التهذيب في اختصار المدونةصفحات 616-18
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الأقضية

صفحات 616-18
عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو سعيد ابن البراذعي
الكتاب
التهذيب في اختصار المدونة
المؤلف
خلف بن أبي القاسم محمد، الأزدي القيرواني، أبو سعيد ابن البراذعي المالكي (المتوفى: 372هـ)دراسة وتحقيق: الدكتور محمد الأمين ولد محمد سالم بن الشيخ
الناشر
دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، دبي
الطبعة
الأولى، 1423 هـ - 2002 م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع](تنبيه): المقدمة والحواشي ليست من المطبوع بل من مطبوعة أخرى

3322 - ولا يقضي القاضي بشهادة الشهود حتى يكشف عنهم، وهذا مستوعب في كتاب الأقضية.
ومما يجرح به الشاهد أن تشهد عليه بينة أنه [شاهد زور] ، أو شارب خمر [أو آكل خنزير] أو آكل ربا، أو صاحب قيان، أو كذاب في غير شيء واحد ونحو هذا.
ولا يجرحه إلا اثنان عدلان.
3323 - قال ربيعة: ترد شهادة الخصم الذي يجر إلى نفسه، والظنين وهو المغموص عليه في خلائقه وشكله، ومخالفته حال العدل، وإن لم يظهر منه قبيح عمل، وترد شهادة العدو الذي لا يؤمن ما شهد عليه.
قال مالك: وإذا ظهر الإمام على شاهد الزور ضربه بقدر رأيه وطاف به في المجالس.
قال ابن القاسم: يريد [بقوله] في المجالس: المسجد الجامع، ولا تقبل له شهادة أبداً وإن تاب وحسنت حاله.

3324 - وقد كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عامله بالشام إذا أخذتم شاهد الزور فاجلدوه أربعين جلدة وسخموا وجهه وطوفوا به حتى يعرفه الناس ويطال حبسه ويحلق رأسه ولحيته.
1


(كتاب المديان)

3325 - قال مالك: ولا يحبس في الدين حر ولا عبد إذا لم يتبين [لدده] ، ولا اتهم أن يكون غيب ماله، ولكن يستبرأ أمره، إلا أن يحبسه قدر تلومه في اختباره وكشف حاله، أو يأخذ عليه حميلاً لذاك، فإذا لم يجد له شيئاً ولا غيّب شيئاً لم يحبسه، ويحبس من اتهمه أن يكون غيب مالاً.
ومثل من يقعد من التجار بأموال الناس ويقول: ذهبت مني، ولا يعلم أهل موضعه أنه أجيح بحريق أو سرقة ونحو ذلك فإنهم يحبسون.
وإذا حبس لتهمة أو لدد، لم يكن لطول ذلك حد، ولكن يحبس حتى يقضي أو يتبين عُدْمه، فإن تبين عدمه أطلق.
ثم ليس لرب الدين ملازمته ومنعه من تصرفه، ولا أن يوكل به من يلازمه.
1

وروي أن أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - كانا يستحلفانه أنه ما يجد قضاءً من قرض ولا عرض، وأنه إن وجد ليقضيَّن.
1 ويحبس فيما ذكرنا أحد الزوجين لصاحبه، والولد [يحبس] في دين الأبوين، ولا يحبسان في دينه.
وقد قال مالك: لا أرى أن يحلف الأب للابن في دعواه.
[وإن استحلفه فهي جرحة على الابن] ، وإن لم أحبس الأبوين للولد فلا أظلم الولد لهما.
قال: ويحبس له من سواهما من الجدود والأقارب.
وتحبس النساء والعبيد ومن فيه بقية رق، وأهل الذمة وهم في هذا مثل الأحرار سواء، ويحبس النساء في القصاص والحدود.
3326 - قال مالك: ولا يؤجَّر الحر إذا أفلس.
قال ابن القاسم: ولا يستعمل لقول الله تعالى: ×وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ% [البقرة: 280] . ويُحبس السيد في دين مكاتبه إن لدّ به، ولا يحبس المكاتب لعجز عن كتابته، إذ ليست بدين ثابت في ذمته ولكن يتلوم له.
3327 - قال مالك: وإن هلك رجل وعليه دين للناس وترك مالاً ليس فيه وفاء بديونه،

فأخذه الوارث أو الوصي فقضاه بعض غرمائه، فإن لم يعلموا ببقية الغرماء ولم يكن الميت موصوفاً بالدين فلا شيء عليهم، ويرجع الغرماء القادمون على الذي اقتضوا بما كان ينوبهم في المحاصة من المال، فإن علموا بدينه أو كان موصوفاً بالدين، رجع الغرماء القادمون على الورثة أو الوصي بحصصهم، ويرجع الورثة أو الوصي بذلك على الغرماء الذين اقتضوا أولاً.
قال ابن القاسم [في باب بعد هذا] : إذا قضى الورثة من حضرهم وهم يعلمون بدين القادم، فإنه إن وجد الغرماء معدومين رجع على الورثة بما ينوبه من ذلك، ثم يرجع الورثة بما أدوا من ذلك على الغرماء الأولين.
وإن مات وترك وفاءً بديونه فقضى الوصي أو الورثة بعض غرمائه ثم تلف ما بقي، فليس للباقين رجوع على من قبض من الغرماء شيء، إذ فيما بقي وفاء لدين الباقين.
3328 - وإن باع الورثة مال الميت وقضوا ديونه وفضلت فضلة بأيديهم، ثم قدم غريم، فإنما يتبع الورثة ولا يتبع الغرماء إن كان في الفضلة كفاف دينه، وجد الورثة أملياء أو عدماء، فإن لم يكن فيما فضل كفاف دين القادم فله اتباع

