التهذيب في اختصار المدونةصفحات 383-423
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الأقضية

صفحات 383-423
عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو سعيد ابن البراذعي
الكتاب
التهذيب في اختصار المدونة
المؤلف
خلف بن أبي القاسم محمد، الأزدي القيرواني، أبو سعيد ابن البراذعي المالكي (المتوفى: 372هـ)دراسة وتحقيق: الدكتور محمد الأمين ولد محمد سالم بن الشيخ
الناشر
دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، دبي
الطبعة
الأولى، 1423 هـ - 2002 م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع](تنبيه): المقدمة والحواشي ليست من المطبوع بل من مطبوعة أخرى

3916 - وإذا أتى رجل بكتاب من قاض إلى قاض، يذكر أنه شهد عندي قوم، أن فلاناً صاحب كتابي هذا إليك قد هرب منه عبد صفته كذا، فوصفه ولاجه في الكتاب، وعند هذا القاضي عبد آبق محبوس على هذه الصفة، فليقبل كتاب القاضي والبينة التي شهدت فيه على الصفة، ويدفع إليه العبد.
1 قال: وترى للقاضي الأول أن يقبل منه البينة على الصفة ويكتب [بها] إلى قاضٍ آخر؟ قال: نعم، لأن مالكاً قال في المتاع الذي يسرق بمكة إذا اعترفه رجل ووصفه [بصفة] ولا بينة له أن يستأنى الإمام فيه، فإن جاء من يطلبه وإلا دفعه إليه، فالعبد الذي أقام البينة على صفته، أحرى أن يدفع إليه، فإن ادعى العبد ووصفه ولم تقم البينة عليه فأرى أنه مثل المتاع ينتظر به الإمام ويتلوم، فإن جاء أحد يطلبه وإلا دفعه إليه وضمنه إياه.
قيل: ولا يلتفت ههنا إلى العبد إن أنكر أن هذا هو مولاه، إلا أنه يقر أنه عبد لفلان ببلد آخر، قال: يكتب السلطان إلى ذلك الموضع وينظر في قول العبد، فإن كان كما قال وإلا ضمنه هذا وأسلمه إليه كالأمتعة، ومن اعترفت من يده دابة وقضي عليه، فادعى أنه اشتراها من بعض

البلدان وأراد أن لا يذهب حقه، فله وضع قيمتها بيد عدل ويمكنه القاضي من الدابة ليخرج بها إلى بلد البائع منه لتشهد البينة على عينها، فإن قال مستحقها: أنا أريد سفراً وإنما يريد أن يعوقني عنه، قيل له: فاستخلف من يقوم بأمرك، ويمكن المطلوب من الخروج بها، ويطبع له في عنقها ويكتب له كتاباً إلى قاضي ذلك البلد: [إني] قد حكمت بهذه الدابة لفلان، فاستخرج له ماله من بائعه إلا أن يكون للبائع حجة، فإن تلفت الدابة في ذهابه أو مجيئه، أو اعورت أو انكسرت أو نقصها في ذهابه أو مجيئه فهي من الذاهب بها، والقيمة للذي اعترفها إلا أن يرد [إليه] الدابة بحالها.
وكذلك الرقيق إلا أن تكون جارية، فإنه إن كان أميناً دفعت إليه، وإلا فعليه أن يستأجر أميناً يذهب بها معه وإلا لم تدفع إليه.
قيل: فإذا وصل كتاب القاضي إلى القاضي وثبت عنده بشاهدين، هل يكلف الذي جاء بالبغل [أن يقيم بينة] أن هذا البغل هو الذي حكم به عليه؟ قال: إن كان البغل موافقاً لما في كتاب القاضي من صفته وخاتم القاضي في عتقه، لم يكلف ذلك.
3917 - وإذا شهد قوم غرباء في بلد لا يعرفون [به] ، لم يقبلوا إلا بعدالة، لأن البينة لا تقبل إلا بعدالة، [وإن شهد قوم على حق، فعدَّلهم قوم غير معروفين، فعدَّل

المعدلين آخرون] ، فإن كان الشهود غرباء، جاز ذلك، وإن كانوا من أهل البلد، لم يجز ذلك، لأن القاضي لا يقبل عدالة على عدالة إذا كانوا من أهل البلد، حتى تكون العدالة على الشهود أنفسهم عند القاضي.
3918 - قال مالك: لم أزل أسمع أن الآبق يحبس على ربه سنة، ثم يباع.
ومن وجد آبقاً فلا يأخذه، إلا أن يكون لقريبه أو جاره أو لمن يعرفه، فأحب إلي أن يأخذه، وهو من أخذه في سعة.
والآبق إذا اعترفه ربه بيدك ولم تعرفه، فأرى أن ترفعه إلى الإمام إن لم تخف ظلمه.
3919 - ومن استأجر آبقاً فعطب في عمله ولم يعلم أنه آبق، ضمنه لربه.
1 وقاله مالك فيمن أجر عبداً على تبليغ كتاب إلى بلد ولم يعرف أنه عبد، فعطب في الطريق، إنه يضمنه، لأن من ابتاع سلعة من السوق فأتلفها هو نفسه، إنه يضمنها [إن استحقت] ، وإن أجرت الآبق فالإجارة لربه، وإن استعملته لزمتك قيمة عمله لربه، لأن ضمانه منه ونفقته عليه، وإنما يضمن الآبق إذا استعمله في عمل يعطب في مثله، فهلك فيه.
وإن استعملته في شيء فسلم، فلربه الأجر فيما له بال من الأعمال.

