اليسرى، ويضع يده اليمني على فخذه اليمني، وماذا يفعل بالأصابع؟ فيه أقوال:
أحدهما: يقبض الحنصر والبنصر والوسطى، ويرسل السبابة، وماذا يفعل بالإيهام؟
على هذا القول فوجهان:
أحدهما: يضجعها على وسطاه.
والثاني: على بطن الكف بجنب الأصابع الثلاثة.
وقيل: إنه يقبضه، كأنه عاد ثلاثة وعشرين في وجه، وفي وجه: كأنه عاد ثلاثة وخمسين.
والقول الثاني: يقبض الخنصر والبنصر، ويرسل السبابة، ويحلق الإبهام والوسطى، وإذا بلغ قوله: (إلا الله)، في الشهادة بالوحدانية يشير بالسبابة، وينوي الإخلاص لله تعالى.
وهل يحرك المسبحة؟ فوجهان: ولا يشير بإصبعين، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا في الصلاة يشير بأصبعين فقال: إلهين اثنين، أحد أحد.
أي: أشر بإصبع واحدة، وإما يشير إذا بلغ قول: لا إله دون قوله: لا إله.
قال المزني: فإذا فرغ من التشهد، قام مكبرًا معتمدًا على الأرض بيديه؛ حتى يعتدل قائمًا، ثم يصلي الركعتين الأخريين (مثل ذلك)، يقرأ فيهما بأم القرآن، سرًا.
قال القاضي حسين: إذا أتى بالتشهد الأول في صلاة ذات تشهدين، قام إلى الركعة الثالثة، معتمدا بيديه على الأرض، حتى يعتدل قائمًا، ويصلي الركعتين الآخريين، مثل الأوليين، يقرأ فيهما بأم القرآن.
وقال أبو حنيفة: لا تجب القراءة في الأخريين
وحقيقة مذهبه أنه يوجب القراءة في الركعتين من الأربعة، إما في الأولين، أو في الآخريين.
لنا أن نقول: قيام واجب، فكانت القراءة فيه واجبة، كالأوليين، ويتصور على أصله أربع ركعات، لم تكن فيها قراءة مسبوق بركعتين، والإمام قد قرأ في الأوليين، وما قرأ في الآخريين عنده جاز.
ثم المسبوق إذا قام، وقضى ما فاته، من الركعتين، وما قرأ فيهما؟
قال: جاز؛ لأنه وصل صلاته بصلاة قد وجد فيها قراءة.
وقال سفيا رحمه الله: يسبح في الأخريين، ولا يقرأ ولا يجهر بالقراءة في الأخريين؛ لأن مبني الأخريين على التخفيف.
وفي قراءة السورة قولان: وعند أبي حنيفة، لا يقرأ السورة السورة بناء على أصله.
قال المزني: فإذا قعد في الرابعة، أماط رجليه جميعًا، وأخرجهما جميعًا عن وركه اليمني، وأفضى بمقعده إلى الأرض، وأضجع اليسرى، ونصب اليمني، ووجه أصابعها إلى القبلة، وبسط كفه اليسرى على فخذه اليسرى، ووضع كفه اليمني على فخذه اليمني، وقبض أصابعها إلا المسبحة، وأشار بها متشهدًا.
قال القاضي حسين: إذا فرغ من الركعتين الأخريين قعد للتشهد، والقعود للتشهد ركن، وقراءة التشهد ركن.
وقال أبو حنيفة: قراءة التشهد ليس بركن، وإنما هو مسنون.
دليلنا ما روى عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما كان يعلمنا السورة من القرآن، التحيات المباركات.
وأراد بالسورة فاتحة الكتاب، كذا فسروه.
وعن ابن عباس أنه قال: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد، السلام علي الله، السلام على جبريل وميكائيل، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا التحيات المباركات، ... إلى آخره.
دل على أنه واجب، ولأنه ركن تشترك فيه العادة والعبادة، وفوجب أن يكون فيه ذكر شروط، كالقيام وليس كالتشهد الأول، لأن القعود، فيه ليس بركن.
ويتروك في التشهد الأخير، وصورته: أن يميط رجليه ويخرجهما عن وركه اليمني، ويفضي بمقعدته إلى الأرض، ويضع اليسرى وينصب اليمني، ويوجه أصابعهما إلى القبلة.
قال أصحابنا: والجلسان في الصلاة أربع: يفترش في ثلاث منها، وهي الجلسة بين السجدتين، وجلسة الاستراحة، وفي التشهد الأول ويتورك في الرابعة، وهي الجلسة في التشهد الأخير.
وكان الشيخ، رحمه الله، يقول وهو الصحيح: كل جلسة لا يسلم عنها يفترض فيها، وكل جلسة يسلم عنها يتورك فيها إلا في مسألة واحدة، وهو إذا
كان مسبوقًا، ويكون خليفة للإمام، فيتورك في التشهد الأخير، ولو كان على المستخلف سهو يسجد سجدتين حينئذ، والقوم يخرجون أنفسهم من صلاته، ويسلمون، ويقوم هو، ويصلي بقية صلاته.
وعند القفال: خليفة الإمام يراعي نظم صلاة الإمام، ألا ترى أنه يقنت في صلاة الصبح إذا كان مسبوقًا بركعة، وفي صلاة العشاء إذا كان مسبوقًا بركعتين يترك الجهر ويسر؟
وعنده- رضي الله عنه - يجلس مفترشًا، لأنه يريد أن يقوم، والقنوت والجهر خلاف ظاهر وهذا خفي.
وأما المسبوق بركعة إذا جلس متابعة للإمام في تشهده الأخير يفترش فيها، وإذا كان عليه سجود يفترش في التشهد الأخير، لأنه يريد السجود، وألا يسلم عنه.
وعند أبي حنيفة: يفترش في التشهدين.
وعند مالك: يتورك فيهما.
وما قلناه أولى؛ لأنه إذا غاير بين الجلستين أمن الخطأ والنسيان، ويستدل المسبوق بها على بقية الصلاة في التشهد الأول يريد القيام، ولأن الافتراش أقرب إلى القيام فيتفرش ليكون القيام أسهل عليه.
قال المزني: ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويذكر الله، ويمجده، ويدعو قدرًا أقل من التشهد، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ويخفف على من خلفه.
قال القاضي حسين: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة.
وقال أبو حنيفة: لا تجب، دليلنا ما روى أنه قال عليه السلام، من صلى
ركعة، ولم يصل على فيها فلا صلاة له، ولأن ما شرع فيه ذكر الله تعالى فرضًا، شرع فيه ذكر الرسول عليه السلام، كالإيمان والأذان، فأما الصلاة على الآل، فعلى وجهين:
أحدهما: تجب كالصلاة على النبي.
والثاني: لا تجب، وإنما تخص هو بالصلاة لعظم حرمته.
ثم يذكر الله ويمجده، ويدعو بما شاء من أمر دينه ودنياه، ولا يختص الدعاء بما ورد به الشرع، حتى لو قال: اللهم ارزقني دارًا قوراء، وجارية حوراءـ وسأل ما شاء أن يسأل جاز، لكنه لا يجوز بالفارسية.
