كتاب الأقضية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- أبو سعيد ابن البراذعي
- الكتاب
- التهذيب في اختصار المدونة
- المؤلف
- خلف بن أبي القاسم محمد، الأزدي القيرواني، أبو سعيد ابن البراذعي المالكي (المتوفى: 372هـ)دراسة وتحقيق: الدكتور محمد الأمين ولد محمد سالم بن الشيخ
- الناشر
- دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، دبي
- الطبعة
- الأولى، 1423 هـ - 2002 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع](تنبيه): المقدمة والحواشي ليست من المطبوع بل من مطبوعة أخرى
وكل ما لا منفعة فيه للغاصب بعد القلع كالجص والنقش، فلا شيء له فيه.
وكذلك [كل] ما حُفِر من بئر أو مطمر، فلا شيء له في ذلك.
ومن غصب لذمي خمراً فأتلفها، فعليه قيمتها يقومها من يعرف القيمة من المسلمين.
3561 - وإذا تظالم أهل الذمة في غصب الخمر أو فسادها، قضينا بينهم فيها، إذ هي من أموالهم، ولا أقضي بينهم في تظالمهم في الربا، وترك الحكم بينهم في الربا أحب إلي
لقول الله عز وجل: ×فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ% [المائدة: 42] .
3562 - وإذا دُفن رجل وامرأة في قبر، جعل الرجل مما يلي القبلة، قيل: فهل يجعل بينهما حاجز من الصعيد، أو يدفنان في قبر واحد من غير ضرورة؟ قال: ما سمعت من مالك فيه شيئاً [إلا ما أخبرتك] .
وعصبة المرأة أولى بالصلاة عليها من زوجها، وزوجها أحق منهم بغسلها وإدخالها في قبرها، ويُدخلها [أيضاً] في قبرها ذوو محارمها، فإن اضطر إلى الأجنبيين، جاز أن يُدخلوها في قبرها.
1
3563 - ومن اشترى أرضاً فحفر فيها مطامر أو آباراً، أو بنى فيها، ثم استحقها رجل، قيل له: ادفع إلى المبتاع قيمة العمارة والبناء وخذ أرضك بما فيها، فإن أبى، قيل للمبتاع: اغرم له قيمة أرضه وخذها واتبع من اشتريت منه بالثمن، فإن أبى
كانا شريكين [فيها] ، هذا بقيمة أرضه والمبتاع بقيمة ما أحدث، وكذلك من أحيا أرضاً وهو يظن أنها مواتاً ليست لأحد، ثم استحقها رجل، قيل له: ادفع قيمة العمارة، فإن أبى قيل لهذا: أعطه قيمة الأرض، فإن أبى كانا شريكين في الأرض والعمارة، هذا بقيمة أرضه، وهذا بقيمة العمارة.
وقد اختلف في هذه المسألة، قال ابن القاسم: وهذا أحسن ما سمعت.
3566 - وإن حفر المبتاع في الأرض بئراً، أو عمرها بأصل جعله فيها، ثم استحق رجل نصف الأرض وأراد الأخذ بالشفعة، قيل له: ادفع إلى المبتاع قيمة نصف ما عمر وخذ نصف الأرض باستحقاقك، ولا شفعة لك في النصف الآخر حتى تدفع للمبتاع نصف قيمة ما عمر، فإن أبى من دفع ذلك فيما استحق واستشفع قيل للمبتاع: ادفع [إليه] نصف [قيمة] الأرض الذي استحق، وارجع على البائع بنصف الثمن، فإن أبى كانا شريكين في [ذلك] النصف، للمستحق فيه بقدر ما استحق
وللمبتاع بقدر ما عمر، ويكون للمبتاع النصف الآخر ونصف ما أحدث.
قال ابن القاسم: وهذا أحسن ما سمعت فيها.
3567 - ومن مات وعليه دين وترك دنانير أو دراهم، فشهد قوم أن الميت غصب هذه الدنانير أو هذه الدراهم بأعيانها من فلان، فإن عرفوها بأعيانها، فهو أحق بها من غرماء الميت.
(كتاب الاستحقاق)
3568 - ومن اكترى أرضاً سنين، للبناء، والغرس، والزرع، فبنى فيها أو غرس أو زرع، وكانت تزرع السنة كلها، ثم قام مستحق قبل تمام المدة، فإن كان الذي أكراها مبتاعاً، فالغلة له بالضمان إلى يوم الاستحقاق، وللمستحق أن يجيز كراء بقية المدة أو يفسخ، فإن أجاز فله حصة الكراء من يومئذ، ثم له بعد تمام المدة أن يدفع إلى المكتري قيمة البناء والغرس مقلوعاً، أو يأمره بقلعه.
1
3569 - وإن فسخ الكراء قبل تمام المدة، لم يكن له قلعه، ولا أخذه بقيمته مقلوعاً، ولكن يقال له: ادفع قيمة البناء والغرس قائماً، فإن أبى قيل للمكتري: أعطه قيمة أرضه، فإن أبى كانا شريكين، وكان عليه في الزرع إذا فسخ الكراء، الصبر إلى انقضاء البطن الذي أدرك، وله فيها الكراء من يومئذ على حساب السنة.
وإن كانت أرضاً تزرع في السنة مرة، فاستحقها وهي مزروعة قبل فوات إبان الزريعة، فكراء تلك السنة للمستحق، وليس له قلع زرعه، لأن المكتري زرع بوجه شبهة.
ولو كان الزارع غاصباً، كان لرب الأرض قلعه إن كان في إبان الزراعة.
وإن استحقها بعد إبان الزراعة وقد زرعها مشتريها أو مكتري منه، فلا كراء للمستحق في تلك السنة، وكراؤها للذي أكراها إن لم يكن غاصباً، وكانت بيده بشراء أو ميراث.
وكذلك إن سكن الدار مشتريها، أو أكراها أمداً، ثم استحقها رجل بعد الأمد، فلا كراء له وكراؤها للمبتاع.
وإذا كان مكري الأرض لا يُعلم أغاصب هو أم مبتاع، فزرعها المكتري منه ثم استحقت، فمكريها كالمشتري حتى يُعلم أنه غاصب.
وإن كان مكري الأرض وارثاً ثم طرأ له أخ شريكه لم يعلم به أو علم به، فإنه يرجع على أخيه بحصته من الكراء إن لم يحاب، فإن حابى في الكراء رجع على أخيه بالمحاباة إن كان ملياً، وإن لم يكن له مال رجع على المكتري.
