ولا الخريطة، ولا الصندوق، ولا الغلاف، فلو حمل المصحف بالعلاقة، قيل: فيه وجهان.
والصحيح أنه لا يجوز، ولو كان في عدل محكم وحمل العدل، فيه وجهان.
فأما مس كتب أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وحمله يجوز للمحدث، لأنه كلام، وهكذا كتب الفقه والتعاليق إذا كان فيها آيات من القرآن يجوز للمحدث حملها، لأنه لا يقصد بها القرآن.
فأما كتب التفاسير، فإن كتب على رسم القرآن بخط جلي، وكتب التفسير تحته بخط رقيق مقرمط، لا يجوز للمحدث مسه، وإن كتبت برسم التصانيف جاز.
فأما كتبه القرآن، هل يجوز للمحدث؟
ينظر، فإن وضع المصحف على حجر، فلا يجوز.
وإن وضعه على الأرض، فإن مست يده الحواشي والكاغد لا يجوز، وإلا فوجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه لم يوجد المس باليد.
والثاني: لا يجوز؛ لأن القلم متصل بيده، وهكذا إذا وضع المصحف على الرجل، وقلب الأوراق بالخشب، فيه وجهان.
فأما الصبيان، فإنهم يمكنون من حمل الألواح مع الحدث، وهل يمكنون من حمل المصاحف مع الحدث، أم يكلفون الطهارة؟
فيه وجهان:
أحدهما: تلزمهم الطهارة، كما إذا أرادوا الصلاة.
والثاني: لا؛ لعدم التكليف في حقهم.
وأما البالغ له أيضا حمل الألواح مع الحدث؛ لأنه لا يقصد به حمل القرآن، بل إنما يكتب عليه القرآن لأجل الحفظ لا للإثبات.
وفيه وجه آخر، أنه لا يجوز؛ لأنه إنما جوز في حق الصبي لأجل الضرورة، ولا ضرورة في حق البالغ، فأما الطراز على الثوب، أو ما يكتب على المصلي من آيات القرآن، ونقش الخواتيم، فللمحدث مسه إذا لم يقصد به إثبات القرآن، بل المقصود منه النقش.
فأما التعاويذ يكره للمحدث حمله، وفي الدراهم المكتوب عليها: (قل هو الله أحد)، وجهان.
وما يكتب على الحلاوى والأطعمة، فلا بأس بأكله، لو كتب على الجدار شيء، أو نقش على الخشب، فللمحدث مسه، فأما إحراق تلك الخشبة لا يجوز، لأن فيه إهانته.
فأما تعليم القرآن للكافر إن توسم فيه آثار الميل إلى الإسلام جاز له ذلك، وإلا فلا يجوز.
ولا يجوز حمل المصحف إلى دار الكفر، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم، نهي عن ذلك، ويجوز أن يكتب رقعة إلى الكفار فيها آية من القرآن.
كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم (الشام) كتابصا؛ فيه: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) الآية، ولا يمكن الصبيان من محو الألواح بالأقدام؛ لأن فيه تهاونًا به.
هذا كله تفريع على مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: يجوز للمحدث مس المصحف، لا موضع المكتوب، وهذا لا يصح لقوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون).
قال الشافعي: ولا يمتنع من قراءة القرآن إلا جنبًا.
قال القاضي حسين: لا يجوز للجنب أن يقرأ شيئا من القرآن، وإن قل، ولو قرأ عصي الله تعالى ويأثم إذا قصد القرآن، فإذا قصد التبرك لافتتاح الأم بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) جاز.
أو ذكر الحمد على جهة الشكر، أو قال عند المصيبة: (إنا لله وإنا إليه راجعون).
أو عند الخاتمة: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة)، وإلى آخره جاز.
وقال أبو حنيفة في رواية: له أن يقرأ ما دون الآية.
وفي رواية: ما دون ثلاث آيات، وفي رواية: ما لم يدخل في حد الإعجاز، وهذا لا يصح.
لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن).
فأما الحائض فلا تقرأ القرآن، وإن قل في ظاهر المذهب، كالجنب.
وقال أبو ثور: قال أبو عبد الله: للحائض أن تقرأ القرآن.
منهم من قال: أراد به مالكًا، ومنهم من قال: أراد به الشافعي.
ومنهم من قال أراد به أحمد، لأنه يكني هؤلاء بأبي عبد الله، فحصل فيه قولان:
أحدهما: لا يجوز لها قراءة شيء من القرآن كالجنب.
والثاني جاز، لأن الحيض ربما يمتد إلى زمان طويل، أو كانت معلمة، فيؤدي إلى انقطاع كسبها لو منعناها عن القراءة، وربما تنسي في هذه المدة بخلاف مدة الجنابة، إلا أن هذا لا يصح، لأنه يمكنها أن تستخلف في التعليم، وتطالع في المصحف، ولا تقرأ كي لا ينقطع كسبها، ولا تنساه.
يجوز للمحدث قراءة التوراة والإنجيل، وما نسخ من القرآن من سورة الحمد، وهو قوله: اللهم إنا نستعينك ... إلى آخره.
وقوله: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيم).
ومن قوله: (أنا الرحمن، وهي الرحم شققت الرحم من اسمي، فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته).
ومن قوله: (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين).
والدليل على أنه لا يجوز للجنب قراءة القرآن ما روى أن عبد الله بن رواحة اتهمته امرأته بأنه قد ألم بجارية له، فقالت: إن لم تجامعها فاقرأ القرآن، فأخذ يقرأ:
شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا
إلى آخر الأبيات، فقالت: صدقت وكذبت عيناي.
واتفقوا على أن قراءة القرآن حرام غير جائز للجنب.
فرع
المستحب للمتوضي ألا يستعين بأحد على وضوئه، لما روى عنه عليه السلام أنه قال: أما أنا فلا أستعين بأحد على وضوئي
وكان عليه السلام، لا يكل أمر وضوئه، ولا يكل صدقته إلى الغير.
ولو استعان جاز، لما روي عن المغيرة بن شعبة أنه قال: كنت أسكب له الوضوء.
