.
ولو كان مما تسري فيه مع طول المكث نظرنا إلى طول المكث وقصره (2)، وهذا كالسمن الجامد.
(حكم بيع واستعمال الطعام النجس)
وإذا حكمنا بنجاسة الطعام فهل يباح استعماله وبيعه؟ أما استعماله ففيه قولان مشهوران: أحدهما: أنه يستعمل ويتوقى من نجاسته كما قالوا في الزيت تموت فيه الفأرة، فإنه يستصبح به في غير المساجد.
وقالوا في العسل تموت فيه الفأرة أيضاً تعلف به النحل.
والثاني: أنه لا يستعمل أصلاً، وهذا لما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال عام الفتح وهو بمكة إن الله [ورسوله] 3 حرم بيع الخمر والخنزير والميتة والأصنام فقيل له: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها، فقال: "لا هو حرام"، ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -[عند ذلك] 4: "قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم الشحوم أجملوها ثم باعوها وأكلوا ثمنها" 5.12