وقال غيره: بل يرجع في المحاباة على المكتري في ملائه وعدمه، كان أخوه
ملياً أو معدماً، إلا أن يعلم الأخ أن معه وارثاً فيرجع عليه أخوه في عدم المكتري.
قال ابن القاسم: وأما إن سكنها الوارث أو زرع فيها لنفسه، ثم طرأ له أخ لم يعلم به، فالاستحسان أن لا رجوع لأخيه عليه بشيء، بخلاف الكراء إلا أن يكون به عالماً، فيغرم له نصف كرائها.
وقد روى [علي بن زياد] عن مالك أن له [عليه كراء] نصف ما سكن، ولو كان إنما ورث الأرض عن أخيه فأكراها ممن زرعها ثم قدم ولد للميت حجبه، فليس له قلع الزرع وله الكراء، قدم في إبان الحرث أو بعده، لأنها لو عطبت كانت في ضمان القادم، وإنما الذي يدخل مع الورثة فيشاركهم في الكراء والغلة من دخل معهم في الميراث بسبب واحد.
3570 - فأما من استحق داراً بوراثة أو بغير وراثة من يد من ابتاعها أو ورثها من أبيه، فإنما له الكراء من يوم استحق، ولا كراء له فيما مضى إلا أن تكون الدار بيد غاصب.
1
3571 - ومن اكترى أرضاً بعبد أو بثوب فاستحق، أو بما يوزن من نحاس أو حديد بعينه يعرفان وزنه فاستحق ذلك، فإن كان استحق قبل أن يزرع أو يحرث انفسخ الكراء، وإن كان بعدما زرع أو أحدث فيها عملاً، فعليه قيمة كراء الأرض.
3572 - ومن ابتاع من رجل طعاماً بعينه، ففارقه قبل أن يكتاله، فتعدى البائع على الطعام فباعه، فعليه أن يأتي بطعام مثله، ولا خيار للمبتاع في أخذ دنانيره.
ولو هلك الطعام بأمر من الله تعالى انتقض البيع، وليس للبائع أن يأتي بطعام مثله ولا ذلك عليه.
3573 - ومن اكترى داراً سنة من غير غاصب، فلم ينقده الكراء حتى استحقت الدار في نصف السنة، فكراء ما مضى للأول، وللمستحق فسخ ما بقي أو الرضا به، فيكون له بقية كراء السنة، فإن أجاز الكراء، فليس للمكتري أن يفسخ الكراء
فراراً من عهدته إذ لا ضرر عليه، لأنه يسكن، فإن انهدمت الدار أدى بحساب ما سكن.
ولو انتقد الأول كراء السنة كلها، لدفع إلى المستحق حصة باقي المدة إن كان مأموناً، ولم يخف من دين أحاط به ونحوهن ولا يرد باقي الكراء على المكتري.
ومن اكترى داراً فهدمها تعدياً ثم قام مستحق، فله أخذ النقض إن وجده، وقيمة الهدم من الهادم، ولو كان المكري قد ترك للمكتري قيمة الهدم قبل الاستحقاق لرجع بها المستحق على الهادم، كان ملياً أو معدماً، لأن ذلك لزم ذمته بالتعدي، ولا يرجع على المكري، إذ لم يتعد، وفعل ما يجوز له، وهو كمن ابتاع عبداً فسرقه منه رجل [ثم هلك بيده] فترك له قيمته، ثم قام [مستحقه] ، فإنما يتبع السارق خاصة.
ولو باع النقض هادمه، كان عليه للطالب إن شاء الثمن الذي قبض فيه أو قيمته.
ولو هدمها المكري، لم يلزمه لربها قيمته، وإنما له النقض بعينه إن وجده، وإن بيع فله ثمنه.
3574 - ومن ابتاع داراً فاستحق منها بيتاً بعينه، فإن كان اليسير من الدار مثل دار
عظمى لا يضرها ذلك، لزم البيع في بقيتها، ورجع بحصة ما استحق منها.
وكذلك النخل الكثيرة يستحق منها النخلات اليسيرة.
وأما إن استحق نصف الدار، أو جلها، أو دون النصف مما يضر بالمشتري، فهو مخير في ردها كلها وأخذ الثمن، أو التمسك بما لم يستحق منها بحصته من الثمن، إن كان الذي استحق النصف رجع بنصف الثمن، وإن كان الثلث رجع بثلث الثمن.
1
والذي يكتري داراً فيستحق منها شيء، فهو مثل ما وصفنا في البيوع.
وقال غيره: ليس الكراء كالشراء في هذا، وليس للمكتري التماسك بما بقي إن استحق نصف الدار أو جلها، لأن ما بقي مجهول.
[وقال سحنون: يعني إن اختلف قيمة كراء الشهور، وأما إن لم يختلف فليس ذلك بمجهول] .
3575 - ومن ابتاع داراً أو عبيداً من غاصب ولم يعلم، فاستغلهم زماناً ثم استحقوا،
فالغلة للمبتاع بضمانه، وكذلك إن ورثهم عن أبيه ولم يدر بما كانوا لأبيه، فاستغلهم ثم استحقوا، فالغلة للوارث، ولو وهب ذلك لأبيه رجل، فإن علم أن الواهب لأبيه هو الذي غصب هذه الأشياء من المستحق، أو من رجل هذا المستحق وارثه، فغلة ما مضى للمستحق، فإن جهل أمر الواهب أغاصب هو أم لا؟ فهو على الشراء حتى يعلم أنه غاصب.
3576 - ومن غصب داراً أو عبيداً فوهبهم لرجل فاغتلهم وأخذ كراهم، ثم قام مستحق فإن كان الموهوب له عالماً بالغصب، فللمستحق الرجوع بالغلة على أيهما شاء وإن لم يعلم الموهوب بالغصب، فإن المستحق يرجع أولاً بالغلة على الغاصب، فإن كان عديماً رجع بها على الموهوب.
1
وكذلك من غصب ثوباً أو طعاماً فوهبه لرجل فأكله، أو لبس الثوب فأبلاه، أو كانت دابة فباعها وأكل ثمنها، ثم استحقت هذه الأشياء بعد فواتها بيد الموهوب، فعلى ما ذكرنا.
