وإذا أكمل الإمام الخطبة وأقيمت الصلاة لم يحرم الكلام حينئذ عندنا، لأن منعه من حين الخطبة لاشتغاله عن الاستماع.
(عدد ركعات الجمعة)
ومعلوم أن صلاة الجمعة ركعتان، فإن صليت أربعاً فإن كان عمداً فلا شك في بطلانها، وإن كان سهواً جرى على القولين فيمن زاد على الصلاة الثنائية مثلها.
وإن تصور أن يكون جاهلاً جرى على القولين في الجاهل؛ هل حكمه حكم الناسي، أو حكم العامد؟
(ما يقرأ في الجمعة وحكم الإسرار به)
والقراءة فيها جهراً، فإن أسر جرى على ما قدمناه في حكم من أسر في الصلاة الجهرية.
واستحب أن يقرأ فيها في الركعة الأولى (سورة الجمعة) بعد (فاتحة الكتاب) لما فيها من أحكام الجمعة، فإن لم يفعل فلا شيء عليه.
وأما الركعة الثانية فاستحب مالك رحمه الله مرة: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ 1﴾، ومرة (سورة الأعلى).
وحكي أن قوما يقرأون (سورة المنافقين).
وقد روي ذلك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (1). وبالجملة لا تحديد 2 في ذلك.
(وقت الجمعة)
وأول وقت الجمعة عند فقهاء الأمصار إذا زالت الشمس.
وما روي أن الصحابة كانوا يقيلون قائلة الضحى بعد صلاة الجمعة 1 لا يقتضي أنها تؤدى قبل الزوال.
بل معناه أنهم كانوا يؤخرون القائلة المعتادة في سائر الأيام حتى يأتون بها بعد صلاة الجمعة.
والمستحب أن تصلى بعد الزوال من غير تأخير اقتداء بالرسول عليه السلام.
فإذا اشتد الحرّ فهل يبرد بها كسائر الأيام؟ في المذهب قولان.
وسبب الخلاف النظر إلى فعله عليه السلام، ولم يرو أنه كان يبرد.
والنظر إلى عموم قوله-صلى الله عليه وسلم -: "إِذا اشتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْردُوا بِالصَّلاَةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ من فَيْح جَهَنَّم" 2. واختلف في آخر وقتها التي تفوت لفواتها على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الوقت المختار للظهر، والثاني: آخر وقت الضرورة للظهر, والثالث: أنه ما لم يبق بعد كمالها أربع ركعات للعصر.
ومرَّ بنا على ما قدمناه من الالتفات إلى فعل الرسول عليه السلام.
ولا شك أنه لم يأت بها بعد القامة [أو] 3 قياساً على الظهر في سائر الأيام.
وهو يرجع أيضًا إلى الخلاف؛ هل هي صلاة مستقلة بنفسها، أو بدل عن الظهر.
وأما النظر إلى بقاء أربع ركعات للعصر، فيكاد أن 4 يكون لا وجه له إلا أن يقال هي صلاة تفتقر إلى خطبة وجماعة 5، وفي ذلك بعض التطويل.
وإذا أخرت عن هذا المقدار لم يكن أداؤها على هيأتها المشروعة.
والمستحب إيجاز الخطبة واختصارها وإكمال الصلاة، وفي الحديث
أن ذلك [من فقه الإمام] (1).
(الأعذار المبيحة للتخلف عن الجمعة)
وقد قدمنا حكم شروط الوجوب والأداء ولا شك أنها متى تعذرت 2 أو أحدها: سقطت الجمعة.
وقد تسقط لغير ذلك من الأعذار.
ويجمعها الخوف 3 على النفس أو على المال أو الاشتغال بما يتوجه 4 الاشتغال به.
ومثال الخوف على النفس أن يخاف في سعيه أو حضوره من غاصب ولصوص وما في معناهم.
ومتى تحقق الخوف على نفسه بذلك سقطت الجمعة عنه بإجماع.
وكذلك إن خاف منهم على ماله أو مال غيره.
وإما الاشتغال بما يتوجه عليه كاشتغاله بالقيام على مريض يقرب منه ويحاذر أن يموت في غيبته.
وقد اختلف في مسائل هل [تنتهض] 5 عذرا أم لا؟ منها مسألة العروس، تأتي الجمعةُ وهو في أسبوعه؛ فالمشهور من المذهب أنه يخرج إليها، والشاذ إسقاطها عنه.
وأراد أبو الحسمن اللخمي أن يجعل القول بالسقوط على القول بأن الجمعة فرض على الكفاية لا على الأعيان 6. وهذا لا يقوله أحد من أهل المذهب، وإنما يقوله أهل الظاهر وبعض1
أصحاب الشافعي، وجمهور الأمة على خلافه.
والخلاف في التخلف على مقابلة لزوم حق المرأة ولزوم فرض الجمعة.
ومنها: إذا اشتدّ المطر وكثر الوحل هل تسقط الجمعة لذلك أم لا؟ قولان.
وهما على خلاف في حال؛ فإن أكثر ذلك وبعدت الطريق حتى يكون السعي إليها حرجاً سقطت، وإن كان الأمر بالعكس لم تسقط.
ومنها: اتفاق العيد والجمعة.
واختلف هل للإمام أن يأذن لمن شهد العيد ممن بعدت داره عن محل الجمعة وإن كانت تلزمه فيكتفي بشهود العيد.
والمشهور أنه لا يأذن في ذلك ولا ينتفع بإذنه [إن فعل.
والشاذ] 1 صحة إذنه.
وقد أذن عثمان بن عفان رضي الله عنه لأهل العوالى في التخلف 2. وهو أيضًا خلاف في حال هل يؤدي رجوعهم إلى أمكنتهم ثم عودتهم إلى الجمعة إلى مشقة أم لا؟
ومنها: أن يقيم الحاج بمكة مدة يحصل بها حكم إتمام الصلاة فتأتي الجمعة يوم التروية؛ ففيه قولان: المشهور وجوب شهود الجمعة، والشاذ أنه يخرج فيصلي ظهراً.
وهو خلاف في مقابلة الجمعة بما أمروا به من المناسك.
