ومن مذاهب أبي حنيفة أن من عليه فوائت، فأراد أن يقضيها ينوي أولى صبح فاته، أو أولى ظهر فاته، ثم بعد ذلك ينوي ما يليه، أو ينوي آخر ظهر أو صبح فاته، ثم بعد ذلك ما ينوي ما يليه، أو ينوي آخر ظهر أو صبح فاته، ثم بعد ذلك ينوي ما يليه، فيحتسب أن ينوي على هذا الوجه، ولو أطلق النية فنوى قضاء فائتة الصبح، أو الظهر جاز.
قال المزني: ولا فرق بين الرجال، والنساء في عمل الصلاة، إلا أن المرأة يستحب لها أن تضم بعضها إلى بعض، وأن تلصق بطنها [في السجود] بفخذيها، كأستر ما يكون، وأحب ذلك لها في الركوع، وفي جميع عمل الصلاة وأن تكثف جلبابها، وتجافيه راكعة وساجدة، لئلا تصفها ثيابها، وأن تخفض صوتها، وإن نابها شيء في صلاتها، صفقت فإنما التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: وعلى المرأة، إذا كانت حرة: ان تستتر في صلاتها، حتى لا يظهر منها شيء، إلا وجهها وكفاها، فإن ظهر منها شيء سوى ذلك، أعادت الصلاة، فإن صلت الأمة مكشوفة الرأس، أجزأها.
قوله: (ولا فرق بين الرجال والنساء في عمل الصلاة).
قال القاضي حسين: حكم الرجل والمرأة واحد في الصلاة لا نفارقه، إلا فيما يعود من أعمالها إلى الستر.
وعند صاحب التلخيص: الخصال التي تفارق المرأة الرجل فيها في أمر الصلاة ثنتا عشرة خصلة، فالكل يرجع إلى ما به الستر:
فمن ذلك أن المستحب للرجل أن يصلي في المسجد ولها أن تصلي في جوف بيتها، قال عليه السلام: صلاتها في جوف بيتها أفضل من صلاتها في صحن دارها، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في صفها.
ومن ذلك أن السنة للرجل الأذان للصلاة، والجهر بالقراءة في صلاة الجهر، ولا يسن لها الأذان ولا الجهر، بل السة ألا تؤذن، وتخفض صوتها في الصلوات كلها.
فإذا قلنا: صوتها عورة أو ليس بعورة؟
ولأصحابنا في صوت المرأة وجهان:
أحدهما: هو عورة، لأن السامع يتلذذ به، فعلى هذا لو رفعت صوتها في الصلاة بطلت صلاتها.
والثاني: لا، وهو الأصح؛ لأن العورة مما يشاد ويمس، ويستمتع بها، ولأن النساء يروون الأحاديث من وراء حجاب، ولم ينكر عليهن منكر؛ لأنا وإن لم نجعل صوتها عورة، فنخاف الافتتان لو رفعت صوتها، وهذا كما أنا لا نجعل وجه المرأة عورة، لكن لا يجوز النظر إليها عند خوف الفتنة، والملاح من المرد وجوههم ليس بعورة، ويحرم النظر إليهم عند خوف الفتنة، كما يحرم النظر إلى النساء، ثم لانأمرها بالإسرار كإسرار الرجل في صلاة السر، بل لها أن تجهر أدنى جهر، بحيث تسمع نفسها قليلاً، وإن كان حولها محارمها، فلا بأس أن تسمعهم.
ومن ذلك: أن الرجل في الصلاة يجافي مرفقيه عن جنبيه راكعًا وساجدًا، ويقل بطنه عن فخذيه، ويفرج بين رجليه في السجود، والمرأة تضم بعضها إلى البعض كأستر ما تكون.
ومن ذلك أن الرجل في الصلاة لا يلزمه ان يستر من بدنه إلا ما بين السرة والركبة، وعلى المرأة أن تستر جميع بدنها إلا الوجه والكفين، فلو بدت شعرة منها لم تصح صلاتها.
قال الشافعي رحمه الله: وأن تكنف جلبابها، أي تتخذه صفيقا، غليظ الغزل شديد النسج، بحيث لا يظهر منه لون بدنها، ولا لون ثيابها ومجافيها
في الركوع والسجود، ولا تلصقه، لأنها تجافي عورتها، ويصف هزالها وسمنها، وإذا نابها أمر في الصلاة صفقت.
والتصفيق أن تضرب بطن كفها اليمنى، على ظهر كفها اليسرى، ولا تضرب بطن إحدى الكفين على بطن كفها الأخرى، لأنه يشبه اللهو واللعب.
والرجل إذا نابه أمر في الصلاة يسبح، قال عليه السلام: التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، وتمام الحديث ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بين فئتين شجر بينهما، فاستأخر مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل وقت العصر، فأذن بلال فجاء إلى أبي بكر رضي الله عنه وقال: تؤم الناس لأقيم؟ فقال: إن شئت، فأقام بلال وتقدم أبو بكر فدخل النبي عليه السلام المسجد، وجعل يخرق الصفوف، فكانوا يصفقون له، ويضربون أيديهم على أفخاذهم، وأبو بكر لا يلتفف إلى ذلك، فلما أحس بأنهم يطرقون للداخل، فعلم بذلك أنه النبي عليه السلام، لأنهم كانوا لا يطرقون لغيره، فأراد أن يتأخر فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على كتفه، وقال اثبت مكانك، فرفع رأسه نحو السماء، وحمد الله تعالى، حيث جعله أهلا بأن يقتدى به رسوله صلى الله عليه وسلم ثم تاخر فتقدم النبي عليه السلام فجعل أبو بكر يصلي بصلاته، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، فلما سلم النبي عليه السلام أقبل عليهم، وقال: أحسنتم هكذا افعلوا، وأراد أن يزيل الخجلة عنهم حيث أقاموا دونه، ولم ينتظروه، ثم قال لأبي بكر، مالك لا تثبت مكانك إذ أمرتك؟ فقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم على رسول الله
صلى الله عليه وسلم ثم قال للقوم: مالي رأيتكم تصفقون؟ إذا نابكم أمر في الصلاة فلتسبحوا، فإنما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء.
والله أعلم.
قوله: وعلى المرأة إذا كانت حرة أن تستتر في صلاتها.
قال القاضي حسين: الكلام في هذا الفصل في ستر العورة، وهو واجب في الصلاة، وخارج الصلاة، قال الله تعالى، خذوا زينتكم عند كل مسجد.
وقال عليه السلام: صلاة بعمامة أفضل من سبعين صلاة بغير عمامة.
ثم الكلام فيما هو عورة:
أما الرجل، فعورته فما بين السرة والركبة، فعليه أن يستر هذا القدر في الصلاة.
فأما الحرة فجميع بدنها عورة، إلا الوجه والكفين، قال الله تعالى، ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، قيل في التفسير: ما ظهر منها: الوجه والكفان.
وفي أخمص قدميها وجهان:
أحدهما: ليس بعورة كالفين.
والثاني: هو عورة لكونه مستورًا في الغالب.
ويعني بالكفين، يديها، من الكوعين إلى رءوس الأصابع.
ومن أصحابنا من قال: ظهور كفيها عورة، والمعنى بالكفين بطون كفيها والأصح هو الأول.
وأما الأمة فلأصحابنا فيما هو عورة منها وجهان:
أحدهما: عورتها كعورة الرجل.
والثاني جميع بدنها عورة، إلا ما يبدو منها عند المهنة والفضلة، كالعنق، والساقين والساعدين.
وفي الجملة: رأسها ليست بعورة.
والفرق بين الحرة والأمة أن الأمة تكون مبتذلة في الأسواق لقضاء الأوطار، وإنجاح الطلبات غالبًا، وليس في ذلك إسقاط مروءتها، والحرة تكون مستورة في خدرها، ملازمة لقعر بيتها غالبًا، وفي بروزها وكشف رأسها إسقاط مروءتها، فلو انكشف جزء من عورة الرجل أو المرأة في الصلاة مع القدرة على ستره لم تصح الصلاة عندنا.