ولو أن الغاصب نفسه استغل العبد، أو أخذ كراء الدار، لزمه أن يرد الغلة والكراء للمستحق.
3577 - ولو مات الغاصب وترك هذه الأشياء ميراثاً فاستغلها ولده، كانت هذه الأشياء وغلتها للمستحق، [ويرجع على الولد بما استغل أو استأجر] .
[قال ابن القاسم:] والموهوب لا يكون في عدم الواهب أحسن حالاً
من الوارث، ألا ترى أن من ابتاع قمحاً فأكله، أو ثياباً فلبسها حتى أبلاها، أو شاة فذبحها وأكل لحمها، ثم استحق ذلك رجل أن له على المبتاع مثل طعامه، أو قيمة ما لا مثل له ن الثياب وغيرها، ولا يضع ذلك عنه أنه اشتراه، فإن هلك ذلك بيد المبتاع بغير سببه وانتفاعه، فإن لم يعلم بالغصب وقامت بهلاك ما يغاب عليه من ذلك بينة، فلا شيء عليه، ولا يضمن ما هلك من الحيوان، أو الربع، أو انهدم بغير سببه، فكما كان المشتري حين أكل ولبس لم يضع عنه الاشتراء الضمان، كان من وهبه غاصب، فاستغل أحرى أن يرد ما استغل في عدم الواهب، لأنه أخذ هذه الأشياء بغير ثمن.
3578 - ولو نزل عبد ببلد فادعى الحرية فاستعمله رجل [في عمل] ، فعمل له عملاً له بال من بناء أو غيره بغير أجر، أو وهبه مالاً، فلربه إذا استحقه أخذ قيمة عمله ممن استعمله، إلا أن يكون عملاً لا بال له كسقي الدابة، ويأخذ من [ذلك] الموهوب ما وهب له، وما أكله الموهوب، أو باعه فأخذ ثمنه فعليه غرمه، وما هلك من ذلك بيد الموهوب بغير سببه، فلا شيء له عليه بخلاف الغاصب، لأن الغاصب لو هلكت هذه الأشياء عنده بغير سببه ضمنها، ولو اغتلها رد الغلة، والموهوب لو اغتلها ولم يعلم بالغصب، لم يلزمه رد الغلة إلا في عدم الواهب.
ولو هلكت عنده بغير سببه لم يضمن، لأنه لم يتعد إلا أن يغتلها وقد علم بالغصب، فيصير كالغاصب سواء.
3579 - ومن ابتاع من غاصب - ولم يعلم - دوراً، أو أرضين، أو ثياباً، أو حيواناً، أو ماله غلة، أو نخلاً، فأثمرت عنده، فالغلة والثمرة للمبتاع بضمانه إلى يوم يستحقها ربها، ولو كان الغاصب إنما وهبه ذلك لرجع المستحق بالغلة على الموهوب في عدم الغاصب، لأن الموهوب لم يضمن في ذلك ثمناً أداه، ويكون للموهوب من الغلة قيمة عمله وعلاجه.
3580 - ومن ابتاع سلعة بدنانير فدفع فيها دراهم، ثم استحقت السلعة أو ردها بعيب، فإنما يرجع بما دفع من العين بعضه عن بعض، ولو دفع في الدنانير عرضاً لم يرجع على البائع إلا بالدنانير، ولو استحق هذا العرض من يد البائع رجع على المبتاع بالدنانير، لأن أخذه لهذا العرض لم يكن ثمناً للسلعة التي باع، وإنما هي صفقة ثانية، كما لو قبض الدنانير من المبتاع ثم ابتاع بها منه سلعة أخرى فاستحقت من يده فإنما يرجع عليه بالدنانير.
3581 - ومن ابتاع أمة فوطئها وهي ثيب، أو بكر فافتضها، ثم استحقت بملك أو حرية، فلا شيء عليه للوطء، ولا صداق ولا ما نقصها، فإن أولدها المبتاع فلمستحقها بالملك أخذها إن شاء مع قيمة ولدها يوم الحكم عبيداً، وعلى هذا جماعة
الناس، وقاله مالك، وأخذ به ابن القاسم ثم رجع عنه مالك فقال: يأخذ قيمتها، لأن في ذلك ضرراً على المبتاع، ويأخذ قيمة الولد أيضاً [يومئذ] ٍ، فإن أُخذت الأمة من المبتاع على أحد قولي مالك رجع بالثمن على بائعه، ولا يرجع بما أدى من قيمة الولد، كما لو باع من رجل عبداً سارقاً ودلس له به فسرق متاعه، لم يضمن البائع ذلك، فإن أخذ منه المستحق الأمة وألفاه عديماً أتبعه بقيمة الولد ديناً، وإن كان الولد ملياً أدى القيمة، ثم لا يرجع بها على أبيه إن أيسر، وإن كانا مليين فذلك على الأب، ولا يرجع به الأب على الولد، وإن كانا عديمين أتبع أولهما يسراً، ولا يؤخذ من الابن قيمة الأم في عدم الأب أو يسره،
[وقال غيره: لا شيء على الابن من قيمة نفسه في عدم الأب أو يسره] .
قال ابن القاسم: وليس للمستحق فيمن مات من الولد قيمة، وولدها لاحق النسب، له حكم الحر في النفس وفي الجراح وفي الغرة قبل الاستحقاق أو بعده، ولا يضع القصاص عن القاتل استحقاق هذه الأمة، لأنه حر، ومن قتل من الولد خطأ فديته كاملة للأب، وعليه لسيد الأمة الأقل من قيمة الولد يوم القتل عبداً، أو ما أخذ من ديته، وإن قتل عمداً فاقتص الأب من قاتله، لم يكن على الأب فيهم قيمة، ويغرم قيمة الولد الحي وإن جاوزت الدية.
ولو قطعت يد الولد خطأ فأخذ الأب ديتها ثم استحقت أمه، فعلى الأب للمستحق قيمة الولد أقطع اليد يوم الحكم فيه، وينظر كم قيمة الولد صحيحاً وقيمته أقطع اليد يوم جني عليه، فيغرم الأب الأقل مما بين القيمتين أو ما قبض في دية اليد، فإن كان ما بين القيمتين أقل، كان ما فضل من دية اليد للأب.