وقال أبو حنيفة: إنما يدعو دعاء ورد به الشرع، فأما لم يرد به الشرع من الأدعية لا يجوز في الصلاة الفريضة، وما يجوز من الدعاء سنده بالعربية يجوز بالفارسية.
ثم إذا كان إمامًا السنة أن يقتصر على الدعاء تخفيفًا على من خلفه، ولا يزيد على قدر أقل التشهد، والصلاة على النبي عليه السلام.
قال المزني: ويفعلون مثل فعله إلا أنه إذا أسر، قرأ من خلفه، وإذا جهر، لم يقرأ من خلفه.
قال المزني، رحمه الله، قد روى أصحابنا عن الشافعي أنه قال: يقرأ من خلفه وإن جهر بأم القرآن.
قال: محمد بن عاصم، وإبراهيم يقولان: سمعنا الربيع، يقول:
قال الشافعي: يقرأ خلف الإمام، جهر أو لم يجهر، بأم القرآن.
قال محمد: وسمعت الربيع، يقول: قال الشافعي: ومن أحسن، أقل من سبع آيات من القرآن، فأم أو صلى منفردًا، ردد بعض الآي، حتى يقرأ به سبع آيات فإن لم يفعل لم أر عليه، يعني إعادة.
قال الشافعي: وإن كان وحده، لم أكره أن يطيل ذكر الله، وتمجيده، والدعاء، رجاء الإجابة.
قال القاضي حسين: قد ذكرنا حكم المنفرد في الصلاة فأما المصلي بالجماعة لا خلاف في أنه يجب عليه الإتيان بأركان الصلاة كما كان على المنفرد إلا القراءة، فإنه إن كانت صلاة جهر يتحملها الإمام عنه فيما روى المزني في ثلاثة مواضع:
ها هنا، وفي صلاة الجمعة، وفي العيدين أن المأموم لا يقرأ إذا كان الإمام يجهر بالقراءة.
وهذا كله منقول عن القديم وهو مذهب مالك.
فأما مذهبه الجديد: أنه يجب عليه القراءة، كما روى أصحابنا عن الشافعي رحمه الله قال القاضي رضي الله عنه: يمكن حمل هذه النصوص علي مذهبه الجديد، ويجعل في الجديد في وجوب القراءة على المأموم قولين.
وروى أصحابنا عن الشافعي: أنها تجب عليه في الجهر والسر، وحيث قال: لا تجب في صلاة الجهر حكى مذهب مالك.
وعند أبي حنيفة: لا تجب القراءة خلف الإمام، وربما قالوا: تكره قراءته، وربما قالوا: لو قرأ يخرج عن فضيلة الجماعة.
والغلاة منهم يقولون: تبطل صلاته.
لنا: ما روى عن عبادة بن الصامت أنه قال: صلينا العشاء خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ واحد منها سورة والشمس، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إني لأقول: مالي أنازع القرآ، إذا كنتم خلفي، فلا تقرءوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأها.
وإليه ذهب معظم الصحابة.
أوردها أبو زيد المروزي عن نيف وعشرين، منهم: عمر، وعثمان وعلي ومعاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وعمران بن حصين، وجابر بن عبد الله، وحذيفة وأبو سعيد الخدري والعبادلة ابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير، وابن عمرو بن العاص، وابن المغفل، وابو الدرداء، وأبو هريرة، وزيد بن ثابت وعائشة، وبي بن كعب.
والمعنى فيه أنه ركن في الصلاة، فلا تسقط عنه بمتابعة الإمام، كسائر الأركان، دليل كونه ركنًا أنه لا يسقط عنه بالسهو حتى لو تركه ساهيًا لم يحتسب بصلاته، ولأنه لا يخلو إما أن تسقط عنه القراءة للاقتداء، أو لتحمل الإمام عنه بطل أن يقال: إنه سقط بالاقتداء، لأن الاقتداء إنما يؤثر اكتساب الفضيلة، دون إسقاط الفرائض، وإلى هذا أشار صاحب الشرع عليه السلام، حيث قال: صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة.
فلم يجعل للجماعة أثرًا، إلا في اكتساب الفضيلة بها، وبطل أن يقال يحملها الإمام عنه؛ لأن أصل الصلاة لا تجزي فيها التحمل، فكذا أركانها، ولأن سائر الأركان لا يجزي فيها التحمل، فكذلك هذا الركن الواحد.
وأيضا للإمام يجب عليه القراءة، فلو كان يتحملها عن المأموم لم يجز له الاقتصار على القراءة مرة واحدة، لأن الشيء الواحد لا يتأدى به حقان، كما لو ضمن ألفا عن إنسان لواحد، وله عليه ألف أخرى، فبالألف الواحد لا يتأدى الألفان، ألف الأصل وألف الضمان.
قالوا: الإمام يتحمل عنه بدليل المسبوق.
قلنا: كيف يتحمل عنه قراءة لم تلزمه تلك القراءة ونستسلمهم.
فنقول: هل تسلمون لنا أن القيام واجب عليه؟
فإن سلموا مكنوا من ثغرة النحر، لأن القيام لا يغني لعينه، وإنما يغني للقراءة بدليل أنه يتعذر بالقراءة، فلولا أن وجوبه لمكان القراءة لما تقدر بها.
فنقول: من وجب عليه قيام القراءة وجبت عليه القراءة كالمنفرد.
فإن قيل: أليس أن القيام واجب على المأموم بقدر قراءة السورة التي يقرؤها الإمام، ثم السورة غير واجبة عليه، ولا يستدل بوجوب القيام على وجوب القراءة؟
قلنا: لا يلزم، ولأنا قلنا: من لزمه القيام بقدر القراءة لزمه القراءة، وثم يكون لأجل المتابعة، لا لأجل القراءة.
وإن منعوا وقالوا: لا تجب القراءة، فمحال؛ إذ لو لم تجب لجاز القعود، وإن ارتكنوا وقالوا: يجوز القعود.
فنقول: القادر على القيام لا يجوز له القعود في صلاة الفرض، كالمنفرد غير أنهم يقولون: القيام ساقط عنه، وإنما وجب الإتيان به متابعة لإمامه، كما يلزمه متابعته في سجود السهو، وسجود التلاوة، وإن لم يجب واحد منهما عليه.
وهم يقولون: القراءة مما تسقط عن المأموم بإمامه، كما في المسبوق.
قلنا: هناك القيام ساقط عن المسبوق، فتسقط القراءة، بخلاف ما نحن فيه، وما يجب عليه من القيام ذاك قيام التكبير دون القراءة.
غير أنهم يقولون: عندنا قيام القراءة بقدر أن تقول: ثم نظر ... ، والفجر، وذلك القدر يحصل ضرورة.
ومن أصحابنا من قال: لا نقول بالتحمل، لكنه سقط عن المسبوق، لأن إمامه أتى به، فإن قالوا: عليه لو لم يتحمله عنه لا يلزمه القراءة إذا بان إمامه جنبًا، أو كان قد نسي القراءة.
قلنا: إنما تسقط القراءة عنه، إذا أتى بها إمامه، فيحسب له فعله.
وفي المسألتين لم توجد القراءة من الإمام.
