التعليقة للقاضي حسينصفحات 539-578

باب حيض المرأة وطهرها واستحاضتها

. قال الشافعي رحمه الله قال الله جل ثناؤه: (فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن).
قال الشافعي: من المحيض (فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) قال الشافعي: تطهرن بالماء.
قال: وإذا اتصل بالمرأة الدم، نظرت، فإن كان دمها ثخينا محتدمًا يضرب إلي السواد له رائحة، فتلك الحيضة نفسها فلتدع الصلاة، فإذا ذهب ذلك الدم، وجاءها الدم الأحمر الرقيق المشرق فهو عرق، وليست الحيضة، وهو الطهر وعليها أن تغتسل كما وصفت وتصلي ويأتيها زوجها ولا يجوز لها أن تستظهر بثلاثة أيام، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فإذا ذهب فاغسلي الدم عنك، وصلي.
ولا يقول لها النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذهب قدرها إلا وهي به عارفة.
قال: وإن لم ينفصل دمها بما وصفت لك، فتعرفه، وكان مشتبهًا، نظرت إلى ما كان عليه حيضتها فيما مضى من دهرها، فتركت الصلاة للوقت الذي كانت تحيض فيه، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتنظر عدة الليالي، والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر، قبل أن يصيبها ما أصابها، فلتدع الصلاة فإذا خلفت ذلك فلتغتسل ثم لتستثفر بثوب، ثم تصلي.

قال القاضي الإمام: الحيض في اللغة عبارة عن السيلان.
يقال: حاض الماء وسلل الماء إذا سأل.
وفي الشريعة: عبارة عن دم يرخيه الرحم.
أول ما ابتلي بالحيض أمنا حواء، فإنه قيل: بأنها لما كسرت شجرة الحنطة ودميت الشجرة، فقال الله تعالى وعزتي وجلالي لأدمنيك، كما أدميت هذه الشجرة، فابتليت به حواء، وجميع بنات آدم إلى قيام الساعة.
والأصل فيه قول الله تعالى: ويسألونك عن المحيض قل هو أذى ...)، الاية.
أراد بالمحيض الحيض، لا زمانه ولا مكانه بدليل أنه قال: أذى، وصفه بالأذى، وهو النجاسة والزمان والمكان لا يوصفان به، ثم قال: فاعتزلوا النساء في المحيض.
وروى أن اليهود كان من عادتهم أنهم يعتزلون النساء في حالة الحيض أشد الاعتزال، وأنهم لا يؤاكلوهن، ولا يشاربوهن، ويحبسونهن، في موضع ويناولونهن الطعام على رأس الخشبة، وكان من عادة النصارى أنهم يقربون النساء في حالة الحيض أكثر مما يقربونهن في حالة الطهر، تقربًا به إلى الله تعالى، فلما أنزل الله تعالى هذه الاية ظن المسلمون أنهم أمروا باعتزال

كاعتزال اليهود، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسألوه عن ذلك، فقال لهم: افعلوا كل شيء إلا الجماع، فغاظ ذلك اليهود حين سمعوا هذا القول فقالوا: إن هذا الرجل لا يدع شيئا من ديننا إلا ويخالفنا فيه، وسمع ذلم مهم سعد بن معاذ فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وقال ائذن لي في جماعهن مغاظة لليهود فتغير عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى ظنا أنه وجد عليه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بهدية فبعث إليه شيئا منها فعلمنا أنه ما وجد عليه.
قوله: ولا تقربوهن.
الله تعالى حرم الوطء في زمان الحيض، هذا مما لا خلاف فيه، فأما ما سوى الوطء، فإنه جائز ما فوق السرة، وتحت الركبتين، فأما بين السرة والركبتين هل يجوز الاستمتاع بها أم لا؟ قال في الجديد وهو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف أنه لا يجوز.
وقال في القديم: وهو قول محمد بن الحسن: إنه جائز.

وجه قول القديم ما روت عائشة رضي الله عنها أنها قالت كنت في الخميلة مع النبي صلى الله عليه وسلم فانسللت منها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مالك أنفست، قلت نعم، قال ذلك شيء كتبه الله تعالى على بنات آدم فإذا كان ذلك فخذي ثياب حيضتك وشدي مئزرك وعودي إلى مضجعك، قالت: ففعلت ذلك ثم عدت إلى مضجعي، فنال مني ما ينال الرجل من امرأته إلا الجماع وفي رواية أخرى: إلا ما تحت الإزار.
وروى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لا بأس إذا اتقي الحجران، ولم ترد به التثنية، بل أرادت به الفرج.

