التهذيب في اختصار المدونةصفحات 343-382
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الأقضية

صفحات 343-382
عن هذه الطبعة
عَلَم
أبو سعيد ابن البراذعي
الكتاب
التهذيب في اختصار المدونة
المؤلف
خلف بن أبي القاسم محمد، الأزدي القيرواني، أبو سعيد ابن البراذعي المالكي (المتوفى: 372هـ)دراسة وتحقيق: الدكتور محمد الأمين ولد محمد سالم بن الشيخ
الناشر
دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، دبي
الطبعة
الأولى، 1423 هـ - 2002 م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع](تنبيه): المقدمة والحواشي ليست من المطبوع بل من مطبوعة أخرى

(كتاب الهبة)

1 3862 - ومن وهب من مال ابنه [الصغير] شيئاً، لم يجز، فإن تلفت الهبة ضمنها الأب.
ومن تصدق على رجل أو وهبه شقصاً له في دار أو عبد، فذلك جائز، ويحل المعطى فيه محله، فيكون ذلك حوزاً.
3863 - وإن وهبت رجلاً عشرة أقساط زيت من زيت جلجلانك هذا، جاز ذلك كهبتك له ثمرة نخلك قابلاً ويلزمك عصره.
ولا ينبغي أن تعطيه من زيت غيره مثله لخوف التأخير في طعام بمثله، ولعل الجلجلان الذي وهبته من زيته يهلك قبل ذلك فتكون قد أعطيته زيتك باطلاً.

3864 - ربيعة: ومن قال: [اشهدوا] أن لفلان في مالي صدقة مائة دينار، لزمه ذلك إن حملها ماله، وإلا لم يتبع بما عجز.
ورأى ابن شهاب أن من وهب لرجل من عطائه وكتب له به كتاباً، فلا رجوع له فيما أعطى، ومن وهب لرجل نصيباً من دار ولم يسمه، [قيل للواهب: أقر بما شئت مما يكون نصيباً] . وإن وهبه مورثه من فلان وهو لا يدري كم هو ربع أو سدس أو وهبه نصيبه من دار أو جدار، ولا يدري كم ذلك، فهو جائز.
والغرر في الهبة لغير الثواب يجوز، لا في البيع.
وإذا وهبت دينك لأحد ورثة غريمك، كان له دونهم.
وإن وهبت هبة لحر أو عبد فلم يقبض حتى مات، فلورثة الحر وسيد العبد قبضها، وليس لك أن تمتنع من ذلك.
3865 - ومن وهب عبداً له مأذوناً قد اغترقه الدين، جاز، ويجوز بيعه إياه إذا تبين أن عليه ديناً.

ومن باع عبداً له، أو وهبه، أو تصدق به بعد أن جنى جناية وهو بجنايته عالم، لم يجز ذلك إلا أن يتحمل الجناية، فإن أبى حلف ما أراد حملها ورد، وكانت الجناية أولى به في رقبته.
3866 - ومن باع عبده بيعاً فاسداً، ثم وهبه لرجل قبل تغيره في سوق أو بدن، جازت الهبة إن قام بها الموهوب، ويرد البائع الثمن، ولو مات الواهب قبل تغير سوقه وقبل قبض الموهوب إياه، بطلت هبته، ولو وهبه بعد تغيره في سوق أو بدن، لم تجز الهبة، لأنه لزم المبتاع بقيمته.
وكذلك إن أعتقه قبل تغيره في سوق أو بدن، جاز عتقه إذا ردّ الثمن، لأن البيع بينهما مفسوخ ما لم يفت العبد.
وإن وهبت لرجل عبداً قد رهنته، جاز، ويقضى له عليك بافتكاكه إن كان لك مال، وإن لم يقم عليك حتى فديته، فله أخذه ما لم تمت أنت فتبطل الهبة، وليس قبض المرتهن قبضاً للموهوب له إن مات الواهب، لأن للمرتهن حقاً في رقبة العبد بخلاف المخدم، وإن وهبته عبدك المغصوب، جاز ذلك إن قبضه قبل موتك، وليس حوز الغاصب حوزاً للموهوب.

[قلت] : ولِمَ والهبة ليست في يد الواهب؟ قال: لأن الغاصب لم يقبض للموهوب له، ولم يأمره الواهب أن يحوزها الموهوب له، فيحوزها إن كان غائباً، وإن كان الموهوب له حاضراً غير سفيه وأمر الواهب رجلاً يقبض له [ذلك] ويحوزه له، لم يجز هذا، فالغاصب ليس بحائز.
وكذلك خليفتك على دار ليس حوزه حوزاً للموهوب له.
ولو وهبته عبداً وأجّرته من رجل، فليس حوز المستأجر حوزاً للموهوب له إلا أن يسلم إليه إجارته معه، فيتم الحوز.
وأما العبد المخدم أو المعار إلى أجل، فقبض المستعير والمخدم له قبض للموهوب، وهو في رأس المال إن مات الواهب قبل ذلك.
3867 - ويقضى بين المسلم والذمي في هبة أحدهما للآخر بحكم المسلمين، وإن كانا ذميين فامتنع الواهب من دفع الهبة لم أعرض لهما، وليس هذا من التظالم الذي أمنعهم منه.