وروى عن أنس مثل ذلك
فرع
المستحب أن لا ينشف أعضاء الوضوء لما روى عن ميمونة أنها قالت: توضأ النبي صلى الله عليه وسلم فأتيته بمنديل لينشف به أعضاء الوضوء فردني، ونفض يديه.
ولو نشف جاز، لما روى عن عائشة، رضي الله عنها أنها قالت: كان للنبي صلى الله عليه وسلم خرقة ينشف بها أعضاء الوضوء.
فرع
إذا كان لرجل قدمان على ساق أو يدان على منكب، قال: كانا أسفل الكعبين والمرفقين لا خلاف أنه يجب غسلهما، كالإصبع الزائدة، وإن كانا فوق الكعبين، أو فوق المرفقين، فلا يجب غسلهما.
فرع
إذا كان على أعضاء طهارته ما يمنع وصول الماء إلى البشرة، مثل الشمع والشحم الذائب، ودهن السندروس، وعين الجبر وعين الحناء لا يصح وضوؤه، لأنه يمنع وصول الماء إلى البشرة.
فأما أن الحناء والمداد وسائر الأدهان لا يمنع صحة الوضوء، لأن هذا الأشياء لا تمنع وصول الماء إلى البشرة، وإنما تمنع ثوبته عليها، والشرط هو المرور، وقد وجد.
فأما قرار الماء على البشرة فليس بشرط، والله أعلم بالصواب.
باب الاستطابة
قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنما أنا لكم مثل الوالد، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرهما بغائط ولا ببول، وليستنج بثلاثة أحجار، ونهي عن الروث والرمة.
قال الشافعي: وذلك في الصحارى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جلس على لبنتين مستقبل بيت المقدس، فدل أن البناء مخالف للصحاري.
قال القاضي حسين الاستطابة والاستجمار والاستنجاء واحد، لأن الاستطابة طلب الطيب.
والاستجمار: طلب الجمار والأحجار.
والاستنجاء: إزالة النجاسة، النجو، وهو العذرة.
فالكل عبارة عن إزالة النجو عن محل مخصوص، والأصل فيه ما روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إنما أنا لكم مثل الوالد، فإذا ذهب أحدكم الغائط، فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها بغائط ولا بول، وليستنج بثلاثة أحجار.، ونهي عن الروث والرمة.
قوله: إنما أنا لكم مثل الوالد.
له تفسيران.
أحدهما: أن شفقتي عليكم كشفة الوالد على ولده، وأقيكم من عذاب النار كما يقي الوالد ولده من النار.
والثاني: أنه قصد أن يذكر أمرًا يحتشم فبدأه بأن قال: إنما أنا لكم مثل الوالد، يعني: لا تحتشموا مني في تعلم آداب الطهارة وأمورها، كما لا يحتشم الولد من الوالد، ثم قال: (إذ جاء أحدكم الغائط): اسم للمكان المطمئن من الأرض، إلا أنه سمى النجو باسمه، ويعبر به عنه مجازًا، لكثرة خروج الناس إليه عند الحاجات.
ثم قال: (ولا يستقبل القبلة): لا يجوز استقبال القبلة واستدبارها في الصحارى للغائط والبول، ويجوز كلاهما في البنيان.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز الاستقبال فيهما، وعنه روايتان في الاستدبار:
إحداهما: يجوز فيهما.
والثانية: لا يجوز فيهما.
والحديث محمول على أن النهي ورد في الصحاري بدليل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جلس في بيت حفصة على لبنتين مستقبل بيت المقدس يقضي حاجته، ومن كان مستقبلا بيت المقدس بالمدينة كان مستدبر الكعبة، فدل على أن البناء مخالف للصحاري فيه، والبنيان ما كان مستقفا، أو كان محوطا، ويمكن تسقيفه فليس حكمها حكم البنيان إلا إذا كان بين يديه سترة من جدار وغيره، بحيث يستر أسفل بدنه، فإن حكمه حكم البنيان لما روى عن ابن عمر أنه حفزه البول، فأناخ راحلته، فتوجه للقبلة وبال قائمًا.
ولأي معنى يكره الاستقبال والاستدبار في الصحارى؟
فيه معنيان:
أحدهما: أن الصحارى لا يخلو عن مصلى يصلي فيه من ملك أو جني أو إنسي، فربما وقع على فرجه فيتأذى به، فأما الحشوش في البنيانات، فإنها موضع الشياطين، فيخلو عن المصلين فيه.
والثاني: أن الصحارى المكان فيها واصع، فلا تلحقه المشقة في ترك الاستقبال والاستدبار بخلاف البنيان، فإن المكان فيه ضيق، فربما تلحقه المشقة في ترك استقبال القبلة واستدبارها واتخاذ المستجمر والخلاء بجانب آخر، فلا يكون منهيا في البنيان، ثم قال عليه السلام، (وليستنج بثلاثة أحجار).
العدد شرط في الاستنجاء.
وأصل الاستنجاء واجب بدليل هذا الخبر، وإنما يكون الاستنجاء بالأحجار إذا لم يعدو المخرج، على ما سنبين بعده إن شاء الله تعالى.
ثم نهي عن الروث والرمة.
لا يجوز الاستنجاء بالأشياء من: (الروث والبعر والعذرة والسرجين، وأراد بالرمة العظم).
ونبه في خبر آخر على المعنى، وقال: (أما الرمة فإنها زاد إخوانكم من الجن، وأما الروث فعلف دوابهم).
قال الشافعي: وإن جاء من الغائط، أو خرج من ذكره، أو من دبره شيء، فليستنج بالماء، وليستطب بثلاثة أحجار، ليس فيها رجيع، ولا عظم.
قال القاضي حسين: الاستنجاء واجب في الجملة، إما بالماء أو بالأحجار، ولا يجب الجمع بينهما، بل يستحب ذلك، ويجوز الاقتصار على كل واحد منهما، إلا أن الأولى أنه إذا أراد الاقتصار على أحدهما أن يقتصر على الماء، لأنه أقوى في الإزالة، حيث يزيل العين، والأثر بخلاف الحجر.