ولو ضرب رجل بطن هذه الأمة وهي حامل من سيدها فألقت جنيناً ميتاً، فللأب عليه غرة [عبد أو وليدة] كالحر، ثم للمستحق على الأب الأقل من ذلك أو من
عشر قيمة أمه يوم ضرب بطنها، وليس على المبتاع ما نقصتها الولادة، لأنها لو ماتت لم تلزمه قيمتها، لأنه مبتاع.
وقد تقدم في كتاب الغصب ذكر الأمة تلد من الغاصب، وفي كتاب النكاح ذكر الأمة تزوج نفسها أو يزوجها أجنبي على أنها حرة.
3582 - ومن بنى داره مسجداً ثم استحقها رجل، فله هدمه، كمن ابتاع عبداً فأعتقه ثم استحق، فلربه رد العتق.
3583 - ومن ابتاع ثياباً كثيرة، أو صالح بها من دعواه، فاستحق بعضها أو وجد بها عيباً قبل قبضها أو بعد، فإن كان ذلك أقلها رجع بحصته من الثمن فقط، وإن كان وجه الصفقة، انتقض ذلك كله ورد ما بقي، ثم لا يجوز أن يتماسك بما بقي بحصته من الثمن وإن رضي البائع، إذ لا يعرف حتى يقوّم وقد وجب الرد، فصار بيعاً مؤتنفاً بثمن مجهول، ولو كان ما ابتاع مكيلاً أو موزوناً، فإن استحق القليل [منه] رجع بحصته من الثمن ولزمه ما بقي، وإن كان كثيراً فهو مخير في أن
يحبس ما بقي بحصته من الثمن أو يرده، وكذلك في جزء شائع مما لا ينقسم، لأن حصته من الثمن [معلومة قبل الرضا به، ومن ابتاع سلعاً كثيرة في صفقة واحدة، فإنما يقع لكل سلعة منها حصتها من الثمن] يوم وقعت الصفقة.
3584 - ومن ابتاع صبرة قمح وصبرة شعير جزافاً في صفقة بمائة دينار، على أن لكل صبرة خمسين ديناراً، أو ثياباً أو رقيقاً، على أن لكل عبد أو ثوب من الثمن كذا وكذا، فاستحقت إحدى الصبرتين أو أحد العبيد أو الثياب، فإن الثمن ينقسم على جميع الصفقة، فما أصاب الذي استحق من الثمن وضع عن المبتاع، ولا ينظر إلى ما سميا من الثمن.
ولو اشترى صبرة القمح وصبرة الشعير على الكيل، على أن كل قفيز بدينار لم يجز البيع.
3585 - ومن ابتاع عبدين في صفقة، فاستحق أحدهما بحرية بعد أن قبضه أو قبل، فإن كان وجه الصفقة، فله رد الباقي، وإن لم يكن وجهها لزمه الباقي بحصته من الثمن، وإنما يقوّم المستحق قيمته أن لو كان عبداً، وكذلك لو كان المستحق مكاتباً أو مدبراً أو أم ولد.
1
3586 - ومن ادعى شيئاً بيد رجل، ثم اصطلحا على الإقرار على عرض، فاستحق ما أخذ المدعي، فليرجع على صاحبه ويأخذ منه ما أقر له به إن لم يفت، فإن فات بتغير سوق أو بدن، وهو عرض أو حيوان أخذ قيمته، وإن كان الصلح على الإنكار فاستحق ما بيد المدعى عليه، فليرجع بما دفع إن لم يفت، فإن فات بتغير سوق أو بدن، رجع بقيمته.
ومن كان له على رجل مائتان، فصالحه على أن يترك له مائة، وعلى أن يأخذ منه بالمائة الباقية عبده ميموناً، فذلك جائز، وإن استحق العبد فإنه يرجع بالمائتين، لأنه من باع سلعة بثمن سماه، على أن يأخذ بذلك الثمن سلعة بعينها نقداً أو مضمونة مؤجلة، فإنما وقع البيع بتلك السلعة، ولا ينظر إلى اللفظ، ولكن إلى ما انعقد [من] الفعل.
3587 - ومن صالح من دم عمد وجب له على رجل بعبد، جاز ذلك، فإن استحق العبد رجع بقيمته ولا سبيل إلى القتل.
وكذلك من نكح بعبد فاستحق، أو وجدت به المرأة عيباً، فإنها ترده وترجع على الزوج بقيمة العبد وتبقى زوجة له على حالها، والخلع بهذه المنزلة.
1
ومن اشترى عبداً فأصاب به عيباً، فصالحه البائع من العيب على عبد آخر دفعه
إليه، جاز ذلك، وكأنهما في صفقة [واحدة] ، فإن استحق أحدهما فليفضّ الثمن عليهما، وينظر هل هو وجه الصفقة [أم لا] على ما ذكرنا.
ومن باع عبداً بعبد فاستحق أحدهما من يد مبتاعه أو رده بعيب، فإنه يرجع في عبده الذي أعطي فيأخذه إن وجده، وإن فات بتغير سوق أو بدن، لم يكن له إلا قيمته يوم الصفقة، ولا يجتمع لأحد في مثل هذا خيار في أخذ سلعته أو تضمينها.
3588 - وإن بعت عبداً بثوب فاستحق الثوب وقد عتق العبد، فإنك ترجع بقيمة العبد، وإن ابتعت جارية بعبد فحال سوقها عندك أو ولدت أولاداً، ثم استحق [العبد] بملك أو حرية، فإنما عليك قيمة الجارية يوم الصفقة.
وكذلك إن زوجت الأمة ثم استحق العبد أو وجد به عيب، فذلك في الجارية فوت أخذت لها مهراً أو لم تأخذ، وعليك قيمتها يوم الصفقة، لأن التزويج عيب.
وقد قال مالك - رحمه الله -: إن التزويج ينقصها وإن كانت وخشاً، ولا يردها مبتاعها بعيب إذا زوجها إلا ومعها ما نقصها.
3589 - ومن كاتب عبده على عرض موصوف، أو حيوان، أو طعام، فقبضه وعتق العبد ثم استحق ما دفع العبد من ذلك، [قال:] فأحب إليّ أن لا يرد العتق، ولكن يرجع عليه بمثل ذلك، فإن أعتقه على شيء مما ذكرنا بعينه وهو عبد غير مكاتب، ثم استحق ذلك، فالعتق ماض ولا يرد، وكأنه انتزعه منه ثم أعتقه.
