(تعريف الصوم وحكمه والدليل على ذلك)
والصوم في اللغة: الإمساك مطلقاً، وهو في الشرع: عبارة عن إمساك مخصوص في زمن مخصوص على وجه مخصوص.
وصوم رمضان من معالم الشريعة وأركان الإسلام.
ووجوبه معلوم من دين الأمة ضرورة، ومن يجحد الوجوب فهو كافر قطعًا 1؛ فإن أقر بالوجوب وامتنع من الصوم فهل يكون كافراً؟ يجري على ما قدمناه من الخلاف في المُقر بوجوب الصلاة التارك لها.
ويجبر على فعله عند القائلين بنفي التكفير، كما يجبر على فعل الصلاة.
والأصل في وجوبه الكتاب والسنَّة وإجماع الأمة؛ فأما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ 2، وفيه: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ 3، وقد اختلف هل الإشارة بها إلى رمضان.
وهو يسير بالنسبة إلى شهور السنة، فلهذا عبر عنه بأيام معدودات، أو إلى غيره.
واختلف القائلون بذلك على ثلاث طرق: أحدها: أنها ثلاثة أيام من كل شهر غير معينة 4، والثاني: أنها أيام
البيض 1، والثالث: أنها يوم عاشوراء.
وجمعت لأنها تتكرر في العدّ 2.
فمن قال: الإشارة بها إلى رمضان 3، جعل ما بعدها من النص على أشهر بيانا [للإجمال 4 المتقدم] 5، ومن قال الإشارة بها إلى غيره 6 جعل ما بعدها من تعيين الشهر ناسخاً.
واختلف في قوله تعالى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ 7 هل هو منسوخ أم لا؟ وهؤلاء يرون أنه كان في أول الإسلام المكلف يُخيَّر بين أن يصوم أو يفطر ويطعم، ثم نسخ 8 بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ 9. وهو غير منسوخ، ومعنى يطيقونه أي يلزمون به [ويكلفون به، وإن كان عليهم في الأداء مشقة.
وقد قرئ يطوقونه 10 أي يلزمونه] 11. وسيأتي الخلاف في موضعه.
والحامل والشيخ الكبير هل تلزمهما 12 الفدية أم لا؟ وهو جار على هذا.
وأما السنَّة فقد نقل وجوبه متوتراً، وتلقته الأمة بالقبول لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ" 13 فذكر فيها صوم رمضان.
وأما الإجماع فهو ثابت قطعا.
قال أبو المعالي: المقصود بالصوم في الشريعة وجهان: أحدهما: كسر الشهوتين؛ شهوة البطن والفرج، فإنهما إذا أرسلا على شهواتهما ولم تعود النفوس كسرها دعتا إلى الوقوع في المحظور.
وإذا تعوَّد الإنسان إمساكهما عن المباح وأخذ نفسه بذلك قدر على إمساكهما عن الممنوع.
فكأن الصوم في الشريعة إمساك عن مباح ليكون حمى للممنوع، وعليه نبه -صلى الله عليه وسلم-:"أَلاَ وَإِنَّ لِكُلَّ مَلِكِ حِمَى أَلاَ وَإِنَّ حِمَى الله مَحَارمُهُ" (1). والوجه الثاني: أن المقصود أيضًا كسر الشهوتين.
لكن ليس للاعتياد، بل يحصل من نفس الكسر قمع النفس عن شهواتها ومنعها من الاسترسال على لذاتها.
وإليه الإشارة بقوله-صلى الله عليه وسلم- "الصَّوْمُ جُنَّةٌ" (2).
وإذا ثبتت هذه المقدمة، قلنا بعد هذا: المقصود من الكتاب ينحصر في خمسة فصول: أحدها: شروط الصوم، والثاني: أركانه، والثالث: تفصيل ممنوعاته، والرابع: حكم ما يجب بارتكاب الممنوعات، والخامس: حكم مقتضيات الفطر.
لكن شأننا في هذا الإملاء أن ننبه على الترتيب الواجب ثم نحاذي رتبة الكتاب فنقول [ما أمكن.
ولنذكر هذه الفصول جملة فنأخذ على تفصيلها في ترتيب الكتاب فنقول:] (3).
...
أما (4) الفصل الأول: (شروط الصوم)
فإن للصوم شرطين: شرط وجوب، وشرط أداء؛ فأما شرط الوجوب فالبلوغ 5، فلا يجب الصوم على غير البالغ.
وهل يؤمر به المطيق قبل1234
البلوغ للتمرين 1؟ في المذهب قولان 2، وقد تقدما.
وهل العقل من شروط الوجوب أو الأداء؟ في المذهب قولان.
وذلك أن من لم يبلغ مطبقاً 3 وقلت سنون جنونه وجب عليه القضاء بلا خلاف في المذهب، فإن بلغ مطبقاً أو كثرت 4 السنون ففي المذهب ثلاثة أقوال: القضاء مطلقاً وهو المشهور ونفيه مطلقاً مع كثرة السنين ومثَّلوها بالعشرة ونحوها، وإثباتها مع قلتها ومثلوها بالخمسة ونحوها.
وكان من يوجب القضاء مطلقاً يرى أن القضاء واجب بالأمر الأول، والعقل شرط في الأداء لا في الوجوب.
ومن يفرق بين أن يبلغ مطبقاً ويرى 5 أن المطبق لا يتعلق به الوجوب بوجه.
وهذا يرى أن الوجوب إذا تعلق يوماً ما استرسل تعلقه، فيكون عنده العقل شرطاً في الوجوب.
لكن إن وجد، تعلق الوجوب مطلقاً.
وأما من يفرق بين كثرة السنين وقلتها يرى [رأي] 6 الأول لكنه أسقط القضاء مع التكرار للمشقة.
وهل الإسلام شرط في الوجوب أو في الأداء؟ يجري على اختلاف الأصوليين في الكفار هل هم مخاطبون بفروع الشريعة فيكون شرطاً في الأداء؟ أو غير مخاطبين بها فيكون شرطاً في الوجوب؟
وأما الصحة والإقامة والنقاء عن دم الحيض فقد اتفق الكل على وجوب القضاء في حق المفطر من هؤلاء.
واختلف الأصوليون هل يقال إن
الواجب متعلق بهؤلاء أو غير متعلق، أو يتعلق بالمسافر خاصة، أو به وبالمريض المستطيع للصوم بكلفة، وتحقيق هذا محال على [فنه] (1). ...
فصل (أركان الصوم)
وأما أركان الصوم، فالنية (2). وهل يشترط تكرارها (3) على عدد الأيام أو يكتفى إن نوى في مبتدأ الصوم؟ في المذهب تفصيل وبيانه (4) في موضعه من (5) الكتاب.
والإمساك عن الإيلاج، ونعني به إدخال الطعام والشراب من الحلق إلى المعدة (6)، وإيلاج الحشفة في قبل أو دبر.
وتفصيل ذلك يأتي في موضعه أيضًا.
والإمساك عن الإخراج، ونعني به إخراج المني أو القيء.
وتفصيله يأتي أيضًا.
...
فصل (ما يجب بارتكاب الممنوعات)
وأما التفصيل في ممنوعات الصوم، فنؤخر الكلام عليها.
وهي على الجملة الإخلال بركن من أركان الصوم.
...123456
فصل
1
وأما ما يجب بارتكاب الممنوعات، فنأتي فيه بكلام جلي يكتفي به الذكي.
ونحيل غيره على التفصيل.
وذلك أن الصوم لا يخل من أن يكون واجبًا أو غير واجب، والواجب لا يخلو أن يكون واجبًا بإيجاب الله تعالى أو واجبًا بإيجاب المكلف على نفسه، والواجب بإيجاب الله تعالى لا يخلوا من أن يكون معينا وهو رمضان أو غير معيّن وهو ما يجب في الكفارة والواجب بإيجاب المكلف على نفسه لا يخلو أيضًا من أن يكون معيناً وهو أن ينذر أيامًا بأعيانها أو غير معيّن وهو أن ينذر أيامًا بغير أعيانها والواجب بإيجاب الله تعالى أو بإيجاب المكلف على نفسه لا يخلو من أن يكون متتابعاً أو غير متتابع.