وقال أبو حنيفة، إن كان النجاسة، قدر الدرهم أو أقل فهو عفو، وهكذا قال في النجاسة في سائر البدن، وإن زاد على ذلك، فيجب إزالتها بالماء، ولا يجوز الاقتصار على الأحجار.
والدليل عليه قوله عليه السلام: (وليستنج بثلاثة أحجار) أمر، والأمر على الوجوب، وروى أنه قال: (لا يجزيء أحدكم في الاستنجاء أقل من ثلاث مسحات).
دل على أن الثلاثة تجزيء.
إذا ثبت هذا؛ فالخارج قسمان: ريح، وعين.
فأما الريح لا توجب الاستنجاء، لأن الاستنجاء كاسمه شرع لإزالة النجو، فإذا خرجت ريح فلم يوجد النجو حتى يزال.
فأما العين فعلى قسمين: رطب، ويابس.
فأما الرطب فعلى قسمين: معتاد مثل البول والغائط، أو نادر مثل القيح، والدم والصديد، وغيره.
فإن كان معتادًا؛ لا خلاف في أنه يجوز الاستنجاء فيه بالأحجار كما يجوز بالماء.
فأما غير المعتاد، ظاهر ما نص ها هنا أنه يجوز الاستجاء فيه بالأحجار، لأنه قال: شيء، ولم يفصل.
وقال في رواية الربيع: لو تخلي دما أو قيحًا، فليس له أن يستنجي بالأحجار.
وقال في القديم، لو كان في جوف مقعدته بواسير، بالباء والنون، والصاد والسين، فخرج منها دم فلا يجزئه إلا الماء، فجعل بعض أصحابنا في المسألة قولين:
أحدهما: يجوز الاقتصار فيه على الأحجار، كما في المعتاد.
والثاني: لا؛ لأنه نادر، والرخصة وردت في المعتاد.
ومنهم من قال: قول واحد إنه يجوز.
وما قال في القديم أراد به إذا كان على بشرته قروح وبثور، فخرج منها دم فلا يجزئه إلا الماء، لأنها نجاسة خرجت من الظاهر.
ومنهم من قال: في النقل تصحيف، لأنه قال: ولو كان في جوف معدته بواسير.
فعلى هذا لو انثقبت ثقبة في بدنه، فخرج منه المعتاد، فإن كان تحت المعدة، فلا يخلو إما أن أنسد موضع المعتاد، أو لم ينسد موضع المعتاد، فإن انسد ذلك وخرج المعتاد من هذه الثقبة، لا خلاف أنه تنتقض طهارته.
وهل يجوز الاقتصار فيه على الأحجار؟
فيه وجهان بناء على ما لو خرج غير المعتاد من مخرج المعتاد.
إن قلنا هناك: يجوز اعتبارًا بالمخرج، فها هنا لا يجوز.
وإن قلنا هناك: لا يجوز اعتبارًا بالخارج، فها هنا يجوز.
فعلى هذا تنتقض الطهارة بمس تلك الثقبة.
وهل يجوز الحد بإيلاج الفرج فيها أم لا؟
فيه وجهان، والصحيح أنه لا يجب.
فأما إذا خرج منه غير المعتاد تنتقض طهارته.
وهل يقتصر على الأحجار؟
هل ينبني أيضًا على ما إذا خرج غير المعتاد من مخرج المعتاد.
إن قلنا: لا يجوز فيه الاقتصار على الأحجار، فها هنا أولى.
وإن قلنا هناك: يجوز فها هنا وجهان.
والفرق أن هناك المخرج معتاد، وها هنا المخرج والخارج كل واحد منهما غير المعتاد.
فأما إذا لم ينسد موضع المعتاد وخرج المعتاد من هذه الثقبة، هل ينتقض به الطهارة أم لا، فيه قولان:
أحدهما: ينتقض لوجود غير المعتاد.
والثاني: لا.
إن قلنا: ينتقض، فهل يجوز فيه الاقتصار على الأحجار؟
فعلى ما ذكرنا من الاختلاف، فأما إذا كانت الثقبة فوق المعدة، فإن لم ينسد موضع المعتاد، فلا ينتقض طاهرته، وإن انسد موضع المعتاد، فهذا ينبني على ما إذا كانت الثقبة تحت المعدة، وخرج منها المعتاد، ولم ينسد موضع المعتاد.
إن قلنا هناك: لا ينتقض وضوءه، فها هنا أولى.
وإن قلنا هناك: ينتقض وضوءه، فها هنا وجهان.
والفرق أن هناك صار الخارج مستحيلا متغيرا لخروجه من المعدة، وها هنا لم يتسحل، ولم يتغير لأنه لم يخرج من المعدة، فأشبه القيء.
فأما إذا كان جامدًا؟
قال المزني في الجامع الكبير، إن عليه الاستنجاء، ثم قال بعده بأسطر: ولو زجر فيلقي مثل البعرة، فبماذا يستنجي؟
فحصل فيه قولان:
أحدهما: لا يجب إذ لا بلل فيه.
والثاني: يجب لأنه لا ينفك عن البلل.
وكذا القولان في المرأة إذا ولدت ولدا ولم تر الدم، هل يجب الاغتسال عليها أم لا؟
فيه قولان: وسيأتي بعد هذا.
قال الشافعي: ولا يمسح بحجر قد مسح به مرة إلا أن يكون قد طهره بالماء.
قال القاضي حسين: فلو استنجى بحجر، ثم غسله وجففه، لا خلاف أنه يجوز الاستنجاء به ثانيًا، وإن كان قبل التجفيف لا يجوز.
فأما إذا رماه في المضحي حتى شرقت عليه الشمس أو هبت عليه الرياح حتى اندرست نجاسته، ظاهر ما نص ها هنا: أنه لا يجوز به الاستنجاء.
وقال في الإملاء: لو استنجي بحجر، فألقاه في المضحاة حتى شرقت عليه الشمس جاز أن يستنجي به.
وقال في القديم: إذا بيل على الأرض جاز الصلاة عليها.
ولا يجوز التيمم بترابها، فحصل في وقوع التطهير بغير الماء قولان، لما ذكرنا من اختلاف النصين.