وكذلك من استعمل عبداً لرجل.
3920 - وإذا أبق المكاتب لم يكن فسخاً لكتابته إلا بعد حلول النجم، وبعد تلوم الإمام له.
ومن أعتق عبداً آبقاً عن ظهاره، لم يجزه، إذ لا يدري أحيّ هو أم ميت، أو معيب أو سليم، إلا أن يعرف في الوقت موضعه وسلامته من العيوب، فيجزيه، [أو لم] يعلم ذلك إلا بعد العتق، فيجزيه وإن جهله أولاً.
وإذا عرف أن الآبق عند رجل، جاز أن يباع منه أو من غيره ممن يوصف له إذا وصف أيضاً للسيد حاله الآن وصفته، ولا يجوز النقد فيه إذا كان بعيداً، وهو كعبد غائب لرجل باعه.
3921 - وإذا أبق العبد الرهن، لم يضمنه المرتهن وصدق في إباقه وأُحلف وكان على حقه، وإن وجده سيده وقامت الغرماء عليه، فالراهن أولى به إذا كان قد حازه المرتهن، لكونه بيده قبل الإباق، إلا أن يعلم المرتهن بكونه بيد الراهن فتركه حتى فلس، فهو أسوة الغرماء.

3922 - وإن أبق عبد مسلم إلى بلد الحرب فدخل إليهم مسلم فاشتراه، لم يأخذه ربه منه إلا بالثمن الذي [ودّى] ، اشتراه بأمره أو بغير أمره، وكذلك عبيد أهل الذمة.
3923 - وإذا أسر العدو ذمياً فظفرنا به، رُدّ إلى جزيته، وقع في المقاسم أو لم يقع، لأنه لم ينقض عهداً ولم يحارب.
1 فإن فات العبد بعتق عند الذي اشتراه ببلد الحرب، أو كانت أمة فأولدها مشتريها، مضى ذلك ولم ترد، بخلاف من ابتاع عبداً في سوق المسلمين ولا يعلم أن له سيداً غير بائعه، فأعتقه ثم استحقه سيده، إنه يأخذه، لأن هذا أخذه بغير ثمن، والأول لا يأخذه إن شاء إلا بالثمن، ما لم يفت بعتق - كما ذكرنا -.


(كتاب تحريم الآبار)

3924 - وليس لبئر ماشية أو لبئر زرع، حريم محدود، ولا للعيون إلا ما يضر بها.
ومن الآبار آبار تكون في أرض رخوة، وأخرى في أرض صلبة أو في صفا، فإنما ذلك على قدر الضرر بالبئر، ولأهل البئر منه من أراد أن يبني أو يحفر بئراً في ذلك الحريم، لأنه حق للبئر وضرر بهم.

وكذلك لو لم يكن على البئر من حَفْر بئر أخرى ضرر لصلابة الأرض، كان لهم منعه لما يضر بهم في مناخ الإبل ومرابض المواشي عند وردها.
3925 - وكل من حفر في أرضه أو داره بئراً، فله منعها وبيع مائها، وله منع المارة من مائها إلا بالثمن، إلا قوم لا ثمن معهم وإن تركوا إلى أن يردوا إلى ماء غيره هلكوا، فلا يمنعون ولهم جهاد من منعهم.
فأما من حفر في غير ملكه بئراً لماشية أو شفة، فلا يمنع فضلها من أحد، وإن منعوه حل قتالهم، فإن لم يقو المسافرون على دفعهم حتى ماتوا عطشاً، فدياتهم على عواقل المانعين، والكفارة عن كل نفس منهم على كل رجل من أهل الماء مع وجيع الأدب، وقال النبي ÷: "لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ".
1 قال ابن القاسم: و [ذلك] في الصحاري، وأما في القرى والأرض المحوزة، فللرجل منع كلئه - عند مالك - إن احتاج إليه، وإلا فليخل بين الناس وبينه.

وإذا حرث جارك على غير أصل ماء، فلك أن تمنعه أن يسقي بفضل ماء بئرك التي في أرضك إلا بثمن إن شئت.
وأما إن حرث ولأرضه بئر فانهارت، فخاف على زرعه، فإنه يقضى له عليك بفضل ماء بئرك بغير ثمن.
وإن لم يكن في مائك فضل، فلا شيء له.
وسئل مالك عن ماء الأعراب يرد عليهم أهل المواشي يسقون منها فيمنعونهم؟ فقال: أهل ذلك الماء أحق بمائهم حتى يرووا، فإن كان فضل، سقى هؤلاء، والحديث: "لا يمنع فضل الماء" 1 هو ما يفضل عنهم.
وكذلك بئر الماشية، الناس أولى بفضلها، وأما بئر الزرع، فصاحب الزرع أولى بالفضل.
3926 - ولا بأس بشرائك شرب يوم أو يومين، من عين أو بئر دون الأصل، أو شراء أصل شرب يوم أو يومين من كل شهر، ولا شفعة في ذلك إن كانت الأرض قد قسمت.
وإذا قُسمت الأرض وترك الماء فباع أحدهم نصيبه من الأرض بغير ماء أو باع نصيبه من الماء فلا شفعة في ذلك، وإنما الشفعة في الماء إذا لم تقسم الأرض.

وإذا باع أحدهم حصته من الماء، ثم باع آخر بعده حصته من الماء، لم يضرب البائع الأول معهم في الشفعة في الماء بحصته من الأرض.
وكذلك لو باع حصته من الأرض، ثم باع آخر حصته من الأرض، لم يكن للأول فيها شفعة، لمكان ما بقي له من الماء.
وإذا كانوا شركاء في أرض [وماء] ، فاقتسموا الأرض، ثم باع أحدهم حصته من الماء، فلا شفعة له فيما باع بحصته نم الأرض.
3927 - وإن كان لرجل ماء خلف أرضك، وله أرض دون أرضك، فأراد أن يجري ماءه في أرضك لأرضه، فلك منعه من ذلك.
وكذلك لو كان له في أرضك مجرى ماء أراد أن يحوله في أرضك إلى موضع أقرب إليه، فلك منعه.
وليس العمل على ما روي عن عمر في هذا.