فإن لم يقم 3 ما يوجب إتمام الصلاة، فلا خلاف أنه لا يلزمه شهود الجمعة.
ووقع لسحنون فيمن خاف إن شهد الجمعة أن يحبس في دين عليه إنه لا يسقط عنه شهود الجمعة، وسواء كان مليئاً بالدين أو فقيراً 4. واعترض أبو الحسن اللخمي قوله في الفقير 5. ولعلَّ سحنون [إنما] 6 تكلم على
صورة ولم يظهر (1) فقره فيها، وإذا ظهر ترك.
أو على صورة يتوجه عليه الحبس لأنه مظهر للفقر.
وأما لو تحقق فقره وعلم أنه لو ظهر تحققه لم يترك فلا شك في سقوط الجمعة عنه, لأن هذا من الضرر البيَّن.
وألحقوا بالأعذار أن يفقد الأعمى قائداً ولا شك أنه إن لم يمكنه السعي إلا بمن يقوده أو كان عليه في الانفراد مشقة كبيرة فتسقط عنه الجمعة.
(حكم من فاتتهم الجمعة)
وأما إذا فاتت صلاة الجمعة فهل لمن فاتتهم أن يجمعوا ظهراً؟ إن شئت قلت المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم يجمعون مطلقًا لإدراك فضل الجماعة.
والثاني: أنهم لا يجمعون حماية للذريعة لئلا يتخلف أهل البدع فيظهرون أعذارًا ثم يجمعون لأنفسهم.
والثالث: أنهم يجمعون إن ظهر العذر، ولا يجمعون إن لم يظهر العذر.
لأنهم متى ظهر لم يكن في ذلك تطرقاً لأهل البدع.
وإن شئت قلت إن لم يظهر العذر فقولان: [المشهور أنهم لا يجمعون، والشاذ أنهم (2) يجمعون.
وإن ظهر العذر فقولان] (3): المشهور هاهنا عكس المشهور الأول.
(حكم من صلى الجمعة ظهرًا قبل إقامتها)
وإذا صلَّى الظهر من تجب عليهم الجمعة قبل إقامتها فقولان: المشهور من المذهب بطلان صلاته ووجوب الإعادة، والشاذ الاكتفاء بها.
ويمكن إجراء هذا على الخلاف في النهي؛ هل يدل على 4 فساد المنهي123
عنه، أو على الخلاف في صلاة الجمعة هل هي عوض عن الظهر.
فإذا رجع إلى الأصل أجزأه؟ أو هي صلاة قائمة بنفسها فإذا أدَّى الظهر قبل فوات الجمعة كان مصليًا لغير ما وجب عليه؟ وقد نجز (1) غرضنا من أحكام الجمعة بقدر هذا المجموع، ولعل ما قدمنا يأتي على مسائلها تصريحًا وتلويحًا.
وبالله التوفيق.
...
باب في أحكام صلاة الخوف
ولا خلاف أن للخوف تأثيراً في الصلاة على الجملة، وعندنا أنه يؤثر في الهيئة لا في العدد.
والمسافر يصلي ركعتين، والحاضر على ما نبيّنه يصلي أربعاً.
والخوف على قسمين:
(الخوف الذي يمنع من الجمع وأداء الصلاة على هيئتها)
قسم يمنع الجمع، ويعجز 2 عن إكمال الصلاة على هيئتها المعهودة.
وذلك بأن يكون من وجب عليه إكمال الصلاة في حال المطاعنة والمضاربة وما في معناه، فهذا يمهل المكلف عندنا حتى إذا خاف فوات الوقت صلى بحسب ما أمكنه، ولا يشترط استقبال القبلة إن لم يمكنه الاستقبال للركوع والسجود، ولا القيام، ولا لزوم موضع واحد، ولا ترك فعل يحتاج إليه من الطعن والضرب والكر والفر، أو قول يفتقر إليه من التنبيه لغيره والتحذير لعدوه إن افتقر إلى ذلك بالجملة بقولِ أو فعلِ كل ما يضطر إليه.
ويترك من أحكام الصلاة كل ما هو مضطر إلى تركه، وتجزيه صلاته.
والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ 3 ,وما1
روي عنه -صلى الله عليه وسلم -أنه أخَّر الصلاة في يوم الخندق حتى غربت الشمس (1)، فإنما ذلك قبل نزول حكم صلاة الخوف.
ويستوي في هذا حكم الحاضر والمسافر.
[ولا أعلم بين المتأخرين] (2) خلافاً في حكم هذه الصلاة على الجملة، وأن الخوف الذي هو صفته مؤثر في الصلاة، وإن اختلفوا في التفاصيل.
فإذا افتتحت الصلاة على هذه الصفة لوجود الخوف، ثم ارتفع في أثنائها ولم يبق ما يخاف ولا ما يطلب، فإنهم يتمونها على حالة الكمال وتجزي.
ويكون ذلك بمنزلة من افتتح صلاته جالساً (3) أو مضطجعاً ثم صحَّ في أثنائها.
وإن انهزم العدو في أثناء الصلاة فهل يباح إكمالها مع الاشتغال والطلب، أو يشتغل بإكمال الصلاة على هيئتها من غير خوف؟ في المذهب قولان.
والظاهر أنها خلاف في حال لا في فقه؛ فإن علم انهزام العدو وأمنت عودته وكان إن ترك لا يخشى [مضرته (4) في أثناء حال الاشتغال بإكمال الصلاة (5) وإن لم تؤمن] (6) عودته أو خيف إن لم يستأصل عودته ومضرته جاز طلبه مع مخالفة هيئة الصلاة.
(الخوف الذي يتوقع فيه مضرة العدو)
والقسم الثاني خوف يتوقع فيه مضرة 7 العدو إن اشتغل 8 الكل123456
بالصلاة، فإن أرادوا أن يصلوا أفذاذاً فذلك 1 لهم إذا كان الموضع مما [لا] 2 يشتمل عليه حكم الإمام.
وهكذا لو أرادوا أن تصلي طائفة [بإمام وأخرى بإمام] 3 جاز كما قدمناه.