3868 - ولا باس بهبة ما لم يبد صلاحه من زرع أو ثمر، أو ما تلد أمته أو غنمه، أو ما في ضروعها من لبن أو ما على ظهورها من صوف أو ثمر قد طاب في شجره، والحوز في ذلك كله حوز الأرض أو رقاب النخل أو الأمهات، وعلى الواهب تسليم ذلك إليه بالقضاء والسقي فيما يسقى على الموهوب، وحيازة من أسكنته أو أخدمته حوز للدار أو العبد.
3869 - ومن وهب لرجل ما تلد أمته أو ثمر نخله عشرين سنة، جاز ذلك إذا حاز الأصل أو الأمة، أو حاز ذلك أجنبي، وإن لم يخرج ذلك من يده حتى مات، بطل، ولا يقضى بالحيازة إلا بمعاينة بينة لحوزه في حبس، أو رهن، أو هبة، أو صدقة.
3870 - ولو أقر المعطي في صحته أن المعطى قد حاز وقبض، وشهدت عليه بإقراره بينة، ثم مات، لم يقض بذلك إن أنكر ورثته حتى تعاين البينة الحوز.
3871 - قال ابن القاسم: ومن وهب عبداً لابنه الصغير ولأجنبي، فلم يقبض الأجنبي حتى مات الواهب، فذلك كله باطل، كقول مالك فيمن حبس على ولده الصغار والكبار فمات قبل أن يقبض الكبار: إنه يبطل كله، بخلاف ما حبس عليهم وهم صغار كلهم، هذا إن مات كان الحبس لهم جائزاً.

وروى ابن نافع وعلي عن مالك فيمن تصدق على ولده الصغير مع كبير أو أجنبي، أن نصيب الصغار جائز ويبطل ما سواه، ولو كان حبساً بطل جميع الحبس، لأنه لا يقسم أصله.
والصدقة يملكونها وتقسم بينهم، وقد حازها للصغير من يحوز حوزه.
3872 - ومن وهبك ديناً له عليك فقولك: قد قبلت، قبض، فإذا قبلت سقط، وإن قلت: لا أقبل، [سقطت الهبة و] بقي الدين بحاله، وإن كان الدين على غيرك فوهبه لك، فإن أشهد لك وجمع بينك وبين غريمه، ودفع إليك ذكر الحق إن كان عنده، فهذا قبض، وإن لم يكن كتب عليه ذكر حق فأشهد لك وأحالك عليه، كان ذلك قبضاً، وكذلك إن أحالك [به] عليه في غيبته فأشهد لك وقبضت ذكر الحق، فهكذا قبض الديون.
3873 - ومن تصدق عليه رجل بأرض، فقَبْضُها حيازتها، فإن كان لها وجه تحاز به من كراء يكريه، أو حرث يحرثه، أو غلق يغلق عليها، فإن أمكنه شيء من

ذلك فلم يفعله حتى مات المعطي، فلا شيء له، وإن كانت أرضاً قفاراً مما لا تحاز بغلق، ولا فيها كراء يكرى، ولا أتى لها إبان تزرع فيه، أو تمنح، أو يحوزها بوجه يعرف حتى مات المعطي، فهي نافذة للمعطى، وحوز هذه [الأرض] الإشهاد.
وإن كانت داراً حاضرة أو غائبة فلم يحزها حتى مات المعطي، بطلت، وإن لم يفرط، لأن لها وجهاً تحاز به.
وإذا قل في الأرض الغائبة: قد قبلت وقبضت، لم يكن ذلك حوزاً، وذلك كالإشهاد على الإقرار بالحوز، إلا أن يكون له في يديك أرض، أو دار، أو رقيق بكراء، أو عارية، أو وديعة وذلك ببلد آخر، فوهبك ذلك، فإن قولك: قبلت، حوز، وإن لم تقل: قبلت، حتى مات الواهب، فذلك لورثته.
وقال غيره: ذلك حوز لمن ذلك في يديه.
3874 - والواهب إذا اشترط الثواب، أو رُئي أنه أراد الثواب فلم يثب، فله أخذ هبته

إن لم تتغير في بدنها بنماء أو نقصان، والهبة في هذا الوجه بخلاف البيع، وكذلك إن أثابه أقل من قيمتها، فإما رضي الواهب بذلك أو أخذها إن كانت قائمة، ولا يجبر الموهوب على ثواب إذا لم تتغير الهبة عنده، إلا أن يرضى بدفع قيمتها، فيلزم الواهب أخذها، ولا كلام له في الهبة، وإن فاتت [الهبة] عند الموهوب بزيادة بدن أو نقصان، لزمته قيمتها.
قال عمر بن عبد العزيز وغيره: يوم قبضها.

3875 - قال ابن القاسم: وليس للموهوب ردها في الزيادة إلا أن يرضى الواهب، ولا للواهب أخذها في نقص البدن إلا أن يرضى الموهوب.
1 [قال ابن القاسم:] ولا يفيتها عند الموهوب حوالة سوق.
[[قال ابن وهب:] قال مالك - رحمه الله -: وله أن يمسكها أو يردها] . [قال ابن القاسم:] وإذا عوض الموهوب للواهب أقل من قيمة الهبة، ثم قام الواهب بعد ذلك يطلب، فليحلف بالله ما قبل ذلك، ولا سكت إلا انتظاراً

لتمام الثواب، ثم إما أتم له الموهوب القيمة، وإما رد الهبة إن لم تفت، وأخذ عوضه.
ومن تصدق بصدقة على ثواب فهي كالهبة.
ومن وهب لرجل ديناً له على آخر لغير ثواب، جاز، ولا رجوع له فيه، وإن وهبه إياه لثواب لم يجز أن يثيبه إلا يداً بيد.
3876 - ومن وهب لحاضر وغائب أرضاً، فقبض الحاضر جميعها، فقبضه حوز للغائب وإن لم يعلم ولا وكله.
وكذلك إن وهب لغائب، أو تصدق عليه بشيء فأخرجه من يده وجعل من يحوزه له حتى يقدم فيأخذه، فذلك نافذ.
ألا ترى أن أحباس السلف كان قابضها يحوز قبضه على الغائب والحاضر الكبير المالك لأمره، وعلى الصغير ومن لم يولد بعد، قيل: فالعبيد، والحيوان، والعروض، والحلي كيف يكون قبضه؟ قال: بالحيازة.
قال ابن القاسم: ومن وهب لصغير هبة، وجعل من يحوزها له إلى أن يبلغ وترضى حاله فتدفع إليه وأشهد له بذلك، فذلك حوز، وإن كان له أب أو وصي حاضر، فإذا بلغ فله أن يقبض.
وأما إن وهب لحاضر غير صغير ولا سفيه ولا عبد، وجعل من يحوز له، وأمره أن لا يدفعها إليه، لم تكن هذه حيازة إن لم يقبضها الموهوب حتى مات الواهب، لأن

