التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العباداتصفحات 413-452
أهل الأثرالأرشيف العلمي

لا يؤمِّن.
وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إِذَا أَمَّنَ الأِمَامُ فَأمَّنُوا" (1). وظاهره أن الإمام يؤمَّن.
وقد تؤول الأول على أن المقصود به بيان محل تأمين المأموم.
وأنه بعد قول الإمام "ولا الضالين" لا بعد تأمين الإمام.
فعلى هذا لا تكون فيه حجة على أن الإمام لا يؤمن.
وتؤول الثاني على أن معناه إذا بلغ الإمام التأمين لا أنه يؤمن (2). والصحيح عند المتأخرين أن الإمام يؤمن لقول ابن شهاب: "وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: آمِينَ" (3). هذا وإن كان من المراسيل، فإن الصحيح عند الأصوليين القول بها لا سيما مراسيل مثل ابن شهاب.

(ما يقول المصلي عند الرفع من الركوع)

وينخرط في سلك هذا الخلاف في قول: "رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ".
ولمالك في ذلك قولان.
وقد روي أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يقول ذلك 4. وفي كتاب مسلم عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول إذا رفع رأسه من الركوع يقول: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ملئ السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد" 5. وما وقع لمالك من كراهية أن يقول المصلي: "حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه" 6. فإنما كرهه لئلا يعتقد أنه من فروض الصلاة أو من فضائلها.
وما ورد لابن شعبان من أن123

قائل ذلك تبطل صلاته لا معنى له، لما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - من الثناء، على قائل ذلك.
وهل يقول المأموم والفذ والإمام على أحد القولين: "ربنا لك الحمد"، أو "ربنا ولك الحمد" بزيادة الواو، أو هو مخيّر في ذلك؟ واختلفت الروايات عن مالك في ذلك أيهما المستحب؟ فاستحب في رواية ابن القاسم زيادة الواو، وفي رواية إسقاطها.
وهو على الخلاف في معنى قول الإمام: سمع الله لمن حمده؛ هل هو دعاء فيكون المستحب إضافة الواو لأن معنى ذلك: اللهم استجيب لنا ولك الحمد على استجابتك، [أو كأنه خبر] (1) فكانه يقول الله سامع لمن حمده فلا يضاف الواو؛ لأن معنى ذلك مجرد التحميد من غير دعاء ولا حمد على الاستجابة (2). ...

باب في حكم من جاء والإمام راكع

والمطلوب في حق هذا إدراك الركعة والوصول إلى الصف.
وقد اختلف المذهب إذا لم يمكنه الإتيان بهما أيهما الأوْلى؟ فقيل إدراك الركعة هو المقدم، فيركع حيث انتهى.
وقيل: إدراك الصف هو المقدم، فلا يركع إلا أن يدرك الصف.
وإذا أمرناه بالركوع فهل يدب إلى الصف؟ أما إن بعد فلا يدب إليه، وأما إن قرب دب إليه.
ومتى يفعل ذلك هل في حالة الركوع أو بعد رفع رأسه منه؟ فيه قولان: أحدهما: أنه يدب راكعاً كي 3 لا يرفع الإمام رأسه وهو غير مستو في الصف.
والثاني: أنه يدب بعد رفع رأسه؛ لأن فعل ذلك راكعاً مما يشق، وقد يشوش المشي على حالة الركوع.
وما حدّ القرب في المذهب روايتان 4: إحداهما: أنه الصفان.12

والثانية: أنه ثلاثة صفوف.
وظنه أبو الحسن خلافاً، وليس كذلك؛ بل المقصود جواز الندب إذا كان قريباً، والاثنان (1) من الثلاثة قريب، ولا أصل للتحديد إلا ما يعد قريباً.
...

باب في أحكام الركوع والسجود والجلوس.

وقد قدمنا الخلاف في الطمأنينة في أركان الصلاة هل هي فرض أو سنة.
وسبب الخلاف تعارض قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ 2. وقوله - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي: "ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً واجلس حتى تطمئن جالساً فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك" 3. وبين الأصوليين خلاف في الألفاظ هل تطلق على أوائل الأسماء أو على أواخرها؛ فإن قلنا بانطلاقها على أواخر الأسماء كانت الآية والحديث متفقين.
وإن قلنا بانطلاقها على الأوائل فيجزي أقل 4 ما يقع عليه اسم ركوع بظاهر الآية ويعارضها نص الخبر، وهو من أخبار الآحاد.
وبين الأصوليين خلاف في المقدم منها.
وكذلك الخلاف في الاعتدال في الرفع من الركوع والسجود هل يجب أم لا على هذا؟ وإذا قلنا بوجوب الطمأنينة فما مقدارها؟ هو أن تستقر الأعضاء في أماكنها وتسكن 5. وإذا حصل ذلك وزاد المكلف عليه فهل تعد الزيادة1

فرضاً لأنها من جنس الفرض ولا فاصل أو تعد نفلاً لأن الفرض ما لا يسوغ تركه؟ وهذا مما لو تركه لم يأثم في ذلك، قولان.
وهذا النظر في المقدار المجزي من الركوع والسجود والاعتدال منهما.
ويسجد على الأنف والجبهة جميعاً، فإن اقتصر على أحدهما ففي المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يجزي إلا السجود عليهما جميعاً لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أُمِرْتُ أَن أَسجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ" 1. فذكر الجبهة، وأشار إلى الأنف.
والثاني: إجزاء أحدهما عن الآخر.
والثالث: إجزاء الجبهة عن الأنف دون الأنف عن الجبهة.
والقولان مبنيان على أن الأمر هل ينطلق على المندوب؟ وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أُمِرْتُ" يحتمل أن يريد [أمرت] 2 ندباً، والذمم على البراءة فلا تعمر إلا بيقين 3. لكن التفرقة لأن الوجه 4 على الجملة به تحصل حقيقة السجود.
وفي الحديث: "عفر وجهك 5 في التراب" 6. وتخصيص الجبهة يدل على أن السجود على الأنف غير واجب.
وأما مقدار الكمال في الركوع والسجود فهي 7 في الركوع انتصاب الظهر بعد انحنائه ومساواة الرأس حتى لو مُدَّ خيط مستقيم على الظهر والرأس لمُدَّ.
ووضع اليدين على الركبتين.
وهو في السجود أن يسجد على الرجلين والركبتين والكفين والأنف والجبهة، ويفرج بين بطنه وفخذيه، ويجافي بضبعيه وهما عضداه ومرفقاه عن جنبيه.
ومن أهل المذهب من لا يستحب التفريج للمرأة لأن تركه لها 8 أستر بخلاف الرجال.
وأين يضع يديه في سجوده؟ لم يحد مالك في ذلك حدّاً.
وروي عن

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يسجد بين كفيه، واستحب ذلك المتأخرون من أهل المذهب.
...

فصل (في هيئة الجلوس)

وهيئة الجلوس 1 عندنا على صفة واحدة في الجلسة الوسطى والآخرة وبين السجدتين.
وهو التورك فيفضي بإليتيه إلى الأرض وينصب رجله اليمنى ويجعل باطن إبهامها 2 مما يلي الأرض، ويثني اليسرى، ويضع يديه على ركبتيه.
أما في جلوسه بين السجدتين فيضعهما مبسوطتين.
وأما في جلوسه للتشهدين فيبسط اليسرى ويقبض اليمنى.
وصورة ما يفعل أن يقبض ثلاثة أصابع وهي الوسطى والخنصر وما بينهما، ويبسط المسبحة، ويجعل جانبها مما يلي السماء، ويمد الإبهام على الوسطى، وهذا كالعاقد 3 ثلاثة [وعشرين] 4. وهل يشير بالمسبحة أو يمدها غير محرك لها؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه يشير بها.
فقيل المراد بذلك طرد الشياطين وقمعها.
وهذا أيضاً تحقيق معناه أنه يقرر 5 على نفسه

ما يذكر من التشهد (1). ويذكرها بالتقصير عن معاني ما يذكره ويمنعها أيضاً من الغفلة عن ذلك.
والقول الثاني: أنه [يبسط (2) مسبحته (3) غير محرك (4) لها.
قيل المراد بذلك الإشارة إلى الوحدانية.
والقول الثالث: أنه] (5) يبسطها موحداً إلى أن يبلغ قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله" فيشير بأصبعه مقرراً على نفسه جميع ما يلزمه الإيمان به.
وهذا كله لا ينبغي أن يعد خلافاً، وإنما يعد هيئات (6). وهي عنوان على ما في الباطن فيعتقد (7) الإنسان منها بقدر ما يكون في باطنه في تلك الحالة من التقرير على النفس، والإشارة إلى التوحيد أو تنبيه النفس على الغفلة عن الذكر.

...