وإن أراد الإمام أن يصلي بالكل جماعة يفرقهم لطائفتين؛ فإن كانوا في سفر، فجمهور العلماء على جواز ذلك على الجملة، والأصل في ذلك فعل الرسول عليه السلام وإقتداء الصحابة في بعده.
وقد صلاَّها علي وغيره من الصحابة بطائفتين على ما سنذكره.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ 4 الآية لا يقتضي عند الجمهور اختصاص الوصول عليه السلام بذلك، بل خوطب بهذه الآية الإمام, وكل من كان إمامًا بعده فإنه حالٌّ محله في هذا المعنى.
قال ابن القصار: المروي عنه -صلى الله عليه وسلم - أنه صلاها في عشرة مواضع 5 والذي عوَّل
عليه العلماء وثبت عندهم ثلاثة مواضع: ذات الرقاع 1 وعسفان 2 وذات النخيل.
وهل يصليها إمام واحد بطائفتين في الحضر؟ في المذهب قولان: المشهور جوازه، والشاذ منعه.
وسبب الخلاف ما قدمناه من الخلاف في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (1)؛ هل هو قصد عدد، أو قصد هيئة؟ فإن قلنا إنه قصد عدد جاء منه المشهور، وإن قلنا إنه قصد هيئة جاء منه اختصاص السفر بالصلاة والخوف كما في الشاذ.
ويحتج هؤلاء بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يصليها كذلك يوم الخندق مع حاجته إلى صلاتها بطائفتين.
وقد قدمنا ما قيل بأن ذلك كان قبل نزول صلاة الخوف.
(كيفية الجمع في الخوف)
وإذا تقرر ما قلناه وأوجب [الخوف] 2 منع الجمع إلا أن تكون طائفة مواجهة العدو، فكيف صورة أدائها؟ لا خلاف عندنا أن الإمام يقسم الجيش إلى قسمين فيصلي بالقسم الأول شطر الصلاة إن كانت ثنائية أو رباعية، وبالقسم الثاني شطرها.
وإن كانت صلاة ثلاثية كصلاة المغرب صلىَّ الأول ركعتين وبالثاني 3 ركعة.
وإذا صلى بالأول كما قلنا فهل يتمون لأنفسهم أم ينصرفون قبل الإتمام؟ 4 في المذهب قولان: المشهور أنهم يتمون لأنفسهم ثم ينصرفون وقد كملوا الصلاة.
والقول الثاني أنهم ينصرفون قبل أن يكملوا فيكونوا مواجهة العدو وهم في حكم الصلاة.
وسبب الخلاف اختلاف الرواية في الحديث عن صلاته - صلى الله عليه وسلم -في ذات الرقاع، فروى ابن عمر أن الطائفة الأولى لم تكمل إلا بعد صلاة الإمام،1
كالقول 1 الشاذ.
وروى القاسم بن محمد 2 ويزيد بن رومان 3 أنهم أكملوا.
والآية محتملة للقولين، فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ 4 يحتمل أن يريد: سجدوا مع الإمام، ويحتمل أن يريد: سجدوا لأنفسهم.
والعبارة بالسجود هاهنا عن إكمال الركعة، وآخر ما يفعل منها السجود.
ومن جهة المعنى لأنه لا بدّ من الوقوع في أحد المكروهين؛ إما السلام قبل الإمام وأصول الشريعة تقتضي منعه، وإما العمل من المشي والحراسة والانتظار وأصول الشريعة تقتضي منعه، والنظر إلى التغليب هو مثار الخلاف.
وإذا قلنا إنهم يكملون لأنفسهم فإن كانت صلاة [حضر] 5 أو صلاة المغرب فهل يجلس الإمام حتى تأتي الطائفة الثانية بعد كمال هذه، أو يقوم فينتظرهم قائمًا؟ في المذهب قولان.
وسببهما أيضًا تقابل مكروهين.
ومنها زيادة جلوس مستغنى عنه أو وقوف كذلك.
وإذا قلنا إنه يقوم، فهل يقرأ أو يسبح أو يذكر الله تعالى؟ في المذهب قولان.
وهما على ذلك الأصل أيضاً, لأن المشروع افتتاح الصلاة بالقراءة، ومتى فعل 6 ذلك، فاتت الطائفة الثانية القراءة، ولا بد من الوقوع في أحد
المكروهين.
وإن كانت صلاة سفر 1 أو الصبح قام بلا خلاف.
ويختلف هل يقرأ أو يسبح 2 كما قدمنا؟ قال بعض الأشياخ: أما حيث لا تكون القراءة إلا بفاتحة الكتاب فينبغي أن يسبح، لأنه إن لم يفعل ذلك فاتت القراءة جملة.
وأما حيث تكون القراءة بأم القرآن وسورة فيفتح بالقراءة, لأنهم يدركون بعضها.
وإذا قلنا إنهم لا يكملون، فمتى يكون قضاؤهم اختلف في التأويل عن 3 أشهب وهو القائل بأنهم لا يكملون فقيل: تقضي الطائفتين إذا أكمل الإمام بالطائفة الثانية ويكون الإمام وحده [مواجهة العدو] 4، وقيل تقضي الطائفة الثانية ثم ينصرف فتأتي الأولى فتقضي.
وهذا هو الصحيح، ولو لم يفعل ذلك واشتغلت الطائفتان بالقضاء، لخيف معرفة العدو ولم يكن للتفريق فائدة.
واختلف على القول بأن الطائفة الأولى تكمل الصلاة ثم تأتي الثانية فيصلي بهم هل يسلم عند انقضاء صلاته، أو ينتظرهم حتى إذا أكملوا سلم بهم؟
وسبب الخلاف اختلاف الروايتين رواية القاسم ورواية يزيد؛ ففي رواية القاسم أنه صلى الله عليه وسلم عند إكمال صلاته 5، وفي رواية يزيد أنه
انتظرهم (1). والأصل السلام (2) عند الإكمال، وأما الانتظار فلِيَحْصُلَ لهم من الفضل بسلام الإمام ما حصل للأولين بالإحرام.
(كيف يسجد للسهو في صلاة الخوف)
ولو طرأ في هذه الصلاة سهو؛ فأما على القول إنهم لا يكملون فيكون سجود الجميع بعد السلام (3) إن كان السجود بعد السلام، فإن كان قبله فتتابعه الطائفة الثانية فيه، وتسجد الأولى إذا كملت لنفسها.