الموهوب له جائز الأمر وهو حاضر، فلم يسلمها إليه، فعلى أي وجه حازها هذا له، وإلى أي أجل يدفعها إليه؟ وهذا بخلاف الصغير، لأنه أراد في الصغير ارتقاب بلوغ رشده، أو لئلا يأكله الأب، ولا يرتقب في كبير حاضر شيئاً، ولا يكون حوز غيره له حوزاً إلا أن يحبس عليه غلة نخل، ويجعل ذلك بيد من يجري عليه الغلة ويتولاه، فذلك جائز.
وكذلك كانت أحباس الماضين.
وقال غيره: الصغير والسفيه لهما وقت يقبضان إليه [الهبة] ، وهو البلوغ في الصغير مع حسن الحال، وحسن الحال في السفيه وهذا البالغ الذي أعطي عطية، تكون له مالاً تراثاً لما منع من قبضها لغير شيء عقده فيها [مما مثله يعقد في الصدقات] ، يدل على أنه لم يرد أن يبتلها له ويعطيه إياها.
3877 - ومن وهب لرجل هبة على أن لا يبيع ولا يهب، لم يجز، إلا أن يكون سفيهاً أو صغيراً فيشترط ذلك عليه ما دام في ولاية، فيجوز.
وإن اشترط ذلك عليه بعد زوال الولاية لم يجز، كان ولداً للواهب أو أجنبياً، ولا تكون الأم حائزة لما وهبت لصغار بنيها وإن أشهدت، ولا لما تصدقت به

عليهم، بخلاف الأب، إلا أن تكون وصية للوالد أو وصية وصي للوالد، فيتم حوزها لهم ولابنتها البكر وإن حاضت، والأب يحوز لصغار ولده ولمن بلغ من أبكار بناته ما وهبهم هو وأشهد [لهم] عليه، ولا يزول حوزه حتى يبلغ الذكور ويدخل بالبنات أزواجهن بعد المحيض، ويؤنس من جميعهم مع ذلك رشد، فإن مات الأب قبل رشدهم، فذلك لهم نافذ، وإن بلغوا مبلغاً تجوز حيازتهم فلم يقبضوا حتى مات الأب، بطلت هبة الأب من ذلك.
وليس للابنة وإن ولدت أولاداً وهي سفيهة، ولا للابن البالغ السفيه، حوز ولا أمر، وكذلك إن كانت الابنة بالغة مرضية، لم تبرز إلى زوجها، وذلك على الأب والوصي.
3878 - ومن وهب لابنه الصغير - وهو عبد لرجل - هبة وأشهد، لم يكن حائزاً له، لأن سيده يحوز ماله دون الأب، فإن جعل الأب هذه الهبة بيد أجنبي يحوزها للصبي، جاز ذلك، وكان حوزاً رضي سيده أو كره.
3879 - وما وهب الزوج لزوجته [البكر] قبل البناء، أو تصدق به عليها وأشهد، ولم يخرج ذلك من يده حتى مات، فليس ذلك لها بحوز، إلا أن يجعله بيد من يحوزه لها، وكذلك بعد دخوله بها وهي سفيهة أو مجنونة.
1

ولا يكون واهب حائزاً للموهوب إلا والد، أو وصي، أو من يجوز أمره عليه.
والزوج لا يجوز أمره عليها ولا بيعه ما لها، وأبوها: الحائز بلها] وإن دخل بها زوجها، ما دامت سفيهة وفي حال لا يجوز لها أمر.
3880 - وللأم أن تعتصر ما وهبت أو نحلت لولدها الصغير في حياة أبيه، أو ولدها الكبار، إلا أن ينكحوا أو يتداينوا، فإن لم يكن للصغير أب حين وهبته أو نحلته، فليس لها أن تعتصر، لأنه يتيم ولا يعتصر من يتيم، وتعد كالصدقة عليه.
وإن وهبتهم وهم صغار لا أب لهم ثم بلغوا ولم يحدثوا في الهبة شيئاً، فليس لها أن تعتصر، لأنها وهبت في حال اليتم، [وهي بمنزلة الصدقة] . وإن وهبتهم وهم صغار والأب مجنون جنوناً مطبقاً، فهو كالصحيح في وجوب الاعتصار لها.
وللأب اعتصار ما وهب أو نحل لبنيه الصغار والكبار، وكذلك إن بلغ الصغار ما لم ينكحوا، [أو يحدثوا ديناً] ، أو يحدثوا في الهبة حدثاً، أو تتغير الهبة عن حالها.