3928 - وإن اكتريت من رجل شرب يوم من كل شهر، أو من هذه السنة من قناته بأرضك هذه يزرعها سنته هذه، جاز ذلك، لأنك لو أكريت أرضك بدين، جاز.
3929 - وإن كانت بئر بين رجلين فانهارت، أو عين فانقطعت، فعملها أحدهما وأبى الآخر أن يعمل، لم يكن للذي لم يعمل من الماء قليل ولا كثير، وإن كان فيه فضل إلا أن يعطي شريكه نصف ما أنفق.
وإذا احتاجت قناة أو بئر بين شركاء لسقي أرضهم إلى الكنس لقلة مائها، فأراد بعضهم الكنس وأبى الآخرون - وفي ترك الكنس ضرر بالماء وانتقاص، والماء

يكفيهم ولا يكفي الذين شاءوا الكنس [خاصة - فللذين شاءوا الكنس خاصة] أن يكنسوا، ثم يكونون أولى بما زاد في الماء كنسهم دون من لم يكنس حتى يؤدوا حصتهم من النفقة، فيرجعون إلى أخذ حصتهم من جميع الماء.
وكذلك بئر الماشية إذا قل ماؤها فأراد بعضهم الكنس وأبى الآخرون، فهي كبئر الزرع، فإن كنسها بعضهم كان جميعهم فيما كان من الماء قبل الكنس على قدر حقوقهم [فيه] ، ثم يكون الذين كنسوا أحق بما زاد الماء بكنسهم، فإذا رووا كان الناس وأُباة الكنس في الفضل سواء، حتى يؤدوا حصتهم من النفقة، فإذا أدوه كان جميع الماء بينهم على قدر ما كان لهم، ثم الناس في الفضل [شرعاً] سواء، ولا شفعة في بئر ماشية، ولا تباع [و] إن احتاج أهلها إلى بيعها.
ولا بأس ببيع بئر الزرع وفيها الشفعة إذا لم تقسم الأرض.
3930 - ومن أرسل في أرضه ماءً أو ناراً، فوصل إلى أرض جاره فأفسد زرعه، فإن

كانت أرض جاره بعيدة يؤمن أن يصل ذلك إليها، فتحاملت النار بريح أو غيرها فأحرقت، فلا شيء عليه، وإن لم يؤمن وصول ذلك لقربها، فهو ضامن، وكذلك الماء، وما قتلت تلك النار من نفس، فعلى عاقلة مرسلها.
قيل: فمن كانت له أرض وإلى جانبها أرض لغيره، وله عين خلف أرض جاره، وليس له ممر إلا في أرض جاره، فمنعه من الممر إلى العين؟ قال: سئل مالك عن رجل له أرض وحواليها زرع للناس في أرضهم، فأراد أن يمر بماشيته إلى أرضه في زرع القوم، فقال: إن كان ذلك يفسد زرعهم فلهم منعه.
3931 - وإن كانت بركة أو غدير أو بحيرة في أرضك وفيها سمك، فلا تمنع من الصيد فيها ممن ليس له فيها حق، ولا تبع سمكها ممن يصيد فيها سنة، لأنها تقل وتكثر.
ولا بأس أن تبيع خصباً في أرضك ممن يرعاه عامه ذلك، ولا تبعه عامين ولا ثلاثة، وإنما يجوز بيعه بعد ما ينبت.

3932 - ومن أحيا أرضاً ميتة بغير إذن الإمام، فهي له، وإحياؤها شق العيون، وحفر الآبار، وغرس الشجر، والبناء، والحرث، فما فعل من ذلك فهو إحياء.
وتفسير الحديث الذي جاء: "من أحيا أرضاً ميتة فهي له" 1 ، إنما ذلك في الصحاري [والبراري] ، وأما ما قرب من العمران، وما يتشاح الناس فيه، فليس له أن يحييه إلا بقطيعة من الإمام.
قيل: هل كان مالك يعرف هذا الذي يحجر الأرض، أنه يترك ثلاث سنين فإن أحياها وإلا فهي لمن أحياها؟ قال: ما سمعت من مالك في التحجير شيئاً، وإنما الإحياء عند مالك ما وصفت لك.
3933 - ومن أحيا أرضاً مواتاً ثم تركها حتى دثرت وطال زمانها وهلكت أشجارها، وتهدمت آبارها، وعادت كأول مرة، ثم أحياها غيره، فهي لمحييها آخراً، وهذا إذا

أحيا في غير أصل كان له، فأما من ملك أرضاً بخطة أو شراء ثم أسلمها فهي له، وليس لأحد أن يحييها.
3934 - ولو نزل قوم أرضاً من أرض البرية فرعوا ما حولها أو حفروا بئراً لمواشيهم، لم يكن هذا إحياء لمرعاهم، [و] هم والناس في المرعى سواء، ولا يمنع الكلأ إلا رجل له أرض قد عرفت له، فهذا الذي يمنع كلأها، أو يبيعه إن احتاج إليه، وهؤلاء أحق ببئرهم حتى يرووا ثم يكون فضلها للناس، وليس لهم بيعها ولا منع فضل مائها.
3935 - ومن سيّل ماءً عن أرض غَرِقَة، أو نزل بغيضة فقطع شجرها، فذلك إحياء.
ومن حفر بئراً بعيدة من بئرك، فانقطع ماء بئرك من حفر بئره وعُلم ذلك، فلك ردمها عليه.
3936 - ومن حفر بئراً حيث لا يجوز له، ضمن ما عطب فيها من دابة أو إنسان.