الجواب الصحيح: أن المسبوق تسقط القراءة عنه بالضرورة ترغيبًا له في الجماعة وحثًا على حضورها، لأنه غاب عن أول الصلاة.
فلو قلنا: إذا فاتته القراءة لا يدرك الركعة، أدى إلى أن يرغبوا عن حضور الجماعات، فحكمنا بإدراكها إذا أدرك معظمها، فهو في الحقيقة منزوع من الأصول، مخصوص من القياس، فلا يقاس عليه غيره.
التفريع على القولين: إن قلنا: تجب القراءة على المأموم في صلاة الجهر، فلا كلام.
وإن قلنا: لا تجب فلو كان بعيدًا عن الإمام لا يبلغه صوته، ففي وجوب القراءة عليه وجهان:
أحدهما: تجب؛ لأن صفة الصلاة جهر.
والثاني: لا؛ لأنه ليس يبلغه قراءة الإمام، كما لو كان صلاة سر، وهكذا لو كان أخرس، فيه وجهان، وهما كالوجهين في وجوب الإنصات، إذا كان بعيدا عن الإمام لا يسمع الخطبة، ولو جهر في السر، أو أسر في الجهر فوجهان:
أحدهما: تعتبر صفة الصلاة، دون فعل الإمام، وهو الأظهر.
والثاني: يعتبر وصفه قراءته، ولو قرأ قبل الإمام.
من أصحابنا من قال: لا تحتسب عن قراءته قياسًا على سائر الأركان سبق فيها إمامه، فعلى هذا لا تبطل به الصلاة في ظاهر المذهب.
وعلى طريقة أبي يحيى البلخي: تبطل؛ لأن عنده لو كرر الفاتحة، بطلت صلاته.
وظاهر المذهب أنه يحسب عن القراءة، لكنه يكره بخلاف سائر الأركان.
والفرق أنه ركن قولي، فلا تظهر فيه المخالفة، ولا تتفاحش، بخلاف الأركان الفعلية، فإن المخالفة فيها تتفاحش.
فرع
إذا أدرك الإمام راكعًا، فركع معه صار مدركًا للركعة، وليس عليه إعادة الركعة.
وحكى الداركي عن أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وهو قول أبي هريرة: أنه يعيد الركعة.
روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أدرك الإمام راكعًا فليركع معه وليعد الركعة، ولأنه فاته قيام الركعة والقراءة، فصار كما لو أدركه بعد الركوع.
والأصح أنه يصير مدركًا للركعة، لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة، وبه قال جماعة من الصحابة.
فرع
والسنة أن يقرأ في سكتة الإمام، فإن المستحب أن يسكت الإمام بين قراءة الفاتحة والسورة.
روى عن أبي هريرة أنه قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سكتتان؛ إحداهما قبل القراءة وإنما عنى بها دعاء الاستفتاح، والأخرى بعد القراءة.
فقيل له: ما تقول في سكتتيك يا رسول الله؟ فقال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما بعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الذنوب كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني بالماء والبرد والثلج.
ولو قرأ مع الإمام فجائز.
فأما السورة قال أصحابنا: لا يقرؤها المأموم في صلاة الجهر.
وفي السر وجهان:
أحدهما: يقرؤها كالفاتحة.
والثاني: لا، كما في الجهر، لأنه في السنن، فيتحملها الإمام عنه، كسجود السهو.
قال رضي الله عنه: والذي عندي أن المأموم يقرأ السورة في الجهر والسر.
وهذا التفصيل لا يوجد للشافعي، وإنما قاله أصحابنا ليستقيم لهم تأويل قوله عليه السلام: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة.
والشافعي رحمه الله لم يشتغل بتأويله، لأن لم يصح عنده، فإن رواية جعفر الجعفي وهو مردود عند أهل الحديث.
هذا في الركعتين الأوليين.
أما في الأخريين إن كانت الصلاة جهرًا.
إن قلنا: إنه يقرأ السورة في الأوليين يقرؤها في الأخريين، وإلا ففيه وجهان.
والفرق أنه يستغل باستماع قراءة الإمام في الأوليين دون الآخريين.
وإن كانت الصلاة سرًا:
إن قلنا: لا يقرأ في الأوليين ففي الأخريين أولى، وإلا فوجهان.
والفرق أن مبناها على التحفيف، بخلاف الأوليين، والله أعلم.
قوله: وإن كان وحده لم أكره أن يطيل ذكر الله وتمجيده.
قال القاضي حسين: روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا صلى أحدكم وحده فليطل ما شاء، وإذا صلى بالناس فليخفف.
وروى أنه عليه السلام، كان أخف الناس صلاة للناس، وأطولهم صلاة لنفسه.
وعن أنس قال: ما صليت خلف أحد أخف صلاة، ولا أتم من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وينبغي ألا يزيد دعاء التشهد الأخير على مجموع التشهد، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
قال عليه السلام في الدعاء في التشهد الأخير: «فليتحرَّ أحدكم من الدعاء أعجبه إليه».
قال المزني: ثم يُسَلِّم عن يمينه «السلام عليكم، ورحمة الله»، ثم عن شماله «السلام عليكم، ورحمة الله».
حتى يرى خداه.
قال القاضي حسين: التسليم ركن في الصلاة عندنا.
وقال أبو حنيفة: ليست من الصلاة، ولا يتعين السلام، بل إذا فعل فعلا يضاد الصلاة، ويبطل في خلالها مختارًا، تمت به الصلاة مثل أن يقعد قدر التشهد، ثم يحدث متعمدًا، أو يمشي أو يأكل، أو يقذف محصنة، فلو أحدث ناسيًا، قالوا: لا تتم صلاته، بل يخرج ويتوضأ، ولو ضرط، أو يفسو مختارًا تتم صلاته.
ووافقنا في المبطل للصلاة إذا وقع من غير اختياره أنه لا تتم به الصلاة، مثل طلوع الفجر، وانقضاء مدة المسح، وخرق الخف، وانقطاع دم المستحاضة، ورؤية الماء في حق المتيمم، والعاري إذا وجد الكسوة، والموميء إذا قدر،
والأمي إذا تعلم شيئًا من القرآن، دليلنا قوله عليه السلام: «مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم».
والواجب في السلام أن يقول: السلام عليكم.
وأما قوله ورحمة الله فهو سنة، وكذا التسليمة الأخرى سنة.
وقال في الجديد: ويسلم تسليمتين: إحداهما عن يمينه، والأخرى عن يساره.
وقال في القديم: يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه.
وقال في رواية الربيع: إن كان المسجد كبيرًا، وفي الناس كثرة يسلم تسليمتين، وإن كان صغيرًا فتسليمة واحدة تلقاء وجهه.
والصحيح هو الأول.
ولو قال: سلام عليكم، من غير الألف واللام لم يتحلل عن الصلاة، نص الشافعي رحمه الله على أنه إذا نقص حرفًا منه تبطل به صلاته.
ولو قال: سلام عليكم، وزاد التنوين، ونقص الألف واللام، فيه وجهان: أحدهما: يقوم التنوين مقامه، فيقع به التحلل.
والثاني: لا.
فلو قال: سلام عليكم من غير التنوي مرتب على المنون.
