التهذيب في اختصار المدونةصفحات 261-301
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الأقضية

صفحات 261-301
عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو سعيد ابن البراذعي
الكتاب
التهذيب في اختصار المدونة
المؤلف
خلف بن أبي القاسم محمد، الأزدي القيرواني، أبو سعيد ابن البراذعي المالكي (المتوفى: 372هـ)دراسة وتحقيق: الدكتور محمد الأمين ولد محمد سالم بن الشيخ
الناشر
دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، دبي
الطبعة
الأولى، 1423 هـ - 2002 م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع](تنبيه): المقدمة والحواشي ليست من المطبوع بل من مطبوعة أخرى

وقد قال الله تبارك وتعالى: ×مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ% [النساء: 11] ، فأجمع أهل العلم أن الدين يُبدّا على الوصايا] .

(كتاب الوصايا)

3630 - وإذا شهد ولدان للميت أن أباهما أعتق هذا العبد، وشهد أجنبيان أنه أوصى بالثلث لرجل، والعبد هو الثلث، فإن كان عبداً يتهمان في جر ولائه، لم تجز شهادتهما وجازت الشهادة بالوصية، وإن لم يتهما، فهي جائزة، وهذا كشهادتهما بذلك ومعهما من الورثة نساء، فما يتهمان فيه مع النساء يتهمان فيه مع الموصى له.
[ابن القاسم:] ومن قال في وصيته: يخدم عبدي فلاناً سنة ثم هو حر، ولم يدع سواه، فإن لم يجز الورثة، بُدئ بالعتق، فعتق ثلث العبد بتلاً وتسقط الخدمة.
[قال سحنون: وعلى هذا أكثر الرواة] .

3777 -[قال مالك:] ومن أوصى [لرجل] بخدمة عبده سنة، أو سكنى داره سنة، وليس له مال غير ما أوصى فيه، [أو له مال لا يخرج ما أوصى به من الثلث] ، خيّر الورثة في إجازة ذلك أو القطع بثلث الميت من كل شيء للموصى له.
[قال سحنون: وهذا قول الرواة كلهم لا أعلم بينهم فيه اختلافاً] . قال مالك: وأما إن أوصى له برقبة عبد أو دار، والثلث لا يحمل ذلك، فإنه يقطع لذلك محمل الثلث في تلك الأعيان.
[قال سحنون: وهذا في الوصية بالخدمة والسكنى قول الرواة كلهم، لا أعلم بينهم فيه اختلافاً، وهو أصل من أصول قولهم.
وكذلك قال ابن أبي سلمة إذا أوصى بسكنى داره ولا مال له غيرها: إن الورثة يخيرون في إجازة ذلك أو يقطعون له بثلثها بتلاً] .

3778 - ومن أوصى لرجل بخدمة عبده سنة، أو حياته ثم هو لفلان، فإن حمله الثلث بُدئت الخدمة، فإذا انقضت [الخدمة] أخذه صاحب الرقبة، زادت قيمته [الآن] أو نقصت عن القيمة التي نفذت في الثلث، وإن حمل الثلث بعضه، خدم ذلك البعض، إن كان نصفه، خدم الموصى له بالخدمة يوماً وللورثة يوماً، فإذا انقضى أجل الخدمة صار نصفه لصاحب الرقبة، وللورثة بيع حصتهم قبل السنة.
1 3779 - ومن هلك ولم يدع غير ثلاثة أعُبد قيمتهم سواء، فأوصى بأحدهم لرجل، وبخدمة الآخر لآخر حياته، فإن لم يجز الورثة أسلموا الثلث، فضرب فيه صاحب الرقبة بقيمتها، وصاحب الخدمة بقيمتها على غررها على أقل العمرين: عمر العبد [أو عمر] المُخْدَم، [يقال: بكم يتكارى هذا العبد إلى انقضاء أقلهما عمراً، المخدوم أو العبد، إن حيي إلى ذلك فهو لكم، وإن مات [قبل ذلك] بطل حقكم، فما صار لصاحب الرقبة أخذه فيها، وما صار لصاحب الخدمة كان به شريكاً في سائر التركة بتلاً.
وكذلك إن أوصى مع ذلك لآخر بالثلث فإنهم يتحاصون في ثلث الميت، إذا لم يجز الورثة كما ذكرنا.

3780 - ومن أوصى لرجل بمائة دينار، ولآخر بخدمة عبده حياته ثم هو حر، والعبد كفاف الثلث.
قال مالك - رحمه الله -: يعمر الموصى له بالخدمة حياته، أو العبد إن كان أقصرهما عمراً، فتقوم خدمة العبد تلك السنين ذهباً، ثم يتحاص هو والموصى له بالمائة في خدمة العبد، فإذا هلك الموصى له بالخدمة، خرج العبد حراً.
وإن لم يحمل العبد الثلث ولم يجز الورثة، عتق من العبد مبلغ الثلث، وسقطت الوصايا بالخدمة وغيرها.
وإن قال في وصيته: لفلان مائة دينار، ولفلان خدمة عبدي [هذا] حياته، ثم هو لفلان، والثلث لا يحمل وصيته، فإن لم يجز الورثة، أسلموا الثلث فضرب فيه صاحب المائة بمائة، ولا يضرب معه صاحب الرقبة وصاحب الخدمة إلا بقيمة الرقبة فقط، فما صار لهما في المحاصة من الثلث أخذاه في [العبد] ، وما صار لهما من العبد بُدئ فيه المخدم [بالخدمة] ، فإن مات المخدم، رجع ما كان من العبد [في] الخدمة لصاحب الرقبة، وما صار لصاحب المائة، كان به شريكاً للورثة في جميع التركة، ولا يعمر المخدم في هذه المسألة، ويعمر في التي قبلها.