ويتعلق بارتكاب الممنوعات ثلاثة أشياء: القضاء والكفارة وقطع التتابع، ولا يخلو المرتكب من أن يكون معذورا أو غير معذور؛ فإن كان معذورا بالنسيان أو بالغلط في التقدير وجب القضاء في جميع أقسام الصيام إلا في التطوع فلا يجب بلا خلاف على هذا.
وهل يستحب؟ في المذهب قولان، وهكذا نقل.
ولا ينبغي أن يختلف في استحبابه, لأنه فعل بر.
لكن النظر هل هو قضاء أو ابتداء فعل خير 2؟ وهل ينقطع التتابع؟ في المذهب قولان.
وهل تجب الكفارة؟ أما غير رمضان فلا تتعلق به الكفارة، وأما رمضان فإن كان فطره ناسياً بأكل أو شرب فلا كفارة بلا خلاف.
وإن كان بجماع فقولان: المشهور نفيها، والشاذ وجوبها.
فإن كان غير معذور كالمتعمد، فالقضاء في الجميع، وقطع 3 التتابع فيما يجب تتابعه.
ولا كفارة في الجميع إلا في رمضان فتجب الكفارة فيه على الإطلاق.
...
فصل (مقتضيات الفطرة)
وأما مقتضيات الفطر فهي على الجملة ثلاثة: المرض وينخرط في سلكه الحامل والمرضع، والسفر، ووجود دم الحيض.
وتفصيل ذلك يأتي في موضعه إن شاء الله.
...
باب في النظر في زمن الصوم
وهو قسمان: عام وخاص.
(اليوم زمن الصوم العام)
فأما العام، فهو في اليوم، ولا يصام الليل بالإجماع.
والنهار على الجملة محل للصوم.
وأما مبدؤه فاجتمعت الأمة على أن الفجر الأول المستطيل 1 الذي سمته العرب ذنب السرحان لا يتعلق به الصوم ولا الصلاة.
وعلى أن الفجر الثاني المعترض 2 في الأفق هو الموجب للإمساك ولصلاة الصبح.
لكن حكي عن بعض السلف خلاف في الفجر الثاني، وقد انعقد الإجماع بعده 3.
ولا يخلو مريد الصوم أن يكون بحيث ينظر الدلائل على الفجر، أو بحيث لا يبصر؛ فإن كان بحيث يبصر فلا يخلو حاله من ثلاثة أقسام: إما أن يتيقن بطلوع الفجر [فيجب عليه الإمساك، وإما أن يتيقن بعدم الطلوع فيباح له الأكل] 4.
(حكم الشك في طلوع الفجر)
وأما إن شك فهاهنا قولان: كراهية الأكل، وتحريمه.
ورأى ابن حبيب أن القياس الإباحة.
وسبب الخلاف استصحاب حالين: أحدهما: إباحة الأكل، والثاني: وجوب الصوم؛ فمن نظر إلى استصحاب زمن الليل أجاز الأكل أو كرهه (1) مراعاة للخلاف، ومن نظر إلى وجوب استصحاب الصوم منع إلا أن يتيقن بالجواز.
فإن أكل ثم علم أن الفجر لم يطلع فلا شك في نفي القضاء، وإن علم بطلوعه فلا شك في إثباته، وإن أشكل عليه جرى وجوب القضاء واستحبابه على الخلاف المتقدم.
(حكم من طلع له الفجر وهو يأكل)
فإن طلع له الفجر وهو آكل أو شارب فالمنصوص أنه يلقي ما في فيه ولا قضاء عليه.
وفي المذهب قولان: هل يجب إمساك جزء من الليل؛ لأنه لا يتوصل إلى إمساك جميع أجزاء النهار إلا به، أو لا يجب.
فإن نفينا الوجوب فلا شك في نفي القضاء، وإن أثبتناه فيمكن أن يقال إنه واجب لغيره.
فإذا لم يحصل تعلق الإثم ولا قضاء.
ويمكن أن يقال وجب القضاء لانسحاب الوجوب عليه.
وقد تعلق من أباح الأكل أو كرهه مع الشك بقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ 2، ومع البيان لا شك.
وظاهر الآية جواز الأكل إلى أن يستيقن 3. واعتذر عن 4 هذا بأن المقصود في الآية جواز الأكل وما ذكر معه في جميع أجزاء الليل, لأنها ناسخة لما كان في1
أول الإسلام من أن الإنسان إذا نام وجب عليه الإمساك وإن قام في آخر الليل، وتعلق أيضًا بقوله-صلى الله عليه وسلم -"كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُم مَكْتُوم", وفي الحديث:"كَانَ رَجُلاً أَعْمَى لاَ يُنادى حَتَّى يُقَالَ أَصْبَحْتَ" 1. فهذا دليل على جواز الأكل مع الشك والإشكال حتى يصبح 2 الصباح.
واعتذر عن هذا بأن معناه قاربت الصبح 3. ونحن مضطرون إلى هذا التأويل؛ إذ لو بقي على ظاهره لكان مقتضياً بجواز الأكل بعد اليقين بوجود الصباح، وهذا لا يختلف فيه.
وإذا منعنا الأكل وما في معناه مع الشك، فإذا تعدى المكلف هذا المنع فهل تلزمه الكفارة أم لا؟ وأما إن تأول فلا، وإن قصد إلى انتهاك حرمة الصوم 4 مع تعويله على التحريم فقد يختلف فيه على الخلاف في مراعاة الخلاف.
ولا يختلف في طرف النهار الآخر، وهو آخره إذا شك [هل غابت الشمس أو لا]؟ 5 إذ المستصحب هاهنا بكل وجه منع الأكل.
لكن اختلفوا هل يلزم إمساك جزء من الليل 6 كما اختلفوا في الطرف الثاني؟ وعلى هذا الذي قلناه لو أكل في آخر النهار [مجتهدا] 7 ثم تبين له الخطأ أو الصواب بني على ما تبين له من الخطأ أو الصواب؛ فإن أشكل وجب القضاء.
...
فصل (حكم من لا دليل له على الفجر)
وإذا كان بحيث لا دليل له على الفجر فله أن يقتدي بالمستدِل (1). وفيه ورد الحديث:"إنَّ بلالاً يُنَادِي بلَيْل" الحديث كما ورد (2). فإن لم يكن له من يسمعه الأذان] (3) فَله التحريَ ويأخذ بالأحوط.
ومتى شك أو أشكل عليه، فإن كان بحيث يمكنه التوصل إلى المعرفة وجب عليه إذا أراد أن يستبيح الأكل وما في معناه، وإن كان بحيث لا يمكنه التوصل إلى المعرفة فقد يقال إن هذا مثل الأسير إذا وقع في مهواة، وسيأتي بيان حكمه.
(حكم من طلع عليه الفجر وهو يجامع)
وقد بيَّنا حكم من طلع عليه الفجر وهو آكل أو شارب، فإن طلع عليه وهو يجامع؛ فإن استدام كان كالمتعمد في أجزاء النهار، وإن نزع فلا كفارة على المشهور.
وهل عليه القضاء؟ قولان: أحدهما: نفيه لأنه معذور وقد فعل أقصى ما في وسعه (4)، وأيضاً فإن النزع ليس بوطء.
والثاني: وجوب القضاء، وهذا لأنه يعدّ النزع وطئاً.
وهل تجب على هذا الثاني الكفارة؟ يجري على الخلاف في المعذور، وسنبّين ذلك مفصلاً وإن أجملنا أولاً.
...
فصل (حكم البياض الذي قبل الفجر والذي بعد العمرة بالليل)
وفي الكتاب: قال مالك رحمه الله: "وإنه ليقع في قلبي وما هو إلا شيء فكرت فيه منذ قريب، أن الفجر يكون قبله 5 بياض ساطع، فذلك لا يمنع الصائم من الأكل.
[فكما لا يمنع الصائم ذلك البياض من الأكل1234
حتى] (1) يتبيَّن الفجر المعترض في الأفق، فكذلك البياض الذي يبقى بعد الحمرة لا يمنع مصل أن يصلي العشاء" (2). وغرضه بهذا، الرد على أهل العراق في قولهم: إن الشفق هو البياض.