إن قلنا: لا يخرج به عن الصلاة، فها هنا أولى، وإلا فوجهان:
أحدهما: يخرج به عن الصلاة كذلك، لأن إسقاط التنوين لا يغير معناه.
فهو كما لو قال منونًا.
ولو قال: عليكم السلام، فالمذهب أنه يتحلل به عن الصلاة.
وقال ابن سريج: لا يتحلل به عن الصلاة، بخلاف قوله: الأكبر الله لا تنعقد به الصلاة.
والفرق أن قول القائل: عليكم السلام يعرف تسليمًا في العرف، والمعهود بخلاف قوله: الأكبر الله، فإنه لا يعرف تكبيرًا في العرف والعادة.
ولو قال: عليكما السلام، فيه وجهان:
أحدهما: لا يخرج به عن الصلاة، لأنه غير السلام.
والثاني: بلى، لأنه أتي بحروف السلام، وزاد فيه ألفا.
وكما قلنا في هذه المواضع، لا يخرج به عن الصلاة إن تعمد بذلك بطلت صلاته، وإلا فيسلم ثانيًا، ويسجد سجدتي السهو قبل السلام.
ولو قال: وعليه السلام، أو عليهم السلام لا يخرج به عن الصلاة، ولكن لو تعمده لا تبطل صلاته، لأنه ليس فيه خطاب مع الحاضرين، بل دعاء محض.
ولو قال: سلامي عليكم، لا يتحلل به عن الصلاة.
وكذا لو قال: سلام الله عليكم، بل يجب عليه أن يعمم السلام، ويقول: السلام عليكم.
والمستحب أن يقوم المسبوق لقضاء الفوائت، بعد أن يسلم الإمام تسليمتين، ولو سلم تسليمة واحدة جاز له أن يقوم، وقبله لا يقوم، فإن قام، وهو عالم بالحال بطلت صلاته.
وهل تجب نية الخروج من الصلاة.
الصحيح أنه لا يجب، لأن نية الصلاة تشتمل على السلام، كما في سائر الأركان، ولأن الخروج يتعين على الإنسان فيه، لاستحالة أن يخرج عن غير ما شرع فيه، فإذا أطلق السلام تعين للصلاة، وعند الشروع وجبت النية، لامتياز العادة عن العبادة.
وقال صاحب التلخيص، تجب نية الخروج من الصلاة، لأن السلام أحد طرفي الصلاة، فيفتقر إلى النية كالتحريمة.
فإن قلنا: نية الخروج واجبة، فينوي عند السلام، فلو نوي قبله بطلت صلاته.
وإذا سلم عن يمينه، وهو إمام أو منفرد ينوي الخروج على هذا المذهب، والسلام على من على يمينه من الملائكة، ومسلمي الجن والإنس.
وإذا سلم عن يساره، فلا ينوي الخروج، لأنه تحلل عنها بالأولى، لكنه ينوي السلام على من على يساره من الملائكة، ومسلمي الجن والإنس.
فأما المأموم إن كان على يمين الإمام، فإذا سلم الإمام عن يمينه سلم، وينوي الخروج من الصلاة، والرد على الإمام، والسلام على من على يمينه من الملائكة، ومسلمي الجن والإنس.
وإذا سلم عن يساره لم تجب نية الخروج من الصلاة، وإنما ينوي السلام علي من على يساره، ومن على يسار الإمام المستحب له ألا يسلم إذا سلم الإمام عن يمينه حتى يسلم عن يساره ليمكنه الرد عليه إذا سلم عن يمينه.
ومن خلف الإمام يستوي في حقه اليمين واليسار، فإن شاء سلم إذا سلم الإمام عن يمينه، وإن شاء سلم إذا سلم الإمام عن يساره، وإنما ينوي الرد عليه إذا سلم عن اليمين، لأن التيامن مستحب في كل شيء، وينوي الخروج والسلام على الملائكة والمسلمين كما ذكرنا.
فرع
لو نوى الخروج عن غير ما هو فيه، إن كان عامدًا بطلت صلاته، سواء شرطنا نية الخروج عليه أو لم نشترطها لأنه أبطل ما هو فيه بنية الخروج عن غيره، وإن كان ساهيًا إن قلنا بظاهر المذهب: إنها غير واجبة صح السلام، إن أوجبناها سجد سجدتي السهو، وسلم ثانيًا.
ولو سلم المأموم مقارنًأ مع الإمام ما حكمه.؟
إن قلنا: نية الخروج من الصلاة شرط، فلا يجوز كتكبير الافتتاح، لما كانت النية فيه شرطًا، فالمأموم يكبر للافتتاح بعد فراغ الإمام من (راء) التكبير.
وإن قلنا: نية الخروج عن الصلاة ليست بشرط فإذا سلم مع الإمام مقارنًا لم يضر، لأنه ركن كسائر الأركان، وفي سائر الأركان لو قارن المأموم فيه جاز، كذا هذا مثله.
ولو سلم قبل الإمام إن لم ينو الخروج منها، فقد أبطل صلاته، إن كان عامدًا، وإن نوى الخروج من الصلاة، فحكمه حكم ما لو أخرج نفسه من متابعة الإمام، وهو غير معذور فيه.
وفيه قولان.
قوله: حتى يرى خديه.
قال القاضي حسين: قيل: يراد به أنه يرى أحد خديه في التسليمة الأولى من جانب اليمين، والأخرى في الثانية من جانب اليسار.
وقيل: أراد به: يرى خديه من كل جانب.
قال المزني: فلا يثبت ساعة يسلم إلا أن يكون معه نساء، فيثبت، لينصرفن قبل الرجال، وينصرف حيث شاء عن يمينه وشماله.
قال القاضي حسين: لم يرد به القفز ووثوب الفصيل، وإنما أراد الإسراع في القيام.
قال عليه السلام: وإذا صلى إمامكم ولو يقم فانخسوه، وإنما ذلك، لأن الأولى للقوم ألا يقوم حتى يقوم الإمام، فكأن السنة ألا يثبت الإمام مكانه، ليتفرغ قلب القوم، فينصرفون إلى منازلهم، ولأنه إذا قام عن مكان الصلاة يستدل من بعد منه به على تحلله من الصلاة، ويستدل المسبوق بذلك، فلا يغتر بكونه في الصلاة.
هذا إذا كان خلفه الرجال دون النساء.
فإن كان خلفه نساء ورجال، فالمستحب أن يثبت على مكانه بقدر ما ينصرف فيه النساء، لأنه لو قام قام الرجال واختلطوا بالنساء.
ثم إن كانت الصلاة مما يتنقل بعدها كالمغرب والعشاء والظهر يتأخر عن مكان صلاته إن أراد فعلها في المسجد، وروى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والأولى نقل النفل إلى البيت.
قال عليه السلام: افضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة.
وأيضا قال عليه السلام: اجعلوا شيئا من صلاتكم في البيت، لا تتخذوها مقابر.
وإن كانت صلاة لا تنفل بعدها، كالصبح والعصر، فإن أراد المقام في المسجد ساعة يستند إلى المحراب.
ثم من أصحابنا من قال: ينصرف إلى جانب اليسار، ويستند إلى يمين المحراب.