وأما على القول بأنهم يكملون فتسجد الطائفة الأولى عند انقضاء صلاتها إن كان قبل، أو بعد السلام إن كان بعد.
وأما الطائفة الثانية فعلى رواية القاسم يسجدون مع الإمام إن كان قبل [السلام] (4) عند انقضاء صلاته، وإن كان بعد، كان حكمهم حكم المسبوق، ويسجد الإمام ولا يسجدون معه إلا بعد أن يكملوا ويسلموا.
وأما على رواية يزيد فإن كان السجود بعد السلام فإذا سلم بهم سجدوا، وإن كان قبل فالمنصوص أنه يسجد (5) بهم عند إكماله.
وأجراه أبو الحسن اللخمي على الخلاف في المسبوق المستخلف هل يسجد بهم عند انقضاء صلاة الإمام أو عند انقضاء صلاته؟ وهذا ليس من هذا الباب لأن الخلاف في مسألة المستخلف على تغليب حكم الإمام الأول وحكم الإمام الثاني، وهاهنا لا حكم إلا لإمام واحد، وإنما أخر السلام لتنال الطائفة الثانية فضل السلام معه، فكأنه إنما سلم بعد صلاته.
(بعض فروع هذا الباب)
هذا أصل الكلام في صلاة الخوف على المذهب وفاقاً وخلافاً.
وينظر12345
بعده في فروع منها: لو خولفت 1 هذه الرواية 2 فصلى المغرب بثلاث طوائف، صلت معه كل طائفة بركعة.
أو صلى في الحضر الصلاة الرباعية بأربع طوائف بكل طائفة ركعة.
فأما الطائفة الأولى في المغرب 3 والطائفة الثانية في الرباعية فصلاتهم باطلة باتفاق أهل المذهب.
وهذا لأنهم وجب عليهم أن يأتوا بالركعة الأخرى مقتدين فأتوا بها أفذاذاً من غير عذر يطرأ على إمامهم، وذلك مما يبطل الصلاة.
وأما الإمام والطائفة الثانية في المغرب وفي الصلاة الرباعية والرابعة في الصلاة الرباعية ففي صحة صلاتهم قولان: أحدهما: أنها صحيحة, لأنهم كالمسبوقين في صلاة الخوف.
والثاني: أنها باطلة، لمخالفتهم سنة الصلاة.
ومنها: لو اجتمع على بعض القضاء والبناء، بأيهما يبدأ؟ وقد قدمنا ذلك مستوفياً في باب الرعاف، وذكرنا ما فيه من الخلاف.
لكن اختلف في مدرك الركعة الثانية من المغرب أو من 4 الصلاة الرباعية في الحضر هل يقوم للقضاء أو البناء 5 إذا تمت الطائفة الأولى؟ أو يمهل بالقضاء حتى يفرغ الإمام من سائر صلاته، إذ لا يمكن القضاء إلا بعد سلام الإمام؟ في ذلك قولان.
ومنها: لو صلى بالطائفة الأولى فأحدث 6 حتى افتقر إلى الاستخلاف، فإن كان قد كمل صلاة الطائفة الأولى فإنه لا يستخلف لأن حكم إمامته على 7 المقتدين به قد انقضى، وإنما [يجدد] 8 الإمام بالطائفة الثانية فلا
يستخلف قبل حصول كونه إمامًا.
وإن كان لم يكملا صلاته بالطائفة الأولى فإنه يستخلف لبقاء حكم الإمامة.
ومنها: لو صلى بالطائفه الأولى مع وجود الخوف فذهب الخوف؛ فهل للطائفة الثانية أن يدخلوا معه لو بقي الخوف؟ في المذهب قولان: أحدهما: صحة دخولهم معه، ويكونون كالمسبوقين.
والثاني: [أنهم لا] 1 يدخلون معه, لأنهم إنما عوَّلوا على الاقتداء به ما دام الخوف باقياً، فإذا ذهب الخوف فهو خلاف ما عوَّلوا عليه أولاً، ويتم بالطائفة الأولى إن كانت لم تفعل لأنفسها شيئًا, فإن فعلت أمهلت حتى يصلي الإمام لنفسه ما عليه 2 ثم يقتدوا به إن كان بقي عليها 3 من صلاتها شيء.
ومنها: لو طرأ 4 الخوف ثم انكشف الغيب بعدمه فالمنصوص من المذهب صحة الصلاة وإسقاط الإعادة.
واستحب ابن المواز الإعادة في الوقت؛ وقد يقال: يجري الخلاف في الإعادة بعد 5 الوقت على الخلاف في الاجتهاد هل يرفع الخطأ أم لا؟ ولعلَّ هذا لم يقل به أحد من أهل المذهب, لأنهم ما صلوا الخوف إلا وهم مجوزون بالخوف فلا يأمنون عودته وإن انكشف خلافه.
وعكس هذا لو صلى بهم صلاة أمن فطرأ الخوف وهم في الصلاة، فالحكم أن تنقطع طائفة فتكون بوجهة العدو ويصلي الإمام بالذين معه، ثم يصلي على ترتيب صلاة الخوف.
وهذا إذا كان لم يشرع في النصف الثاني من الصلاة, وأما إن شرع فيه حتى ركع أو سجد فلا بد من قطع طائفة، ويتم بالأولى وتصلي الطائفة الثانية لنفسها إما أفذاذاً وإما بإمام آخر.
...
باب في صلاة الكسوف
(تعريف الكسوف)
وهي عبارة عن ظلمة أحد المنيرين (1)، الشمس والقمر، أو بعضهما (2). وقد اختلف في لفظ الكسوف والخسوف، فقيل: هما مترادفان على معنى واحد، وقيل: هما مختلفان.
وأختلف على القول بالاختلاف فقيل: الخسوف يختص بالقمر والكسوف بالشمس، وقيل: الخسوف ظلمة جميع الشمس والقمر.
والكسوف ظلمة البعض.
والتحاكم في هذا إلى [أهل] (3) اللغة.
(حكم صلاة الكسوف)
ومقصودنا أحكام الصلاة المتعلقة بهذا الحادث.