وإن حفرت بئراً في وسط دارك أو إلى جنب جدارك، فحفر جارك خلفها في داره بئراً أو حفرة في وسط داره، فإن كان ذلك مضراً ببئرك منع من ذلك.
وكذلك لو أحدث كنيفاً يضر ببئرك منع من ذلك، ومن رفع بناه ففتح كوى يشرف منها على جاره، منع من ذلك.
وكتب عمر - رضي الله عنه - في هذا أن يوقف على سرير فإن نظر إلى ما في دار جاره منع، وإلا لم تمنع [من ذلك] . 1 قال مالك: يمنع من ذلك ما فيه ضرر، وأما ما لا ينال منه النظر [إليه] ، فلا يمنع.
وإن رفع بناءه ولم يفتح فيه كوة فستر جاره من الشمس وهبوب الريح، لم يمنع.

3937 - وإن كانت بين قوم أرض وعين فاقتسموا الأرض وبقيت العين، فأراد أحدهم أن يسقي بحصته من الماء أرضاً له أخرى، أو يؤجر ذلك ممن يسقي له أو يبيعه، [فله ذلك] ، ثم لا شفعة فيه لشركائه.
3938 - ومن غصبك أرضاً فزرعها، أو داراً فسكنها، أو بئراً فسقى بها أرضه، فعليه كراء ذلك.
وإن غصبك دابة فركبها، فلا كراء عليه.
3939 - ومن ارتهن عيناً أو قناة، أو جزءاً من شرب بئر أو عين أو نهر، جاز ذلك إذا قبضه المرتهن وحازه وحال بين صاحبه وبينه.
وليس للراهن أن يكري ذلك، ولا للمرتهن أن يكريه بغير أمر ربه، فإن أمره بذلك أكراه المرتهن وكان الكراء للراهن.
وكذلك من ارتهن داراً، فليس لرب الدار أن يكريها، ولكن يتولى المرتهن كراها بأمره، ويكون الكراء لرب الدار، ولا يكون رهناً إلا أن يشترطه.

وإن اشترط أن يكريها ويأخذ كراها في حقه، فإن كان دينه من قرض، جاز، وإن كان من بيع، [لم يجز] إلا أن [يكون] ذلك الشرط بعد عقد البيع، فجائز، وإن عقد البيع على هذا، لم يجز، إذ لا يدري ما يقتضي أيقل أم يكثر، إذ لعل الدار تنهدم قبل أن يقتضي.
وللمرتهن أن يمنع الراهن أن يسقي زرعه بما ارتهن منه من بئر أو قناة.
وإن أذن له أن يسقي [بها] زرعه، خرجت من الرهن.
[وكذلك من ارتهن داراً فأذن لربها أن يسكن أو يكري، فقد خرجت من الرهن] حين أذن له، وإن لم يسكن ولم يكر.
ومسألة إنخساف البئر في أيام الخيار وما بعدها إلى آخر الكتاب، قد تقدم ذكره في كتاب بيع الخيار، فأغنى عن إعادتها ههنا.


(كتاب الحدود في الزنا)

3940 - وينبغي للقاضي إذا شهدت عنده بينة على رجل بالزنا، أن يكشف عن شهادتهم: كيف رأوه؟ وكيف صنع؟ فإن رأى في شهادتهم ما تبطل به الشهادة، أبطلها.
وإذا عدلت البينة والقاضي لا يعرف أبكر هو أم ثيب؟ فينبغي له أن يقبل قول الزاني: إنه بكر، ويجلده مائة جلدة، إلا أن يشهد على الزاني شاهدان بالإحصان، فيرجم.
3941 - ولا يجوز في الإحصان شهادة النساء مع الرجال ولا وحدهن، ولا في النكاح.

3942 - ومن تزوج امرأة وتادم مكثه معها بعد الدخول [بها] ، فشهد عليه بالزنا فقال: ما جامعتها مذ دخلت عليها، فإن لم يعلم وطؤه: بولد يظهر أو بإقرار، لم يرجم، وإن علم منه إقرار بالوطء قبل ذلك، رُجم.
ولا يجتمع الرجم والجلد في الزنا على الثيب، والثيب حده الرجم بغير جلد، والبكر حده الجلد بغير رجم، بذلك مضت السنة، ولا نفي على النساء ولا على العبيد، ولا تغريب.
1

ولا يُنفى الرجل الحر إلا في الزنا، أو في حرابة، ويسجنان جميعاً في الموضع الذي ينفيان إليه: يسجن الزاني سنة، والمحارب حتى تعرف له توبة.
والرجم على من أُحصن بنكاح يصح عقده ويصح الوطء فيه.
وقد ذكرنا مسائل الإحصان في كتاب النكاح.
3943 - ومن خاصم في قذف، فمات قبل إيقاع البينة، فلورثته القيام بذلك، ويحدّ لهم القاذف إن أتوا ببينة.
ولو لم يقم المقذوف بقذفه حتى مت سنة، أو أقل أو أكثر، ولم يسمع منه عفو ثم مات فقام بذلك وارثه، فإن لم يمض من [طول] الزمان ما يعدّ به المقذوف تاركاً، فلورثته القيام، وإن مضى من طول الزمان ما يُرى أنه تارك، فلا قيام لهم، فأما لو قام المقذوف نفسه بعد طول الزمان لَحَلَف بالله ما كان تاركاً لذلك، ولا كان وقوفه إلا أن يقوم بحقه إن بدا له، حُدّ له بخلاف ورثته.
ومن قتل وله أم وعصبة، فماتت الأم، فورثتها مكانها، إن أحبوا أن يقتلوا قتلوا، ولا عفو للعصبة دونهم، كما لو كانت الأم باقية.