الورثة بمثل الفضلة في ملائهم وعدمهم.
فإن كان لو حضر نابه في الحصاص أكثر من الفضلة فليتبع الغرماء ببقية ما نابه.
وتفسير ذلك أن تكون التركة مائتين وخمسين، والدين ثلاثمائة لثلاثة رجال، لكل واحد مائة، وأحدهم غائب لم يعلم به، فأخذ الحاضر مائتين والورثة الخمسين، ثم قدم الغائب، فقد علمت أنه لو حضر لنابه في الحصاص ثلاثة وثمانون وثلث، فله خمسون منها في ذمة الورثة، ويبقى له ثلاثة وثلاثون وثلث يرجع بها على الغريمين بينهما نصفين.
ولو كانت التركة كفاف دينهما فقبضاه، لرجع عليهما بحصاصة فيها، وإن ألفاهما عديمين اتبع ذمتيهما، ولم يتبع من قضاهما من ورثة أو وصي بشيء إن قضوهما ولم يعلموا بدينه.
3329 - وإذا باع الورثة التركة فأكلوا ذلك واستهلكوه، ثم طرأت ديون على الميت، فإن كان الميت يُعرف بالدين فباعوا [ماله] مبادرة، لم يجز بيعهم، وللغرماء انتزاع عروضه ممن هي في يديه، ويتبع المشتري الورثة بالثمن.
وإن لم يعرف الميت بالدين وباعوا على ما يبيع الناس اتبع الغرماء الورثة بالثمن، كان فيه وفاء أو لم يكن، ولا تباعة على من ذلك المال بيده.

بشيء، والقول الأول أعجب إليّ، وعليه جماعة الناس.
وله أن يقضي بعض غرمائه دون بعض، وسواء قام غرماؤه بإثر ذلك أو تأخر قيامهم إذا كان يبيع ويتاجر الناس، فبيعه وقضاؤه ورهنه جائز.
3330 - وإذا كان لرجلين دين على رجل فأخّره أحدهما بحصته، لزمه ذلك، فإن أعدم الغريم وقد اقتضى الآخر حصته فلا رجوع لصاحبه عليه.
وأما صلح أحدهما للغريم على شيء من حقه، فقد جرى مستوعباً في كتاب الصلح.
3331 - وإذا عزل الورثة دين الغريم واقتسموا ما بقي ثم ضاع ما عزلوا، لم يضمنه الغريم، ويرجع عليهم فيما قبضوا، ولو عزله القاضي وقسم الباقي بين ورثته أو غرمائه، كان ضياع ذلك ممن أوقف له.
3332 - ومن أوصى بتأخير دين له على رجل وقد حلّ ولا يحمله الثلث أو هو جميع ماله، خُيّر الورثة بين التأخير أو القطع له بثلث جميع التركة.

3333 - ويجوز إقرار المريض بقبض الدين، إلا من وارث أو ممن يتهم بالتأليج إليه، وكذلك لا يجوز إقرار الزوجة بقبض المهر المؤجل من زوجها في مرضها، [ولا يجوز إقرار المريض لبعض ورثته بدين، وأما إن أقرّ لزوجته في مرضه] بدين أو مهر، فإن لم يعرف منه إليها انقطاع وناحية [محاباة] وله ولد من غيرها، فذلك جائز، وإن عرف بانقطاع إليها ومودة، وقد كان بينه وبين ولده من غيرها تفاقم - ولعل لها منه ولداً صغيراً - فلا يجوز إقراره، قيل: أفغيرها من الورثة بهذه المنزلة فيمن له منه انقطاع أو بُعْد؟ قال: لا، وإنما رأى ذلك مالك للزوجة، لأنه لا يتهم إذا لم يكن له ولد منها، ولا يعرف بانقطاع مودة إليها، أن يفرّ إليها بماله عن ولده، فأما إن [كان] ورثته إخوته أو بنوه فلا يجوز إقراره لبعضهم.
ولو ترك ابنة وعصبة يرثونه لقرابة أو ولاء، فأقرّ لهم بمال فذلك جائز، ولا يتهم أن يفر إلى العصبة [بماله] دون الابنة، وأصل هذا قيام التهمة.
فإذا لم يتهم بمن يفر إليه دون من يرث معه، جاز إقراره، فهذا أصل ذلك.
3334 - ومن كان عليه دين لأجنبي ببينة يغترق ماله، فلا يجوز إقراره بدين لصديق ملاطف، أو لزوجته، أو لغيرها من ورثته.

3335 - وإذا مرض رجل وعليه دين، فليس له أن يقضي بعض غرمائه، لأن قضاءه الساعة على وجه التأليج 1 ، فإن فعل لم يجز ذلك إذا كان الدين يغترق ماله.
وقال غيره: المريض لم يحجر عليه في التجارة، وهو كالصحيح في تجارته وفي إقراره بالدين لمن لا يتهم عليه.
3336 - ورهن من أحاط الدين بماله جائز ما لم يفلس، ويكون المرتهن أحق بالرهن من الغرماء.
وقد كان روي مرة عن مالك أن الغرماء يدخلون معه [في الرهن] وليس ذلك

وقد قال مالك فيمن عليه دين فأقر لأخت له بدين، فلا شيء لها إلا ببينة على أصل الدين، أو تقيم بينة أنها كانت تقتضيه في حياته.
قال سحنون: يعني فيلزمه إقراره لها.
3337 - وإن هلك رجل وترك ولدين وترك مائتين، فأقرّ أحدهما أن لفلان على أبيه مائة وأنكر الآخر، فإن كان المقر عدلاً حلف معه المقرّ له وأخذ المائة، وإن أبى أن يحلف رجع على المقر بنصف المائة التي في يديه، لأنه إنما يلزمه إقراره في حقه دون حق أخيه، وإن كان سفيها لم تقبل شهادته [في] هذا، ولا يؤخذ من ماله شيء.
وإن أقر رجلان من الورثة له بذلك قضى بهما إن كانا عدلين.
3338 - ومن أقرّ أن لفلان بضعة عشر درهماً، فالبضع ما بين الثلاث إلى التسع، فإن اختلفا في البضع لم يقض له إلا بثلاثة، إلا أن يزيد المقر عليها، ويحاص من قضي له [في دينه] بشاهد ويمين مع من قضي له بشاهدين.
3339 - ومن قال لرجل لا شيء له عنده: ادفع إلى فلان مائة درهم صلة مني له،

