التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العباداتصفحات 373-412
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(تعريف الصلاة)

وهي في اللغة عبارة عن الدعاء، وفي الشريعة عبارة عن دعاء على صفة 1 مخصوصة 2. ولهذا قال بعض أصحابنا: إن معنى لفظ الصلاة في الشرع كمعناه في اللغة.
لكن تصرفت الشريعة فيه بالاستعارة والتخصيص، وهو تصرف لغوي.
فسمت الدعاء ساجداً أو جالساً 3 صلاة، وسمت القيام والركوع وسائر الأركان صلاة لما كان المقصود منها الطلب والسؤال كالمقصود من الدعاء.
وقيل: سميت صلاة أخذا من الصَّلَوَيْن وهما عظمان 4 ينحنيان عند الركوع.
وقيل: سميت صلاة أخذاً من المصلي في الخيل، وهو ثاني 5 السابق، وكذلك الصلاة في الشريعة ثانية الشهادتين بالأْلوهية [والرسالة] 6.

(أصناف الصلاة)

والصلاة تنقسم إلى فروض وغير فروض.
والفروض قسمان: فروض أعيان وفروض كفاية؛ ففروض الأعيان الخمسة الواجبة في اليوم والليلة.
واختلف في عد صلاة الجمعة صلاة سادسة لأنها قائمة بنفسها أو ردّها إلى الخمس؛ لأنها ظهر مقصور.
وسيأتي بيان ذلك، ونذكر فائدة هذا الخلاف إن شاء الله.
وأما فرض الكفاية فصلاة الجنازة.
وغير الفروض ثلاثة أصناف: سنن، وفضائل، ونوافل.
فالسنن خمس وهي الوتر، وركعتا الفجر، وصلاة العيدين، وصلاة كسوف (1) الشمس، وصلاة الاستسقاء.
ولا خلاف في عدّ أربعة من هذه [سنة] (2). وأما ركعتي الفجر ففيهما قولان: أحدهما: إلحاقهما بالسنن، والثاني: عدّهما فضيلة.
وقد قدمنا سبب ذلك في أول كتاب الطهارة.
والفضائل خمسة وهي: صلاة قيام رمضان، وركوع الضحى، وتحية المسجد، وصلاة خسوف القمر، وسجود القرآن.
وفي السجود قولان: أحدهما: عدّه فضيلة كما ذكرنا.
والثاني: عدّه سنة، وسيأتي في أول كتاب الصلاة الثاني إن شاء الله تعالى.
فما عدا هذا نافلة إلا ركعتي الإحرام (3) بالحج، وركعتي الطواف فإنهما يلحقان بالسنن.

(شروط الصلاة)

وفروض الأعيان تجب بالعقل والبلوغ والإسلام ودخول الوقت.
واشتراطنا البلوغ بعد ذكر العقل يجري على خلاف الأصوليين هل يوصف123

غير البالغ بالعقل أم لا؟ فإن قلنا إنه موصوف (1) بذلك فيشترط البلوغ.
وإن قلنا: إنه غير موصوف بذلك فيكتفى باشتراط العقل.
وأما اشتراط الإسلام فيجري على الخلاف في الكفار هل هم مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟ وإن قلنا: إنهم مخاطبون فلا يشترط الإسلام، وإن قلنا: إنهم غير مخاطبين فيشترط.
وأما الأوقات فلا يتوجه الخطاب قبل دخولها بالإجماع.
...

فصل (حكم تارك الصلاة)

ومن ترك الصلاة فإن كان ذلك جحوداً فهو كافر بإجماع يحكم فيه بحكم المرتد.
وإن أقر وامتنع من الصلاة ففي المذهب قولان: المشهور أنه لا يعدّ كافراً لأنه لا يكفر بالذنوب.
وعدّه ابن حبيب كافراً 2. وهذا لظواهر وردت بمقتضى تكفيره وجميعها لا يعوز 3 تأويلها والعمدة الملجئة 4 إلى التأويل قوله تعالى: (﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ 5. وإذا لم نحكم بتكفيره فإنا نأمره بالصلاة في الوقت.
فإن لم يصل حتى خيف فوات الوقت قتل، لكنا نقتله حداً لا كفراً.
وما هو الوقت؟ في المذهب ثلاثة أقوال: المشهور المعروف في المذهب أن يبقى للصلاة مقدار من ركعة من الوقت الضروري، ومثاله: أن يبقى للظهر والعصر مقدار خمس ركعات في حق الحاضر، أو ثلاث في1

حق المسافر قبل غروب الشمس.
وحكى ابن خويز منداد (1) عن المذهب قولين آخرين: أحدهما: أن يبقى من الوقت الضروري مقدار الصلاة بجملتها، والثاني: أن يخاف فوات وقت الاختيار.
وهذا بعيد عن الأصول جداً؛ لأن التأخير عن ذلك لا يحرم فكيف نريق دماً محقونا بارتكاب مكروه.
...

باب في أحكام الأوقات

(أوقات الصلاة من القرآن)

وقد أجملها الله سبحانه في كتابه وبينها على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - وأجمل تعالى ذكر الأوقات في ثلاثة مواضع؛ منها قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ 2، فقيل المراد به صلاة المغرب والعشاء 3، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ 4 المراد به صلاة الصبح ﴿وَعَشِيًّا﴾ 5 المراد به صلاة العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ المراد به صلاة الظهر.
ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ 6، فقيل: تناولت 7 صلاة الصبح وهي طرف وصلاة المغرب1

وهي طرف لأنها تؤدى عند الطرف.
وصلاة العشاء وهي المراد بالزلف من الليل، وقيل: الطرف الثاني الظهر والعصر.
فتتناول على هذا أربع صلوات.
وقيل الزلف من الليل يتناول المغرب والعشاء فتتناول الآية على هذا خمس صلوات.
وقال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ (1) (2)، فقيل المراد بالدلوك الظهر والعصر والمراد بغسق الليل العشاء الآخرة، وقيل: المراد به المغرب، وقرآن الفجر المراد به صلاة الصبح.
وهذا الخلاف على خلاف بين الأصوليين في الأوامر هل تتعلق بوقت الكراهة عند إطلاقه أم لا؟

(أوقات الصلاة من السنة)

فهذا ما يتعلق بالأوقات من القرآن.
وأما ما يتعلق بذلك من السنَّة فيخرج عن الحصر، لكن تلقت الأمة بالقبول الحديث المروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى به جبريل عليه السلام عند البيت يومين، فبيّن في اليوم الأول أوائل الأوقات، وفي اليوم الثاني أواخرها إلا المغرب فإنه صلاها في اليومين في وقت واحد وذلك عند مغيب الشمس 3. وكذلك بيَّن 4 - صلى الله عليه وسلم - للسائل فصلى12

في اليوم الأول في أول الوقت وفي الثاني في آخره (1).

(تفصيل أحكام الأوقات)

ولنرجع إلى تفصيل أحكام الأوقات فنقول هي على قسمين: وقت أداء ووقت قضاء؛ فوقت الأداء على قسمين: وقت اختيار ووقت اضطرار؛ فوقت الاختيار على أربعة أقسام: وقت فضيلة، ووقت إباحة، ووقت رخصة، ووقت سنة.

(وقت القضاء)

فأما وقت القضاء فهو بعد مضي الاختياري والضروري.
وذلك في الظهر والعصر بعد مغيب الشمس (2). وفي المغرب والعشاء بعد طلوع الفجر.
وفي الصبح بعد طلوع الشمس.

(الوقت الضروري)

وأما الوقت الضروري فهو في الظهر بعد مضي القامة الأولى في قول، وبعد مضيها ومضي مقدار أربع ركعات في قول ثان.
وهو في العصر بعد مضي القامة الثانية في قول، وبعد اصفرار الشمس في قول ثان.
وهو في المغرب بعد إكمال 3 أدائها في قول، وبعد مغيب الشفق في قول.
وهو12

في العشاء الآخرة بعد مضي ثلث الليل في قول، ونصفه في قول.
وهو في الصبح بعد الإسفار (1) في قول، وفي قول لا وقت ضرورة (2) لها.