وقد ثبت عن رسول-صلى الله عليه وسلم-أنه صلى عند الكسوف فقال:"إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته.
فإذا رأيتم ذلك بهما فافزعوا إلى الصلاة" 4، وفي حديث آخر:"فصلوا وادعوا وتصدقوا" 5، إلى ما في هذا المعنى.
وقد قدمنا أن الصلاة عند كسوف الشمس سنة وعند خسوف القمر فضيلة.
ولا خلاف في كسوف الشمس، وأما خسوف 6 القمر فأكثر123
أهل المذهب على ما قلناه.
وقال أبو الحسن اللخمي إنه سنة (1). وقد قدمنا ما يؤخذ (2) منه سبب الخلاف إن ثبت هذا الخلاف.
وقد قال بعض أهل العلم: إن الشريعة أرادت إلحاق صلاة الكسوف وصلاة العيدين بالصلاة الرباعية.
لكن قد يؤدي كونها في صفة الرباعية إلى أن يعتقد فرضيتها، فأتت بما يشعر بإلحاقها إلى الرباعية ومخالفتها لها ليعلم أنها مقصرة عن الفروض.
ولهذا شرعت صلاة الكسوف ركعتين وجعلت في كل ركعة ركوعين.
وشرعت في صلاة العيدين من التكبير عدد ما يستوفي عدد تكبيرات الصلاة الرباعية.
وهذا الذي قاله وإن كان يروق فهو حكاية عن مقصود صاحب الشريعة بما لم ينص عليه، وقد يكون غير مقصود وإنما من محكاة الشريعة حتى تنقاد القلوب إلى العبودية بفعل [ما] (3) لم يعلم سببه [في صفة صلاة الكسوف] (4).
(صفة صلاة الكسوف)
وصفة صلاة الكسوف عندنا أن يجمع الإمام الناس.
واختلف في موضع الجمع؛ فقيل المسجد، وقيل يبرز لها كالعيدين والاستسقاء.
فالأول: التفات إلى الاحترام بالمسجد, لأنها آية كبيرة ولا يؤمن ما يكون عقيبها.
والثاني: قياسًا لها على العيدين والاستسقاء، فيفتتح 5 بهم الصلاة.
واختلف هل يسر القراءة وهو المشهور، أو يجهر بها وهو الشاذ؟
وسبب الخلاف اختلاف الأحاديث؛ فثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه جهر في أكثر الطرق، وأنه أسر.
واستدلَّ على ذلك بكون الرواة يقدرون مقدار قراءته.
ولو جهر لصرحوا بما قرأ به.
ولا خلاف في المذهب عندنا أن القراءة1234
تكون أطول 1 منها في سائر الصلوات 2. والذي نص في المشهور أنه يقرأ في القيام الأول بسورة البقرة أو نحوها، ثم يرتب [قراءته] 3 على نحو ترتيب السور.
والذي قاله القاضي أبو محمد يطيل طولا لا يضر بمن خلفه.
وعدَّ هذا أبو الحسن اللخمي خلافا، 4 والظاهر أنه ليس بخلاف.
ولا ينبغي، أن يطيل إذا أضر 5، ولا يقصر إذا لم يضر 6. وعلى أي حال كانت القراءة فإنه يركع الركوع الأول ويكبر به ثم يطيل ويجعل طوله [دون] 7 طول قراءته ولا يقرأ في الركوع بل يسبح.
وهل يدعو؟ يجري على ما قدمناه من الخلاف في جواز الدعاء في الركوع.
ثم يرفع رأسه ويقول: سمع الله لمن حمده، كما يفعل في سائر الصلوات.
ويقول المقتدون: ربنا ولك الحمد.
ثم اختلف هل يفتح القيام الثاني بقراءة الفاتحة، أو يتركها ويقرأ السورة؟ فالمشهور أنه يقرأ الفاتحة لأنه قيام بعد ركوع فأشبه القيام إلى الركعة الثانية، والشاذ أنه يقتصر على السورة.
وهذا لأن هذا القيام متصل بالقيام الأول، وهو في حكم القيام الواحد.
والدليل على ذلك اتفاق أهل المذهب على أن من أدرك القيام الثاني تصح له الركعة ولا قضاء عليه للركوع الأول.
ويجعل قراءته في القيام الثاني دون قراءته في القيام الأول.
وهكذا يرتب في سائر الصلوات، ويطيل الركوع الثاني، [وهو] 8 دون الركوع الأول.
ثم إذا رفع من الركوع الثاني اعتدل كسائر الصلوات ولم يزد على ذلك ثم يخر للسجود.
واختلف هل يطيله كطول الركوع أو يسجد كسائر سجود النوافل؟ في
المذهب قولان: مذهب الكتاب أنه يطيل، 1 وفي مختصر ابن عبد الحكم لا يطيله.
وسبب الخلاف أن أكثر الأحاديث تقتضي عدم الطول في السجود، وفي بعضها أنه أطال.
وقد ذكرنا الاختلاف في زيادة العدل هل يلزم العمل بها أم لا؟ ويفعل في الثانية كما فعله في الأولى، ولا يطيل الجلوس بين السجدتين بلا خلاف أعلمه.
وهذا 2 الذي قلناه من أنه يفعل في الركعة الثانية ما فعله في الأولى إن بقي الكسوف لم ينجل.
فإن انجلى بعد أن كمل الركعة [الأولى] 3، فهل يتم الثانية على سنة صلاة الكسوف، أم على سنة صلاة النوافل؟ [في المذهب قولان: أحدهما: أنه يتمها على سنة صلاة الخسوف [وفاقا لما دخل] 4 عليه، والثاني: أنه يتمها على سنة صلاة النوافل] 5،لزوال سبب تغيرها عن حكم النوافل.
وهل يؤمر بهذه الصلاة كل مكلف لقوله-صلى الله عليه وسلم-"فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلاَةِ" 6، فعم.
أولاً يؤمر بها إلا من تلزمه الجمعة, لأن المقصود بها الاجتماع هكذا ورد في الشريعة الجمع لها في المذهب قولان 7.
ومتى يجوز فعلها؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: ما لم تزل الشمس، قياساً على الاستسقاء والعيدين.