وللأب أن يعتصر من الأصاغر وإن لم تكن لهم أم، لأن اليتم من قبل الأب.
ولو وهب لولده الكبير أمه فقبضها الولد، ثم وطئها، لم يكن للأب أن يعتصرها بعد الوطء.
ولا يعتصر الأب ما وهب أجنبي لولده.
ولا يعتصر الأبوان ما تصدقا به على [ولدهما] ، صغيراً كان أو كبيراً.
وأما الهبة، والعطية، والعُمر، والنحل، فلهما الاعتصار في ذلك.
وأما الحبس فإن كان بمعنى الصدقة لم يُعتصر، وإن كان بمعنى الهبة، يكون سكنى أو عمرى إلى شهر أو شهرين، ثم مرجعهما إليه، فإنه يعتصر.
وقضى عمر بن عبد العزيز فيمن نحل ابنه أو ابنته بعد أن نكحا، أن له أن يعتصر، إلا أن يتداينا أو يموتا.
[قال - أيضاً - عمر بن عبد العزيز: ما وهب الأب لابنه أو لابنته، فله أن يعتصر ذلك ما لم ينكحا أو يموتا] .

قال ربيعة ومالك: ولا يعتصر الصدقة من ابنه وإن عقه.
وليس لغير الأبوين أن يعتصر هبة، لا جد، ولا جدة، ولا غيرهما، إلا الأبوان من الولد.
قال ربيعة: وليس للولد أن يعتصر من والده شيئاً.
3881 - ومن وهب لرجل هبة لغير ثواب فقبضها الموهوب بغير أمر الواهب، جاز قبضه، إذ يقضى على الواهب بذلك إذا منعه إياها، فأما هبة الثواب، فللواهب منعها حتى يقبض العوض كالبيع، ولو قبضها الموهوب قبل الثواب وقف، فإما أثابه أو ردها.
ويتلوم لهما تلوماً لا يضر بهما فيه، فإن مات الواهب للثواب والهبة بيده، فهي نافذة كالبيع، وللموهوب قبضها إن دفع العوض للورثة.
3882 - وإن مات الموهوب قبل أن يثيب الواهب، فلورثته ما كان له.
ولا ثواب في هبة الدنانير والدراهم، وإن وهبها فقير لغني، إلا أن يشترط

الثواب، فيثاب عرضاً أو طعاماً، وإن وهب حلياً للثواب، فله عوضه عرضاً، ولا يعوض عيناً ولا من حلي فضة ذهباً.
3882 - وإذا قدم غني من سفره فأهدى له جاره الفقير الفواكه والرطب وشبهها، ثم قام يطلب الثواب، فلا شيء له، ولا له أخذ هبته وإن كانت قائمة بعينها.
3883 - ولا يقضى بين الزوجين بثواب، ولا بين ولد ووالده، إلا أن يظهر ابتغاء الثواب بينهم كالزوجة تهب لزوجها الموسر جارية فارهة يسألها إياها لما تستجلب من صلته، أو الزوج يهبها لذلك، والابن لما يستغزر من أبيه، فلذلك حُكم الثواب، ولو شرطا ثواباً لزمهما.
3884 - وما وهبت لقرابتك أو ذوي رحمك وعلم أنك أردت ثواباً، فذلك لك، إن أثابوك، وإلا رجعت فيها.
وما علم أنه ليس للثواب كصلتك لفقيرهم وأنت غني، فلا ثواب لك ولا تصدق أنك أردته ولا رجعة لك في هبتك.
وكذلك هبة غني لأجنبي فقير، أو فقير لفقير ثم يدعي أنه أراد الثواب، فلا يصدق إذا لم يشترط في أصل الهبة ثواباً،

ولا رجعة له في هبته، وأما إن وهب فقير لغني، أو غني لغني، فهو مصدق أنه أراد الثواب، فإن أثابوه وإلا رجع في هبته.
3885 - وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: ومن وهب هبة يُرى أنه أراد [بها] الثواب، فهو على هبته يرجع فيها إن لم يرض منها، فإن هلكت، فله شَرْواها بعد أن يحلف بالله ما وهبها إلا رجاء أن يثيبه عليها.
1 3886 - قال ابن القاسم: وإن وهبت [لرجل] [هبة] فعوضك، منها فلا رجوع لأحدكما في شيء مما أعطى.
ومن وهب عبداً لرجلين، فعوضه أحدهما من حصته، فله الرجوع في حصة الآخر إن لم يعوضه، كمن باع عبداً من رجلين في صفقة واحدة، فنقده أحدهما وفلس الآخر، كان أحق بنصيب الآخر من الغرماء، وإذا عوض الواهب أجنبي عن الموهوب بغير أمره، لم يرجع على الواهب [له] به، ولكن إن

رئي أنه أراد ثواباً من الموهوب، رجع عليه بقيمة العوض إلا أن يكون العوض دنانير أو دراهم، فلا يرجع عليه بشيء إلا أن يريد به سلفاً، فله اتباعه، فإن لم يرد ثواباً ولا سلفاً فلا شيء له.
وباقي مسائل هذا الكتاب قد تقدمت قبل هذا، وفي كتاب الاستحقاق ذكر العوض في الهبة يستحق.


(كتاب الهبات)

1 3887 - قال: وإذا تغيرت الهبة عند الموهوب في بدنها بزيادة أو نقصان، لزمته قيمتها، وليس له ردها، ولا تفيتها حوالة الأسواق، ومن وهبك حنطة، أو تمراً، أو غيره من مكيل الطعام أو موزونه، إلا أن تعوضه قبل التفرق طعاماً من كعام، فإنه يجوز، لأن هبة الثواب بيع.
قال: إلا أن تعوضه طعاماً مثل طعامه صفة وجنساً ومقداراً، فذلك جائز.
ولا تعوضه دقيقاً من حنطة ولا من جميع الحبي [إلا] عرضاً.
وإن وهبك ثياباً فسطاطية، فعوضته بعد ذلك أثواباً فسطاطية أكثر منها، لم يجز.
وإن وهبته داراً