(وقت الرخصة)

وأما وقت الرخصة فهو وقت الجمع للمسافر وللمريض والأئمة في المساجد ليلة المطر.

(وقت السنة)

وأما وقت السنَّة فهو عند الزوال في حق الحاج بعرفة، فإنه يجمع حينئذ بين الظهر والعصر [وبعد مغيب الشفق بمزدلفة فإنه يجمع حينئذ بين المغرب والعشاء] (3). ولكل واحد من هذه الأوقات موضع من الكتاب يأتي بيانه فيه إن شاء الله تعالى.
...

فصل

(أوقات الاختيار والفضيلة)

(الوقت الاختياري لصلاة الظهر)

ولنبين وقت الاختيار ووقت الفضيلة منه.
ولنبدأ بالظهر كما بدأ بها جبريل عليه السلام في صلاته بالنبي عليه السلام، ولهذا سميت الأولى.
وأول وقتها زوال الشمس والزوال يعرف بأن يقيم الإنسان قائماً 4، فإنه يكون ظله أول النهار مستطيلاً في جهة المغرب 5 ثم لا يزال ينقص123

وينقبض (1) إلى أن يقف في جهة (2) دبر القبلة، مائلاً إلى المشرق وقوفاً تدركه الأبصار (3) فإذا وقف على مقدار لا ينقص (4) بعده كان ذلك وسط النهار واستوت الشمس في كبد السماء، فإذا زاد على مكان وقوفه زيادة تظهر للبصر (5) فحينئذ كان الزوال ودخل وقت الظهر.
وفيه صلى جبريل عليه السلام بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في اليوم الأول.
ثم لا يزال الظل يستطيل إلى جهة المشرق فيقاس من الموضع الذي وقف عليه فإذا كانت الزيادة على مقدار القائم فحينئذ خرج (6) وقت الظهر المختار ودخل وقت العصر.

(الوقت الاختياري لصلاة العصر)

فإذا صارت الزيادة مثلي القائم فهاهنا قولان: أحدهما: أن ذلك آخر وقت العصر المختار (7). والثاني: أن آخر وقتها ما لم تصفر الشمس على الجدران والأراضي.

(الوقت الاختياري لصلاة المغرب)

ووقت المغرب إذ غاب قرص 8 الشمس في موضع لا جبال فيه.
وأما موضع تغرب فيه خلف جبال فينظر إلى جهة المشرق؛ فإذا طلعت الظلمة كان دليلاً على مغيب الشمس.
ثم اختلف المذهب هل يمتد وقتها كامتداد أوقات الصلوات أم ليس لها إلا وقت واحد؟ فإذا قلنا بامتداده فإنه يمتد إلى مغيب الشفق.1234567

وما الشفق؟ المشهور المعروف من المذهب أن الشفق الذي يدخل لغروبه وقت العشاء الآخرة هو الحمرة.
وعند ابن شعبان عن مالك أن أكثر جوابه في الشفق أنه الحمرة.
وعنه أيضاً في سماع ابن القاسم أنه أرجو أن تكون الحمرة والبياض الذي (1) لا شك فيه.
وأخذ أبو الحسن اللخمي من هذا قولاً ثانياً أن الشفق هو البياض (2) كما يقوله أبو حنيفة.
ويحتمل أن يكون كما قال، ويحتمل أيضاً أن يريد ابن شعبان عن مالك أن أكثر جوابه على التصميم من غير مراعاة الخلاف، ولا تردد أنه الحمرة.
وقد يراعي الخلاف ويتردد كما في سماع ابن القاسم.
واختلف في آخر وقت العشاء؛ فقيل إذا ذهب ثلث الليلِ الأولُ، وقيل إذا ذهب نصفه.

(الوقت الاختياري لصلاة الصبح)

ووقت الصبح إذا طلع الفجر الثاني وهو الفجر الصادق- والأول وهو 3 ذنب السرحان- وإنما سمي بذلك لأنه يظهر 4 مستطيلا تأنس الأبصار به ثم يظهر أنه قد غاب، وليس كذلك؛ بل هو أول ما يطلع من نور الشمس إذا قرب دنوها 5 من الأفق ثم إذا زاد الدنو كثر الضوء واستطال في الأفق، فسمي هذا المستطيل الفجر الصادق، وبه 6 يتعلق حكم الإمساك عن الطعام 7 وحكم الصلاة.
والأول لا يتعلق عليه حكم.
واختلف في آخر وقت الصبح؛ فقيل الإسفار الأعلى وهو قبل طلوع الشمس.
وقيل آخر وقتها طلوعها 8.12

واختلف أيضاً في الظهر هل يشارك العصر بمقدار أربع ركعات من القامة الثانية أولاً يشاركها؟ ففي المذهب في ذلك قولان.
كذلك اختلف في مشاركة المغرب للعشاء الآخرة في مقدار ثلاث ركعات بعد 1 مغيب الشفق.
وهذا على القول بأن وقتها ممتد.
فيتحصل من هذا أن أول الأوقات لا خلاف فيه إلا ما زاد 2 أبو الحسن اللخمي في العشاء الآخرة.
ولا خلاف أيضاً أن أوقاتها 3 المختارة ممتدة إلا المغرب، ففي امتدادها 4 قولان.
وآخر أوقات الصلاة كلها فيه قولان.
وسبب الخلاف اختلاف في آثار واعتبار؛ وأما الآثار فمنها صلاة جبريل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقتضي أن الظهر تشارك العصر لأنه قال: "وصلى بي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله كوقت 5 العصر بالأمس" 6. ويقتضي أن آخر وقت العصر آخر القامة الثانية؛ لأنه قال: "فصلى بي العصر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه".
ويقتضي أن المغرب لا يمتد وقتها؛ لأنه صلى به المغرب في اليومين حين غابت الشمس.
ويقتضي أن آخر وقت العشاء ثلث الليل؛ لأنه حينئذ صلى به في اليوم الثاني.
ويقتضي أن آخر وقت صلاة الصبح الإسفار؛ لأنه صلى به في اليوم الثاني حين أسفر.
ومنها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص 7. وهو يقتضي عدم الاشتراك بين الظهر والعصر لأنه قال في وقت الظهر ما لم

يحضر وقت العصر، وقال في العصر ما لم تصفر الشمس.
ويقتضي امتداد وقت المغرب لأنه قال في وقتها ما لم يسقط نور الشفق.
ويقتضي امتداد وقت العشاء الآخرة إلى نصف الليل لأنه بذلك حدّه.
ويقتضي امتداد وقت الصبح إلى طلوع الشمس لأنه بذلك حدّه أيضاً.
وأما الخلاف في الشفق ما هو؟ فإن الشفق ينطلق على الحمرة والبياض.
وقد ورد في الشريعة تعليق صلاة العشاء الآخرة بمغيب الشفق.
وبين الأصوليين خلاف؛ هل يؤخذ بأوائل الأسماء فيحمل الأمر هاهنا على الحمرة، أو بآخرها فيحمل على البياض؟ وأما الاعتبار فمن ينفي الاشتراك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء يقيس على نفيه ماعدا ذلك من الصلوات، ومن يثبته فلما ثبت من الجمع بين هذه الصلوات بعرفة والمزدلفة وفي الأعذار كالسفر والمرض.
ولولا إشراك الأوقات لم يجمع بينهما كما لم يجمع بين الصبح والظهر و [لا] (1) العصر والمغرب و [لا] (2) العشاء والصبح.

...