وقد قدمنا ذلك في كتاب الصلاة الأول وذكرنا ما في المذهب (3). ولم يسلم أبو الحسن اللخمي هذا القياس، بل رأى أن الطوالع أربعة: البياض الأول وهو ذنب السرحان والفجر الصادق، والحمرة [لا يتعلق بها حكم] (4) والشمس.
والغوارب كذلك [أربعة] (5):الشمس، والحمرة، والبياض الباقي بعدها، والبياض المشرق وراء (6) ذنب السرحان.
وبالجملة، فإن الذي استعمله مالك رحمه الله قياس الشبه.
وبين الأصوليين خلاف في التعويل عليه.
وقد ظن من لا تحقيق عنده أنه قياس عكس، وسبب ظنهم (7) أن الطوالع ضد الغوارب، وإنما [شبه] (8) طالعاً بالغوارب.
وإنما قياس العكس ما قاله المغيرة في المدونة في كتاب الزكاة في مسألة من له عشرة دنانير أنفق خمسة واشترى سلعة بخمسة فباعها بخمسة عشرة، وبيانها يأتي في موضعه.
...
[فصل] (9) (رمضان زمن الصوم الخاص)
وأما الزمان الخاص فهو رمضان.
والنظر أيضًا في أوله وآخره.
والطريق إلى معرفة الأول بالرؤية والعدد.123456789
(ما تثبت به رؤية الهلال)
أما الرؤّية، فتحصل بالخبر المشتهر 1 وهو الكمال فيها ولا يفتقر في ذلك إلى شهادة، وأما الشهادة فلا يخلو أن يكون الموضع به من يلتفت إلى أحكام الشريعة ومواقيت العبادة، أو ليس به ذلك.
فإن كان به من يلتفت إلى ذلك فلا خلاف منصوص في المذهب أن حكم ثبوت الأهلَّة راجع إلى حكم الشهادة لا إلى حكم الإخبار، وإن لم يكن به من يلتفت إلى هذا فظاهر المذهب [على] 2 قولين: أحدهما: أن الحكم كالأول، والثاني: التعويل على الشهادة إن أمكنت، وإن لم تمكن عوّل على الخبر، هذا في حكم ما يثبت به حكم 3 الهلال.
فإن ثبت عند الحاكم أو في بلد من البلدان فنُقِل، فظاهر المذهب أيضًا على قولين: أحدهما: أنه يفتقر نقله إلى ما تفتقر إليه الشهادة، والثاني: أنه لا يفتقر إلى ذلك، هذا تحقيق نقل المذهب.
ولما كان القياس عند المتأخرين من أهل المذهب ردّ ثبوت الهلال إلى باب الأخبار [رأوا أن] 4 الفرق بين [باب] 5 الأخبار وبين باب الشهادة أن كل ما خصّ المشهود عليه فبابه باب الشهادة، وكل ما عمَّ ولزم القائل به 6 ما يلزم 7 المقول [له] 8 فبابه باب الأخبار، فأرادوا 9 أن يجعلوا في المذهب قولة بقبول [خبر] 10 الواحد في الهلال ولا يجدوه إلا في النقل
عمًّا (1) ثبت (2) عند الإمام فينقل (3) إلى أهله أو إلى (4) غيرهم.
ولعل هذا لما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"إذا شهد شاهدان فافطروا وصوموا" (5) الحديث.
ولا يستقل الحكم إلا بثبوته بالشهادة.
ثم ما بعد ذلك من فروع الباب يختلف فيها هل تعطى حكم (6) أصولها فيكون بابها (7) باب الشهادة، أو تنقل إلى باب الأخبار للاضطرار.
إذ لو كلف كل أحد أن يسمع من الإمام أو من شاهدين لأدَّى ذلك إلى الحرج، أو لم يمكن (8). فنقل ذلك الخبر عن الواحد.
(إذا ثبتت الرؤية في بلد هل تلزم سائر البلاد؟)
وإذا ثبتت رؤية الهلال في بلد، فهل يلزم سائر البلاد إذا بلغهم؟ أما إن كان ذلك برؤية مشهورة فلا خلاف عندنا أنه يلزم [سائر] 9 البلاد.
أما إن كان بشهادة وحكم؛ فإن ثبت عند الخليفة الذي يلزم [سائر الناس طاعته، أو عند قاضيه، أو حاكمه، لزم الكل بلا خلاف عندنا.
وإن ثبت عند من لا يلزم] 10 الكل طاعته ففيه قولان: المشهور اللزوم؛ إذ هذا حكم [ثابت بالشهود فيلزم تعميمه قياسًا على سائر الأحكام] 11، وليس مما12345678
يفتقر فيه إلى كون المحكوم عليه في عمالة الحاكم.
والشاذ إلحاقه بسائر الأحكام، ولا يلزم إلا المُوَّلى عليه خاصة.
وإذا ثبت أن ثبوت الهلال لا يحصل إلا بالشهادة فيشترط في الشهود ما يشترط في سائر الشهادات.
وتفصيل ذلك محال (1) على موضعه.
(حكم الشاهدين في المصر الكبير)
لكن اختلف المذهب في قبول الشاهدين في المصر (2) [الكبير والسماء مصحيَّة؛ فالمشهور قبولهما، وقيل لا يقبلان.
وهذا خلاف في حال (3). فإن نظروا إلى صوب واحد وانفرد برؤيته اثنان فذلك ريبة تردّ شهادتهما، وإن انفردا بالنظر إلى موضع قبلت شهادتهما.
(حكم الشاهد الواحد)
وإذا رآه الإنسان المنفرد، وجب عليه أن يرفع [شهادته] 4 إن كان عدلاً، وكذلك إن كان مستوراً يرجو قبول شهادته، ولا يكتم لانفراده، لأنه قد يكون غيره يراه وهو منفرد أيضًا.
فإن كان مكشوف الحال في عدم العدالة فهل يؤمر بالرفع؟ قولان: أحدهما: أنه لا يرفع خوفًا من كشف نفسه، والثاني: يرفع رجاء أن يقتدى به [مع] 5 غيره، ولعل ذلك يكثر فيؤدي إلى الانتشار الذي لا تطلب فيه 6 العدالة.
وإذا انفرد ولم يقبل قوله لانفراده، أو لأنه غير عدل، يجب عليه الإمساك.
فإن لم يمسك، فلا يخلو أن يكون عامدًا غير متأول أو متأولاً.123
فإن لم يتأول كان عليه القضاء والكفارة، وإن تأول فقولان: أحدهما: وجوب الكفارة، والثاني: نفيها.
وهو على الخلاف في الجاهل هل حكمه حكم العامد أم لا؟
وإن انفرد بهلال شوَّال ولم يثبت به فإن لم يَخْفَ له الفطر فلا يفطر بلا خلاف، وإن كان مسافراً أو له عذر في الإفطار فمقتضى المذهب أنه يفطر، وإن لم يكن له عذر وخفي له الفطر وأمن من الاطلاع عليه، فالمشهور [من المذهب] (1) أنه لا يفطر، وهذا حماية للذريعة لئلا يطلع عليه غيره فيفطر على التهاون فيدعي الرؤية.
والشاذ أنه يفطر لوجوب الفطر عليه.
(رؤيه الهلال على غير عادته في الطلوع)
وإذا رؤي الهلال مخالفًا لعادته في الطلوع؛ فإن كان بعد الزوال فلا يختلف المذهب بأنه من الليلة القابلة، وإن كان قبل الزوال ففي المذهب قولان: المشهور: أنه كالأول، والثاني: أنه لليلة الماضية.
وكأن هذا ركون إلى أن السماء [كروية] 2 وهذا [على] 3 التعويل على رأي المنجمين، والأول نظراً إلى تجويز خلقته 4 كبيراً أو صغيراً من غير أن يلتفت إلى العادة في وقت طلوعه؛ لأنّ هذه العادة قد لا تثبت.
ولو شهد اثنان بالهلال فقبلا، ثم عدَّ الناس ثلاثين يوماً فلم يبصروا، والسماء مصحية، فذلك دليل على ريبة الشهادة.
وفيها قال 5 مالك رحمه الله: هما شاهدا سوء.