3590 - ومن وهب لرجل هبة فعوضه فاستحق العوض، فإنه يرجع في هبته إن كانت قائمة، إلا أن يعوضه قيمتها فيلزمه، وليس للواهب قيمة العوض وإن كان أكثر من الهبة، لأن الذي زاده أولاً في عوضه على قيمة هبته إنما كان تطولاً، وإن استحقت الهبة رجع في العوض إلا أن يفوت في بدن [أو تغير] سوق، فيأخذ قيمته.
1
3591 - ومن باع جارية بعبد فقبضه ثم أعتقه، ثم استحق نصف الجارية قبل حوالة سوق، فلمبتاعها حبس نصفها الباقي والرجوع بنصف قيمة عبده، أو رد باقيها وأخذ قيمة عبده لفوته بالعتق، وكذلك إن كان الغلام هو الذي استحق نصفه والجارية هي المعتقة على ما ذكرنا.
3592 - ومن أوصى بحج أو غيره، ثم مات فبيعت تركته وأنفذت وصيته، ثم استحقت رقبته، فإن كان معروفاً بالحرية، لم يضمن الوصي ولا متولي الحج شيئاً، ويأخذ السيد ما كان قائماً من التركة لم يُبع، وما بيع وهو قائم بيد مبتاعه، فلا يأخذه السيد إلا بالثمن ويرجع بذلك الثمن على البائع.
3593 - وكذلك قال مالك - رحمه الله - فيمن شهدت بينة بموته، فبيعت تركته وتزوجت زوجته ثم قدم حياً، فإن كان الشهود عدولاً وذكروا ما يعذرون به في دفع تعمد الكذب، مثل أن يروه في معركة القتل فظنوا أنه ميت، أو طعن فلم يتبين لهم أن به حياة، أو شهدوا على شهادة غيرهم، فهذا ترد إليه زوجته وليس له من متاعه إلا ما وجده لم يبع، وما بيع فهو أحق به بالثمن إن وجده قائماً لم يتغير عن حاله.
قال ابن القاسم: والذي أراد مالك تغير البدن وليس له أخذ ذلك حتى يدفع الثمن إلى من ابتاعه، وما وجده قد فاتت عينه عند مبتاعه، أو تغير عن حاله في بدنه، أو فات بعتق، أو تدبير، أو كتابة، أو أمة تحمل من السيد، أو صغير يكبر، فإنما له الرجوع بالثمن على من باع ذلك كله، فإن لم تأت البينة بما تعذر به من شبهة دخلت عليهم، فذلك كتعمدهم للزور، فيأخذ متاعه حيث وجده إن شاء بالثمن الذي بيع به وترد إليه زوجته، وله أخذ ما أُعتق من عبد، أو كوتب، أو دُبر، أو صغير كبر، أو أمة اتخذت أم ولد، فيأخذها وقيمة ولدها من المبتاع يوم الحكم، كالمغصوبة يجدها بيد مشتر.
3594 - وإن أسلمت دنانير في طعام أو غيره، فاستحقت بيد المسلم إليه قبل أن تقبض ما سلمت فيه أو بعد [ذلك] ، فالسلم تام وعليك مثلها، وكذلك الدراهم والفلوس، وكذلك في البيعالناجز.
ولو أسلمت عرضاً، أو حيواناً، أو رقيقاً، أو شيئاً مما يكال أو يوزن، من طعام أو عرض فيما يجوز أن تسلمه فيه، فاستحق ما دفعت، أو وجد به عيباً [يرده] به، فرده قبل أن تقبض ما أسلمت فيه أو بعد قبضه، فالسلم ينتقض.
وكذلك ينتقض البيع الناجز، وترد ما قبضت إن كان قائماً أو مثله إن كنت استهلكته.
ومن أسلف في طعام مضمون فلما قبضه استحق من يده، فإنه يرجع بمثله ولا ينتقض السلف.
3595 - ومن ابتاع طعاماً كيلاً أو وزناً فتلف قبل أن يقبضه، انتقض البيع، وليس على البائع أن يأتي بمثله.
3596 - ومن ابتاع سلعة على أن يهبه البائع، أو يتصدق عليه، فإن كان شيئاً معلوماً، جاز ذلك، فإن استحقت السلعة وفاتت الهبة فإن الثمن يفض على قيمتها من قيمة الهبة، فيرجع من الثمن بحصة السلعة.
3597 - ومن قال لرجل: أبيعك عبدي هذا بخمسة أثواب موصوفة إلى أجل، فالعبد رأس المال، ولو قال: أشتري منك عبدك هذا بعشرة أثواب [موصوفة] إلى أجل، فالعبد رأس المال، فإن استحق العبد بطل السلم.
3598 - ومن أسلم ثوباً في عشرة أرادب حنطة إلى أجل، وفي عشرة دراهم إلى أجل أبعد منه، جاز ذلك، فإن استحق نصف الثوب قبل أن يدفعه أو بعد، فالمسلم إليه يخير في رد باقي الثوب وينتقض السلم، أو التماسك بنصفه، ويلزمه نصف الطعام ونصف الدراهم، لأن من ابتاع عبداً أو ثوباً بثمن فاستحق نصف ذلك، خير المبتاع في رد باقيه أو يتماسك به ويرجع على البائع بنصف الثمن وإن كره.
3599 - ومن أسلم ثوبين في فرس موصوف، فاستحق أحدهما، فإن كان وجه الثوبين بطل السلم، وإن كان الأدنى رده ورجع بقيمته وثبت السلم، وهذا وما بيع يداً بيد سواء، ما يفسخ في بيع يد بيد يفسخ في السلم.
وما أسلمت فيه من الحيوان إلى أجل فقبضته، ثم استحق، فإنك ترجع بمثله في صفته التي شرطت، ولا تنظر زاد عندك أم نقص.
ومسألة من ابتاع إناء فضة بدراهم فاستحقت، مذكورة في كتاب الصرف، وفيه مسألة الخلخالين موعبة.
والله الموفق.
(كتاب الشُّفْعة)
3600 - قال: وإذا كانت دار بين مسلم وذمي، فباع المسلم حصته من مسلم أو ذمي، فلشريكه الذمي الشفعة كما لو كان مسلماً، ولو كانت بين ذميين فباع أحدهما، لم أقض بالشفعة بينهما إلا أن يتحاكما إلينا.