إن قلنا: غير الماء يطهر، فقولان آخران:
أحدهما: يطهر الظاهر والباطن.
والثاني: يطهر الظاهر دون الباطن؛ لما قال في القديم.
وخرج الخضري على هذا وقال: إن قلنا: الشمس تطهر، فالنار أولى، لأنها تحلل النجاسة لقوتها، فعلى هذا لو طبخ آجر من طين نجس يصير طاهرًا وهذا مذهب أبي حنيفة.
قال الشافعي: والاستنجاء من البول كالاستنجاء من الخلاء.
قال القاضي حسين: فنذكر أولا حكم الاستنجاء من الخلاء، وقد ورد فيه خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (حجران للصفحتين وحجر للمسربة).
وقال الشافعي في الكبير: يمسح صفحته اليمني بحجر، وصفحته اليسرى بحجر، ويحلق بالثالث.
ولكن قال أصحابنا: لو فعل هكذا فلا يحصل إلا مرتين.
قال الشيخ أبو زيد: يأخذ حجرًا بيده اليسرى، ويبدأ بمقدم صفحته اليمني، ويضعه في مكان طاهر، ثم يدير الحجر قليلا قليلا، حتى ترفع بكل جزء من الحجر الطاهر جزءا من النجاسة، ولا يجره جرا إلى أن ينتهي إلى مؤخر صفحته اليمني، ثم يمره على الصفحة اليسرى إلى أن ينتهي من الموضع الذي بدأ منه، ثم يأخذ حجرًا آخر، ويضعه في مكان طاهر من مقدم صفحته اليسرى، ويفعل ذلك مثل ما في الأول، ويديره إلى أن ينتهي إلى المكان الذي بدأ منه، ثم يأخذ حجرًا ثالثًا، ويحلق به المسربة.
فإن فعل هكذا صار مستوعبًا جميع المحل بالأحجار الثلاثة.
وكلام الشافعي متأول على هذا المعنى، وإنما قلنا: لا يجره كي لا تتحول النجاسة من محل إلى محل، فحينئذ لا يجزئه إلا الماء، وإنما قلنا: يضعه على مكان طاهر، حتى يحصل له استيعاب المحل بالاستنجاء بالأحجار، كما قلنا في الطهارة: إنه يغسل جزءا من الرأس لاستيعاب الوجه بالغسل، هذا كله إذا كانت النجاسة على المحل الذي لاقاه عند الخروج من الباطن، حتى لو مشي خطوات حتى التصق إحدى الإلتين بالأخرى، وتنتقل النجاسة من محل إلى محل، فإنه لا يجزيء إلا الماء.
فاما إذا لم يكن بجنبه ما يستنجي به، فلو زحف قليلا على رجليه ليأخذ الحجر، ولم تسطك إحدي الأليتين بالأخرى فلا بأس به.
إذا ثبت هذا فقوله: الاستنجاء من البول كالاستنجاء من الخلاء يعني في الوجوب والعدد.
فأما كيفيته أن يمسح العضو على جدار طاهر، أو أرض طاهرة إذا كانت صلبًا في ثلاثة أماكن.
فلو فعل ذلك في ثلاث مرات في موضع واحد لا يجوز، ولا يجزئه بعده إلا الماء، وكذا لو وضع رأس الإحليل على الجدار ومسحه من أسفل إلى الأعلى لا يجوز، ولو مسح عليها من الأعلى إلى أسفل جاز.
قال الشافعي: ويستنجي بشماله.
قال القاضي حسين: السنة أن يستنجي بشماله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن الاستنجاء باليمين، لأن اليمين معدة للكرامات، فتستعمل في الطاعات، وفيما يعلو من البدن.
والشمال للإهانة فتستعمل في القاذورات.
قال الشافعي: وإن استطاب بما يقوم مقام الحجارة، من الخزف والآجر، وقطع الخشب، وما أشبه فأنقى ما هنالك أجزأه، ما لم يعد المخرج فإن عدا المخرج فلا يجزئه فيه إلا الماء.
وقال في القديم: يستطيب بالأحجار- إذا لم يتنتشر منه إلا ما ينتشر من العامة في ذلك الموضع وحوله، والفرق بين أن يستطيب بمينه، فيجزئ وبالعظم، فلا يجزيء أن اليمين أداة، والنهي عنها أدب، والاستطابة طهارة، والعظم ليس بطاهر فإن مسح بثلاثة أحجار، فلم ينق أعاد، حتى يعلم أنه لم يبق أثرا إلا أثيرا لا صفا، لا يخرجه إلا الماء، ولا بأس بالجلد المدبوغ أن يستطاب به، وإن استطاب بحجر له ثلاثة أحرف كان كثلاثة أحجار، إذا أنقي، ولا يجزيء أن يستطيب بعظم، ولا نجس.
قال القاضي حسين: النص ورد في الأحجار، إلا أن عندنا لا يختص جواز الاستنجاء بالأحجار.
وقال داود: أنه يختص به، وقاسه على رمي الجمار.
والفرق بينهما أنه غير معقول المعنى، فإنه لا يدري أنه يعني به الكرامة أو
الإهانة أو غيرهما، وها هنا المقصود منه الإزالة، فكل ما يحصل به الإزالة يجعل في معناه كالماء وحده.
قال أصحابنا: كل عين جامدة طاهرة قالعة للنجاسات، غير محترمة ولا مخلفة يجوز الاستنجاء به.
وعبر عنه الشيخ سهل الصعلوكي، بأن قال: كل ما نظف ونظف وانصرف فردا ولم يخلف بالاستعمال لهم يتلف يجوز الاستنجاء به، فعلى هذا ما كان لينا مثل الخرقة اللينة، والقطن اللين، والبيضة والزجاجة الملساء لا يجوز الاستنجاء به.
وكذلك ما كان نجسًا أو كان رطبًا لا يجوز الاستنجاء به.
ولو استنجي بشيء من هذه الأشياء، فلا يجزئه إلا الماء بعده.
فأما إذا كان محترمًا لا يجوز الاستنجاء به.
