التعليقة للقاضي حسينصفحات 652-691

قال القاضي حسين: المستحب للسماع أن يعيد كلمات الأذان على هيئتها إلا الحيعلتين، فإنه يقول في حي على الصلاة والفلاح، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ما شاء الله كان، لأن ذلك ليس بثناء، بل دعاء مجرد للناس إلى الصلاة، وإذا كان في أذان الصبح، وقال المؤذن: الصلاة خير من النوم، فيقول السامع: صدقت وبررت، وفي كلمتي الإقامة يقول: اللهم أقمها وأدمها، واجعلني من صالح أهلها.
وفي رواية: اقامها الله وأدامها، ما دامت السموات والأرضون.
وإذا فرغ المؤذن من الأذان، فالسنة للسامع أن يقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الدرجة والوسيلة والرفعة والفضيلة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، كي يغبطه الأولون والآخرون، لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من سمع الأذان وقال مثل مقالته وشهد مثل شهادته، فقد حلت له شفاعتي.
وفي رواية: وجبت له شفاعتي، وهذا كله إذا كان خارج الصلاة.
فأما إذا كان في الصلاة.
قال في الجديد: لا يقول شيئًا.
وقال في القديم: يقوله.

ولا خلاف أنه لا يستحب له إعادة الأذان، وفي (الكبير) قال: يعيدا بعد فراغه من الصلاة، وهل يكره له ذلك في الصلاة أم لا؟ فعلى وجهين: أحدهما: بلى؛ لأن حرمة الصلاة تمنعه من أن يدخل فيها غيرها.
والثاني: لا؛ لأنها أذكار، فأشبه سائر الأذكار، وإذا كان يقرأ القرآن فسمع صوت المؤذن، فالمستحب له إعادة الأذان معه، لأن ذاك يفوت، وقراءته القرأن لا تفوت، فعلى هذا إذا أجاب في الصلاة، إن كان في خلال الفاتحة تبطل القراءة، ويستأنف القراءة، ولا تبطل الصلاة، وإن كان في غير الفاتحة، فإنه لا تبطل الصلاة.
ولو قال في الحيعلتين: لا حول ولا قوة إلا بالله هكذا، فأما إذا قال فيه مثل ما قال المؤذن، إن كان عالمًا بأنه في الصلاة، وأن ذلك خطاب الآدميين تبطل صلاته.
وإن كان جاهلاً بالصلاة لا تبطل.
وإن كان جاهلاً بحكمه ففيه وجهان: إن كان لا تبطل صلاته، فعليه سجدتا السهو، وهكذا لو قال في جواب قوله: الصلاة خير من النوم، صدقت، وبررت بطلت صلاته.
ولو قال: الصلاة خير من النوم هكذا، لأن هذا خطاب مع الآدميين، وإنه كلام وليس بذكر، ولو قال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تبطل صلاته.
ولو قال: قد قامت الصلاة بطلت صلاته، كما لو قال دخل وقت الصلاة.
ولو قال: اقامها الله، أو اللهم أقمها وأدمها لم تبطل صلاته، وهذا لو سلم على المصلي أولا لم يستحق عليه الجواب، ولو فرغ من صلاته لا يلزمه ذلك أيضًا؛ لأنه هو الذي ضيع حقه إذ لم تكن الصلاة محلا للسلام، ولو رد جوابه في الصلاة، إن قال: وعليك السلام، إن كان عالمًا به بطلت صلاته، وإن كان جاهلاً لم تبطل، ولو قال: وعليه السلام لم تبطل صلاته، لأنه دعاء

له، والصلاة محل الدعاء للمؤمنين والمؤمنات، وهكذا إذا شمت عاطسًا في الصلاة، إن قال: يرحمك الله بطلت صلاته إن كان عالمًا به، وإلا فلا.
ولو قال: يرحمه الله لم تبطل، ولو رد السلام بإشارة اليد فلا بأس، والله أعلم.
قوله: (وترك الأذان في السفر أخف منه في الحضر).
قال القاضي حسين: وإنما قال ذلك، لأن الأذان لدعاء الناس إلى الصلاة، والناس يكونون مجتمعين، فلا يحتاجون إلى جامع يجمعهم، وأيضًا السفر يؤثر في إسقاط بعض الفرائض، فأثره في التخفيف في باب السنن أظهر.
وقال أبو حنيفة: تركه في الحضر أخف، وعلل بكثرة المؤذنين في الحضر، فترك الأذان فيه لا يتضمن إبطال ما هو من شعار الإسلام، بخلاف السفر وجوابه ما ذكرنا.
قال المزني: والإقامة فرادي، إلا أنه يقول: قد قمات الصلاة، مرتين، وكذلك كان يفعل أبو محذورة مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي حسين: هذا مذهبه في الجديد.
وقال مالك: يوتر كلمات الإقامة حتى التكبير، فإنه يقول في الابتداء، الله أكبر فحسب، وكذا قال في آخره: الله أكبر لا إله إلا الله، ويقول: قد قمات الصلاة مرة واحدة، وبه قال الشافعي في القديم.
وعند أبي حنيفة الإقامة مثني مثني، كالأذان وفيها زيادة كلمتي الإقامة.
والدليل على صحة قولنا ما روى عن ابن عمر، رضي الله عنه أنه قال: كان الآذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مثني مثني، والإقامة فرادى إلا قوله: قد قامت الصلاة، فإنه يقولها مرتين.
وروى عن أنس بن مالك، رضي الله عنه أنه قال: ذكر الناس والناقوس، وذكر النصارى والمجوس فأمر بلال بأن يشفع الأذان ويوتر الإقامة.

ومن أصحابنا من قال: إن رجع في الأذان، فالسنة أن يثني الإقامة، وإن لم يرجع فيه، فإنه يفرد الإقامة، واحتج فيه بما روى عن أبي محذورة أنه قال: لقنني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات الأذان تسع عشرة كلمة، وكلمات الإقامة سبع عشرة كلمة إذا وجدت مثني مثني، والصحيح: أن الإقامة فرادى، سواء رجع في الأذان، أو لم يرجع.
قال المزني: فإن قال قائل: قد أمر بلال بأن يوتر الإقامة.
قيل له: فأنت تثي (الله أكبر، الله أكبر) فتجعلها مرتين.
قال القاضي حسين: منهم من قال: هذا سؤال من مالك على الشافعي.
ومنهم من قال: هذا سؤال من مذهبه القديم على مذهبه الجديد.
وبيانه أن نقول: يوتر الإقامة، ثم نقول في قوله: قد قامت الصلاة مرتين وفي قوله: الله أكبر مرتين، وهذا يكون مثني مثنى.
فأما وأنت تقول: الإقامة فرادي ثم يثني قوله: الله أكبر مرة في أول الإقامة، ومرة في آخرها فما عممت كلمات الإقامة في الإقامة، إلا أن الصحيح أن نقول: أردنا بقولنا الإقامة فرادى، يعني على شطر كلمات الأذان إلا قوله: قد قامت الصلاة، فإنه يقولها مرتين.
وقال المزني: قد قال في القديم: يزيد في أذان الصبح التثويب، وهو: الصلاة خير من النوم، مرتين، ورواه عن بلال مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم وعن علي رضي الله عنه وكرهه في الجديد، لأن أبا محذورة لم يحكه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال المزني: وقياس قوليه: أن الزيادة أولى به في الأخبار كما أخذ في التشهد بالزيادة، وفي دخول النبي صلى الله عليه وسلم البيت بزيادة أنه صلى فيه، وترك من قال: لم يفعل.
قوله: وقال في القديم، ويزيد في صلاة الصبح التثويب.
قال القاضي حسين: التثويب أن يقول المؤذن في أذان الصبح بعد ما قال حي

على الفلاح مرتين: الصلاة خير من النوم مرتين، وإنما سمى تثويبًا، لأنه يثوب ويرجع من دعائه للناس إلى الصلاة إلى دعائه للناس إلى الصلاة، لأن قوله: حي على الصلاة دعاء لهم الصلاة، ثم بعد الفرغ عن الحيعلتين عاد إلى عائهم إلى الصلاة بقوله: الصلاة خير من النوم.
وكرهه الشافعي في الجديد، وعلل بأن أبا محذورة لم يحكه، وإنما قال ذلك لأن الشافعي رحمه الله اعتمد في الأذان على أذانه، والصحيح أن التثويب مستحب قولا واحدًا؛ لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم تأخر عن الصلاة ذات يوم، فجاء بلال إلى حجرته، وقال الصلاة، وفي رواية: الصلاة خير من النوم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم، اجعلها في أذان الصبح.
وفي رواية: اجعلوها في أذانكم.
وروى عن علي، رضي الله عنه، التثويب، روى أنه كان يقول: حي على خير العمل وبه أخذت الشيعة.
ويحمل قوله في الجديد على أنه لم يبلغه الخبر.
واختار المزني في التثويب: واحتج بأن فيه زيادة، والأخذ بالزيادة في العبادات أولى، ولهذا أخذ الشافعي في التشهد بقول ابن عباس، لأن فيه زيادة، وأخذ.