أو عرضاً، فعوضك بعد تغير الهبة في بدنها سكنى دار، أو خدمة عبد، أو عرضاً له موصوفاً على رجل إلى أجل، لم يجز ذلك لفسخك ما وجب لك من القيمة فيما لا تتعجله من خلافها.
ولو لم تتغير الهبة أو تغيرت بحوالة سوق فقط، جاز ذلك إن كانت الهبة مما يسلم في ذلك العرض المؤجل، وكأنك بعتها بذلك.
وإن عوضك بعد تغير الهبة في بدنها ديناً له حل أو لم يحل، جاز ذلك إذا كان مثل القيمة في العين والوزن، ومثل العدد فأقل، لأنها حوالة ومعروف صَنَعْته بالموهوب.
وإن كان الدين المؤجل أكثر من قمية الهبة، لم يجز، لأنك أخرته بزيادة، ولو لم تتغير الهبة، جاز ذلك.
3888 - وقد قال مالك: افسخ ما حلّ من دينك، فيما قد حل وفيما لم يحل، إذا فسخته في مثل دينك من عين أو عرض صفة ومقداراً.
ومن لك عليه دراهم [حالة] ، فأحالك على دنانير له على رجل، وهي كصرف دراهمك، وقد حلت أو لم تحل لم يجز.
وكذلك لو فسخت دراهمك في طعام ولم تقبضه.
وإن كان لك عليه عرض من بيع، أو قرض قد حل، فلا بأس أن تفسخه في

عرض له على رجل آخر من بيع أو قرض إذا كان مثل عرضك الذي لك عليه، وإن كان مخالفاً له، لم يجز، لأنه دين بدين، وكذلك إن كان لك عليه طعام من قرض قد حلّ فأحالك على طعام له من قرض قد حل أو لم يحل، جاز.
وإن أحالك على طعام له من سلك لم يحل وهو مثل طعامك، لم يجز، لأنه يدخله بيع الطعام قبل قبضه.
وإن حلّ أجل الطعامين، جاز.
وكذلك إن كان الذي لك من سلم والذي له [من] قرض قد حلا، فلا بأس في الوجهين أن يؤخر المحال من أحيل عليه.
وإن كان الطعام الذي لك من سلم، فلا يجوز أن يحيلك على طعام له من سلم وإن حلا.
وكل دين لك من عين أو عرض، فلك بيعه من غير غريمك قبل محله، أو بعد بثمن يتعجله.
فإن كان دنانير أو دراهم، بعته بعرض، وإن كان عرضاً، بعته بعين أو بعرض يخالفه نقداً.
قال مالك - رحمه الله -: وهذا إذا كان الذي لك عليه الدين حاضراً مقراً، وإن كان لك عليه ثوب فسطاطي من بيع أو قرض إلى أجل، فبعته من غيره قبل الأجل بثوب مثله في صفته نقداً وأحلته به، فليس ببيع، ولكنه قضاك عن الرجل على أن أحلته عليه.
فإن كان النفع لك، جاز، وإن اغتزى هو نفع نفسه لسوق يرجوه ونحوه، لم يجز.

ولو بعته من غيره أيضاً قبل الأجل بثوب مثله إلى أجل من الآجال، لم يجز، لأنه دين بدين، وإن كان دينك دنانير فعجله لك رجل على أن أحلته عليه، لم يجز، كان النفع ههنا له أو لك دونه، لأنه بيع الذهب بالذهب إلى أجل.
قال سحنون: وقد قال ابن القاسم: لا بأس بهذا إذا كانت المنفعة لقابض الدنانير، وهو أسهل - إن شاء الله -، وهذا حسن.
3889 - وللمأذون أن يهب للثواب كالبيع، ويقضى عليه أن يعوض من وهبه.
ومن وهب لعبد هبة فأخذها منه سيده، قضي على العبد بقيمتها في ماله.

وللأب أن يهب من مال ابنه الصغير للثواب ويعوض عنه واهبه للثواب، وبيع الأب جائز على ابنه الصغير.
3890 - وإذا وجد الموهوب بالهبة عيباً، فله ردها وأخذ العوض.
وإن وجد الواهب عيباً بالعوض، فإن كان عيباً فادحاً لا يتعاوض بمثله كالجذام والبرص، فله رده وأخذ الهبة إن لم تفت، إلا أن يعوضه، وإن لم يكن فادحاً نظر إلى قيمته بالعيب، فإن كان كقيمة الهبة فأكثر لم يجب له غيره، لأن ما زاده على القيمة تطوع غير لازم، وإن كان دون قيمتها فأتم له القيمة برئ.
وليس للواهب رد العوض إلا أن يأبى الموهوب أن يتم له قيمة هبته، لأن كل ما عوضه مما يجري بين الناس في الأعواض لزم الواهب قبوله، وإن كان معيباً وفيه وفاء بالقيمة، فذلك لازم له قبوله، وإن عوضته تبناً، أو حطباً، لم يلزمه أخذه، إذ ليس مما يتعاوضه الناس، وفي كتاب الشفعة مسألة من وهب شقصاً من دار للثواب، هل فيه شفعة؟.
3891 - ومن وهب هبة لغير الثواب، فامتنع من دفعها، قضي بها عليه للموهوب.