وبه قال أبو حنيفة، والصحيح أنه ينصرف إن شاء الله عن جانب اليمين، وإن شاء عن جانب اليسار، لأنه ربما يكون معه مأموم واحد على يمينه، فإذا ولي وجهه عليه كان أحسن من أن يولي قفاه عليه.
وإذا كان المأموم على يساره له أن ينصرف إلى جانب اليمين، لأنه ضيع حقه بالوقوف على اليسار.
وإن كان خلفه استوى في حقه الجهتان.
وإن أراد الخروج من المسجد انصرف إلى جهة حاجته، أي جهة كانت والحاجة مثل أن يكون الظل في جناب، أو كان له شغل يريد أن يسلك ذات اليسار.
وإن لم يكن له حاجة انصرف إلى جانب اليمين ليحوز فضيلة التيامن، كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التيامن في كل شيء، حتى في طهوره إذا تطهر، ونتعاله إذا انتعل، وفي شأنه كله.
قال المزني: ويقرأ بين كل سورتين بسم الله الرحمن الرحيم، فعله ابن عمر قال القاضي حسين: من أصحابنا من قال: إنما أجب عن قوله: البسملة آية من كل سورة.
ومنهم من قال على القولين يقرؤها بين كل سورتين، لأنا وإن قلنا: إنها ليست بآية منها فيسحب قراءتها.
روى عن ابن عمر: أنه كان يقرؤها بين كل سورتين.
وعن ابن عباس: من ترك بسم الله الرحمن الرحيم فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية من كتاب الله تعالى.
قال المزني: وإن كانت الصلاة ظهرًا، أو عصرًا، أسر بالقراءة في جميعها، وإن كانت عشاء الآخرة أو مغربًا، جهر في الأوليين منهما، وأسر في باقيهما، وإن كانت صبحًا، جهر فيها كلها.
قال القاضي حسين: فرائض الصلاة مقسمة إلى ما يجهر فيها، وإلى ما يسر فيها.
فأما التي يجهر فيها: الصبح وركعتان من المغرب والعشاء.
وأما التي يسر فيها: فالظهر والعصر، والركعة الثالثة من المغرب، والركعتان الأخريان من العشاء الآخرة.
وعقد الباب فيه أن كلا صلاة يفعلها بالليل يجهر فيها بالقراءة، وكل صلاة يفعلها بالنهار إن كان لها نظير بالليل يسر فيها بالقراءة، كالظهر والعصر، وإن لم يكن لها نظير بالليل جهر فيها بالقراءة، كالصبح والجمعة والعيدين.
فأما خسوف الشمس، فيسر فيها، لأن لها نظيرًا بالليل، وهو خسوف القمر لأنه خسوف أحد النيرين.
وصلاة الاستسقاء يجهر فيها بالقراءة، لأنها لا تؤدي ليلا: إذ السنة أن يصليها والقوم صيام وذاك في النهار.
وصلاة الجنازة يسر فيها بالقراءة بالنهار وبالليل فوجهان:
أحدهما: يجهر فيها بالقراءة لأنها صلاة مفعولة بالليل.
والثاني: يسر فيها بالقراءة؛ لأنها قومة شرعت فيها الفاتحة دون السورة كالأخرس في العشاء أو الثالثة في المغرب.
ولو صلى التطوع بالليل، فالسنة ألا يخفض صوته، ولا يرفع أيضًا، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف ليلة على أبي بكر، فكان هو يصلي، ويقرأ في صلاته سرًا، وعمر كان يصلي ويقرأ جهرا، وبلال كان يقرأ آية في موضع، وآية في موضع آخر، فلما كان من الغد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، لأبي بكر:
ماذا صنعت البارحة؟ فقال: كنت أناجي الرب، فقال عليه السلام: ارفع صوتك قليلا، وقال لعمر ماذا صنعت البارحة؟ فقال: كنت أوقظ الأهل والجيران، فقال: اخفظ من صوتك قليلا، وقال لبلال: ماذا صنعت البارحة، فقال كنت أضم الطيب إلى الطيب، فقال: اقرأ من موضع واحد.
وإن فاتته صلاة بالليل، فقضاها بالنهار، او بالنهار فقضاها بالليل فوجهان:
أحدهما: يعتبر فيه أصل الصلاة في الأداء.
والثاني: يعتبر وقت القضاء.
الوجهان يبنيان على انه إذا قضى صلاة في أيام التشريق، فاتته، في غيرها من الأيام هل يكبر خلفها
وفيه قولان:
وقال أبو يوسف في خسوف الشمس: يجهر، فنقول: هذه صلاة يؤديها بالنهار، ولها نظير بالليل، فلا يجهر فيها بالقراءة، كالظهر والعصر.
وكان في الابتداء السنة في الصلاة كلها الجهر، إلا أن المشركين كانوا يسبون
القرآن، ومن أنزله إذا سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإسرار في الظهر والعصر، والجهر في المغرب والعشاء والصبح لاشتغالهم في هذه الأوقات بالأكل في منازلهم.
وقال عليه السلام: صلاة النهار عجمًا، أي: لا يجهر فيها بالقراءة، وفي رواية: وصلاة الليل جهرًا إلا أنها ليست بواضحة.
ويدل عليه قوله تعالى: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا).
قيل: معناه، ولا تجهر في جميع الصلوات ولا تخافت بها، أي: لا تسر في الجميع، وابتغ بين ذلك سبيلا، أي اجهر في البعض وأسر في البعض.
وقيل: معناه: لا تجهر جهرًا بليغًا ولا تخافت بها، أي لا تخفض خفضًا بليغًا وابتغ بين ذلك سبيلا، أي بين الجهر والسر سبيلا، فإن خير الأمور أوساطها، وكان عليه السلام يصلي في الكعبة، ويجهر بالقراءة، والمشركون كانوا يستمعون إلى قراءته، وكان ذلك سبب إسلام بعضهم، منهم عمر بن الخطاب استمع إلى قراءة الرسول عليه السلام، ذات ليلة مستترا بأستار الكعبة، فكان ذلك سبب إسلامه.
وروي أن أبا سفيان وأبا جهل كانا يختفيان بأستار الكعبة ويستمعان إلى قراءته، عليه السلام، فانصرفا ليلا، فالتقيا فصدق كل واحد منهما لصاحبه ما قصده فقالا: إن هذا أمر يضرنا، ويؤدي إلى فساد ديننا، فتعاهدا على ألا يرجعا في الليلة الثانية، فلما كانت الليلة الثانية حدثت نفس كل واحد منهما أن صاحبه عهد ألا يرجع فرجعا، فلما انصرفا التقيا، فقالا: ألسنا كنا عهدنا ألا نرجع، لأن هذا أمر لا يتم إلا بإيماننا، فحلف كل واحد منهما لصاحبه ألا يرجع، فلما كان في الليلة الثالثة حدثت نفس كل واحد منهما أن صاحبه حلف ألا يرجع فرجعا، فلما انصرفا التقيا فقالا: إن هذا أمر لا يتم إلا بأن يلازم كل واحد منا صاحبه، فاتفقا على أن يحضر أو سفيان دار أبي جهل في ليلة، ويلازمه وهو في داره.