ولو شهد شاهد على الهلال أول الشهر وشهد [آخر] 6 على هلال1
آخره، فإن كانت شهادة الثاني بعد تسعة وعشرين يومًا من شهادة الأول لم تلفق لأنهما لم يجتمعا على شيء واحد، وإن كانت بعد ثلاثين يومًا جرى تلفيقهما على الخلاف في تلفيق الشهادة على الأفعال.
...
فصل (في عدم الالتفات إلى كلام المنجمين)
وأما العدد فهو إكمال الشهر ثلاثين يومًا، وذلك يرجع إليه عند تعذر الرؤية.
وإن اتفقت شهور كثيرة [في عدم الرؤية] 1 والسماء مصحيَّة [أو متغيّمة] 2 استمر الناس على إكمال العدد ثلاثين.
ولا يلتفت [عند تعذر الرؤية] 3 في ذلك إلى أحكام المنجمين بالمفارقة وشهادتهم بإمكان الرؤية وتعددها، فإن أحكام المنجمين مذمومة [على تبيين الشرع] 4. وإلى نفي التعويل على أقوالهم أشار- صلى الله عليه وسلم -بقوله: "نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب الشهر هكذا وهكذا" 5. وأشار بيده منشورة 6 الأصابع ثم قال هكذا وهكذا [وهكذا] 7 وقبض في الآخرة أصبعاً من الأصابع، ليعلم أن التعويل على ما يشترك الكل في معرفته لا ما ينفرد به بعض الناس 8.
(نفي التعويل على الحساب)
ونفي (1) التعويل على الحساب إما لأنه مما ينفرد به الآحاد، وإما لأنه مسامحة لقبول أحكام المنجمين في مبادئ قد ينصرفون (2) منها إلى أواخر تصادم الشرع، وجمهور الأمة إلى منع الالتفات إلى حسابهم في هذا الشأن فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "فَإن غُم عَلَيكُم فأكمِلُوا العِدةَ ثَلاَثِينَ" (3)، وما وقع في بعض الطرق: "فَإن غم عَليكُم فَاقدُرُوا لَهُ" (4) معناه إكمال العدة كما ورد في هذا الحديث، خَلافاً لمن فسره بالرجوع إلى التقدير والحساب (5). والدليل على بطلان [هذا] (6) ما قدمناه.
وهذا دليل قطعي في هذا الشأن.
وما ذكرناه من إكمال ثلاثين فهو معبر للحديث الآخر.
وقد ركن بعض أصحابنا البغداديين إلى أن الإنسان إذا تحقق عنده بالحساب رجع إليه مع الغيم.
وهذا باطل بما قدمناه (7).
(تبييت نية الصوم في يوم الشك)
وإذا التمس الناس فلم يروا الهلال والسماء مصحيَّة فلا شك، وإن كانت متغيمة فالشك 8 حاصل.
وينبغي تبييت الإمساك ليستبين ما يأتي به النهار من أخبار السُّفَّار، فإن ثبت نفي الرؤية عول عليه، وإن ثبت إثباتها استديم الإمساك ولا يجزي ذلك اليوم.
والفرق بين ما يجب فيه الإمساك1234567 = علم التنجيم الذي رفض الفقهاء الاستدلال به هو علم النجوم المرتبط بالكهانة والسحر والخرافة والشعوذة، أما علم التنجيم القائم على المسائل العلمية فلا مانع من الاستدلال به.
وما يجوز فيه استدامة الفطر أن كل من عول على الفطر بإباحة الشرع مع العلم بأن اليوم من رمضان، فإنه يستديم الفطر، كالحائض تطهر والصبي يحتلم والمجنون يفيق والمسافر يقدم.
وفي الكافر يسلم قولان: قيل يجب عليه الإمساك بقية النهار إن أسلم فيه، وقيل لا يجب عليه.
وهما على الخلاف في مخاطبتهم بفروع الشريعة.
ومن عول على الفطر جهلًا بأن اليوم ليس من رمضان، ثم ثبت أنه منه وجب عليه الإمساك.
فإن أفطر وقد علم بوجوب الإمساك عليه؛ فإن تأول فلا كفارة عليه، وإن لم يتأول فقولان: أحدهما: وجوب الكفارة لوجوب الإمساك، والثاني: نفيها لأنّ اليوم لم تنعقد حرمته في حقه.
...
فصل (حكم صوم يوم الشك)
ويصوم يوم الشك مَن نَذره، أو من 1 استدام الصوم.
وهل يصومه للتطوع 2 أم لا؟ قولان: الكراهية 3 محاذرة من موافقة أهل البدع في صومهم، والجواز لأنه محل الصوم على الجملة.
وإنما يصومه أهل البدع لاعتقادهم أنه من رمضان.
ونصوص المذهب على النهي عن 4 صومه على التحري.
واستقرأ أبو الحسن اللخمي وجوب 5 صومه من أحد الأقوال في وجوب الإمساك على من شك في طلوع الفجر وعدم طلوعه.
وهذا الاستقراء غير صحيح، لأنّ إمساك هذا الجزء لا محاذرة فيه من موافقة بدعي بخلاف يوم الشك.
واستقرأه أيضًا من مسألة هي أشبه 6 من الأولى،
وهي إحدى الأقوال في الحائض يتمادى بها الدم حتى يتجاوز عادتها ولا تبلغ الخمسة عشرة يوماً أنها تصوم وتصلي.
والجامع 1 أن 2 صوم الحائض محرّم وصوم يوم الشك منهي عنه محاذرة 3 من موافقة المعولين على التنجيم 4. وقد أمر مالك رحمه الله الحائض بالاستظهار [وبالصوم] 5 خوفاً من أن يكون واجباً عليها، ثم أمرها بالقضاء لئلا تكون حائضاً.
وكذلك نأمره 6 بأن يصوم يوم الشك خوفاً من أن يكون من رمضان، ويمكن أن يفرق بينهما بأن محاذرة الموافقة لأهل الحساب 7 أشد من محاذرة الوقوع في الإمساك مع الحيض، لأنّ موافقة أولئك تعم [ضرورة] 8، وضرورة الحائض لا تعم.
وأيضاً فنحن متعبدون بأن لا نصوم إلا مع 9 كمال العدة أو الرؤية، وهاهنا لا واحد من هاذين.
والحائض إذا تمادى [بها] 10 الدم وقد تيقنت أن الزمان يجب صومه على الجملة وهي تشك 11 هل وجب عليها في نفسها أم لا؟ فتأخذ بالاحتياط 12، فإن صام المكلف يوم الشك احتياطًا فالمنصوص لا يجزيه 13. قال 14 أشهب: بمنزلة من بادر فصلى
الظهر مع الشك هل دخل الوقت [أم لا] 1 فإنها لا تجزيه، وإن تبيّن أنه صلى في الوقت.
وأنكر أبو الحسن اللخمي هذا التشبيه لأنّ المأمور بالصلاة عنده لا ينبغي له المبادرة مع الشك، وصائم يوم الشك مأمور 2 بالمبادرة.
ورأى 3 أن المشبه ليوم الشك مسألة من تطهير أو توضأ لما شك هل وجب عليه، أو صلى لما 4 ظن أنه وجب عليه.
وفي المذهب قولان: إن تيقن بالوجوب فهل 5 يكتفي بما قدمه 6 مع الشك أم لا؟ وهذا الذي قاله غير صحيح.
وتشبيه أشهب واقع؛ لأنّ صوم يوم الشك منهي عنه، وهو أبلغ في النهي من الشاك هل دخل وقت الصلاة 7 أم لا؟ وما ذكره من المسائل لا خلاف أنه مأمور بتحصيل ما شك فيه.
وإنما الخلاف في وجوب أمره أو ندبه، وعليه يبنى الإجزاء.
وقد ألحقنا حكم يوم الشك بهذا الباب لما استوفينا فيه النظر في زمان الصوم العام والخاص.
وقد احتج مالك رحمه الله على الشافعي المجيز لشهادة الواحد في الصوم دون الفطر، بأنه إذا قبل في الصوم ثم عدَّ الناس ثلاثين يومًا فلم يروه، فهل يفطرون فيصير الإفطار بواحد والمخالف ينكره، أم 8 يصومون فيصير الصوم إحدى وثلاثين يومًا؟ وذلك مما تنكره الشريعة.