أما الخبر اللين، كما ذكروا الخبز اليابس لا يجوز الاستنجاء به، ولكن لو فعل بجهل فهل يسقط به الفرض؟ وجهان.
وأما العظم، إن كان فيه رطوبة أو دسومة لا يجوز، وإن كان يابسًا خشنًا في سقوط الفرض، به وجهان.
فأما أوراق المصحف لا يجوز الاستنجاء به، ولو اعتقد جوازه يكفر.
ولكن لو فعله تهاونًا ففي سقوط الفرض به وجهان، ولا خلاف في جواز
الاستنجاء بالأوراق التي يكتب عليها التوراة، وفي هذه المواضع الثلاث إذا لم يحكم بسقوط الفرض عنه، فيجوز بعده الاستنجاء بالحجر، لأن هذه الأشياء في نفسها قالعة للنجاسة، بخلاف الرطب والأملس، لأنها تنقل النجاسة، ولا تقلعها، فأما الحممة.
نص في «البويطي» على أنه لا يجوز الاستنجاء بالحممة، ونص في رواية الربيع على أنه يجوز بالمقابس أو المقانس، من أصحابنا من جعل المسألتين على قولين، ومنهم من قال: بل على حالين:
حيث قال: يجوز؛ أراد به إذا كان صلبًا لا يتناثر، وحيث قال: لا يجوز، أراد به إذا كان رخوًا يتناثر.
فأما التراب نصَّ على جواز الاستنجاء به في القديم.
وقال في موضع آخر: لا يجوز، فحصل فيه قولان.
أحدهما: يجوز.
والثاني: لا يجوز.
ومنهم من قال: لا يجوز قولا واحدًا، وما ذكره في القديم أراد به إذا كان منعقدًا مثل المدر.
إن قلنا: يجوز، فيحتاج إلى أن يستنجي أربع مرات، لأنه إذا استنجى به مرة يلتصق التراب بالمحل.
وفي الثانية يتناثر عن المحل.
وفي الثالثة يلتصق بالمحل، فيحتاج إلى المرة الرابعة، كي يتناثر عن المحل، ويستحب له الخامسة لأجل الانتثار، والله تعالى أعلم بالصواب.
قوله: (ما لم يعد المخرج ...).
قال القاضي حسين: نقل المزني عن الجديد: إنما يجوز ما لم يعد الخارج المخرج، ونقل عن القديم، يستطيب بالأحجار، إذا لم ينتشر منه إلا ما ينتشر من العامة في ذلك الموضع وحوله.
ونقل الربيع: ما لم يخرج إلى ظاهر الأليتين.
من أصحابنا من جعل المسألة على ثلاثة أقوال إتباعًا للنص.
والأصح أنها على قول واحد كما ذكره في القديم.
والمزني أخلَّ بالنقل في الجديد، حيت ترك قوله وحوله.
ما نقله الربيع موافق له، فإنه إذا لم يخرج إلى ظاهر الأليتين فلم ينتشر إلا ما ينتشر من العامة.
فأما إذا خرجت النجاسة إلى ظاهر الأليتين لا خلاف أنه يغسل بالماء ما ظهر على الأليتين، فأما ما حوالي المخرج، فإن كان متصلا بما على ظاهر الأليتين لا يجزئه إلا الماء أيضا دون الأحجار، لأنه لا يتصور غسل البعض بالماء، لأن رطوبة المغسول تتعدى إلى الباقي.
فأما إذا كان منفصلا عنه وبينهما فرجة، يجوز أن يقتصر فيه على الأحجار.
قوله: (والفرق بين أن يستطيب بيمينه فيجزيء، وبالعظم لا يجزيء).
قال القاضي حسين: لأن اليمين آلة صالحة للإزالة، إلا أن الاستعمال منهي، فحصلت به الإزالة معه، فأما العظم ليس بصالح للإزالة، فالقصور في الآلة،
فلا تحصل الإزالة، وصار هذا كالتوضؤ بالماء الطاهر في أواني الذهب والفضة يجوز، والتوضؤ بماء الورد في الأواني الخزفية لا يجوز.
قوله: (وإن مسح بثلاثة أحجار فلم ينو أعاد).
قال القاضي حسين: عندنا المعتبر في الاستنجاء بالأحجار أغلظ الأمرين من الإنقاء والعدد حتى لو لم ينق بالثلاث وجب عليه الزيادة حتى ينقي، ولو أنقى بالرابعة استحب له أن يأتي بخامس للإيتار.
ولو أنقي بدون الثلاث لزمه إلى تمام الثالثة تعبدًا، وإن كان المقصود منه معقول المعنى كما قلنا في العدة: إنها شرعت لبراءة الرحم، وذلك يحصل بقرء واحد، ويجب قرءان آخران تعبدا كذا هذا مثله، فلو أنقى بواحدة، ثم ستنقي بعده مرتين، فهل يجوز استعمال تلك الحجرين في وقت آخر أم لا؟
فعلى وجهين:
أحدهما: يجوز كما في رمي الجمار.
والثاني لا: لأنه صار مستعملا، وأدي به الفرض، فصار كالماء المؤدي به الفرض مرة.
وقال مالك: لا اعتبار فيه بالعدد، وقاسه على الاستنجاء بالماء، والدليل عليه قوله عليه السلام: (وليستنج بثلاثة أحجار.).
وظاهر الأمر على الوجوب، ولأنها عبادة ورد الشرع فيها بالأحجار، فتستوي فيها الثيب والأبكار، وللعدد فيه اعتبار دليله رمي الجمار.
وليس كالماء؛ لأنه يفيد يقين الطهارة، والحجر يفيد من حيث الظاهر، فصار كالعدة بوضع الحمل مع العدة بالأقراء.
قوله: (ولا بأس بجلد المدبوغ أن يستطاب به).
قال القاضي حسين: وقال في رواية حرملة: لا يجوز الاستنجاء بشيء من الجلود، فحصل في جواز الاستنجاء بالجلد المدبوغ قولان، فأما المذكي.
قال الشافعي: ولا أعرف شيئا أشبه باللحم من الجلد؛ لأن الشاة تسمط ويؤكل جلدها.