بقوله من روى أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل البيت، وصلى فيه، وترك قول من روى أنه لم يصل فيه، لأن فيه زيادة كذا هذا.
قلنا: الأخذ بالزيادة إنما يكون أولى، إذا كان ذلك الشيء مستترًا مخفيا مستترًا عن الناس كما رويت الخبرين.
فأما إذا كان شائعًا مستفيضًا فيما بين الناس، فلا يكون فيه الأخذ بالزيادة أولى، ألا ترى أنه لو جاء واحد، وأخبر بأن الخطيب قد سقط عن المنبر يوم الجمعة، واندقت عنقه، وكذبه أهل الجماعة لا يقبل قوله باعتبار أن فيه زيادة.
وكذا لو أخبر بأني رأيت الأمير راكبًا على حمار منكوسًا، ويدور عليه في السوق، وكذبه أهل السوق فإنه لا يقبل قوله، فكذا الأذان بمثابته، لأنه يكون على رأس المئذنة، وكان سمعه أكثر الناس، فلا يكون الأخذ بالزيادة، فيه أولى، بل الصحيح ما ذكرنا من تأويل قوله في الابتداء.
قال المزني: وأحب ألا يجعل مؤذن الجماعة إلا عدلا ثقة لإشرافه على الناس.
قال القاضي حسين: ينبغي أن يكون المؤذن عدلا في دينه، وأن يكون ثقة كي يحافظ على الناس أوقات الصلاة، فأما إذا استخف بالأذان بأن يؤذن مرة في أول الوقت، ومرة في آخرة، ومرة خارج الوقت، أو كان جاهلاً بأوقات الصلاة فإنه يعزل ويولي غيره.
وقوله: لإشرافه على الناس، له تأويلان:

أحدهما: على عورات الناس واطلاعه على منازلهم، لأن المستحب أن يؤذن على مكان مرتفع ليحصل به الإعلام، فإذا لم يكن عدلاً ثقة ربما ينظر إلى عورات الناس.
والثاني: أراد به لإشرافه على مواقيت الصلاة، فينبغي أن يكون أمينًا لكي لا يخون الناس في الأوقات بالتقديم والتأخير.
قوله: (وأحب أن يكون صيتًا).
قال القاضي حسين: لأن المراد به الإعلام فيستحب أن يكون رفيع الصوت لزيادة الإعلام، ويدل عليه قول عليه السلام لعبد الله بن زيد: القه على بلال فإنه أندى صوتًا منك.
قال المزني: وأحب أن يكون صيتًا، وأن يكون حسن الصوت؛ لأنه أرق لسامعهِ.
قال القاضي حسين: وهو كما قال؛ لأنه دعاء إلى العبادة، والداعي إذا كان حسن الصوت تصغى إليه الأذان والطباع، وإذا كان سمج الصوت تبو عنه الطباع والأذان فينبغي أن يكون حسن الصوت لترق به القلوب، وتميل إليه الطباع.
قال المزني: وأحب أن يؤذن مترسلاً بغير تمطيط - ولا يغني فيه.
قال القاضي حسين: والترسل أن يأتي بكلمات الأذان مفصلاً مبنيًا على التؤدة والتأني واحدة بعد واحدة من غير تمطيط، أي: تمديد، ولا يعي فيه، أي: لا محاورة فيه في المد وقريء، ولا يتغني فيه، أي: لا يؤذن بحيث يشبه الغناء.
قال المزني: وأحب الإقامة إدراجًا مبينًا.

قال القاضي حسين: وهو أن يأتي بكلماتها حدرًا واحدًا فواحدًا، ولا يأتي بها مترسلاً، روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال: (إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر).
وفي رواية: فاحزم، واجعل ما بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل عن آكله، والشارب عن شربه، والمعتصر لقضاء حاجته، ولا تقوموا حتى تروني.
معناه: لا تقوموا بعد الإقامة إلى الصلاة حتى تروني وقد قمت.
قال المزني: كيفما جاء بهما، أجزأ.
قال القاضي حسين: معناه كيف ما جاء بإلاان والاقامة مترسلا أو حادرا قائمًا أو قاعدًا، مستقبل القبلة أو مستدبرها، على مكان مرتفع أو على وجه الأرض أجزأه.
قال المزني: وأحب أن يكون المصلي بهم فاضلاً، عالمًا قارئًا، وأي الناس أذن، وصلى أجزأه.
قال القاضي حسين: هذه المسألة ليست من مسائل هذا الباب، لكنه ذكرها في مقابلة ما قال في أن المؤذن لا يجعل إلا عدلا ثقة، ينبغي أن يكون الإمام عالمًا قارئًا، لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى، فإن استووا فأعلمهم بالسنة، فإن استووا فأقدمهم هجرة.

قوله: (وأي الناس أذَّن وصلى أجزأه) إذا كا يحسن القراءة على ما سنذكره في بابه إن شاء الله تعالى.
قال المزني: وأحب أن يكون المؤذنون اثنين، لأنه الذي حفظناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلال، وابن أم مكتوم، فإن كان المؤذنون أكثر، أذنوا واحدًا بعد واحد.
قال القاضي حسين: السنة أن يكون المؤذن أكثر من واحد، وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له مؤذنا: بلال وعبد الله بن أم مكتوم.
وقيل: كان أربعة م المؤذنين: بلال، وعبد الله بن أم مكتوم، وسعد القرظي، وأبو محذورة، إلا أن هذا ذكر لعائشة، فأنكرت ذلك وقالت: بل كان له مؤذنان: بلال، وعبد الله بن أم مكتوم، وهو كما قالت، لأن أبا محذورة كان يؤذن بـ (مكة)، وسعد القرظي يؤذن بمسجد (باء).
إذا كان في مسجد مؤذنان فيؤذنان على الترتيب فإن كان في أذان الصبح يؤذن أحدهما قبل طلوع الفجرن والآخر بعده وإذا أذن قبل طلوع الفجر متى يؤذن؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يؤذن بعد ثلث الليل إلى قبيل طلوع الفجر.
والثاني: أنه يؤذن من بعد مضى نصف الليل إلى قبل طلوع الفجر، والوجهان ينبنيان على أن وقت الاختيار لصلاة العشاء إلى متى يمتد؟ وفيه وجهان، والصحيح أنه يؤذن في نحر السحر كي لا يؤدي إلى اشتباه الأمر على الناس أن هذا أذان الصبح، أو أذان العشاء، فأما في سائر الأوقات، إن كان في الوقت سعة هكذا يؤذن واحد بعد واحد على الترتيب، فإن تشاحوا في ذلك أقرع فيما بينهم، فمن خرجت قرعته أولا بدأ هو بالأذان أولا، وإنما يقيم من أذن أولا.
والدليل عليه ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بعض الأسفارـ وكان بلالٌ

غائبًا، فأذن زياد بن الحرث الصدائي قبل طلوع الفجر، فحضر بلال بعد طلوع الفجر والأذان، وأراد أن يقيم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إن أخا صداء أذن وإن من أذن أولا فليقم.
فأما إذا كان في الوقت ضيق، أذن كل واحد منهم في ناحية في المسجد، إن كان في ساحته سعة، بحيث لو أذن كل واحد في كل ناحية منه لا يؤدي إلى التشويش على الناس، وإن اجتمعوا في موضع واحد وأذنوا دفعة واحدة، إن اتفقت أصواتهم يجوز، وإن اختلفت أصواتهم لا يجوز، بل يؤذن واحد منهم كي لا يؤدي إلى تهويش الأمر على الناس، فإذا اجتمعوا في الأذان يقرع فيما بينهم في الإقامة.
قال المزني: ولا يرزقهم الإمام، وهو يجد متطوعًا.
قال القاضي حسين: إذا وجد الإمام من يؤذن متطوعًا فليس له أن يستأجر واحدا بالأجرة، لأن منزلة الإمام من مال بيت المال منزلة الوصي من مال اليتيم، ثم الوصي لو وجد من يعمل في مال اليتيم متطوعًا لس له أن يستأجر من يعمل في ماله بالأجرة كذا الإمام مثله.

قال المزني: فإن لم يجد متطوعًا فلا بأس أن يرزق مؤذنا واحدًا، ولا يرزقه إلا من خمس الخمس سهم النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن يرزقه من الفيء، ولا من الصدقات لأن لكل مالكًا موصوفًا.
قال القاضي حسين: للإمام أن يرزق المؤذن، لأنه من المصالح بلا خلاف، وله استئجار المؤذن على الأذان، وكذا يجوز الاستئجار على الطاعات عندنا من تعليم القرآن والحج.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وهذا لا يصح، لأنه استأجره على عمل معلوم لا يجب عليه، وينتفع به غيره، لأن نفعه عائد إلى جميع المسلمين، فإنهم يطلعون به على دخول أوقات الصلوات، فيجوز كما لو استأجره لبناء المسجد والقناطر والرباطات، فإن كان البلد يشتمل على مساجد فله أن يرزق عددًا من المؤذنين إن لم يمكن جمع الناس في مسجد محلة واحدة، وإن أمكن جمعهم في مسجد واحد فيها وجهان: أحدها: يستأجر واحدًا فحسب لا حاجة به إلى الزيادة على مؤذن واحد.
والثاني: يستأجر أكثر من واحد، كي لا يؤدي إلى تعطيل المساجد، وأيضًا مهما كثرت الجماعات كثر الثواب؛ لأن أداء الجماعات في المساجد أولى من أدائها في مسجد واحد، فأما إذا وجد من يؤذن متطوعًا، وليس برفيع الصوت، فهل له أن يستأجر من كان حسن الصوت أم لا؟ فيه قولان بناء على ما إذا طلق امرأته، وله منها ولد صغير، ووجد من يرضعه مجانًا، وهي لا ترضعه إلا بالأجرة فيه قولان: أحدهما: أن الأم أولى لقوله تعالى: (فإن أرضعن لكم فأتوهن أجورهن)؛ ولأن شفقتها أكثر عليه من شفقة الأجنبية.
والثاني: أن الأجنبية أولى؛ لأنها تطوعت به.