فمات الآمر قبل دفع المأمور إياها، أو بعث لرجل بهدية فمات الباعث قبل وصولها إلى الموهوب [له] ، فإن [كان] أشهد في الوجهين فهي نافذة، وإن لم يشهد فهي رد.
وكذلك إن تصدق على رجل بدين له على آخر وأشهد، كقول مالك فيمن ساق عن ناكح صداقاً، فمات السائق قبل قبض الزوجة الصداق، فهو لازم للميت، [يؤخذ من رأس ماله] . وقال غيره: إذا مات الذي وصل الرجل بالصلة قبل قبض الموصول إياها حتى تصير بالقبض ديناً على الواصل، فلا شيء للمعطى.
3340 - وإن أمرت من لك عليه دراهم يدفعها إلى من استقرضكها فأعطاه بها دنانير

برضاه فذلك جائز، وليس لك منعه، وأستحبُّ لك اتباع الآخر بدراهم، والقول فيه من مالك مختلف.
ولو قبض فيها عرضاً لم تتبعه إلا بالدراهم.
وإن استقرضك دنانير فأمرت من لك عليه دنانير يدفعها إليه، وله [هو] على المستقرض دراهم، فأراد مقاصاته بها، جاز ذلك إن حلا.
وإن أمرت رجلا يقضي عنك ألف درهم فدفع فيها دنانير أو طعاماً أو عرضاً، فإنما يتبعك بمثل ما أمرته، لأنه سلف منه لك.
وقد ذكر فيه اختلاف عن مالك، وأنه لا يربح في السلف.
3341 - ومن سأل رجلاً أن يقضي عنه لفلان ألف درهم، فأنعم له فمات الآمر قبل القضاء، فإن كان الطالب [رب الدين] اتعد من المأمور على وعدٍ ورضيا بذلك وانصرفا عليه، لزمه الغرم، وهذه حمالة.

3342 - وإن كان لك على رجل دين دنانير أو دراهم إلى أجل وعجلها لك قبل الأجل، أُجبرت على أخذها، كانت من بيع أو قرض.
ولو كان دينك عرضاً أو طعاماً أو حيواناً من قرض، فعجله لك قبل الأجل، أجبرت على أخذه، ولو كان ذلك من بيع لم تجبر على أخذه قبل الأجل.
3344 - ومن مات وعليه دين، فتبرع رجل فضمن دينه، فذلك لازم له ولا رجوع له عن ذلك، فإن كان للميت مال رجع فيه بما أدى، إن قال: إنما أديت لأرجع في ماله، وإن لم يكن له مال والضامن بذلك عالم، فإنه لا يرجع في مال إن ثاب للميت، لأنه بمعنى الحسبة.
ومن ضمن لرجل ماله على ميت، ثم بدا له فقد لزمه ذلك، لأن المعروف كله إذا أشهد به الرجل على نفسه لزمه.
ومن أدى عن رجل ديناً عليه بغير أمره أو دفع عنه مهراً لزوجته، جاز ذلك إن فعله رفقاً بالمطلوب، وأما إن أراد الضرر بطلبه وإعناته، أو أراد سجنه لعُدْمه لعداوة بينه وبينه، منع من ذلك.
وكذلك إن اشترى ديناً عليه تعنتاً له، لم يجز البيع، ورُدّ إن علم بذلك.

3345 - ومن وكل وكيلاً يقبض ديناً له على رجل، فقال: قبضته وضاع مني، أو قال: قد برئ إليّ من المال، وقال الرجل: دفعته إليه، لم يبرأ الدافع إلا أن يقيم بينة أنه دفعه إليه، أو يأتي الوكيل بالمال، إلا أن يكون الوكيل مفوضاً إليه أو وصياً، فهو مصدق، بخلاف الوكيل المخصوص.
وإن قال الوصي: قبضت من غرماء الميت ما عليهم، لم يكن لليتامى إن بلغوا الرشد اتباعهم، وذلك يبرئهم.
وكذلك إن قال: قبضته وضاع مني، صدق وبرئوا.
قال ابن هرمز: فإن ادعى الغرماء أنهم دفعوا المال إلى الوصي، وأنكر ذلك الوصي، حلف، وإن نكل ضمن.
وأما مالك فضمنه بنكوله في اليسير، وتوقف في الكثير، قال ابن القاسم: ورأيي على قول ابن هرمز أنه يضمن في القليل والكثير.
وإذا قضى الوصي غرماء الميت بغير بينة فأنكروا، ضمن إن لم يأت ببينة.
3346 - قال الله تبارك وتعالى: ×وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ

رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ% [النساء: 6] . فاشترط الرشد مع البلوغ.
قال ابن القاسم: فلا يخرج المولّى عليه بأب أو وصي من الولاية، وإن حاضت الجارية وتزوجت ودخلت بيتها واحتلم الغلام أو خضب بالحناء، ولا يدفع إليه ماله إلا برشد الحال.
1 3347 - ولا يجوز للمولّى عليه عتق ولا بيع ولا هبة ولا صدقة، ولا يلزمه ذلك بعد بلوغه ورشده إلا أن يجيزه الآن.
وأستحبّ له إمضاءه ولا أجبره عليه.
وما ليس فيه إلا المتعة ففعله فيه جائز، فيجوز طلاقه زوجته وعتقه أم ولده، وأما النكاح فلا، إلا بإذن وليه، وما وُهب له من مال فإنه يدخل تحت الحجر.
وكذلك إن اتجر فربح.
ولا يجوز شراؤه أيضاً إلا فيما لا بد له منه من عيشه، مثل الدراهم يبتاع به لحماً، ومثل خبز أو بقل ونحوه، يشتري ذلك لنفسه مما يُدفع إليه من نفقته.
3348 - وللرجل منع أم ولده من التجارة في مالها كما له انتزاعه، وليس له منع زوجته من التجارة، وله منعها من الخروج.
وإذا عقل الصبي التجارة ولم يؤنس رشده فأذن له أبوه أو وصيه أن يتجر، لم يجز ذلك الإذن، لأنه مولّى عليه، ولو دفع الوصي إلى المولّى عليه بعد الحلم بعض