فصل (وقت الفضيلة لكل صلاة)

وأما وقت 3 الفضيلة [فهو] 4 في الظهر بعد مضي ربع القامة هذا في حق الجماعة؛ لأن هذه الصلاة تدرك الناس في القائلة والاشتغال.
فكان تأخيرها من المصلحة ليتأهب الناس لها ويدرك جماعتها الجمهور.
وأما الفذ ففي وقت الفضيلة 5 له قولان: أحدهما: كالجماعة، طرداً12

لهذه القاعدة الكلية.
والثاني: أنه يختص بأول الوقت، لفقدان العلة في التأخير.
والمبادرة إلى أداء العبادات أفضل لقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (1)، وقوله - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل عن أفضل الأعمال فقال: "الصلاة لِأَوَّلِ وَقْتِهَا" (2). وهو في العصر بعد تحقيق دخول الوقت.
ولا خلاف فيه في المذهب (3) ويستوي في ذلك الفذ والجماعة؛ لأن هذه الصلاة تأتي على الناس وهم متأهبون لها.
وهو في المغرب عند سقوط الشمس ومغيبها عن الأبصار.
ولا خلاف بين أهل السنَّة في ذلك.
واختلف في وقت الفضيلة في العشاء الآخرة؛ فقيل هو أول الوقت لما ذكرناه من الظواهر.
وقيل آخره لما ورد (4) عنه - صلى الله عليه وسلم - لقوله: "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَرْتُ [صَلاَةَ الْعِشَاءِ] (5) إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ" الحديث (6).

(معنى الإسفار بالفجر)

وهو في الصبح أول الوقت إذا تحقق دخوله ولم توجد ريبة.
ولا شك في الامتناع من الأداء مع وجود الريبة.
وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنهُ123456

أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ" (1). وإنما أراد الإسفار بمعنى الكشف والوضوح.
ومنه أسفرت المرأة أي أبدت عن وجهها (2) وكشفت عنه النقاب.
وهي صلاة يؤذن لها قبل وقتها ليأتي أول الوقت والناس متأهبون لها.
وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يصليها فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس (3).

...

فصل (معنى الإبراد بالظهر)

وإذا اشتد الحر [كان] 4 الأولى الإبراد بالظهر؛ وهو أن يُؤَخَّرَ 5 ربع القامة.
وهل ينتهي تأخيرها بذلك 6 إلى آخر الوقت أو إلى وسطه، في المذهب قولان.
وهما خلاف في حال؛ فمن البلاد ما يُفتقر فيه إلى التأخير لآخر وقتها لشدة حرها، ومنها ما لا يفتقر فيه إلى ذلك، فكذلك اختلف في الإبراد بالعصر وهو خلاف في حال 7 أيضاً على حسب شدة 8 الحر وخفته.
...123

باب في أحكام الأذان

(سبب ثبوت الأذان)

ولنقدم مقدمة في سبب ثبوته ثم نعقد أركانه؛ أما المقدمة فإن المسلمين لما كثروا وافتقروا إلى علم [على 1 أوقات الصلاة والدعاء إليها وتشاوروا فذكروا النار والناقوس، فذكروا مشابهة النصارى والمجوس، فافترقوا عن غير رأي مبرم.
فرأى عبد الله بن زيد وهو بين المستيقظ والنائم كأن ملكاً نزل من السماء وفي يده ناقوس فقال عبد الله: تبعني 2 هذا.
فقال الملك: وما تصنعون به؟ فقال نجعله علماً على أوقات الصلاة.
فقال ألا تؤذنون؟ فقال: ما صفة الأذان؟ ثم أذن واستأخر قليلاً فأقام.
فأتى عبد الله بن زيد النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره، فأمره أن يلقيه على بلال لأنه أندى 3 صوتاً.
قال عبد الله: فاستأذنته أن أؤذن مرة واحدة، فأذنت بإذنه فجاء 4 عمر يجر رداءه فأخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه رأى كتلك 5 الرؤيا، ثم تتابع بضعة عشر من الصحابة يخبرونه بذلك 6، فاستمر الأذان في الشريعة.
وهذا وإن

كان أصله رؤيا فإن إثبات الرسول - صلى الله عليه وسلم - له إما لأنه أوحي إليه بصحته، أو لأن اجتهاده أداه إلى ذلك (1) على خلاف الأصوليين هل له أن يحكم باجتهاده أم لا؟

(حكم الإقامة والأذان)

ولا خلاف في المذهب أن الإقامة سنة في حق الرجال، وأما الأذان فهل هو من السنن أو من فروض الكفاية؟ ووقع لمالك في الموطأ فإنما يجب الأذان في مساجد الجماعة، فحمله أبو محمد بن أبي زيد وغيره من المتأخرين من أهل المذهب على ظاهره في الوجوب.
وتأوله القاضي أبو محمد عبد الوهاب على أن مراده وجوب السنن لا وجوب الفرائض.
قال أبو الوليد الباجي: الأولى حمله على ظاهره.
ويجب الأذان على وجهين 2: أحدهما: [في مساجد الجماعات] 3 لأنه شعار الإسلام، ويجب إظهار الشعار.
وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يستمع فإن سمع أذانًا 4 أمسك وإلا أغار 5. والوجه الثاني: أنه عَلَمٌ على الأوقات في1 = حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ حَىَّ عَلَى الْفَلاَح حَىَّ عَلَى الفَلاَح الله أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ لاَ إِلهَ إلاَّ الله قالَ: ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ قَالَ: وَتَقُولُ إِذَا أقَمْتَ الصَّلاَةَ اللهُ أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ أشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ الله أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ حَىَّ عَلَى الْفَلاَح قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتْ الصَّلاَةُ اللهُ أكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ لاَ إِلهَ إلا اللهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأيْتُ فَقَالَ: "إنّهَا لَرُؤيَا حَقّ إِن شَاءَ اللهُ فَقُمْ مَعَ بِلاَلٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيتَ فَليُؤَذِّنْ بِهِ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ" فَقُمْتُ مَعَ بِلَالِ فَجَعَلْتُ أُلقِيهِ عَلَيْهِ وُيؤَذِّنُ بِهِ، قَالَ: فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ وَيَقُولُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقَّ يَا رَسُولَ الله لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ مَا رَأى فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "فَلِلَّهِ الْحَمْدُ".

مساجد الجماعات.
ولا يجوز (1) إهمال الأوقات ولو تمادى أهل بلد على إهمالها لقوتلوا (2) عليها (3).

(أركان الأذان)

فإذا تقررت هذه المقدمة قلنا بعدها أحكامُ الأذان تنحصر في أربعة أركان: أحدها: صفته.
والثاني: وقته.
والثالث: من يؤمر به.
والرابع: في صفة المؤذن.
فأما صفة الأذان فهي معلومة.
لكن اختلف 4 في ثلاث مسائل: أحدها: هل يبتدئ بالتكبير بصوت مرتفع ثم يخفض الصوت يسيراً في التشهدين 5، أو يبتدئ مخفض الصوت؟ للمتأخرين في ذلك قولان.
وسبب الخلاف الاعتماد على النقل.
والصحيح الابتداء برفع الصوت وهو مقتضى النقل.
لأن سبب الخفض في الشهادتين أن أبا محذورة كان في جاهليته كثير الأذى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي بعض الروايات أنه كان في الجاهلية إذا سمع الأذان يستهزئ به.
فلما أسلم أمره - صلى الله عليه وسلم - بالأذان فخفض صوته بالشهادتين 6 حياء من قومه وما كانوا يعلمون منه في الوحدانية 7 والرسالة من الطعن قبل الإسلام 8. فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يعود إلى الشهادتين رافعا صوته فعاد فرفع، فشرع ذلك في الأذان.
وهذا يقتضي أنه كان الأذان في بدئه يُرفع الصوت به بالابتداء.
وهذا لا يُنكِر أيضاً في الجاهلية 9123

قول (1) "الله أكبر" وإنما يُنكر الوحدانية [والرسالة] (2). المسألة الثانية: هل يثني قوله في أذان الصبح "الصلاة خير من النوم" قياساً على سائر ألفاظ الأذان، أو يفرده قياساً على قوله:"قد قامت الصلاة" لأنه تنبيه على معنى زائد على ألفاظ الأذان فأشبه الإخبار بقيام الصلاة؟ والمشهور تثنيته، ولابن وهب إفراده.
والمسألة الثالثه: هل يفرد قوله "قد قامت الصلاة" -وهو المشهور- أو يثني ذلك -وهو رواية المصريين عن مالك رحمه الله؟ وسبب الخلاف ما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه "أَمَرَ بِلَالاً أَنْ يَشْفَعَ الأذان وَيُوتِرَ الإِقَامَة" (3). وفي بعض الطرق ويوتر الإقامة.
وبين الأصوليين خلاف في زيادة الراوي العدل هل تقبل أم لا؟ ولو أراد أن يؤذن فأخطأ فأقام فإنه يعيد.
وإن أراد الإقامة فأخطأ فأذن؛ في المذهب قولان: أحدهما: أنه يعيد قياساً على الأول، والثاني: أنه لا يعيد.
وهذا مراعاة لقول من يقول أن الإقامة مثناة.