ولو خاصمه فيها الموهوب في صحة الواهب، وأقام بينة، وأوقفت الهبة والسلطان ينظر فيها حتى مات الواهب قبل قبض الموهوب، فإنه يقضى بها للموهوب إن عُدّلت بينته، كالمفلس يخاصمه الرجل في عين سلعته، وتوقف السلعة ثم يموت المفلس، إن ربها أحق بها إن ثبتت ببينة.
ولو لم يقم الموهوب فيها حتى مرض الواهب، فلا شيء له إلا أن يصح.
3892 - ومن لزمه دين لرجل، أو ضمان عارية يغاب عليها، فحلف بالطلاق ثلاثاً ليؤدين ذلك، وحلف الطالب بالطلاق ثلاثاً أن قبله، فأما الدين فيجبر الطالب على قبضه ويحنث، ولا يجبر في أخذ قيمة العارية، ويحنث المستعير إن أراد ليأخذنه مني، فإن أراد ليغرمنّه له، قبله أو لم يقبله، لم يحنث واحد منهما.
والفرق أن الدين لزم ذمته والعارية إنما ضمنها لغيبة أمرها، فإنما يقضى بالقيمة لمن طلبها في ظاهر الحكم وله تركها، وقد تسقط أن لو قامت بينة بهلاكها، وفوات الهبة عند الموهوب يوجب عليه قيمتها.
والفوت فيها في العروض والحيوان خروجها من يده.

3894 - وحدوث العيوب والهلاك، وتغير الأبدان، والعتق وشبهه، وليس حوالة الأسواق في ذلك فوتاً.
ولو باع الموهوب الهبة ثم اشتراها، فذلك يفيتها وإن لم تحل.
وولادة الأمة عند الموهوب فوت يوجب عليه قيمتها.
قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: يوم الهبة.
3895 - قال ابن القاسم: وجناية العبد عند الموهوب فوت، وتلزمه القيمة، [لأنه نقص دخله] . قال ابن القاسم: وإن كانت الهبة عبداً بعينه بياض، أو به صمم، فبرئ عند الموهوب وزال صممه وبياض عينه، فذلك فوت، لأنه نماء وتلزمه القيمة، والهدم والبناء في الدار والغرس في الأرض، فوت يوجب القيمة.
وليس له أن يقول: أقلع بنياني وشجري وأردها، والبيع حرام مثله، وإحالتها عن حالها رضىً بالثواب.

[قال ابن القاسم:] وإن وهبه ثوباً فصبغة بعصفر، أو قطعه قميصاً ولم يخطه، فذلك فوت.
وإن كان عبداً فأعتقه، أو دبره، أو كاتبه، أو وهبه، أو تصدق به، فإن كان ملياً جاز ولزمته القيمة، وإلا منع من ذلك.
ولو كانت بدنة فقلّدها وأشعرها ولا مال له، فللواهب أخذها، ولو ابتاعها ففعل ذلك بها، فإنها ترد وتحل قلائدها وتباع على المشتري في الثمن، [وبيع الهبة فوت] . وإن كانت داراً، فباع نصفها، قيل له: اغرم القيمة، فإن أبى خُير الواهب، فإما أخذ نصف الدار ونصف قيمتها، وإما أخذ قيمة جميعها.
وإن كانا عبدين فباع أحدهما وأبى أن يثيب قيمتهما، فإن باع وجههما [وفيه كثرة الثمن] ، لزمته قيمتهما.
وإن لم يكن وجه الهبة، غرم قيمته يوم قبضه ورد الباقي، وإن وهبه عبدين فأثابه

من أحدهما ورد عليه الآخر، فللواهب أن يأخذ العبدين، إلا [أن] يثيبه منهما جميعاً، لأنها صفقة واحدة.
3896 - ومن وهب لرجل هبة لغير الثواب، ثم ادعى رجل أنه ابتاعها من الواهب وجاء ببينة، فقام الموهوب يريد قبضها، فالمبتاع أحق.
وكذلك قول مالك في الذي حبس على ولد له صغار حبساً، ومات وعليه دين لا يدري اقبل الحبس أو بعده؟ فقال البنون: قد حُزْناه بحوز الأب علينا، فإن أقاموا البينة أن الحبس كان قبل الدين، فالحبس لهم، وإلا بيع للغرماء، فكذلك الهبة لغير ثواب.
3897 - ومن قال: داري صدقة على المساكين أو على رجل بعينه في يمين، فحنث، لم يقض عليه بشيء، وإن قال: لك في غير يمين بتلاً، فليقض عليه إن كان لرجل بعينه.
وإن قال: كل مال أملكه صدقة على المساكين، لم أجبره على صدقة ثلث ماله،

وأما المكاتبون فيخرج ثلث قيمة كتابتهم، فإن رقوا يوماً نظر إلى قيمة رقابهم، فإن كان ذلك أكثر من قيمة كتابتهم، يوم أخرج ذلك، فليخرج ثلث الفضل.
قال: وإن لم يخرج ثلث ماله حتى ضاع ماله كله، فلا شيء عليه، فرّط أو لم يفرط.
وكذلك إن قال ذلك في يمين فحنث، فلم يخرج ثلثه حتى تلف جل ماله، فليس عليه [إلا إخراج ثلث ما بقي بيده] . 3898 - ومن قال لرجل: قد أعمرتك هذه الدار حياتك، أو قال: هذا العبد، أو هذه الدابة، جاز ذلك.
وترجع بعد موته إلى الذي أعمرها أو إلى ورثته.
قيل: فإن أعمر ثياباً أو حلياً؟ قال: لم أسمع من مالك في الثياب شيئاً، وأما الحلي فأراه بمنزلة الدور.