فعلى هذا إن كان بعد الدباغ فعلى ما ذكرنا، وإن كان قبل الدباغ لا يجوز، لأنه في معنى الطعام، ولكن لو استنجى بالجانب الذي يلي الشعر جاز أيضًا؛ لأن الشعر يمنع وصول البلل إلى ما هو المأكول، وإن كان إلى جانب اللحم لا يجوز الاستنجاء به.
قوله: (لو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف كان كثلاثة أحجار إذا أنقى).
قال القاضي حسين: لأن المقصود منه الإنقاء، والمعتبر فيه المسحات، وقد وجد.
وقال داود: هو بمنزلة حجر واحد، وهذا لا يصح، لأن المقصود منه لما كان ما ذكرنا، فهذا الحجر ينزل منزلة ثلاثة أحجار في حصول المقصود به.
فرع
الخنثى المشكل له أن يقتصر على الأحجار في الدبر، ولا يجوز في المبالين إلا الماء لأجل الإشكال، فإذا ارتفع الإشكال يجوز له استعمال الحجر فيما هو دون الفرج.
فرع
المرأة إذا كانت بكرًا لها الاقتصار على الأحجار في الفرجين، فأما الثيب لا يجوز لها الاقتصار على الأحجار في القبل إذا انتشر منها البول انتشارًا.
قال القاضي: إن لم ينتشر فجازلها الاقتصار على الأحجار.
فرع
ذكر أبو بكر الفارسي في عيون المسائل عن الشافعي أنه قال: لو تيمم، ثم استنجي لا يجوز، ولو توضأ بالماء ثم استنجي يجوز.
من أصحابنا من جعل المسألتين على قولين نقلا وتخريجًا.
ومنهم من أقر النصين قرارهما، وفرق بينهما بأن في التيمم طلب الماء شرط وواجب عليه الاستنجاء وذلك يبطل التيمم، فصار كما لو تيمم ثم رأي سوادا أو رفقة أو غيره يبطل تيممه حين يجب عليه طلب الماء بخلاف الوضوء، لأن طلب الماء هناك لا يبطل الوضوء.
فإن قيل: لو كان على بدنه نجاسة فتيمم، وجب أن يبطل تيممه أيضا؛ لأن طلب الماء واجب عليه أيضا ها هنا.
قلنا: إن كان عالمًا في ابتداء التيمم لا يبطل تيممه بعد ذلك، لأنه إذا طلب الماء في الابتداء فذاك الطلب يقع عنهما، لأن طلب الماء متعين عليه، لأنه لا يجوز فيه الاقتصار على الأحجار، فعلى هذا لو لم يعلم بالنجاسة حتى تيمم، أو طرأ النجاسة على بدنه بعد التيمم بطل تيممه بذلك؛ لأنه تجدد عليه الطلب لذلك.
فصل: في آداب قضاء الحاجة
إذا أراد الرجل أن يتخلي، فالسنة أن يتباعد عن الناس حتى لا يطلع عليه أحد، وألا يرفع ذيله إلا بعد أن يدنو من الأرض، وألا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها في الصحارى، وأن يطلب مكانًا لينا رخوا كيلا يترشش البول عليه، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان في بعض أسفاره، فأخذه البول فنزل وكان يطلب دمثًا من تحت الحائط، وهو المكان اللين، ثم توجه للقبلة، وبال قائمًا، وقال: (إذا أراد أحدكم أن يبول فليرثد)، يعني: فليطلب مكانًا لينًا.
وقيل: إنما بال قائمًا، لما به من وجع البطن، لأن العرب تعالج بالبول قائمًا لوجع البطن، وهي عادة أهل (هراة) فإنهم يبولون قيامًا في كل سنة مرة إحياء لتلك السنة، ولا يبول في الجحر، فإنه موضع الجن، ولا يستقبل وجهه إلى مهب الريح، كي لا يترشش عليه البول، ولا يبول تحت الأشجار، وعلى أفواه الطرق؛ لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: اتقوا
اللاعنين)، قيل: يا رسول الله، وما اللاعنان؟ قال: (أن يتخلي في طرق الناس وظلهم).
وإذا فرغ من البول وجب عليه الاستبراء، لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه).
والاستبراء: أن يأخذ ذكره بيده اليسرى، ويمده مدا متفاحشًا حتى لو بقي في الإحليل قليل بلل لخرج بالمد.
وروى عنه عليه السلام، أنه قال: إذا بال أحدكم فينثر، وفي رواية: فليستنثر.
يعني: فليمد الذكر مدًا متفاحشًا، ثم إن كان في هبوط فيرتقي إلى الصعود، وإن كان في صعود من الأرض، فينحدر إلى الهبوط أو يمشي خطوات ويقفز قفزات، ويتنحنح.
وإذا أراد أن يدخل المستحم، فيبدأ باليسرى، ويقول: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، اللهم إني أعوذ بك من الرجس الخبيبث المخبث الشيطان الرجيم.
ولا يبول في المستحم لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: (لا يبولن أحدكم في المستحم، فإن عامة الوسواس منه).
منهم من قال: أراد به ألا يبول في الموضع الذي يتغوط فيه، والصحيح أن المراد أنه لا يبول في المغتسل، كي لا يترشش عليه البول؛ لأن ذلك يشق عليه.
وإذا خرج، فيبدأ برجله اليمني ويقول: غفرانك، غفرانك.
والله تعالى أعلم بالصواب.
باب الحدث
قال الشافعي: والذي يوجب الوضوء الغائط والبول والنوم مضطجعًا وقائمًا وراكعًا، وساجدًا وزائلاً عن مستوى الجلوس، قليلاً كان النوم أو كثيرًا، والغلبة على العقل بجنون أو مرض، مضطجعًا كان أو غير مضطجع، والريح يخرج من الدبر، وملامسة الرجل المرأة، والملامسة: أن يفضي بشيء منه إلى جسدها، أو تفضي إليه، لا حائل بينهما، أو يقبلها، ومس الفرج ببطن الكف من نفس (ومن) غيره، من الصغير والكبير، والحي والميت، والذكر والأنثى، وسواء كان الفرج قبلا أو دبرا، أو مس الحلقة نفسها من الدبر، ولا وضوء على من مس ذلك من بهيمة، لأنه لا حرمة لها، ولا تعبد عليها، وكل ما خرج من دبر، أو قبل، من دود أو دم، أو مذي، او ودي، أو بلل، أو غيره، فذلك كله يوجب الوضوء، كما وصفت ولا استنجاء على من نام، أو خرجت منه ريح.