وقال أبو حنيفة: العورة عورتان: عورة مغلظة، وعورة مخففة، فالمغلظة كالفرج فيجب ستره عنده، ويعفى عن قدر درهم، وما دونه منه، فأما ما زاد على درهم، فلا يعفى عنه.
والمخففة لجميع البدن، أي بدن المرأة، والفخذين والماكمين من الرجل لا يعفى عن در الربع منه وما فوقه، ويعفى عما دون الربع، ولو استوعب العورة بالستر، وشرع في صلاة، فهبت ريح، وكشفت عن عورته، أو انكشفت بنفسها، فإن سترها في الحال لم يضر الصلاة، وإن مضى زمان، ثم سترها
بطلت صلاته، سواء كان جاهلا بانكشافها أو عالمًا به نظيره نجاسة حافة تقع على المصلى رفضها في الحال صحت صلاته، وإن مضى زمان ثم رفضها بطلت صلاته سواء كان.
عالمًا به أو جاهلاً.
ولو وقعت على مسجده نجاسة يابسة، فإن تنحى عنها وسجد جاز، ولو ستره بثوب آخر جاز، ولو نحاه عنه بكمه تبطل صلاته، ولو أخذ قدا من الأرض ونحاه عن مسجده فيها وجهان ولو أخذ طرفا من مسجده، وزعزعه حتى سقط منه.
الظاهر: أنه لا تبطل صلاته.
ثم الكلام فيما يقع به الستر:
أما الثياب الصفيقة التي يستر العورة لونها، وخلقتها، إذا سترها صحت صلاته.
وأما الثوب الشفة التي تستر الجسد، والخلقة ولا تستر اللون لا يقع به الستر حتى لو لبس قميصًا شفا مهلهل النسج، أو سراويل بهذه الصفة لم تصح صلاته؛ لأنه يصف ما تحته.
ولو لبس قميصًا شفا، وسراويل تحته إن عقد التكة على المعقد المعتاد لم تصح صلاته؛ لأن فوقه إلى السرة يلي العورة، وإن عقدها على السرة صحت صلاته.
وعلى هذا لو لبس زجاجة إن تصور إن كان يصف لون العورة لم تصح صلاته، وإن سترت العورة لونها وخلقتها صحت صلاته، ولو اقتدى بإمام لبس شفًا مهلهل النسج، إن علم به حالة الإحرام لم تنعقد صلاته، وإن كان جاهلاً به، ثم علم من بعد لا يتابعه، فإن تابعه بطلت صلاته.
ولو طلي على عورته الطين، فوجهان:
أحدهما: حصل الستر؛ لأنه ستر اللون، والمصود ستر اللون دون ستر الجسد والخليقة.
والثاني: لا؛ لأنه يتشقق إذا هوى إلى الركوع والسجود، فتظهر منه العورة.
ولو وقف في ماء صاف ترى منه عورته من الجنب والأسفل لم تصح صلاته، وإن كان كدرًا لا ترى عورته من جنبه، فعلى وجهين:
أحدهما: يقع به الستر، قاله صاحب التلخيص كما بالطين.
والثاني: لا؛ لأنه لم يتخذ ساترًا، بل احتجب بالماء عن الأبصار، كما لو دخل بيتًا في ليلة ظلماء، وصلى مكشوف العورة لا تصح صلاته.
ولو حفر حفيرًا في الأرض، ووقف فيها وصلى على جنازة جاز.
ولو جمع التراب، وصلى مضطجعًا على الجنب، والتراب ساتر له صحت صلاته، ولو لبس قميصًا إن كان ضيق الجيب لا يرى عورته من وقف بجنبه صحت صلاته، وإن لم يشد الأزرار، وإن كان واسعًا وشد الأزرار، بحيث لا يرى عورته من الأعلى من وقف تحته صحت صلاته وإن كان عورته ترى من الأسفل.
وكذا إذا اتزر بإزار لا ترى عورته من الأعلى، ومن الجنب، ووقف على طرف سطح، بحيث يرى عورته من وقف تحته صحت صلاته.
فإن قيل: ما الفرق بين الملابس للخف إذا ظهر قدماه من الأعلى جاز له المسح، ولو ظهر قدمه من الأسفل لم يجز له المسح؟
قلنا: الفرق أن الخف إنما يتخذ للبس الأسفل في العادة، فاعتبر ستر الأسفل، والقميص إنما يتخذ ليستر الأعلى به، دون الأسفل، فاعتبر ستر الأعلى به، وإن كان جيب القميص واسعًا، والرجل أمرد يرى عورته من وقف بجنبه لم تصح صلاته.
وإن كان صاحب لحية عريضة تستر عورته، وتمنع نفوذ الأبصار، فيها وجهان: أحدهما: يجزيه لوجود الستر.
والثاني: لا؛ لأنه ستر بعضه ببعضه.
ولو كان في إزاره خرق فوضع اليد عليها وسترها باليد، فعلى هذين الوجهين ولو جمعه وأخذه بكفه، فوجه واحد: أنه يجوز.
ولو وضع الغير اليد عليها، وستر الغير باليد، قال رضي الله عنه: حرام عليه ذلك لأنه يمس عورته ولكن تصح صلاته كما لو ستر عورته بالديباج وإن دخل في دن وكان رأسه ضيقًا صحت صلاته على الجنازة منه، وإن كان رأسه واسعا لا يجوز.
وإذا وجد ثوبًا نجسًا، هل يلزمه ستر العورة؟ فعلى وجهين:
أحدهما: بلى، كما يلزمه سترها في حق الآدميين.
والثاني: لا؛ لأن الصلاة لا تصح مع النجاسة، والمقصود بهذا الستر جواز الصلاة وفي حق الآدميين المقصود منع الابصار والنجس يمنع الأبصار كالظاهر.
فأما الثياب المتخذة من الإبريسم يجوز للنساء استعمالها، وستر العورة بها، فأما الرجال إن قلنا: يلزمه استعمال النجس، فهذا أولى، وإلافوجهان.
والفرق أن المتخذ من الإبريسم حرم استعماله لما فيه من الريبة، لكنه ظاهر لا ينافي صحة الصلاة، بخلاف النجس، فإنه ينافي صحة الصلاة.
والثوب المغصوب إذا لبسه، وصلى فيه صحت صلاته، وإن عصى بلبسه.
ومن أصحابنا من قال: لا تصح صلاته، وهذا مذهب المعتزلة، وهكذا إذا تيمم بتراب الغير، أو توضأ بماء الغير تصح طهارته، وإن كان عاصيًا بفعل التوضؤ والتيمم بالمغصوب، ولو وقع في أرض الغير لا يجوز له أن يتيمم بترابها، ولا أن يصلي فيها، بل يصلي ماشيًا لحق الوقت، ثم يعيد، ولو صلى فيها صحت صلاته، فإذا دخل عليه وقت الصلاة، وهو في شارع نجس لا يجوز له أن يدخل أرض الغير ليصلي فيها، بل يصلي على المكان النجس لحرمة الوقت، ثم يعيد الصلاة.
قوله: (فإن صلت الأمة مكشوفة الرأس أجزأها) فهو كما قال؛ لأن رأسها
ليس بعورة كما بينا، فلو شرعت في الصلاة مكشوفة الرأس، ثم عتقت لم يجز فيها أن تمضي على صلاتها مكشوفة الرأس، بل يلزمها الستر، فإن كان الساتر قريبًا منها سترت وبنت، وإن كان بعيدًا منها فمشت إليه، وسترت به الرأس بطلت صلاتها في ظاهر المذهب.
وخرج فيه قول آخر: من سبق الحدث تبني على صلاتها، ولو صبرت حتى أتيت بالساتر، فمرتب على ما إذا مشت إليه، إن قلنا هناك: لا تبطل صلاتها فها هنا أولى، وإلا فوجهان.
ولو عتقت، فصبرت ساعة لم تستر الرأس بطلت صلاتها، سواء كانت عالمة بالعتق أو جاهلة به.