إن قلنا: الأم أولى فهنا يستأجر من كان أحسن صوتًا منه.
وإن قلنا: الأجنبية أولىن فها ها لا يستأجر.
قال القفال: عندي لا يجوز الاستئجار على التأذين، لأنه إن كان على العين، فالأذان كان لأوقات الصلاة، فيصير إجارة في المدة القابلة، وذلك لا يجوز، وإن كان في المدة فهو ينتفع به، كما أن غيره ينتفع به، فلا يجوز، الدليل عليه الإقامة.
قوله: (ولا يرزقه إلا من خمس الخمس سهم النبي صلى الله عليه وسلم):، وهو كما قال؛ لأنه يعد لمصالح المسلمين، وأهم المصالح أمر الأذان وقد أخل المزني بالنقل ها هنا، حيث قال: ولا يجوز أن يرزقه من الفيء، وخمس خمس الفيء من جملته.
والشافعي قال: ولا يجوز أن يرزقه من غيره من الفيء، ولا خلاف أنه لا يرزقه من أربعة أخماس خمس الفيء، ولا من أربعة أخماس الغنيمة، وهل له أن يرزقه من أربعة أخماس خمس الفيء؟ فعلى قولين بناء على أن أربعة أخماس الفيء لم تكن، وفيه قولان: أحدهما: للمرتزقة خاصة.
والثاني: لمصالح المسلمين.
قال المزني: وأحب الأذان؛ لما جاء فيه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأئمة ضمناء، والمؤذنون امناء، فأرشد الله الأئمة واغفر للمؤذنين.
قال القاضي حسين: اختلف أصحابنا في أن التأذين أفضل أم الإقامة؟ منهم من قال: التأذين أفضل لقوله عليه السلام: (المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة).

ولما روي عنه عليه السلام، أنه قال: الأئمة ضمناء والمؤذنون أمناء، فأرشد الله الأئمة وغفر للمؤذنين.
جعل النبي صلى الله عليه وسلم المؤذن أمينًا، والإمام ضمينًا، ومعلوم أن حال الأمين أحسن وأمثل من حال الضمين، وأيضا دعا للمؤذنين بالمغفرة والأئمة بالرشد، والرشد يقتضي سبق الإضلال.
ومنهم من قال: الإمامة أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تولى الإمامة ولم يؤذن قط.

وأيضا قال: الإمامة، يحتاج فيها الإنسان إلى تعلم أركاها وهيئاتها، وغير ذلك من تنقية الثوب وغيره، فيكون الثواب فيها أكثر لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة في تلك القصة المعروفة: (أجرك على قدر نصبك).
ومن قال بالأول أجاب عنه بأن النبي صلى الله عليه وسلم، إنما لم يؤذن، لأن المؤذن ينبغي أن يكون منتظرًا، والإمام منتظرًا فلو أذن صار منتظرًا، وذاك لا يجوز وأيضا الأذان دعاء إلى الصلاة وحث عليها، وكان أمر النبي صلى الله عليه وسلم واجبًا، فلو أذن وجب على من يسمع أذانه الحضور إلى الجماعة، وحضور الجماعة أمر مستحب غير واجب.
والدليل عليه أنه تلزمه الإجابة إذا دعاه النبي صلى الله عليه وسلم ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بمعاذ بن جبل فدعاه وهو في الصلاة فلم يجبه، فلما فرغ من صلاته أتاه معتذرًا فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم.
ولهذا قلنا: لو دعا النبي صلى الله عليه وسلم رجلا في الصلاة، فأجابه لا تبطل صلاته؛ لأن ذاك واجب عليه، وأيضا فإنه لو أذن لاحتاج فيه إلى أن يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله والنبي صلى الله عليه وسلم لا يظهر النبوة من نفسه إلا عند دعوة الخلق إلى الله تعالى، فأما فيما سواه من سائر الأعمال فلا، وأيضا فإن فيه ترك النظم الذي هو سنة في الأذان.

قال المزني: ويستحب للإمام تعجيل الصلاة لأول وقتها، إلا أن يشتد الحر فيبرد بها في مساجد الجماعات، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله، وأقل ما للمصلى في أول وقتها: أن يكون عليها محافظًا، ومن المخاطرة بالنسيا والشغل والآفات خارجًا، ورضوان الله، إنما يكون للمحسنين، والعفو يشبه أن يكون للمقصرين، والله أعلم.
قوله: (ويستحب للإمام تعجيل الصلوات لأول وقتها).
قال القاضي حسين: عندنا تعجيل الصلوات في أوائل أوقاتها أفضل إلا في يوم الغيم، فإنه يؤخر قدر ما يتحقق له دخول الوقت، وكذا في العشاء الآخرة قولان، وقد ذكرنا في أول كتاب الصلاة، وهكذا إذا كان في الصيف الصائف في الحر الشديد، لا خلاف أن الإبراد بالظهر مستحب،، وهل يكون التعجيل أفضل أم الإبراد به؟ فيه وجهان: أحدهما: التعجيل أفضل، والإبراد رخصة كما في سائر الصلوات.
والثاني: أن الإبراد أفضل لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا اشتد الحر فأبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم.
وروى عنه عليه السلام انه قال: اشتكت النار إلى ربها فقالت: يارب أكل بعضي بعضا فأذ لها في نفسين، نفس في الشتاء ونفس في الصيف فأشد ما تجدونه من الحر في الصيف م سموم جهنم، وأشد ما تجدونه من البرد في الشتاء من زمهرير جهنم.

ولا نعني بالإبراد أن تؤخر الصلاة إلى آخر وقتها، وإنما نعني به أن يقف ريثما يقع ظل الشمس في وسط السكك، ولا يتأذى الإنسان بحر الشمس في الخروج إلى المساجد، فأما إذا كان يصلي في بيته، أو في مسجد كبير لا يؤذيه حر الشمس فوجهان: أحدهما: لا يستحب له التأخير، إذ لا ضرورة به إلى ذلك.
والثاني: يستحب له ذلك، لأن ذاك ثبت رخصة ثبتت في حق الناس كافة، كما قلنا في رخص المسافرين، فإنه يثبت في حق من كان في المهد ولا يلحقه النصب والثقب، كما يثبت في حق الرجالة الذين تلحقهم المشقة الشديدة، والوجهان ينبنيان على أصل، وهو أن الجمع بين الصلاتين بعذر المطر في مسجد في كن من الأرض هل يجوز أم لا؟ وفيه قولان: إن قلنا هناك لا يجوز، فها هنا يستحب له الإبراد.
وإن قلنا هناك: لا يجوز، فها هنا لا يستحب له ذلك.
وقال أبو حنيفة: التأخير في الصلوات افضل في الصسيف إلا في صلاة المغرب، فإن التعجيل فيها أفضل، فأما في الشتاء التعجيل في الظهر أفضل إلا إذا كان في يوم الغيم فإن التأخير فيه أفضل ليتحقق دخول الوقت له، والتأخير في صلاة العصر أفضل إلا إذا كان في يوم الغيم، فإن التعجيل فيها أفضل؛ لأنه بتأخير الظهر أمن وقوع العصر قبل وقتها، والتعجيل في صلاة المغرب أولى، إذا إذا كان في يوم الغيم، فإن التأخير فيه افضل ليتحقق دخول وقته، والتأخير في العشاء أفضل، إلا إذا كان في ليلة الغيم، والتأخير في صلاة الصبح أفضل إلا غداة الجمع بـ (مزدلفة)، فإن التعجيل فيها أفضل.

والدليل عليه قوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى).
قال الشافعي في تأويلها: وأقل ما للمصلى في أول وقتها أن يكون عليها محافظًا، ومن المحافظة بالنسيان والشغل، وإلا فات خارجًا، واختلف الناس في تفسير قوله تعالى: (والصلاة الوسطى).
قال الشافعي: رحمه الله: أراد به صلاة الصبح لقوله تعالى: (وقوموا لله قانتين).
وقال أهل التفسير: أراد به صلاة العصر.
وقيل: أراد به صلاة الظهر.
وقيل: أراد به صلاة المغرب أو العشاء، والدليل عليه ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله.
قال الشافعي: رضوان الله إنما يكون للمحسنين، والعفو يشبه أن يكون للمقصرين.
قال الصديق رضي الله عنه/ رضوان الله أحب إليّ من عفوه.