ومن قال لرجلين: عبدي هذا حبس عليكما وهو للآخر منكما، جاز، وهو للآخر يبيعه ويصنع به ما شاء.
ومن قال لرجل: داري هذه لك صدقة سكناها، فإنما له السكنى دون رقبتها.
وإن قال له: قد أسكنتك هذه الدار وعقبك من بعدك، أو قال: هذه الدار لك ولعقبك سكناها، فإنها ترجع إليه ملكاً له بعد انقراضهم، فإن مات فإلى أولى الناس به [يوم مات] ، أو إلى ورثتهم، لأنهم هم ورثته، وأما إن قال: حبس عليك وعلى عقبك، قال مع ذلك: صدقة، أو لم يقل، فإنها ترجع بعد انقراضهم إلى أولى الناس بالمحبس يوم المرجع من ولد أو عصبة، ذكورهم وإناثهم سواء، يدخلون في ذلك حبساً، ولو لم تكن إلا ابنة واحدة كانت لها حبساً، ولا ترجع إلى المحبس وإن كان حياً، وهي لذوي الحاجة من أهل المرجع دون الأغنياء، فإن كانوا كلهم أغنياء، فهي لأقرب الناس بهم من الفقراء.
3899 - وهبة المريض عبداً للثواب، تجوز كبيعه، فإن قبض منه الموهوب أو المبتاع ذلك فأعتق ولا مال له، لم يجز ذلك، ولو باعه كان لورثة الواهب منعه حتى يأخذوا العوض.
1 ومن أوصى لرجل بدار وثلثه يحملها فقال الورثة: نعطيك ثلث جميع ماله ولا نعطيك الدار، فليس ذلك لهم، وله أخذ الدار، لأنها لو غرقت فصارت بحراً

بطلت الوصية فيها، ويقضى بين المسلم والذمي فيما وهب أحدهما للآخر أو تصدق عليه بحكم الإسلام، لأن كل أمر يكون بين مسلم وذمي، فإنما يحكم بينهما بحكم الإسلام، وقد بقي من هذا الكتاب مسائل يسيرة، تقدم ذكرها في كتاب الأحباس وفي الوصايا فأغنى عن إعادتها.


(كتاب اللقطة والضوال)

3900 - قال: ومن التقط دنانير، أو دراهم، أو حلياً مصوغاً، أو عروضاً، أو شيئاً من متاع أهل الإسلام، فليعرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا لم آمره بأكلها، كثرت أو قلّت، درهماً فصاعداً، إلا أن يحب بعد السنة أن يتصدق بها، ويخير صاحبها إن جاء في أن يكون له ثوابها أو يغرمها له، فعل.
وأكره له أن يتصدق بها قبل السنة، إلا أن يكون الشيء التافه.
1 3901 - وإن التقط العبد لقطة فاستهلكها قبل السنة كانت في رقبته، وإن استهلكها بعد السنة لم تكن إلا في ذمته، لأن النبي ÷ قال للسائل عن القطة: "اعرف عفاصها

ووكاءها ثم عرّفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها" 1 ، فاختلف الناس في قوله: فشأنك بها] . 3902 - ويُعرِّف باللقطة حيث وجدها، وعلى أبواب المساجد، وحيث يظن أن ربها هنالك أو خبره، ولا يحتاج في ذلك إلى أمر الإمام.
وما وجد على وجه الأرض مما يعلم أنه من مال [أهل] الجاهلية، ففيه الخمس كالركاز.

وكذلك ما وجد بساحل البحر من تصاوير الذهب والفضة، [ففيه الخمس.
وأما التراب يوجد بساحل البحار فيغسل فيخرج فيه ذهب أو فضة] ، ففيه الزكاة كالمعدن.
ومن التقط لقطة فإن أتى رجل فوصف عفاصها ووكاءها وعدتها، لزمه أن يدفعها إليه ويجبره السلطان على ذلك، فإن جاء آخر فوصف مثل ما وصف الأول وأقام بينة أن تلك اللقطة كانت له، فلا شيء له على الملتقط، لأنه دفعها بأمر يجوز له.
ولا يتجر باللقطة في السنة ولا بعد السنة أيضاً، كالوديعة.
3904 - ومن التقط ما لا يبقى من الطعام فأعجب إلي أن يتصدق به، قلّ أو كثر.
ولم يوقت مالك في التعريف به وقتاً، فإن أكله أو تصدق به، لم يضمنه لربه، كالشاة يجدها في الفلاة، إلا أن يجدها في غير فلاة.

3905 - ومن وجد ضالة الغنم بقرب العمران عرف بها في أقرب القرى إليه، ولا يأكلها، وإن كانت في فلوات الأرض والمهامه، أكلها، ولا يعرف بها، ولا يضمن لربها شيئاً، لقول النبي ÷: " [هي] لك أو لأخيك أو للذئب".
1 وضالة البقر إن كانت بموضع يخاف عليها، فهي كذلك، وإن كانت بموضع يؤمن عليها من السباع والذئب، فهي كالإبل، وإن وجد ضالة الإبل في الفلاة تركها، فإن أخذها عرف بها سنة، وليس له أكلها ولا بيعها، فإن لم يجد ربها فليخلها بالموضع الذي وجدها فيه.
وإن رفعت إلى الإمام، فلا يبعها، وليفعل بها هكذا، وكذلك فعل عمر.
وكان عثمان يبيعها ويوقف أثمانها لأربابها.
وإن وجد الخيل والبغال والحمير، فليعرفها، فإن جاء ربها أخذها، وإن لم يأت تصدق بها.