باب في أحكام الناعس والغافل والزاحم

8 وقد قدمنا أن المشروع متابعة 9 الإمام لا مسابقته ولا مقارنته.
وذكرنا حكم المسابقة والمساواة في تكبيرة الإحرام، وحكمها فيما عدا ذلك من الأركان.
والمتابعة 10 أن يفعل المأموم الأركان عقيب فعل الإمام.
فإن لم يمكنه ذلك لأنه نعس نعاساً لا ينقض وضوءه أو زوحم أو غفل، فلا يخلو أن يطرأ له ذلك بعد أن عقد الركوع وعند أخذ الإمام في السجود، أو قبل1234567

أن يعقد مع الإمام الركوع؛ فإن طرأ له بعد أن عقد الركوع فهاهنا يتبع الإمام في السجود ما لم يعقد الإمام الركعة الثانية.
وفي عقدها قولان: أحدهما: أنه رفع الرأس منها.
والثاني: أنه وضع اليدين على الركبتين.
وإن طرأ له ذلك قبل أن يعقد معه الركوع؛ فأما الناعس والغافل ففي تلافي ما فاته من الركوع ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يتلافى بوجه، صحت له مع الإمام ركعة أو لم تصح.
لأن المشروع أن يفعل عقيب الإمام، وهذا قد تأخر عنه.
وانشغاله بتلافي ما مضى مخالفة عليه.
وإنما يشتغل باتباعه فيما يأتي به.
والقول الثاني: أنه يتبعه، صحت له مع الإمام ركعة أم لا.
وهذا بناء على أن المتابعة 1 إنما تلزم مع القدرة عليها.
فإن 2 لم يتبعه فيصير زائداً في صلاته زيادة مستغنى عنها.
وكأن هذين القولين مبنيان على تقابل مكروهين: أحدهما: مخالفة الإمام، والثاني: محاذرة زيادة مستغنى عنها.
والقول الثالث: أنه إن عقد مع الإمام ركعة بسجدتيها اتبعه لأنه بانعقادها تنسحب عليها حرمة الجماعة.
وإن لم يعقد معه ركعة [بسجدتيها] 3 فلا يتبعه؛ لأن حرمة الجماعة غير حاصلة.
وهذا مذهب الكتاب.
وإذا قلنا إنه يتبعه فإلى أي مكان؟ في المذهب قولان: أحدهما: ما لم يرفع رأسه من السجود.
والثاني: ما لم يعقد 4 الركعة الثانية.
وسبب الخلاف هل القيام فرض في حق المأموم وإنما يسقط عنه إذا كان مسبوقاً للضرورة 5 فيتبعه هاهنا ما لم يرفع رأسه من السجود؟ أو القيام

في حقه غير فرض للاتفاق على إدراك المسبوق فيتبعه هاهنا ما لم يعقد الركعة الثانية؟ وإذا قلنا إنه يتبعه ما لم يرفع رأسه من السجود فهل المراد بذلك السجدتان جميعاً أو السجدة الأولى؟ الظاهر من المذهب أنهما جميعاً.
وقال بعض المتأخرين من الأندلسيين المراد السجدة الأولى؛ لأنه إذا رفع رأسه منها حال بينه وبين الاتباع فرض كامل وهو أحد السجدتين.
وإذا قلنا إنه يتبعه ما لم يعقد الركعة الثانية فهل عقدها وضع اليدين على الركبتين أو رفع الرأس منها؟ قولان متقدمان (1).

(حكم الزاحم)

وأما الزاحم ففيه قولان: أحدهما: أنه معذور كالغافل والناعس، بل عذره أظهر إذ لا مبدأ (2) تفريط عنده.
والثاني: أنه غير معذور فلا يتبعه بوجه.
وهذا بناء على ما قدمناه من أن الحاضر العقل المتلقي للخطاب لا يتعذر الفعل عليه وهذا إشارة إلى جواز تكليف ما لا يطاق.
وقد قدمنا الخلاف فيمن أهريق ماؤه، هل يكون بمنزلة الناسي أو بمنزلة العامد؟ وكذلك المفرق ناسياً إذا ذكر فطال طلبه للماء.
...

باب في صفة أداء الصلاة

ويؤمر المصلي بالخشوعِ باطناً وظاهراً، وإكمالِ 3 الأركان، وتحسينِ السنن 4 والفضائل، وملازمةِ الهيئات.
على أن مالكاً كثيراً ما كان يهرب من التحديدات التي لم يشتهر كونها فضيلة أو سنة 5. ويحاذر أيضاً من ظهور12

الخشوع على الظاهر دون الباطن.
ولهذا لم يحد أين يضع [المصلي] 1 بصره.
وأنكر وضع اليدين إحداهما على الأخرى في القيام في الفرائض، وأجازه فيما إذا طال القيام في النوافل.
ولم يحد في البداية عند الانحطاط إلى السجود حدّاً.
وحكي في كتاب ابن حبيب أن ابن عمر كان يبتدئ 2 بوضع ركبتيه على الأرض ثم يديه 3. وفي المبسوط استحباب الابتداء باليدين قبل الركبتين.
قال الأشياخ: وهو أقرب إلى الخشوع.
وقد وقع في المذهب أيضاً خلاف؛ هل يستحب الاعتماد على اليدين عند القيام إلى الثانية والرابعة لأنه أقرب إلى الخشوع، أو لا يستحب ذلك إذ لا تحديد ثابت فيه يقتضي كراهية غيره.
ومن التواضع وضع أعز الأعضاء على الأرض وهي الجبهة والأنف.
وفي معنى الأرض كل ما تنبته مما لا يقصد به الترفه.
وقد اختلف في ثياب الكتان والقطن، هل يكره وضع الجبهة والكفين عليهما لأنهما خرجا بالصنعة عما تنبته الأرض، أو لا يكره ذلك التفاتاً إلى أصلهما؟ وقال المحققون من المتأخرين: إذا كان الأصل كراهية الرفاهية فكل ما فيه ترفه ولو كان مما تنبته الأرض كحصر السمان فإنه يكره، وكل ما لا ترفه فيه فإنه لا يكره.
وإن كان مما لا تنبته الأرض كالصوف وما يصنع منه مما لا يخرج إلى ما يقصد به الترفه.
وهذا إنما يكره في حق الوجه والكفين، وأما غيرهما من الأعضاء فيجوز أن يضعه على كل طاهر.
والفرق أن الخشوع والتذلل يحصل بوضع الوجه واليدين على الأرض وما في معناها.
وأما غير ذلك من الأعضاء فالرجلان مما لا خشوع 4 في وضعهما على الأرض.
والركبتان مما شرع سترهما، وعلى هذه الأعضاء السجود.
والأصل في هذا المعنى الذي قدمناه كون المسجد الحرام محصباً من غير حائل بين المصلي وبين الأرض.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -:"عفر وجهك 5 في

الأرض" (1). ويكره ستر اليدين بالكمين في السجود إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة من حر أو برد.
...

فصل (حكم السجود على كور العمامة)

ويكره السجود على كور العمامة؛ وهو طاقتها.
فإن سجد عليها فلا تبطل صلاته إلا أن تكثر الطاقة جداً بحيث تكون كالحائل بين الوجه وبين الأرض، فيصير كأنه أومأ، وفرضه السجود فتبطل صلاته.

...

فصل (في حكم من اعتمد على حائط أو عصا)

ومن صفة الأداء أن لا يعتمد 2 على حائط أو عصا في قيامه وجلوسه، فإن اعتمد على ذلك فإن كان اعتماده بحيث لو أزيل المعتمد عليه لسقط بطلت صلاته.
لأنه لم يأت بحقيقة القيام ولا الجلوس.
وإن كان بحيث لو أزيل لم يسقط صحت صلاته على كراهية 3 فيها.
وهذا في حق من يفرض عليه القيام؛ وهو القادر عليه في صلاة 4 الفرض.
وأما من يعجز عن القيام أو الجلوس إلا معتمداً ففرضه الاعتماد، وله الجلوس مع الاختيار في النافلة 5، فأحرى أن يجوز له القيام معتمداً.
لكن في المذهب قولان: هل يجوز له الاضطجاع في النافلة مع القدرة على الجلوس؟ فعلى1

القول بجواز ذلك لا شك في جواز الاعتماد في الجلوس، وعلى القول بمنع الاضطجاع مع الاختيار قد يمنع الاعتماد في الجلوس.
إلا أن يقال إن النافلة محل الرخص وهذا منه.
وإنما الخلاف في جواز الاضطجاع، فيه (1) خلاف في وروده على ما سيأتي بيانه.
...