المال يختبره به فلحقه [فيه] دين، فلا يلزمه الدين فيما دفع إليه ولا فيما أبقى، لأنه لم يخرج من الولاية بذلك، وهو بخلاف العبد يأذن له سيده في التجارة، لأن العبد لم يمنع لسفه فيه وإنما منع من البيع والنكاح وغيره، لأن ملكه بيد غيره، فإذا أذن له جاز، والصبي والسفيه ليس ملكه بيد أحد، فليس الإذن مزيلاً للسفه.
وقال غيره في اليتيم المختبر بالمال: يلحقه ما ادّان فيه خاصة.
قال ابن القاسم: ولو دفع أجنبي إلى محجور عليه من يتيم أو عبد مالاً يتجر فيه، فما لحقهما من دين فيه كان في ذلك المال خاصة، بخلاف دفع الوصي، ولا يلزم ذمتهما ولا ذمة الدافع شيء.
وصفة من يحجر عليه من الأحرار أن يكون يبذر ماله سرفاً في لذاته من الشراب والفسق وغيره، ويقسط فيه سقوط من لا يعد المال شيئاً.
وأما من أحرز ماله ونمّاه وهو فاسق في حاله غير مبذر لماله، فلا يحجر عليه، وإن كان له مال عند وصي قبضه.
3349 - ويحجر على البالغ السفيه في ماله وإن كان شيخاً، ولا يتولى الحجر إلا القاضي، قيل: فصاحب الشُّرط؟ قال: القاضي أحب إليّ.

3350 - ومن أراد الحجر على ولده أتى به إلى الإمام ليحجر عليه ويشهر ذلك في الجامع والأسواق ويشهد على ذلك، فمن باعه أو ابتاع منه بعد ذلك فهو مردود.
ومن أمر رجلاً أن يدفع لفلان ألف درهم، قال: عني، أو لم يقل، ففعل ثم قال الآمر: كانت لي ديناً على المأمور، وأنكر المأمور وقال: بل أسلفته إياها، فالقول قول المأمور.


(كتاب التفليس)

3351 - وإذا أقام رجل واحد بالمديان، فله أن يفلسه كقيام الجماعة، وإن أقرّ حينئذ بدين لغائب لم يصدق إلا أن يقر قبل التفليس، أو تقوم بينة للمقر له، فيحاص للغائب وتعزل حصته.
وإذا فلس رجل فاقتسم غرماؤه ماله، ثم طرأ غريم له لم يُعلم به، رجع على الغرماء بقدر ما [كان] ينوبه في المحاصة، فيتبع ذامة كل واحد منهم بحصاصه في ملائه أو عُدْمه، والموت والفَلَس بمنزلة واحدة.
قال ابن وهب: قال مالك: ومن

قام بدين على غائب - ولعله كثير المداينة لغير من حضر - فأرى أن تباع عروضه لمن حضر، ويقضى، وليس كالميت في الاستيناء 1 لاجتماع من يطرأ من غرمائه لبقاء ذمة هذا وزوال ذمة الميت، وجعله غيره كالميت، ويستأنى بأمره إن كان معروفاً بالدين.
قال مالك: يُستأنى بقسم مال الميت المعروف بالدين لاجتماع بقية غرمائه، وكذلك إن مات في غيبته، وإن لم يعرف بالدين قضى لمن حضر ولم ينتظر به.
قال ابن القاسم: ومن كان من غرماء الحي حاضراً عالماً بتفليسه، فلم يقم مع من قام، فلا رجوع له على الغرماء، وذلك رضاً منه ببقاء دينه في ذمة الغريم، كعلمهم بعتقه وسكوتهم عنه، فلا يرد لهم العتق إن قاموا بعد ذلك.
وقيل: توقف لهم حقوقهم كالغائب، إلا أن يتبين من الحاضر تركاً لدينه في ذمة الغريم، ورضاً بما قبض غيره.

3353 - ومن كان عليه دين في صحته ببينة أو بإقرار منه، فأقر في مرضه بدين لوارث أو لذي قرابة أو لصديق ملاطف، لم يقبل قوله إلا ببينة.
وإن أقرّ في مرضه لأجنبي جاز، وحاصص من له دين ببينة أو من أقر له في الصحة.
3354 - ومن أقر لرجل قبل التفليس بمال فإنه يدخل مع من ديّنه ببينة، وإن أقرّ له بعد التفليس فلا يدخل فيما بيده من مال، ويتحاص فيه أهل دينه دون هذا المُقرّ له [وإن أفاد مالاً بعد ذلك دخل فيه هذا المقر له] حين التفليس ومن بقي له من الأولين شيء، لأن التهمة إنما كانت في المال الأول، فإن أفاد مالاً بعدما فلسوه فلم يقم [فيه] الغرماء الأولون ببقية دينهم ولا المقر له حتى أقر بدين لرجل آخر، فإقراره له جائز، ما لم يقر له عند قيام الأولين، لتفليسه ثانية، فإذا أُقر له قبل قيامهم جاز له ذلك.
3355 - وإذا أفلس ثانية كان المقر له آخراً، أولى بما في يديه من الغرماء الأولين، إلا أن يفضل شيء عن دينه، لأن ما بيده هو من المعاملة الثانية، إذا كان قد عومل بعد التفليس وباع واشترى، لأن مالكاً قال: إذا داين الناس بعد التفليس ثم فلّس ثانية، فالذين داينوه آخراً أولى من الغرماء الأولين، لأنه مال لهم.

فإن كان المال الذي أفاد بعد التفليس، إنما أفاده بموروث أو صلة أو أرش جناية أو نحوه، فإن الغرماء الأولين والآخرين يدخلون فيه.
3356 - قال مالك: وما دام قائم الوجه فإقراره جائز.
ولا يجوز له عتق ولا صدقة ولا هبة إذا أحاط الدين بماله، وأما رهنه وقضاؤه لبعض غرمائه دون بعض، فجائز ما لم يفلس.
وقد كان مالك يقول: إذا تبين فَلَسه فليس له ذلك، وإن لم يقم به غرماؤه، ثم رجع عنه.
قيل: وإذا حبسه أهل دينه فأقرّ في الحبس بدين لرجل آخر أيجوز إقراره؟ قال: إذا صنعوا به هذا ورفعوه إلى السلطان حتى حبسوه، فهذا وجه التفليس، فلا يجوز إقراره إلا ببينة، ويبيع الإمام ما ظهر له من مال فيتوزعه غرماؤه ويحبس فيما بقي إن تبين لدَدُه أو اتهم.
وينبغي للقاضي أن يعزل لمن غاب من غرماء المفلس حصته، ثم إن هلك ما عزل كان ممن عزل له.