والدليل عليه أيضًا ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل، وقيل: أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها، وفي رواية: لأول وقتها، قيل: ثم أي قال: ثم بر الوالدين، قيل ثم أي؟ قال: ثم الجهاد في سبيل الله.
وروى عنه عليه السلام أنه قال لعلى كرم الله وجهه: يا على لا تؤخر أربعًا.
الحديث.
رورى أنه قال: سيكون في آخر الزمان أمراء وأئمة يؤخرون الصلاة عن أول وقتها، فإذا أدركتموهم، فصلوا أنتم في أول مواقيتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة.
أي: نافلة.
قال الشافعي رحمه الله في القديم: العفو عفوان، عفو عن التقصر، وعفو التوسعة، والفضل في غير ذلك إلا أن يؤخر بترك ذلك الغير، وأراد بالعفو عن التقصير إذا عفا عن الجاي والمجرم.
وأراد بعفو التوسعة ما يثبت رخصة من الشارع.

وأراد بقوله: والفضل في ذلك يعني الإتمام أفضل في العبادات إلا إذا أمر بترك الإتمام.
معناه: أن تأخير الصلاة عن أول وقتها رخصة، والتعجيل فيها أفضل إلا إذا أمر أيضًا بالتأخير، كقوله عليه السلام: أبردوا بالظهر، ولهذا قال: الصوم في رمضا في حق المسافر أفضل من الفطر إلا إذا كان مريضًا ضعيفا أجهده الجوع والعطش، فإن الإفطار له افطار، والدليل عليه ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل ينضح له الماء ويظلل، فقيل: من هذا؟ فقال: هذا أبو إسرائيل نذر لله تعالى، أن يصوم، ولا يفطر ويمشى ولا يركب ولا يستظل.
فقال عليه: السلام: إن الله تعالى لغني عن تعذيبه نفسه، مروه فليفطر وليركب وليستظل.
وقوله عليه السلام: المؤذن أولى بالأذان، والإمام أولى بالإقامة، لم يرد به المؤذن يؤذن، والإمام يقيم، بل معناه أن المؤذن يقيم بإذن الإمام، وبإشارته، لأنه ربما ينظر محتشمًا في الدين أو غيره فلا يقيم إلا بإذنه لهذا المعنى، والله أعلم بالصواب.

باب استقبال القبلة ولا فرض إلا الخمس

كانت القبلة في ابتداء الإسلام بيت المقدس، ثم نسخت وحولت إلى الكعبة بدليل ما روى ان النبي صلى الله عليه وسلم مكث بـ مكة ثلاث عشرة سنة بعد أو اوحي إليه، وقبلته بيت المقدس، وكا يقف بين الركنين اليمانيين، ويستقبل القبلتين فلما هاجر إلى المدينة لم يمكنه استقبال الكعبة، لأن المدينة على يسار الكعبة، ومن استقبل بيت المقدس بـ (المدينة) يكون مستدبر الكعبة، وكان يشق ذلك عليه، وكان يتمني أن تكو قبلته الكعبة، لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام، وأيضا فإن اليهود كانوا يعيرونه بذلك، ويقولون: هذا لو كان نبيا حقا لكان له قبله دون قبلتا، فشاور في ذلك، جبريل عليه السلام يوما، فقال جبريل: إنك لعبد عند الله تعالى بمكان وإنا لا نؤمر بالسؤال فسل الله تعالى تعطه، وفي رواية تجب، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم بعد ما صلى الظهر إلى الصحراء ودعا الله تعالى، وكا يقلب عينيه إلى السماء انتظارًا للوحي، فنزل جبريل عليه السلام بقوله تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في السماء)، الآية فسر به النبي صلى الله عليه وسلم سرورًا شديدًا، ثم رجع وصلى العصر نحو الكعبة، وفي القوم رجل من أهل قباء فخرج في الحال إلى قباء وكان القوم في صلاة العصر، فأخبرهم بأن القبلة قد حولت، فاستداروا وبنوا على صلاتهم، فلما سمع اليهود ذلك، قالوا للمسلمين، إذا قد ضاعت صلواتكم التي صليتموها نحو: (بيت المقدس) فأنزل الله تعالى، قوله: (وما كان الله ليضيع إيمانكم)، أي: صلواتكم.

قال المزني: قال الشافعي: ولا يجوز لأحد صلاة فريضة، ولا نافلة، ولا سجود قرآن، ولا جنازة إلا متوجهًا إلى البيت الحرام ما كا يقدر على رؤيته إلا في حالتين: إحداهما: النافلة في السفر راكبًا وطويل السفر وقصيره سواءٌ.
وروى عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته في السفر، أينما توجهت به، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير، وأن عليًا، رضي الله عنه، كان يوتر على الراحلة.
قال الشافعي: وفي هذين دلالة على أن الوتر ليس بفرض، ولا فرض إلا الخمس، لقول النبي صلى الله عليه وسلم للاعرابي حين قال: هل علي غيرها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا إلا أن تطوع.
قال القاضي حسين: قال أصحابنا: استقبال القبلة في جميع الصلوات شرط إلا في حالتين: إحداهما: في النافلة في السفر.
والثانية: في حال المسابقة.
أما النافلة في السفر على الراحلة يجوز إذا كات المواضع التي يلاقيها بدنه

وثوبه طاهرة من السرج، والإكاف والقربوس وغيره، فأما إذا كان آخذا باللجام وكانت الحكمة نجسة، فيه وجهان بناء على ما إذا صلى وبيده حبل، وأحد طرفيه مشدود في عنق كلب، هل تصح صلاته أم لا؟ فيه وجهان كذا وكذا، ويكون سجوده أخفض من ركوعه، ويوميء فيهما إيماء، ولو سجد على ظهر الدابة، ووضع جبهته على السرج، وكانت الشكيمة بيده يجوز أيضاً، ولكن لا تجب عليه ذلك، فأما إذا وطئت الدابة نجاسة لا تبطل صلاته، كما لو صلى على سرير وقوائمه في النجاسة، وهل يلزمه استقبال القبلة عند افتتاح الصلاة أم لا؟ ينظر فيه، فإن كان سفره نحو القبلة لا خلاف أنه يلزمه استقبال القبلة في جميع أركان الصلاة، فأما إذا لم يكن سفره نحو القبلة، ووجه دابته لا إلى القبلة، ولا إلى الطريق الذي يريده، فإنه يلزمه استقبال القبلة عند افتتاح الصلاة، ثم يحول وجه دابته نحو الطريق.
فأما إذا كان وجه دابته نحو الطريق الذي يريده، نص في موضع على أنه يلزمه أن يستقبل القبلة عند افتتاح الصلاة، ونص في موضع آخر على أنه لا يلزمه ذلك.
اختلف أصحابنا فيه، ومنهم من قال: فيه قولان: أحدهما: لا يلزمه ذلك، كما لا يلزمه أن يستقبل القبلة في سائر أركان الصلاة.

والثاني: أنه يلزمه ذلك، لأنه لا يشق عليه استقبال القبلة عند الشروع في الصلاة.
ومن أصحابنا من قال: ليست المسألة على قولين، بل المسألة على حالين، حيث قال: يلزمه ذلك أراد به إذا لم تكن الإبل، وكان يتعذر عليه تحويل وجهها إلى القبلة، فأما إذا شرع في الصلاة، ثم حول وجه الدابة عن القبلة، وكان طريقه نحو القبلة، إن كان عامدًا بطلت صلاته، وإن كان ناسيًا، فإن كان يسيرًا لا تبطل صلاته، وإن كان كثيرًا.
قال الشافعي: ولو تمادى وكان مخطئًا، أو ساهيًا تبطل صلاته.
هذا النص يدل على أن العمل الكثير مع السهو يبطل الصلاة، والأكل الكثير مع النسيان يبطل الصوم، وفي الكل وجه آخر انه يعذر فيه؛ لوجود النسيان، كما لو كان يسيرًا، فأما إذا تحولت الدابة بنفسها، وعدلت عن جهة القبلة، فإن ردها إلى جهة القبلة فلا كلام، وإن تركها كذلك، وكان عالمًا بذلك بطلت صلاته، وإن كان ناسيًا فعلى ما ذكرنا، فأما إذا أعداها، وأجراها جريًا شديدًا فإن كان له فيه غرض بأن فعل ذلك لخوفه من عدو ونحوه لا تبطل صلاته، وإلا فوجهان.
فأما إذا كان ماشيًا فإنه يلزمه استقبال القبلة في ثلاثة مواضع: عند افتتاح الصلاة، وعند الركوع، وعند السجود، وينبغي أن يسجد على وجه الأرض، ولا يلزمه الجلوس في التشهد والسلام، ولا استقبال القبلة فيما بينهما.
فأما إذا كان سفره نحو القبلة فيلزمه استقبال القبلة في جميع الصلاة، ولو تخطي على النجاسة بطلت صلاته، فأما إذا كانت النجاسة بين خطوتيه على الأرض، ولم يصبها رجلاه، فيه وجها بناء على ما إذا سجد على الأرض، وكان عليها نجاسة بحذاء صدره ولم تلاقها ثوبه، هل تبطل صلاته أم لا؟ فيه وجهان، فأما إذا عدا عدوًا شديدًا إن كان الغرض له في ذلك لا تبطل صلاته.