باب في أحكام المريض

وقد قدمنا تحديد الفروض جملةً وتفصيلاً، وذلك في حق القادر.
وأما العاجز فقد ذكرنا حكمه في التكبير والقراءة، وأما غير ذلك من الأركان فإن عجز عن جميعها بالمرض أو ما في معناه، فلا يخلو من أن يقدر على حركة بعض أعضائه، كرأسه أو يديه أو حاجبه أو غير ذلك من الأعضاء، فهذا لا خلاف أنه يصلي، ويؤمر بما قدر على حركته.
وإن عجز عن جميع الحركات ولم يبق له سوى النية بالقلب فهذه الصورة لا نص فيها في المذهب.
وأوجب الشافعي عليه إيجاب القصد إلى الصلاة بقلبه لأن روح الصلاة القصد [وبه تتم] 2. فمقصودها حالة تحصل بالقلب.
وأسقط أبو حنيفة الصلاة عن من وصل إلى هذه الحالة.
لأن الصلاة أقوال وأفعال، والنية قصد إلى التقرب بالأقوال والأفعال.
فإذا عجز عن التقرب بها فلا مقصود هاهنا يتميز بالنية.
وقد طال بحثنا عن مقتضى المذهب في هذه المسألة.
والذي عولنا عليه في المذاكرات موافقة مذهب الشافعي مع العجز عن نص يقتضيه في المذهب.
فالمسالة في غاية الإشكال من [جهة أن التكليف لا يمكن إلا متمكناً ولا يقع التكليف إلا بممكن 3. ولكن] 4 الاحتياط مذهب الشافعي،1

والرجوع إلى براءة الذمة هو مقتضى مذهب أبي حنيفة.
ولا يبعد أن يختلف المذهب في هذه المسألة [وإن وجد فيها نص] 1. وإن قدر على بعض الأركان دون بعض أتى بالمقدور عليه وسقط عنه المعجوز عنه.
لكن اختلف الأشياخ في من قدر على القيام فإن ركع وسجد لم يقدر على النهوض إلى القيام في باقي الركعات، وإن أومأ استمر على القيام؛ فقال بعضهم: يركع ويسجد ويسقط عنه القيام في باقي الصلاة؛ لأن الركوع والسجود فرض وله حق السبق في الحال، فلا يسقطه 2 القيام.
وفيه خلاف هل هو فرض لنفسه أو للقراءة.
وفي القراءة خلاف هل هي فرض أم لا؟ وقال بعضهم: بل يكمل صلاته إيماء لأنه يأتي بالبدل عن الركوع والسجود وهو الإيماء، والقيام لا بدل عنه, لأن الجلوس حالة من أحوال الصلاة، وليس من جنس القيام بسبيل.
وعلى هذا الرأي يركع ويسجد في الركعة الآخرة لأنه لا يجب عليه القيام فيعود إليه.
ولو قدر على القيام والجلوس ولم يقدر على الركوع والسجود جملة؛ فإنه يومئ للركوع والسجود.
وكيف صفة إيمائه؟ قال الأشياخ: يومئ للسجدة الأولى 3 من القيام وللسجدة الثانية من الجلوس إن أمكنه ذلك.
وهذا لأنه يخر إلى السجدة الأولى من قيام، فيفعل في الإيماء ما كان يفعله في السجود.
وهل عليه أن يبلغ في الإيماء منتهى وسعه؟ ظاهر المذهب على قولين: أحدهما: أنه ليس عليه ذلك.
وأخذ من قوله في الكتاب: ويجعل إيماؤه للسجود أخفض منه للركوع 4 والثاني: عليه استيفاء ما في وسعه.
وأجرى أبو الحسن اللخمي هذا الخلاف على الخلاف في الحركة إلى الأركان.
وهل هي مقصودة أم لا؟ وفي ذلك نظر لأن المطلوب هاهنا

إيماء يكون (1) عوضاً عما عجز عنه.
وقد عجز عن كمال السجود فيطالب بكمال الإيماء.
وكماله هو المعنى المفروض كنفس السجود، وليس هو في حق هذا كالحركة إلى الأركان، بل هو الركن في نفسه.
والذي في الكتاب إنما ذكر فيه أن يفرق فيه بين الإيماء للركوع وبين الإيماء للسجود.
فيمكن أن يريد أنه يبلغ وسعه في إيمائه إلى السجود ويقصر عن ذلك في الركوع للفرق بين الركعتين مما كان في المنزلة [لو كان صحيحاً] (2). ...

فصل (في المريض يصلي حسب ما تيسر له)

ويصلي المريض بحسب ما يمكنه ويتدرج في إسقاط الفروض والسنن والفضائل بحسب ما تدعو الضرورة إلى إسقاطها.
فإن قدر على القيام لكن عجز عن تطويل القراءة 3 في الصبح والظهر مثلاً، فيصلي بأم القرآن وسورة [من] 4 القصار 5 أو بأم القرآن خاصة.
فإن عجز عن كمال القيام بأم القرآن 6، فهاهنا مقتضى الروايات أنه ينتقل إلى الجلوس.
وهذا ظاهر على القول بأن قراءة أم القرآن فرض في كل ركعة.
وأما على القول بأنها فرض في ركعة واحدة فإنه ينبغي أن يقوم بمقدار ما يمكنه إلا في ركعة 7 واحدة فإنه يجلس ليأتي بأم القرآن.
لكن اختلف المذهب هل القيام مقصود لنفسه وعليه يتخرج ما قلناه، أو هو مقصود للقراءة فإذا لم يمكن 8 الإتيان بها سقط؟ وهكذا يجري الأمر12

إن قلنا إن القراءة فرض في الجل فيختلف في الأقل على حسب ما بيناه 1. ولو عجز عن القيام إلا متوكئاً ففرضه 2 التوكؤ.
فإن جلس أعاد أبداً ولو عجز عن الجلوس إلا مستنداً ففرضه الاستناد.
فإن اضطجع أعاد أبداً 3. وفي الكتاب لا يستند بحائض ولا جنب 4، فإن فعل أعاد في الوقت.
واختلف في علة ذلك.
فقال أبو محمد بن أبي زيد إنما هذا إذا 5 كان في ثيابهما وأبدانهما نجاسة.
وعلى هذا لا فرق بين الحائض والجنب وغيرهما.
وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: إنما ذلك لأنهما معينات للمصلي.
فيستحب أن يكون المعين على أكمل الأحوال، كما يؤمر حامل الجنازة بأن يتوضأ ليكون على 6 أكمل الأحوال.
وألزم على هذا ألا يستند إلا إلى متوضئ.
والظاهر أنه خص الجنب والحائض بالكراهية لمخالفتهم حالة 7 المصلي.
فإن استند بهما فقد صار مرتكباً لنهي الكراهية.
فيتلافى 8 ارتكابه لذلك بأن يعيد في الوقت استحباباً.
وأجاز أشهب الاستناد إلى الحائض والجنب.
وعلى طريقة 9 أبي محمد ابن أبي زيد لا يعد خلافاً لأن معنى الإجازة إذا لم تكن معهما نجاسة، وعلى الطريقة الأخرى يكون خلافاً.

(كيف يستلقي المريض في صلاته)

وإن لم يقدر إلا على الاستلقاء بالأرض فيصلي مستلقياً.
وكيف صفته؟ فيه قولان: فقيل يبدأ بجنبه الأيمن تعويلاً على قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ 1، وحمل الذكر هاهنا على الصلاة، وقياساً على الدفن.
وقيل يبدأ بالاستلقاء على الظهر ويجعل رجليه مما يلي القبلة حتى لو أقيم لكان مستقبلاً.
وهذا لأنه يشير برأسه ويديه.
وبهذه الصورة تحصل الإشارة إلى القبلة.
ويحمل قائل هذا الذكر 2 [في الآية] 3 على أنه في غير الصلاة لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ 4، وظاهره ذكر بعد انقضاء الصلاة.
وإذا قلنا إنه يبتدئ بالجانب الأيمن فإن لم يستطع فهل يصلي مستلقياً على ظهره لما قلنا من حصول الإشارة إلى القبلة أو على الجانب الأيسر لاشتمال الآية في أحد التأويلين عليه؟ في ذلك قولان.
ومتى افتتح الصلاة على صورة الكمال فطرأ له العجز أو بالعكس أتم على حسب ما عادت إليه حالته بلا خلاف عندنا.
وإن عجز عن استقبال القبلة بنفسه حُوِّلَ إليها، فإن عجز عن تحويله سقط حكم الاستقبال في حقه كالمسايف.
وفي الكتاب إذا صلى إلى غير القبلة أعاد ما دام في الوقت بمنزلة الصحيح 5. فأما من صلى 6 وهو قادر على التحويل أو التحول فينبغي أن يعيد أبداً.
وأما من لم يقدر على ذلك لفقد من يحوله فينبغي أن يختلف في إعادته كما اختلف في [إعادة] 7 المريض يعدم من يناوله الماء فيتيمم ويصلي ثم يجد من يناوله.
وقد مر الخلاف في ذلك.