والثاني: ما لم تصل العصر, كسائر النوافل.
والثالث: ما لم تصفر الشمس.
وقد قدمنا الخلاف في السنن هل تفعل بعد العصر أم لا؟
...
فصل (في صلاة الخسوف)
وأما خسوف القمر فالمذهب على أن الصلاة له كسائر النوافل من غير تغيير.
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة تغير على حسب صلاة كسوف الشمس.
ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم التغيير من طريق صحيح، لكن جمَعهما في اللفظ، وقال: "فافزعوا إلى الصلاة" كما تقدم.
وبين الأصوليين خلاف في الجمع هل يقتضي التشريك في الحكم أم لا.
واختلف هل يجمع لخسوف القمر أو ينهى عن الجمع؟ في المذهب قولان: المشهور أنه لا يجمع لاستمرار العمل عليه.
والشاذ أنه يجمع قياساً على صلاة كسوف الشمس.
...
باب في صلاة الاستسقاء
ولا خلاف بين الأمة في جواز الاستسقاء بالدعاء إذا احتيج إليه، بل هو مشروع مأمور به.
ويؤمر به في كل الأحوال إذا احتيج إليه.
وقد استسقى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-في خطبة الجمعة، واستصحى 1 في خطبة ثانية.
وأما الاستسقاء بصلاة وخطبة فيختص به مذهبنا.
ومذهب الشافعي أنه مشروع.
وهو سنة على الجمله 2. ويكون عند الحاجة إلى الماء للمشقة 3، أو يستسقى للثمار والزرع، ويطلب نزول الغيث [لملء العيون والأنهار] 4، ويجوز تكراره إن احتيج إلى التكرار.
(صفة الاستسقاء)
ونحن نذكر صفة الاستسقاء من مبتدئه إلى مختتمه [خلافاً ووفاقاً] 1، وذلك أن الناس إذا افتقروا إلى الماء بما قدمناه فيستحب للإمام أو لمن إليه الأمر أن يأمرهم بالتوبة والنزوع 2 عن الآثام.
وهل يقدم قبله صيام ثلاثة أيام؟ في المذهب قولان: المشهور أنه لا يقدم.
واستحبه ابن حبيب.
ولا شك أن الصوم من أجلِّ القرب، وإنما كرهه في المشهور على عادته في كراهية التحديد في المواضع التي لم يثبت التحديد بها لئلا يظن أنها فرض أو سنة.
فإذا فعل الناس ما أمروا به برز من إليه الصلاة بالناس إلى موضع يجتمعون فيه فيكون في غير المسجد، وهي السنة.
ويبرز الناس والإمام على حالة التورع 3 والسكينة والتضرع، لا مظهرين للزينة، بل بعكسها.
وهل يكبر الإمام في طريقه إلى الموضع الذي يصلي فيه؟ في المذهب قولان المشهور: أنه لا يكبر, لأن التكبير مشروع لإظهار شعار الإسلام، وذلك لائق بالعيدين لا بالاستسقاء.
والشاذ أنه يكبر قياسًا على العيدين.
ولا خلاف في خروج من يكلف بالصلاة من الرجال.
وأما الأطفال والنساء والبهائم فهل يؤمر بإخراجهم؟ قولان: المشهور أنهم لا يخرجون، إذ من سنتها الصلاة [وخروج غير المتجالة 4 من النساء عورة] 5 والشاذ الأمر بخروجهم توسلاً إلى الله تعالى بمن لا ذنب له، وهذا في غير النساء.
وأما النساء فلا يختلف في منع خروج من يخاف الفتنة بخروجها.
(حكم استسقاء أهل الكتاب)
وهل يباح الاستسقاء لأهل الكتاب؟ في المذهب قولان: أحدهما: أنه يباح، لافتقارهم إلى ما يفتقر إليه المسلمون، ولأن الله تعالى يدر (1) رزقه على المسلم والكافر.
والثاني: أنه لا يباح خروجهم, لأنهم أعداء الله، ولا يتوسل إلى الله بهم.
وإذا أجزنا خروجهم فهل ينفردون بيوم أو يخرجون مع الناس فيكونوا في ناحية؟ في المذهب قولان.
وانفرادهم لما قدمناه من وجه خروجهم، ومنع انفرادهم لئلا يتفق [القدر بسقيهم فيفتتن ضعفاء المسلمين] (2).
(حكم التنفل بموضع الاستسقاء)
وإذا وصل الناس إلى موضع الاستسقاء فهل يتنفلون قبل الصلاة وبعدها؟ في المذهب قولان: المشهور جواز التنفل، إذ لا مانع منه لا بمحل ولا بوقت.
والشاذ كراهيته قياسًا على العيدين.
(صفه هذه العبادة)
وهل يبتدئ الإمام بالصلاة قبل الخطبة أو بالعكس؟ في المذهب قولان: المشهور أنه يبتدئ بالصلاة توسلا إلى الله تعالى بها، وقد روي ذلك عن النبي-صلى الله عليه وسلم- 3. والشاذ الابتداء بالخطبة، وقد روي ذلك عن الرسول عليه السلام أيضًا 4، وقياساً على صلاة الجمعة.
ومن صفة الخطبة؛ القيام والجلوس بين أثنائها كصفة الجمعة.
وقد12
قدمنا الخلاف في الجلوس في ابتدائها.
لكن يكثر في هذه الخطبة من الاستغفار والتضرع.
والأصل في الاستغفار قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ 1، وقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ 2، فجعل السقي جزءًا من الاستغفار.
ولا يدعو في هذه الخطبة إلا بكشف ما نزل بهم، لا لأحد من المخلوقين.
ويحول رداءه بعد أن يستقبل القبلة بوجهه.
ومتى يفعل ذلك؟ في المذهب ثلاثة أقوال 3: أحدها: أنه بين الخطبتين لئلا يزيد خطبة ثالثة 4، [والثاني: أنه في أثناء الخطبة الثانية لا بعد تمام الخطبة، والثالث] 5: أنه بعد إكمال الخطبتين لئلا يقطع خطبته بعمل ليس من جنسها.