فيه وجهان وقد ذكرناه.
وقال أبو حنيفة: تجوز النافلة في السفر راكبًا، ولا تجوز ماشيًا.
قلنا: إحدي حالتي السفر فتجوز الصلاة فيها دليله الحالة الأخرى.
قال القفال: سألت الشيخ أبا زيد فقلت له: لماذا جوز الشافعي، رضي الله عنه، صلاة النفل في السفر راكبًا وماشيًا غير مستقبل القبلة؟ قال: لأن للناس أورادًا كثيرة، وربما تحتاج إلى الخروج في السفر في معاشه ومكاسبه، فلو قلنا: إنه لا يجوز له النافلة في السفر، لأدى ذلك إلى أن يشتغل بالأوراد وينقطع عليه معاشه.
وقال أيضا: سألت أبا عبد الله الخضري عن هذا.
فقال: ربما كان للإنسان أوراد كثيرة، وخرج إلى السفر في بعض حوائجه، لأمر معاشه ومعاده، فلو قلنا: لا يجوز له النافلة في السفر لأدى ذلك إلى أن يشتغل بأمر معاشه، وتنقطع أوراده.
قال القفال رحمه الله، انظروا إلى فضل ما بين العقيدتين، فإن أبا زيد كان رجلا زاهدًا عالمًا، وكان مشتغلا بعبادة الله تعالى، فلهذا قدم أمر الدين على أمر الدنيا في الجواب عنه.
فأما أبو عبد الله فإنه كان مشغولا بأمر الدنيا، وكان يصلي مثل ما يصلي الفقهاء في العادة، فلهذا قدم أمر الدنيا على أمر الدين، فأما إذا كان في الحضر عامة أصحابنا على أنه لا تجوز النافلة في الحضر راكبًا.
وحكم عن أبي سعيد الإصطخري أنه كان يقول بأنه يجوز، ووروى أنه كان محتسبًا بـ (بغداد)، وكان يطوف في السكك، ويصلي راكبًأ، فأما إذا صلى ماشيًا في الحضر، فهل يجوز أم لا؟

يترتب على ما إذا صلى راكبًا، إن قلنا ذاك لا يجوز فهذا أولى به، وإن قلنا بأن ذاك يجوز فها هنا وجهان، والفرقُ أنه إذا كان ماشيًا في الحضر لا ضرورة به إلى ذلك لأنه يمكنه أن يدخل المسجد، ويصلي فيه ما شاء، بخلاف ما إذا كان راكبًا.
فرع إذا كان على الراحلة في السفر، وكان يمكنه أن يصلي النافلة نحو القبلة، فهل يلزمه ذلك أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يلزمه استقبال القبلة في جميع أركان الصلاة؛ لأنه لا يشق عليه ذلك، ولا يجوز له ترك استقبال القبلة بالاختيار من غير ضرورة، كما إذا كان طريقه نحو القبلة.
والوجه الثاني: أنه يجوز له ترك استقبال القبلة، لأن ذلك وقع نادرًا، فصار كما إذا لم يمكنه ذلك، فأما إذا أمكنه أن يصلي على ظهر الفيل قائمًا مستقبل القبلة إن كان الفيل مشدودًا جاز، كما لو كان على سرير وإن كان يسير في الأرض ففيه وجهان: أحدهما: يجوز كما إذا كان في سفينة، وهي تجري في البحر.
والثاني: لا يجوز؛ والفرق بينهما أن العادة جارية بأن الإنسان يبقي في السفينة شهرًا ودهرًان فتجعل السفينة في حقه من البحر كالبيت من الدار في حق البرى وها هنا ما جرت العادة بأن يبقى الإنسا على ظهر الدابة أكثر من يوم أو نصف يوم، وقد قيل بالفرق بينهما أن فعل الدابة مضاف إلى صاحبها بدليل أنه لو طاف راكبًا يجوز وبدليل أنه لو دخل دار إنسانن وهتك حرزه، وأخذ المتاع، ووضعه على ظهر الدابة وأخرج الدابة من الحرز يلزمه القطع، كما لو أخرجه بنفسه بخلاف السفينة إلا أن هذا لا يصح وذلك أن الدابة كما

احتاجت إلى مسير يسيرها، فالسفينة احتاجت إلى مجرى يجريها فلا فرق بينهما، فأما إذا كان في السفينة فلا يجوز له أن يصلى الفرض قاعدًا مع القدرة على القيام، خلافا لأبي حنيفة، واستدل بما روى أنس بن سيرين أن أنس بن مالك كان يصلي في السفينة الفريضة قاعدًا.
قلنا: نحمله على ما إذا كان لعذر من دورا الرأس وغيره، وعندنا إذا كان بهذه الصفة يجوز أيضا، فأما إذا هبت الريح، وحولت السفينة من جانب إلى جانب حتى حولت وجهه عن القبلة، فإنه لا تبطل صلاته، بخلاف ما إذا كان في الصلاة في البر، وجاء إنسان وحول وجهه عن القبلة فإنه تبطل صلاته، والفرق بينهما أن هذا نادر، فلهذا تبطل به الصلاة، وفي البحر عذر عام، لأن الغالب أن الرياح تهب وتحول السفينة من جانب إلى جانب في ساعة واحدة مرارًا كثيرة.
فرع: إذا كان على الدابة في السفر، ودخل عليه وقت الصلاة، وكان يخاف من أنه لو نزل وصلى الفريضة على وجه الأرض ربما ينقطع عن الرفقة، أو يخاف على نفسه، أو على ماله، فإنه يصلي على ظهر الدابة لحرمة الوقت.
وهل يلزمه إعادة تلك الصلاة؟ قال القاضي رحمه الله: يحتمل وجهين: أحدهما: لا يلزمه ذلك كما لو كان في حالة المسابقة، ويخاف على نفسه، فإنه يصلى على حسب حاله ولا يعيدها.
والثاني: أنه يلزمه ذلك؛ لأن هذه عذر نادر لا يدوم بخلاف حالة المسابقة، والله أعلم بالصواب، فأما إذا شرع في صلاة النافلة راكبًا، ثم وصل بلد إقامته،، أو بلغ المنزل فإنه ينزل من البداية، ويبني على صلاته.
إذا قلنا: إنه لا تجوز النافلة على الراحلة في الحضر.

وإن قلنا: بأنها تجوز، فإنه لا يلزمه النزول من البداية، بل له أن يتمها على ظهر الدابة، فأما إذا اجتاز ببلدة في وسط الطريق، ولم ينو الإقامة فيها، بل دخلها مجتازًا ينظر فيه، فإن لم يكن له فيها أهل ومال، فإنه لا يلزمه النزول، بل يصلي راكبًا، وحكمه حكم المسافرين.
فأما إذا كانت بلدة له فيها أهل، ومال وغيرهما مثل أن كان في (مرو الروز) مسافر من بلخ إلى نيسابور، فاجتاز في وسط الطريق بـ (مرو الروز) أم لا؟ فيه جوابا بناء على انه إذا دخل فيها، هل يجوز له الترخص برخص المسافرين من القصر والإفطار ونحوه؟ وفيه قولان بناء على ما لو كان في لجة البحر في سفينة، أو كان في وسط المفازة ونوى الإقامة هل يصير مقيمًا أو لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنه يصير مقيمًا اعتبارا بالنية والثاني: لا لعدم الأهل والمال وصلاحية المحل.
إن قلنا: هناك يصير مقيمًا لوجود النية، فها هنا لا يصير مقيمًا لعدم النية منه، وإن قلنا: لا يصير مقيمًا لعدم الأهل والمحل، فها هنا يصير مقيمًا فيه لوجودهما.
وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يصلي على راحلته، في السفر أينما توجهت به، وأنه عليه السلام كان يوتر على البعير، وأن عليا كان يوتر على الراحلة.
قال: وفي هذا دلالة على أن الوتر ليس بفرض، وأراد به ردًا على أبي حنيفة: حيث قال: إنه واجب، لأنه لو كان واجبًا لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، على البعير كسائر الواجبات.
والدليل على أنه ليس بواجب ما روى أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، كم علي من الصلوات في كل يوم وليلة؟ فقال عليه

السلام: خمس صلوات، فقال الأعرابي: هل علي غيرها يا رسول الله؟ فقال عليه السلام: لا إلا أن تطوع.
وجه الدليل منه من خمسة أوجه: أحدهما: أنه سئل عن الصلوات الفرض، فقال: خمس صلوات، فلو قلنا: إن الوتر فرض لأدى ذلك إلى أن الفرض ست صلوات، وهذا يخالف قوله عليه السلام فلا يجوز.
والثاني: أنه قال: هل علي غيرها؟ فقال: لا يعني بدون الخمس.
والثالث: قال: إلا أن تطوع سمى ما زاد على الصلوات الخمس تطوعًا.
والرابع: في آخر الحديث الأعرابي، قال، والله لا أزيد ولا أنقص، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أفلح الأعرابي إن صدق.
وفي رواية: دخل الأعرابي الجنة إن صدق.
وفي رواية من أراد أن ينظر إلى وجه رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى وجه الأعرابي، فلما حلف أنه لا يزيد عليه لم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
والخامس: أن النبي صلى الله عليه وسلم مدحه، وأثني عليه إذا سمع منه هذا القول، ولو كان الوتر واجبًا عليه لما استحق به المدح والثناء، وإنما استحق اللوم والتوبيخ والعقاب، لأن حد الواجب ما يستحق اللوم على تركه لا ما يستحق البناء على تركه.