وللشافعية في هذه المسألة 9 قولان: أحدهما: الفطر بعد الثلاثين بشهادة الأول؛ لأنه حكم قد استقل بالواحد فيمضي على ما هو به.
والثاني: يصومون إحدى وثلاثين يوماً لئلا يفطروا بشهادة الواحد.
ويكون المعوَّل على أن الحكم في تفصيل كل (1) نازلة بما يوجبه الشرع.
وعندنا ما يشير إلى هذا الخلاف، وهو قبول الشاهد واليمين وشهادة النساء في كل موضع تقع الشهادة على غير مال، والحاصل عنها مال أو بالعكس.
وبيانه يأتي في موضعه إن شاء الله.
...
باب في تفصيل ما يجب الإمساك عنه من الجماع وحكم مبادئه
ولا خلاف أن الجماع وما في معناه من استدعاء المني محرم في الصوم.
وأما مبادئه وهي: الفكر والنظر والقبلة والملاعبة والمباشرة؛ فإن استدامه حتى استجلب به المني رجعت إلى ما قدمنا من تحريم استدعائه.
فإن لم يستدم؛ فأما الفكر والنظر فلا يختلف أنهما لا يحرمان في الصوم 2.
وأما القبلة وما بعدها ففي المذهب اضطراب هل تحرم أو تكره أو يختلف حال الشيخ والشاب.
وتحقيق المذهب في ذلك: أن من علم سلامته من الإنعاظ 3 وما بعده لم تحرم في حقه، ومن علم أنه لا يسلم حرمت في حقه، ومن شك ففيه قولان: التحريم، نظراً إلى تقرر الصوم 4 في الذمة 5، فيجب عليه محاذرة كل ما يفسده.
والكراهية، نظراً إلى أن1
الفساد غير متيقن، ولا يحرم إلا مع تيقن الفساد.
على أنه [قد] (1) اختلف في توجه القضاء مع الإمذاء (2)، هل يجب، أو يندب إليه على ما يأتي.
ونبدأ بأوائل الجماع ومقتضيات الشهوة على الترتيب، ونذكر ما يكون عنها، الأول فالأول فنقول:
(حكم التفكر في الجماع وما في معناه)
إن فكر فالتذ بقلبه فلا حكم للذة، وهذا مما تسقطه الشريعة لأنّ تكليفه من الحرج.
وإن أنعظ فكذلك أيضًا.
وإن أمذى (3) نظر هل استدام أو لم يستدم، فإن استدام كان بمنزلة من أمذى قصدًا، فيؤمر بالقضاء.
وهل يجب [القضاء] (4) أم لا؟ قولان: الوجوب؛ لأنّ المذي علامة [على تحرك] (5) المني عن موضعه، ونفي الوجوب لأنّ الحكم يتعلق بالمني لا بالمذي.
والدليل عليه سقوط الكفارة فيه.
وإن لم يستدم فلا شيء عليه، لأنه لو كلف القضاء لأدى إلى الحرج الذي تسقطه الشريعة السمحة، وإن أمنى [فإن استدام] (6) قضى وكفر عندنا، وإن لم يستدم فالقضاء بلا كفارة إلا أن يكثر ذلك عليه فيسقطُ القضاء للمشقة.
(حكم النظر)
فإن نظر فالتذ بقلبه فلا حكم لما قلناه 7 من الحرج، وإن أنعظ فكذلك أيضًا، وإن أمذى فاستدام النظر فالقضاء مأمور به.
وهل هو 8123456
واجب؟ يجري على الخلاف المتقدم.
وإن لم يستدم [النظر] (1)، استحب له القضاء ولا يجب.
وإن أمنى؛ فإن استدام فالقضاء والكفارة، وإن لم يستدم فالقضاء.
وهل يكفر؟ جمهور المذهب على أنه لا يكفر، وألزمه الكفارة أبو الحسن القابسي رحمه الله، وتأوله على ابن القاسم إذا قصد إلى النظر.
ورأى أن قوله بالسقوط (2) إنما هو مع عدم القصد.
وسبب الخلاف تعليق الحكم على النوادر، فتجب الكفارة.
أو عدم تعليقه على ذلك، فتسقط.
(حكم القبلة)
وإن قبَّل فالتذ بقلبه فلا شيء عليه؛ إذ لا حكم للذَّة بانفرادها، فإن أنعظ فقولان: وجوب القضاء وإسقاطه.
وهذا خلاف في حال؛ هل يمكن (3) الإنعاظ من غير مذي؟ وهاهنا قارن الإنعاظ [قبلة] (4)، فهل يقتضي تعلق الحكم عليه، بخلاف إذا فكر ونظر (5). وإن أمذي أمر بالقضاء.
وهل يجب؟ قولان كما تقدم.
فإن أمنى وجب القضاء، وهل تجب الكفارة؟ أما إن استدام فهي واجبة؛ لأنه [قاصد لفعل] (6) يوجد معه المني غالباً.
وإن لم يستدم فقولان: وجوب الكفارة، وإسقاطها.
وهما خلاف في حال، هل يوجد المني من القبلة غالباً أم لا؟ وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس.
(حكم المباشرة والملاعبة)
وأما إن باشر أو لاعب ولم يمذ فلا قضاء إلا أن ينعظ ففيه قولان كما تقدم في القبلة.
وإن أمذى أمر بالقضاء.
وهل يجب؟ قولان كما تقدم.123456
وإن أمنى وجبت الكفارة على الإطلاق، إذ الغالب مع هذا الفعل وجود المني.
أو يكون ذلك موجوداً كثيراً وإن لم يكن غالباً.
وقال أشهب: لا كفارة، كالقبلة عنده.
(حكم الجماع فيما دون الفرج)
وإن جامع فيما دون الفرج فلا كفارة إلا أن ينزل، فإن أنزل كفر بلا خلاف عندنا.
وهل يجب القضاء مع [عدم] (1) الإنزال؟ [ظاهر مذهب البغداديين الخلاف في وجوب القضاء إذا لم يكن إلا المذي.
أما إذا كان المني فلا خلاف في هذا] (2).
(حكم الجماع في الفرج)
وإن جامع في الفرج وجبت الكفارة بمغيب الحشفة؛ أنزل أو لم ينزل.
ولا خلاف عند جمهور الأمة في وجوبها مع العمد.
أما الإكراه والنسيان ففي المذهب قولان: المشهور عدم الوجوب، والشاذ إثباته.
وسبب الخلاف قول النبي-صلى الله عليه وسلم- للقائل جامعت أهلي في رمضان "كفر" 3. ولم يسأله هل جامع عمداً أو نسياناً.
وبين الأصوليون خلاف في12
ترك [الاستفصال] (1) هل يتنزل منزلة العموم في المقال أم لا (2)؟ فإن قلنا إنه يتنزل منزلته جاء منه الشاذ، وإن لم نقل بذلك وحملناه على العمد لما في بعض الطرق من قول السائل احترقت (3) (4) جاء منه المشهور، إذ لا يقول في الظاهر احترقت إلا إذا كان عامداً.
فإن جامع أهله مكرِهاً لها كفَّر عن نفسه، وهل يكفر عنها؟ أما إن قلنا بأن المكره يكفر فلا شك في وجوب الكفارة عليه عنها، وأما إن قلنا إن المكره لا يكفر فهاهنا قولان: أحدهما: أنه لا يلزمه عنها (5) كفارة لأنها مكرهة (6). والثاني: لزومها له لأنه قاصد إلى انتهاك حرمة اليوم في حقه وحقها فتلزمه كفارتان (7).
...
باب في أحكام الطعام وغيره مما يصل إلي المعده والحلق
ولا خلاف أن الفطر يحصل بإيصال الطعام إلى المعدة أو إلى الحلق من منفذ واسع مع القصد والعمد.
وفي معنى الطعام كل مغذٍّ.
وهل يلحق1234567
به غير المغذي، كالتراب والحصى والدراهم وما في معنى ذلك؟ في المذهب قولان: الإلحاق، حماية للذريعة وحسماً لباب التناول 1. وعدم الإلحاق، لأنّ هذا النوع مما لا تتشوف النفوس إلى جنسه، ولا معنى لحماية الباب [فيه] 2.