قال القاضي حسين: ما يوجب الوضوء أربعة أشياء: اثنان متفق عليهما، وهو الخارج من السبيلين، والغلبة على العقل بأي سبب كان.
واثنان مختلف فيها منها ما يوجب نقض الطهارة عندنا، ولا يوجب عند أبي حنيفة، وهو الملامسة، ومس الذكر ببطن الكف، ومنها ما يوجب نقض الطهارة عنده، ولا يوجب عندنا وهو الخارج من الباطن، إلى الظاهر، من غير السبيلين إذا كان متفاحشًا، والقهقهة في صلاة ذات ركوع وسجود.
ثم رجعنا القهقهرى إلى الأول فنقول: ما يخرج من السبيلين يوجب الوضوء عندنا على أي صفة كان، سواء كان ريحًا أو عيناً، نادرًا أو معتادًا، وإذا خرج من الدبر أو من القبل ريح.
وقال أبو حنيفة، خروج الريح من القبل لا يوجب نقض الطهارة، لأنه لا يتصور خروج الريح منه، وعندنا يوجب ذلك؛ لأن الرجل إذا كان أدر قد قيل بأنه يتصور خروج الريح من قبله.
فعلى هذا إن تحقق ذلك منه يوجب نقض الطهارة، وإن وجد قلقلة في خصيته، او في بطنه، ولم يخرج منه شيء، فا تنتقض طهارته.
وقال مالك: ما خرج منه نادرًا، مثل الدود والحصى والدم ونحوه، لا يوجب نقض الطهارة، واعتبر الخارج بالمخرج.
وعلى هذا: الودي والمذي، لا يوجبان عند مالك، نقض الطهارة، ويدل عليه ما روى عن علي كرم الله وجه، أنه قال: كنت امرءا مذاء، واستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته مني، فسألت المقداد بن الأسود حتى سأل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلم النبي عليه السلام، أنه سأل لأجلي، فقال: كل فحل مذاء مرة فلينضح ذكره بالماء وليتوضأ.
فرع
لو أدخل مردودا في أحليله لا ينتقض طهارته بالإدخال فيه، سواء غيب الكل فيه، أو غيب البعض، ولكن هل يفسد صومه أم لا؟ فيه وجهان.
وإن غيب الكل تجوز الصلاة معه، وإن غيب البعض دون البعض لا يجوز؛ لأن طرف الظاهر معه متصل بالباطن، وذلك نجس، فإذا أخرج المرود منه تنتقض طهارته بالإخراج.
وكذا لو أدخل قطنة في رأس إحليله، هكذا لا تبطل طهارته، وفي فساد الصوم وجهان.
وفي صحة الصلاة على ما بينا.
ثم إذا نزع تبطل طهارته، كالمرود سواء.
فأما إذا ابتلع خيطًا في نهار الصوم يفسد صومه، ولو ابتلعه في الليل، ثم أصبح صائمًا، وكان أحد طرفيه خارجا منه لو نزع الباقي يبطل صومه، ولو ابتلع الباقي يبطل صومه، وكذا لو أمر غيره بالقلع أو النزع، هكذا يبطل صومه اللهم إلا أن يجيء إنسان ويقلعه منه من غير إشارة منه، فإنه لا يضره ذلك، ولوتركه على حاله لا تصح صلاته، ويصح صومه، وأيهما يقدم تراعي صحة الصلاة بأن يبتلع الباقي، أو ينزع ما ابتلع أو صحة الصوم بأن يتركه على حاله.
قال القاضي رضي الله عنه: يقدم الصوم على الصلاة؛ لأنه شرع فيه
ابتداء، فإذا تقدم الشروع فيه على الصلاة فيلزمه إتمامه، كما لو افتتح الصلاة بنية القضاء ثم تبين له إنه لم يبق من الوقت إلا قدر لو اشتغل بإتمام ما شرع فيه فاتته صلاة الوقت، لا يلزمه الخروج منه، بل عليه إتمام تلك الصلاة، لأنه شرع فيها أولا، كذا ها هنا.
ومن أصحابنا من قال: تقدم الصلاة على الصوم، لأن حكم الصلاة أغلظ وآكد من حكم الصوم، بدليل أن تارك الصلاة يقتل، وتارك الصوم لا يقتل.
فأما إذا كان بقرب من عرفات، ولم يبق من وقت الوقوف بعرفة إلا قدر يسير بحيث إنه لو اشتغل بصلاة العشاء الآخرة فاته الوقوف بعرفة، ماذا يفعل؟
الصحيح: أنه يترك الصلاة كيلا يفوته الوقوف، لأنه لو فاته الوقوف لما أمكنه إدراكه، إلا بعد سنة، بخلاف الصلاة.
وفيه وجه آخر، أنه يقدم الصلاة عليه، لأن حكم الصلاة أقوى، وآكد من حكم الحج، بدليل ما ذكرنا.
فأما إذا صبغ رجل رجلا ينتقض طهارة المصبغ، لأنه مس فرجه، ولا ينتقض طهارته، وهكذا لو جلس على خشبة، حتى دخل فيه هكذا لا تبطل طهارته، ولكن يفسد صومه، ولو قام منه تنتقض طهارته.
قوله: (والنوم مضطجعًا، إلى أن قال: والغلبة على العقل).
قال القاضي حسين: زوال العقل يوجب نقض الطهارة، سواء كان بالنوم، أو بالإغماء، أو بالجنون، أو بالسكر، كيف ما كان.
وقد قيل: إن من أغمي عليه يمني في الغالب، فعلى هذا إن تحقق خروج المني منه يلزمه الاغتسال، وإلا فيلزمه الوضوء، فأما النعاس، وهو ما يعرو الأجفان والقلب يقظان لا ينقض الطهارة.