...

فصل [وقت الأذان]

وأما 4 وقت الأذان فإنه عند دخول وقت 5 الصلاة.
ولا يؤذن لصلاة قبل وقتها إلا الصبح.
فعندنا يؤذن لها قبل وقتها لقوله - صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ بِلَالاً يُنَادِي123

بِلَيْلِ فَكُلُوا وَاشرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ (1) ابْنُ أُمْ مَكتُومِ" (2). ومتى يجوز الأذان لها؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدهما: إنما يؤذن لها في سدس الليل الآخر لأن المقصود التأهب لها، وذلك يحصل في هذا الوقت.
والثاني: أن يؤذن لها بعد خروج الوقت (3) المختار للعشاء الآخرة.
والقول الثالث: أنه يؤذن لها بعد صلاة العشاء الآخرة، وإن صليت في أول وقتها.
والصحيح هو الأول، ولا يحصل الغرض من التأهب على هذين القولين.
ولعلهما يتعلقان بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إِن بلاَلاً يُنَادِي بِلَيلٍ" ولم يعين، فكان الليل جميعه محلاً للأذان إلا أن تكون العشاء لم تصل فيمتنع لئلا يختلط أذان الصبح مع أذان العشاء، وهذا رأي الوقار (4). وألا يكون (5) وقت العشاء لم يخرج، إذ لا ينادى للصلاة في (6) وقت غيرها، وهذا رأي ابن حبيب (7).

...

فصل (من يؤمر بالأذان)

وأما من يؤمر بالأذان فكل من يؤمر بالدعاء إلى الصلاة.
وذلك يختص بالأئمة حيث كانوا، أو بمساجد الجماعة.
وأما الفذ والجماعة1234567

المجتمعون بموضع ولا يريدون دعاء غيرهم إلى الصلاة فوقع في المذهب لفظان: أحدهما: أنهم إن أذنوا فحسن.
والثاني: أنهم لا يؤذنون.
فأراد (1) أبو الحسن اللخمي أن يجعل المذهب على قولين، (2) وليس كذلك.
بل لا يؤمرون بالأذان كما يؤمر به الأئمة وفي مساجد الجماعات.
فإن أذنوا فهو ذكر، والذكر لا ينهى عنه من أراده، لا سيما إذا كان (3) من جنس المشروع.

(استحباب الأذان للمسافر)

واستحب متأخرو أهل المذهب الأذان للمسافر وإن كان فذاً، لما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر أبا سعيد الخدري بالأذان إذا كان في غنمه أو باديته 4. ولما قاله سعيد بن المسيب 5 من أنه إذا أذن وأقام صلى خلفه أمثال الجبال من الملائكة 6. وهذا لا يمكن أن يقوله إلا على توقيف لأن القياس لا يتسلط على مثل هذا.
وإذا صح ذلك صار الأذان في حق هذا دعاء إلى الجماعة وهم الملائكة.
...123

فصل (يقام للفوائت ولا يؤذن لها)

ولا يؤذن عندنا للفوائت لأن الجماعة غير مشروعة فيها، ولأن الأذان يزيدها فواتا.
ولا يؤذن إلا للفرائض الوقتية.
وأما الإقامة فإنها مشروعة لكل مصل صلاة فرض وقتية 1 أو فائتة، لكن حكمها في الجماعة آكد منها في الانفراد، وحكمها على الرجال آكد منه على النساء.
وفي الكتاب في المرأة إن أقامت فحسن 2. والفرق بين الأذان والإقامة أن الأذان إعلام بحضور وقت الصلاة، والإقامة إعلام للنفس للتأهب للصلاة.
فلهذا اختص الأذان بما ذكرناه وشرعت الإقامة للجميع.
وإذا جمع الإمام الصلاتين فهل يؤذن لكل واحدة منهما؟ في المذهب في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: الأذان والإقامة لكل واحدة 3. والثاني: أن يكتفي بالأذان الأول والإقامة لكل صلاة.
والثالث: أنه يستغني عن الأذان وتكفيه الإقامة.
وسببه اختلاف 4 الأحاديث في جمعه - صلى الله عليه وسلم - بعرفة، هل كان بأذانين وإقامتين؟ أو بأذان وإقامة؟ 5 [أو بإقامتين] 6. وروى ابن عمر 7 عنه أنه كان بإقامة واحدة للصلاتين جميعاً وبه أخذ 8.

...

فصل (صفة المؤذن)

وأما صفة المؤذن فالمقتدى به في الأوقات يجب أن يكون ذا دين (1)، عارفاً بالأوقات.
ومن كماله أن يكون بالغ (2) الصوت، حسنه؛ لأن الأذان لغة وشرعاً للإعلام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (3)، أي أعلمهم.
وإذا كان المقصود الإعلام فالبالغ (4) بالصوت أكمل في ذلك، والنفوس مجبولة على الميل إلى حسن الصوت.
فلذلك قلنا من كماله أن يكون حسناً.

(أمور ينبغي للمؤذن مراعاتها)

ويستحب للمؤذن أن يستقبل القبلة عند التكبير والتشهد 5. وأما دورانه ووضع أصبعيه في أذنيه فإن قصد بذلك المبالغة في الإبلاغ 6 فهو مشروع.
ويكره التطريب المخرج عن باب الأذان إلى باب الأغاني.
ولا يتكلم في أذانه إلا أن يضطر إلى الكلام بأن يخاف هلاكاً على نفسه 7 أو على غيره أو على ماله.
فإن تكلم بنى إلا أن يطول الكلام 8 طولاً يخرج الأذان عن بابه.
وهل يرد السلام إشارة؟ قولان: المشهور أنه لا يرده.
والشاذ أنه يرده كالمصلي.
والفرق بينه وبين المصلي على المشهور أن المصلي ممنوع من الكلام فجاز له الانتقال إلى الإشارة، والمؤذن غير ممنوع كالمصلي، فلا1234

يجوز ابتداء السلام عليه لأنه بين أن يترك الرد فيأثم أو يتكلم رداً فيفسد (1) نظم الأذان، فإذا تعدى المسلم فسلم عليه قوبل على عدوانه بترك الرد عليه.
ولا يؤذن جالساً لأن المقصود الإبلاغ، وهو غير كامل من الجالس.
ويؤذن راكبًا.
ولا يقيم إلا نازلاً لئلا يفرق بين الإقامة والصلاة بالنزول، إلا أن يكون ممن يصلي على الراحلة للضرورة فيقيم على راحلته.
وهل يجوز أذان الجنب والصبي؟ في المذهب قولان: الكراهية، والجواز؛ فأما الكراهية فلأن المؤذن داع إلى صلاة وهذان ليسا ممن يستحق الدعاء إليها.
والجواز لأنه ذكر وهذان من أهله.
وأعداد المؤذنين بحسب سعة الوقت وضيقه.
ولهذا نأمر في المغرب بأن يجتمع جميعهم في أذان واحد.