وإن قال في وصيته: عبدي يخدم فلاناً، ولم يقل: حياته ولا أجلاً، وأوصى أن رقبته لفلان، ولم يقل: من بعده، قومت الرقبة وقومت الخدمة على غررها حياة الذي أخدم، ثم تحاصا في رقبة العبد بقدر ذلك.
وقال أشهب: بل هي وصية واحدة، والخدمة حياة فلان، ثم يرجع إلى صاحب الرقبة.
وإن أخدمت عبدك رجلاً أجلاً مسمى، فمات الرجل قبل انقضاء الأجل، خدم العبد ورثته بقية الأجل إذا لم يكن من عبيد الحضانة والكفالة، وإنما هو من عبيد الخدمة.
ومن قال: قد وهبت خدمة عبدي لفلان، ثم مات فلان، فإن لورثته خدمة العبد ما بقي، إلا أن يستدل من قوله: [إنه] إنما أراد حياة المخدم.
وقال

أشهب: يحمل على أنه [أراد] حياة فلان، ولو كانت حياة العبد كانت هبة لرقبته.
ومن أوصى بخدمة عبده لرجل حياته، وقال: ما بقي من ثلثي فلفلان، فكان العبد هو الثلث، بدئ بالخدمة، فإذا انقضت كانت الرقبة لصاحب باقي الثلث، زادت قيمته الآن أو نقصت.
وكذلك من قال: داري حبس على فلان حياته، وما بقي من ثلثي فلفلان، والدار كفاف الثلث، فإذا رجعت الدار، كانت لصاحب [باقي] الثلث.

3781 -[ومن أوصى بشيء] يخرج كل يوم إلى غير أمد، من وقيد في مسجد، أو سقي ماء، أو بخبز كل يوم بكذا وكذا أبداً، وأوصى مع ذلك بوصايا، فإنه يحاص بها المجهول في الثلث، وتوقف حصته لذلك، [وهو قول أكثر الرواة] . 3782 -[قال مالك - رحمه الله -:] ومن أوصى بسكنى داره لرجل [حياته] ولا مال له غيرها، قيل للورثة: أسلموا إليه سكناها وإلا فاقطعوا له بثلثها بتلاً.
وقاله ابن أبي سلمة وجميع الرواة.

وإن أوصى أن يؤاجر أرضه منه سنين مسماة، بثمن معلوم، وقيمة الأرض أكثر من الثلث، فلم يجز الورثة، قيل لهم: فأخرجوا له من ثلث الميت بتلاً بغير ثمن.
3783 - ومن أوصى بوصايا وله مال حاضر ومال غائب، ولا تخرج الوصايا مما حضر، خُيّر الورثة بين إخراجها مما حضر، أو إسلام ثلث الحاضر والغائب لأهل الوصايا يتحاصون فيه، وكذلك إن أوصى لرجل بمائة دينار، وهي لا تخرج من ثلث ما حضر، خُيّر الورثة بين تعجيلها مما حضر أو يقطعوا له بثلث الميت في الحاضر والغائب، وإن لم يترك إلا مائة عيناً ومائة عيناً، فأوصى لرجل بثلث العين ولآخر بثلث الدين، فذلك نافذ، ولكل واحد ثلث مائته بلا حصاص.
1 3784 - وإن أوصى لهذا بخمسين من العين، ولآخر بأربعين من الدين، فإن لم يجز الورثة أسلموا ثلث العين والدين إليهما، ونظر كم قيمة الأربعين الدين نقداً، فإن قيل: عشرون، كان ثلث الدين والعين بينهما على سبعة أجزاء للموصى له بخمسين خمسة أجزاء، وللموصى له بأربعين جزآن.

3785 - ومن أوصى لرجل بدين لا يحمله الثلث وله عين حاضرة، فإما أجازه الورثة، أو قطعوا له بثلث العين والدين، وكذلك إن أوصى من العين بأكثر من ثلث العين وله عقار وعروض كثيرة، فقال الورثة: لا نسلم العين ونأخذ العروض، فإما أعطوه ذلك من النقد، وإلا قطعوا له [بثلث] ما ترك الميت من عرض، أو دين، أو عين، أو عقار، أو غيره إلا في خصلة واحدة، فإن مالكاً اختلف فيها قوله، فقال مرة: إذا أوصى له بعبد بعينه أو بدابة بعينها، وضاق الثلث، فإن لم يجز الورثة قطعوا له بالثلث من كل شيء.
وقال مرة: بمبلغ الثلث من جميع التركة في ذلك الشيء بعينه، وهذا أحب إليّ.
3786 - ومن أوصى بعتق عبده وهو لا يخرج مما حضر، وله مال غائب يخرج فيه، فإن العبد يوقف لاجتماع المال، فإذا اجتمع قوّم حينئذ في ثلثه، وليس له أن يقول: أعتقوا مني ثلث الحاضر الساعة.
قال سحنون: إلا أن يضر ذلك بالموصى له وبالورثة فيما يعسر جمعه ويطول.

ومن ردّ ما أوصي له به، رجع ميراثاً بعد أن يحاص به أهل الوصايا، مثل أن يوصي لثلاثة نفر بعشرة عشرة، وثلثه عشرة، فيرد أحدهم وصيته، فللباقين ثلثا الثلث.
وهذا قول جميع الرواة لا اختلاف بينهم فيه.
3787 - ومن أوصى لرجل بماله، ولآخر بنصفه، ولآخر بثلثه، ولآخر بعشرين ديناراً، والتركة ستون، فخُذْ لصاحب الكل ستة أجزاء، ولصاحب النصف ثلاثة [أجزاء] ، ولصاحب الثلث اثنين، ولصاحب العشرين سهمين، لأن عشرين هي الثلث، فذلك ثلاثة عشر جزءاً يقسم عليها الثلث فيأخذ كل واحد ما سميناه له.
وكذلك إن أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بربعه، ولآخر بسدسه أو خمسه، ولم يجز الورثة تحاصوا في الثلث من عين ودين وغيره على الأجزاء، وهذا على حساب عول الفرائض.
قال مالك - رحمه الله -: وما أدركت الناس إلا على هذا.
قال سحنون: وهو قول جميع الرواة لا اختلاف بينهم فيه.
ومن أوصى لرجل بثلثه، ولآخر بعبده، وقيمته الثلث، فهلك العبد بعد موت السيد وقبل النظر في الثلث، فإن ثلث ما بقي للموصى له بالثلث، وكأن الميت لم يوص إلا بثلثه لهذا فقط.