(صفة جلوس المريض)

وإذا قدر المريض على الجلوس ولم يقدر على التخيير (1) في صفته صلى بحسب ما يمكنه.
فإن قدر على التخيير؛ فالمشهور من المذهب فيه وفي المتنفل جالساً أنه يتربع في موضع القيام.
وعوَّل في ذلك على فعل ابن عمر.
وقد كان يتربع، وهو كثير الاقتداء بأفعال الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وحكى محمد بن عبد الحكم أن الأولى أن يجلس في موضع القيام كجلوسه في موضع الجلوس، واستحبه (2) المتأخرون؛ لأنه أقرب إلى التواضع والمتربع مخالف لصفة المتواضع.
وقد قيل: إن ابن عمر إنما كان يجلس كذلك لعلة كانت برجله تمنعه من التربع.
لكن هذا الذي حكاه محمد بن عبد الحكم لا يحصل به الفرق بين جلوس القيام وجلوس التشهد.
وحكى الشافعي في الاختيار في الجلوس ثلاثة أوجه: أحدها: ما حكاه ابن عبد الحكم.
والثاني: أنه يجلس ويضم ركبتيه إلى صدره كالمحتبي.
والثالث: أنه يجلس ضاماً لركبته اليمنى إلى صدره وثانياً لركبته اليسرى، كالجالس بين يدي أستاذه.
وبالجملة فالمقصود صفة تفرق بينهما وبين الجلوس للتشهد وتكون صفة تقتضي التواضع، ومتى خولفت لم تبطل الصلاة بلا خلاف (3). ...

فصل (إذا تعذر عليه السجود)

وإذا امتنع [السجود] 4 لعلة بالوجه، فإن المشروع 5 الإيماء كما123

قدمناه.
فإن أبدل الإيماء بأن رفع إلى وجهه شيئاً، ففي الكتاب لا إعادة عليه (1). وقال أشهب: إنما ذلك إذا أومأ، فإن لم يومئ أعاد أبداً.
وقد قدمنا هل يجب عليه كمال ما في وسعه من الإيماء أم لا؟ ...

فصل

وهذا حكمه إذا كان لم يدخل المرض على نفسه، فإن أدخله بأن قدح 2 الماء من عينه حتى صار يصلي مستلقياً؛ ففي المذهب قولان: أحدهما: صحة صلاته ولا إعادة عليه، قاله أشهب وغيره من أهل المذهب، كالمسافر يطلب الأرباح لأنه يسافر طلباً لنماء المال وشق المفازات فينتقل إلى التيمم، فأحرى أن يجوز له الانتقال إلى الإيماء لطلب الصحة للجسم.
ومذهب المدونة يعيد 3 أبداً.
ولعل هذا بناءً على أن الرخص لا يقاس عليها.
وعلل بأن القادح لا يوقن 4 بالبرء، والعادة جارية بذلك غالباً.
فكأنه انتقل عن الكمال إلى أمر متردد في نجحه وعدم نجحه، بخلاف الأسفار في طلب الأرباح فإن الغالب وجودها.
وقائل هذا الأمر لم يقف على حقيقة الأمر في القدح.
والغالب وجود المنفعة به.
والدواء فيه أظهر نجحاً من غيره فأحرى أن يجوز له أن ينتقل إلى الإيماء ليطلب الصحة.
ومذهب المدونة أنه يعيد أبداً.
وهل هذا بناء منه على أن الرخص لا يقاس عليها أو بناء منه على أنه لا ينجح في طلب المقصود، وأن العادة عنده جارية بذلك فلا يجوز له أن ينتقل إلى الإيماء وكذلك التيمم؟ ...1

باب في الصلاة على الدابة

ومن اضطر إلى الصلاة على الدابة لعدم القدرة على النزول إما لمرض أو لخوفه، صلى الفريضة عليها.
فإن قدر على التحول إلى القبلة تحوّل، وإلا سقطت في حقه.
فإن أمن الخائف في الوقت فهل يعيد؟ قولان: أحدهما: أنه يعيد في الوقت.
وهذا لظهور الأمن في الوقت.
وحقه أن يؤخر إليه.
والثاني: أنه لا يعيد قياساً على الخائف من العدو.
وإن قدر المريض على النزول إلى الأرض وكانت صلاته بالأرض أكمل من صلاته على الدابة، فلا خلاف أنه يجب عليه النزول.
فإن لم يفعل بطلت صلاته.
وإن تساوت حالاته وكانت صلاته على الدابة كصلاته على الأرض لأنه لا يمكنه الإيماء، فهاهنا قولان: أحدهما: أنه ينزل لقوله عليه السلام: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرضُ 1 مَسجداً وَطَهُوراً" 2. والثاني: أنه لا ينزل لتساوي حالته.
والحديث محمول على بيان جواز الصلاة 3 بكل مكان من غير اختصاص بمكان مخصوص.
وقد حمل أبو محمد بن أبي زيد على المدونة أنه متى تساوت حالته صلى على الدابة.
وإنما تكلم في الكتاب على أنه مختلف الحالة، وحمل عليها غيره من الأشياخ أنه ينزل وإن تساوت حالته حتى يباشر الأرض ليظهر التواضع.
وهذا الكلام في الفرض.
وأما النافلة فلا يصلي عندنا على الدابة اختياراً في الحضر والسفر الذي لا تقصر فيه الصلاة، وقد ثبتت في رخص الشريعة.
وهي على ثلاثة أقسام: قسم تقرر الإجماع أنه لا يختص بالسفر كأكل الميتة للمضطر ومسح الجبيرة، عند من أجازه.
وقسم تقرر الإجماع على اختصاصه بالسفر كقصر الصلاة والفطر في رمضان.
وقسم اختلف في اختصاصه وعدم اختصاصه كالمسح على الخفين.
وقد تقدم الخلاف فيه.
والتيمم تقدم الخلاف فيه

أيضاً.
وتبديل هيئة الصلاة للخوف، وقد اختلف الناس فيه، وفي المذهب قولان.
والجمع في السفر لا اختلاف في تخصيصه من حيث الجملة، لكنه اختلف المذهب هل 1 يختص بسفر القصر أو يعم كل سفر.
وأما الجمع للمريض فإنه مما يعم السفر والحضر.
والجمع للمطر 2 اختلف الناس فيه 3، والمذهب جوازه.
وإذا أجزناه عم الحضر والسفر.
وأما ما نحن بسبيله هو التنفل على الدابة؛ فيختص عندنا بالسفر كما تقدم إذ لم يثبت في غير سفر وإنما ورد في السفر.
فإذا ثبت جوازه فلا يتعدى به ما ورد.
ولهذا لا يؤمر المصلي على الدابة بالركوع والسجود، بل يجزيه الإيماء.
وإن أمكنه التربع في موضع القيام والتهيئ للإيماء والتورك في موضع الجلوس فعل، وإلا سقط عنه ذلك.
ويصلي حيث ما توجهت به دابته، ولا يلزمه التوجه للقبلة للإحرام ولا في غيره إذا كان توجهه إلى غير القبلة.
لكن يجعل المكان الذي توجه إليه كالقبلة في حقه فلا يلتفت عنه.
وقد حمل قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ 4، على التنفل على الدابة.
وله أن يضرب الدابة التي تحته أو غيرها إن احتاج إلى ذلك ويركض ما تحته، لكن يلزم ترك الكلام، وهذا لأنه يفعل ما هو من مصلحة سفره بحسب ما تدعو الضرورة إليه ويترك ما لا تدعو إليه الضرورة.
...

فصل (هل تقاس السفينة على الدابة)

وقد (1) ثبت جواز صلاة النافلة إلى غير القبلة على الدابة.
وهل يجوز ذلك في السفينة إذا دعت الضرورة إليه؟ فيه قولان: المشهور منعه، والشاذ جوازه.
ومبناه على الخلاف في القياس على الرخص هل يقاس عليها أم لا؟ فمن منع منه جاء منه (2) ما في المشهور، ومن أجازه جاء منه الشاذ.

(جواز التنفل جلوساً)

ولا خلاف 3 في جواز ترك القيام في النافلة.
وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يصليها جالساً مع القدرة على القيام، وأخبر أن صلاة الجالس على النصف من صلاة القائم 4. لكن اختلف أهل المذهب هل انحطاط الأجر مختص بالقادر لأنه تارك 5 لحظه من القيام، أو يعم القادر والعاجز لعموم الحديث؟ فهذا إذا افتتح الصلاة جالساً.
ولو افتتحها قائماً ثم شاء الجلوس؛ ففي المذهب قولان: أجازه في الكتاب 6، ومنعه أشهب.
وسبب الخلاف هل تمادي القيام كالعمل المتصل فيلزم تمامه على ما ابتدأ به قياساً على صلاة النافلة والصوم والحج، أو كل جزء من القيام12

عبادة قائمة بنفسها فلا يلزمه تمامه على ما ابتدئ به إلا أن ينذره بلفظه؟ (1) ولا شك أن من افتتح الصلاة جالساً فله القيام، وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يفعله (2).