(هل يجوز أخذ الإجارة على الأذان)

وهل يجوز أخذ الإجارة على الأذان؟ في المذهب قولان: المشهور جوازه، والشاذ كراهيته؛ فالجواز لما يتكلف من مراعاة الأوقات، والكراهية لأنه ذكر.
وكذلك أمره - صلى الله عليه وسلم - بأن يتخذ مؤذناً لا يتخذ 2 على أذانه الأجرة 3. ولا تجوز الإجارة على صلاة الفرض على المشهور من المذهب.1

لكن تجوز الإجارة على الأذان والصلاة جميعاً فتكون الصلاة بالأجرة على حكم التبع.
واختلف المتأخرون لو طرأ عليه ما يمنعه الإمامة هل يسقط نصيبها من الأجرة أو لا يسقط؟ وهو على الخلاف في الأتباع هل لها قسط من الثمن أم لا؟

فصل (في حكاية الأذان)

ويؤمر سامع الأذان بحكايته، لكن اختلف في منتهى ما يحكي السامع؛ فالمشهور أنه إلى آخر التشهدين 1. وهل يكرر التشهدين لتكرار المؤذن، أو يكرر إذا تكرر الأذان؟ في ذلك قولان: [أحدهما: التَّكرار في جميع ألفاظه، وبه تحصل الحكاية كما 2 يفعل المؤذنون، والقول الثاني: أنه يكفيه حكايته إلى التشهدين.
وكذلك الخلاف في المذهب أيضاً هل يحكي جماعة من المؤذنين أو يكفيه واحد؟ فيه قولان في المذهب.
ينشأ 3 على مسألة أصولية وهي أن الألف واللام هل للجنس أو للعهد؟ في ذلك قولان] 4، وقد مر عليه الكلام في سؤر الكلاب.
والشاذ أنه يحكيه إلى آخر الأذان لما روى عمر عن النبي 5 من وصفه لما يحكيه السامع إلى أن يبلغ "فقال السامع لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه دخل الجنة"، ويعوض عن الحيعلتين بالحوقلتين 6. وإنما ذلك لأن سائر ألفاظ الأذان ذكر وهو يفيد

الحاكي، وأما قول المؤذن "حي على الصلاة حي على الفلاح" فمعنى ذلك هلموا إلى الصلاة هلموا إلى الفلاح فلا يفيد الحاكي قولها فيما بينه وبين نفسه، فيعوض عن ذلك بأن يقول كلاماً يناسب قول المؤذن ويكون جوابًا له بأن يبرأ من الحول والقوة على إتيان الصلاة والفلاح إلا بحول الله تعالى وقوته.

(هل يحكي الأذان من كان في الصلاة)

وهل يحكي الأذان من كان في صلاة؟ في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يحكيه 1 في الفرض ولا في النفل.
والثاني: أنه يحكيه فيهما.
والثالث: أنه يحكيه في النفل دون الفرض 2، وهو المشهور.
وهاهنا عبادتان: إحداهما ما هو فيه من الصلاة، والثانية [ما أمر به من حكاية قول] 3 المؤذن؛ فمن غلب حكم الصلاة، قال لا يحكي، ومن التفت إلى أنه ذكر- والصلاة محل الأذكار- قال يحكيه 4، ومن فرق فلتأكيد الفرض وخفة الأمر في النفل.
وإذا قلنا يحكيه في الصلاة فإنما يبلغ إلى آخر التشهدين.
ولو قال في الصلاة حي على الفلاح 5 فإنها تبطل، وهذا إذا كان عامداً وأما الناسي فلا تبطل.
والجاهل يجري على القولين 6 في الجهل هل حكمه هو حكم = الله أَكبَرُ الله أَكْبَرُ ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَّ الله قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إلاَّ الله ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَن مُحَمَّداً رَسُولُ الله قالَ أَشهَدُ أن مُحَمداً رَسُولُ اللهِ ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ قَالَ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ باللهِ ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الفَلاَح قَالَ لاَ حَوْلَ وَلا قُوّةَ إِلاَّ باللهِ ثُمَّ قَالَ الله أَكَبَرُ اللْهُ أَكَبَرُ قَالَ اللهُ أكَبَرُ الله أَكَبَرُ ثُمَّ قَالَ لاَ إِلَهَ إلاَّ الله قالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ من قَلْبِهِ دَخَلَ الجَنَّةَ".

العمد أم حكم النسيان؟ ولاشك أن من أمر بالأذان فتركه لا تبطل صلاته.
وأما من أمر بالإقامة فتركها فإن كان سهواً لم تبطل صلاته.
وأما العامد ففيه قولان: المشهور أنها لا تبطل، والشاذ أنها تبطل، وهو على الخلاف في تارك السنن متعمداً هل يعد عابثاً فتبطل عبادته أم لا يعد كذلك؛ لأنه غير مأثوم في الترك فلا تبطل؟ ...

باب في ذكر فروض الصلاة وسننها وفضائلها

(فروض الصلاة)

ولنذكر ما قال الناس في ذلك جملة ثم نأخذ في تفصيله.
وأما الفروض فهي قسمان: أحدهما: ما ليس من نفس الصلاة، والآخر: من نفسها؛ والذي ليس من نفس الصلاة قسمان: قسم سابق، وقسم مقارن؛ فالسابق ثلاثة: طهارة الحدث، وطهارة الخبث، وستر العورة.
والمقارن ثلاثة: استقبال القبلة، والنية، وترتيب الأداء.
والذي هو من نفس الصلاة عشرة أشياء وهي: تكبيرة الإحرام، والقيام لها، وقراءة أم القرآن، والقيام لها، والركوع، والرفع منه، والسجود، والرفع منه، وقدر ما يوقع فيه [السلام] (1) من الجلسة الآخرة، والسلام.

(سنن الصلاة)

وسننها عشرة: وهي ماعدا تكبيرة الإحرام من التكبيرات، وقول الإمام سمع الله لمن حمده، وقراءة السورة التي مع أم القرآن، والقيام لها، والجهر فيما يجهر فيه، والإسرار فيما يسر فيه، والتشهد الوسط، والجلوس له.
والزائد على مقدار الفرض من الجلوس الآخر، والتشهد فيه.
وفي1

الطمأنينة، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - قولان: قيل هما من الفروض، وقيل: من السنن.

(فضائل الصلاة)

وفضائلها سبع: وهي رفع اليدين في الافتتاح، وترتيب القراءة بأن يطيل (1) في الصبح، ويقصر في المغرب (2)، والظهر تلي الصبح، والعشاء الآخرة تليها، والعصر تلي العشاء الآخرة، وقول المأموم آمين، وقوله ربنا ولك الحمد، والتسبيح في الركوع، والدعاء في السجود، والقنوت.
وهذه الفروض والسنن والفضائل منها مجمع عليه، ومنها مختلف فيه؛ فأما الطهارة من الحدث فقد تقدم أنها من المجمع عليه، وأما الطهارة من الخبث فقد تقدم الخلاف في فرْضيتها.
وأما ما عدا هاتين (3) فنبين حكمه عند أبوابه على محاذاة (4) ترتيب الكتاب.

...

باب في أحكام التكبير

وقد قدمنا أن تكبيرة الإحرام فرض من فروض الصلاة وما عداها سنة 5 كما يحكي جميع أهل المذهب.
وقال أبو الوليد الباجي: مقتضى مسائلهم وجوب التكبير جميعه.
وإنما عول على أن السجود يجب عوضاً عن تركه 6. فمتى 7 ترك السجود بطلت الصلاة على قول.
وهذا يأتي بيانه في باب السهو إن شاء الله.1234

ولا خلاف في وجوب تكبيرة الإحرام في حق الفذ والإمام.
وأما المأموم ففي حمل الإمام لها عنه قولان: المشهور أنه لا يحملها قياساً على الركوع والسجود.
والشاذ أنه يحملها قياساً على القراءة.