1
3601 - ومن هلك وترك ثلاثة بنين: اثنان شقيقان والآخر لأب، وترك بينهم داراً، فباع أحد الشقيقين حصته قبل القسم فالشفعة بين الشقيقين والأخ للأب سواء، إذ بالبنوة ورثوا، ولا ينظر إلى الأقعد بالبائع.
ولو ولد لأحدهم أولاد ثم مات، فباع بعض ولده حصته، فبقية ولده أشفع من أعمامهم، لأنهم أهل مورث ثان، فإن سلّموا فالشفعة لأعمامهم.
وإن باع أحد الأعمام، فالشفعة لبقية الأعمام مع بني أخيهم لدخولهم مدخل أبيهم.
وإن ترك ابنتين وعصبة، فباعت إحدى الابنتين، فأختها أحق من العصبة، لأنهما أهل سهم واحد، فإن سلّمت فالعصبة أحق ممن شركهم بملك.
ولو باع أحد العصبة فالشفعة لبقية العصبة والبنات، وكذلك الأخوات مع البنات [حكمهن] حكم العصبة، لأن العصبة ليس لهم فرائض مسماة.
ولو ترك داراً بينه وبين رجل وورثته عصبة فباع أحدهم حصته قبل القسمة، فبقيتهم أحق بالشفعة من الشريك الأجنبي، لأنهم أهل مورثه، [فإن سلّموا فللشريك الآخذ] .
33602 - وإن ترك أختاً شقيقة وأختين لأب، فأخذت الشقيقة النصف وأخذ الأختان للب السدس تكملة الثلثين، فباعت إحدى الأخوات للأب، فالشفعة بين الأخت الأخرى للأب وبين الشقيقة، إذ هن أهل سهم.
وإذا ورثت الجدتان السدس، فباعت إحداهما، فالشفعة [أيضاً] لصاحبتها دون ورثة الميت، لأنهما أهل سهم واحد.
ولا يرث عند مالك من الجدات أكثر من جدتين، وكذلك الإخوة للأم إذا ورثوا الثلث، فباع أحدهم حصته من الدار، فالشفعة لبقيتهم دون غيرهم من الورثة، لأنهم أهل سهم.
3603 - وإذا وجبت الشفعة للشركاء، قسمت بينهم على قدر أنصبائهم لا على عددهم.
وإذا اقتسم قوم داراً وتركوا الساحة لم يقتسموها، فباع أحدهم ما صار له من الدار، فلا شفعة بينهم، وإن كانت الساحة واسعة وأرادوا قسمتها ليحوز كل إنسان حصته إلى منزله فيرتفق به، فإن لم يكن ضرر، فلا بأس به.
ولا شفعة بالجوار والملاصقة في سكة أو غيرها، ولا بالشركة في الطريق.
ومن له طريق في دار رجل فبيعت الدار، فلا شفعة له فيها، ولا شفعة في شيء
سوى الدور، والأرضين، والنخل، والشجر، وما يتصل بذلك من بناء أو ثمرة.
ولا شفعة في دين، ولا حيوان، ولا سفن، ولا بز، ولا طعام، ولا عرض، ولا غيره مما ينقسم أو لا ينقسم.
3604 - وإذا بنى قوم في دار حبست عليهم ثم مات أحدهم فأراد أحد ورثته بيع نصيبه من البناء، فللآخرين فيه الشفعة، واستحسنه مالك وقال: ما سمعت فيه شيئاً.
3605 - ومن بنى في عرصة رجل بإذنه ثم أراد الخروج منها، فلرب العرصة أن يعطيه قيمة النقض أو يأمره بقلعه.
وإن بنى رجلان في عرصة رجل بإذنه، ثم باع أحدهما حصته من النقض، فلرب الأرض أخذ ذلك النقض بالأقل من قيمته، أو من الثمن الذي باعه به، فإن أبى فللشريك الشفعة للضرر، والضرر أصل الشفعة.
3608 - وللصغير الشفعة يقوم بها أبوه أو وصيه، فإن لم يكونا فالإمام ينظر له.
ولو كان له جد لم يأخذه له، ولكن يرفع ذلك إلى الإمام، وإن لم يكن له أب ولا وصي وهو بموضع لا سلطان فيه، فهو على شفعته إذا بلغ.
ولو سلّم من ذكرنا من أب أو وصي أو سلطان شفعة الصبي، لزمه ذلك، ولا قيام له إن كبر.
فإن كان له أب، فلم يأخذ له بالشفعة ولم يترك، حتى بلغ الصبي، وقد مضى لذلك عشر سنين، فلا شفعة للصبي، لأن والده بمنزلته، ألا ترى أن الصغير لو بلغ فترك أخذ شفعته عشر سنين، كان ذلك قطعاً لشفعته.
3609 - قال مالك - رحمه الله -: والشفيع على شفعته حتى يترك، أو يأتي من طول الزمان ما يُعلم أنه تارك لشفعته، وإذا علم بالاشتراء، فلم يطلب شفعته سنة، فلا يقطع ذلك شفعته، وإن كان قد كتب شهادته في الاشتراء، ولم ير مالك التسعة الأشهر ولا السنة بكثير، إلا أنه إذا تباعد
هكذا يحلف: ما كان وقوفه تركاً لشفعته، وإذا جاوز السنة بما يعد به تاركاً، فلا شفعة له.
وإن كانت الدار بغير البلد الذي هما فيه، فهو كالحاضر مع الدار [الحاضرة] فيما تنقطع إليه الشفعة.
1
ولا حجة للشفيع أنه لا ينقد حتى يقبضها، لجواز النقد في الرَّبع الغائب.
والغائب على شفعته وإن طالت غيبته وهو عالم بالشراء، وإن لم يعلم، فذلك أحرى ولو كان حاضراً.
3606 - ومن اشترى داراً وشفيعها حاضر، ثم سافر الشفيع بحدثان الشراء، فأقام سنين كثيرة ثم قدم فطلب الشفعة، فإن كان سفره يعلم أنه لا يؤوب منه إلا بعد أمد تنقطع في مثله شفعة الحاضر فجاوزه، فلا شفعة له، وإن كان سفراً يؤوب منه قبل ذلك فعاقبه أمر بعذر به فتخلف له، فهو على شفعته ويحلف بالله ما كان تاركاً لشفعته، أشهد عند خروجه أنه على شفعته أم لا.
وإذا اكترى الشفيع الشقص من المبتاع، أو ساومه ليشتريه، أو ساقاه في النخل فذلك قطع للشفعة.