قال المزني: وأحب أن يصلي الرجل في قميض ورداء، وإن صلى في إزار واحد أو سراويل، أجزأه وكل ثوب يصف ما تحته، ولا يستر لم تجزيء الصلاة فيه.
قال القاضي حسين: وليس يختص الاستحباب بهذين، بل المستحب أن يتعمم مع القميص والرداء أو بتطيلس، لأن فيه زيادة الزينة، قال الله تعالى، (خذوا زينتكم عند كل مسجد) وفي الآثار، العمائم تيجان العرب.
وقال عليه السلام: صلاة بعمامة أفضل من سبعين صلاة بغير عمامة.
وقال عليه السلام: زر ولو بشوكة وارتد ولو بحبل.
وقال عليه السلام: أيعجز أحدكم أن يتخذ لجمعته ثوبين.
فإن صلى في ثوب واحد مع وجود غيره أجزأه.
روي عن جابر أنه صلى في داره ورداؤه على المشجب، فقال واحد: أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم تصلي في إزار، ورداؤك على المشجب؟
فقال: عمدًا فعلت ليراني جاهل مثلك، فيعلم أن ذلك جائز، فأينا كان له على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثوبان.
فإن أراد أن يقتصر على ثوب واحد، فالمستحب أن يلبس القميص، وإن كان معه إزار وسراويل، وأراد أن يقتصر على أحدهما، فالإزار أولى، لأنه لا يلتصق بالعورة بل يجافيها فلا يجافي العورة ولا يصف سمنها وهزالها.
ثم ذكر الشافعي رحمه الله حكم الشف المهلهل الذي يظهر منه لون العورة أن الصلاة فيه لا تجوز، وقد ذكرنا.
فصل
قد ذكرنا أن من وجد الستر لا يجوز له تركه، وكذلك من قدر على تحصيله بأن كان معه ثمنه، ويباع بثمن المثل، أو يعار منه، فلزمه قبوله.
ولو استعار ثوبًا، فلم يعطه ليس له أن يكابره، بل يصلي عريانًا، بخلاف ما يحتاج إليه لشدة البرد له أن يكابر، لأن فيه استيفاء مهجته، ولو وهب منه الثوب لم يلزمه قبوله.
والفرق أن المستعير للساتر لا تلحقه منة عظيمة كالمتهب للماء، والمتهب للساتر تلحقه المنة العظيمة، كالمتهب لثمن الماء.
ولو أن جماعة من العراة كانوا في موضع واحد، ومع واحد منهم ثوبًا يعيره منهم واحدًا فواحدًا، إن علم أن الثوب ينتهي إليه قبل خروج الوقت لم يجز له أن يصلي عريانًا، وإن علم أن النوبة لا تنتهي إليه إلا بعد خروج الوقت نص ها هنا على أنه يؤخر الصلاة عن الوقت مراعاة لحق الستر.
ونص على أن جماعة لو كانوا في سفينة، وفيها موضع واحد للقيام، وعلم أن النوبة لا تنتهي إليه، إلا بعد خروج الوقت يصلي قاعدًا مراعاة لحق الوقت.
فمن أصحابنا من جعل في المسألة قولين نقلا وتخريجًا.
ومنهم من فرق بينهما بأن للقيام بدلا ينتقل إليه وهو القعود، ويجوز تركه مع القدرة عليه في صلاة النفل بخلاف الستر، فإن الستر ليس له بدل ينتقل إليه، ولا يجوز تركه مع القدرة عليه.
فأما إذا وجد الثوب النجس.
إن قلنا: يلزمه استعماله يصلي فيه ويعيد.
وإن قلنا: لا يلزمه استعماله يصلي عريانًا ثم يصلي قائمًا، أو قاعدًا؟
فعلى قولين:
أحدهما: قائمًا، وهو الأظهر- لأن المقدور عليه من أمر الصلاة لا يسقط بالمعجوز عنه، فعلى هذا لا تلزمه الإعادة.
والثاني: يصلي قاعدًا ليكون أستر، فعلى هذا يضع الجبهة على الأرض أو يدنيها من الأرض، فوجهان:
أحدهما: يضع الجبهة على الأرض؛ لأن السجود لا يتم عندنا إلا بوضع الجبهة.
والثاني: يدنيها من الأرض ليكون أستر.
وعلى الوجهين تلزمه إعادة الصلاة في ظاهر المذهب، إلا على طريقة المزني، ومن يخرج ذلك على اصل الشافعي أن من ترك شرطًا، أو ركنًا للعجز لا إعادة عليه.
وعند أبي حنيفة، العاري يتخير بين أن يصلي قائمًا، او يصلي قاعدًا، واحتج بأنه اجتمع له فرضان: ستر العورة، والقيام، وتعذر الجمع بينهما فيخير فيهما.
فرع
لو اجتمع جماعة من العراة، فالمستحب لهم أن يصلوا جماعة أو فرادى.
قال في الجديد: هم بالخيار بين الصلاة جماعة وفرادى.
وقال في القديم: يصلون فرادى، فإن صلوا جماعة أجزأهم، ثم إذا صلوا جماعة وقف إمامهم وسطهم، كإمامة النساء تقف وسطهن، فإن تقدم جاز، وإن كان فيهم لابس فالأولى أن يتقدم اللابس، فلو تقدم عار جاز عندنا للابس أن يقتدى به.
وقال أبو حنيفة: اقتداء اللابس بالعاري لا يجوز، وإن وجد بعض ما يستر به
العورة لزمه ستر ذلك القدر، بخلاف ما لو وجد من الماء ما يكفيه لبعض أعضاء طهارته لا يلزمه الاستعمال في أحد القولين؛ لأن المقصود من استعمال الماء رفع الحدث، والحدث لا يتبعض، والمقصود من استعمال الثوب ستر العورة، والستر مما يتبعض.
وإن وجد من الساتر ما يكفيه، إما لقبله، او لدبره، فوجهان:
أحدهما: يبدأ بالدبر.
والثاني: بالقبل.
والصحيح: أنه يتخير فيهما لاستوائهما في وجوب الستر، وتغليظ حكمهما، ومن قال: ستر الدبر أولى، قال: لأنه يتفاحش في الركوع، والسجود تفاحشًا كثيرًا.
والصحيح أن القبل أولى، لأنه يستقبل به القبلة، ألا ترى أنه لا تستقبل لبول ولا غائط، والدبر يستره الأليتان حال القيام بخلاف القبل؟
وقال الإمام رضي الله عنه: في الرجل: الدبر أولى، وفي المرأة: القبل أولى.
فصل
المحبوس في مكان نجس إذا وجد ثوبًا يكفيه، إما للستر، أو للبسط على النجاسة، فبأيهما يبدأ؟
فعلى قولين:
أحدهما: بالستر؛ لأن فيه حقين؛ حق الله تعالى وحق الآدميين، فكان أولى بالتقديم.
والثاني: بالبسط على النجاسة؛ لأن حكم العرى أخف من حكم النجاسة، بدليل أن العاري يصلي، ولا إعادة عليه، ومن على بدنه نجاسة لا يصلي إلا بشرط الإعادة.
فإن قلنا: يبسطه على النجاسة ويصلي عاريًا، فحكمه ما مضى.
وإن قلنا: يستر به العورة، ويصلي به على النجاسة، فهل يلزمه وضع الجبهة عليها أو يدنيها منها؟
إن كانت النجاسة رطبة يدني الجبهة منها، إذ لو وضعها عليها أدى إلى التلويث وتفاحش النجاسة.
وإن كانت يابسة فوجهان.
وعلى الوجهين يعيد الصلاة.
والله أعلم بالصواب.
قال المزني: ومن سلم أو تكلم ساهيًا، أو نسي شيئًا من صلب الصلاة، بني ما لم يتطاول ذلك، وإن تطاول، استأنف الصلاة.
قال القاضي حسين: أما السلام في خلال الصلاة إن تعمدت بطلت صلاته، لأنه خطاب آدمي منهي عنه في الصلاة وإن كان ساهيًا لم تبطل به صلاته، ووافقنا فيه أبو حنيفة.
وأما الكلام إن كان عمدًا بطلت به صلاته، سواء كان من مصلحة الصلاة، أو لم يكن من مصلحتها.