وقولنا: "من منفذ واسع"، احترازاً مما يصل [إلى المعدة] 3 من المنافذ الضيقة كالعين والإحليل، والمنافذ الواسعة: الفم والأنف والأذن.
وهل تلحق بذلك الحقنة؟ في المذهب قولان: أحدهما: الإلحاق بذلك لأنه في معنى المنافذ المتقدمة.
والثاني: عدم الإلحاق لأنه 4 لا يصل إلى المعدة.
وإنما يصل إلى مستقر الأثفال 5.
وقولنا: "مع القصد والعمد"، لما ذكرناه من 6 عدم الخلاف.
ومذهبنا إلحاق النسيان بالعمد في حصول الفطر المقتضي للقضاء.
وأما الكفارة فتحصل 7 في هذا الباب عندنا بالعمد، وما يدخل من 8 الفم.
هذا النظر في هذا الباب على الجملة.
وأما تفصيله فإنا نقول: أما ما يصل إلى الفم؛ فلا يخلو أن يكون متناولاً من خارج الفم أو مبتلعاً من الفم، [ولا يخلو من أن يكون مستخرجاً من الحلق أو متناولاً من خارج، ولا يخلو من أن يكون من جنس ما يغذي أو من جنس ما لا يغذي] 9، ولا يخلو أن يكون مقدوراً على الاحتراز منه أو غير مقدور.
(حكم المتناول من خارج الفم أو المبتلع منه)
فإن كان متناولاً من خارج، وهو من جنس ما يغذي، ففي عمده القضاء والكفارة عندنا، وفي سهوه القضاء.
وإن كان مبتلعاً من الفم كالفلقة (1) من الطعام تكون بين أسنانه، ففيه قولان: أحدهما: أنه كالمتناول من خارج [الفم لأنّ (2) الفم له حكم الظاهر في الصوم، وإذا ابتلع منه شيئًا صار كالمتناول من خارج] (3)، وأيضًا فإن أصلها من خارج الفم.
والثاني: أنها ليست كالمتناول من خارج؛ لأنها لما استقرت في الفم صارت في حكم الريق.
فإذا (4) قلنا إنها ليست كالمتناول من خارج، فهل تسقط الكفارة ويجب القضاء أو يسقطان جميعًا؟ في المذهب قولان: سقوطها، لما عللنا به من أنها كالريق.
ووجوب القضاء، لأنها في حكم ما يمكن الاحتراز منه، فأشبه (5) المتناول ناسياً (6).
(حكم تناول غير المغذي)
وأما غير المغذي فقد قدمنا ما فيه من الخلاف.
وإذا قلنا إنه ليس كالمغذي، فهل يكون فيه [القضاء] 7 خاصة أم لا؟ في المذهب قولان: أحدهما: وجوب القضاء، [إذ ليس كالمغذي] 8 في عمده دون الكفارة.
[والثاني: وجوب القضاء والكفارة] 9، وهذا مراعاة للخلاف، ولأن الكفارة123456
إنما جعلت في الشريعة] (1) زجراً عن تناول ما تدعو النفوس إليه، وهذا مما لا تدعو النفوس إليه.
وأما ما استخرج من الحلق كالبَلْغَمِ (2)؛ فإن لم يقدر على طرحه فلا حكم له إن استرده، وإن أمكن طرحه ففيه من الخلاف ما في غير المغذي، كالفلقة بين الأسنان.
(حكم ما لا يمكن الاحتراز منه)
وإن كان مما لا يمكن الاحتراز منه، فإن عمَّ وكان من جنس ما لا يغذي كغبار الطريق، فلا خلاف في سقوط حكمه (3). وإن كان من جنس ما يغذي كغبار الدقيق فيه قولان في المذهب: أحدهما: وجوب القضاء، لأنّ [أقصى] (4) أمره أن يكون كالنسيان.
والثاني: نفيه، لأنه لا يمكن الاحتراز منه كغبار الطريق.
وأما غبار [الجير والدباغ] (5) وما في معناه من كل ما لا يغذي وينفرد بالاضطرار إليه بعض الناس، فهل يكون كغبار [الدقيق فيكون فيه الحكم كما قدمته أو يكون كغبار الطريق فلا حرج فيه ولا حكم؛ فإنه] (6) إن عللنا غبار الطريق بأنه من جنس ما لا يغذي فهذا مثله، وإن عللنا بعموم الاضطراب إليه فهذا بخلافه.
...
فصل (حكم الواصل إلى المعدة أو الحلق من غير الفم)
ولا خلاف في سقوط الكفارة في الواصل إلى المعدة أو الحلق من غير الفم، إلَّا ما قاله أبو مصعب فيما دخل من منفذ واسع.
وهو بعيد123456
جدًا، لأنّ هذا مما لا تتشوف النفوس إليه، فتتعلق الكفارة به.
وإنما ظن أن الشريعة علقت الكفارة بوصول الشيء إلى المعدة مع القصد والعمد.
وفي إثبات القضاء فيما استدخل من منفذ واسع كالأنف والأذن قولان.
وقد قدمنا القولين في الحقنة، وذلك إذا كانت مما يماع (1) [ويحصل الاغتذاء به] (2). وأما إذا كانت مما لا يماع فلا يختلف في سقوط حكمه.
وكذلك الاكتحال بما لا يتحلل ولا يصل، وأما ما يتحلل ويصل فهل يجب عند الاكتحال به القضاء؟ في المذهب قولان.
وهما خلاف في شهادة، هل يمكن أن يصل من العين إلى الحلق شيء بتوصيل العقاقير الغواصة، أو لا يمكن ذلك لضيق المنفذ؟ وإذا قلنا بإسقاط القضاء، فهل يجوز ذلك ابتداء أم لا؟ في المذهب قولان: فمن أجاز شهد (3) بعدم الوصول، ومن منع فلعله راعى الخلاف ورأى أنَّ الواصل يسير لا حكم له في إيجاب القضاء، لكنه ينهى عنه ابتداء.
وإنما سقطت الكفارة في الواصل من غير الفم؛ لأنّ الكفارة إنما جعلت في الشريعة زجراً وردعاً عن تناول ما تدعو النفوس إلى تناوله، وهذا القبيل مما لا تدعو النفوس إليه إلا عند الحاجة، فيكون الإنسان كالمضطر إليه.
والفطر إنما يقع بوصول جرم المتناول إلى الحلق لا بوصول ريحه.
ولهذا نقول: إن ذوق (4) ما له طعم مكروه، لكن لا يحصل الفطر بذوقه إلا أن يصل منه شيء إلى الحلق والمعدة.
...
فصل (حكم القيء)
وأما [القيء] 5 الضروري فحكمه 6 ساقط إلا أن يُسترجع 7 شيء1234
بعد إمكان طرحه ففيه من الخلاف ما قدمناه في الخارج من الحلق يُسترد.
وأما المستدعي ففيه القضاء في الصوم الواجب لإمكان أن يرجع منه شيء.
واختلف البغداديون هل الأمر بالقضاء على الوجوب أو على الاستحباب.
ولعل هذا التردد في رجوع شيء منه فيكون (1) بمنزلة من شك هل وجب عليه شيء أم لا؟ وهل (2) فيه الكفارة [أم لا؟] (3) أما إن كان استدعى لعذر أوجبه فلا كفارة عليه، وأما إن كان لغير عذر ففي الكفارة قولان: المشهور إسقاطها، والشاذ وجوبها.
قال [أبو الفرج] (4) البغدادي: هو القياس.
وتأوله على مذهب مالك رحمه الله.
ولعلَّ هذا خلاف في شهادة هل يمكن أن يسلم مستدعي القيء من أن يرجع إلى حلقه شيء أم لا، أو نقول: وإن رجع يجري الخلاف في هذا القبيل هل في عمد رده بعد إمكان طرحه كفارة أم لا؟ وإثباتها حماية للذريعة، ونظرًا إلى القاعدة الكلية لوجوب الكفارة في العمد، وإسقاطها لأنّ النفوس تأباه بطبعها.
...
فصل (حكم المضمضة والسواك)
ولا خلاف في إباحة المضمضة للصائم.