(حكم العاجز عن لفظ التكبير)

وأما لفظ التكبير عندنا فمتعين لا يجزي غيره من الأذكار؛ لأنه الوارد به والموضع موضع عبادة فيقتصر على ما ورد.
ولا يجزي أن يؤتى من التكبير بلفظ سوى اللفظ المعلوم ولا يعوض بـ "الأكبر" ولا بـ "الكبير" لما قلناه من وجوب التعيين، هذا في حق القادر.
وأما العاجز عن التكبير لامتناع 1 الكلام عليه فلا شك أنه يدخل في الصلاة بالنية، وإن كان عجزه لأنه 2 لا يحسن العربية ففي المذهب قولان: أحدهما: يعوض بلسانه الذي يحسنه؛ لأن المعنى هو المطلوب في حقه.
والثاني: أنه لا يعوض بلسانه الذي يحسنه جموداً على ما ورد.
ولا خلاف أنه لا يعوض عن القراءة بلسان غير عربي؛ لأن الإعجاز في اللفظ العربي.
لكن اختلفوا هل يعوض أذكاراً أم لا على قولين؟ وسبب 3 الخلاف ما ورد في بعض الطرق عنه - صلى الله عليه وسلم - في تعليم الأعرابي الذي لم يحسن الصلاة فإنه أمره بالقراءة أو بذكر الله تعالى إن لم يحسنها 4 ولم يرد ذلك في أكثر الطرق.
وبين الأصوليين خلاف في زيادة العدل هل تقبل أم لا؟ ...

فصل (تكبيرة الإحرام للمأموم)

وإذا قلنا بوجوب تكبيرة الإحرام في حق المأموم، فإن كبر للركوع [ناوياً للإجزاء عن تكبيرة الإحرام] 1 صح له ذلك، وإن كبر ولم ينو فلا يخلو من أن يعلم أنه لو عاد 2 إلى القيام أمكنه تكبيرة الإحرام وإدراك الإمام، أو يعلم أنه لا يدركه؛ فإن علم أنه لا يدركه فهل يعود إليه؟ فيه قولان.
وسببهما هل يراعى الخلاف فلا يعود- لأن أحد قولي مالك أنه يجزيه- أو لا يراعي فيعود.
وإذا قلنا إنه يعود فهل يسلم أم لا؟ قولان: وجوب السلام - وهو مقتضى الأخذ بالمذهب- ومراعاة قول من اجتزى بالأول.
وتركه هو بناء على ترك مراعاة الخلاف بالجملة.
وإذا قلنا إنه يتمادى ولا يعود أو قلنا بالتمادي لأنه خاف فواتها مع الإمام فإنه يتم الصلاة ويعيد.
وهل الإتمام هو الواجب والإعادة احتياطاً أو بالعكس؟ للمتأخرين قولان.
وفائدة الخلاف لو بطلت الصلاة التي تمادى عليها وصحت الأخرى 3، أو بطلت المعادة وصحت التي تمادى عليها ففي الإجزاء بالصحيحة قولان 4. وهو على ما قدمنا من كون الإعادة واجبة والتمادي أحتياط أو بالعكس.
وإن لم يكبر للركوع فعلى المشهور يقطع متى علم، وعلى رواية ابن وهب تجزيه الصلاة.
هذا في حق المأموم، وأما الإمام فلا يجزيه إلا تكبيرتان: أحدهما: للإحرام، والثانية: للركوع، وهذا هو المعروف 5 من

المذهب.
وقال أبو الفرج: هذا على القول بأن القراءة فرض في كل ركعة يريد (1)، وعلى القول بأنها ليست بفرض (2) في كل ركعة (3) يكون الإمام والمأموم بمنزلة واحدة تجزيهما تكبيرة الركوع إذا قصد بها تكبيرة الإحرام.

(حكم القيام لتكبيرة الإحرام)

وهل يجب القيام لتكبيرة الإحرام؟ (4) أما الفذ والإمام فيجب ذلك في حقهما، وهذا يظهر على القول بأن قراءة أم القرآن عليهما فرض في كل ركعة.
وأما المأموم؛ ففي المذهب فيه قولان: فمذهب المدونة أنه لا يجب القيام في حقه لتكبيرة الإحرام (5) لأن القيام يجب عنده للقراءة وهذا لا تجب القراءة في حقه.
وفي كتاب ابن المواز وجوب القيام لها قياساً على الإمام والفذ.

(ما يفعل من شك في تكبيرة الإحرام)

وما يفعله من شك في تكبيرة الإحرام؟ أما الفذ فإن شك [قبل] 6 أن يركع كبر 7 من غير سلام وأجزى.
وإن ركع ففي قطعه وابتدائه قولان كالإمام.
وأما المأموم فلا يقطع.
وقد تقدم حكمه إذا أيقن بترك [تكبيرة] 8 الإحرام.
ولا شك مع شكه في الإتيان بها أنه يتمادى ويعيد.
وأما الإمام ففيه قولان: أحدهما: أنه يتمادى ويعيد هو ومن خلفه إذا شكوا كشكه.
والثاني: أنه يقطع ويقطعون ولا يصح استخلافه هاهنا؛ لأنه إذا لم يكبر لا تجزيهم الصلاة.
وأيضاً فقد يمكن أن يكون كبر فيصير كالقاطع عمداً12345

بخلاف استخلافه إذا ذكر أنه على غير طهارة (1). وأبو الحسن اللخمي يجعل حكمه (2) كحكم الطهارة (3). وقد فرقوا في الروايات بينهما، ولعل الفرق أن التكبيرة [ركن] (4) من نفس الصلاة والطهارة لست كذلك.
فإذا ترك التكبير فقد أسقط ركنا من الصلاة وهو الموجب (5) لانعقادها.
فإذا لم تنعقد في حقه فلا يصح الاقتداء به بخلاف إن سقط شرط لها وهو يظن أنه لم يسقطه.
على أن قياس الشك في التكبير هو قياس الشك في الطهارة.
وبالجملة فقد فرقوا بين الطهارة وبين التكبير، والفرق ما ذكرت.
وإذا سلم الشاك ثم ذكر أنه كان كبر ففي إجزائه قولان: أحدهما: الحكم بالإجزاء.
حكاه ابن المواز عن مالك وأصحابه.
وهذا لأنه ابتدأ الصلاة بنية جزمًا والحكم للابتداء (6). والثاني: أنه لا يجزيه لأنه أتم الصلاة على تردد فتبطل ويجب عليه ابتداء صلاة لا شك فيها.
...

فصل (حكم مسابقة الإمام ومساواته في تكبيرة الإحرام)

ومن حكم الإمام أن يتقدم في تكبيرة الإحرام، فإن كبر المأموم من قبله فلا تجزيه الصلاة عندنا.
ومتى علم بذلك قطع وابتدأ.
وهل يقطع بسلام؟ قولان: مذهب الكتاب أنه يقطع بغير سلام 7 وهذا جواب من لا يراعي الخلاف 8. وقال سحنون: يقطع بسلام.
وهو جواب من يراعي123456

الخلاف.
وألزمه أبو الحسن اللخمي أن يقول بصحة صلاته لنفسه لو 1 تمادى على 2 ذلك الإحرام.
وحكي عنه أنه قال: لا تصح الصلاة.
قال أبو الحسن: وهذا اختلاف قول، أو أنه بني على مذهب مالك؛ 3 يعني أنه يقطع بغير سلام.
وهذا الذي قاله غير صحيح، وإنما مذهب سحنون أن ذلك التكبير لا يجزي كما قاله جميع أهل المذهب.
لكنه يقطعه بسلام، ليس لأنه صحيح في نفسه ولكن مراعاة لمذهب الشافعي القائل بصحته.
وإن تساوى الإمام والمأموم في تكبيرة الإحرام ففي صحة صلاته في المذهب قولان.
والقول بالصحة قياساً على سائر أركان الصلاة، فإنه لو ساواه فيها لم يقل أحد من أهل المذهب ببطلان صلاته.
والبطلان هو الصحيح؛ لأن حكم الإمامة يقتضي التقدم.
فإذا كبرا معاً لم يحصل التميز الذي يوجبه حكم الإمامة.
على أن المساواة في سائر الأركان إنما لم تفسد به الصلاة لأنهم سحبوا حكم السبق في التكبير على سائر 4 الأركان، وإلا فالقياس يقتضي نفي الصحة.
ولو سبق المأموم الإمام في الأركان كالركوع والسجود، فإن المنصوص في المذهب أمر المأموم بالعودة إلى ما فعله قبل إمامه حتى يكون فاعلاً بعده.
فإن لم يفعل 5 فالمنصوص صحة 6 الصلاة، وهذا مما ألزمت فيه بعض الأشياخ 7، البطلان.
لأنه لم يحصل الاقتداء به في الأركان، فالتزموه على القول بأن الحركة إلى الأركان مقصودة.
قال: وعلى

القول بأن [الحركة إلى الأركان] (1) غير مقصودة تصح الصلاة.
وهو معنى ما وقع في الروايات (2). ...