3357 - وإذا اقتسم الغرماء المال في فلس أو موت، ثم قدم غريم لم يعلم به، فليرجع على جميعهم بما يجب له في الحصاص إن لو حضر، يتبع كل واحد بما صار بيده من ذلك، ولا يأخذ مليئاً أو حاضراً عمن مات أو أعدم، وليتبع ذمة كل واحد، مثل أن يكون ثلاثة لكل واحد مائة، غاب أحدهم فلم يعلم به وبيد المفلس مائة فاقتسمها الحاضران، فإن القادم يتبع كل واحد بسبعة عشر إلا ثلثاً.
3358 - ومن أقرّ في مرضه لأجنبي بمائة ولابنه بمائة ولم يترك إلا مائة، فليتحاصّا فيها، فما صار للأجنبي أخذه، وما صار للابن دخل فيه بقية الورثة، إلا أن يجيزوه له، ولا حجة للأجنبي أنه أقرّ لوارث، لأن الأجنبي إنما أخذ بإقراره.
3359 - ولو كان دين الأجنبي ببينة كانت له حجة، ولم يدخل مع الوارث بحصاص.
وإذا أراد واحد من الغرماء تفليس الغريم وحبسه، وقال الباقون: ندعه يسعى، حبس لمن أراد حبسه إن تبين لدده، ثم إن شاء الآخرون محاصّة القائم في ماله فذلك لهم، ثم لهم قبض ما نابهم أو إبقاؤه [بيده] ، فإن أقروه بيده لم يكن للقائم أن يأخذ منه شيئاً في بقية دينه إلا أن يربح فيه أو يفيد

فائدة من غيره، فيضرب في الربح أو الفائدة للقائم بما بقي له، وهؤلاء بما بقي لهم بعد الذي أبقوا بيده، لأنهم فيما ردوا إليه كمن عامله بعد التفليس، فيكون من عامله آخراً أولى بما في يده بقدر ما داينوه به، ثم يتحاصون مع القائم في الربح أو الفائدة كما وصفنا.
وإن كان فيما أبقوا بيده وضيعة، وطرأت له فائدة من غير الربح، ضربوا فيها من الوضيعة، وبما بقي لهم أولاً وضرب فيها القائم بما بقي له.
وإن كان ما بيده الآن عرض قوم فما فضل فيه من ربح عن قدر ما أبقوا بيده تحاص في ذلك الربح القائم بما بقي له وهؤلاء بما بقي لهم بعد الذي أبقوا بيده، وإن هلك جميع ما أبقوا بيده وطرأت له فائدة، ضرب فيها القائم بما بقي له وهؤلاء بجميع دينهم ما ردّوا إليه وما بقي لهم، ولم يزد رسول الله ÷ غرماء معاذ على أن خلع لهم ماله ولم يأمر ببيعه.
1 3360 - وإن أسلفت رجلاً سلفاً بلا رهن أو برهن، [ثم] أسلفته بعده سلفاً آخر، على أن أخذت منه رهناً بالسلف الأول والثاني، وجهلتما أن الرهن الثاني فاسد، فقامت الغرماء [على الراهن] في فَلَس أو موت، فالرهن الأول في السلف

الأول، والرهن الثاني في السلف الثاني، ولا يكون الثاني رهناً في شيء من السلف الأول، لأنه سلف جرّ منفعة.
3361 - ومن فلس ولعبده دين فلا يضرب العبد مع غرماء سيده بدينه، لأنه يباع لغرماء سيده، إلا أن يكون على العبد دين لأجنبي، فإن العبد يضرب بدينه ويكون غرماؤه أحق بما وقع له، أو بما في يديه ويتبعون ذمته بما بقي لهم، وتباع رقبته لغرماء سيده.
3362 - ومن جنى جناية [خطأ] لا تحملها العاقلة وعليه دين يحيط بماله، فرهن في الجناية رهناً قبل قيام الغرماء عليه، ثم فُلس، فصاحب الجناية أحق بالرهن، ولو لم يرهنه شيئاً كان للمجني عليه محاصة غرمائه، ولا حجة لهم أن يقولوا: إن ذلك ليس من ابتياع أو تجارة.
3363 - وما كان على مفلس أو ميت من دين مؤجّل فإنه يحل حينئذ، وما كان له من دين مؤجل فإنه إلى أجله، وللغرماء تأخيره إن شاؤوا إلى أجله أو بيعه الآن.

3364 - ومن فلس أو مات وقد ارتهن منه رجل زرعاً لم يبد صلاحه، وهو مما لا يباع حين الحصاص، فإن المرتهن يحاصص [الغرماء] بجميع دينه الآن ويترك الزرع، فإذا حلّ بيعه بيع، فإن كان ثمنه مثل دينه أو أزيد منه، قبض منه دينه، ورد الزيادة إن كانت مع ما كان أخذ في الحصاص فكان بين الغرماء، وإن كان ثمنه أقل من دينه نظرت [إلى] ما بقي له من دينه بعد مبلغ ثمن الزرع فعلمت أن بمثله كان له الحصاص أو لام، فما وقع له على ذلك فليحبسه مما كان قبض، ويرد ما بقي فيتحاص فيه الغرماء.
3365 - وليس للمفلس أن يتزوج في المال الذي فلس فيه، وله أن يتزوج فيما أفاده بعده، وإذا تغيرت الهبة للثواب بيد الموهوب بزيادة أو نقص بدن وقد فلس، فللواهب أخذها إلا أن يرضى الغرماء بدفع قيمة الهبة إليه فذلك لهم.
1 3366 - ومن ابتاع من رجل سلعة فمات المبتاع قبل أن يدفع ثمنها وهي قائمة بيده فالبائع أسوة الغرماء في ثمنها، وإن فلس المبتاع وهي قائمة بيده كان البائع أحق بها وإن لم يكن للمفلس مال غيرها إلا أن يرضى الغرماء بدفع ثمنها إليه فذلك لهم.