ولو تمضمض في وضوء أو غيره فسبقه الماء وجب عليه القضاء عندنا، لأنا نوجب 5 القضاء مع النسيان والغلبة، وهذا منه.
ولا كفارة إلا أن يتعمد وصول الماء من غير غلبة.
والسواك مباح عندنا قبل الزوال وبعده، إذا كان مما لا يتحلل منه ما1234
يصل إلى الحلق أو طعمه، فإن كان [بما] (1) يتحلل فإن سلم منه كره ولا قضاء، وإن وصل إلى الحلق شيء كان على التفصيل الذي ذكرناه في المضمضة.
...
باب الصيام في السفر
ولا خلاف بين الأمة أن السفر من مقتضيات الفطر [على الجملة] 2، وجمهورهم على إباحة الصوم فيه.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ 3 معناه: فأفطر.
وهذا يسميه الأصوليون لحن الخطاب، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ معناه: فلحق 4، وكذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ 5 معناه: فحنثتم.
وما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الصوم في السفر كالفطر في الحضر" لم 6 يثبت 7، ولو ثبت لحُمل 8 على من يشق عليه الصوم حتى يؤديه إلى مضرة كبيرة.
وما ثبت 9 عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:1
"لَيسَ مِنَ البِر (1) الصَّومُ (2) في السفَر" (3) خارج على سبب، وهو أنه رأى رجلًا قد جهده الصوم فقال هذا القول.
فهو عموم خرج على سبب.
وبين الأصوليين خلاف هل يقصر على سببه، أو يتعدى؟ فإن قصرناه على سببه كان حجة للمشهور (4)، وإن عديناه إلى (5) غير هذا الموضع فنقصره هاهنا إما لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (6) وسنذكر ما في هذه الآية وإما لما ثبت أن الصحابة رضوان الله عليهم كانت تسافر (7) معه - صلى الله عليه وسلم - فمنهم الصائم والمفطر ولم يعب بعضهم على بعض (8). وإما لما ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - سأله حمزة بن عمرو الأسلمي عن الصيام في السفر فقال له: "إن شِئتَ فَصُم وإِنْ شِئتَ فَأفطِر" (9).
(أيهما أفضل للمسافر الإفطار أم الصيام؟)
وإذا [تقرر] 10 جواز الصوم في السفر على الجملة فهل هو أفضل، أو الفطر، أو يتساويان؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أن الصوم أفضل، وهو المشهور.
والثاني: عكسه.
والثالث: أنهما سيان.
وسبب الخلاف الآثار والاعتبار: أما الآثار فإنه - صلى الله عليه وسلم - صام في رمضان123456789
فلما بلغ الكَدِيدَ أفطر، فقال الراوي: "كان الناس يأخذون بالأحدث فالأحدث من فعله - صلى الله عليه وسلم -" 1 [فتعلق من رأى أن الصوم أفضل بأنه ابتدأ [به] 2، ومن عكس فلأنه يرجع 3 إليه، وقال الراوي ما قال.
وهو دليل على أنهم فهموا ترك الصوم والانتقال إلى أن الأولى الفطر.
لكن في بعض الطرق أنه - صلى الله عليه وسلم -] 4 إنما أمرهم بذلك فأفطر ليقتدوا به وقصد التقوي على لقاء العدو 5. وهذا يشعر بأن الصوم أفضل، لكنه تركه 6 لهذه العلة، والحديث متنازع فيه على أي المذهبين يدلّ كما بيَّناه.
ومن قال بالتخيير احتج بما قال - صلى الله عليه وسلم - من تخيير السائل وقد تقدم وبما حكى أنس عن الصحابة رضي الله عنهم من انقسامهم إلى الصائم والمفطر كما تقدم، ولم يعب بعضهم بعضاً.
ومثل هذا لا يكاد يخفى عنه - صلى الله عليه وسلم - من فعلهم، وإقرارُه دليل على الجواز.
ويحتج للمشهور أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ 7. لكن قد قدمنا الخلاف، هل كان صوم رمضان أولاً لازمًا فلا بد، أو يجوز للقادر عليه أن يفطر ويفتدي؟ فعلى القول بلزوم الصوم يكون في الآية حجة، وعلى القول بالتخيير بينه وبين الفدية
يكون (1) محمل الآية على القادر ويكون ذلك منسوخاً كما تقدم.
وأما الاعتبار؛ فمن رأى الفطر أفضل قاسه على القصر في السفر والمشهور أنه أفضل كما تقدم والفرق بينهما على المشهور أن القاصر يؤدي فريضة الوقت ويخرج عن عهدة (2) التكليف، والمفطر لا يؤدي فريضة الوقت بل (3) تبقى ذمته معمورة (4) به، ولا يجد أيامًا توازي رمضان في الفضل.
(نية السفر لا تبيح الإفطار)
وإذا تقرر ذلك فقد قدمنا أن مجرد النية لا تكفي في السفر حتى بصحبه الفعل.
فمن عزم على السفر فأفطر قبل أن يشرع فيه فهل عليه الكفارة؟ في المذهب أربعة أقوال: أحدهما: وجوب الكفارة مطلقاً.
والثاني: إسقاطها 5 مطلقاً.
والثالث: إيجابها إن لم يتم [على] 6 السفر وإسقاطها إن تم.
والرابع: إيجابها إن لم يأخذ في أهبة السفر وإسقاطها إن أفطر بعد أن أخذ في أهبة السفر.
هذه الأقوال ترجع إلى الانتفاع بالتأويل وعدم الانتفاع به.
وإذا 7 قلنا إن مجرد النية من غير شروع في السفر لا يقتضي الفطر؛ فمن 8 أوجب الكفارة مطلقًا فبناء 9 على الأصل ولم يعذره 10 بالتأويل، ومن أسقطها مطلقاً عذره بالتأويل، ومن فرَق بين أن يتم على السفر أو يبدو له أعطى1234
أول النهار حكم آخره، فإذا تم على السفر صار اليوم لا حرمة له في حق هذا، إذ الكفارة إنما تجب لانتهاك الحرمة، ومن فرَّق بين أن يأخذ في أهبة السفر، أو لا يَعُدّ الأخذ في الأهبة ضرباً في (1) الشروع في زمان السفر، فتسقط به الكفارة.
فإن سافر فلا يخلو أن يكون سافر قبل طلوع الفجر (2) أو بعده.
فإن سافر قبل الطلوع فهو مخيَّر بين أن يعقد الصوم أو الفطر.
وإن سافر بعد الطلوع فعليه أن يعقد الصوم قبل الطلوع.
فإن أفطر قبل سفره فقد تقدم الخلاف فيه.
وإن أفطر بعده؛ فإن تأوَّل فظاهر المذهب ألا كفارة عليه، وإن لم يتأول فقولان: أحدهما: إيجاب الكفارة.
والثاني: إسقاطها.
وهو خلاف في كون الصوم كالجزء الواحد والحكم فيه الأول (3)، فتجب الكفارة لانعقاده في الحضر.
أو كل جزء منه عبادة قائمة بنفسها، فلا تجب الكفارة، لأنه صام أولاً حاضرًا وأفطر لما خرج للسفر (4)، والسفر يبيح الفطر.
(هل يباح الفطر لمن أصبح صائمًا في السفر)
وإن 5 أصبح صائمًا في السفر فهل يباح له الفطر في أثناء النهار؛ أما إن طرأ عليه عذر يقتضي الفطر ومنه التقوي للقاء العدو كما فعله - صلى الله عليه وسلم - فيباح الفطر، وأما إن لم يكن له عذر فقولان: المشهور منع الفطر، والشاذ جوازه.
وهو على الخلاف في كون الصوم، هل هو كالجزء الواحد أو كل جزء منه قائم بنفسه، فيكون السفر مبيحاً للفطر في كل وقت وإن عقد الصوم.
ويحتج من أباح الفطر أن النبي-صلى الله عليه وسلم- أفطر 6 بعد أن عقد الصوم،1234
ويرى الفطر (1) من باب الأولى، لأنه بلغ إلى حالة تقتضي الفطر فلا بد.