3944 - ومن افترى على رجل مجلود في الزنا، أو مرجوم في الزنا، فلا حد عليه.
ومن قال لرجل: يا ابن الزانية، وقال: أردت جدة من جداته لأمه، فإن كانت جدة له لأمه قد عرفت بذلك، حلف أنه ما أراد غيرها، ولا حد عليه، وعليه العقوبة.
قيل: فهل يُنكل في قذف هؤلاء الزناة؟ قال: إذا آذى مسلماً نكل.
3945 - وإذا شهد أربعة على رجل بالزنا، فرجع أحدهم قبل إقامة الحد، أو وُجد عبداً، أو مسخوطاً، فإنهم يحدون كلهم حد الفرية.
وإن رجع شهود الزنا بعد الرجم حُدوا، وكانت الدية في أموالهم.
وإن رجع واحد بعد قيام الحد، جلد الراجع وحده دون الثلاثة الذين بقوا.

وإن علم بعد الرجم والجلد أن أحدهم عبد، حُدّ الشهود أجمعون.
وإن كان مسخوطاً لم يحد واحد منهم، لأن شهادتهم قد تمت باجتهاد الإمام في عدالتهم، ولم تتم في العبد، ويصير من خطأ الإمام، فإن لم يعلم الشهود كانت الدية في الرجم على عاقلة الإمام، وإن علموا فذلك على الشهود في أموالهم، ولا شيء على العبد في الوجهين.
وما أخطأ به الإمام من حد [هو] لله، يبلغ به ثلث الدية فأكثر فعلى عاقلته، وما كان دون الثلث ففي ماله خاصة.
ولا تجوز شهادة الأعمى في الزنا، ويُحدّ.
3946 - وإذا حكم القاضي بشاهدين في مال، ثم تبين أن أحدهما عبد، أو ممن لا تجوز شهادته، حلف الطالب مع شاهده الباقي ونفذ الحكم، فإن نكل حلف المطلوب واسترجع المال.
وإن شهدا عليه بقطع يد [أو] رجل عمداً، فاقتص منه، ثم تبين أن أحدهما عبد، أو ممن لا تجوز شهادته، لم يكن على متولي القطع شيء، وهذا من خطأ الإمام.
وإن شهد أربعة على رجل بالزنا، فرجمه الإمام، ثم أصابوه مجبوباً، لم يحد

الشهود، إذ لا يحد من قال لمجبوب: يا زاني، وعليهم الدية في أموالهم مع وجيع الأدب وطول السَّجن.
1 وإذا شهدوا على الحدود فماتوا، أو غابوا، أو عموا، أو أُخرسوا، [أو جنوا] ، ثم زكوا بعد ذلك، فليقم الإمام الحد إذا كان قد استقصى شهادتهم، وكذلك الحقوق.
3947 - ولم يكن مالك يعرف أن البينة تبدأ بالرجم، ثم الإمام، ثم الناس، وأنه في الإقرار والحمل يبدأ الإمام ثم الناس.

قال: وليأمر الإمام بالرجم في ذلك كله كسائر الحدود، ولا يربط المرجوم ولا يحفر له، وكذلك المرأة.
وفي الحديث: فرأيت الرجل يحني على المرأة ولو كان في حفرة ما حنى عليها.
1 ويغسل المرجوم ويكفن ويصلى عليه ويدفن، ولا يصلي عليه الإمام.

3950 - وإذا قالت امرأة: زنيت مع هذا الرجل، وقال الرجل: هي زوجتي، وقد وطئها، أو وجدا في بيت فأقرا بالوطء وادعيا النكاح، فإن لم يأتيا ببينة حُدا.
3951 - ومن زنا بصغيرة يوطأ مثلها ولم يحصن، فعليه الحد.
3952 - وإن زنت امرأة بصبي مثله يجامع إلا أنه لم يحتلم، فلا حد عليها.
وإن زنت بمجنون، فعليها الحد.
ويحد قاذف المجنون.
3953 - وإن زنى مسلم بذمية، حُدّ، وردت هي إلى أهل دينها، وإن شاءوا رجمها لم أمنعهم.
3954 - ومن زنى بمجنونة لا تعقل، أو أتى نائمة، أو اغتصب امرأة، فعليه الحد والصداق لكل واحدة منهن.
3955 - ومن وطئ أمة بيده رهناً، وقال: ظننتها تحل لي، حُدّ، ولا يعذر بذلك أحد، ولا العجم إذا ادعوا الجهالة.

ولم يأخذ مالك بالحديث الذي قالت: "زنيت بمرغوس بدرهمين" وأرى أن يقام الحد في هذا.
3956 - ومن اشترى حرة وهو يعلم بها، فأقر أنه وطئها، حُدّ.
ويضرب المحدود في الزنا والخمر والقذف [على ظهره، ويجرد الرجل في الحد والنكال، ويكشف ظهره بغير ثوب، ويقعد ولا يقام ولا يمد] ، وتجلد المرأة

وتقعد، ولا تجرد مما لا يقيها الضرب، وإن جعلت على ظهرها ما يقيها الضرب، من لَبد ونحوه، نُزع.
وبلغ مالكاً أن بعض الأئمة أقعد امرأة للجلد في قفة، فأعجبه ذلك.
وصفة الجلد في الزنا والشرب والفرية والتعزير واحد، ضرباً بين الضربين، ليس بالمبرح ولا بالخفيف.
ولم يحد مالك ضم الضارب يده إلى جنبه.
ولا يجزئ في الحدود الضرب بقضيب، ولا بشراك، ولا درة، ولكن بالسوط.
وإنما كانت درة عمر للأدب.
فإذا وقعت الحدود، قَرّب السوط.
3957 - وإذا دعاك إمام عادل عارف بالسنة، إلى قطع يد رجل، أو رجله، في سرقة، أو إلى قطع أو قتل في حرابة، أو إلى رجم في زنا، وأنت لا تعلم صحة ما قضى به إلا بقوله، فعليك طاعته، فأما الجائر فلا، إلا أن تعلم صحة ما أنفذ، وعدالة البينة، فعليك طاعته لئلا تضيع الحدود.