فصل (ما قيل في رفع اليدين في الصلاة)

واختلف في رفع اليدين في الصلاة على خمسة أقوال: فقيل: لا يرفع في تكبيرة الإحرام ولا في غيرها.
وهذا في مختصر ابن شعبان.
وتأوله بعض الأشياخ على المدونة لقوله: وكان رفع اليدين عند مالك ضعيف 3. لكنه قد نص على ضعفه في غير تكبيرة الإحرام.
والقول الثاني: أنه يرفع في تكبيرة الإحرام خاصة.
والقول الثالث: أنه يرفع فيها، وفي الرفع من الركوع.
والرابع: أنه يرفع فيهما وفي القيام إلى الثالثة 4. والخامس: أنه يرفع في ذلك وفي الانحطاط إلى الركوع.
وقد وردت أحاديث تقتضي هذه الأقوال.
وقد قدمنا أن الرفع من الفضائل.
وسببه إما تأهب 5 لما يقدم عليه من الصلاة ورهبة، وإما نبذ للدنيا على ما نذكره في صفة الرفع.
فيمكن أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع بحسب ما يكون عليه من الأحوال من رغبة أو رهبة، أو ما يخطر بباله من نبذ الدنيا وطرحها.
وهذا 6 خير ما تأولت عليه هذه الأحاديث الواردة المختلفة في صفة الرفع.12

(ما ورد في صفه الرفع)

وإذا قلنا بالرفع ففي صفته قولان: أحدهما: أنه يبسط يديه فيجعل ظهورهما مما يلي السماء وبطونهما مما يلي الأرض، وهذه صفة الراهب.
والثاني: أنه يرفعهما منتصبتين فيجعل أصابعهما مما يلي السماء 1، وهذه صفة النابذ للدنيا وراء ظهره.
واستحسن هذه الصفة المتأخرون؛ لأنه يمكن بها الجمع بين الأحاديث الواردة على منتهى الرفع.
وقد اختلف المذهب في منتهاه على قولين: أحدهما: إلى الصدر، والثاني: إلى المنكبين 2. فقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم -: "أنه كان يرفع يديه حذو صدره" 3. وروي "حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ" 4. وروي عنه "حذو أذنيه" 5. وقد جمع بين هذه الأحاديث مالك رحمه الله فقال: يكون الكوع حذو الصدر وطرف الكف حذو المنكبين والأصابع حذو الأذنين.
وهذا إنما يعم على القول بأن الرفع صفته نصب الكفين كما تقدم.
...

فصل (ماذا يفعل بعد التكبير)

وإذا كبر فما يفعل؟ 1 المشهور من المذهب كراهية الدعاء وغير ذلك من الأذكار بين التكبير وأم القرآن، وكذلك لا يقرأ ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ 2، ولا يقول: "سُبحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ تَبَارَكَ اسمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلاَ إِلهَ غيرُك" 3، ولا يقرأ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ في الفريضة سراً ولا جهراً.
وقد رويت أحاديث تقتضي الفصل بين التكبير والقراءة ببعض هذه، فأنكرها مالك خيفة أن يُظن وجوب قراءتها 4 كما تجب قراءة الفاتحة 5. لما 6 روي عنه [من] 7 أنه كان يقول بعضها.
وقوله 8 في المبسوط إن من جهر بالبسملة 9 لا شيء عليه، ليس بخلاف كما ظنه أبو الحسن اللخمي، بل نهى في المبسوط 10 حرصاً على النفوس من أن تعتقد ذلك

فرضاً (1)، ولم ير بأساً على قائله لأنه (2) ذكر والصلاة محل الأذكار.
...

باب في أحكام القراءة في الصلاة

والمعروف من المذهب وجوب القراءة في الصلاة.
وقد وقع لابن زياد (3) ما يؤخذ منه أنها لا تجب، لكن كلامه على صلاة من لم يقرأ.
ويمكن (4) أن يحكم بالصحة مراعاة للخلاف.
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه صلى فلم يقرأ، فقيل له في ذلك، فسأل عن الركوع والسجود هل أكملت؟ فقيل له أكملت، فقال: لا بأس إذاً.
وقد تأول المالكية ذلك على أنه أعاد.
وهذا بعيد؛ لأنه يبطل معنى سؤاله عن الركوع والسجود.
وتأوله الشافعية على أنه ترك الجهر ولم يترك القراءة جملة.
وهذا أقرب من التأويل الأول.
وإذا قلنا بوجوب القراءة فهي (5) متعينة عندنا فلا يقوم مقام أم القرآن غيرها.

(ذكر الخلاف في قراءة الفاتحة في الصلاة)

وهل تجب في كل ركعة 6؟ ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تجب في كل12345

ركعة.
والثاني: أنها تجب في ركعة واحدة.
والثالث: أنها تجب في الجل دون الكل؛ فأما تعينها على الجملة فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام" 1. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقرَأ بِأُم القُرْآنِ" 2. وبين الأصوليين خلاف في النفي هل يقتضي [الإجمال] 3 ويقتضي نفي الصحة أو نفي الكمال 4 على أقوال بيِانها محال على موضعه.
لكن قوله: "لاَ صَلَاة" يحتمل أن يريد به جملة الصلاة فتكون القراءة 5 في كل ركعة [واحدة] 6 لازمة 7. ويحتمل أن يريد الركعة الواحدة لأنها تسمى صلاة.
وأما القول بالإجزاء إذا قرأ في الجل؛ فهو بناء على أن الأتباع تقتضي 8 حكم متبوعها لا حكم نفسها.
وفي حديث جابر: "كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصليها إلا وراء الإمام" 9. فقد اختلف في رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحيح إيقافه على جابر.
وبين الأصوليين خلاف في قول الصحابي هل هو حجة أم لا؟

فإذا صلى وترك أم القرآن في جميع الصلاة فقد قدمنا ما في ذلك من الخلاف وبطلانها على المشهور.
وإن تركها في ثلاث ركعات أيضاً من الرباعية فالمشهور أيضاً أنها لا تجزيه.
وعلى القول بالإجزاء بالأقل (1) تجزيه، وقد نص عليه علي بن زياد.
وإن تركها في ركعتين فلا شك على قول ابن زياد في الإجزاء.
[وأما على] (2) المشهور، إن ذكر ذلك بعد الإكمال أعاد بعد أن يسجد لسهوه قبل السلام.
والسجود مراعاة لقول (3) من يقول إنها تجزيه.
وإن ذكر ذلك وهو في الصلاة فهل يلغي الركعتين اللتين تركهما فيهما ويبني على ما قرأ فيه أو يتمادى ويعيد.
في المذهب قولان؛ فالإلغاء بناء على فرضيتها في الكل أو الجل (4) وترك مراعاة الخلاف، والتمادي والإعادة بناءً على مراعاة الخلاف.
وإن تركها في ركعة من الصلاة الرباعية ففي المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يلغي تلك الركعة المتروكة فيها.
والثاني: يسجد لسهوه ويكتفي بصلاته.
والثالث: أنه يسجد لسهوه ويعيد.
والسجود (5) نص عليه في كتاب ابن المواز.
والإلغاء بناء على فرضيتها في كل ركعة من غير مراعاة للخلاف.
والاجتزاء بها بناء على فرضيتها في الجل.
والتمادي [والإعادة] (6) بناء على مراعاة الخلاف.
لكن يحتمل أن يكون مذهبه في هذا القول أنها تجزيه، ولكن يراعى قول من يقول بعدم الإجزاء فيؤمر بالإعادة، أو يكون مذهبه أنها غير مجزية (7). لكن يتمادى مراعاة لقول من يقول إنها مجزية (8).