3367 - ومن ابتاع أمة فولدت عنده ثم ماتت فبقي ولدها ثم فلس، فللبائع المحاصة إن شاء بجميع الثمن أو أخذ الولد بجميع دينه، إلا أن يعطيه الغرماء جميع الثمن ويأخذوا الولد فذلك لهم.
وأما إن ابتاع أمة أو غنماً، ثم فلس فوجد البائع الأمة قد ولدت والغنم قد تناسلت، فله أخذ الأمهات والأولاد كالرد بالعيب.
وأما ما كان من غلة أو صوف جزه أو لبن حلبه فذلك للمبتاع.
وكذلك النخل يجني ثمرها فهو كالغلة إلا أن يكون يوم الشراء على ظهور الغنم صوف قديم، وفي النخل ثمر قد أُبر واشترط ذلك الثمر، فليس كالغلة.
وقال غيره: إن جذ الثمرة وجز الصوف فهما كالغلة.
3370 - والأجير على سقي زرع أو نخل أو أصل، فإن سقاه فهو أحق به في الفلس حتى يستوفي حقه وهو في الموت أسوة الغرماء.
وأما الأجير على رعاية الإبل أو رحلتها أو علف الدواب فهو أسوة الغرماء الموت والفلس.

وأرباب الحوانيت والدور أسوة غرماء مكتريها في الموت والفلس وليسوا أحق بما فيها من متاع.
وجميع الصناع أحق بما أسلم إليهم في الموت والفلس، وكذلك المكرى على حمل متاع إلى بلد فهو أحق بما حمل على دوابه في الموت والفلس، كان قد أسلم دوابه إلى المكتري أو كان معها، ورب المتاع معه أو لا، وهو كالرهن، ولأنه على دوابه وصل إلى البلد.
3371 - وليس للغرماء أن يجبروا المفلس على انتزاع مال أم ولده أو مدبره، وله هو انتزاعه إن شاء لقضاء دينه، أو ينتزعه إن شاء على غير هذا الوجه لنفسه، وأما إن مرض ولا دين عليه فليس له انتزاعه، لأنه إنما ينتزعه لورثته وفي الفلس ينتزعه لنفسه.
وله انتزاع مال عبده المعتق إلى سنين ما لم يتقارب الأجل.
قيل له: فإن بقيت سنة؟ قال أرى أن يأخذ ماله ما لم يتقارب، ولم ير السنة قرباً.
وإن فلس المريض لم يكن له أن يأخذ مال مدبره للغرماء، فإن مات بيع المدبر بماله إن أحاط الدين بماله.
3372 - ولا بأس للسيد بمبايعة عبده المأذون له، ويضرب بدينه مع غرمائه، وكذلك يضرب بدينه مع مكاتبه من غير الكتابة، ولا يضرب بالكتابة في فلس ولا موت.

3373 - وإن ارتد رجل ولحق بدار الحرب وعليه دين ثم قاتل فقتل وفتحت البلاد وظفر [المسلمون] بماله فغرماؤه أحق بماله، ولا يكون في المقاسم إلا ما فضل عن دينهم.
1


(كتاب المأذون له في التجارة)

3374 - ومن خلّى بين عبده وبين التجارة اتجر فيما شاء، ولزم ذمته ما داين به الناس من جميع أنواع التجارات، لأنه أقعده للناس ولا يدري الناس لأي أنواع التجارات أقعده.
وأما إن أقعده ذا صنعة مثل قصار وأمره بعمل القصارة فلا يكون ذلك إذناً في التجارة ولا في المداينة فيها.
3375 - وإذا أخّر المأذون غريماً له بدين أو حطه [عنه] نظراً واستيلافاً، جاز.
ولا تجوز على غير ذلك كالوكيل [المفوض] ، وأما الوكيل المخصوص على بيع سلعة يضع من ثمنها بعد البيع فلا يلزم ذلك ربها.
3376 - وليس للعبد الواسع المال أن يعق عن ولده ويطعم لذلك الطعام إلا أن يعلم أن

سيده لا يكره ذلك، ولا له أن يصنع طعاماً ويدعو إليه الناس إلا أن يأذن سيده، إلا أن يفعل ذلك المأذون استيلافاً للتجارة، فيجوز.
ولا له أن يعطي من ماله شيئاً بغير إذن سيده، كان مأذوناً أو غير مأذون، وكذلك العارية.
3377 - وما استدان العبد ولم يؤذن له في التجارة فلا يتبع بشيء من ذلك إلا أن يعتق يوماً ما فيتبع بذلك في ذمته، إلا أن يفسخه عنه سيده أو السلطان، لأن ذلك يعيبه، وليس لمن داينه بغير إذن سيده أن يوجب في رقبته عيباً فإذا فسخه عنه سيده أو السلطان برئت ذمته ولم يتبع به إن عتق.
وكل ما صار بيد المأذون على الطوع من معطيه من دين أو وديعة أو أمانة فاستهلكه، [فذلك] في ذمته لا في رقبته، وليس للسيد فسخه عنه.
3378 - قيل لمالك 1 : أيبيع المأذون أم ولده؟ قال: إن أذن له سيده [فله أن يبيعها] . قال ابن القاسم: وأما فيما عليه من دين فإنها تباع، لأنها مال له ولا حرية فيها ولم يدخلها من الحرية ما دخل أم ولد الحر، وأما ولده منها فلا يباع في دينه، لأن

ولده ليس بمال له.
ولو اشترى المأذون ولده وعليه دين فإنهم يباعون [عليه] في دينه، لأنه أتلف أموال غرمائه وهم في هذا الموضع ملكه.
3379 - وللسيد رد ما وهب العبد والمكاتب والمدبر وأم الولد لو تصدقوا به، وإن استهلك ذلك من أخذه غرم القيمة لهم، إلا أن يكون ذلك من السيد انتزاعاً من غير المكاتب، فيقبض هو القيمة، ولو رده ولم ينتزعه وأقره لهم ثم مات السيد أو فلس فذلك لهم، ولو أعتقهم تبعهم ذلك.
ولو كان إذ رده استثناه لنفسه كان ذلك له، إلا في المكاتب فإنه للمكاتب إذ لا ينتزع ماله، أو يكون إنما رده في مرضه، فإنّ رده جائز، ولكن يبقى ذلك للمدبر وأم الولد، ولا ينتزعه إذ لا ينتزع أموالهما في المرض.
3380 - ومن استتجر عبده بمال دفعه إليه فلحق العبد دين، كان دينه فيما دفع إليه سيده وفي مال العبد، ويكون بقية الدين في ذمة العبد، لا في رقبته، ولا يكون في ذمة السيد من ذلك الدين شيء.
3381 - ولا يحاص السيد غرماء عبده بما دفع إليه من مال استتجره به، إلا أن يكون عامله بعد ذلك فأسلفه أو باعه بيعاً صحيحاً بغير محاباة، فإنه يضرب بذلك فيما دفع إليه من المال ليتّجر به وفي مال العبد، وإن دفع العبد إلى سيده في ذلك رهناً كان السيد أحق به.