وأما وجه قوله الجديد: ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ومن رتع حول الحمى يوشك أن يواقعه، وفي رواية يوشك أن يخالط الحمى.
والمعنى فيه أنه ربما كان الزوج شابًا شبقًا، فحمله عليه شدة شبقه، وفرط شهوته على مجامعتها فيقع في الحرام، فيمنع عنه كي لا يقع في الحرام.
إذا ثبت أن الوطء حرام، فلو استحله يكفر بذلك، لأنه خالف نص التنزيل، ولكن لو ارتكبه تهاونًا به يعصي، ويأثم ويستغفر الله تعالى لا يلزمه شيء على الصحيح من المذهب، وقوله الجديد.
وقال في القديم: يلزمه شيء على ما روى عن الصحابة رضي الله عنهم، فإنه روى عن عمر أنه قال: يلزمه إعتاق رقبة.
وروى عن مقسم عن ابن عباس موقوفًا، عليه ومرفوعًا عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ولو وطئها والدم غبيط فليتصدق بدينار ولو وطئها في آخر الدم فليتصدق بنصف دينار.
والصحيح قول الجديد.
وإذا حكمنا بتحريم الوطء، فإنما يرتفع التحريم إذا انقطع دمها واغتسلت لقوله تعالى حتى يطهرن، يعني ينقطع حيضهن: فإذا تطهرن، يعني اغتسلن، فأتوهن هذا شرط، والعرب تستحسن إتباع الشرط الشرط، كما لو قال الزوج لامرأته، لا تكلمي زيدا فإذا كلمت زيدًا، ودخلت الدار، فأنت طالق، فإنما يقع الطلاق عليها عند وجود شرطين كذا هذا.

وقال أبو حنيفة: إن انقطع دمها لأكثر الحيض يجوز للزوج غشيانها قبل الاغتسال، وإن انقطع دمها لأقل الحيض، فلا يجوز له قربانها، إلا بعد أن تغتسل أو تتيمم، ويدخل عليها وقت من أوقات الصلاة.
فرع إذا قالت المرأة: حضت ينظر فيه، فإن صدقها الزوج على ذلك يحرم عليه غشيانها، وإن كذبها الزوج لا يحرم عليه ذلك، لأنه ربما تكون سيئة الخلق بذئة، فأرادت أن تمنع نفسها عن الزوج تعنتا، بخلاف ما لو علق طلاقها بحيضها، فقالت: حضت وقع الطلاق عليها، كذبها الزوج، أو صدقها لأن هناك وجد صنع من جهته، حيث علق طلاقها بشيء لا يمكنه الوقوف عليه، إلا بالرجوع إلى قولها، فوجد تفريطه من جهته، وها هنا لم يوجد منه صنع ولا تفريط من جهته القول قوله.
فأما إذا اتفقا في الحيض، ثم اختلفا في انقطاع الدم، فقالت المرأة، ما انقطع دمي، والزوج يخالفها فيه، فالقول قولها، لأن الأصل بقاء الحيض.

فصل: الأحكام المتعلقة بالجنابة

تتعلق بالحيض، وللحيض أحكام لا تشاركها الجنابة فيها: منها: أن الحيض يجعل الطلاق بدعيا، بخلاف الجنابة، وزنه يمنع الزوج من غشيانها بخلاف الجنابة، وأنه يمنع الحائض من العبور في المسجد قبل التعصيب وبعده فيه وجهان: والجنابة بخلافه، وفي غير هذه الأحكام يستويان فيه، من تحريم الصلاة، والطواف وغيرهما، والطواف أيضا كالصلاة، بدليل انه يحتاج إلى الطهارة كالصلاة.
ولما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الطواف صلاة غير أن الله تعالى أباح فيه الكلام فمن ينطق فلا ينطق إلا بخير، فلو صامت في أيام الحيض لا يصح صومها، ولو نذرت الحائض الصوم مطلقا يصح نذره، ولو نذرت صيام