وبهذا نجيب عن قول الأعمش حيث قال: إن صلاة الصبح من صلاة الليل، بدليل أنه يجهر فيها بالقراءة.
وعندنا يسن الجهر للمنفرد، وكما يسن للإمام.
وعند أبي حنيفة، لا يسن ذلك للمنفرد.
فنقول: هيئة قراءة الإمام هيئة قراءة المنفرد، كالإسرار في صلاة السر، ولا يلزم رفع الصوت بالتكبير، لأنه للإعلام، والمنفرد ليس يحتاج إلى إعلام أحد.
قال المزني: وإذا رفع رأسه من الركعة الثانية من الصبح، وفرغ من قوله: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، قال، وهو قائم اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت، والجلسة فيها كالجلسة في الرابعة في غيرها.
قال المزني: حدثنا إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن عمرو الغزي، قال حدثنا أبو نعيم، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أنس بن مالك، قال: ما
زال النبي صلى الله عليه وسلم يقنت حتى فارق الدنيا، واحتج في القنوت في الصبح بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت قبل قتل أهل بئر معونة، ثم قنت بعد قلتهم في الصلاة سواها، ثم ترك القنوت في سواها، وقنت عمر، وعلي رضي الله عنهما بعد الركعة الآخرة.
قال القاضي حسين: القنوت في صلاة الصبح بعد رفع الرأس من الركوع في الركعة الثانية منه عندنا.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: هي بدعة.
دليلنا ما روى عن ابن سيرين أنه قال: قلت لأنس، رضي الله عنه: هل قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح؟ فقال: نعم، فقلت: قبل الركوع أو بعده، فقال بعده.
وعن أنس أنه قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم، صلاة الغداة، فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا، وصليت خلف أبي بكر صلاة الغداة، فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا، وصليت خلف عمر، فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا.
وعن عثمان أنه قنت قبل الركوع في صلاة الصبح، وإنما كان يقنت قبل الركوع، لأن الناس كانوا لا يبكرون إلى الجماعات، لما كان قد وقع لعمر رضي الله عنه.
ودعاء القنوت ما روى عن الحسن بن علي أنه قال علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني كلمات أقولهن في القنوت:
اللهم اهدني فيمن هديت، ... ، إلى آخره.
وفي بعض الروايات: ولا يعز من عاديت.
وفي بعض الآثار: ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ربنا ونتوب إليك.
فلو بدلها بكلمات أخر جاز؛ لأنه ذكر مسنون فيجوز إبداله بغيره.
ثم لا يخلو إما أن يكون منفردًا، أو إمامًا، أو مأمومًا:
فإن كان منفردًا أسر به، وإن كان إمامًا فوجهان:
أحدهما: يسر به، فعلى هذا يقرؤه من خلفه.
والثاني: وهو الأصح، يجهر به، فعلى هذا يؤمنون في الكلمات الخمس التي هي دعاء ويقولون: الثلاثة الأخيرة معه، لأنها ثناء أو يسكتون إن شاءوا.
والسنة للإمام ألا يخص نفسه بالدعاء بل يعم، ويقول: اللهم اهدنا .. إلى آخره.
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا خص الإمام نفسه بالدعاء فقد خان.
ولو أبدل دعاء القنوت بغيره لا بأس.
حكى عن محمد بن الحارث أنه كان يقرأ في القنوت، اللهم يسرنا للخير كله ويسره لنا وعافا واعف عنا، وأعذنا من الشر كله، وتب علينا، وآتنا الحكمة، وصل على نبينا محمد وآله.
بخلاف التشهد، فإنه لو أبدله بغيره لم يجز، لأنه ليس من جنسه ما هو مفروض في الصلاة، ومن جنس التشهد ما هو مفروض في الصلاة.
وعلى هذا نقول أيضًا في الدعاء في الجلسة بين السجدتين: يجب ألا يخص الإمام نفسه.
وهل يسن رفع اليدين في القنوت؟
كان الشيخ القفال: رحمه الله يحكي عن ابي زيد المروزي رحمه الله أنه كان يقول: السنة أن يرفع يديه في دعاء القنوت، ويمسح بها وجهه، لأنه دعاء، وكان رحمه الله يقول: لا يسن عندي رفع اليدين فيه، ولا مسح الوجه بهما، لأنه دعاء في الصلاة، والأدعية المشروعة في الصلاة لا يسن فيها رفع اليدين، كقوله: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات في الشهد.
ولو ترك القنوت حتى ألصق الجبهة بالأرض لم يعد إليه، ثم إن كان ساهيًا سجد للسهو، وإن كان عامدًا، فعلى وجهين، وهذا أصل، وهو أن كل ما تركه سهوًا، يقتضي سجود السهو، فتركه عمدًا هل يقتضيه أم لا؟
فوجهان: فإن عاد إلى القنوت إن كان عالمًا بالتحريم بطلت صلاته، وإن كان جاهلا لم تبطل صلاته.
ولو لم يكن ألصق الجبهة بالأرض، إن كان أقرب إلى القيام، فعاد لم يلزمه سجود السهو.
ولا يسن في القنوت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لأن الصلاة ركن عندنا في الصلاة كالتشهد، فلو أتى به في غير محله لا يجوز كالتشهد.
فرع
لو قنت قبل الركوع، كما فعل عثمان هل تبطل صلاته أم لا؟
فعلى وجهين كما لو تشهد قائمًا فيه وجهان.
ولو أطال القنوت بعد الركوع، فمكروه إن جاوز العادة.
قال القاضي رحمه الله: يحتمل أن يقال: تبطل به الصلاة؛ لأنها قومة قصيرة مدها بالذكر الممدود، كالجلسة بين السجدتي والاعتدال في الركوع، ويحتمل الفرق، لأنها محل الدعاء، كما قلنا في التشهد الأول.
وهو رضي الله عنه، في الحكم بإبطال الصلاة إذا طال القنوت والجلوس في التشهد الأول متردد جدًا.
فأما في سائر الصلوات، فلا يسن القنوت إلا في الوتر في النصف الأخير من رمضان بعد بعد الركوع.
وإذا نزل بالمسلمين نازلة، فزاد في دعاء القنوت فحسن، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وقع قتل أهل بئر معونة، زاد اللعن في القنوت والدعاء عليهم.