3958 - ووجه الشهادة في الزنا: أن يأتي الأربعة الشهداء في وقت واحد، فيشهدوا على وطء واحد، في موضع واحد، بصفة واحدة، فبهذا تتم الشهادة.
قال: ويسألهم الإمام كيف رأوه؟ فإن وصف ثلاثة الزنا، وقال الرابع: رأيته بين فخذيها، حُدّ الثلاثة للقذف وعوقب الرابع، ولو لم يبينوا كيف رأوه، وقالوا: لا نزيدك على هذا، لم يحد الشهود عليه، وحُدّ الشهود حد القذف، وإن شهد رجلان أنه زنى بها في قرية كذا، وشهد اثنان أنه زنى بها في قرية أخرى، لم يجز ذلك، ويحد الأربعة للقذف، وكذلك كل ما شهدوا به في الزنا من فعلين مختلفين.
3959 - وتجوز الشهادة على الشهادة في الزنا، مثل أن يشهد أربعة على شهادة أربعة، أو اثنان على شهادة اثنين، واثنان على شهادة اثنين [آخرين] ، فتتم الشهادة.
ولو شهد اثنان أو ثلاثة على شهادة أربعة، لم يجز ذلك، ويحد الشهود

للقذف، إلا أن يقيموا أربعة سواهم على شهادة أربعة أشهدوهم، فلا يحدوا ويحد الزاني أو يرجم.
3960 - ولو شهد ثلاثة على شهادة ثلاثة، وواحد على شهادة واحد، لم يجز حتى يشهد على الواحد اثنان.
وكذلك إن شهد ثلاثة على رؤية أنفسهم، وواحد على شهادة واحد، لم تتم الشهادة، ويحد الشهود للقذف حتى يشهد اثنان على شهادة الرابع، فتتم الشهادة حينئذ، ويحد المشهود عليه إذا كانت شهادتهم كلها على وطء واحد، في موضع واحد كما وصفنا.
ومن قال لرجل: سمعت فلاناً يشهد أنك زان، أو يقول لك فلان: يا زاني، فإنه يحد إلا أن يقيم بينة على قول فلان.
ومن سمع رجلاً يقذف رجلاً غائباً، فليشهد له إن كان معه غيره.
قال مالك - رحمه الله -: ومن مرّ برجلين يتكلمان في أمر، فسمع منهما شيئاً ولم يشهداه، ثم طلب أحدهما تلك الشهادة، فلا يشهد له.
قال ابن القاسم: إذ قد يكون قبله أو بعده كلام لا تتم الشهادة أو تسقط إلا به، ولا يجيز القاضي شهادة مثل هذا إلا أن يستوعب كلامهما من أوله [إلى آخره] ، فليشهد وإن لم يشهداه.
قيل لمالك - رحمه الله -: فمن شهد بين رجلين في حق فنسي بعض الشهادة وذكر بعضها؟ فقال: إن لم يذكرها كلها فلا يشهد.
قيل له:

فرجلان تنازعا في أمر فأدخلا بينهما رجلين على ألا يشهدا بما سمعا منهما فيتقارران ثم يفترقان فيتجاحدان؟ قال: فليعذر الشاهدان إليهما ولا يعجلا، فإن تماديا على الجحد فليشهدا عليهما.
3961 - ومن قذف رجلاً، فلما ضرب أسواطاً قذف آخر، أو قذف الذي يُجلد له، ابتدئ الجلد عليه ثمانين من حين يقذفه، ولا يعتد بما مضى من السياط.
ومن قذف رجلاً، حُدّ له، ثم إن قذفه، حد له ثانية.
ومن عفى عن قاذفه، جاز عفوه ما لم يبلغ الإمام، فإن عفى عنه على أنه متى شاء قام بحده، وكتب بذلك كتاباً، وأشهد على ذلك، فذلك له متى قام به، فإن مات كان لولده أن يقوم عليه بذلك الكتاب.
ولا تبطل شهادة القاذف حتى يحد.
وكذلك إن عفى عنه، فإذا ضرب، سقطت شهادته حتى يحدث توبة [وخيراً] .

3962 - ومن قذف وشرب خمراً سكر منه أو لم يسكر، جُلد حداً واحداً.
وإذا اجتمع على الرجل مع حد الزنا حد قذف، أو شرب خمر، أُقيما عليه جميعاً، ويجمع ذلك الإمام عليه، إلا أن يخاف عليه فيرى أن يفرق عليه الحدين، فذلك إلى اجتهاده، وكذلك المريض إذا خيف عليه من إقامة الحد، فليؤخر.
قال مالك - رحمه الله -: وكذلك إذا خيف على السارق إن قطع في البرد، فليؤخر.
قال ابن القاسم: والذي يضرب الحد في البرد عندي، بمنزلة القطع في البرد إذا خيف عليه، فليؤخره ويحبس.
والحر بمنزلة البرد في ذلك.
وأحب إليّ أن يُبدأ بحد الزنا، إذ لا عفو فيه، واختلف في العفو في حد القذف بعد بلوغ الإمام، فأجازه مالك مرة، ثم رجع عنه.