(الخلاف في التنفل للمضطجع)

وهل يجوز التنفل مضطجعاً؟ ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يجوز على الإطلاق؛ لأنها صفة لم ترد.
والثاني: جوازه على الإطلاق، قياساً على ترك فرض القيام، وأيضاً فلما ورد في بعض الطرق من أن صلاة القائم على النصف من صلاة الجالس 3، وصلاة المضطجع على النصف من صلاة الجالس 4. لكن بين الأصوليين خلاف في زيادة العدل هل تقبل أم لا؟ والثالث: جوازه لمن لا يمكنه الجلوس دون القادر، قياساً على صلاة الفرض.
وكذلك اختلف في جواز الإيماء في النافلة مع القدرة على الركوع والسجود؛ فقيل: يجوز قياساً على ترك القيام [في النافلة] 5، وقيل: يُمنع إذ لم يرد إلا في السفر على الدابة.
وفي الكتاب لا بأس بالاحتباء في النوافل للجالس بعقب تربعه 6.12

ومن صلى فرضه جالساً وهو يقدر على القيام أعاد أبداً.
وقد روي بعقب تربعه بالباء، وقد روي تعقب تربعه بالتاء المعجمة باثنتين (1). فالرواية الأولى تقتضي أنه يحتبي بعد التربع.
والثانية: تقتضي أنه يتنقل من التربع إلى الاحتباء ومن الاحتباء إلى التربع.
على أن معنى الروايتين متقاربة في التحقيق.

...

باب صلاة الإمام أرفع مما عليه أصحابه

2. وروي أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يصلي الإمام على شيء أرفع 3 مما عليه أصحابه.
وكأنه أشار بذلك إلى ما أحدثه بعده بنو أمية من التكبر عن مساواة الناس، وكانوا يتخذون موضعاً مرتفعاً عن محل من يقتدون 4 بهم تكبراً وعبثاً.
ولا خلاف في المذهب أن القصد إلى ذلك محرم، وأنه متى قصد ذلك 5 بطلت الصلاة.
وكذلك قالوا: لو صلى المقتدون على موضع مرتفع قصداً في التكبر عن المساواة فإن صلاة المقاصد إلى ذلك باطلة.
فإن صلى الإمام غير قاصد إلى التكبر؛ فإن كان الارتفاع يسيراً صحت الصلاة بلا خلاف.
وإن كان الارتفاع كثيراً فللمتأخرين قولان: صحة الصلاة أخذاً من قوله في تعليل البطلان "لأن هؤلاء يعبثون".
وقيل بالبطلان لعموم النهي في الحديث المتقدم.
ولو ساوى الإمام قوماً في الارتفاع وصلى غيرهم على موضع 61

مرتفع.
فإن قصد المرتفعون التكبر بطلت الصلاة، وإن لم يقصدوا ذلك ففي إعادة الصلاة في الوقت قولان.
وهكذا قال ابن حبيب في الإمام يصلي في السفينة يقوم قوم معه في مكان وقوم فوق السفينة أن المرتفعين يعيدون في الوقت.
ويحتمل أن يريد بالإعادة أنهم لا يرون فعل الإمام.
وقد اختلف قوله في المدونة في الإمام يصلي في المسجد ويصلي قوم فوق المسجد بصلاته فكرهه مرة وأجازه أخرى.
وعلة الكراهية بالبعد عن الإمام وتفرقة الصفوف وعدم التحقيق لمشاهدة أفعال الإمام.
فعلى هذا يكون الجواز إذا قرب أعلى 1 المسجد من أسفله، فيكون خلاف 2 في حال.
وكذلك كره في [الكتاب] 3 الصلاة على أبي قبيس 4 وقعيقعان 5 بصلاة الإمام في المسجد الحرام 6. واختلف الأشياخ في صلاة من فعل ذلك؛ فمنهم من قال: بالصحة، ومنهم من قال: بالبطلان، وهو خلاف في حال.
فإن أمكنهم مراعاة فعل الإمام صحت الصلاة، وإن تعذر عليهم ذلك بطلت الصلاة، وهذا يعلم بالمشاهدة.
وكره في الكتاب الصلاة بين يدي الإمام في دور محجورة 7، وأجازه إن كان في دور دبر القبلة إذا كانت هناك كوى ينظرون منها إلى أفعال الإمام.
وفي هذا تفرقة الصفوف.
وقد أجيزت إذا تقارب الموضعان 8 نحوه كالنهر والطريق الصغير.

وأجازوا لمن في السفن أن يجتمعوا على الإئتمام بإمام في إحداهما؛ فإن استصحبوا الدوام أتموا صلاتهم، وإن فرقهم الريح كانوا كمن طرأ على إمامهم ما يمنعه الائتمام (1) فيستخلفون لأنفسهم.
وإن صلوا أفراداً صحت صلاتهم، وإن اجتمعوا بعد التفريق والإمام لم يكمل فلا يرجعون إلى إمامته، ويجزيهم التمادي على ما هم عليه.
[قالوا] (2) بخلاف المأموم يظن أن إمامه أكمل فيقوم يقضي لنفسه، ثم تبين له أن الإمام لم يكمل فإن هذا لا يعتد بما فعله قبل إكمال الإمام ويرجع إلى اتباعه إن بقي له من الصلاة شيء.
والفرق ظهور عذر من في السفن وتفريط الظان لإكمال الإمام.
...

فصل (حكم الصلاة بالمسمع)

وهل تجوز الصلاة بالمسمع؟ للمتأخرين ثلاثة أقوال: أحدها: صحة الصلاة لأنه نائب عن الإمام، فعله كفعله.
وعمدتهم اقتداء أبي بكر رضي الله عنه بالنبي - صلى الله عليه وسلم - واقتداء الناس بأبي بكر وهو كالمسمع 3. وهذا يدل على أن أبا بكر خرج عن الإمامة، ولأن العمل استمر في سائر الأمصار على تكرر الإعصار على الصلاة بالمسمع.
والثاني: بطلان الصلاة لأنه إنما شرع الإقتداء بالإمام لا بعوض منه.
والثالث: صحة الصلاة إن أذن الإمام للمسمع، فحينئذ يكون كوكيله، وبطلانها إن لم يأذن له إذ لا تصح الوكالة من غير إذن.
وكذلك اختلفوا على هذا في صحة صلاة المسمع نفسه لنفسه.
...12

باب في أحكام الإمامة

(من الأحق بالإمامة)

ويفتقر الإمام إلى صفتين بعد حصول البراءة عن النقص الذي نذكره بعد.
والصفتان: العلم والورع؛ فبالعلم يحصل الأداء، وبالورع تحصل الشفاعة.
وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "أئمتكم شفعاؤكم فانظروا بمن تستشفعون به" 1. فإذا وجد من فيه هاتين الصفتين قدم، وإن شاركه غيره فيهما نظر إلى غير ذلك من الفضائل الشرعية والخلقية والمكانية؛ فالشرعية كالشرف في النسب والسن، والخلقية ككمال الصورة، ويلحق به حسن اللباس، والمكانية كمالك رقبة الدار ومنافعها.
وإذا اجتمع الأقرأ والأعلم، فالأعلم هو المقدم عندنا على الأقرأ.
وما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - من قوله: "يَؤُمُّ القَوْمَ أَقرَؤُهُم" 2، محمول عند العلماء على أن الأقرأ في ذلك الزمان هو الأعلم إذ كانوا يتعلمون مع التلاوة ما يتعلق بها من الأحكام والمعاني.
فإن اجتمع فقيه وصالح فالفقيه أولى، إذا لم يكن فيه مانع يمنع الإجزاء على ما نذكره.
وإن اجتمع الأصلح والأفقه فلم أر في المذهب نصاً في هذه المسألة.
وللشافعية قولان: أحدهما: تقديم الأفقه مراعاة لقدرته على مراعاة إصلاح ما يعرض له 3 في الصلاة من المفسدات الشواذ.
والثاني: تقديم الأصلح إذا كان قِبَلَهُ من الفقه 4 ما يمكن به أداء الصلاة وإصلاح ما يعرض له فيها

من المفسدات المتكررة والتي (1) ليست شاذة جداً.
وكان هذا التفاتاً إلى مراعاة الطوارئ البعيدة، وفي المذهب في مراعاتها قولان.
وظاهر ما قدمناه أن من كان فقيهاً صالحاً شريفاً في نسبه (2)، كبيراً في سنه، كامل الصورة، حسن اللباس، عارفاً بالقرآن، مالكاً للموضع إن كان الموضع مملوكاً؛ هو أولى بالإمامة.
فإن نقص من هذه وكان أكمل من غيره قدم.
ومتى اجتمع من تساوت صفاتهم فتشادوا على المتقدم أقرع بينهم إذا كان مطلوبهم حيازة فضل الإمامة لا طلب الرئاسة الدنيوية.

...