وقال مالك: كل كلام هو من مصلحة الصلاة، كقوله للإمام إذا قعد في محل القيام قم، أو قام في محل القعود: اقعد لا تبطل به صلاته، واحتج بحديث ذي اليدين.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إحدى صلاتي الظهر أو العصر، فسلم على ركبتين، فخرج سرعان القوم وقالوا: قصرت الصلاة، قصرت الصلاة، وقام النبي صلى الله عليه وسلم، وجلس على خشبة المسجد كالمتفكر، وهبنا أن نسأله، وكان في القوم رجل إحدى يديه أطول من الأخرى، يقال له ذو اليدين، فقام، وقال: أقصرت الصلاة أم نسيتها يا رسول الله؟
فقال عليه السلام: كل ذلك لم يكن.
فقال: لقد كان بعض ذلك، وكان في القوم أبو بكر وعمر فقال لهما عليه السلام: أكما قال ذو اليدين؟ فقالا: نعم، فقام وأتم الصلاة، وسجد سجدتين.
فدليلنا ما روى عن معاوية بن الحكم أنه قال: كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، فعطس رجل في القوم فشمته وقلت له، يرحمك الله، فرأيت القوم يرمونني بأبصارهم فقلت: واثكل أماه، ما لكم ترمقونني بأبصاركم، فجعلوا يضربون أيديهم على أفخاذهم، فعملت انهم يسكتونني لكني سكت، فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم دعاني، فو الله ما كهرني ولا شتمني ولا زجرني، وما رأيت معلمًا أرفق بي، ثم قال: إن صلاتنا هذه لا يصحل فيها شيءٌ من كلام الآدميين إنما هي تسبيح وتهليل وتكبير وتمسكن ويا رب يارب.
وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: قدمت من أرض الحبشة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فسلمت عليه، فلم يرد على فأخذني ما قرب وما بعد، وروى ما قدم وما حدث، فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث ألا تتكلموا في الصلاة.
وقوله: ما قرب وما بعد، يحتمل أنه أراد ما قرب من عهدنا بإباحة الكلام في الصلاة، وما بعد منه، ويحتمل أنه اراد غاضني ذلك، وأخذ في طبع الجاهلية، ولا حجة له في حديث ذي اليدين، لنه كان جاهلا بتحريم الكلام،
وكونه في الصلاة؛ لأنه كان تعذر قصر الصلاة والزمان وزمان النسخ، والنبي عليه السلام كان أيضا غير عالم أنه في الصلاة، وكلام الجاهل لا يبطل الصلاة عندنا.
وأما أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فقد روى أنهما أشارا برؤسهما أي نعم، ولم يتلفظا به.
وإن صح أنهما تلفظا به، فكان هو خطاب الرسول عليه السلام، وهو عليه السلام مخصوص بأن يخاطبه المصلي، ولا تبطل صلاته، يدل عليه أنه أمر الله كل مصلي بخطابه في التشهد، وذلك قوله: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فإنه عليه السلام إذا دعي يلزمه الإجابة، ولا يسوغ له ترك إجابته دليله حديث أبي بن كعب.
وأما كلام الناسي والجاهل، قليله لا يبطل الصلاة عندنا، وفي كثيرة وجهان: أحدهما: لا يبطل الصلاة كالقليل.
والثاني: يبطل.
ولأي معنى يبطل معينان:
أحدهما: إمكان الاحتراز عنه.
والثاني: قطعه نظم الصلاة، والأكل ناسيًا في الصوم إن كان يسيرًا لا يبطل الصوم، وإن كان كثيرًا فمرتب على الكلام الكثير في الصلاة:
إن قلنا: لا تبطل به الصلاة، فها هنا أولى، وإلا فوجهان بناء على المعنيين إن جعلنا المعنى فيه إمكان الاحتراز بطل به الصوم.
وإن لنا: بالمعنى الاخر لم يبطل، إذ ليس في الصوم نظم يقطع بالفعل، ولو ابتلغ قدر السمسمة في الصلاة، أو وضع ما يندي في فمه، ومصه وابتلع ماءه، فوجهان.
وقال أبو حنيفة: كلام الناسي والجاهل يبطل الصلاة، ككلام العامد، واحتج بحديث ابن مسعود ومعاوية.
دليلنا: حديث ذي اليدين وهو نص في محل النزاع.
والمعنى فيه أنه خطاب آدمي، عمده يبطل الصلاة، فسهوه لا يبطلها، دليله السلام.
ورده لا يلزم لوجهين:
أحدهما: لفظا
والثاني: إن رده لا يبطل الصلاة، بل يبطل الإيمان، ثم يترتب عليه بطلان الصلاة.
وأما نسيان الركن من صلب الصلاة، إن ذكره على قرب الوقت عاد وبني على صلاته، وإن ذكره بعد طول الفصل، فقياس مذهبه في الجديد أنه يستأنف.
وفي القديم: يبني، وهما كالقولين، فيما لو سلم ناسيًا لسجدتي السهو ذكرهما بعد طول الفصل يعود في القديم، ويأتي بهما.
وفي الجديد: لا يعود.
من أصحابنا من قال قولا واحدًا: يلزمه الاستئناف في نسيان الركن، كما نص عليه ها هنا، بخلاف ما لو ترك سيجدتي السهو، والفرق بأن سجود السهو سنة تتم الصلاة بدونه، فكان حكمه أخف بخلاف الركن.
هذا كله في الأركان الفعلية.
فأما القراءة إذا تركها ناسيًا حكمه في الجديد حكم سائر الأركان الفعلية.
وفي القديم يسقط النسيان، قلد فيه الشافعي عمر بن الخطاب رضي الله عنه في القديم، روى أنه سئل عمن صلى، وقد نسي القراءة فقال: كيف كان الركوع والسجود؟
فقالوا: حسن
فقال: لا بأس إذا.
ولا خلاف أنه لو ذكرها قبل الركوع يلزمه أن يأتي بها، وبعد الركوع لا يلزمه ذلك على مذهبه القديم.
قال القاضي رضي الله عنه: ويحتمل أن يقال: ما لم يسلم يلزمه أن يأتي بالقراءة إذا تركها ناسيًا، لأن الظاهر من حديث عمر أنه إنما سئل بعد الفراخ من الصلاة حتى رخص في تركها.
والقولان في سقوط القراءة بالنسيان، كالقولين في سقوط الترتيب بالنسيان.
والقولان في وجوب الإعادة إذا صلى مع النجاسة ناسيا والأظهر في المسائل كلها أنه لا يعذر بالنسيان.
فإن قيل: ما معنى قوله في الكلام: ما لم يتطاول الفصل، فإن تطاول استأنف، وإنما يستقيم هذا الاستثناء فيما لو سلم ناسيًا، أو ترك ركنًا من صلب الصلاة ناسيًا.
قلنا: هو الصحيح في الكلام، كهو في نسيان الركن والسلام.
ومعناه إذا تكلم ناسيًا للصلاة، ثم تذكر أنه في الصلاة بعد زمان إن لم يطل الفصل بني وإن طال استأنف كام لو سلم ناسيًا في خلال الصلاة، ثم بعد زمان ذكره إن لم يطل بناه، وإن طال استأنف.
سئل القاضي رحمه الله: ما حد الفصل القريب والبعيد؟
قال: الفصل القريب ما بين الخطبة والشروع في الصلاة، أو ما بين الصلاتين إذا أراد الجمع بينهما، ثم إنما يجوز له البناء إذا لم يطأ النجاسة، وبعدما تذكر ليس له أن يرجع إلى الموضع الذي سلم فيه، بل في الموضع الذي سلم تذكر يبني ويصلي.
قال المزني: وإن تكلم، أو سلم عامدًا، أو أحدث فيما بين إحرامه، وبين سلامه استأنف لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تحليلها التسليم.
قال القاضي حسين: قد ذكرنا حكم الكلام عامدًا أو ناسيًا.
فأما الحديث، فعمده يبطل الصلاة، وإذا أحدث الإمام لم يبطل صلاة من خلفه عندنا.