3382 - وإن ابتاع من سيده سلعة بثمن كثير لا يشبه الثمن مما يعلم أنه توليج لسيده، فالغرماء أحق بما في يد العبد، إلا أن يبيعه بيعاً يشبه الثمن، فهو يحاص به الغرماء.
3383 - وما وُهِب للمأذون وقد اغترقه دين، فغرماؤه أحق به من سيده، والسيد أحق بكسبه وعمل يده وأرش جراحه وقيمته إن قُتل، وإن خارجه سيده لم يكن للغرماء من [عمل] يده شيء، ولا من خراجه ولا مما يبقى في يد العبد بعد خراجه، وإنما يكون لهم ذلك في مال إن وُهب للعبد أو تصدق به عليه أو أوصى به فقبله العبد، فإن أعتق العبد يوماً ما، بقي الدين في ذمته.
1 3384 - ولو باعه السيد سلعة بعينها ففلس العبد وهي قائمة في يده فسيده أحق بها، إلا أن يرضى الغرماء بدفع ثمنها إلى السيد فذلك لهم.
3385 - وإن أسلمت إلى عبدك المأذون أو إلى أجنبي دنانير في طعام ثم فلس والدنانير قائمة بيده لم تفت، فإن شهدت عليها بينة لم تفارقه أنها بعينها، فأنت أحق بها من الغرماء.

3386 - قال ابن وهب عن مالك: ومن ابتاع زيتاً فصبّه على زيت له بمحضر بينة، ثم فلس المبتاع، فالبائع أحق بمقدار زيته منه، وهو كعين قائمة، وليس خلط المبتاع إياه يمنع البائع من أخذه، وكذلك إن دفع إلى صرّاف دنانير فصبها في كيسه بمحضر بينة ثم بان فلسه.
والرجل يشتري بزاً فيرقمه ويخلطه ببز عنده فليس هذا وشبهه بالذي يمنع الناس من أخذ ما وجدوا من متاعهم إذا فلس المبتاع.
قال أشهب: هو أحق بالعرض، وأما العين فهو فيه أسوة الغرماء.
3387 - وإقرار المأذون في صحته أو في مضره بدين لمن لا يتهم عليه جائز، إلا أن يقر بعد قيام غرمائه، فلا يجوز ذلك كالحر في الوجهين.
ويجوز إقراره بالدين فيما بيده من المال، وإن حجر عليه سيده فيه ما لم يفلس.
ولا تلزم السيد عهدة فيما يشتري المأذون إلا أن يكون قال للناس: بايعوه وأنا له ضامن، فيلزم ذلك ذمة السيد وذمة العبد أيضاً، ويباع العبد عليه في ذلك إن لم يوف عنه سيده.

3388 - قال مالك: ولا أرى للمسلم أن يستتجر عبده النصراني ولا يأمره ببيع شيء لقول الله تعالى: ×وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ% [النساء: 161] . 3389 - ولا يجوز لأحد الشريكين في العبد أن يأذن له في التجارة دون صاحبه وكذلك قسمة ماله، ولا يلزم ذلك من أبى منهما، لأنه ينقص العبد.
ومن دعا إلى بيعه منهما فذلك له، إلا أن يتقاوماه بينهما.
3390 - وإذا كان على المأذون دين يحيط بماله فادعى السيد في مال بيد العبد أنه له، وقال العبد: بل هو لي، فالقول قول العبد، ولو كان محجوراً عليه كان القول قول السيد، كقول مالك في ثوب بيد العبد يقول: فلان أودعنيه، وسيده يدعيهن فالسيد مصدق إلا أن يقيم فلان بينة.
3391 - ومن أراد أن يحجر على ولده فلا يحجر عليه إلا عند السلطان فيوقفه السلطان للناس ويسمع به في مجلسه ويشهد على ذلك، فمن باعه أو ابتاع منه بعد ذلك فهو مردود عليه.

وكذلك المأذون له لا ينبغي للسيد أن يحجر عليه إلا عند السلطان فيوقفه السلطان للناس، ويأمر به فيطاف به حتى يعلم ذلك منه.
3392 - ولا يجوز للعبد المحجور عليه في ماله بيع [ولا شراء] ولا إجارة ولا أن يؤجر عبداً له إلا بإذن سيده في ذلك كله.
3393 - وإذا لحق المأذون دين يغترق ماله فلسيده أن يحجر عليه ويمنعه من التجارة، ودَيْنه في ماله، ولا شيء لسيده في ماله، إلا أن يفضل عن دينه شيء، أو يكون السيد داينه، فيكون أسوة الغرماء، وليس للغرماء أن يحجروا عليه، وإنما لهم أن يقوموا [عليه] فيفلسوه وهو كالحر في هذا.
1


(كتاب الحمالة)

1 3394 - ومن قال لرجل: أنا حميل لك بفلان أو زعيم أو كفيل أو ضامن أو قبيل أو هو لك عندي أو عليّ أو إليّ أو قبلي، فذلك كله حمالة لازمة إن أراد الوجه لزمه، وإن أراد المال لزمه ما شرط، فإن شرط بالمال فأتى بالغريم عند الأجل عديماً لم يبرأ وغرم.
وأما إن تكفل برجل أو بنفسه أو بعينه أو بوجهه إلى أجل، ولم يذكر مالاً، فإنه إذا أتى بالرجل عند الأجل مليّاً أو معدماً [برئ] ، فإن لم يأت به حينئذ والغريم حاضر أو غائب، قريب الغيبة مثل اليوم وشبهه، تلوّم السلطان للحميل، فإن أتى به بعد التلوم فلا شيء عليه وإلا غرم.