وما أنفق على هذه الدواب، أو أنفق على ما التقط من عبد أو أمة، أو على إبل قد كان ربها أسلمها، أو على بقر، أو على غنم، أو متاع أكرى عليه فحمله من موضع إلى موضع بأمر سلطان أو بغير أمره، فليس لرب ذلك أخذه حتى يدفع إليه ما أنفق فيأخذه إلا أن يسلمها إليه، فلا شيء عليه.
3906 - ومن أخذ آبقاً رفعه إلى الإمام، فالإمام يوقفه سنة وينفق عليه، ويكون فيما أنفق عليه كالأجنبي، فإن جاء صاحبه وإلا باعه وأخذ من ثمنه ما أنفق، وحبس بقية الثمن لربه في بيت المال.
وأمر مالك ببيع الأُبّاق بعد السنة، ولم يأمر بإطلاقهم يعملون ويأكلون، ولم يجعلهم كضوال الإبل، لأنهم يأبقون ثانية.
قيل: هل لمن وجد آبقاً خارج المصر أو داخله جعْل إن طلبه؟ [قال:] قال مالك فيه، ولم يذكر خارج المصر أو داخله، إن كان ذلك شأنه يطلب الضوال لذلك [ويردها] فله الجعل بقدر بعد الموضع الذي أخذه فيه أو قربه، وإن لم يكن ذلك شأنه، وإنما وجده فأخذه، فلا جعل له وله نفتقه.

3907 - ومن أخذ متاعاً مما عطب بساحل البحر فهو لربه ولا شيء عليه لمن وجده.
وإذا بيعت اللقطة بعد السنة، فليس لربها إن جاء أن يفسخ البيع وإن بيعت دون أمر الإمام، ولربها أخذ الثمن ممن قبضه، وإن ضاعت اللقطة من الملتقط، لم يضمن.
وإن قال له ربها: أخذتها لتذهب بها، وقال هو: بل لأعرفها، صُدق الملتقط.
ومن التقط لقطة فبعد أن حازها وبان بها ردها بموضعها أو بغيره، ضمنها، فأما إن ردها في موضعها مكانه من ساعته، كمن مرّ في إثر رجل فوجد شيئاً فأخذه وصاح به: أهذا لك؟ فيقول: لا، فتركه فلا شيء عليه.
قال مالك في واجد الكساء بإثر رفقة فأخذه وصاح: أهذا لكم، فقالوا: لا، فرده، قال: قد أحسن في رده ولا يضمن.
3910 - ومن حل دواباً من مرابطها فذهبت، ضمنها، كالسارق [يسرق و] يدع

باب الحانوت مفتوحاً، وليس فيه ربه، فيذهب ما في الحانوت، فالسارق يضمنه، [ولو كان فيها ربها قائماً، لم يضمن] . 3911 - ومن فتح باب دار فيها دواب فذهبت، فإن كانت الدار مسكونة فيها أهلها لم يضمن، وإن لم يكن فيها أربابها ضمن، ولو كان فيها ربها نائماً، لم يضمن.
وكذلك السارق يدع الباب مفتوحاً وأهل الدار فيها نيام [أو غير نيام] ، فلا يضمن ما ذهب بعد ذلك، وإنما يضمن إذا ترك البيت مفتوحاً وليس أرباب البيت فيه.
ولو خرجت امرأة من بيتها لزيارة جارة لها وأغلقت على متاع لها الباب، فسرق منه سارق وتركه مفتوحاً، فسرق ما بقي في البيت [بعده] ، ضمنه.
وكذلك الحوانيت يتركها مفتوحة وليست بمسكونة.
ومن فتح باب قفص فيه طير فذهبت الطير، ضمن.
ومن حل عبداً من قيد قُيّد به لخوف إباقه، فذهب العبد، ضمن.

3912 - وإذا تصدق باللقطة بعد السنة، ثم جاء ربها، فإن كانت قائمة بأيدي المساكين، فله أخذها وإن أكلوها فليس له تضمينهم، لأنه قد قيل في اللقطة: يعرّفها سنة ثم شأنه بها، بخلاف الموهوب يأكل الهبة ثم تستحق هذا، لربها أن يضمنه إياها.


(كتاب الآبق)

3913 - ومن وجد آبقاً فأبق منه، فلا شيء عليه، وإن أرسله بعد أن أخذه، ضمنه.
1 ومن اعترف آبقاً عند السلطان وأتى بشاهد، حلف معه، وأخذ العبد، ولا يستحلف طالب الحق مع شاهدين.
وإذا ادعى أن هذا الآبق عبده ولم يقم بينة، فإن صدقه العبد دفع إليه.
وكذلك متاع يوجد مع لصوص يدعيه قوم لا يعرف ذلك إلا بقولهم، فليتلوم الإمام فيه، فإن لم يأت سواهم دفعه إليهم.

3914 - وإذا جاء رب الآبق بعد أن باعه الإمام بعد السنة والعبد قائم، فليس له إلا الثمن، ولا يرد البيع، ولو قال ربه: كنت أعتقته، أو دبرته بعدما أبق، [أو قبل أن يأبق] ، لم يقبل قوله على نقض البيع إلا ببينة، لأنه لو باعه هو نفسه ثم قال: كنت أعتقته، لم يقبل قوله.
ولو كانت أمة فباعها الإمام بعد السنة ثم جاء سيدها فقال: قد كانت ولدت مني وولدها قائم، فإنها ترد إليه إن كان ممن لا يتهم.
وقاله مالك فيمن باع جارية له وولدها ثم استلحق الولد، أنه إن كان ممن لا يتهم على مثلها، رُدّت عليه.
ولو قال: كنت قد أعتقتها، لم يصدق ولم ترد عليه إلا ببينة.
قيل: فإن لم يكن معها ولد فقال بعد ما باعها: كانت ولدت مني؟ قال: أرى أن يصدق وترد إن لم يتهم فيها.
3915 - ويجوز لسيد الآبق عتقه وتدبيره وهبته لغير ثواب، ولا يجوز [له] بيعه ولا هبته لثواب.
وإذا زنى الآبق، أو سرق، أو قذف، أقيم عليه الحد في ذلك كله.

فصول الكتاب · 3 فصل · 645 صفحة
جارٍ التحميل