فصل (النقص المانع من الإجزاء في الإمامة)

وأما النقص المانع من الإمامة فهو على قسمين: نقص يمنع الإجزاء، ونقص يمنع 3 الكمال.
فأما ما يمنع الإجزاء فهو نوعان: نوع يرجع إلى الخَلْقِ، ونوع يرجع إلى الخُلُقِ.
فأما ما يرجع إلى الخَلق فهو صنفان: صنف يمنع إكمال الفرض، وصنف لفقد الذكورية.
وما يمنع إكمال 4 [الفرض] 5 قسمان: قسم يمنع أحد الأركان كعلة تمنع القيام أو الركوع أو السجود أو جميع ذلك، وقسم يمنع النطق بالقراءة على حقيقتها.12

وأما ما يرجع 1 إلى الخُلُق صنفان: صنف يرجع إلى الاعتقاد، وصنف يرجع إلى الجوارح.
وقد يحصل من هذا خمسة أقسام: أحدها: ما يمنع كمال أحد الأركان أو جميعها.
فإن منع القيام فهل تصح الإمامة أم لا؟ أما إن كان 2 المقتدون به قادرون على القيام فالمشهور من المذهب أن الاقتداء به لا يصح.
وهذا لما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - من قوله: "لا يؤم أحد 3 بعدي جالساً" 4. والشاذ: صحة الاقتداء به.
ويفعل المقتدون به من القيام ما يقدرون عليه.
وهذا لما روي من صلاته - صلى الله عليه وسلم - في مرضه بالناس وهو جالس وهم قيام.
لكن اختلف فيمن كان إماماً هل أبو بكر أو النبي - صلى الله عليه وسلم - كما تقدمت الإشارة إليه.
وإن كان المقتدون به عاجزين كعجزه فقولان: أحدهما: صحة الاقتداء به لتساوي الحالات ولا مخالفة، والثاني: عدم الصحة لقوله: "لا يؤم أحد بعدي جالساً".
وإذا صححنا الإقتداء به فصح 5 بعض المقتدين فما يفعل؟ قولان: قيل يقوم فيتم لنفسه فذا؛ لأنه افتتح الصلاة بوجه 6 جائز، ولا يصح إتمامه مقتدياً.
والثاني: أنهم يتمون معه الصلاة قائمين.
وهذا تعويلًا على صحة الإقتداء به أولاً، ومراعاة 7 لقول من يقول يجوز الاقتداء بالجالس وإن كان المقتدي به قائماً.
ويجري فيه قول ثالث: أنه يقطع الصلاة كالأمة تعتق في الصلاة وليس عليها ما يستر عورة الحرة.
وإن فقد الإمام عضواً من الأعضاء التي يسجد عليها كقطع اليد

فالمشهور من المذهب أن ذلك لا يمنع الإجزاء لأنه يكمل الفروض.
وظاهر رواية ابن وهب أنه يمنع الإجزاء لأنه قال: لا يصلى وراءه، واحتج بالحديث: "أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء" 1، وذكر منها اليدين.
فإن كان لا يقدر على الإيماء واضطجع 2 فلا تصح إمامته بوجه.
والقسم الثاني: ما يمنع النطق بالقراءة على حقيقتها، وهذا إن كان للجهل بها فلا تصح إمامته بوجه.
ومن ائتم به بطلت صلاته لأن القراءة فرض، وهذا ممن لا يمكنه الإتيان بذلك.
وهل يجب عليه في نفسه أن يأتم بمن يحسن القراءة؟ قولان: قيل يجب عليه ذلك إن قدر عليه؛ لأن قراءة الإمام قراءة له فعليه تحصيل الفرض في نفسه، أو تحصيل ما فيه النيابة عن هذا الفرض وهو الاقتداء.
وقيل لا يجب عليه؛ لأنه خوطب بما قدر عليه من الفرض.
وإن كان للكنة في لسانه فالمنصوص صحة الصلاة.
وحكي عن إسماعيل القاضي أنه قال: إذا لم تكن اللكنة في القراءة.
وهذا إن صح فيكون في المسألة قولان: صحة 3 الإقتداء لأن اللكنة لا تغير المعنى [عندهم] 4، وعدم الصحة لأن المطلوب النطق بالحروف، وهو عاجز عن ذلك.
وأما اللّحان في القراءة ففي صحة الصلاة وراءه أربعة أقوال: أحدها: أنها لا تصح تنزيلاً للحسن منزلة التبديل، وكذلك قال أبو الحسن ابن القابسي وأبو محمد ابن أبي زيد فيمن لا يميز الظاء من الضاد.
والثاني: صحتها لأن البدل حركات لا أصل الحروف.
والثالث: التفرقة بين أن يكون لحنه في أم القرآن فلا تصح الصلاة لأنها فرض، وبين أن يكون في غيرها فتصح الصلاة لأنه [سنة] 5. وإن أخرجه اللحن إلى الكلام فهو كالذكر.
والرابع:

الإبطال إن كان اللحن يغير المعنى لأنه حينئذ يصير كالكلام، والصحة إن كان لا يغير المعنى لأنه لم يخرج القرآن عن المعنى.
والقسم الثالث: ما يفقد الذكورية.
ولا تكون المرأة إماماً للرجال عندنا لنقصها، ولأن صوتها عورة، وقياساً على الخلافة فإن الأمة مجتمعة على أنها لا تكون خليفة، وقد قاس الصحابة الخلافة على الإمامة في الصلاة.
وهل تصح إمامتها للنساء 1؟ قولان: المشهور عدم الصحة طرداً للحكم الكلي، وروى ابن أيمن 2 عن مالك أنها تؤم النساء 3. وهذا لأنه عول على أن المنع من كون صوتها عورة، وهو مفقود هاهنا.
وأما الخنثى فإن حكم له بحكم أحد الصنفين عول عليه؛ إما الذكورية وإما الأنوثية.
فإن كان حكم عليه بالذكورية فللمتأخرين في إمامته قولان: المشهور صحتها قياساً على الميراث الذي بذلك الصفة يرث.
والقول الثاني 4 بالمخ للرجال؛ إذ يحتمل أن يكون أنثى.
وإن أشكل الأمر فلا يصح أن يؤم الرجال ولا النساء على المشهور ويؤمهن على الشاذ.
والقسم الرابع: ما يرجع إلى الاعتقاد؛ فإن كان كفراً فلا شك أن إمامة الكافر لا تصح، لكنه 5 إن أم مستتراً بكفره فهل يجعل ذلك علماً على إسلامه؟ فإن تماد يُترك، وإن لم يتماد قتل بعد الاستتابة.
أو لا يجعل علما على إسلامه؟ في ذلك قولان.

وسبب الخلاف اختلافهم هل أنزلت الشريعة الصلاة منزلة الشهادتين لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أُمِرْتُ أن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتى يَشْهَدُوا أن لاَ إِلهَ إِلاَّ الله وَأَن مُحَمدًا رَسُولُ اللهِ وَيُقِيمُوا الصلاَةَ" الحديث 1، فقد ساوى بين الشهادتين والصلاة.
لكن بين الأصوليين خلاف في الواو هل يقتضي الاشتراك 2 في الحكم كما يقتضيه في الإعراب أم لا؟ وإذا حكمنا بإسلامه وتمادى عليه، فهل يعيد من صلى خلفه؟ قولان: الإعادة لأنه يمكن أن يبتدئ الإيمان في ساعته بعد أن يصلي عبثاً 3، وترك الإعادة لأن الصلاة علم على الإيمان كالشهادتين وقد أقر بأنه مسلم.
وإن كان بدعة، فقد اختلف الأصوليون في معتقد البدعة كالخوارج والمعتزلة؛ فللقاضي 4 في تكفيرهم قولان.
وكذلك اختلف قول الفقهاء؛ فعن مالك في ذلك روايتان، ومثلهما عن الشافعي.
وقال أبو إسحاق التونسي وغيره من متأخري أهل المذهب: سبب الخلاف هل يكفرون بما آل القول إليه أم لا؟ ومعنى ذلك: أن المعتزلة والخوارج متفقون على نفي الصفات المعنوية في حق الباري؛ فينكرون كون الباري سبحانه عالماً بعلم وقادراً بقدرة إلى غير ذلك من الصفات.
إلا أنهم لا ينكرون أنه عالم ولا قادر ولا حي ولا مريد.
فمن رأى إنكارهم أن يكون عالماً يؤدي إلى نفي العلم عنه جملة، [وقوَّلهم] 5 أما يؤدي إليه مبدأ أقوالهم كَفَّرهم.
ومن لم

يقوِّلهم] 1 ما يؤدي إليه مبدأ قولهم، لم يحكم بتكفيرهم وحكم بتفسيقهم 2. وقد سئل أبو المعالي 3 عن هذه المسألة فحكى خلاف الأئمة فيها، ثم قال: وقد نبه الرسول - صلى الله عليه وسلم - على وقوع هذا الخلاف بقوله في الخوارج "يَمْرُقُونَ مِنْ الدَّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهمُ مِنْ الرّمِيَّةِ" 4، وقال في آخر الحديث: "وَتَتَمَارَى في الفُوقِ" 5. وهذه إشارة إلى خلاف الناس في تكفيرهم والمناظرة فيه؛ فلا شك أن من حكم بكفرهم حكم ببطلان الإقتداء بهم، ومن حكم بأنهم غير كفار فلا يحكم ببطلان الصلاة وراءهم كالزنديق.
وفي المذهب في صلاة من اقتدى بهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يعيد أبداً، وهذا على القول بتكفيرهم.
والثاني: أنه يعيد في الوقت، وهذا على القول بعدم كفرهم، لكن يعيد في الوقت لنقصهم بالفسق.
والثالث: أنه لا يعيد في وقت ولا غيره، وهذا بناء على ما بني عليه في القول الثاني، لكن فسقهم لا يسري إلى نقص في الصلاة.