أيام الحيض، فإنه لا يصح نذرها، لأن ذلك الزمان غير قابل للصوم ولا للعبادة.
واختلف أصحابنا في أن الحيض، هل يمنع وجوب الصوم أم لا على وجهين: أحدهما: يمنع وجوبه والقضاء في ثاني حال وإنما يكون بأمر ثان.
والثاني: انه لا يمنع وجوبه والقضاء في ثاني حال، إنما وجب بدلا عما فات عنها في وقت الوجوب، بدليل أنه يقال لها: اقضي الصوم الذي فات منك، ولا يجب عليها قضاء الصلوات.
والدليل عليه ما روى أن معاذة العدوية جاءت إلى عائشة رضي الله عنها وقالت لها: ما بال الحائض تدع الصيام والصلاة، فتؤمر بقضاء الصوم، ولا تؤمر بقضاء الصلاة.
فقالت لها عائشة/ أحرورية أنت؟ كنا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ندع الصوم والصلاة في زمان الحيض، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
ولم يذكر فيه معنى.
وأصحابنا ذكروا معنيين في الفرق بينهما: أحدهما: أن الصلاة لما أمر الشرع بتركها لا يجب قضاؤها، كما لو صلى المريض قاعدًا، أو مضطجعًا، ثم برئ من المرض لا تلزمه الصلاة قائمًا حين جوز له ترك القيام فيها.
وكذلك المسافر إذا قصر الصلاة، ثم أقام لا يلزمه قضاؤها تامًا حين جوز له تركها كذا مثله.
وأما الصوم إذا أمر بتركه يجوز أن يجب قضاؤه، كما في حق المسافر كذا هذا.
والثاني: أنا لو أوجبنا عليها قضاء الصلوات أدى ذلك إلى الإضرار بها، لأن

الحيض ربما يدوم شطر دهرها، فيؤدي إلى أن تستغرق جميع عمرها بالصلاة، بعها أداء، وبعضها قضاء، بخلاف الصوم فإنه لا يجب في كل سنة إلا شهرا، ووجوب الصوم عليها قضاء لا يؤدي إلى ذلك، لأنه يمكنها أن تصوم ستة عشر يومًا في أحد عشر شهرًا، وكذا أكثر ما يلزمها من قضاء الصوم أن لو دام الحيض شطر عمرها قد ذكرنا أن الوطء، وسائر الأحكام إنما يرتفع بالاغتسال، بعد انقطاع الدم إلا وجوب الصوم، فإنه يجب وتسرع فيه إذا انقطع دمها، وإن لم تغتسل ووجوب الغسل عليها لا يمنع جواز الصوم.
فأما إذا لم تجد الماء، فلا يجوز للزوج قربانها إلا بعد التيمم، ولكن لا تحتاج في كل وطأة إلى تيمم آخر، بخلاف صلاة الفرض، لأن الوطء غير واجب، فيضاهي صلاة النافلة، فإذا وجدت الماء تغتسل، كما لو كان جنبًا وتيمم، ثم وجد الماء يلزمه الاغتسال كذا هذا.
فأما إذا لم يجد الماء والتراب، فإنه لا يحل للزوج غشيانها ألبتة، وإن جوزنا لها الصلاة على قوله الجديد، ولكن تلك ليست بصلاة على الحقيقة، بدليل أنا نمنعها عن قراءة القرآن فيها، ونوجب عليها قضاء تلك الصلوات.
فأما المجنونة إذا حاضت، وانقطع دمها لا يحل للزوج غشيانها، بل يغسلها الولي حتى يحل للزوج غشيانها، فإذا أفاقت الصحيح أنه يلزمها الاغتسال ثانيًا.
وكذا الذمية إذا حاضت وانقطع دمها لا يحل لزوجها المسلم غشيانها، ما لم تغتسل فإن قيل: الغسل عبادة يشترط فيها النية، وهي ليست من أهل العبادة، قلنا: زوجها ينوي الاغتسال لها، وينوب عنها في النية.
فإن قيل: وجب أن تقولوا في المسألة هكذا.
قلنا: الفرق بينهما أن المسلمة من أهل الاعتقاد والنية، فتؤخذ هي بذلك بخلاف الذمية.
وأيضا فإن الاغتسال في المسلمة إنما جعل تعبدًا إلا أنه يتضمن التنظف،