وقال أبو حنيفة: إذا أحدث الإمام متعمدًا بطلت صلاته، وصلاة من خلفه، بناه على أصله، وهو أن المأموم يؤدي صلاته بصلاة إمامه، فإذا بطل صلاة الإمام، وهي الأصل بطلت صلاته، لأنها كالفرع والتبع، وعلى هذا الأصل بنوا مسائل:
منها: إن المأموم لا تجب عليه القراءة عنده؛ لأنه يؤدي صلاته بصلاة إمامه، فيحملها عنه إمامه.
ومنها: أنه لا يجوز اقتداء القاريء بالأمي، واللابس بالعاري، والموميء بالقائم والقاعد عنده، لأنه يؤدي صلاته بصلاة إمامه، والإمام عجز عن الإتيان بما افترض عليه من السنن والقراءة، وإذا بأن الإمام جنبًا يوجب الإعادة على هذا الأصل.
وإذا وقفت المرأة بجنب رجل في الصلاة، واقتدت به بطلت صلاته، وصلاتها عنده، لأن الإمام افترض عليه تأخيرها، فلما لم يؤخرها ترك فرضًا، فبطلت صلاته، وإذا بطلت صلاته بطلت صلاتها.
ووافقنا في أن القاعد يقتدي بالقائم، والمتوضيء بالمتيمم، ولكان يتحمل عنه سائر الأركان، كما قلتم في القراءة.
فأما إذا سبقه الحدث.
ففي الجديد: يستأنف؛ لأن كل حدث يبطل الطهارة يبطل الصلاة كالعمد.
وفي القديم: يبني وبه قال أبو حنيفة إلا أن عنده: إنما يبني بشرطين.
أحدهما: أنه يعود إلى مصلاه، وأن يستخلف حين خروجه للتوضؤ.
وعندنا على قول البناء لو لم يستخلف جاز، ولا يجوز له أن يعود إلى مكانه، فضلا عن أن يجب عليه، ولا فصل عندنا بين الحدث والمني والودي.
وعند أبي حنيفة: لو سبقه المني، أو أصابته نجاسة لا يزيلها إلا الماء، تبطل صلاته.
فرع الشافعي رحمه الله على قول البناء، فقال: لو خرج، وبال لم تبطل صلاته، لأن الطهارة انقضت بما سبق من الحدث، فبقية البول لا أثر لها في إبطال الطهارة، وهو عمل قليل، فلا يعثر في إبطال الصلاة.
وهذا القول توقيف، لا محل للقياس، ومداره على الحديث الذي روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قاء أو رعف أو أمني فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم.
ثم شرط صحة البناء ألا يعرج على شيء، إلا على الطهارة حتى لو كان للمسجد بابان: أحدهما أقرب إلى الماء، والآخر أبعد لا يخرج من الأبعد، فإن خرج على غير الطهارة بطلت صلاته.
قال المزني: وإن عمل في الصلاة عملا قليلا، مثل دفعه المار بين يديه، أو قتل حية، أو ما أشبه ذلك لم يضره، وينصرف حيث شاء عن يمينه وشماله، فإن لم يكن له حاجة، أحببت اليمين، لما كان عليه السلام يحب من التيامن.
قال القاضي حسين، العمل قسمان: قليل لا يبطل الصلاة وكثير يبطلها.
والأصل في أن العمل لا يبطل الصلاة ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اقتلوا الأسودين ولو في الصلاة: الحية والعقرب.
وما روى أنه قال عليه السلام، إذا مر بين يدي أحدكم مار فليدفعه، فإن أبى فليدفعه، فإن أبي قليقاتله فإنه شيطان.
وفي هذا الخبر دليل على أن العمل القليل لا يبطل الصلاة، وأن المرور بين يدي المصلي مكروه، وإنما يكره ذلك إذا كان بينه وبين المار حائل بأن يقف بقرب جدار، أو أسطوانة أو عند خشبة أو كان في صحراء، ولم يكن بينه وبين الخشبة إلا قدر ما يسعه المسجد.
قال عليه السلام: لو علم المار بين يدي المصلي ما عليه لوقف أربعين.
قيل: أربعين يومًا.
وقيل: أربعين ساعة.
والحد الفاصل بين العمل القليل والكثير، منهم من قال: ما يتراه الناظر من البعد أنه خارج الصلاة، فهو الكثير، وما لا يتراه الناظر أنه ليس في الصلاة فهو القليل.
قال القاضي رحمه الله: وكان القفال رحمه الله يقول: سمعت أبا نصر المؤذن ببخارى، يقول: كل عمل يتأتي بإحدى اليدين كحل الإزار، ووضع العمامة، وحل الزر، فهو قليل لا يبطل الصلاة، وما لا يتأتي إلا بكلا اليدين كتكوير العمامة، وعقد الأزرار، فهو كثير يبطل الصلاة.
والصحيح أن المرجع فيه إلى العرف والعادة وفيما يعد قليلا في العادة فهو قليل، وما يعد كثيرًا فهو الكثير.
فخرج من هذا انه لو حك نفسه في الصلاة مرة، أو مرتين لم تبطل صلاته، وإن حك نفسه ثلاث مرات، فأكثر على التوالي بطلت صلاته، ولو قتل حية في الصلاة بضربة أو ضربتين لم يضر، فإن والي عليه الضربات بطلت صلاته.
ولو مشي في الصلاة خطوة أو خطوتين لم تبطل، وإن مشي خطوات على التوالي، بطلت صلاته، ولو مشي خطوات في كل ركن خطوة، أو خطوتين، أو في كل ركن ممتد بدفعات لم تبطل صلاته.
وإن أكل في الصلاة: إن كان المأكول أقل من سمسمة لم تبطل صلاته، وإن كان بقدر سمسمة فوجهان:
أظهرهما: أنه يبطل الصلاة، لأنه عبادة يبطلها الأكل كالصوم.
والثاني: لا يبطل لأنه عمل قليل في الصلاة.
ولو وضع في فمه علكا: إن كان جديدًا ينماع، ويختلط بالريق، فيصل إلى الجوف بطلت صلاته، وإن لم يمضغ لم تبطل صلاته، كما لو وضع درهمًا في فمه.
فصل
نص الشافعي على ان الأنين والتنحنح وانفح لا يبطل الصلاة.
قال الشافعي: هذا إذا لم يظهر منه حرفان، فإن ظهر حرفان بالنفخ والتنحنح ولم يك مغلوبًا عليه فيه بطلت صلاته، وإن كان مغلوبًا عليه لم تبطل صلاته، ولو بكي في صلاته، وظهر حرفان بطلت صلاته إذا لم يكن فيه مغلوبًا عليه بمكاء لمصيبة الدنيا، أو لمصيبة الآخرة فهو سواء.
وقال أبو حنيفة: إن بكي لمصيبة الدنيا بطلت صلاته، وإن بكي لمصيبة الآخرة لم تبطل، ولو تقهقه في صلاته بطلت صلاته، وإن تبسم لم تبطل حتى لا يظهر حرفان.
وإن كان في حلقه نخامة أراد إخراجها، فليضم شفتيه حتى لا يظهر حرفان، فإن لم يضمها حتى ظهر حرفان بطلت صلاته.
وإن تنحنح إمامه: إن علم أنه مغلوب عليه لم يضر صلاته، وإن شك في ذلك خرجها الأصل على وجهين:
أحدهما: تبطل صلاته لأن الظاهر من حالة الصحة، وأنه غير مغلوب عليه، كما لو شهد شهود على إقرار الإنسان مطلقا تقبل شهاتدهم، ويحمل إقراره على الصحة، وإن احتمل عوارض تمنع صحة الإقرار.
والثاني: لا تبطل صلاته، لأن الأصل بقاء العبادة وأنه لا يقدم علي المفسد، ولو استقاء عامدًا، بطلت صلاته.
ولو نزلت نخامة من رأسه: فإن تيسر إخراجها ولفظها، فابتلعها حكمه حكم الأكل.