قال المزني: والحالة الثانية: شدة الخوف/ لقول الله عز وجل، فإن خفتم، فرجالا أو ركبانًا.
قال ابن عمر: مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها.
قال القاضي حسين: إنما اشتغل ببيان الوتر في خلال الحالتين، ويكون ذلك اعتراضًا في الكلام، وهذا سائغ في لغة العرب، وقد تقدم ذكره إذا كان في حال المسابقة يجوز له أن يصلي الفريضة ماشيًا وراكبًا، ومستقبل القبلة أو غير مستقبلها، كيف ما أمكنه ذلك، ولا تلزمه الإعادة.
وقال أبو حنيفة: يصلي فيه راكبًا ولا يصلي ماشيًا، والدليل عليه قوله تعالى: فإن خفتم فرجالا أو ركبانًا، الآية.
قال ابن عمر: مستقبلي القبلة وغير مستقبلها.
قال نافع: لا أرى أنه يذكر ذلك إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المزني: فلا يصلي في غير هاتين الحالتين، إلا إلى البيت، إن كان معاينًا، فبالصواب، وإن كان مغيبًا فبالاجتهاد بالدلائل على صواب جهة القبلة.
قال القاضي حسين: قد ذكرنا أنه في غير هاتين الحالتين لا تجوز الصلاة إلا مستقبل القبلة، ثم يظر فإن كان بـ: (مكة) لا يجوز له أن يؤدي الفريضة بالاجتهاد لأن الاجتهاد في محل النص محال، سواء كان يصلي مشاهد الكعبة او كان في دار من دور مكة وجب عليه إصابة عين الكعبة إذا كان يصلي مشاهدًا للكعبة، ويجب أن يكون جميع بدنه محاذيا للكعبة إذا كان يصلي مشاهدًا للكعبة ويجب أن يكون جميع بدنه محاذيًا للكعبة دون البعض ففيه قولا يقربان مما إذا طاف بالبيت فإنه يبتديء الطواف من الحجر الأسود، وينبغي أن يحاذي الحجر الأسود بجميع بدنه فلو أنه يحاذي الحجر ببعض بدنهن هل يحسب له ذلك الشوط من الطواف أم لا؟ فيه قولان كذا هذا مثله، فأما إذا صلى بالجماعة عند الكعبة فإن الإمام يقف عند مقام إبراهيم عليه السلام ويستقبل الكعبة.

فأما المأمومون فينبغي لهم أن يقوموا حوالي الكعبة حتى يكون الكل محاذين للكعبة.
فأما إذا سووا الصفوف من وراء الإمام، فكل من كان محاذيًا بالجهة الكعبة بجميع بدنه لا تصح صلاته، وكل من كان محاذيًا للكعبة ببعض بده دون البعض ففيه قولان، وهكذا حكم الصف الثاني والثالث.
وقال أبو حنيفة: تصح صلاة الكل، لأن عنده إصابة عين الكعبة ليست بشرط بل إصابة جهة الكعبة شرط، وهكذا عندنا من كان غائبًا عن الكعبة الصحيح أنه ينوي ويعتقد إصابة عين الكعبة، وفيه قول آخر ينوي إصابة جهة الكعبة، والنص يدل عليه، لأنه قال: وإن كان مغيبًا فبالاجتهاد وبالدلائل على صواب جهة الكعبة، وقال بعده: ومن اجتهد فصلى إلى الشرق، ثم رأى القبلة إلى المغرب استأنف، لأن عليه أن يرجع من خطأ جهتها إلى يقين صواب جهتها، فإن قيل: كيف يعتقد من كان غائبًا عنها إصابة عين الكعبة، ولا يمكن لكل من كان غائبًا أن يقف محاذيًا لها؛ لأن عين الكعبة صغير.
قلنا: الشيء إذا وقع في محاذاة الشيء فكل ما كان أبعد منه كان أقرب منه محاذاة، ألا ترى أن قرص الشمس مثل رغيف في أعيننا، ومع ذلك يمكن لكل واحد من المشرق إلى المغرب محاذاتها مع ما بينهما من البعد، وكذلك لو كان جماعة في صحراء، فظهر لهم ميل، وكل واحد منهم يقول: إنه يحاذي الميل، وإن كان إذا دنا منهم في الحقيقة واحد منهم كان محاذيًا له لا غير كذا هذا مثله.
فأما إذا صلوا خلف الإمام حلقة حول الكعبة، فإن كان بعض المأمومين أقرب إلى البيت من الإمام ينظر فيه، فإن كان في غير الجهة التي توجه الإمام إليها لا يضر، وإن كان في الجهة التي توجه الإمام إليها لا تصح صلاته، والحد منه أنه

إذا تقدم المأموم في الجهة التي يتوجه الإمام إلى تلك الجهة لا تصح صلاته، لأنه لا يتحقق منه الاقتداء به لتقدمه على الإمام في تلك الجهة.
وقال مالك: تصح صلاته كما لو تقدم عليه، وكان في غير الجهة التي توجه إليها الإمام، وهكذا قال في سائر الأماكن قياسًا على هذا الموضع.
وقيل: إن هذا قول قديم للشافعي، والفرق بينهما ما ذكرنا أن في سائر الأماكن فيما إذا كان في الجهة التي توجه الإمام إليها كان مستدبرا للإمام، فلا تصح صلاته بخلاف ما إذا كان في غير الجهة التي توجه الإمام إليها.
فأما إذا كان الإمام والقوم في البيت فإنه لو استقبلهم الإمام وهم يستقبلونه، أو استدبرهم وهم يستدبرونه، أو وقف الإمام بجنب المأموم على يمينه، أو على يساره، فإنه تصح صلاتهم، ولو استقبلهم الإمام وهم يستدبرونه لا تصح صلاتهم، لأنهم تقدموا على الإمام في الجهة التي توجه الإمام إليها، فلا تصح صلاتهم كما لو كان خارج البيت فلو استقبلهم الإمام وهم يستقبلونه تصح صلاتهم، ولو استقبلهم وهم يستدبرونه لا تصح، ولو استدبرهم الإمام وهم يستقبلونه تصح، ولو استدبرهم وهم يستدبرونه أيضًا لا تصح، لأنهم لم يتوجهوا نحو القبلة.
فأما إذا كان الإمام خارج البيت والقوم في البيت، فلو استقبلهم الإمام، وهم يستقبلونه تصح، وإن استدبرهم أو استقبلهم وهم يستدبرونه لا تصح صلاتهم ولو وقفوا بحذاء الباب، وكان الباب مجافًا أو كان مفتوحًا، وكانت العتبة قدر مؤخرة الرحل حكمه حكم سائر الجوانب، وإن كانت لاطئة بالأرض، ولم يبلغ طولها ذلك القدر، وكان يحاذي للباب، فإنه لا تصح صلاته لأنه لم يتوجه إلى غير الكعبة.
وقال مالك: البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل مكة، ومكة قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الآفاق.

وقال أبو حنيفة: المشرق قبلة لأهل المغرب، والمغرب قبلة لأهل المشرق، والجنوب قبلة لأهل الشمال، والشمال قبلة لأهل الجنوب.
فأما إذا كان نائيًا عن (مكة) نظر فيه، فإن كان بـ (المدينة) فلا يجوز له أن يجتهد في القبلة أيضا يصلي نحو قبلة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كالنص أيضا، فأما إذا كان في غير المدينة من سائر البلاد، فإذا دخل مسجدًا، وفيه محاريب لا يجوز له أن يجتهد في القبلة، بل يصلي مستقبل القبلة باعتبار تلك المحاريب، ولو استدبر تلك المحاريب لا يجوز.
فأما إذا انحرف عنها قليلا بالاجتهاد يجوز، فأما إذا دخل مسجدا منها في ليلة ظلماء فإن وجد فيه محرابًا يصلي إلى جهته، وإن لم يجد شيئًا من المحاريب يصلي على البحث ويقضي، وإن وجد فيها كوة واحدة فإنها كالمحراب، فأما إذا كان فيه ثقب كثيرة على جوانب المسجد، وكان الكل على نمط واحد، فإنه يصلي ويعيد، فلو كان على واحدة منها علامة المحراب بأن كان بجنبه وتد السراج ونحوه، فإنه يصلي نحوه ولا يعيد.
فأما إذا كان في الصحراء وهناك محراب متخذ من حجر وغيره، فإن كان ذلك الطريق مما يمد به الخلق كثيرًا والجم الغفير، وكان المحراب قديمًا فإنه يصلي نحوه ولا يجتهد في القبلة، فإن كان المحراب محدثًا أو لم يمر به الخلق الكثير فإنه لا يصلي به، بل يجتهد في عين القبلة، فأما إذا كان في الصحراء، ولم يجد المحراب فإنه يجتهد في القبلة، ويصلي حتى لو صلى من غير الاجتهاد على التبخيت فإنه يعيد الصلاة وإن أصاب عين الكعبة كما لو حكم الحاكم من غير الاجتهاد جزافًا فإنه لا يصح، وإن أصاب حكمه موافقًا للنص والقياس.
فأما معرفة دلائل القبلة، هل تكون فرضًا على الكافة، أو فرضًا على الكفاية؟