والاغتسال من الذمية، وإنما أمرت به تنظفا، لا تعبدًا، فلهذا فرق بينهما في النية، فإذا أسلمت الصحيح أنه يلزمها الاغتسال ثانيًا.
فأما الصبية إذا جومعت، فإنها تغتسل للجنابة، فإذا بلغت الصحيح أنه لا يلزمها الإعادة، لأنها أدت وظيفة وقتها وفريضة مثلها، وكمال حالها لا يوجب عليها الإعادة.
دليله: إذا صلت في أول الوقت، ثم بلغت في آخره، ودليله الأمة إذا صلت في أول الوقت ثم عتقت في آخره.
قيل: دم الحيض يخالف دم الاستحاضة اسمًا ومحلا وحكمًا.
أما الاسم، فإنه يقال له: دم الحيض، وكذلك دم الاستحاضة، وأما المحل فإن هذا دم يرخيه الرحم، وذلك إنما يسيل من عرق ينقطع وأما الحكم فإن الأحكام المتعلقة بالحيض لا تتعلق بدم الاستحاضة، بل حكمه حكم الحدث، ودم الاستحاضة على نوعين: نوع يتصل به دم الحيض، ونوع لا يتصل بدم الحيض.
فأما ما لا يتصل به مثل الصغيرة التي لم تبلغ تسع سنين إذا رأت الدم، فذاك دم استحاضة والكبيرة إذا رأت الدم، وانقطع فيما دون يوم وليلة، فحكمها حكم الحدث.
وأما الذي يتصل بدم الحيض كالبالغة إذا رأت الدم، وجاوز خمسة عشر يومًا، فنتكلم فيه، ونذكر أولا أحاديث خبرًا في المميزة، وخبرًا في المعتادة وخبرًا في المبتدأة.
أما في المميزة ما روى أن فاطمة بنت أبي حبيش جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت يا رسول الله إني امرأة استحاض فلا أطهر.

فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم دعي الصلاة أيام أقرائك، فإذا ذهب ذلك عنك فاغتسلي وصلي.
وفي رواية أخرى: إن دم الحيض أسود يعرف، وإن له رائحة فإذا كان ذلك فلتدعي الصلاة فإذا جاء الآخر فاغتسلي وصلى.
وفي بعض الروايات: إذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي.
وفي بعض الروايات: إن ذلك داء عرض أو عرق انقطع.
وأما في المعتادة ما روى أن امرأة جاءت إلى أم سلمة فسألتها حتى تستفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال عليه السلام، لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتدع الصلاة فإذا خلفت ذلك فلتغتسل ثم تستثفر بثوب ثم تصلي.

وأما في المبتدأة: ما روى أن حمة وأم حبيبة بنت جحش أخت زينب بنت جحش زوجة النبي صلى الله عليه وسلم جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني امراة استحاض فلا أطهر.
فقال لها: إني أنعت لك الكرسف.
وفي رواية: إني أبعث إليك الكرسف.
فقالت: هو أشد من ذلك.
فقال عليه السلام لها احتشي، قالت هو أشد من ذلك، قال فلتستثفري بثوب، قالت هو أشد، فإني أثجه ثجا، قال تحيضي في عم الله ستًا أو سبعًا ميقات حيض النساء وطهرهن، فإذا كان ذلك فاغتسلي وصلي ثلاثًا وعشرين يومًا وافعلي ذلك في كل شهر.

وقد قيل بأن هذا الحديث إنما ورد في المعتادة، فعلى هذا لم يرد في المبتدأة خبر.
وقيل: بأنها كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وقد ابتليت به سبع سنين، وكانت إذا شرعت في الصلاة تضع إداوة بين رجليها، فإذا فرغت من الصلاة صارت الإداوة ممتلئة من الدم، والله تعالى أعلم بالصواب.

فصل: المستحاضة على خمسة أقسام: مبتدأة، ومعتادة، ومميزة، وناسية، وذات تلفيق.

وإن شئت تقول: المستحاضة على قسمين: مبتدأة ومعتادة.
والمبتدأة على قسمين: مميزة وغير مميزة.
والمعتادة على قسمين ناسية وغير ناسية.
أولا: نذكر حكم المميزة: والمميزة ما إذا رات الدم على لونين: أحدهما أقوى من الآخر، فالذي أقوى منهما يكون حيضًا، مثل أن ترى الدم، بعضه أسود، وبعضه أحمر، فالأسود يكون حيضًا، وكذا لو رأت بعضه أحمر، وبعضه أصفر، فالحمرة يكون حيضًا، وإنما يمكنها التمييز إذا وجدت ثلاث شرائط: إحداها: أن دم القوى لا ينتقص من يوم وليلة، وهو أقل الحيض، ولا يجاوز خمسة عشر يومًا، وهو أكثر الحيض، وأن الدم الضعف لا ينتقص عن خمسة عشر يومًا، وهو أقل الطهر، وإنما يمكنها التمييز في الثاني، لأن في الشهر الأول تؤمر فيه بترك الصلاة والصوم، رجاء أن ينقطع دمها على خمسة عشر يومًا، فإذا جاء الشهر الثاني، واستمر بها ذلك، فكلما جعلنا لها حيضًا من الشهر الثاني، تتحيض من الشهر الأول مثله، وتتطهر في الباقي، وتغتسل ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الشهر، وتقضي ما فاتها من الصلوات في الشهر الأول في أيام الاستحاضة إذا ثبت هذا، فنذكر فيه أربعة فصول: فصل/ فيما إذا تقدم الدم القوي على الضعيف.
وفصل، فيما إذا تقدم الدم الضعيف على القوي.