ومن أوصى بثلث ماله لرجل، وبربع ماله لآخر، وأوصى بأشياء بعينها لقوم، نظر إلى قيمة هذه المعينات وإلى ما أوصى له من ثلث وربع، فيضربون في ثلث الميت بمبلغ وصاياهم، فما صار لأصحاب الأعيان من ذلك أخذوه في ذلك، وما صار للآخرين كانوا به شركاء مع الورثة.
وإن هلكت الأعيان بطلت الوصايا فيها، وكان ثلث ما بقي بين أصحاب الثلث والربع، يتحاصون فيه.
ومن أوصى لرجل بعبده، ولآخر بسدس ماله، والعبد هو الثلث، فللموصى له بالعبد ثلث الثلث في العبد، والآخر شريك للورثة بسبع ما بقي من بقية العبد وسائر التركة.
وإن كان العبد السدس، كان جميعه للموصى له بالعبد، والآخر شريك للورثة بخمس بقية التركة، وقاله علي بن زياد [ورواه] عن مالك.
1 3788 - وروى ابن وهب أن النبي ÷ قال: لا تجوز وصية لوارث، إلا أن يشاء الورثة.
2

ومن أوصى لوارث وأجنبي، تحاصا، وعاد حظ الوارث موروثاً إلا أن يجيز الورثة، ولو لم يدع إلا هذا الوارث الموصى له، لم يحاص الأجنبي في ضيق الثلث وبُدئ الأجنبي.
قال يحيى بن سعيد فيمن أوصى بثلثه في السبيل، فإن وليّه يضعه في السبيل، فإن أراد أن يغزو به وله ورثة غيره يريدون الغزو، فإنهم يغزون به بالحصص، فإن لم يرثه غيره، فلا بأس باستنفاقه منه فيما وضع فيه.
قال ربيعة: وإن أوصت امرأة لبعض ورثتها بوصية، وفي السبيل بوصية، فأجاز الزوج ذلك ثم قال: إنما أجزت رجاء أن يعطوني الوصية التي في السبيل، لأنه غاز، فليس ذلك له، ويلزمه ما أجاز.

3789 - ومن أوصى عند موته أن يحج عنه، أنفذ ذلك، ويحج عنه من قد حج [عن نفسه] أحب إليّ.
وإن استؤجر من لم يحج، أجزأ، وتحج المرأة عن الرجل والرجل عن المرأة، ولا يجزئ أن يحج عنه صبي، أو عبد، أو من فيه علقة رق، إذ لا حج عليهم، ويضمن الدافع إليهم، إلا أن يظن أن العبد حر وقد اجتهد ولم يعلم، فإنه لا يضمن.
قاله سحنون: وقال غيره: لا يزول عنه الضمان بجهله.
وإن أوصى أن يحج عنه عبد، أو صبي بمال، فذلك [جائز] نافذ، ويدفع ذلك إليه ليحج به عنه إن أذن السيد لعبده والوالد لولده، وذلك أنه كتطوع

أوصى به، فهو لو لم يكن صرورة فأوصى بحجة تطوعاً، أنفذت ولم ترد، فهذا مثله.
وإن لم يكن للصبي أب، فأذن له الوصي في ذلك، فإن كان على الصبي فيه مشقة وضرر، وخيف عليه في ذلك ضيعة، فلا يجوز إذنه له، وإن كان الصبي قوياً على الذهاب وكان ذلك نظراً له جاز إذنه، لأن الولي لو أذن له أن يتجر وأمره بذلك، جاز.
ولو خرج في تجارة من موضع إلى موضع بإذن الولي، لم بكن به بأس، فكذلك يجوز إذنه له في الحج على ما وصفنا.
وقال غيره: لا يجوز للوصي أن يأذن له في هذا.
قال ابن القاسم: فإن لم يأذن له وليه، وقف المال لبلوغه، فإن حج به وإلا رجع ميراثاً، لأنه حين أوصى بحج الصبي والعبد، أراد التطوع لا الفريضة، ولو كان صرورة فسمى رجلاً بعينه يحج عنه، فأبى ذلك الرجل فيحج عنه غيره، بخلاف المتطوع الذي قد حج إذا أوصى أن يحج عنه رجل [بعينه] تطوعاً، هذا إن أبى الرجل أن يحج عنه رجعت ميراثاً، كمن أوصى لمسكين بعينه بمال من ثلثه، فمات المسكين قبل الموصي أو أبى أن يقبل، فذلك يرجع ميراثاً، وكمن أوصى لرجل بشراء عبد بعينه للعتق في غير عتق عليه واجب، فأبى أهله أن يبيعوه، فالوصية ترجع ميراثاً بعد الاستيناء واليأس من العبد.

وقال غيره في الموصي بحجة تطوعاً إذا أبى الرجل أن يحج عنه: لا يرجع ميراثاً.
والصرورة في هذا وغير الصرورة سواء، لأن الحج إنما أراد به نفسه، بخلاف الوصية لمسكين بعينه بشيء يرده أو شراء عبد بعينه للعتق.
قال ابن القاسم: ومن قال في وصيته: أحجوا فلاناً، ولم يقل: عني، أُعطي من الثلث قدر ما يحج به، فإن أبى أن يحج، فلا شيء له، وإن أخذ شيئاً رده، إلا أن يحج به.
وإن أوصى أن يحج عنه وارث في فرض أو تطوع، أنفذت وصيته، ولم يزد الوارث على النفقة والكراء شيئاً.
وكان مالك يكره الوصية بهذا، فإن نزل أمضاه، وإن قال: ادفعوا ثلثي لفلان يحج به عني، فإن كان وارثاً لم يدفع إليه إلا قدر نفقته، وكراه ويرد ما بقي من الثلث، وإن كان أجنبياً كان له ما فضل من الثلث كالأجير، وأما الذي يحج على البلاغ، فهو كرسول لهم ويرد ما فضل [من الثلث] .