فأما إذا قلنا: أنه إذا تنحنح بالوجه الأول يلزمه إخراج نفسه عن الصلاة، وإن قلنا: بالوجه الثاني لا يخرج نفسه عن صلاته، ثم ننظر، فإ، سجد الإمام للسهو في آخر الصلاة سجد فيه، وإلا فيسجد هو سجدتي السهو.
قوله: إذا ناب المصلي شيء في الصلاة، فله أن ينبه بذكر من الأذكار.
قال القاضي حسين: لا يفصل بين أن ينوبه ذلك بسبب إمامه، مثل أن يزيد إمامه بغلط فيقصد تنبيهه بشيء من القرآن، أو بذكر من الأذكار، أو بسبب غير إمامه مثل أن يقرع عليه الباب فيقول: الله أكبر، أو يقول: سبحان الله، أو يقرأ شيئًا من القرآن، وقصد به قراءة القرآن، وينبهه ليعلم أنه في الصلاة، فكذلك له أن يقول: ادخلوها بسلام آمنين، يقصد به قراءة القرآن وإذنه في الدخول، ولو قال هناك من اسمه يحيى: يا يحيى خذ الكتاب بقوة، وقصد به قراءة القرآن جاز أو يقصد لواحد: اخلع نعليك، ويقصد به قراءة القرآن، أو يفتح القراءة على إنسان.
وقال أبو حنيقة: إذا نبه إمامه، وفتح القراءة جاز، وإلا فلا.
قال رضي الله عنه: قضية ما قلناه أن يقال:
لو قال في صلاته حديث: كن يا زيد مقطعًا، وقصد به قراءة القرآن، لم تبطل الصلاة، لأن كل ذلك في القرآن.
ولو روى خبرا في الصلاة مثل قوله: لا صلاة إلا بطهور، ومثل قوله: الخراج بالضمان بطلت صلاته، ولو قال: السلام لم تبطل لأنه في القرآن وهو اسم من أسماء الله تعالى.
ولو قال: قال الله تعالى، أو قال رسول الله، بطلت صلاته.
قال القاضي: إلا أن يقصد به قراءة القرآن، وأتي به مقطعًا فلا تبطل صلاته.
قوله: إذا قرأ في الصلاة من المصحف صحت صلاته عندنا، وكذا إذا قرأ من موضع مكتوب فيه من جدار، أو غيره، سواء أمكنه القراءة عن ظهر القلب، أو لم يمكنه ذلك.
وقال أبو حنيفة: بطلت صلاته، ولو وقع بصره على شيء مكتوب في المحراب، سوى القرآن، وجعل ينظر فيه، ولم يتلفظ به لم تبطل صلاته، وإن تلفظ به بطلت صلاته، وإن اشتغل في الصلاة بالتخريجات، واستنباط المسائل، ففي غاية الكراهة، ولا تبطل به الصلاة.
وإن عد الايات، فإن عدها لفظًا، فهو كلام يبطل الصلاة، وإن عدها بالإصبع، فإن لم يدخل في حد الكثرة لم تبطل به الصلاة، وإن دخلت في حد الكثرة، والعمل الكثير، كما يبطل عمده الصلاة، فكذلك سهوه يبطلها، لأنه يقطع النظم، قاله رضي الله عنه.
وكلام العمد إن كان يسيرًا يبطل الصلاة، والعمل القليل لا يبطلها ..
والفرق أن الصلاة قد تجوز مع العمل العمد الذي هو ليس من جنس الصلاة، في الجملة، وهو صلاة الخوف ينزل عن الدابة، أو يركب في أثناء الصلاة، فلهذا قلنا: قليله عند الاستنغناء عنه لا يبطلها، كاستقبال القبلة يجوز تركها في حالة الضرورة، فعند القدرة لو انحرف يسيرًا لم يضر، بخلاف كلام العمد، فإنه لا تجوز الصلاة معه بحال من الأحوال، فقلنا بأنه يبطل الصلاة أينما وجد كالحدث.
والمعنى فيه: أن المصلي لا يمكنه الاحتراز، من العمل القليل بالا يتحرك في نفسه، ولا يحك نفسه، أو يمر يديه مار فيدفعه، أو يقتل حية أو عقربًا على مسجده، بخلاف الكلام، فإنه يمكنه الاحتراز عنه إذا كان عملا، ويكره أن
يصلي على مسجده عليه خطوط ونقش، لأن المصلي مأمور بأن ينظر في مسجده إذا كان قائمًا.
قال المزني: وإن فات رجلا مع الإمام ركعتان من الظهر، قضاهما بأم القرآن، وسورة كما فاته، وإن كانت مغربا وفاتته منها ركعة، قضاها بأم القرآن، وسورة وقعد وما أدرك من الصلاة، فهو أول صلاته.
قال المزني: قد جعل هذه الركعة في معنى الأولى، لقراءة أم القرآن وسورة وليس هذا من حكم الثالثة، وجعلها في معنى الثالثة من المغرب بالقعود، وليس هذا من حكم الأولى، فجعلها آخرة اولى، وهذا متناقض، وإذا قال: ما أدرك فهو أول صلاته فالباقي عليه آخر صلاته وقد قال بهذا المعنى في موضع آخر.
قال المزني: وقد روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن ما أدرك، فهو أول صلاته.
وعن الأوزاعي أنه قال: ما أدرك فهو أول صلاته.
قال المزني: فيقرأ في الثالثة بأم القرآن، ويسر، ويقعد ويسلم فيها، وهذا أصح لقوله، وأقيس على أصله، لأنه يجعل كل مصل لنفسه، لا يفسدها عليه بفسادها على إمامه.
وقد أجمعوا أنه يبتديء صلاته بالدخول فيها بالإحرام بها، فإن فاته مع الإمام بعضها، فكذلك الباقي عليه منها آخرها.
قال القاضي حسين: نقل المزني رحمه الله: أن المسبوق في الظهر بركعتين إذا صلى مع الإمام الأخريين، وقام لقضاء الأوليين يقضيهما بأم القرآن والسورة، ثم اعترض وقال من أصل الشافعي رحمه الله أن ما أدركه المصلي، فهو أول صلاته وأنه لا يسن قراءة الصورة في الأخريين، فيجب أن يقول يقضيهما بأم
القرآن سرًا في نفسه، دون السورة لأنه يتناقض أن تكون الركعة الأولى أخرى، قال القاضي رحمه الله أما قوله: ما أدركه المصلي، فهو أول صلاته، فكما ذكر عندنا، خلافًا لأبي حنيفة.
قال رضي الله عنه: وكان القفال رحمه الله يقول: تعرضت لطلب فائدة الخلاف في هذه المسألة، وسألت عنها كثيرًا من مشايخهم، فما حصلت على طائل، وذلك أنهم يقولون: إذا أدرك الركعة الثالثة مع الإمام في المغرب، ففي القضاء يتشهد في الثانية، وفي الثالثة، وقضية كون المدرك آخر الصلاة ألا يتشهد إلا في الثالثة.
وأيضا أن مذهبهم أنه إذا أدرك الركعة الثالثة، من الوتر مع الإمام وقنت معه، يقضي الركعتين الفائتتن يقنت في آخرهما.
وقضية كون المدرك آخر الصلاة ألا يقنت، لأنه قنت في محله
ولهم رواية أخرى أنه يقنت، فعلى هذا يظهر للخلاف فائدة.
وأيضا من مذهبهم أنه لو أدرك الركعة الثانية من صلاة العيد، ففي القضاء يقرأ ثم يكبر.
وقضية كون المدرك أخر الصلاة أنه يكبر ثم يقرأ؛ لأن عندهم لا يوالي بين القراءتين في صلاة العيد، فيكبر في الركعة الأولى قبل القراءة، وفي الثانية بعدها، إلا أن المسألة اشتهرت بالخلاف، فيحتج فيها بما روى عن علي رضي الله عنه، أنه قال: ما أدركه، فهو اول صلاته، ولأن المدرك يكون ما أدرك أول صلاته حسا وحكمًا.
أما الحس فهو أن أول كل شيء ما يبتدأ به، وآخره ما ينتهي إليه، وأول الصلاة ما يعقب الافتتاح، وآخرها ما يتقدم التسليمة.