3963 - ومن عفا عن قاذفه، لم يكن لغيره أن يقوم بحده، وإن رفع القاذف إلى الإمام أجنبي غير المقذوف، لم يمكّن من ذلك ولا يحد له، لأن هذا لا يقوم به عند الإمام إلا صاحبه.
3964 - ولا تجلد البكر الحامل في الزنا حتى تضع وتستقل من نفاسها، لأنه مرض.
ولو كانت محصنة أمهلت حتى تضع، فإذا وضعت حُدّت ولم تؤخر، وهذا إذا وجد للمولود من يرضعه، وإن لم يوجد [أو لم يقبل غيرها] ، أُخّرت حتى ترضع ولدها لخوف هلاكه.
3965 - وإذا زنت امرأة، فقالت: إني حامل، فكيف إن قالت البينة: [إنا] رأيناها تزني منذ شهرين، أو ثلاثة أشهر، أو أربعة فإنه ينظر إليها النساء، فإن صدقتها لم يعجل عليها، وإلا حُدّت.

وإذا شهد عليها بالزنا أربعة عدول، فقالت: إني عذراء، أو رتقاء، ونظر النساء إليها فصدقنها، لم ينظر إلى قولهن، وأقيم عليها الحد، لأنه قد وجب، ألا ترى أن البكر إذا أنكر زوجها الوطء بعد إرخاء الستر، وادعته، وشهد النساء أنها بكر، أن قولهن لا يقبل وتصدق المرأة.
ولا يُكشف الحرائر على مثل هذا.
وإذا شهدت بينة على امرأة أنها زنت منذ أربعة أشهر، والزوج غائب منذ أربعة أشهر، وادعت هي الحمل وصدقها النساء في الحمل، فاخرت حتى وضعت، ثم رجمت، ثم قدم الزوج فنفى الولد وادعى الاستبراء، فإن كانت المرأة [قالت] قبل أن ترجم: ليس الولد منه، وقد استبرأني، نفى الولد بلا لعان، لأن مالكاً قال فيمن ظهر بامرأته حمل قبل البناء فنفاه، وصدقته هي أنه من زنا، وأنه لم يطأها، فإنه ينفي بلا لعان وتحد هي، وإن كانت بكراً جُلدت وبقيت له زوجة إن شاء طلق أو أمسك، وإن لم تذكر المرأة قبل موتها الاستبراء في المسألة الأولى، ولم تقل شيئاً، وادعى الزوج الاستبراء ونفى الولد، فلا ينفيه هاهنا إلا بلعان.
وكذلك لو نفاه ولم يدع الاستبراء، فإنه يلتعن وينفي الولد.

قيل: أليس من قول مالك: من لم يدع الاستبراء فنفى الولد، ضرب الحد وألحق به الولد؟ قال: لا، ولكن قال مالك: إذا رأى الرجل امرأته تزني وقد كان يطؤها قبل الرؤية، لاعن ونفى الولد، إلا أن يطأ بعد الرؤية فيلحق به الولد، ويحد، وإن لم يطأ بعد الرؤية إلا أنها كانت حاملاً يوم قال: رأيتها تزني، فإنه يلاعن ويلحق به الولد إذا كان حملها يومئذ بيناً مشهوداً عليه، أو مقراً به قبل ذلك، لأنه لم ينتف من الحمل، فإن لم يلتعن صار قاذفاً ولحق به الولد.
3966 - وحد العبد في الخمر والسكر والفرية، أربعون جلدة، وإذا زنى العبد، أو قذف، أو شرب خمراً، ثم قامت بينة أنه أعتق قبل ذلك، فإنه يكون له وعليه حكم الحر في ذلك كله، وفي القصاص بينه وبين الحر.
1 وإن قد كان طلق زوجته تطليقتين بعد العتق، جعلت له عليها الثالثة، علم العبد في ذلك كله بعتقه، أو لم يعلم، كان السيد مقراً بالعتق أو منكراً.
وأما القول في خدمته وغلته، فمذكور في كتاب العتق.

3967 - وما تظالم أهل الذمة فيه بينهم من قطع جارحة، أخذ ذلك من بعضهم لبعض وإن قتل ذمي ذمياً، قُتل به، وإن سرق ذمي من مسلم أو ذمي، قطع، ولا يقبل في شيء من ذلك إلا شهادة المسلمين.
3968 - ومن دخل بزوجته البكر، فأفضاها ومثلها يوطأ، فماتت من جماعه، [فإن علم أنها ماتت من جماعه] فديتها على عاقلته، وإن لم تمت فعليه ما شانها بالاجتهاد في ماله، وتبقى له زوجة، إن شاء طلق أو أمسك.
فإن بلغ الاجتهاد في ذلك ثلث الدية فأكثر، كان على العاقلة، وقد جعل فيها بعض الفقهاء ثلث الدية على عاقلته، ونحا ناحية الجائفة.
3969 - وإن وطئ أمته فأفضاها، لم تعتق عليه إذ لم يقصد به إلى المثلة، كالأدب يؤول إلى المثلة.
وإن زنى بامرأة فأفضها، فلا شيء لها إن أمكنته من نفسها، وإن اغتصبها، فلها

الصداق مع ما شانها جميعاً، كمن أوضح رجلاً فسقطت عينه من ذلك، فعليه دية الموضحة ودية العين جميعاً، ولا يدخل بعض ذلك في بعض.
3970 - ومن وطئ امرأة في دبرها [زناً] ، ففيه الحد، وهو وطء يغتسل منه، وقد جعله الله وطئاً، فقال تعالى: ×إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ% [العنكبوت: 28] . 1 ومن زنى بصغيرة لم تحض طائعة، ومثلها يوطأ، فحد ثم قذفها رجل بعد أن بلغت، فإنه يحد، لأن ما فعلته في الصبا لم يكن زناً.
ومن قذفها [بالزنا] وهي لم تبلغ المحيض ومثلها يوطأ، فعليه الحد.
ولا يحد من قذف صبياً لم يحتلم، وإن كان مثله يطأ.
3971 - ومن آلى من امرأته فجامعها في دبرها، [فقد] حنث وسقط عنه الإيلاء، وتلزمه الكفارة.
قيل: أيسقط عنه الإيلاء وهو لم يكفر؟ قال: نعم، لأن هذا عند مالك جماع لا شك فيه، إلا أن يكون نوى الفرج بعينه حين حلف، فلا تلزمه كفارة في الدبر، وهو مول بحاله.