فعلى قولين: أحدهما: أنه يكون فرضًا على الكافة، لأنه لا يتعذر على كل أحد معرفتها، بخلاف دقائق المسائل.
والثاني: يجب على الكفاية، فعلى هذا إذا كان في الصحراء فإن أدى اجتهاده إلى جهة أو لم يكن م أهل الاجتهاد إن قلنا: إن المعرفة دلائل القبلة تكون فرضًا على الكافة، فليس له أن يقلد أحدًا في ذلك، بل يصلي على التبخيت ويعيد.
وإن قلنا: يكون فرضًا على الكفاية، فعلى هذا يقلد من كان عارفًا بها، ويصلي ولا يعيد، وحكم الأعمي إذا دخل مسجدا في البلدة كحكم البصير إذا دخل ذلك المسجد في ليلة ظلماء وقد ذكرنا.
وأما معرفة القبلة إنما يكون بدلائل كثيرة أقواها القطب، وأضعفها ريح الشمال، فأما القطب فإنه كوكب صغير في بنات نعش الصغرى، فينبغي أنه إذا وقف الإنسان في الصلاة أن يكون ذلك الكوكب خلف أذنه اليمني بحيث إنه لو سلم أول تسليمة يقع بصر عينه اليمني عليه، وقد يستدل أيضًا عليها بالشمس والقمر والنجوم وكذلك إذا هبت ريح الشمال في بعض البلاد، فإنه يمكن أن يستدل بها على جهة القبلة، لأنها تهب على يسار القبلة، فيجعلها الإنسان على يمينه ويصلي إلى تلك الجهة، وتصح صلاته وهو أضعف الدلائل عليه، والله أعلم بالصواب.

مسألة

قد ذكرنا أنه إذا كا في الصحراء فإنه يصلي بالاجتهاد في جهة القبلة حتى لو صلى من غير الاجتهاد على التبخيت فإنه لا يصح، وإن تبين له أنه أصاب جهة القبلة، لأنه ترك ما هو فرض عليه، فإذا دخل عليه وقت الصلاة، فاجتهد في القبلة، وأدى اجتهاده إلى جهة، فإنه يصلي إليها، فإذا دخل عليه وقت صلاة أخرى، فإنه يجب عليه أن يجتهد في القبلة ثانيًا، فلو اجتهد وإن أدى اجتهاده إلى تلك الجهة بعينها فلا كلام.
فأما إذا أدى اجتهاده إلى جهة أخرى ينظر فيه، فإن كان اجتهاده الثاني دون اجتهاده الأول، فإنه لا عبرة به أيضًا، ويصلي إلى الجهة التي صلى إليها أولا، وإن كان مثل اجتهاده الأول، فإنه يكون كالمتحير يصلي إلى أي الجهتين شاء، ويقضي الصلاة الثانية دون الأولى، ولكن لا يعصي بذلك حتى لو صلى إلى جهة ثالثة فإنه يعصي ويأثم، ويلزمه قضاء تلك الصلاة.
فأما إذا كان اجتهاده الثاني أقوي من اجتهاده الأول، فإنه قد تغير اجتهاده، وينحرف إلى الجهة الأخرى، ويصلي إليها، ولا قضاء عليه، وكذلك إذا دخل عليه وقت صلاة ثالثة أو رابعة، وأكثر على التفصيل الذي ذكرنا حتى لو كان اجتهاده الثالث أقوي من الثاني، وأكثر على التفصيل الذي ذكرنا حتى لو كان اجتهاده الثالث أقوي من الثاني، فإنه يصلي إليها، وكذا لو كان اجتهاده الرابع أقوى من الثالث حتى لو صلى أربع صلوات إلى أربع جهات بأربع اجتهادات، فإنه يصح ولا قضاء عليه.
قال أبو إسحاق الإسفراييي الأستاذ الإمام رحمة الله عليه: إنه إذا صلى أربع صلوات إلى أربع جهات بأربعة اجتهادات يلزمه قضاء الكل؛ لأنه تيقن أنه مصيب في واحدة منهن، ومخطيء في الثلاثة ولا يمكنه معرفة الخطأ من الصواب منهن، فيلزمه قضاء الكل ليتحقق فراغ ذمته عن الكل كما لو نسي صلاة من صلوات يوم وليلة، فإنه يلزمه قضاء خمس صلوات لما ذكرنا من المعنى كذا هذا مثله.

قلنا: فرق بينهما، لأن هناك إذا صلى صللاة أو اثنتين، فلا يعتقد يقينًا أنه قد صلى الصلاة المنسية، وأنها سقطت عنه قطعًا، لأنه ربما كانت من الصلوات التي لم يقضها بعد، والأصل شغل ذمته بالصلاة، فقلنا بأنه لا يحكم بفراغ ذمته إلا بقضاء الكل، وأما ها هنا ما من صلاة يصليها إلى جهة إلا ويعتقد أنه أدى ما كلف به، وسقط عنه فرض الوقت، فلهذا لا يلزمه قضاء الكل.
فإن قيل: إذا دخل عليه وقت الصلاة وجب أن يقولوا: إنه لا يصلي بالاجتهاد إلى جهة، بل يصلي تلك الصلاة إلى أربع جهات حتى يتيقن سقوط الفرض عنه قطعًا، كما لو نسي صلاة من صلوات الخمس.
قلنا: فرق بينهما، وذلك لأن هناك لا يلوح له بالاجتهاد والتحري دلالة تدل على أن المنسية ماذا منه؟ فهذا قلنا: إنه لا يشتغل هناك بالاجتهاد، بل يصلي الكل، وها هنا للقبلة أمارات ودلالات، فربما تلوح له دلالة تدله على جهة القبلة، فقلنا بأنه يصلي بالاجتهاد والتحري، فأما إذا دخل في الصلاة بالاجتهاد، وصلي ركعة، ثم تغيرا اجتهاده في الركعة الثانية إلى جهة أخرى، ينظر فيه: فإن كان اجتهاده الثاني أقوى من اجتهاده الأول، فإنه ينحرف إلى الجهة الثانية، ولا تبطل صلاته، وهكذا لو تغيرا اجتهاده في الركعة الثالثة والرابعة إلى جهة أقوى من الجهة التي تقدمت، فإنه يتحول إليها، حتى لو صلى أربع ركعات إلى أربع جهات بأربعة اجتهادات، فهل يصح ذلك أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يصح كما لو صلى أربع صلوات بهذه الصفة.
والثاني: لا يصح، والفرق بينهما أن الصلاة الواحدة عبادة واحدة لا تتجزز في البطلان والصحة، بل آخرها متصل بأولها، ويتداعي فساد آخرها إلى فساد أولها، فجاز أن يقال بأنها تبطل بتغيير الاجتهاد فيها بخلاف الصلوات، لأن كل واحدة منهن لا تكو مرتبطة بالأخرى، وفساد البعض لا يوجب فساد الكل في ذلك، فأما إذا كان اجتهاده الثاني مثل اجتهاده الأول، فإنه لا ينحرف إلى تلك

الجهة، بل يصلى إلى الجهة الأولى، ولا تلزمه الإعادة، والفرق بين هذا وبين ما إذا تغير اجتهاده في الصلاتين في وقتيهما، أن ها هنا انعقد له هذا الاجتهاد، فلو قلنا: إنه تلزمه إعادة الصلاة ينحرف إلى الجهة الثانية لأدى ذلك إلى نقض الاجتهاد بالاجتهاد، والاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، وهناك لم ينعقد له الاجتهاد في الصلاة الثانية فوجوب القضاء عليه لا يؤدي إلى نقض الاجتهاد بالاجتهاد عروض مسألتا منه الصلاة الأولى هناك أنه لما انعقد له الاجتهاد فيها، وفرع عنها، ثم تغير اجتهاده بعد ذلك، لا جرم لا يلزمه قضاء تلك الصلاة، كي لا يؤدي إلى نقض الاجتهاد بالاجتهاد.
قال المزني: فإن اختلف اجتهاد رجلين، لم يسع أحدهما اتباع صاحبه.
قال القاضي حسين: إذا كان جماعة في الصحراء، ودخل عليهم وقت الصلاة، واجتهدوا في القبلة ينظر فيه، فإن أدي اجتهاد كل واحد منهم إلى جهة، فإن كان واحد منهم يصلي إلى الجهة التي أدى اجتهاده إليها، ولو صلوا جماعة صحت صلاة الإمام، وبطلت صلاة المأمومين، فأما إذا أدى اجتهاد الكل إلى جهة واحدة، فإنه يجوز لهم أن يصلوا جماعة وفرادى، فلو اقتدوا بواحد منهم، ثم تغير اجتهادهم في حال الصلاة، لا يخلو إما أن تغير اجتهاد المأمومين، أو تغير اجتهاد الإمام، فإن تغير اجتهاد المأمومين، أو تغير اجتهاد واحد من المأمومين، فإنه ينحرف إلى الجهة الثانية، وماذا حكم صلاته؟ قال الشافعي: ومن جوز الخروج عن صلاة الإمام بغير عذر، وقال: لا يبني على صلاته، فإنه يستأنف الصلاة، وإنما قال بغير عذر، لأنه إذا تغير اجتهاده