وأما الحكم، فإنه سيحتاج بالتحريمة في أداء ما أدركه، ولا يحتاج إليها في قضاء الفوائت.
ثم اختلف أصحابنا في الجواب عما ألزمه المزني.
فمنهم من قال: أجاب الشافعي على القول الجديد الذي يقول فيه: تسن القراءة، أي: قراءة السورة في الأخريين، وفي الركعات كلها.
ومنهم من قال على القولين تسن قراءة السورة في الأخريين؛ لأن سنة قراءة السورة فاتته في أول الصلاة، وكل سنة تفوت المرء في صلاته، وأمكنه تلافيها من غير أن يوقع خلللا بترك سنة فيها، فعليه تداركها.
نص الشافعي رحمه الله على أنه لو ترك التعوذ في الركعة الأولى يقضيه في الثانية.
ونص في الكبير على أنه لو ترك قراءة السورة في الركعتين الأوليين يقضيهما في الأخريين، وقد نص على أن السنة أن يقرأ بسورة الجمعة في الركعة الأولى من صلاة الجمعة، وسورة المنافقين في الثانية، فلو ترك سورة الجمعة في الركعة الأولى قرأها مع سورة المنافقين في الركعة الثانية، بخلاف ما لو ترك الرمل في الأشواط الثلاثة، لا يقضيه في الأشواط الأربعة، لأنه لا يمكن تلافيهما إلا بترك سنة أخرى مثلها؛ لأن السنة أن يرمل في الثلاث، ويمشي في الأربع فعلى هذه الطريقة لو تمكن من قراءة السورة في الركعتين مع الإمام، وقرأها فيهما، ففي القضاء لا يقرأ السورة، وإن تمكن من قراءتها، ولم يقرأ ففي القضاء يقرأ السورة، ولو أدرك الركعة الأولى مع الإمام من المغرب، وتمكن من قراءة السورة، وقرأها، فيقرؤها في الثانية دون الثالثة، ولو لم يقرأها في الثالثة مع الإمام، أو لم يتمكن من قراءتها يقرأها في الثانية والثالثة إذا قضاهما.
فصل
المسبوق إذا أدرك الإمام في ركن سوى القيام، إن كان في الركوع، فلا خلاف في أنه يكبر للافتتاح، ويكبر للهوي إلى الركوع، وإن أدركه في السجود الأول، أو الثاني، أو في التشهد، هل يكبر للانتقال إليه بعد أن يكبر للافتتاح؟ قال رضي الله عنه، دخلت على القفال رحمه الله، فسألني عن هذه السألة، فقلت: يكبر للانتقال إلى الركن الذي وجد الإمام فيه.
فقال: أخطأت، إن انتقل عن القيام إليه مكبرًا، كالركوع والسجود الأول، يكبر ليكون متابعًا للإمام، لأنه يريد أن ينتقل إليه عن القيام، وان انتقل إليه لا عن القيام، فلا يكبر كما لو كان في السجود الثاني: أو التشهد.
قال رضي الله عنه: والوجه الأول صحيح: لأن الإمام انتقل إليه مكبرًا، فتابعه في الانتقال إليه، ويوافقه في التكبير.
قال: ورأيت لأصحابنا فيه وجهًا آخر: إنه، وإن وجد الإمام في السجود الأول ينتقل إليه غير مكبر، لأنه غير محسوب له، وإن أدرك الإمام في التشهد، او ركن آخر لا يحسب له مثل السجود والجلسة بين السجدتين، فالسنة للمسبوق أن يفتتح الصلاة، ولا ينتظر الإمام ليقوم، ويصير إلى ركن يحسب له إذا تابعه، فإن انتظر قيامه، كان ذلك من غباوته، وإذا كبر للافتتاح، وهو في ركن من هذه الأركان، فعليه أن ينتقل إليه، فلو لم ينتقل وبقي قائمًا ينتظره بطلت صلاته، وإذا تابعه في الفعل هل يتابعه في الذكر؟ فوجهان:
أظهرهما: أنه يتابعه فيه، كما تابعه في الفعل.
والثاني: لا؛ لأنه غير محسوب له، والمتابعة في الفعل كانت، حتى لا يؤدي إلى المخالفة الظاهرة، وها هنا لا يؤدي إلى ذلك فإذا قام عن التشهد إن
كان مع الإمام بأن أدركه في التشهد الأول، يكبر الإمام عند القيام، فيكبر متابعة له، وإن سلم الإمام إن كان محل تكبيرة بأن أدركه في الركعة الثالثة، فيكبر للقيام، وإن لم يكن محل تكبيرة بأن أدركه في الركعة الرابعة، أو في التشهد لم يكبر للقيام، لأنه ليس بمحل تكبيرة، وذاك لأنه كبر عند رفع الرأس من السجود، والتشهد لم يكن محسوبًا له، فوقع تكبيرة الانتقال إلى القيام، فهذا الانتقال مما كبر له مرة، فلا يكبر ثانيًا.
وهل يسن للمسبوق دعاء الاستفتاح.؟
نظر إن أدرك جزءا من الصلاة مع الإمام، ولم يقرأ دعاء الاستفتاح، وإن لم يدرك جزءا من الصلاة مع الإمام، مثل أنه كما كبر للافتتاح سلم الإمام، فإنه يقرؤه، لأنه افتتاح.
وفي الصورة الأولى إذا قام هو غير مفتتاح للصلاة، لأن الجزء الذي أدركه من صلاة الإمام غير محسوب له في استحقاق الفضيلة والثواب، وفي هذه الصورة هو مفتتح الصلاة.
والله أعلم بالصواب.
فصل
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: التكبيرة الأولى خير من الدنيا وما فيها.
فاختلفوا فيما يدرك به التكبيرة الأولى، ويحوز فضيلتها
فمنهم من قال: بأن يدرك الإمام قبل الشروع في الفاتحة، لأنه إذا شرع فيها فقد انتقل إلى الركن.
ومنهم من قال: وهو الأصح، بأن يدرك الإمام قبل الهوي إلى الكوع، لأنه إذا هوى إلى الركوع، فقد انتقل إلى ركن فعلي من غير جنس هذا الركن، إذ هو قولي، وبه قال أبو حنيفة.
وقيل: بأنه وإن أدركه في الركعة لم يصر مدركا لتلك الفضيلة، لأنه ما أدرك الركعة.
فصل
إذا قام الإمام إلى الركعة الخامسة ساهيًا، فجاء مسبوق، واقتدى به انعقدت صلاته غير أنه إن كان عالمًا بسهوه، وكونه في الخامسة، فتابعه بطلت صلاته، وإن كان جاهلاً باحال لم تبطل صلاته، وتحسب له هذه الركعة، ولو أدرك الإمام في الركوع في هذه الركعة، وهو جاهل بالحال تابعه لم يصر مدركًا لتلك الركعة، لأنها غير محسوبة للإمام، وها هنا أربع مسائل:
المسبوق بإدراك الركوع لا يكون مدركًا لتلك الركعة أحدها هذه.
والثانية: إذا نسي الإمام القراءة، فركع، فجاء المسبوق، واقتدى به.
والثالثة: الإمام إذا كان جنبًا، فالمسبوق جاء، واقتدى به في الركوع.
الرابعة: إذا نسي الإمام تسبيحات الركوع، فتذكر بعد ما اعتدل قليلا عليه أن يقرأ ن فلو عاد إلى الركوع، فإن كان جاهلا، فاقتدى به لم يصر مدركًا لتلك الركعة.
ولو أن رجلا كان يطالع أحوال إمام في صلاة، فترك سجدة من الركعة الأولى، فقام إلى الثانية، فاقتدى به انعقدت الصلاة، غير أنه إن تابعه بطلت صلاته حتى ينتقل إلى السجود الذي تركه، فيتابعه فيه ولا يحتسب له تلك السجدة، وإنما تابعه فيه، لأنه محسوب للإمام.
فصل
لو اقتدى شفعوي بحنيفي ما حكمه؟
من أصحابنا من قال تصح صلاته، لأنا لا نقطع ببطلان صلاته، وهو اختيار القفال رحمه الله.