وحد النوم ما يزيل الاستشعار من القلب مع استرخاء المفاصل، وكذا الإغماء مثله.
فأما الجنون: ما يزيل الاستشعار من القلب، مع بقاء الحركة في المفاصل، فإذا زال العقل بشيء من هذه الأشياء، سوى النوم تنتقض طهارته على أي حالة كان.
فأما النوم: إن نام قاعدًا، ممكنا مقدته من الأرض، مفضيًا بها إليها، ظاهر المذهب أنه لا تنتقض طهارته.
وحكي أبو عيسى الترمذي الحافظ، عن الشافعي قولا آخر: أنه تنتقض طهارته، فعلى هذا القول جعل نفس النوم حدثًا، وهو اختيار المزني.
فإن قلنا: لا تنتقض طهارته على ظاهر المذهب، فلا فرق عندنا بين ان يستند بسناد، لو رفع ذلك السناد يسقط منه، ويبين ألا يسقط.
وقال أبو حنيفة: إن استند بسناد لو رفع ذلك السناد يسقط تنتقض طهارته،
وإن كان لا يسقط لا تنتقض طهارته، فأما إذا نام ممكنًا مقعدته من الأرض، ثم كاد أن يسقط؛ فانتبه.
ينظر: فإن انتبه قبل أن تزول مقعدته من الأرض، فلا بأس، وإن انتبه بعد أن زالت مقدته من الأرض تبطل طهارته.
وقال أبو حنيفة: إن سقطت يده على الأرض ثم انتبه تبطل طهارته، وإن انتبه قبل أن تسقط يده على الأرض، فلا تنتقض فأما إذا نام زائلا عن مستوي الجلوس.
قال في الجديد: تنتقض طهارته.
وقال في القديم: لو نام في الصلاة لا تنتقض طهارته، لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا نام العبد في الصلاة باهي الله تعالى، به ملائكته، ويقول ملائكتي، انظروا إلى عبدي، روحه عندي وجسده في عبادتي).
جعله مصليًا، ومن قال بالجديد أول هذا الخبر بأن قال: أراد به أنه في الصلاة حكما يثاب ثواب المصلين، إذا أراد الصلاة، فأخذه النوم.
ونص في البويطي أنه إذا نام قائمًا، ولم تزل قدماه من الوسن لا تنتقض طهارته، فحصل فيه ثلاثة أقوال باعتبار النصوص.
في الجديد: يبطل، سواء كان في الصلاة أو خارج الصلاة.
وفي القديم إن كان في الصلاة لا تبطل، وإن كان خارج الصلاة يبطل.
وفي البويطي: إن لم تزل قدماه لا تبطل في الصلاة وخارج الصلاة، لأنه ذكر مطلقا، وإن زالت قدماه يبطل، فحاصل المذهب فيه أنه إذا نام خارج الصلاة، وزالت قدماه تنتقض طهارته، وإن لم تزل قدماه، ففيه قولان، فأما إذا كان في الصلاة، إن زالت قدماه تنتقض طهارته في الجديد.
وفي القديم: لا تنتقض.
وإن لم تزل قدماه، إن قلنا: خارج الصلاة لا تنتقض طهارته، فها هنا أولى.
وإن قلنا: هناك تنتقض، فها هنا قولان.
والفرق: أن حرمة الصلاة تمنع من انتقاض الطهارة ها هنا، بخلاف ذلك.
فأما إذا نام في حال الركوع والسجود، أو صلى مضطجعا ونام، فيه قولان، وقال أبو حنيفة: إذا نام في الصلاة، أو خارج الصلاة على هيئة من هيئات الصلاة في حالة الاختيار لا يوجب نقض الطهارة، قوله: (وملامسة الرجل المرأة).
قال القاضي حسين: إذا لمس الرجل امرأة أجنبية، أو زوجته، أو مدبرته، أو مكاتبته، أو أم ولده، أو أمته، منكوحة كانت أو غير منكوحة، ولا حائل بنهما تنتقض طهارته، بشهوة كانت أو بغير شهوة.
فأما إذا لمس شعرها، نقل صاحب (التلخيص): أنه لا تنتقض طهارته.
وقال هو في الظفر تخريجًا.
وقال أصحابنا: في السن تفريعًا، فحصل في الكل وجهان:
أحدهما تنتقض طهارته، لأنه قال: الملامسة أن يفضي بشئ منه، وهذه الأشياء تسمى شيئا.
والوجه الثاني: لا تنتقض؛ لأنه قال: إلى جسدها، وهذه الأشياء لا تسمى جسدًا.
فعلى هذا، لو مش شعرها بشعره، أو ظفرها بظفره، إن قلنا هناك: لا تنتقض ها هنا أولى.
وإن قلنا هناك: ينتقض فها هنا وجهان.
ولفرق أن اسم الجسد لا ينطلق على الشعر والظفر، وقد وجد الشعر من الجانبين ها هنا، بخلاف ذلك وفي الملموس قولان.
وبناء القولين فيه من اختلاف القراءتين في قوله تعالى: (أو لامستم النساء).
فمن قال: (أو لامستم): تنتقض طهارة الملموسة، لأن الملامسة من المفاعلة وقد وجد منهما.
ومن قرأ: (لمستم)، قال: لا ينتقض؛ لأن اللمس إنما وجد من اللامس لامن الملموس.
فأما المرأة إذا لمست رجلا حكمها حكم الرجل إذا لمس امرأة، وقيل: فيه قولان.
لأنها ملومسة في الحالتين، لأن الغالب أن الرجال يحطون على النساء، فأما النساء فلا يحططن على الرجال، ولا يقصدنهم.
فأما إذا لمس امرأة ميتة، هل تنتقض طهارته أم لا؟
فيه وجهان، بناء على أنه لو جمعها، هل يجب الحد عليه، وهل تغتسل لعله تغسل هي؟
فيه وجهان.
فأما إذا مس ذوات المحارم.
قال في الجديد: إنه تنتتقض طهارته.