وفصل فيمن اجتمع في حقها التمييز والعادة.
وفصل في بيان الاستظهار.
أما الفصل الأول: وهو إذا تقدم القوي على الضعيف: مثل أن تكون امرأة رأت أول ما رأت الدم خمسة أيام دمًا أسود، ثم احمر الدم إلى آخر الشهر، ثم استمر بها الدم في الشهر الثالث، فإذا يجعل لها من كل شهر خمسة ايام حيضا، والباقي استحاضة، فأما إذا مضت خمسة أيام من الشهر الأول دما أسود، ثم استمر بها الدم في الشهر الثاني.
إن قلنا: إن العادة تثبت بمرة واحدة، حكمة حكم ما إذا تكرر في الشهر الثاني: واستمر بها الدم في الشهر الثالث.
وإن قلنا: إن العادة لا تثبت بمرة واحدة، حكمة حكم المبتدأة، إذا استمر بها الدم في الشهر الأول، وفيه قولان: أحدهما: ترد إلى أقل الحيض، وهو يوم وليلة.
والثاني: ترد إلى غالب عادات النساء، هو سنة أو سبعة.
فأما إذا رأت أول ما رأت الدم خمسة أيام دما أسود، ثم رات الحمرة إلى آخر الشهر، ثم رأيت في الشهر الثاني ستة أيام دمًا أسود، ثم رأت الحمرة إلى آخر الشهر، وفي الشهر الثالث رأت هكذا، ثم أطبق بها الدم، فتجعل لها من الشهر الأول خمسة أيام حيضًا، والباقي استحاضة، ومن الشهر الثاني والثالث، وسائر الشهور ستة أيام حيضًا، والباقي استحاضة.
فأما إذا رأت في الشهر الأول خمسة أيام أسود، والباقي أحمر، ثم في الشهر الثاني رأت ستة أيام أسود، ثم استمر بها الدم.
إن قلنا: إن العادة تثبت بمرة واحدة، فحكمه ما ذكرنا، ففي الشهر الأول حيضها خمسة أيام، وفي الشهر الثاني: وسائر الشهور حيضها ستة أيام.
وإن قلنا: إن العادة لا تثبت بمرة واحدة، فحيضها خمسة أيام من كل شهر؛

لأن الخمسة قد تكررت في الشهرين، فأما إذا رأت اولا ستة أيام دمًا أسود، ثم رأت الحمرة إلى آخر الشهر، ثم رأت في الشهر الثاني خمسة أيام دما أسود، ثم رأت الحمرة إلى آخر الشهر، ورأت في الشهر الثالث هكذا، ثم استمر بها الدم، وانتقص من حيضها يوم، وزاد في طهرها يوم، وهكذا في سائر الشهور، حيضها في كل شهر خمسة أيام.
فأما إذا رأت في الشهر الأول ستة أيام أسود، والباقي حمرة، ثم في الشهر الثاني رأت خمسة أيام أسود، والباقي حمرة، واستمر بها الدم.
إن قلنا: إن العادة تثبت بمرة واحدة، فحكمه على ما ذكرنا وإن قلنا: إن العادة لا تثبت بمرة واحدة، فيجعل حيضها من كل شهر خمسة أيام، لأن الخمسة قد تكررت في الشهرين، لأن الستة خمسة بزيادة واحد، وفي هذه الصورة لو كانت معتادة وعادتها أن ترى الدم في كل شهر سبعة أسود، ثم جاء شهر، ورأت خمسة أيام أسود، ثم احمر دمها إلى آخر الشهر، ورأت في الشهر الثاني هكذا، واستمر بها الدم، فهذه تغيرت عادتها، وانتقلت من سبعة إلى خمسة.
فأما إذا لم تتكرر في الشهر الثاني، بل استمر بها الدم.
إن قلنا: إن العادة تثبت بمرة واحدة، فعلى ما ذكرنا.
وإن قلنا: لا تثبت بمرة واحدة، فترد إلى عادتها الأولى، وهي سبعة أيام في كل شهر.
الفصل الثاني: فيما إذا تقدم الدم الضعيف على القوي، مثل إن رأت خمسة أيام من أول الشهر دما أحمر، ثم رأت الخمسة الثانية دما أسود، ثم احمر الدم، إلى آخر الشهر، ورأت على هذا التفصيل في الشهر الثاني، ثم استمر بها الدم في الشهر الثالث ماذا حكمه، هذا يبني هل يترك ابتداء الدم أم لا؟ وفيه وجهان:

أحدهما: يترك ابتداء الدم، لأن الخمسة الثانية دم أسود، فيكون قويًا في لونه، وذلك دليل في نفس الدم.
والثاني: لا يترك، لأن لأول الدم قوة السبق، وللدم الأسود قوة اللون، فقد استويا، فإن أمكن الجمع بينهما يجمع، وإلا فيذكر حكمه.
إن قلنا: إن ابتداء الدم يترك، فيجعل لها في كل شهر الخمسة الثانية حيضًا، والباقي استحاضة، عشرون بعدها وخمسة قبلها.
وإن قلنا: إنه لا يترك ابتداء الدم، فيكون حيضها من كل شهر عشرة أيام، والباقي استحاضة.
هذا إذا تكرر في الشهر الثاني.
فأما إذا لم يتكرر الدم بهذه الصورة في الشهر الثاني، ولكن استمر بها الدم في الشهر الثاني.
إن قلنا: إن العادة تثبت بمرة واحدة، فحكمه على ما ذكرنا.
وإن قلنا: إن العادة لا تثبت بمرة واحدة حكمها حكم المبتديء.
وفيه قولان على ما ذكرناه.
فأما إذا رأت خمسة أيام من أول الشهر، دمًا أحمر، وعشرة أيام دمًا أسود، ثم احمر ادم، إلى آخر الشهر، أو رأت عشرة أيام دمًا أحمر، وخمسة دمًا أسود، ثم احمر الدم إلى آخر الشهر، وهكذا رأت في الشهر الثاني، واستمر بها في الشهر الثالث حكمه ما ذكرنا.
إن قلنا: يترك ابتداء الدم، فيجعل أيام السواد حيضًا، والباقي استحاضة.
وإن قلنا: لا يترك، فيجمع بينهما، ويجعل خمسة عشر يومًا حيضًا من كل شهر، والباقي استحاضة، وإن استمر بها الدم في الشهر الثاني، فيبني على أن العادة هل تثبت بمرة واحدة أم لا؟

إن قلنا: إنها تثبت بمرة واحدة، فحكمه ما قد ذكرنا، وإلا ففيه قولان كالمبتدأة.
فاما إذا رات خمسة أيام دمًا أحمر، ثم رأت أحد عشر يومًا دمًا أسود، ثم احمر الدم إلى آخر الشهر، أو رأت أحد عشر يومًا دما أحمر، وخمسة أيام دمًا أسود، ثم احمر الدم إلى آخر الشهر، وتكرر في الشهر الثاني، على هذه الصورة، واستمر بها الدم في الشهر الثالث.
إن قلنا: إن ابتداء الدم يترك، فحكمه ما ذكرنا يجعل أيام السواد حيضًا، والباقي طهرًا.
وإن قلنا: إنه لا يترك ابتداء الدم، فيه وجهان: أحدهما: أنه يجعل زمان السواد حيضًا، لأنه لا يمكن الجمع بينهما.
والثاني: حكمها حكم المبتدأة، وفيه قولان: فأما إذا استمر بها الدم في الشهر الثاني، ولم يتكدر.
إن قلنا إن العادة تثبت بمرة واحدة، فحكمه ما ذكرنا.
وإن قلنا: لا تثبت العادة بمرة واحدة، فحكمها حكم المبتدأة، وفيه قولان: فأما إذا رأت خمسة عشر يومًا دمًا أحمر، ثم اسود الدم، فهل تؤمر بترك الصلاة والصوم أم لا؟ إن قلنا: إن ابتداء الدم يترك، فتؤمر بتركهما، ثم ينظر إن انقطع السواد على خمسة عشر يومًا، وهكذا في الشهر الثاني يجعل حيضها من كل شهر النصف الأخير منه، والباقي استحاضة.
وإن قلنا: إن ابتداء الدم لا يترك فيه وجهان: أحدهما: أنها تؤمر بتركها، ويجعل زمان السواد حيضًا، لعدم إمكان الجمع بينهما على ما ذكرنا.
والثاني: لا تؤمر بتركهما، وحكمها حكم المبتدأة، وفيه قولان.