واحتج أبو حنيفة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت شهرًا ثم ترك، فلما أجاب الشافعي رحمه الله بأنه كان يقنت في الصبح في جميع الأوقات فلما وقع قتل بئر معونة، زاد القنوت في جميع الصلوات، وكان عليه السلام قنت
شهرًا، ثم تركه، وكان يقنت بعد ذلك في الصبح بدليل ما روينا من الأخبار وقصة أهل بئر معونة ما روى أن أبا البراء الملقب بملاعب الأسنة أتي النبي عليه السلام بهدايا، وكان وفد وم فقال النبي عليه السلام إنك مشرك وإني لا أقل هدية المشركين، فإن شئت أن أقبلها فأسلم، فقال: أعرض على الإسلام، فعرض عليه الإسلام، فقال: هذا دين حسن، ولكني وفد قومي، فلا أقطع أمرا دونهم، فابعث معي جماعة من أصحابك ليعرضوا عليهم الإسلام حتى يسلموا، وأسلم معهم، فقال عليه السلام، أخاف عليهم نجدًا، فقال: إني جار لهم، يريد خفيرًا لهم، فبعث عليه السلام ستين نفرًا من أصحاب الصفة، كلهم قراء وأمر عليهم المنذر بن عمرو، ولم يكن لواحد منهم فرس إلا له، فركب فرسه فأنعق، فقال عليه السلام: إن المنعق ليموت، فلما بلغوا بئر معونة، كانوا قد استنجدوا بقريش فأنجدهم رعل، وذكوان وعصية، وقتلوهم وألقوهم في بئر معونة، ولم ينقلب منهم إلا رجلان: أحدهما أنصاري، والآخر عمرو بن أمية الضمري كانا قد خرجا في طلب بعير لهما ند، فلما رجعا استقبلتهما جارية، فقالت لهما: أنتما من أصحاب هذا الذي يقال أنه نبي؟ فقالا نعم، فقالت النجاة النجاة، قتل أصحابكم وألقوا في البئر، فقال الأنصاري: أنا لا أرغب عن مصرع صرع فيه المنذر بن عمرو، وقال عمرو، اصبر حتى أركب وأتوارى، فركب البعير وتوارى وسل الأنصارى سيفه، وكبر عليهم وقاتل حتى قتل، فجاء جبريل وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالحال ونزل بهذه الآية، أخبروا إخواننا أن قد لقينا ربنا، فرضي عنا، وأرضانا إن الله كان غفورًا رحيما.
ثم نسخت تلاوتها، فكان عليه السلام بعد هذه النازلة يقنت في جميع الصلوات ويلعنهم ويقول: اللهم العن رعلا وذكوان وعصية وأنج الوليد بن الوليد وعياش وسفيان والمستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعل سنيهم كسني يوسف.
نزل قوله تعالى (ليس لك من الأمر شيءٌ) فمنع من القنوت عليهم بعد شهر، وإنما ذلك لأنه كان في القبيلة من أسلم وفيهم من قضى الله تعالى له بالإسلام في سابق علمه.
روى أنه أسلم رجل منهم يقال له: الجار، فقيل له: ما كان سبب إسلامك؟ فقال: صعنت في رجل من المسلمين، ونفذته من ظهره، فأخذ قطرة من دمه ورماها نحو السماء، وقال فزت ورب الكعبة، فزت ورب الكعبة، فقلت: كيف فاز، وقد نفذت الطعنة إلى ظهره؟ فقيل: فاز بالشهادة.
فرع:
وينبغي أن يكون خشوعًا في الصلاة خاشعًا بقلبه، وبجميع أعضائه، والخشوع بالقلب ألا يتفكر في شيء من أشغال الدنيا، والخشوع بسائر الأعضاء، إن كان في حالة القيام ينظر إلى مسجده، وإن كان في حالة الركوع أن ينظر إلى
ظهر قدميه، وإن كان في حالة السجود أن ينظر إلى أنفه، وإن كان في التشهد أن ينظر إلى فخذيه، والله تعالى أعلم بالصواب.
قال المزني: قال الشافعي رحمه الله: والتشهد أن يقول: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله سلام عليك، أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، يقول: هذا في الجلسة الأولى، وفي آخر صلاته، فإذا تشهد صلى على النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
قال حدثنا الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى الكوفي قال: حدثنا أبو نعيم عن خالد بن إلياس، عن المقبري عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتاني جبريل عليه السلام فعلمني الصلاة فقام النبي صلى الله عليه وسلم فكبر بنا، فقرأ بنا: بسم الله الرحمن الرحيم، فجهر بها في كل ركعة.
قال القاضي حسين: الكلام في التشهد المختار وأقل ما يجزيه منه:
فأما المختار فتشهد ابن عباس.
قال الشافعي رحمه الله: كنا صبيانا في المكتب ونحن نعلم التحيات لله الزكيات الصلوات الطيبات لله، فلما كبرنا كتبنا الأحاديث.
عن عمر رضي الله عنه أنه كان يعلم الناس على المنبر هذا الذي قلناه، ثم بلغنا وكتبنا الأحاديث.
كتبنا عن ابن عباس أنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن يعني فاتحة الكتاب: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي ورحة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله.
وعند أبي حنيفة: التشهد المختار تشهد ابن مسعود: روى عن عبد الله مسعود أنه قال: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على فلان، وعلى فلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله، الصلوات الطيبات، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
والدليل على أن المختار ما قاله، وهو الأولى أن ابن عباس من متأخري الصحابة، وأن ابن مسعود من متقدميهم، والمتأخر يقضي على المتقدم، وابن عباس ممن دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، وفيما رواه زيادة المباركات، والأخذ بالزيادة أولى، ويقرب من نظم القرآن من قوله تعالى: (تحية من عند الله مباركة طيبة)، وهم يقولون فيما قلناه زيادة الألف واللام، والإقرار بالعبودية فنقول: التنوين مما يقوم مقامهما على أن السلام في القرآن كله منون من غير الألف، واللام إلا في قوله: والسلام على من اتبع الهدى، وقوله: والسلام على يوم ولدت، وهو اخبار عن قول عيسى.
وأما الإقرار بالعبودية مقابلة التصريح باسم الله تعالى، وأيهما أتى به اجزأه، ولا يستحب الجمع بينهما، فإن خلط أحدهما بالآخر.
قال القاضي رضي الله عنه: يجوز.
ولو أبدل التشهد بغيره، وأتى بمعناه لم يجز، لأنه - وإن لم يكن معجزًا - فهو ذكر مفروض متعين كالتكبير، بخلاف القنوت، وإنه سنة، وليس بركن فيجوز فيه الإبدال.
والترتيب شرط في التشهد كما في الفاتحة.
وحكى عن الشافعي قول آخر: أن الترتيب فيه ليس بشرط؛ لأنه ليس بمعجز.
فأما أقل التشهد؛ قال الشافعي رحمه الله: أن يقول: التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله، سلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
وقال ابن سريج: أقل ما يجزيه في التشهد أن يقول: التحيات لله، السلام عليك أيها النبي، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وأشهد أن لا إله الا الله وأن محمدا رسوله.
فالشافعي: رحمه الله اعتبر أقبل ما رود في الأخبار.
وابن سريج اعتبر المعنى، لما وجد الرحمة داخلة في السلام حذفها، ولما وجد قوله: سلام علينا، داخلا في قوله: على عباد الله الصالحين، ويلزمه أن يقول: سلام عليك أيها النبي وعلى عباد الله الصالحين، وأن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، اللهم صل على محمد وآله، ولا يقول: وعلى آله.
وقال الحليمي: ولو حذف الصالحين جاز، لأن مطلق اسم العباد يقع على عباد الله، الصالحين، كقوله، تعالى: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان، ثم ذكر الصلاة على النبي عليه السلام وقد ذكرنا أنها واجبة في التشهد الأخير وفي الأول قولين، وكيفية الصلاة أن يقول: اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم.