والبلاغ قولهم: تحج بهذه الدنانير عن فلان، وعلينا ما نقص عن البلاغ، أو: خذها فحج منها عن فلان.
والإجارة: أن يستأجره بمال على أن يحج عن فلان، فهذا يلزمه الحج، وله ما زاد وعليه ما نقص، وقد عرف الناس الإجارة والبلاغ.
3790 - ومن أوصى لرجل بدينار من غلة داره كل سنة، أو بخمسة أوسق من غلة حائطه كل عام، والثلث يحمل الدار والحائط، فأخذ ذلك عاماً ثم بار ذلك أعواماً، فللموصى له أخذ وصيته كل عام ما بقي من غلة العام الأول شيء، فإذا لم يبق منه شيء، فإذا غل [ذلك] ، أخذ ذلك منه لكل عام مضى [لم] يأخذ له شيئاً.
ولو أكرى الدار في أول سنة بعشرة دنانير، فضاعت إلا ديناراً، كان ذلك الدينار للموصى له، لأن كراء الدار لا شيء لورثة منه إلا بعد أخذ الموصى له منه وصيته، وكذلك غلة الجنان.
ولو قال: أعظه من غلة كل سنة خمسة أوسق، أو من كراء كل سنة ديناراً، لم يكن له أن يأخذ من غلة سنة عن سنة أخرى لم تغل.

ولو أكريت الدار أول عام بأقل من دينار، وجاءت النخل بأقل من خمسة أوسق، لم يرجع بتمام ذلك في عام بعده.
ومن أوصى بغلة داره أو بغلة جنانه للمساكين، جاز ذلك.
3791 - وإن أعمرك رجل حياتك خدمة عبد، أو سكنى دار، أو ثمرة حائط، جاز أن يشتري ذلك منك هو أو ورثته، أو يصالحوك على مال، وإن لم تثمر النخل.
وإن أوصى لك بذلك حياتك، جاز شراؤه للورثة بنقد أو دين، كما يجوز للمعطي، وكالمعري يبيع باقي الحائط، فيجوز للمشتري شراء العرية بخرصها، ولم تختلف الرواة في سكنى الدار فيما ذكرنا.
1 ولو صالحوك من الخدمة على مال، ثم مات العبد وأنت حي، فليس لهم رجوع عليك، ولا يجوز لك أن تبيع هذه الخدمة من أجنبي، أو تؤاجره العبد إلا مدة قريبة كسنة وسنتين وأمد مأمون، ولا تكريه إلى أجل غير مأمون، وأما لو أوصى لك بخدمة العبد عشر سنين فأكريته فيها، جاز، كمن واجر عبده عشر سنين.
قال مالك: ولم أر من فعله، ولو فعل جاز، وهذا خلاف المخدم حياته، لأنه إذا مات المخدم سقطت الخدمة، والمؤجل يلزمه باقيها لورثة الميت.

وللرجل أن يؤاجر ما أوصى به له من سكنى دار، أو خدمة عبد، إلا أن يكون عبداً قال له: اخدم ابني ما عاش، أو حتى يبلغ [أو ينكح] أو أجلاً مسمى، ثم أنت حر، وعلم أنه أراد ناحية الحضانة، فليس للابن أن يؤاجره، ولو مات الابن قبل ذلك عتق مكانه، إلا أن يكون من عبيد الخدمة، [أو] ممن أريد به الخدمة، فإنه يخدم ورثته بقية الأجل إن كان أجلاً.
قال ربيعة: وإن قال: إذا تزوج ابني فأنت حر، فبلغ الابن النكاح وهو موسر، فأبى أن ينكح وتسرر، فإن العبد يعتق الآن، لأنه أراد بلوغ رشده وأن يستعين بالعبد فيما قبل ذلك من السنين.
3792 - ومن أوصى لرجل برقبة جنانه، أو بأمته، أو بعتقها، فأثمر الجنان عاماً أو عامين، أو ولدت الأمة، وذلك كله قبل موت الموصي، والثلث يحمل الجنان وما أثمر، أو الأمة وولدها، فإن الولد والثمرة للورثة دون الموصى له.
وكذلك إذا أبرت النخل وألقحت الشجر قبل موت الموصي، فالثمرة للورثة دون الموصى له، وما أثمر الجنان بعد موته قبل النظر في الثلث، فتلك الثمرة للموصى له.
ولا تقوم الثمرة مع الأصل، وإنما تقوم مع الأصل بعد موت الموصي في الولادة

وشبهها، والثمرة هاهنا كالغلة والخراج، لا كولادة الأمة، وكذلك ما أفاد المدبر والموصى بعتقه، والموصى به لرجل من فوائد بعد موت الموصي قبل النظر في الثلث، فلا يقوّم معهم في الثلث، وإنما يقوم معهم من أموالهم ما مات السيد وهو بأيديهم، أو ما نما من ربحه بعد موته.
وليس لهم أن يتجروا فيه بعد موته، فإن فعلوا فالربح بمنزلة رأس المال، وكذلك لا يقوم مع المبتل في المرض، ما أفاد بعد عتقه قبل موت السيد أو بعد موته.
فهذه فوائد لهم وللموصى له بالعبد إن حمل الثلث رقابهم، وإن حمل بعض الرقاب، وقف المال بأيديهم.
واستحداث الميت للدين في المرض يرد ما بتل من العتق في مرضه، ويضر العبد، كما يضره ما تلف من المال.
قال سحنون: وقد قال غير هذا، وهو قول أكثر الرواة: إن ما اجتمع في