وفي الكتاب: في الإمام القدري أنه لا يصلى خلفه.
قال: ولا الجمعة إن استيقنت ذلك 1، وإن كنت تتقيه وتخافه على نفسك فصلها معه 2 وتعيدها ظهراً أربعاً.
وعقب المسألة قول ابن القاسم: ورأيت مالكاً إذا قيل له في إعادة الصلاة خلف أهل البدع يقف ولم يجب في ذلك 3. وهذا كأنه مناقض للأول لأنه أجاب أولاً بإعادته ظهراً، ووقف بعد ذلك.
وقد قال الأشياخ: إنما أعاد الأولى لأنه دخل على الصلاة تقية 4 فهو كالمصلي بنية الإعادة، فتجب عليه.
والثاني: صلى ولا علم عنده من حال الإمام فدخل على الإجزاء، فلهذا وقف مالك في إعادته لأنه أشكل عنده في تلك الحال الأمر في كفرهم أو فسقهم 5. والقسم الخامس: ما يرجع إلى الجوارح؛ وهو الفاسق بجوارحه، كشارب الخمر وما في معنى ذلك من الكبائر.
وفي صحة الصلاة خلف من هذه حاله قولان: أحدهما: أنها لا تصح الصلاة؛ لأنه إذا ارتكب كبيرة أمكن أن يترك ما يؤتمن عليه من فروض الصلاة كالطهارة والنية.
والثاني: صحة إمامته؛ لأن فسقه غير متعلق بأحكام الصلاة.
وهو خلاف في حال، وإنما ينبغي أن يعتبر حاله؛ فإن كان من أهل التهاون والاستجراء 6 بحيث يمكن 7 أن يترك بعض الفروض كما تقدم فلا تصح إمامته، وإن كان ممن اضطهره هوى غالب 8 إلى ارتكاب كبيرة مع براءته من التهاون والجرأة صحت إمامته، وهذا يعلم بقرينة الحال.

وإمامة السكران في حال سكره ينظر فيها هذا النظر، وفيه زيادة إذ عرقه مختلف فيه هل هو نجس أم لا؟ وهذا إنما يصح في النشو 1. وأما السكران على الحقيقة فهو فاقد للتمييز 2 فلا تصح صلاته في نفسه ولا إمامته.
ولا شك أننا نمنع صحة الصلاة وراء المجنون والصبي والفاقد للتمييز.
وأما الصبي المميز الذي يؤمر بالصلاة؛ ففي جواز إمامته في النوافل قولان: المشهور منعه إلا أن يكون بالغاً؛ لأنه لو قطع النافلة لم يأثم.
والبالغ يأثم بقطعها بعد الدخول فيها.
وكأن هذا التفاتاً إلى ما بعد الدخول.
والإتمام فرض في حق الداخل، فصار المؤتم به كالمفترض وراء المتنفل.
والشاذ جواز إمامته نظراً إلى ما قبل الدخول، وهي نافلة في حقهما.
أما إمامة غير البالغ في الفرائض؛ وهو ممن يؤمر بالصلاة في الفريضة فلا تجوز ابتداء.
فإن وقعت ففي بطلان الصلاة قولان: المشهور بطلانها لسقوط الفرض عن الصبي ووجوبه على البالغ.
وقال أبو مصعب: تصح الصلاة.
واحتج له بما في البخاري عن عمرو بن سلمة 3 أنه كان يؤم قومه وهو دون البلوغ 4. لكنه كان غائباً عن حضرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -. ويمكن أن يكون لم يبلغه ذلك، وإنما يكون حجة لو بلغه فأقره.
وقال أبو الوليد الباجي: ويحتمل هذا القول أن يكون بناء على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل، ويحتمل أن يكون بناء على المشهور لكون 5 الصبي معتقداً للوجوب، فلم يكن اقتداء مفترض بمتنفل.
...

فصل (1) (النقص المانع من الكمال)

وأما النقص المانع من الكمال على المشهور من المذهب فهو 2 أربعة أقسام: عدم الحرية، وقد اختلف في جواز كون العبد إماماً راتباً في غير الجمعة؛ فالمشهور من المذهب كراهية ذلك التفاتاً إلى كونه 3 لا يصلح للخلافة ولا تكمل في حقه الفروض، إذ 4 تسقط عنه الجمعة عندنا والحج.
والشاذ: جوازه، لتساوي حكمه وحكم الأحرار في فرضية الصلاة.
والقسم الثاني: ما يلحق من نقص الأعضاء 5 بالأنوثية كالخصي.
وفي جواز اتخاذه إماماً راتباً قولان: المشهور كراهيته، التفاتاً إلى عدم الكمال في حقه.
والشاذ جوازه، التفاتاً إلى حال الصلاة.
والقسم الثالث: ما يحط المنزلة، ويسرع إلى صاحبه الألسنة كولد الزنا.
وقد اختلف في جواز كونه إماماً راتباً؛ فالمشهور كراهيته، والشاذ جوازه، وهو كالخلاف المتقدم.
وينخرط في هذا السلك كراهية الإتمام بالمأبون 6 والأغلف 7. والقسم الرابع: اختلف في تحديده 8 هل يرجع إلى نقص الفروض أو إلى الجهل بالسنن.
وهو ما كرهه في المدونة 9 من اتخاذ الأعرابي إماماً1

راتباً.
وأبو الوليد الباجي يرى أن العلة في الكراهية كالعلة في كراهة العبد، هو مداومته على ترك بعض الفروض كالجمعة، وإكمال الصلاة (1) لكثرة أسفاره.
وابن حبيب وغيره من أهل المذهب يعللون لجهله بالسنن (2). ولو صح ما قالوه لمنعت إمامته؛ لأنه إذا جهل أحكام الصلاة كان الإتمام به معرضاً للبطلان.
...

فصل (في العبد يكون إماماً راتباً في جمعة)

ولا يجوز اتخاذ العبد إمامًا راتبًا في جمعة بلا خلاف في المذهب، لأنه ليس من أهلها.
فإن حضرها فهل يجوز ابتداء الإتمام به؟ وهل تجزي الصلاة وراءه إن وقعت أو لا تجزي؟ في المذهب ثلاثة أقوال: المشهور أنها لا تجزي.
ووقع لأشهب قولان: أحدهما: إجزاؤها إن وقعت، والثاني: جوازها ابتداء.
فأما عدم الصحة فلأنها ليست فرضاً عليه.
والنية 3 وإن قارنت الافتتاح فلا بدّ من تقدمها عليه.
ولا يصح أن ينوي الوجوب بحقيقته، فيصير العبد مخيراً بين أداء الجمعة بدلا عن الظهر الواجب في حقه وبين أداء الظهر.
والحر تتعين عليه الجمعة من غير تخيير فلا يصح أن يأتم ملتزم بمتخير، وهو من باب اقتداء مفترض بالمتنفل.
وأما الصحة إن وقعت فنظر إلى تعيين الوجوب بالدخول.
وأما الجواز ابتداء فبناء على أن سقوط الفرض في حق العبد لتعلق حق السيد، فإذا حضر موضع الجمعة فلا حق للسيد في منعه من نفس الصلاة فتصير حينئذ واجبة عليه.12

وقد اختلف المذهب هل الجمعة واجبة في الأصل في حق العبد وإنما تسقط لحق السيد، أو هي ساقطة لكن العبد يأتي بها بدلاً عن الظهر.
وهذا على الخلاف بين الأصوليين في تناول الألفاظ الواردة للعبد.
...

فصل (في بيان موقف المأموم من الإمام)

ومقامات المقتدين بالإمام تختلف؛ فإن كنَّ نساء فخلفه (1) أو خلف الرجال إن كان معه رجال، كانت امرأة (2) واحدة أو أكثر.
وأما الرجال فإن انفرد الواحد مع الإمام فمقامه (3) عن يمينه، فإن قام عن يساره أداره عن يمينه، وتكون الإدارة من وراء الإمام، لان كانوا أكثر من واحد قاموا وراءه.
ولا فرق بين البالغ وغيره إذا كان ممن يؤمر بالصلاة ويثبت فيها (4). ...