(ثمرة الخلاف)

ويكون ثمرة الخلاف لو تبين له بطلان إحدى الصلاتين هل يكتفي12345678

بالأخرى 1 أو تكون الإعادة في الوقت أو فيه وبعده؟ وعلى القول بالإلغاء هل يكون سجوده قبل السلام أو بعده؟ ينظر؛ فإن جلس بعد ركعتين صحيحتين قرأ فيهما بأم القرآن [وسورة] 2 فسجوده 3 بعد السلام لأنه تمخضت له الزيادة بما ألقاه، وإن لم يحصل له الجلوس بعد ركعتين صحيحتين [قرأ فيهما بأم القرآن] 4 فقد اجتمعت له الزيادة- وهي الركعة الملغية والنقص وهو الجلوس- فيكون سجوده قبل السلام.
فهذا أخصر ما قيل [فيه] 5 من التطويل.
وكل 6 هذا إذا لم يذكر ما ترك من القراءة حتى ركع فرفع رأسه من الركوع.
وإن لم يرفع رأسه فهل يعود إلى القيام ويقرأ؟ يجري على القولين في عقد الركعة [ما هو] 7؟ هل هو وضع اليدين على الركبتين فلا يعود؟ أو رفع الرأس فيعود؟ وأما إن لم يركع وذكر ذلك بعد ما قرأ السورة فإنه يعود ويقرأ أم القرآن.
وهل يعيد قراءة السورة [لوضعها في غير موضعها أو لا إعادة عليه لأنه قرأها؟ قولان.
وإذا قلنا يعيد قراءتها هل يسجد أم لا؟ قولان أيضاً.
قال سحنون: يسجد لطول القيام 8. فإذا قلنا لا يعيدها فهل يسجد] 9 ويعد كالتارك لقراءة السورة لوضعها في غير موضعها أو لا سجود عليه لأنه قد قرأها؟ قولان.
فإن ترك أم القرآن في ركعة من الصلاة الثنائية كالصبح وصلاة المسافر وصلاة الجمعة، في المذهب قولان: أحدهما: أنه كالتارك لقراءتها في شطر

الصلاة الرباعية لأن نسبة الواحدة من الثانية كنسبة اثنتين إلى [اثنتين] (1) من الرباعية.
والثاني: أنه كالتارك لقراءتها في ركعة من الرباعية.
والاختلاف في هذا اختلاف في النظر إلى الركعة في نفسها، أو نسبتها إلى ما معها من الركعات؛ فإن نظر إليها في نفسها فهي يسيرة (2) وإن نظر إليها بالنسبة إلى ما معها فهي كثيرة (3). ...

فصل (فيمن ترك السورة في الركعتين الأوليين)

وأما السورة التي مع أم القرآن في الركعتين الأوليين فقد تقدم أنها من السنن.
وحكى أبو الحسن اللخمي عن المذهب قولين آخرين: أحدهما: أنها واجبة.
والثاني: أنها مستحبة 4. وهذا لا نجده في المذهب، وإنما عوَّل في الوجوب على ما نذكره من إعادة الصلاة لتركها عمداً، وإن كان بعد الوقت.
والاستحباب على سقوط السجود في تركها.
وتركها 5 لا يخلو من ثلاثة أقسام: إما أن يكون عمداً؛ ففي المذهب ثلاثة أقوال: المشهور: صحة صلاته ولا سجود عليه، بل يؤمر أن يستغفر لينوب 6 له ثواب الاستغفار على ما فاته من تركها.
والقول الثاني: أنه يعيد وإن خرج الوقت.
وهذا بناءً على أن من ترك السنن عامداً يجب عليه الإعادة أبداً.
والقول الثالث: أنه يسجد قبل السلام كالتارك لها ناسياً 7. وهذا لأنه يرى أن السجود ورد في123

الناسي تنبيهاً على أن العامد أحرى وأولى أن يتدارك الترك بالسجود.
وإما أْن يكون سهواً فالمشهور الأمر بالسجود قبل السلام.
وفي مختصر ابن شعبان: لا سجود عليه.
ومنه أخذ أبو الحسن اللخمي الاستحباب.
ويحتمل أن يكون بناء على ما قاله [أولاً] (1) أو لأن السجود لم يرد في ذلك، ولا يتعدى به ما ورد فيه.
وهذا هو الظاهر، وهو قول [مالك] (2) والشافعي.
وإما أن يكون جهلاً.
وفي الجاهل قولان: هل هو كالعامد أو كالناسي؟ والمشهور أن قراءة غير أم القرآن في الركعتين الآخرتين لا تستحب.
ومن قرأ بغير أم القرآن فيهما لم يكن عليه السجود ولا غيره.
ووقع لمحمد بن عبد الحكم ما يقتضي استحباب القراءة.
ولعله يرى أن الصلوات محل الأذكار، والقراءة من أفضل الأذكار.
وتكثيرها في الصلاة مأمور به ما لم يؤد إلى التطويل المخرج للصلاة عن بابها.
...

فصل (هل يؤمن الإمام)

ويؤمر 3 الفذ والمأموم عند ختم أم القرآن بأن يقول: "آمين" بلا خلاف.
وهل يؤمن الإمام؟ في المذهب قولان: المشهور أنه لا يؤمن، والشاذ أنه يؤمن.
وسبب الخلاف اختلاف ظواهر [الآثار] 4. وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "فإذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين" 5. وهذا يقتضي ظاهره أن الإمام12

فصول الكتاب · 12 فصل · 967 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول التنبيه على مبادئ التوجيه - قسم العبادات · 967 صفحة
المقدمة
كتاب التنبيه على مبادئ التوجيه،
كتاب الجامع
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الصلاة الأول
(تعريف الصلاة)(أصناف الصلاة)(شروط الصلاة)فصل (حكم تارك الصلاة)باب في أحكام الأوقات(أوقات الصلاة من القرآن)(أوقات الصلاة من السنة)(تفصيل أحكام الأوقات)(وقت القضاء)(الوقت الضروري)(وقت الرخصة)(وقت السنة)فصل(أوقات الاختيار والفضيلة)(الوقت الاختياري لصلاة الظهر)(الوقت الاختياري لصلاة العصر)(الوقت الاختياري لصلاة المغرب)(الوقت الاختياري لصلاة الصبح)فصل (وقت الفضيلة لكل صلاة)(معنى الإسفار بالفجر)فصل (معنى الإبراد بالظهر)باب في أحكام الأذان(سبب ثبوت الأذان)(حكم الإقامة والأذان)(أركان الأذان)فصل [وقت الأذان]فصل (من يؤمر بالأذان)(استحباب الأذان للمسافر)فصل (يقام للفوائت ولا يؤذن لها)فصل (صفة المؤذن)(أمور ينبغي للمؤذن مراعاتها)(هل يجوز أخذ الإجارة على الأذان)فصل (في حكاية الأذان)(هل يحكي الأذان من كان في الصلاة)باب في ذكر فروض الصلاة وسننها وفضائلها(فروض الصلاة)(سنن الصلاة)(فضائل الصلاة)باب في أحكام التكبير(حكم العاجز عن لفظ التكبير)فصل (تكبيرة الإحرام للمأموم)(حكم القيام لتكبيرة الإحرام)(ما يفعل من شك في تكبيرة الإحرام)فصل (حكم مسابقة الإمام ومساواته في تكبيرة الإحرام)فصل (ما قيل في رفع اليدين في الصلاة)(ما ورد في صفه الرفع)فصل (ماذا يفعل بعد التكبير)باب في أحكام القراءة في الصلاة(ذكر الخلاف في قراءة الفاتحة في الصلاة)(ثمرة الخلاف)فصل (فيمن ترك السورة في الركعتين الأوليين)فصل (هل يؤمن الإمام)
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الجنائز
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الزكاة
كتاب الزكاة الثاني
جارٍ التحميل