الإيقاف بعد الموت لاجتماع المال للمدبر، أو للموصى له بعتقه، أو برقبته لرجل من مال تقدم [لهم] ، أو ما ربحوا فيه من تجارة، أو من عمل أيديهم، أو بهبة، أو بغيرها من الفوائد، فإن ذلك يقوم في الثلث معهم، خلا أرش ما جنى على المدبر، فليس له، وذلك للسيد كبعض تركته.
وكذلك المبتل في المرض يقوم معه ماله، وما أفاد من ذلك كله بعد العتق قبل موت السيد أو بعده.
وكذلك الجنان الموصى بها لرجل، أن ما أثمرت بعد موت الموصي، يقوم مع الأصول في الثلث، وإن حمل الثلث جميع العبيد الذين ذكرنا، كان المال لهم وللموصى له بالعبد.
وكذلك النخل إذا حملها الثلث بثمرها كانت الثمرة للموصى له، وإن حمل الثلث نصف ما ذكرنا، وقف المال بأيدي العبيد ولا ينزع ممن جرت فيه حرية منهم، ويكون للموصى له بالجنان نصف النخل ونصف الثمرة.
قال سحنون: وهذا أعدل أقوال أصحابنا.
3792 - ومن قال في صحته: غلة داري للمساكين، وأنا ألي غلتها وأفرقها ما دمت

حياً، فإن ردها ورثتي بعد موتي، فهي وصية في ثلثي، تباع ويتصدق بثمنها، فذلك نافذ كما قال.
ولو قال: هي لبعض ورثتي، وألي أنا قسمتها، فإن رد ذلك ورثتي بعد موتي، بيعت، وتصدق بثمنها من ثلثي، لم يجز ووُرثت.
وإذا أوصى بثلثه لوارث وقال: فإن لم يجزه باقي الورثة فهو في السبيل، لم يجز ذلك، وهو من باب الضرر.
وكذلك بعبد، فإن لم يجيزوا فهو حر، فإنه يورث إن لم يجيزوا.
ولو قال: هو حر أو في السبيل، أو قال: داري أو فرسي في السبيل إلا أن يشاء ورثتي أن ينفذوا ذلك لابني، فذلك نافذ على ما أوصى [به] . 3793 - ومن أوصى لرجل بثلاثين ديناراً، ثم أوصى له تارة أخرى بالثلث، فله أن يضرب مع أهل الوصايا بالأكثر.
قال مالك: ومن أوصي له بمبذر عشرين مدياً من أرضه، فإن كانت الأرض مبذرها مائة، فله خمسها بالسهم، وقع له أقل من عشرين أو أكثر لكرم

الأرض أو رداءتها، وإن أوصى له بدار ثم أوصى له بعشرة دور، وللميت عشرون داراً، فله الأكثر إن حمله الثلث، أو ما حمل الثلث إلا أن يجيز الورثة، وإن كانت الدور في بلدان شتى أخذ النصف من كل دار بالسهم.
ومن أوصى بوصية بعد أخرى فإن لم تتناقضا أنفذتا جميعاً، وإن كانتا من صنف واحد فزادت إحداهما، أنفذت الزائدة فقط، وإذا تناقضتا، أخذ بالآخرة وبطلت الأولى، كمن أوصى لرجل بشيء بعينه من صنف، ذكر منه كيلاً، أو وزناً، أو عدداً من طعام، أو عرض، أو عين، أو غيره، أو بعدد بغير عينه من رقيق عنده، أو غنم، ثم أوصى له من ذلك الصنف بأكثر من تلك التسمية أو أقل، فله أكثر الوصيتين كانت الأولى أو الآخرة.
وإن كان أوصى له آخراً بنصف آخر، فله الوصيتان جميعاً.
3794 - ومن أوصى بشيء بعينه من دار، أو ثوب، أو عبد، أو دابة لرجل، ثم أوصى بذلك لرجل آخر، [فهو بينهما، وكذلك لو أوصى بثلثه، ثم أوصى لرجل آخر] بجميع ماله، لم يعدّ رجوعاً، وكان الثلث بينهما على أربعة أسهم.
3795 - ومن له ثلاثة دور أوصى بثلثهن لرجل، فاستُحق منها داران، أو أوصى بثلث داره فاستُحق ثلثاها، فللموصى له ثلث ما بقي، وإن قال: العبد الذي أوصيت به لزيد، هو [وصية] لعمرو، فذلك رجوع.

وإن أوصى بعتق عبد بعينه، ثم أوصى به لرجل، أو أوصى به أولاً لرجل، ثم أوصى به للعتق، فالآخرة تنقض الأولى، إذ لا يشترك في العتق.
3796 - ومن أوصى لرجل بمثل مصاب أحد بنيه فإن كانوا ثلاثة، فله الثلث.
قال مالك - رحمه الله -: وإذا قال: لفلان مثل ما يصيب أحد ورثتي، وترك رجالاً ونساء، فليقسم المال على عدد رؤوسهم فيعطى جزءاً منه، ثم يقتسم ما بقي بين الورثة إن كانوا ولده، للذكر مثل حظ الأنثيين.
3797 - ومن أوصى لولد ولده بثلثه ولا يرثونه، فذلك جائز، قيل: فإن مات أحدهم وولد غيرهم بعد موت الموصي قبل قسمة المال؟ قال: [فإن] ذلك كقول مالك في الموصي لأخواله وأولادهم أو لمواليهم.
قال ابن القاسم: أو لبني عمه أو لبني فلان بثلثه، فذلك لمن حضر القسم، لا يحسب من مات بعد موت الموصي ولا يحرم من ولد، لأنه لم يسم قوماً بأعيانهم.

وقال ابن القاسم في باب بعد هذا، فيمن أوصى بثلثه لموالي فلان، فمات بعضهم، وولد لبعضهم، وعتق آخرون قبل القسم: إن ذلك لمن حضر القسم كالوصية لولد الولد.
وإن قال: ثلثي لهؤلاء النفر، وهم عشرة، فإن من مات منهم يرث نصيبه وارثوه.
قيل له: فإن قال: ثلثي لولد فلان، وولد [فلان] ذلك الرجل عشرة ذكور وإناث؟ قال: الذي سمعت من مالك أنه إذا أوصى بحبس داره أو ثمرة حائطه على ولد فلان، أو على ولد ولده، أو على بني فلان، فإنه يؤثر أهل الحاجة [منهم] في السكنى والغلة، وأما الوصايا فلا أحفظ قول مالك فيها، ولكني أراها بينهم بالسوية.
قال سحنون:

فهذه المسألة أحسن من المسألة التي قال فيمن أوصى لأخواله وأولادهم.
وقد روى ابن وهب في الأخوال مثل رواية ابن القاسم، إلا أن قول عبد الرحمن ابن القاسم في هذه المسألة أحسن، وكذلك يقول غيره.
وليس وصيته لأخواله، أو ولد فلان بشيء ناجز، كوصيته لهم بغلة موقوفة تقسم إذا حضرت كل عام، فهذا قد علم أنه أراد بها غير معين، فهي على مجهول ممن يأتي، فإنما تكون الغلة لمن حضر قسمتها كل عام، فأما وصيته لأخواله، أو ولد فلان بمال ناجز وهم معروفون لقلتهم، وتعلم عدتهم، فكالوصية لقوم مسمّين.
1 3798 - وإذا كانت الوصية لقوم مجهولين لا تعرف عدتهم لكثرتهم، مثل قوله على بني تميم، أو بني زهرة، أو المساكين، فهذا لم يرد قوماً بأعيانهم، لأن ذلك لا يحصى ولا يعرف، فإنما يكون ذلك لمن حضر القسم، وتركت مسألة من حبس داراً على قوم حبساً صدقة، لأنها مذكورة في آخر كتاب الهبات أتم مما هنا.

3799 - ومن قال: ثلثي لولد فلان.
وقد علم أنه لا ولد له، جاز، وينتظر أيولد له أم لا، ويساوى فيها بين الذكر والأنثى.
وإن لم يعلم أنه لا ولد له، فذلك باطل.
وكذلك وصيته لميت ولا يعلم بموته، فوصيته باطلة، وإن علم بموته، نفذت الوصية لورثة الموصى له وقضى بها دينه.
3800 - وإذا مات الموصى له بعد موت الموصي، فالوصية لورثة الموصى له، علم بها أو لا، وإن مات قبل موت الموصي، بطلت الوصية، علم الموصي بموته أم لا.
قال مالك: ويحاص بها ورثة الموصي أهل الوصايا في ضيق الثلث، ثم تورث تلك الحصة.
[وقد قال مالك - رحمه الله -: إذا علم الموصي بموت الموصى له، بطلت الوصية، ولا يحاص بها أهل الوصايا.
[قال سحنون: وعلى هذا قول الرواة، وإنما تحاص الورثة أهل الوصايا]

بوصية الموصى له، إذا مات الموصى له قبل موت الموصي، والموصي لا يعلم أن الموصى له مات، والأمر عنده أن وصيته لمن أوصى له جائزة، فلما بطلت بموت الموصى له، رجع ما كان له إلى مال الميت ودخل الورثة، فحاصوا أهل الوصايا بوصيته، لأنه هو كان كذلك، كان يحاصهم بوصيته] . وأكثر الرواة على أنهم يتحاصون بها إن لم يعلم بموته ولا يتحاصون بها إن علم، وقاله أيضاً مالك.
3801 - مالك: ومن أوصى بثلثه لبني تميم أو لقيس، جاز وقسم على الاجتهاد، قال: ولقد نزلت أن رجلاً أوصى لخولان بوصية، فأجازها مالك ولم ير فيها شيئاً للموالى.
ومن أوصى بثلثه لموالى فلان، كان لمواليه الأسفلين دون الأعلين.
ومن قال: ثلثي لفلان وفلان، أحدهما غني والآخر فقير، فالثلث بينهما نصفين، فإن مات أحدهما بعد موت الموصي ورث نصيبه ورثته، وإن مات قبله فللباقي نصف الثلث، ولا شيء لورثة الآخر، ويرجع نصيبه إلى ورثة الموصي.
3802 - وإن أوصى لفلان بعشرة، ولفلان بعشرة، والثلث عشرة، فمات أحدهما قبل

موت الموصي، فكان مالك يقول: إن علم الموصي بموته فالعشرة للباقي، وإن لم يعلم حوصص بينهما، فيصير للحي خمسة، وترجع الخمسة التي وقعت للميت لورثة الموصي ميراثاً، وعليه أكثر الرواة.
ثم قال مالك: تكون العشرة للباقي علم الموصي بموته أم لا.
ثم قال [آخر زمانه] : أرى أن يحاص بها الباقي، علم الموصي بموت الآخر أم لا.
قال ابن القاسم: وبه آخذ، [وقد ذكر ابن دينار أن قوله هذا الآخر هو الذي يعرف من قوله قديماً.
قال ابن القاسم:] وكذلك قوله: ثلث مالي لفلان، وثلثا مالي لفلان، فيموت أحدهما [قبل الموصي] على اختلاف القول في صاحبي العشرة سواء.
فإن

كان الميت منهما صاحب الثلث كان للباقي منهما ثلثا الثلث في قول مالك الآخر، [ويحاصه الورثة، علم الموصي بموت الآخر أم لا، وبه أقول] . وفي قول مالك الأول يختلف، إن علم أو لم يعلم بحال ما وصفنا.
وفي قوله الأوسط يكون للباقي جميع الثلث، فعلى هذا فقس ما يرد عليك.
3803 - قلت: فمن أوصى في مرضه بأكثر من ثلثه، فأجاز ورثته ذلك قبل موته من غير أن يطلبهم الميت بذلك، أو طلبهم فأجازوا، ثم رجعوا بعد موته.
قال: قال مالك - رحمه الله -: إذا استأذنهم في مرضه فأذنوا له، ثم رجعوا بعد موته، فمن كان عنه بائناً من ولد، أو أخ، أو ابن عم، فليس ذلك لهم.
ومن كان في عياله من ولد قد احتلم، أو بناته، أو زوجاته، فذلك لهم، وكذلك ابن العم الوارث إن كان ذا حاجة إليه، ويخاف إن منعه، وصح أن يضربه في منع رفده إلا أن يجيزوا بعد الموت، فلا رجوع لهم بعد ذلك.
ولا يجوز إذن البكر والابن السفيه وإن لم يرجعا، ومن أوصى

بجميع ماله وليس له إلا وارث واحد مديان، فأجاز ذلك، فلغرمائه رد الثلثين وأخذه في دينهم.
3804 - وإن أقر الولد أن أباه أوصى لرجل بثلث ماله، وعلى الولد دين يغترق مورثه، وأنكر غرماؤه الوصية، فإقراره قبل القيام عليه بالدين جائز.
ولا يجوز إقراره بعد القيام عليه، وكذلك إقراره بدين على أبيه، أو بوديعة عند أبيه، فإقراره بعد قيام الغرماء عليه، لا يقبل إلا ببينة، وإقراره قبل أن يقام [عليه] جائز.
فإن كان المقر له حاضراً، حلف واستحق، كمن شهد أن هذا الذي في يديه تصدق به فلان على فلان وتركه له في يدي، وأنكر الذي هو له، فإن حضر المشهود له، جاز ذلك مع يمينه، وإن كان غائباً لم يجز، لأن المقر يتهم على بقاء ذلك الشيء بيده.