فأما قول القائل: وارحم محمدًا، وآل محمد، كما ترحمت على
إبراهيم، أو رحمت، غير مروى في الخبر، ولا تساعده العربية أيضًا، لأنه يقال: رحمه الله، ولا يقال: رحم عليه.
ومن قال: وترحمت فأبعد عن الصواب، لأن الترحم للتكلف، والله تعالى، لا يوصف بالتكلف للرحمة، وتسميته محمدًا صلى الله عليه وسلم واجب، ولا يجوز أن يقال: احمد وغيره، يدل علىه أنه لما نزل قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما.
قال المسلمون: عرفنا السلام عليك يا رسول الله، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم.
واختلفوا في الآل، فمنهم من قال: آله: صحابته وعترته.
ومنهم من قال: آله، الاتقياء من المسلمين.
روى: أنه عليه السلام سئل عن آله، فقال: كل مؤمن تقي.
وروي: «كل من آمن بي إلى يوم القيامة».
قال المزني: ومن ذكر صلاة وهو في أخرى، أتمها، ثم قضى، قال: حدثنا إبراهيم، قال الربيع: أخبرنا الشافعي، قال: التشهد بهما مباح، فمن أخذ بتشهد ابن مسعود، لم يعنف، إلا أن في تشهد ابن عباس زيادة.
قال القاضي حسين: عندنا الترتيب ليس بشرط في قضاء الفوائت بعضها مع البعض، ولا في قضاء الفوائت مع فرائض الأوقات، حتى لو ذكر خمس صلوات له أن يقضيها مرتبًا وغير مرتب.
ولو ذكر صلاة، وقد دخل عليه وقت الفرض، إن كان في الوقت سعة يخير بين أداء فرض الوقت، وبين قضاء الفائتة، غير أن المستحب أن يبدأ بقضاء الفائتة، لأنها استقرت في ذمته، ولو مات قبل فعلها يعصي الله تعالى مذهبًا واحدًا، وفرض الوقت لم يتأكد استقراره، لأنه لو مات قبل فعله لا يقضيه على أحد الوجهين، وإن كان في الوقت ضيق، فيبدأ بفرض الوقت، ثم بقضاء الفائتة حتى لا تفوت صلاة هذا الوقت، وأداء إحدى الصلاتين في الوقت، والأخرى خارج الوقت أحسن من أدائهما خارج الوقت، ولو تذكر صلاة، وهو في أخرى أتم التي هو فيها، ثم يقضي التي ذكرها، ولا فرق عندنا بين أن تدخل الصلوات الفوائت في حد التكرار بأن زاد على صلوات يوم وليلة، أو لم يدخل في حد التكرار، بأن كانت صلوات يوم وليلة أو دونها.
وقال أبو حنيفة: الترتيب شرط في قضاء الفوائت، ما لم تقع في حد التكرار، ولو ترك الترتيب لم يعتد به، إلا أن يتركه ناسيًا، فحينئذ يعتد به.
ووافقنا فيما لو وقع في حد التكرار، أو زادت عليه صلوات يوم وليلة، فلو ذكر صلوات يوم وليلة عنده يقضيها مرتبة، فلو عكسها، وبدأ بالعشاء، فصلاها، ثم المغرب، ثم العصر، وثم الظهر، وثم الصبح، فالصلوات الأربعة لا تصح إلا صلاة الصبح، وإذا دخل اليوم الثاني صحت الصلوات كلها؛ لأنها وقعت في حَدِّ التكرار.
ولو ذكر صلاة، وعليه فرض الوقت، إن كان في الوقت سعة يلزمه عنده أن يبدأ بالفائتة، فلو بدأ بفرض الوقت لم تنعقد.
ووافقنا فيما لو كان في الوقت ضيق أن يبدأ بفرض الوقت.
ولو ذكر صلاة، وهو في أخرى، وفي الوقت سعة أكمل التي هو فيها نفلًا، ثم يقضي الفائتة ثم يعيد الصلاة التي كان فيها لما ذكر الفائتة.
وإذا فاته صلاة الصبح مثلًا، لم ينعقد عنده ظهره، ولا عصره، ولا المغرب والعشاء حتى يدخل حتى يدخل اليوم الثاني، ويفترض عليه صبح اليوم الثاني، فتصح الصلوات التي لم يحكم بصحتها لوقوعها في حد التكرار.
دليلنا على أن لا ترتيب في قضاء الفوائت ما روى عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ذكر صلاةً، وهو في أخرى، فليتم التي هو فيها، ثم ليقض التي ذكرها».
وهم يرون عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ذكر صلاة وهو في أخرى، فليتم التي هو فيها، ثم ليقض التي ذكرها، ثم ليعد التي صلى».
وعندنا: هو محمول على الاستحباب، والمعنى فيه ترتيب يسقط بالنسيان، فلا يستحق أصلًا، كترتيب الشمال على اليمين في الطهارة، فإن قيل: ترتيب مستحق في الأداء، فوجب أن يستحق كترتيب أركان الصلاة بعضها على البعض.
قلنا: الترتيب في الأداء، إنما يستحق لحق الوقت، فإذا فات واجتمع الكل صارَ دَيْنًا في الذمة، وفات الوقت، فيسقط الترتيب كما في الصيام يجب الترتيب في أدائه، فإذا فات يسقط الترتيب.
فرع
رجل عليه فوائت لا يدري قدرها وعددها.
كان القفال رحمه الله يقول: يقال له: قدم وهمك، وخذ ما تتيقن فما تيقنت وجوبه في ذمتك، فعليك قضاؤه، وما شككت في وجوبه فلا، بخلاف ما لو شك في فرض أداء لوقت يلزمه فعله، لأن الأصل وجوبه، واشتغال ذمته به، ووقع الشك في سقوطه عن ذمته، وفيما نحن فيه شك في أصل الوجوب فبناء على اليقين.
والطريق فيه أن يقال: إذا كان عليه عدد من الصبح والظهر، هل يتيقن صبحًا او ظهرا واحدا.
فإن قال: نعم قلنا: عليك فعلها، ثم نقول له: هل تتيقن صبحين أو ظهرين.
فإن قال: نعم فنقول عليك فعلها هكذا إلى أن ينتهي إلى حالة يشك فيها، فنطرح عنه المشكوك، ونكلفه أداء اليقين.
قال القاضي حسين رحمه الله: عندي يقال للمصلي: كم تيقنت من فرائض هذه السنة قد أديتها، فالقدر الذي تيقنت سقط عنك، والباقي في ذمتك، لأن الأصل اشتغال ذمتك بالفريضة.
وأما ما قاله القفال يخرج على قوله القديم: إنه لو شك أنه هل ترك ركنا من أركان الصلاة فعلى قوله القديم، الأصل مضية على السلامة.
وفي الجديد: يلزمه الاستئناف؛ لأن الأصل اشتغال ذمته به.
ولو أنه على الشك قضى فائتة، فالذي يرجى فيها من فضل الله تعالى، أن يجبر بها خللا في الفرائض، ويحسبها له نفلاً.
قال: وسمعت بعض أصحاب القاضي أبي عاصم رحمه الله يقول: إنه قضى صلوات عمره كلها مرة، وقد استأنف قضاءها ثانيًا.