وقال الشيخ أبو حامد رحمه الله إن قرأ الفاتحة والتسمية صحت صلاته، وإلا فلا، واختاره القاضي رحمه الله.
وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني رحمه الله: لا تصح صلاته، وإن قرأ الفاتحة؛ لأنه لا يعتقد وجوبها، واعتقاد الوجوب في الفاتحة شرط، ولو اقتدى بحنيفي في صلاة الصبح، فلم يقنت، فهل على المأموم أن يسجد للسهو؟
قال القاضي رحمه الله: سألني الشيخ ابو القاسم الفوراني عن هذه المسألة، فقلت: لا يسجد للسهو؛ لأنه اقتدى به، وجعله إمامًا، وصححنا الاقتداء بناء على اعتقاد الإمام، وعنده أنه غير ملزم لسجود السهو، والذي يقع لي الآن أنه يلزمه سجود السهو، لأن عند المأموم إن تركه القنوت ملزم للسجود، إلا أنه ترك السجود، والإمام إذا ارتكب ما يوجب سجود السهو على المأموم أن يسجد وإن تركه الإمام، وإنما ذلك، لأن المأموم يبني الأمر على اعتقاد نفسه دون اعتقاد إمامه.
يدل عليه أنه لو اقتدى بمن على ثوبه نجاسة بقدر درهم، أو لمس امرأة، أو مس ذكره، أو لم يرتب في الوضوء، أو توضأ بنبيذ التمر لا تصح صلاته، وإن كان الإمام يعتقد صحة صلاة نفسه، والوجهان ينبنيان على جواز الصلاة خلفهم.
إن قلنا: تجوز لا يسجد للسهو.
وإن قلنا: إذا لم يقرأ الفاتحة لا يصح، فيغلب سجود السهو، لأنه ما اعتبر اعتقاد الامام.
والقفال اعتبر اعتقاد الامام دونه، ولو اقتدى بمن توضأ من الحنيفية من ماء بلغ قلتين، وقعت فيه نجاسة، أو بمن تكلم ناسيًا في الصلاة، أو احتجم وافتصد، أو لقاء ولم يتوضا صحت صلاته، وإن كان الامام يعتقد بطلان صلاة نفسه، لو اقتدي بحنيفي، فوقف في موضع القنوت، ولم يقرأ دعاء القنوت، فقنت المأموم صح، لأنه عنده أن على إمامه سنتين سنة القيام، وسنة قراءة دعاء القنوت فقد أتي إحداهما، وترك الأخرى، هذا كما أنه لو جلس الإمام للتشهد الأول، ولم يقرأ التشهد بقراءة المأموم، كذا ها هنا.
فصل
من لا يعرف أركان الصلاة وأبعاضها، وهيئاتها، هل تصح صلاته ام لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا تصح كما لو جهل فرضية أصل الصلاة.
والثاني: يصح، لأن هذا مما يشق على العوام، ويخفي على أكثر الناس، فلو لم تصح صلاتهم، أدى ذلك إلى الفساد، بخلاف فرضية أصل الصلاة، فإنها لا تخفي إلا على حديث العهد بالإسلام.
فصل
الإمام إذا سها، فنبهه القوم، وسبحوا، فإن فطن لسهوه أخذ به، وإن لم يفطن لذلك، هل له أن يقلدهم
نظر، إن كان خلفه واحد، أو اثنان، أو ثلاثة، لا يركن قلبه إلى قولهم، ويغلب على ظنه صدقهم هل له أن يقلدهم وجهان:
أظهرهما: يقلدهم، لأنه يبعد التواطؤ عليهم.
والثاني: لا يقلدهم، لأن هذا واقع في نفسه، فيبني فيه على اليقين، وكذلك المأموم، بعضهم مع البعض، إذا وقع الغلط لواحد منهم، وشك في ركن له أن يقلد فيه الآخرين، فعلى هذا التفصيل لو كان خلفه مأموم واحد، فهل يقلد إمامه؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا.
والثاني: نعم، لأن الامام كان أوعى وأضبط لركعات الصلاة.
قوله: ويصلي الرجل، وقد صلى مرة مع الجماعة، كل صلاة.
قال المزني: قال الشافعي، ويصلي الرجل، قد صلى مرة مع الجماعة، كل صلاة، والأولى فرضه، والثانية سنة، بطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم، لأنه قال: إذا جئت، فصل، وإن كنت قد صليت.
قال القاضي حسين: المستحب لمن صلي صلاة منفردا أن يصليها ثانيًا إذا أدرك الجماعة، ولا يفصل بين صلاة وصلاة.
ووافقنا أبو حنيفة رحمه الله في الظهر والعشاء، وخالفنا في الصبح والمغرب
والعصر، بناه على أصله، وهو أنه لا ينتقل بعد الصبح والعصر، وعلل في المغرب بأنه وتر النهار، فلو أعاده مع الجماعة لصار شفعًا، ولبطلت الوتر به.
دليلنا: ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم، صلى صلاة الصبح يومًا، فلما انقلب من الصلاة رأي رجلا منعزلا عن الناس، فقال له: لم لم تصل معنا؟ فقال: لأني كنت صليت في رحلي، فقال: إذا جئت فصل معنا وإن كنت صليت في رحلك.
وروى أنه عليه السلام، صلى الصبح في مسجد الخيف، فلما نقلب من الصلاة رأي رجلين منعزلين عن الناس في ناحية المسجد، فقال عليه السلام على بهما، فأتي بهما ترعد فرائصهما، فقال لهما النبي عليه السلام، هونا على أنفسكما، لست أنا بملك، وإنما أنا ابن امرأة من قريش، كانت تأكل القديد، ألستما رجلين مسلمين، فقالا: بلى يا رسول الله، فقال: لم لم تصليا معنا؟ فال: لأنا كنا صلينا في رحالنا، فقال عليه السلام إذا جئتما فصليا معنا وإن كنتما صليتما في رحالكما.
وفي رواية: تكن لكما سبحة، أي: نافلة.
ثم إذا أداها بالجماعة، فالفرض منها ماذا؟
المنصوص عليه ها هنا، وهو مذهبه الجديد: أن الفرض هي الأولى، والثانية نقل، لأن الأولى وقعت عن الفرض، واستحال أن تنقلب نفلا بفعلها ثانيا.
وخرج فيه قول آخر: أن الفرض من الصلاتين، إحداهما لا بعينها، يحتسب الله له بأكملهما وأفضلهما، وعلى الطريقتين ينوي إعادة ما صلى أو فعل ما صلى لأنا وإن قلنا: الثانية نفل، فهو يريد أن يكتسب بها فضيلة للفريضة المؤداة، وهي فضيلة الجماعة، فكأن فضيلة الجماعة تلتحق إلى الأول، وبقيت هي نفلا، وفي صلاة المغرب، إن قلنا: الثانية نفل، يضم إليها ركعة أخرى، لأن المستحب في النوافل ألا يسلم عن الثلاث، بل عن الأربع إذا زادت على اثنين، فإذا صلى صلاة في الجماعة، ثم أدرك جماعة أخرى، فلأصحابنا فيه وجهان:
أحدهما: يستحب أن يصليها ليحوز بها زيادة فضيلة.
والثاني: لا يستحب ذلك، والصبح والعصر والمغرب، لأنه لا يستحب التنفل بعد الصبح، والعصر، إذا لم يكن له سبب.
والعلة في المغرب أنه وتر النهار، وفي الظهر والعشاء يستحب، وتكون نافلة إذ التنفل بعدهما سائغ.
قال القاضي: يحتمل أن يقال: إن كانت الجماعة الثانية أوفر، وإمامهم أورع وأهدى لأركان الصلاة وشرائطها، وهيئاتها، يستحب له ان يعيد الصلاة التي صلاها مع الجماعة الأولى، لأنه يكتسب به زيادة فضيلة لم تحصل له في الأولى، وإن كانت الجماعة الثانية مثل الأولى، أو دونهم لا يستحب، والله أعلم.