(كتاب الوديعة)

1 3805 - ومن أودعته مالاً فدفعه إلى زوجته أو خادمه، لترفعه له في بيته، ومن شأنه أن ترفع له، لم يضمن ما هلك من ذلك، وهذا [ما] لا بد منه.
وكذلك إن دفعه إلى عبده أو أجيره الذي في عياله، أو رفعه في صندوقه أو بيته ونحوه، لم يضمن، ويصدق أنه دفعه إلى أهله، أو أنه أودعه على هذه الوجوه التي ذكرنا أنه لا يضمن فيها، وإن لم تقم له بينة.
وإن أراد سفراً أو خاف عورة منزله ولم يكن صاحبها حاضراً، فيردها عليه، فليودعها ثقة ولا يُعرِّضها للتلف، ثم لا يضمن، وإن أودعها لغير هذا الذي يعذر به

ضمن، إلا أنه لا يصدق إن أراد سفراً أو خاف عورة منزله فأودعها، إلا أن يعلم سفره وعورة منزله، فيصدق، وإن سافر فحمل الوديعة معه، ضمن.
وإن أودعت المسافر مالاً فأودعه في سفره فضاع، ضمن، [بخلاف الحاضر يسافر] . 3806 - قال مالك - رحمه الله في امرأة ماتت بالإسكندرية فكتب وَصِيُّها إلى ورثتها وهم بالمدينة، فلم يأته منهم خبر، فخرج بتركتها إليهم فهلكت في الطريق، فهو لها ضامن حين خرج بها بغير أمر أربابها.
ومن أودعته دنانير ودراهم فخلطها بمثلها ثم ضاع المال كله، لم يضمن، وإن ضاع بعضه كان ما ضاع وما بقي بينكما، لأن دراهمك لا تعرف من دراهمه، ولو عرفت بعينها كانت مصيبة دراهم كل واحد منه، ولا يغيرها الخلط.
وإن أودعته حنطة فخلطها بحنطة، فإن كانت مثلها وفعل ذلك بها على الإحراز لها والرفع، فهلك الجميع لم يضمن، وإن كانت مختلفة ضمن، وكذلك إن خلط حنطتك بشعير ثم ضاع الجميع، فهو ضامن، لأنه قد أفاتها بالخلط قبل هلاكها.
وإن أودعته حنطة فخلطها صبي أجنبي بشعير للمودع، ضمن الصبي ذلك في ماله، وإن لم يكن له مال ففي ذمته، لهذا مثل حنطته ولهذا مثل شعيره، وإن اختارا

ترك الصبي ويكونان في المخلوطين شريكين بقدر طعام كل واحد بعد العلم بكيله فَعَلا، ولو أعطى أحدهما الآخر مثل طعامه على أن يدع له جميع المخلوط، لم يجز، [لأنه بيع] ، إلا أن يكون هو المتعدي في خلطه، فيجوز ذلك، لأنه قضاء لما لزمه.
ومن أودعته دراهم أو حنطة أو ما يكال أو يوزن، فاستهلك بعضها ثم هلك بقيتها، لم يضمن إلا ما استهلك [أولاً] . ولو كان قد ردّ ما استهلك، لم يضمن شيئاً، وهو مصدق أنه رد فيها ما أخذ، كما يصدق في ردها إليك وفي تلفها.
وكذلك إن تسلف جميعها ثم رد مثلها مكانها لبرئ، كان أخذه إياها على السلف أو على غيره، فلا شيء عليه إن هلكت بعد أن ردها.
ولو كانت ثياباً فلبسها حتى بليت، أو استهلكها ثم رد مثلها، لم تبرأ ذمته من قيمتها، لأنه إنما لزمته قيمتها.
3807 - ومن بيده وديعة أو قراض لرجل، فقال له: رددت ذلك إليك، فهو مصدق، إلا أن يكون قبض ذلك ببينة، فلا يبرأ إلا ببينة، ولو قبضه ببينة فقال: ضاع مني أو سرق، صدق.

وإن دفعت إليه مالاً ليدفعه إلى رجل، فقال: دفعته إليه، وأنكر ذلك الرجل، فإن لم يأت الدافع إليه ببينة، ضمن، قبض [ذلك منه] ببينة أو بغير بينة.
ولو شرط الرسول أن يدفع المال إلى من أمرته بغير بينة، لم يضمن، وإن لم تقم له بينة بالدفع إذا ثبت هذا الشرط.
وإن قال الرسول: لم أجد الرجل فرددت المال إليك صدق، إلا أن يكون قبضه ببينة [فلا يبرأ إلا ببينة] . 3808 - ولو قال في الوديعة والقراض: قد رددت ذلك إلى ربه مع رسولي، ضمن، إلا أن يكون رب المال أمره بذلك.
3809 - وإن بعثت بمال إلى رجل بلد فقدمها الرسول ثم مات بها، وزعم الرجل أن الرسول لم يدفع إليه شيئاً، فلا شيء لك في تركة الرسول ولك اليمين على من يجوز أمره من ورثته أنه ما يعلم لك شيئاً.
ولو مات الرسول قبل أن يبلغ البلد فلم يوجد للمال أثر، فإنه يضمن ويؤخذ من تركته.
3810 - ومن هلك وقبله قراض وودائع لم توجد ولم يوص بشيء، فذلك في ماله ويحاص