ومن يحول رداءه؟ لا خلاف أن الإمام يفعل ذلك، والمشهور أن من وراءه من الرجال يفعلون ذلك.
وقال الليث بن سعد 6: يكتفي بذلك الإمام، لما روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في تحويل ردائه 7.
ولا يحول النساء أرديتهن، إذ فيه كشف 8 لهن.
وهذا التحويل تفاؤلاً
بالانتقال من الجدب إلى الخصب.
وصفة التحويل؛ يخفض (1) الحاشية التي على رأسه أو على كتفه ويود ما يلي جسده من ردائه إلى جهة السماء، وبالعكس ما يلي السماء.
فإذا فعل ذلك فقد أكمل الاستسقاء.
(ماالعمل إذا اجتمع الخسوف والاستسقاء والعيد والجمعة)
وإن افتقر إلى إعادته أعيد لما تقدم.
وقد نزل (2) أبو محمد عبد الحق حكم اجتماع الخسوف والاستسقاء والعيد وصلاة الجمعة.
وهذا الذي ذكره في الخسوف تأباه العادة عند من تعلق بحساب المنجمين، لأن خسوف الشمس لا يكون على استمرار العادة إلا في يوم تسعة وعشرين من الشهر، وهذا واضح عند أهل الحساب العارفين بهذا الشأن وهذا الذي قاله نزل مثله الشافعي، واعتذر عنه أبو حامد الغزالي بوجهين: أحدهما: أنه تكلم على ما يقتضيه الشرع والعقل غير ملتفت إلى ما يقتضيه حساب المنجمين.
والثاني: أنه عرف العادة في ذلك، لأنه تكلم على ما يقتضيه الفقه لو كان يتأتى الوقوع (3). وذكر أبو محمد عبد الحق في حكم الاجتماع الابتداء بصلاة الخسوف (4) لئلا تتجلى الشمس، ثم بالعيدين، ثم بالجمعة، ويترك الاستسقاء إلى الغد.
لأن حكم العيدين والجمعة إظهار الزينة والمباهاة، وحكم الاستسقاء بالعكس، ولا يجمع بينهم.
(وقت الاستسقاء)
واختلف هل يجوز الاستسقاء بعد الزوال وبعد الغروب؟ والمشهور 5 من المذهب أنه لا يجوز قياساً على العيدين، والشاذ جوازه في كل وقت1234
[تجوز فيه الصلاة؛ لأنه صلاة] (1) ودعاء فيجوز في كل وقت على ما ذكرناه
...
باب في صلاة العيدين وما يتعلق بهما
(حكمها)
وهي سنة عندنا لا فرض كفاية.
وقد قيل: إنها المراد بقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2)﴾ (2)، وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15)﴾ (3). ولا يبعد أن يقال إنها فرض على الكفاية، لأنها إظهار لشعائر الإسلام وإقامة أبهته.
وإذا قيل إن الأذان فرض لإظهار شعائر الإسلام، فكذلك تكون هذه, لأن المذهب كما قدمناه.
وإذا ثبت ذلك فمن يؤمر بها؟ أما من تلزمه الجمعة فلا خلاف أنهم مأمورون بها.
وأما من لا تلزمهم؛ ففي المذهب قولان: أحدهما: أنهم مأمورون بها لأنها نافلة اليوم، والثاني: أنهم غير مأمورين بها لأن معناها لا يحصل إلا بالجمع كالجمعة.
وإذا قلنا بأنهم غير مأمورين بها فهل يستحب لهم فعلها أم يكره؟ في المذهب قولان: أحدهما: استحبابه, لأن أقل أمورها أن تكون كالنافلة.
وإنما فيها زيادة تكبير.
والثاني: أنه مكروه, لأنها صلاة معتبرة تحصل فائدتها مع الجماعة لا للفذ، فيكره فعلها كما تمنع صلاة الجمعة إلا مع الجماعة.
والكراهية في هذه لأنها سنة، والمنع في ذلك لأنها فرض.
(مكان إقامتها)
وإذا توجه الأمر بها فهل تقام في المسجد أو في خارج البلد؟ أما123
سائر أهل الآفاق فسنتهم أن يقيموها (1) خارج البلد إلا من ضرورة, لأنها أبهة [الإسلام ومحاسن الشريعة] (2). وأما أهل مكة فيقيمونها في المسجد لئلا يخرجوا عن الحرم.
والحرم أفضل من خارجه.
وسنتها أن تقام في موضع واحد من المصر، ولا تقام في موضعين ولا أكثر, لأن المطلوب بها المباهاة وإظهار شرف الإسلام وقوة شوكته كالجمعة.
وإذا خرج الناس إليها فالمستحب لمن يدرك الصلاة بخروجه بعد طلوع الشمس ألا يخرج قبلها.
والمستحب للإمام أن يخرج لها بقدر ما إذا بلغ موضعها حلَّت الصلاة.
وإذا صليت خارج البلد فلا يتنفل قبلها ولا بعدها.
وإن صليت في المسجد فثلاثة أقوال: أحدها: منع التنفل، قياساً على المصلى.
والثاني: جوازه, لأنه محل النافلة.
والثالث: جوازه بعد لا قبل، محاذرة من تطويل النافلة حتى يفوت وقت الصلاة المستحب.
(بعض أحكام سنة صلاة العيدين)
ومن خرج بعد طلوع الشمس أكثر في طريقه تكبيراً يسمع نفسه ومن يليه، ليقتدى به، فإن خرج قبل الطلوع فهل يكبر؟ ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يكبر إن خرج قبل صلاة الفجر, لأن المشروع التكبير في الطريق إليها.
والثاني: أنه يكبر إذا أسفر بعد لا قبله، اقتداء بأهل المشعر الحرام.
والثالث: أنه لا يكبر إلا بعد طلوع الشمس, لأنه الوارد عن السلف.
ويخرج الإمام من طريق ويرجع في ثان، وهكذا يستحب لغيره من الناس.
وقد كان الرسول-صلى الله عليه وسلم- يفعله 3، وقيل في تأويل ذلك معان كثيرة:12
منها أنه يقصد التهيب للكفار، ومنها أنه يقصد مساواة الطريقين فلا فضل سيره فيهما، ومنها أنه يقصد التصدق على أهل الموضعين، ومنها أنه كان -صلى الله عليه وسلم - يسأل في طريقه عن الشرائع فأراد حصول العلم إلى أهل الطريقين، إلى غير ذلك من التأويلات التي في معنى هذا.