وإن لم ينقطع السواد على خمسة عشر يومًا، بل جاوزه ذلك في الشهر الثاني دون الأول، هذا ينبني على أن العادة، هل تثبت بمرة واحدة أم لا؟ إن قلنا: إن العادة تثبت بمرة واحدة حكمه ما ذكرنا.
وإن قلنا: لا تثبت بمرة واحدة حكمها حكم المبتدأة، وفيه قولان.
فأما إذا جاوز الدم الأسود على خمسة عشر يومًا في الشهر الأول، فحكمها حكم المبتدأة أيضًا، وفيه قولان، وقد ذكرناه.
فأما المعتادة إذا كانت عادتها أن ترى كل شهر خمسة أيام دما أسود، ثم احمر الدم إلى آخر الشهر، فجاء شهر، ورأت الخمسة الأول دمًا احمر، وفي الخمسة الثانية دما أسود، ثم احمر الدم إلى آخر الشهر، وتكرر في الشهر الثاني هكذا، واستمر بها الدم في الشهر الثالث.
إن قلنا: إن ابتداء الدم يترك فيكون حيضها الخمسة الثانية من كل شهر، وقد زاد في طهرها في الشهر خمسة أيام، فتصير ثلاثين يومًا، ويعود طهرها في سائر الشهور إلى ما عليه، وهو خمسة وعشرون يومًا.
وإن قلنا: إن ابتداء الدم لا يترك، فيكون حيضها عشرة أيام من كل شهر، وعشرون يومًا طهرًا، وقد بقي طهرها في الشهر الأول على ما كان.
وأما في الشهر الثاني والثالث انتقص من طهرها خمسة أيام، وزاد في طهرها خمسة أيام.
فأما إذا لم يتكرر في الشهر الثاني، بل طبق بها الدم.
إن قلنا: إن العادة تثبت بمرة واحدة، فحكمها كما ذكرنا.
وإن قلنا: إنها لا تثبت بمرة واحدة، فإنها ترد إلى عادتها من قبل، وهو خمسة أيام من قبل أن للعادة تأثيرًا في كثير من الأحكام، وأنها محكمة في الشريعة في معرفة الحرز في باب القبض في المبيع، وفي النقود والمرجل، وغير ذلك.

فأما إذا رأت في الخمسة الثالثة دمًا أسود، ثم احمر الدم ورأت في الشهر الثاني هكذا، ثم استمر بها الدم في الشهر الثالث فحكمها كما ذكرنا.
إن قلنا: إن ابتداء الدم يترك، بجعل حيضها الخمسة الثالثة، وزاد في طهرها خمسة أيام في الشهر الأول.
وإن قلنا: إن ابتداء الدم لا يترك، فيكون حيضها خمسة عشر يومًا، وطهرها خمسة عشر يومًا من كل شهر، وإن لم يتكرر في الثاني.
هذا ينبني على أن العادة هل تثبت بمرة واحدة أم لا؟ إن قلنا: إنها تثبت بمرة واحدة، فحكمها كما ذكرنا، وإلا فترجع إلى عادتها وهو خمسة أيام من أول كل شهر، والباقي استحاضة.
فأما إذا رأت السواد في الخمسة الرابعة.
إن قلنا: يترك ابتداء الدم، فيكون حيضها الخمسة الرابعة، فيزيد في طهرها خمسة عشر يومًا في الشهر الأول.
وإن قلنا: إنه لا يترك، فيه وجهان: أحدهما: يجعل حيضها في الخمسة الرابعة أيضا لعدم إمكان الجمع بينهما.
والثاني: ترد إلى عادتها الأصلية، وهو خمسة أيام من أول الشهر، هذا إذا تكرر في الشهر الثاني.
وإن لم يتكرر فعلى ما ذكرنا من قبل فأما إذا رأت السواد في الخمسة الخامسة من الشهر، وتكرر هكذا في الشهر الثاني.
إن قلنا إن ابتداء الدم يترك، يجعل حيضها الخمسة السادسة، ويزيد في طهرها، عشرون يومًا من الشهر الأول.
وإن قلنا: إنه لا يترك ابتداء الدم، فيكون لها حيضتها من الشهر الأول: إحداهما: الخمسة الأولى.

والثانية: الخمسة الخامسة.
لأنه قد يخلل بينهما أقل الطهر، وهو خمسة عشر يومًا.
وأما في سائر الشهور فيه وجهان: أحدهما: يجعل الخمسة الخامسة حيضًا، ولا يجعل لها حيضتان احتياطًا، والثاني: ترد إلى عادتها الأصلية، وهكذا حكم ما لو رأت السواد في الخمسة السادسة على هذا التفصيل.
وكذا حكم ما لو لم يتكرر في الشهر الثاني، على ما ذكرنا من البناء غير مرة.
والله أعلم بالصواب.
فأما بيان الاستظهار، والاستظهار، هو طلب الظهر، والاستظهار: الاستعانة على طلب الطلب.
فقوله: لا تستظهر، يعني لا تستعيني بمدة الثلاث على طلب الظهر أراد به ردًا على مالك.
فإن عنده في الشهر الثاني: إذا انقضت مدة التمييز أو العادة.
قال: الحائض تجلس ثلاثة أيام بعده.
وتستظهر رجاء أن ينقطع دمها لثلاثة أيام.
وعندنا: ليس لها ذلك، بل إذا مضت تلك المدة تغتسل، وتصلي وتصوم، وما ذكرنا أولى، لأن فيه مراعاة الاحتياط، وهو وجوب العبادات عليها.