بذلك غرماؤه، وإن قال عند موته: هذا قراض [فلان] وهذه وديعة فلان، فإن لم يتهم صدق، وذلك للذي سمى له.
ومن بعثت معه بمال ليدفعه إلى رجل صدقة أو صلة أو سلفاً، أو من ثمن بيع، أو ليبتاع لك به سلعة، فقال: دفعته إليه وأكذبه الرجل، لم يبرأ الرسول إلا ببينة، وكذلك إن أمرته بصدقته على قوم معينين، فإن صدقه بعضهم وكذّبه بعضهم، ضمن حصة من كذبه، ولو أمرته بصدقته على غير معينين صدق مع يمينه [و] إن لم يأت ببينة.
3811 - ومن أودع وديعة بيده لغير عذر، ثم استردها فهلكت عنده، لم يضمن، كرده لما تسلف منها.
[ومن أودعته] وديعة فجحدك إياها وأقمت عليه بينة، فإنه يضمن.
3812 - ومن قال لرجل: أقرضتك كذا وكذا، وقال الرجل: بل أودعتنيه وتلف، صدق رب المال، ولو قال ربه: بل غصبتنيه وسرقته مني، فهو مدع، لأنه من معنى التلصص، فلا يصدق عليه، ولا يضمن له الرجل شيئاً.

ومن أخذ من رجل مالاً فقال الدافع: إنما قضيتكه من دينك [الذي] لك عليّ، أو رددته [إليك] من القراض الذي لك عندي، وقال الآخر: بل أودعتنيه فضاع عندي، صدق الدافع مع يمينه.
3813 - وإن كانت لك عند رجل ألف درهم قرضاً وألف درهم وديعة، فأعطاك ألفاً أو بعث بها إليك، ثم زعم أنها القرض وأن الوديعة قد تلفت، وقلت أنت: بل الذي قبضت الوديعة، فالقول قول المستودع كما يصدق في ذهاب الوديعة.
3814 - ومن أودع صبياً صغيراً وديعة بإذن أهله أو بغير إذنهم فضاعت، لم يضمن.
ومن باع منه سلعة فأتلفها فليس له اتباعه بثمن ولا قيمة.
1 ولو ابتاع من الصبي سلعة ودفع الثمن إليه فأتلفه، فالمبتاع ضامن للسلعة ولا شيء له قبل الصبي من الثمن.

وإن أودعت عبداً محجوراً عليه وديعة فأتلفها، فهي في ذمته إن عتق يوماً ما، إلا أن يفسخها عنه السيد في الرق، فذلك له، لأن ذلك يعيبه فيسقط ذلك عن العبد في رقه وبعد عتقه.
3815 - وما أتلف المأذون [له] من وديعة بيده فذلك في ذمته لا في رقبته، لأن الذي أودعه متطوع بالإيداع، وليس للسيد أن يفسخ ذلك عنه.
وكذلك ما أفسد العبد الصانع المأذون له في الصناعة مما دفع إليه ليعمله أو يبيعه فأتلفه.
وكذلك من ائتمنه على شيء أو أسلفه فإن ذلك في ذمته، لا في رقبته ولا فيما في يديه من مال السيد، وليس للسيد فسخ ذلك عنه.
وما قبضه العبد والمكاتب وأم الولد والمدبر من وديعة بإذن ساداتهم فاستهلكوها، فذلك دين في ذممهم لا في رقابهم، بخلاف الصبي يقبض وديعة بإذن أبيه فيتلفها هذا، لا يلزمه شيء ولا ينبغي ذلك لأبيه.
ومن أودعته وديعة فاستهلكها ابنه الصغير، فذلك في مال الابن، فإن لم يكن له مال فذلك في ذمته.
ومن أودعته وديعة فاستهلكها عبده فهي جناية في رقبته، فإما فداه بذلك أو أسلمه، ومن قتل عبداً فقيمته في ماله حالّة ولا تحملها العاقلة.

3816 - ومن أودعته وديعة فادعى أنك أمرته أن يدفعها إلى فلان ففعل، وأنكرت أنت أن تكون أمرته، فهو ضامن، إلا أن تقوم له بينة أنك أمرته بذلك.
وإن بعثت إليه بمال فقال: [قد] تصدقت به [عليّ] ، وصدقه الرسول وأنت منكر للصدقة، فالرسول شاهد يحلف معه المبعوث إليه ويكون المال صدقة عليه.
قيل: كيف يحلف ولم يحضر؟ قال: كما يحلف الصبي إذا كبر مع شاهده في دين أبيه.
3817 - وإن بعت من رجل ثوباً وبعثت معه عبدك أو أجيرك ليقبض الثمن فقال: قبضته وضاع مني، فإن لم يقم المشتري بينة بالدفع إلى رسولك ضمن بخلاف من دفعت إليه مالاً ليدفعه إلى رجل فقال: دفعته إليه بغير بينة، وصدقه الرجل، هذا لا يضمن.
3818 - ومن أودعته أمة فوطئها، فعليه الحد والولد عبد لك.

ومن أودعته وديعة فأتى رجل فزعم أنك أمرته بأخذها، فصدقه ودفعها إليه فضاعت، فالدافع ضامن، فإن ضمّنته كان له الرجوع على آخذها منه.
ومن أودع رجلين وديعة أو استبضعهما فليكن ذلك عند أعدلهما كالمال بيد الوصيين، وإذا لم يكن في الوصيين عدل خلعهما السلطان ووضع المال عند غيرهما.
[قال ابن القاسم: ولم أسمع من مالك في الوديعة والبضاعة شيئاً وأراه مثله] . 3819 - ومن استودعك دابة وغاب فأنفقت عليها بغير أمر السلطان، فإنك إن أقمت بينة أنه أودعكها منذ وقت كذا فإن الإمام يبيعها ويقضيك ما ادعيت من النفقة وإن لم يشهدوا بها إذا لم تدع شططاً.
ومن أودعته بقراً أو أًتناً أو نوقاً فأنزى عليهن فحملن فمتن من الولادة

فصول الكتاب · 3 فصل · 645 صفحة
جارٍ التحميل