تبين أنه لم يكن معذورًا فيه، بل هو مفرط في ذلك، لأنه وجب عليه في الابتداء أن يبالغ في الاجتهاد، ويستقصي ويمعن النظر فيه، فإذا تغير اجتهاده تبين أنه كان مفرطًا فيه إذا أخرج نفسه عن صلاة الإمام.
اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: فيه قولان، سواء كان معذورًا فيه، أو لم يكن معذورًا فيه، ومنهم من قال القولان فيما إذا كان معذورا فيه، فأما إذا لم يكن معذورًا فيه قوله واحد، أنه تبطل صلاته ومنهم من قال القولان فيما إذا لم يكن معذورًا فيه، فأما إذا كان معذورًا فيه قول واحد: أنه لا تبطل صلاته.
فحصل في مسألتنا من صلاة المأمومين بعدما تحرفوا إلى الجهة الثاية قولان: أحدهما: أنه بطلت صلاتهم.
والثاني: أنها لا تبطل صلاتهم، ولهم أن يبنوا على صلاتهم فأما إذا تغير اجتهاد الإمام، فإنه ينحرف إلى الجهة الثانية، وماذا حكم صلاة القوم قال الشافعي رضي الله عنه: القياس أنه كالمسألة الأولى، اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: فيها قولان، كما في المسألة الأولى.
ومنهم من قال: ها هنا الصحيح أنهم يبنون على صلاتهم، لأنهم كانوا معذورين في ذلك، إذ لا يمكنهم أن يحفظوا اجتهاد الإمام كي لا يتغير ولم يوجد التفريط من جهتهم في ذلك، فعلى هذا تأويل قوله: إنه كان كالمسألة الأولى يعني في إخراج أنفسهم عن صلاتهم الإمام.
قال المزني: فإن كان الغيم، وخفيت الدلائل على رجل، فهو كالأعمي.
وقال في موضع آخر، ومن دله من المسلمين وكان أعمي، وسعه اتباعه، ولا يسع بصيرًا خفيت عليه الدلائل اتباعه.
قال المزني: لا فرق بين من جهل القبلة، لعدم العلم، وبين من جهلها، لعدم البصر، وقد جهل الشافعي من خفيت عليه الدلائل كالأعمى، فهما سواء.

قال القاضي حسين: يحتمل أن المراد بالنص الأول أنه إذا كان عاميًا لا يعرف دلائل القبلة، فيجوز له أن يقلد في ذلك عالما، كالاعمى سواء.
والنص الثاني: يدل على أنه لا يجوز له تقليده، بل عليه أن يتعلم دلائل القبلة، وقد ذكرنا وجهين في أن تعلم دلائل القبلة، هل هو فرض على العين أو فرض على الكفاية؟ والوجها مستنبطان من هذين النصين، ويحتمل أن المراد بالنص الأول أنه إذا كان عارفًا بدلائل القبلة، ولكن كان اليوم يوم الغيم، وخفيت عليه الدلائل، فإنه يجوز له ها هنا التقليد كالأعمى سواء.
والنص الثاني يدل على انه لا يجوز له التقليد في هذه الحالة أيضًا، وقد ذكرنا أيضا في مسائل التقليد، أن العالم إذا نزلت به نازلة في حق نفسه، وضاق به الوقت، هل يجوز له أن يقلد فيه عالمًا أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز له ذلك، لأنه من أهل الاجتهاد.
والثاني: يجوز له ذلك، وروى عن ابن سريج أنه كان يقلد الملاحين في السفينة في البحر في أوقات الصلوات، وكان يقول إذا نزلت بي نازلة، وضاق بي الوقت، وخفت فوت الفريضة على نفسي، فلي أن أقلد فيه من هو في مثل حالي، فأما الأعمي ففرضه التقليد، ولا يجوز له أن يصلي على التبخيث، ولا بالاجتهاد، اللهم إلا أن يدخل مسجدًا في البلدة، ووجد المحراب على جانب من الجوانب الأربعة بالمس باليد، فإنه يصلي إليها، وقد ذكرنا ذلك، وهكذا له أن يتحرى في الإناءين بمثل ذلك بأن اشتم من أحدهما رائحة كريهة، أو وجد الماء يتقلقل في أحد الإنائين دون الثاني، فإنه يستعمل أحدهما بالاجتهاد، وهو والبصير فيه سواء.

وأما إذا كان في الصحراء، فلا يمكنه الاجتهاد في القبلة ألبتة، بل فرضه التقليد فحسب، ولو كان له أوراد معلومة، أو عمل واصب يمكنه أن يعرف بها أوقات الصلاة، ولا يمكنه أن يعرف بها جهة القبلة ألبتة، لأن ذلك لا يدل عليها، فلو أنه أخبره بصير بجهة القبلة، فإنه يصلي إلى تلك الجهة، ثم ينظر، فإن أخبره عن حقيقة الحال بأن قال له: صل إلى هذه الجهة؛ لأن الشمس تغرب في هذه الجهة، أو تطلع الشمس من تلك الجهة، أو كان القطب خلف أذنك اليمني، فإنه إذا دخل عليه وقت صلاة أخرى، وكان جالسًا على ذلك المكان، ولا يتحول عنه، فإنه يصلي إلى تلك الجهة ثانيًا وثالثًا، ولا يسأل أحدًا عن شيء.
فأما إذا أخبره بالاجتهاد، لا بحقيقة الحال، فإنه إذا دخل عليه وقت صلاة أخرى، فإنه يسأل بصيرًا آخر عن جهة القبلة، سواء تحول عن ذلك المكان أو لم يتحول عنه، لأنه لو وجد من يسأل عنه في الكرة الأولى لزمه أنه يسأل عنه ثانيًا، كما أن البصير لو أراد أن يصلي بنفسه ثانيًا يلزمه، الاجتهاد ثانيًا، فحكم الأعمي فيه حكم البصير.
قال المزني: ولا يتبع دلالة مشرك بحال.
قال القاضي حسين: إذا قلنا: بأنه يقلد غيره، فينبغي أن يقلد رجلا مسلمًا عدلا عارفًا بدلائل القبلة، حتى لو كان كافرًا، فلا يجوز له أن يقلده في ذلك، وهكذا لا يجوز أن يعتمد على قول المشرك فيما يرجع إلى أمر الدين لا في المداواة وما أشبهها.
فأما الفاسق فهل يعتمد فيه على قوله أم لا؟ فيه وجهان، فأما العبد والمرأة له أن يعتمد فيه على قولهما.
وأما المراهق قال القفال، سألت أبا زيد عن ذلك، فقال: نص الشافعي على انه لا يجوز له أن يقلد المراهق في أمر القبلة، ثم سألت أبا عبد الله الخضري،

عن ذلك فقال: لا يجوز له تقليده نصًا، فأخبرته بقول أبي زيد فقال: أنا لا أتهمه في ذلك، ويحتمل، أن الشافعي، رحمه الله، أراد بذلك النص إذا دله فإنه يجوز، وبالنص الثاني أراد أراد أنه أخبره بجهة القبلة باجتهاد من قبله.
فأما إذا قال له: إني رأيت الشمس تطلع من هذا الجانب، أو تغرب من هذا الجانب، أو رأيت القطب من هذا الجانب، فإنه يأخذ بقوله، ويصلي إلى تلك الجهة، وليس هذا بتقليد منه له، لأنه لما أخبره عن حقيقة الحال، ولم يخبره عن تحر واجتهاد، فصار هذا كالعالم إذا أفتى عاميًا في مسألة، وأخبره بأنه أفتى له بنص من كتاب أو سنة، فيجوز له أن يفتي لغيره في تلك المسألة، ولو أفتى له العالم بالاجتهاد، فحينئذ لا يجوز له أن يفتي لغيره في تلك المسألة بذلك الاجتهاد.
فأما تقليد المؤذن ينظر فيه، فإن كان عارفاً، لأوقات الصلاة له يقلده في أوقات الصلاة، وإن لم يكن عارفًا بها، فليس له أن يقلده في شيء من أوقات الصلاة.
فأما الديك فهل يجوز أن يعتمد على صياحه في وقت صلاة الصبح، في يوم الغيم، ينظر فيه، فإن اختبره في الأيام المنكشفة، ووجده يصيح في وقت الصبح في جميع الأيام، فإنه يجوز له أن يعتمد فيه صياحه، وإلا فلا، وقد ذكرنا أنه إذا كان للرجل أوراد معلومة، أو عمل واصب، فإنه يجوز له أن يعتمد على ذلك في معرفة أوقات الصلاة دون معرفة القلة.
قال المزني: قال الشافعي: ومن اجتهد فصلى إلى المشرق، ثم رأى القبلة إلى الغرب استأنف، لأن عليه أن يرجع من خطأ جهتها إلى يقين صواب جهتها، قال القاضي حسين: إذا صلى إلى جهة ثم تبين له يقين الخطأ ويقين الصواب، فهل يلزمه إعادة تلك الصلاة أم لا؟ فيه قولاه:

جارٍ التحميل