3607 - وإذا اختلف الشفيع والمبتاع في الثمن، صدق المبتاع، لأنه مدعىّ عليه، إلا أن
يأتي بما لا يشبه مما لا يتغابن الناس بمثله، فلا يصدق إلا أن يكون مثل هؤلاء الملوك يرغب أحدهم في الدار اللاصقة بداره فيثمنه، فالقول قوله إذا أتى بما يشبه، وإن أقاما بينة وتكافأت في العدالة كانا كمن لا بينة لهما ويصدق المبتاع، لأن الدار في يده، وعهدة الشفيع على المبتاع خاصة، وإليه يدفع الثمن، كان بائعه قد قبض الثمن أم لا.
ولو غاب المبتاع قبل أن ينقد الثمن ولم يقبض الدار، نظر الإمام في ذلك.
وللبائع له منه الشقص حتى يقبض الثمن، فإن شاء الشفيع أن ينقده [الثمن] ، فذلك له، ويقبض الشقص وعهدته على المبتاع، لأنه عنه أدى.
وإن كان على مبتاع الشقص دين، فلم يقبض الشقص ولا دفع الثمن حتى قام غرماؤه وقام الشفيع، قيل للشفيع: ادفع الثمن إلى البائع قضاء عن المبتاع واقبض الدار ولا شيء للغرماء، لأن للبائع منع الشقص حتى يقبض الثمن، ولأن الشفيع لو سلمها بيعت الدار، فأعطى البائع الثمن الذي باع به، وكان أحق به الغرماء، إلا أن يقوم غرماء المبتاع فيفلسوه، فيكون البائع أولى بداره، إلا أن يضمن له الغرماء الثمن، ويقضى للشفيع بالشفعة في غيبة المبتاع كالقضاء عليه به حاضراً، ويكون على حجته.
3610 - ومن ابتاع شقصاً بثمن إلى أجل، فللشفيع أخذه بالثمن إلى ذلك الأجل إن كان ملياً أو أتى بضامن ثقة مليء.
وإن قال البائع للمبتاع: أنا أرضى أن يكون مالي على الشفيع إلى الأجل، لم يجز، لأنه فسخ ما لم يحل من دينه، في شيء [لم يتعجله، فصار ديناً في دين] .
وإن عجل الشفيع الثمن، فللمبتاع قبضه، ثم ليس عليه أن يعجله للبائع، وليس للبائع أن يمنعه من قبض الدار.
3611 - ومن ابتاع شقصاً من دار لها شفيعان، فسلم أحدهما، فليس للآخر أن يأخذ بقدر حصته إذا أبى عليه المبتاع، فإما أخذ الجميع أو ترك، وإن شاء هذا القائم أخذ الجميع، فليس للمبتاع أن يقول: لا تأخذ إلا بقدر حصتك.
3612 - ومن ابتاع شقصاً من دارين في صفقة واحدة، وشفيع كل دار على حدة فسلم أحدهما، فللآخر أن يأخذ شفعته في التي هو شفيعها دون الأخرى.
ولو اشترى ثلاثة أشقاص من دار، أو من دور في بلد، أو في بلدان من رجل، أو رجال وذلك في صفقة واحدة وشفيع ذلك كله واحد، فليس له أن يأخذ [إلا] الجميع أو يسلم.
وكذلك إن اشترى من أحدهم حصته في نخل، ومن آخر حصته في قرية، ومن آخر في دار، في صفقة واحدة، أو كان بائع ذلك كله واحد، أو شفيع ذلك كله واحد، فإما أخذ الجميع أو سلم.
ولو ابتاع ثلاثة ما ذكرنا من واحد، أو من ثلاثة في صفقة، والشفيع واحد، فليس له أن يأخذ من أحدهم دون الآخر، وليأخذ الجميع أو ليدع.
3613 - ومن اشترى حظ ثلاثة رجال من دار في ثلاث صفقات، فللشفيع أن يأخذ ذلك [أو] يأخذ أي صفقة شاء، فإن أخذ الأولى، لم يستشفع معه فيها المبتاع، وإن أخذ الثانية، كان للمبتاع معه الشفعة فيها بقدر صفقته الأولى فقط، وإن أخذ الثالثة خاصة، شفع فيها بالأولى والثانية.
3614 - ومن ابتاع شقصاً هو شفيعه مع شفيع آخر، تحاصّا فيه بقدر حصتيهما، يضرب فيه المبتاع بقدر نصيبه من الدار قبل الشراء، ولا يضرب ما اشترى.
ومن ابتاع شقصاً من دار لها شفعاء غُيَّب إلا واحد حاضر فأراد أخذ الجميع، فمنعه المبتاع أخذ حظوظ الغياب، أو قال له المبتاع: خذ الجميع، وقال الشفيع: لا آخذ إلا حصتي، فإنما للشفيع في الوجهين أن يأخذ الجميع أو يترك، وإن قال: أنا آخذ حصتي فإذا قدم أصحابي فإن أخذوا شفعتهم وإلا أخذت، لم يكن
ذلك له، إما أن يأخذ الجميع أو يدع، [فإن سلم، فلا أخذ له مع أصحابه إن قدموا، ولهم أن يأخذوا الجميع أو يدعوا] ، فإن سلموا إلا واحداً قيل له: خذ الجميع أو دع.
ولو أخذ الحاضر الجميع ثم قدموا، فلهم أن يدخلوا معه كلهم إن أحبوا فيأخذوا بقدر ما كان لهم من شفعتهم، وإن أخذ بعضهم وأبى البعض لم يكن للآخذ أن يأخذ بقدر حصته فقط، ولكن يساوي الآخذ قبله فيما أخذ أو يدع.
3615 - ومن ابتاع شقصاً من دار وعرضاً في صفقة واحدة بثمن، فالشفعة في الشقص خاصة بحصته من الثمن، بقيمته من قيمة العرض يوم الصفقة، تغيرت الدار بسكنى أو لم تتغير، وليس للشفيع أخذ العرض ولا ذلك عليه إن أباه.
3616 - وإذا أُخبر الشفيع بالثمن فسلم، ثم ظهر أن الثمن دون ذلك، فله الأخذ بالشفعة، ويحلف ما سلم إلا لكثرة الثمن.