ويحتمل أن يقصد أحدها أو جميعها.
والمستحب في هذه والاستسقاء والجمعة أن يمضي ماشياً، لأنه قاصد إلى الله تعالى.
فإذا عاد، فله أن يركب.
وإذا وصل وحلَّت الصلاه بدأ بها قبل الخطبة، وهي السنة.
وإنما بدأ بالخطبة بنو أمية لمعان قصدوها لسنا لذكرها.
وقد أنكرها أبو سعيد الخدري 1 على مروان 2 والقصة مشهورة 3.
والمستحب أن يأتي الصلاة 4 إذا طلعت الشمس وابيضت، ولا ينبغي
تأخيرها عن ذلك.
ويقطع الناس التكبير بخروج الإمام.
واختلف المتأخرون هل بخروجه في محل العبد ماضياً إلى الصلاة، أو بعد حلوله في محل صلاته؟ وقد قدمنا الخلاف في قطع النافلة يوم الجمعة، وهذا نحوه.
وإذا استوى الإمام في محله الذي يصلي فيه افتتح الصلاة كما يفتتح سائر الصلوات, فيكبر 1 في الأولى سبعاً بتكبيرة الإحرام، والثانية ستاً بتكبيرة القيام، ويوالي بين التكبير بحسب ما يكبر المقتدون به، ثم يقرأ في الأولى بـ (سبح) ونحوها، وفي الثانية بـ (الشمس وضحاها)، بعد قراءة أم الكتاب 2 فيهما.
وقد روي عن الرسول عليه السلام أنه كان يقرأ بذلك 3 وروي عنه أنه كان يقرأ في الأولى بعد أم القرآن بـ (ق)، وفي الثانية بـ (اقتربت الساعة) 4. ولا بأس [بذلك إن لم يخش] 5 التطويل.
فإن لم يكبر حتى قرأ، فإن ذكر [قبل أن يركع] 6 أعاد التكبير.
وهل يعيد القراءة؟ في المذهب قولان.
وقد تقدما، وإذا أعاد التكبير، فهل يسجد أم لا؟ قولان.
فإن لم يذكر حتى ركع ولم يرفع رأسه، جرى على الخلاف في عقد الركعة ما هو؟ وإن رفع رأسه تمادى، وجرى سجوده على الخلاف في ترك الأقوال قبل السلام، ويكبر المقتدون به.
فإن أتى المسبوق 7 بعد أن أكمل التكبير، فهل التكبير في حال قراءة
الإمام؟ قولان: أحدهما: أنه يكبر في حال قراءة الإمام، إذ لا 1 مخالفة للإمام في ذلك، وإن لم يفعل فاته التكبير.
والثاني: أنه لا يكبر بل يشتغل بالسماع، قياسًا على ما يفوته من أفعال الإمام وأقواله، فإنه لا يشتغل بتلافيها.
وإن أدركه في التشهد كبر وجلس 2. فإذا قام بعد سلام الإمام، فهل يكبر ستًا لأنه كبّر للإحرام، أو سبعًا لأنّ المشروع في [غير] 3 صلاة العيد أن يقوم بتكبير؟ في المذهب قولان.
فإذا أكمل الصلاة صعد الإمام على المنبر إن كان هناك منبر.
والأولى في الاستسقاء أن يخطب على الأرض لقصد الذلة والخضوع.
ولا بأس في العيدين باتخاذ المنابر كما فعله عثمان رضي الله عنه 4 , لأن المقصود فيها إقامة أبهة الإسلام.
ويفتتح الخطبة بالتكبير.
وهل هو محصور؟ لا خلاف أنه لا يلزم حصره، لكن في المستحب منه قولان: قيل لا عدد له، وقيل بل عدده سبع.
ثم يكبر في أثناء خطبته.
وهل يكبر الناس بتكبيره أم لا؟ قولان: أحدهما: أنهم يكبرون كما يفعلون في دبر الصلوات في أيام التشريق.
والثاني: أنهم لا يكبرون، بل يشتغلون بالسماع كخطبة الجمعة.
وتكون الخطبة بعد حمد الله والصلاة على نبيه مشتملة على تعليم أحكام العيد، وما يشرع فيه من واجب ومستحب.
وإن خطب قبل الصلاة استحب له الإعادة.
فإن لم يعد أجزأ وبئس ما صنع في تركه السنة.
وإن زالت الشمس ولم يصل العيد فلا تقضى غدًا, لأن القضاء يفتقر إلى أمر ثان على الصحيح عند الأصوليين، ولم يرد.
وأيضاً قياسًا على صلاة الجمعة إذا ذهب وقتها.
...
فصل (مشروعية التكبير في أيام التشريق)
والتكبير مشروع في أيام التشريق، وهي أيام النحر.
أما لأهل منى ففي سائر الأوقات.
وأما لغيرهم فمشروع دبر الصلوات.
وفي جوازه في سائر الأوقات قولان: المشهور: أنه غير مشروع، لاستمرار العمل في ذلك.
والثاني: أنه مشروع، اقتداء بأهل منى.
ولا خلاف عندنا أن أوله صلاة الظهر [يوم النحر] 1. واختلف في آخره؛ فقيل: صلاة الصبح من اليوم الرابع من يوم النحر.
وقيل: صلاة الظهر.
وهذا راجع إلى النقل، وقد استمر العمل في المدينة [بالأول] 2. وإذا نسي صلاة من أيام التشريق فذكرها، فهل يكبر بعدها أم لا؟ قولان: أحدهما: أنه يكبر على حسب ما كان 3 يؤديها.
والثاني: أنه لا يكبر، إذ أوان التكبير فات.
وصفة التكبير إن شاء أن يقول الله أكبر، ثلاثًا.
وإن شاء أضاف إلى ذلك التهليل والتحميد، فكل ذلك لا يمنع 4، ولم ترد سنة بتحديده.
ولنحل الصلاة بعرفة على كتاب الحج.