فصل (متى تجب نية الإمامة؟)

ولا يلزم الإمام عندنا القصد إلى اعتقاد الإمامة إلا في ثلاثة مواضع وهي: الجمعة؛ لأنها لا تجوز إلا بالجماعة، وصلاة الخوف لما يفعله الإمام من الانتظار للطائفة الثانية، ومخالفة الهيئة على ما نبينه في حكم صلاة الخوف، والموضع الثالث أن يكون مأموماً فيستخلف على الائتمام، فهذا يلزمه اعتقاد ما عاد إليه لتبدل حالته.
وأما المأموم فيلزمه اعتقاداً الإقتداء لأنه مكلف بمراعاة فعل الإمام، بخلاف الفذ والإمام فإنهما لا يراعيان غير فعل أنفسهما.1234

باب في إعادة الصلاة في جماعة

مذهب فقهاء الأمصار أن صلاة الجماعة سنة، فتجزي الفرد صلاته بلا خلاف عندهم.
والدليل القاطع على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة الجماعة تفضل صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين 1 درجة أو سبع وعشرين درجة" 2، على ما وقع في الحديث.
فقد ضاعف صلاة الجماعة بالنسبة لصلاة الفذ.
ولو كانت صلاة الفذ غير مجزئة لما صح تضعيف الأجر بالنسبة إليها؛ لأن الباطل كلما نسب إليه وضوعف كان باطلًا مثله لكن ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر من صلى وحده بإعادة الصلاة في جماعة 3، ليكمل ما فاته من الأجر.
وكأن الإنسان أمر بأن يؤدي الصلاة على صفة يحصل له بها أجر صلاة واحدة، أو على صفة يحصل له بها أجر سبعة وعشرين صلاة؛ فإن حصل أجر الواحدة كانت له الإعادة لتحصيل سبعة وعشرين 4. وعلى هذا النظر اختلف في الإعادة بأي نية تكون على أربعة أقوال: قيل: بنية النافلة لأن الفرض قد حصل، ومحال أن يعتقد تحصيله 5 بعد أن

حصل، فيكون كأنه ابتدأ الفرض من نفسه، وذلك ليس إليه.
وقيل: بنية الفرض لأنه إنما يطلب تحصيل أجر فرض مضعف، وذلك لا يحصل بنية النافلة.
وهذان القولان مبنيان على صحة الرفض (1)؛ فمن صححه قال: يعيد بنية الفرض، ومن أبطله قال: يعيد بنية النافلة.
لكن مدار (2) الخلاف ومأخذه ما نبهنا عليه.
والقول الثالث: أنه يفوض الأمر في ذلك إلى الله تعالى ليثبت له منهما ما شاء.
وهذا مذهب المدونة.
والقول الرابع: أنه يعيد بنية إكمال الفرض، قاله أبو الوليد الباجي.
وهو جار على القانون الذي نبهنا عليه في وجه الإعادة.
وفائدة هذا الخلاف لو أعاد ثم ذكر بطلان أحد الصلاتين لكونها عارية عن شرط كالطهارة (3)، أو ركن كركعة، أو جزء منهما تبطل الصلاة بتركه.
فإن قلنا: يعيد بنية النافلة راعينا صحة الصلاة الأولى دون الثانية، وبالعكس إن قلنا يعيد بنية الفرض فتلزمه المحافظة على الصلاة الثانية دون الأولى.
كان قلنا يفوض الأمر إلى الله تعالى فيراعي صحة الصلاتين؛ لأنه لا يدري أيتهما المكتوبة.
ولا شك على ما قاله أبو الوليد أنه إن بطلت الأولى لزمته الإعادة (4)، وإن بطلت الثانية فهو مخير؛ إن شاء اكتفى بالأولى، وإن شاء طالب (5) تكميل الأجر فأعاد.

(الصلوات التي تعاد في الجماعة)

وقد اختلف المذهب هل يعيد كل الصلوات على الإطلاق أو بعض الصلاة دون بعض على قولين: فالمشهور أنه يعيد كل الصلوات إلا المغرب12345

والعشاء إذا أوتر بعدها.
وقال المغيرة 1: يعيد المغرب.
وألزمه الأشياخ إعادة العشاء وإن أوتر.
وكأن المغيرة التفت إلى عموم أمره - صلى الله عليه وسلم - بالإعادة، لكنه عموم خرج على سبب لم تكن الصلاة المأمور بها بالإعادة شبها 2 إلى صلاة المغرب.
وبين الأصوليين خلاف في العموم الوارد على سبب هل يقصر عليه أو يتعدى إلى غيره، وأيضاً فوجه المشهور من حيث 3 القياس أن أحد الصلاتين نافلة فلا بدّ أن [يشفعها] 4. والنافلة لا تكون بثلاث ركعات ولا بركعة واحدة.
على أنه قد اختلف لو أعاد العشاء الآخرة هل يعيد الوتر أم لا؟ وهو خلاف بالإعادة بأية نية تكون وإن قلنا بنية الفرض أعاد الوتر، وإن قلنا بنية النافلة لم يعده.
واختلف أيضاً إذا أعاد المغرب على القول بأنها لا تعاد؛ فقيل: يعيدها ثالثة 5، وهو مذهب ابن وهب.
فبذلك تحصل وتراً.
وقيل: إن كان بالقرب أضاف إليها ركعة وإن تباعد لم يضف إليها شيئاً ولم يعد، وهذا هو المشهور وكأنه يرى أن إعادتها ثالثة تكثير النافلة 6 بثلاث، ومن منع هرب من إعادتها 7. وهذا إذا كان لم يعلم بقبح ما صنع إلا بعد كمال الصلاة؛ فإن علم بذلك 8 وهو مع الإمام فهل يقطع بعد ركعة أو بعد ركعتين، أو يتمادى؟ قولان.
وهما على تغليب أحد المكروهين لأن الإعادة عنده لا تجوز وقطع الصلاة فيه مخالفة للإمام وإبطال العمل.

فصل

وقد قدمنا أن صلاته قد (1) تجزيه.
ولا شك على هذا أن من صلى فذا فلا تلزمه الإعادة في جماعة.
هذا ما لم يلزمه حكم الإمام بأن يدخل المسجد؛ فإن دخله لزمته الإعادة لأنها صلاة مأمور بها في حقه فأشبهت ما لم يصله من الصلوات؛ فإنه إذا أقيمت الصلاة التي لم يصلها حرم عليه الخروج من المسجد.

(حكم من دخل في صلاة النفل وأقيمت الصلاة)

فإن أقيمت الصلاة وهو في المسجد يصلي فذاً، فلا يخلو أن تكون الصلاة التي هو فيها نفلا أو فرضا؛ فإن كانت نفلا، فقال في الكتاب: إن لم يركع وكان ممن يخفف في (2) إتمامها (3) ويدرك الإمام أتمها، وإلا قطعها (4). وإن صلى منها ركعة أضاف إليها أخرى، أو سلم ودخل مع الإمام.
وهذا كله إذا علم أنه يدرك الإمام في الركعة الأولى.

(حكم ذلك إذا كان في صلاة المغرب)

فإن علم أنه لا يدركه قطعها.
وهكذا في كل ما نذكره بعد من التفصيل، إنما يتمادى إذا علم أنه يدرك الإمام في الركعة الأولى.
فإن كان في فرض وهي التي أقيمت عليه فلا يخلو أن يكون المغرب أو غيرها من الصلوات؛ فإن كانت المغرب فلا شك- على قول المغيرة- أنها كغيرها.
وأما على المشهور فإنه إن لم يركع قطع، وإن ركع فقولان: المشهور أنه يقطع.
والشاذ: أنه يضيف إليها ركعة أخرى.
وهذا لتقابل1234

فصول الكتاب · 12 فصل · 967 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العبادات · 967 صفحة
المقدمة
كتاب التنبيه على مبادئ التوجيه،
كتاب الجامع
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الصلاة الأول
(ما يقول المصلي عند الرفع من الركوع)باب في حكم من جاء والإمام راكعباب في أحكام الركوع والسجود والجلوس.فصل (في هيئة الجلوس)باب في أحكام الناعس والغافل والزاحم(حكم الزاحم)باب في صفة أداء الصلاةفصل (حكم السجود على كور العمامة)فصل (في حكم من اعتمد على حائط أو عصا)باب في أحكام المريضفصل (في المريض يصلي حسب ما تيسر له)(كيف يستلقي المريض في صلاته)(صفة جلوس المريض)فصل (إذا تعذر عليه السجود)فصلباب في الصلاة على الدابةفصل (هل تقاس السفينة على الدابة)(جواز التنفل جلوساً)(الخلاف في التنفل للمضطجع)باب صلاة الإمام أرفع مما عليه أصحابهفصل (حكم الصلاة بالمسمع)باب في أحكام الإمامة(من الأحق بالإمامة)فصل (النقص المانع من الإجزاء في الإمامة)فصل (1) (النقص المانع من الكمال)فصل (في العبد يكون إماماً راتباً في جمعة)فصل (في بيان موقف المأموم من الإمام)فصل (متى تجب نية الإمامة؟)باب في إعادة الصلاة في جماعة(الصلوات التي تعاد في الجماعة)فصل(حكم من دخل في صلاة النفل وأقيمت الصلاة)(حكم ذلك إذا كان في صلاة المغرب)
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الجنائز
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة
كتاب الزكاة الثاني
جارٍ التحميل