وإن قيل له: قد ابتاع فلان نصف نصيب شريكك، [فسلم] ، ثم ظهر أنه
ابتاع جميع النصيب، فله القيام أيضاً بشفعته، فإن قيل له: ابتاعه فلان فسلم، ثم ظهر أنه ابتاعه مع آخر، فله القيام [أيضاً بشفعته] وأخذ حصتهما.
3617 - وإن قال الشفيع بعد الشراء: اشهدوا أني أخذت بشفعتي، ثم رجع فإن علم بالثمن قبل الأخذ لزمه، وإن لم يعلم به، فله أن يرجع، وإذا سلم الشفيع الشفعة بعد البيع، فلا قيام له.
ولو قال للمبتاع قبل الشراء: اشتر فقد سلمت لك الشفعة، وأشهد بذلك، فله القيام بعد الشراء، لأنه سلم ما لم يجب له بعد.
وإن سلم بعد الشراء على مال أخذه، جاز، وإن كان قبل الشراء، بطل وردّ المال وكان على شفعته.
3618 - وإن قال البائع: بعت الشقص بمائتين، وقال المبتاع: بمائة، وقال الشفيع: بخمسين، أو لم يدع شيئاً، فإن لم تفت الدار بطول زمان [أو تغير أسواق] ، أو تهدُّم الدار، أو تغير المساكن، أو بيع أو هبة ونحوه وهي بيد المبتاع أو البائع،
فالقول قول البائع، ويترادان بعد التحالف، ثم ليس للشفيع أن يقول: إنما آخذها بمائتين، ولا يردوا البيع.
ولا شفعة حتى يتم البيع فتصير العهدة على المبتاع، وههنا هي على البائع.
وإن تغيرت الدار بما ذكرنا وهي بيد المبتاع، صدق مع يمينه وأخذها الشفيع بذلك.
ولا شفعة في هبة الثواب إلا بعد العوض، وإنما جازت [الهبة] على غير عوض مسمى، لأنه على وجه التفويض في النكاح.
1
وفي القياس لا ينبغي أن يجوز، ولكن قد أجازه الناس.
3619 - ومن اشترى شقصاً بألف درهم، ثم وضع عنه البائع تسع مائة [درهم] بعد أخذ الشفيع أو قبل، نظر، فإن أشبه أن يكون ثمن الشقص عند الناس مائة درهم إذا تغابنوا بينهم أو اشتروا بغير تغابن، وضع ذلك عن الشفيع، لأن ما أزهرا من الثمن الأول إنما كان سبباً لقطع الشفعة، وإن لم يشبه ثمنه أن يكون مائة، لم يحط الشفيع شيئاً وكانت الوضيعة هبة للمبتاع.
وقال في موضع آخر: إن حط عن المبتاع ما يشبه أن يحط في البيوع، وضع ذلك عن الشفيع، وإن كان مما لا يحط مثله، فهي هبة، ولا يحط للشفيع شيء.
3620 - ومن ابتاع شقصاً من دار له شفيع غائب، فقاسم شريكه، ثم جاء الشفيع، فله نقض القسم وأخذه، إذ لو باعه المشتري كان للشفيع رد بيعه، ولو بنى فيه المشتري بعد القسم مسجداً، فللشفيع أخذه وهدم المسجد.
3621 - ولو وهب المبتاع ما اشترى من الدار أو تصدق [به] كان للشفيع إذا قدم نقض ذلك وأخذه والثمن للموهوب [له] أو المتصدق عليه، لأن الواهب علم أن له شفيعاً، فكأنه وهبه الثمن، ومن ابتاع شقصاً ثم باعه، فتداولته الأملاك فللشفيع أخذه بأي صفقة شاء، وينتقض ما بعدها، وإن شاء أخذه بالبيع الآخر، وثبتت البيوع كلها.
وكذلك إن بيع الشقص على المبتاع في دين لغرمائه، في حياته أو بعد وفاته، فللشفيع الأخذ بالبيع الأول وينقض الثاني، [وإن شاء أخذ بالثاني] .
3622 - وإذا زاد المبتاع البائع في الثمن بعد البيع، فللشفيع الأخذ بالثمن الأول، لأنه بيع قد وجب.
ولو أقال منه فالشفعة للشفيع وتبطل الإقالة، وليس له أخذه بعهدة الإقالة، والإقالة عند مالك: بيع حادث في كل شيء إلا في هذا، فإن سلّم الشفيع صحت الإقالة.
3623 - وإن اشترت المرأة شقصاً فخالعت به، فإن شاء الشفيع أخذه وتكون عهدته على الزوجة، فليأخذه بالثمن الذي اشترته به، وإن شاء كانت عهدته على الزوج، فليأخذه منه بقيمته يوم الخلع، فإن أخذه من الزوجة بالثمن رجع عليها الزوج بقيمته يوم الخلع.
ومن اشترى شقصاً فنكح به فمثل هذا سواء، يكون الزوج في النكاح كالزوجة في الخلع.
3624 - ومن قام بالشفعة ولم يحضره الثمن، تلوم له [اليوم و] اليومين والثلاثة.
وإن أخذ بالشفعة ثم لم يقبض الشقص حتى انهدمت الدار، فضمان الشقص من الشفيع.
وكذلك في البيوع ما أصاب الدار بعد الصفقة، فمن المشتري.
3625 - ولك أن توكل بأخذ الشفعة غبت أو حضرت، ولا يلزمك تسليم الوكيل إلا أن تفوض إليه في الأخذ أو الترك.
ولو أقر الوكيل أنك سلمتها، فهو كشاهد يحلف معه المبتاع، فإن نكل حلفت أنت وأخذت، وإن أقام الوكيل بينة أن فلاناً الغائب وكّله على طلب شفعته في هذه الدار، مُكِّن من ذلك.
3626 - ومن اشترى شقصاً من دار لرجل غائب، كان للشفيع أن يأخذ بالشفعة، ولا يضمن المبتاع للشفيع ما حدث عنده في الشقص من هدم، أو حرق، أو غرق، أو ما غار من عين أو بئر.
ولا يحط الشفيع لذلك من الثمن شيئاً، فإما أخذ بجميع الثمن أو ترك.
وكذلك لو هدم المبتاع البناء ليبنيه أو ليتوسع فيه، فإما أخذ ذلك الشفيع مهدوماً مع نقضه بجميع الثمن أو ترك.
3627 - ولو هدم المبتاع ثم بنى قيل للشفيع: خذ بجميع الثمن وقيمة ما عمّر فيها، وإلا فلا شفعة لك.