3395 - وإن بعدت غيبة المكفول به غرم الحميل مكانه، ولو شرط حميل الوجه أني أطلبه فإن لم أجده برئت من المال، ولكن عليّ طلبه حتى آتي به، لم يلزمه إلا ما شرط.
قال غيره: لا يلزمه من المال شيء جاء بالرجل، أو لم يأت به، إلا أن يمكنه بعد الأجل إحضاره ففرّط فيه حتى أعوزه، فهذا قد غره.
وإذا مات الغريم برئ حميل الوجه، لأن النفس المكفولة قد ذهبت، ولو غرم الحميل ثم أتى ببينة أن الغريم مات في غيبته قبل القضاء، رجع الحميل بما أدى على رب الدين، لأنه لو علم أنه ميت حين أخذ به الحميل لم يكن عليه شيء، وإنما تقع الحمالة بالنفس ما كان حياً، ولو قدم الغريم [أو أتى به بعد غرم الحميل] لم يرجع إلا عليه.
قال: وإن أخذ به فلم يقض عليه الحاكم بالغرم حتى أحضره برئ، ولو كان قد حكم عليه بالمال بعد التلوم لزمه المال ومضى الحكم.
3396 - وإذا حبس المحمول بعينه فدفعه الحميل إلى الطالب وهو في السجن برئ الحميل،

لأن الطالب يقدر على أخذه في السجن، ويحبس له في حقه، بعد تمام ما سجن فيه.
وكذلك إن دفعه إليه بموضع فيه حكم وسلطان وإن لم يكن ببلده، فيبرأ.
وإن دفعه إليه بموضع لا سلطان فيه أو في حال فتنة أو بمفازة أو بمكان يقدر الغريم على الامتناع منه، لم يبرأ منه الحميل حتى يدفعه إليه بموضع يصل إليه وفيه سلطان فيبرأ، وإن أمكن الغريم الطالب من نفسه وأشهد أني قد دفعت نفسي إليك براءة للحميل، لم يبرأ بذلك الحميل، وإن كان بموضع تُنفّذ فيه الأحكام، حتى يدفعه الحميل بنفسه أو وكيله إلىالطالب، فإن لم يقبل ذلك الطالب أشهد عليه وكان ذلك له براءة.
3397 - قال ابن القاسم: ومن ادعى على رجل حقاً فأنكره فقال له رجل: أنا به حميل إلى غد، فإن لم أوفّك به في غد فأنا ضامن للمال، فلم يأت به في غد فلا يلزم الحميل شيء حتى يثبت الحق ببينة فيكون حميلاً بذلك، وإن أنكر المدعى عليه ثم قال للطالب: أجلني اليوم فإن لم أوفك غداً فالذي تدعيه، قبلي، فهذا مخاطرة ولا شيء عليه.
×فقال له رجل: أنا بها كفيل، فأتى فلان فأنكرها، لم يلزم الكفيل شيء حتى يثبت ذلك ببينة.
3398 - ومن أدى عن رجل حقاً بغير أمره فله أن يرجع به عليه.

وكذلك من تكفل عن صبي بحق قضي به عليه، فإن أداه عنه بغير أمر وليه فله أن يرجع في مال الصبي.
وكذلك لو أدى عنه ما لزمه من متاع كسره أو أفسده أو اختلسه، لأن ما فعل الصبي من ذلك يضمنه.
3399 - ومن له على رجل ألف درهم من قرض، وألف من كفالة فقضاه [الغريم] ألفاً، ثم ادعى أنها القرض، وقال المقتضي: بل هي الكفالة، قُضي بنصفها عن القرض ونصفها عن الكفالة.
1 وقال غيره: القول قول المقتضي مع يمينه، لأنه مؤتمن مدعى عليه، وورثة الدافع في قوليهما كالدافع.
3400 - قال مالك: ومن تحمل برجل أو بمال عليه فليس للذي له الحق إذا كان الغريم حاضراً مليئاً أن يأخذ من الكفيل شيئاً إلا ما عجز عنه الغريم.
وكان مالك

يقول: يتبع أيهما شاء في ملاء الغريم، ثم رجع إلى هذا وأخذ به ابن القاسم ورواه ابن وهب.
3401 - قال مالك: ولو كان الغريم غائباً مليئاً أو مدياناً حاضراً يخاف الطالب إن أقام عليه المحاصة، فله اتباع الحميل، إلا أن يكون للغائب مال حاضر يعدى فيه، فلا يتبع الحميل.
قال غيره: إلا أن يكون في تثبيت ذلك وفي النظر فيه بُعد فيؤخذ من الحميل.
3402 - وإذا مات الكفيل قبل الأجل فللطالب تعجيل الدين من تركته، ثم لا رجوع لورثته على الغريم حتى يحل الأجل، وله محاصة غرمائه أيضاً.
وإن مات الغريم تعجّل الطالب دينه من ماله، فإن لم يدع مالاً لم يتبع الكفيل حتى يحل الأجل.

3403 - وإن مات الغريم مليئاً والطالب وارثه برئ الحميل، لأنه إن غرم للطالب شيئاً رجع عليه بمثله في تركة الميت، والتركة في يده فصارت كمقاصة.
3404 - وإن مات الغريم معدماً ضمن الكفيل، وأما في الحوالة فذلك على المحال عليه بأصل الدّين، مات الغريم الموروث مليئاً أو معدماً.
1 3405 - ومن تكفل لرجلين بحق لهما، فغاب أحدهما وأخذ الحاضر من الكفيل حصته من الدين، فللغائب إذا قدم أن يدخل معه فيما قبض إن كان الدين بكتاب واحد.
[وكذلك] قال مالك في رجلين لهما دين [على رجل] بصك واحد، فاقتضى أحدهما نصيبه دون صاحبه، فإن صاحبه يشاركه فيما اقتضى، إلا أن يكون المقتضي أعذر إلى صاحبه عند السلطان، أو أشهد على ذلك دون السلطان، فلم يخرج معه، ولا وكل، فحينئذ يكون له ما قبض خاصة، وهذا في التفليس مذكور، ولو رفع ذلك إلى الإمام وشريكه غائب والغريم مليء بحقيهما، فقضى للحاضر بأخذ حقه لم يدخل الغائب عليه فيه وإن أعدم الغريم.

فصول الكتاب · 3 فصل · 645 صفحة
جارٍ التحميل