وإذا قلنا بمنع الفطر فأفطر هل تجب الكفارة؟ ثلاثة أقوال: أحدها: الوجوب، والثاني: نفيه، والثالث: إن أفطر بالجماع وجبت وإن أفطر بالأكل لا تجب.
فأما الوجوب، فلما قدمنا من المنع.
وأما نفيه، فلعله بناء على أن الفطر مكروه لا يحرم وقد قيل بذلك أو مراعاة الخلاف.
وأما التفرقة، فهي لابن الماجشون وهو القائل بوجوب الكفارة مع النسيان والعذر، فلعله بناء على ذلك.
أو لأنّ (2) الفطر بالأكل والشرب يتأول على التقوي على السفر، والجماع ليس كذلك.
وإذا جاز إنشاء الصوم في السفر في رمضان جاز أيضًا لسائر أنواع الصوم.
(حكم المسافر يفتتح صومًا في غير رمضان)
وإن افتتح صوماً في غير رمضان فلا يخلو أن يكون واجبًا أو غير واجب.
[فإن كان واجباً] 3 كالنذر أو صوم الكفارة؛ فالمنصوص أنه لا يجوز له الإفطار بعد افتتاحه، ويلزم على قول مطرف أنه يجوز فطره كما قال في الصيام في السفر في رمضان.
وإذا أفطره فلا شك في وجوب القضاء إلا أن يفطره لمرض؛ [فإن أفطره لمرض] 4 ففي [قضاء] 5 المعيَّن منه قولان: أحدهما: الأمر بالقضاء خوفاً أن يكون السفر أهاج 6 عليه المرض.
والثاني: نفي القضاء، نظرًا إلى المرض.
وينبغي أن يكون هذا 7 خلافًا 8 في حال.12
فإن تبيَّن أن السفر أهاجه (1) أمر بالقضاء، وإلا فلا قضاء عليه.
وسيأتي الخلاف في قضاء اليوم المعيَّن في حق الناسي والمريض والحائض.
فإن كان الصوم المفتتح تطوعاً، فالمنصوص أيضًا أنه لا يجوز إفطاره، ويجري على قول مطرّف أنه يفطره.
وإذا افتتح الصوم ثم أفطر في الحضر ثم سافر؛ فأما التطوع ففي جواز الفطر فيه قولان: أحدهما: أنه لا يجوز فطره، فإن أفطر قضى.
والثاني: أنه يجوز ولا قضاء عليه إن أفطر، وهو (2) على ما قدمناه من النظر إلى حالة الانعقاد، فلا يجوز له الفطر.
ويلزم القضاء أو الحكم بأن (3) كل جزء قائم بنفسه، فيجوز الفطر وينتفي (4) القضاء.
وأما الصوم الواجب؛ فقد قدمنا الخلاف في لزوم الإمساك في رمضان، هل هو واجب أو مندوب إليه؟ فاحرى أن يجري الخلاف هاهنا.
لكنه متى أفطر وكان الصوم مما يجب متابعته بطل جميعه وابتدأه (5). وهكذا يجري الأمر في القسم الأول (6)، وهو (7) إذا افتتح الصوم في السفر.
...
فصل (حكم المريض)
و [من] 8 مقتضيات الفطر المرض.
ويحرم الصوم معه إذا أدَّى إلى1234567
التلف والإيذاء الشديد.
وأما إن كان فيه مشقة ولا يؤدي إلى ذلك فلا يحرم تكلفه.
وللإنسان الفطر متى خاف الموت، أو تمادي المرض، أو زيادته، أو حدوث مرض.
ونؤخر الكلام على حكم الحائض إلى موضعه من الكتاب إن شاء الله.
...
باب في أحكام صوم الأسير
ولا شك أنه [إذا كان مطلقاً] 1 فيبني على الرؤية أو 2 العدد كما قدمناه.
فإن كان في مهواة لا يمكنه التوصل إلى الرؤية بني على العدد وأكمل كل شهر ثلاثين.
فإن التبست عليه المشهور اجتهد وبنى على غلبة ظنه، وإن لم يغلب على ظنه شيء فأجراه اللخمي 3 على قولين: أحدهما: أنه يصوم سائر الشهور.
والثاني: أنه يتحرى شهراً ليصومه 4. وهذا كما قدمناه فيمن التبست عليه دلائل القبلة.
وكما اختلف في من نذر يوماً من الجمعة 5 ثم نسي عينه؛ فقيل: يتحرى يوماً فيصومه، وقيل: يصوم آخر يوم من الجمعة 6 حتى يكون قضى إن لم يكن هذا اليوم 7. وقيل يلزمه صوم الدهر 8 إن نذر يوماً 9 مؤبداً.
فعلى هذا فلا بدّ أن يلزمه سائر الشهور.
فان تحرى شهراً، أو صام باجتهاده؛ فلا يخلو أن يتبين له أنه أخطأ
أو أصاب، أو يخفى عليه ذلك بعد خروجه إلى حيث يمكنه النظر.
فإن تبين له الخطأ فإن أخطأ وصام 1 ما بعد رمضان أجزأه، وكان قضاء.
وإن أخطأ بصوم ما كان قبله فلا يجزيه إلا أن تكون شهوراً عدَّة صام منها مثلًا عن ثلاثة شهور شعبان، وأما الشهر الآخر فلا خلاف في المذهب أنه يقضيه لأنه صام قبله.
وأما الأول والثاني: ففي وجوب قضائهما قولان: المشهور وجوب القضاء.
وقال 2 ابن الماجشون: لا يجب 3 ويكون الصوم الثاني والثالث قضاء عن الأول [والثاني] 4.
وهذا خلاف في وجوب تعيين الشهر بالنية.
وقد قدمنا الخلاف في وجوب تعيين اليوم بعينه 5 في الصلاة.
وذكرنا 6 أن ثمرة ذلك لو نسي صلاة لا يدري هل هي من السبت أو من الأحد مثلًا.
فلا 7 شك أنه إذا تبيّن له أنه أصاب فلا شيء عليه، وإن أشكل عليه؛ فإن بقي على ما كان عليه في حال صومه من غير أن تظهر أمارة ريبة، فلا شيء عليه ويستصحب الإجزاء، هكذا قاله أبو الحسن.
وإن بدت 8 له أمارة ريبة فهاهنا قولان: أحدهما: أنه يجب عليه القضاء حتى يستيقن ببراءة 9 ذمته فإن أصاب الشهر أو صام بعده قضى عنه.
والثاني: نفي القضاء حتى يستيقن أنه صام قبله.
وهذا على ما قدمناه من الخلاف في حكم من أيقن بالوضوء وشك في الحدث.
وقد وقعت الروايتان مطلقاً، ولم يفصل قائلها بين ظهور ريبة وعدم ظهورها.
وفصَّل أبو الحسن اللخمي كما قلناه.
ولا شك أن وجهه
بيّن؛ لأنه إذا لم يسترب فلا شك، وإنما الشك مع تعارض خاطرين: أحدهما: أنه يقتضي أمراً، والآخر: يقتضي ضده، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر.
...
فصل (من اضطر للفطر هل يتمادى في الفطر أم لا؟)
وقد قدمنا حكم من أصبح مفطراً في رمضان لجهله باليوم أو لعذر أوجب الفطر.
وهل [على المفطر] (1) إمساك بقيمة اليوم أوْ لا يلزمه؟ وأعطينا في ذلك قولًا كليًا.
لكن اختلف المذهب فيمن اضطر إلى الفطر لغلبة عطش أو أمر بيِّن الضرر فأفطر (2) حتى ذهبت ضرورته، هل يجوز له التمادي على الفطر لأنه إنما أفطر للضرورة فأشبه (3) الحائض والمسافر؟ أو لا يجوز له، لأنه إنما أفطر لعذر وقد انصرف بعد فتنعقد (4) عليه حرمة اليوم.
وهكذا يلاحظ الخلاف فيمن اضطر إلى أكل الميتة؛ هل يجوز له الشبع منها [والتزود] (5)، أو إنما يجوز له تناول [ما يمسك] (6) القوت؟
...
فصل (حكم الجنابة والحيض)
وجمهور الأمة على أن حدث الجنابة لا يناقض الصوم، وكذلك غيره من الأحداث.
والدليل عليه قول عائشة رضي الله عنها فيما حكته عن123456