وإن وطئها المولي فيما دون الفرج ولا نية له، فعليه الكفارة، ويسقط عنه الإيلاء إذا كفّر، لأنه لو كفّر قبل أن يطأ لسقط عنه الإيلاء، فكيف إذا كفّر للإيلاء.
وفي كتاب الإيلاء هذا المعنى.
3972 - وإذا زنا الكافران، لم يحدّا، ورُدّا إلى أهل دينهما.
1 وإن أعلنوا الزنا وشرب الخمر فلينكلوا، فأما إن وجدوا على ذلك ولم يعلنوه، فلا.
3973 - قيل: فإن شهد أربعة على رجل بالزنا، فقالوا: تعمدنا النظر إليهما لتثبت الشهادة؟ فقال: وكيف يشهد الشهود إلا كذا.
فإن قال المشهود عليه: هم عبيد، وقال الشهود: نحن أحرار، فهم على قولهم أنهم أحرار، والبينة عليه.
وأصل الناس عند مالك الحرية حتى يثبت رقهم.
ومن قذف رجلاً لا يعرف برق وهو يدعي الحرية، وقال القاذف: بل هو عبد، فهو على الحرية، ومن يعرف الشامي والبصري والإفريقي في

المدينة؟ فأرى أن يحد له، إلا أن يأتي ببينة على رقه، فإن ادعى بذلك بينة قريبة، لم يعجل عليه، وإن كانت بعيدة جلد الحد ولم يلتفت إلى قوله، ثم إن أقام تلك البينة بعد الضرب زالت عنه جرحة الحد، وجازت شهادته، ولا يكون له من أرش الضرب شيء.
3974 - وإن أقر القاضي أنه رجم، أو قطع الأيدي، [أو زنى] تعمداً للجور، أقيد منه.
3975 - ولا بأس أن يقيم السيد على مملوكه حد الزنا والقذف وحد الخمر.
وأما السرقة فلا، وإن شهد بها عند السيد عدلان سواه، ولا يقيمها على العبد إلا الوالي.
فإن قطعه السيد دون الوالي، وكانت البينة عادلة وأصاب وجه القطع، عوقب، ولا يحد السيد عبده في الزنا إلا بأربعة شهداء سوى السيد، فإن كان السيد رابعهم، فلا يحده، وليرفعه إلى الإمام، فيقيم الإمام عليه الحد، ويكون السيد شاهداً، ألا ترى أن الإمام إذا شهد على حد فلم تتم الشهادة إلا به، أنه لا يقيم الحد في ذلك، ولكن يرفعه إلى من فوقه، فيقيمه ويكون هو شاهداً.

وإن شهد على العبد سيده وأجنبي أنه سرق، وهما عدلان، قطع الإمام يده، ولا يقطعه سيده دون الإمام.
3976 - ومن زنت جاريته ولها زوج، فلا يقيم عليها الحد، وإن شهد عليها أربعة سواه حتى يرفع ذلك إلى الإمام.
ولا يقيم الرجل على عبده قصاصاً، حتى يرفعه إلى الإمام.
[وكذلك إذا كان له عبدان فجرح أحدهما صاحبه، فلا يقتص منه حتى يرفعه إلى الإمام] . وقال ناس: إذا كان العبدان له، فلا قصاص بينهما، لأن ماله جرح ماله، وأبى ذلك مالك.
3977 - ولا تجوز شهادة آكل الربا، أو شارب الخمر، أو لاعب بالحمام إذا كان يقامر عليها، ولا شهادة من يعصر الخمر ويبيعها، وإن كان لا يشربها.
وإذا طلب المشهود عليه تجريح البينة، أُمكن من ذلك، فمن أقام البينة عليه بشيء أنه فيه، مما لو شُهد عند القاضي [ابتداءً فعلمه القاضي] منه، أبطل به شهادته، كان ذلك له تجريحاً.

وإذا ادعى الخصم بينة بعيدة في التجريح، لم ينتظر، لأن الحق قد وجب [عليه] . وإنما يتلوم له القاضي في التجريح بقدر ما يرى، فإن جرحهم وإلا أمضى الحكم عليه.
3978 - وإن جرح واحداً من شهود الزنا وهم أربعة، حُدّ جميعهم حد الفرية.
ومن شهدت عليه بينة بالزنا فقذفهم، حُدّ للزنا، وحُد لقذفهم حد القذف، ولا تبطل شهادتهم بالزنا لطلبهم حد القذف منه.
3979 - وإذا شهد الإمام على حد، رفعه إلى من فوقه، فإن لم ينك فوقه أحد، رفعه إلى قاضيه وشهد عنده.
3980 - وإذا كتب قاض [إلى قاض] بما ثبت عنده من شهادة على رجل في حد، أو قصاص، أو حق سواه، [أو بقضاء] أنفذه في ذلك كله، فثبت عند المكتوب إليه أن هذا كتاب القاضي الذي كتب إليه وطابعه، أو كان فيه طابع فانكسر، أو ثبت [أنه] كتابه ولا طابع فيه، فذلك سواء، وينبغي لهذا الذي جاءه الكتاب

فصول الكتاب · 3 فصل · 645 صفحة
جارٍ التحميل