فصل في المبتدأة

إذا رأت الدم بعد استكمال تسع سنين، وجاوز الدم خمسة عشر يومًا.
ففيه قولان إذا رأت الدم على لون واحد: أحدهما: ترد إلى يوم واحد؛ لأنه حيض بيقين، والحيض لا يكون أقل من يوم وليلة.
والثاني: أنها ترد إلى غالب عادات النساء، وهو ست أو سبع.
وهذا إنما يكون في الشهر الثاني.
فأما في الشهر الأول، إذا رأت الدم فإنها تترك الصوم والصلاة، رجاء أن ينقطع الدم على خمسة عشر يومًا.
فإذا زاد على ذلك، حينئذ تغتسل، وتصلي في آخر الشهر.
ثم في الشهر الثاني، فيه قولان: إن قلنا: إنها ترد إلى أقل الحيض.
فإذا مضى يوم وليلة تغتسل، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الشهر.
وتقضي صلاة أربعة عشر يومًا من الشهر.
وإن قلنا: إنها ترد إلى غالب عادات النساء.
إن ردت إلى الست، إذا مضت ستة أيام تغتسل، وتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الشهر، ونقضي صلاة تسعة أيام من الشهر الأول.
وإن قلنا: ترد إلى سبعة أيام، فإذا مضت سبعة أيام تغتسل، وتصلي، ثم تتوضأ لكل صلاة إلى آخر الشهر، وتقضي صلاة ثمانية أيام من الشهر الأول.

وحكى البويطي عن الشافعي قولا آخر: أنها ترد إلى أقل الحيض، وأقل الطهر فيجعل لها من أول كل شهر يومًا وليلة حيضًا، وخمسة عشر يومًا طهرًا، ثم يومًا وليلة حيضًا، ثم خمسة عشر طهرًا، والأول أحوط.
فإذا قلنا: إنها ترد إلى يوم وليلة، أو إلى ست أو سبع، لا خلاف أن ذلك القدر من الزمان لها حيض بيقين، فتترك الصلاة والصوم في ذلك الزمان، وما جاوز الخمسة عشر من الزمان يكون لها طهرًا بيقين يلزمها الصلاة والصوم فيها، ويأتيها زوجها فيه.
فأما ما زاد على يوم وليلة، أو على ست أو سبع إلى تمام خمسة عشر يومًا، ماذا حكمه؟ فيه قولان: أحدهما: أنه تستعمل الاحتياط فيها، فتصلي، وتصوم وتقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة، ولا يأتيها زوجها.
وإنما قلنا: لا تقضي الصلاة، لأنها إن كانت حائضًا فلا صلاة عليها، وإن كانت طاهرًا، فقد أدت الفريضة.
وإنما قلنا: بأنها تقضي الصوم احتياطًا، لاحتمال أنها تكون حائضًا، ولا يصح منها ذلك الصوم.
والقول الثاني: أنها لا تستعمل الاحتمال فتصلي، وتصوم، ويأتيها زوجها، ولا يلزمها قضاء شيء من العبادات، كما في الزمان الزائد على خمسة عشر يومًا.
قال المزني: والصفرة والكدرة في أيام الحيض، حيض ثم إذا ذهب ذلك، اغتسلت وصلت، وإن كان الدم مبتدئًا لا معرفة لها به، أمسكت عن الصلاة، ثم إذا جاوزت خمسة عشر يومًا استيقنت أنها مستحاضة، وأشكل وقت الحيض عليها من الاستحاضة، فلا يجوز لها أن تترك الصلاة إلا أقل ما تحيض له النساء، وذلك يوم وليلة، فعليها أن تغتسل وتقضي الصلاة أربعة عشر يومًا.

قال الشافعي: وأكثر الحيض خمسة عشر، وأكثر النفاس ستون يومًا.
قال الشافعي: الذي يبتلي بالمذى، فلا ينقطع مثل المستحاضة، يتوضأ لكل صلاة فريضة بعد غسل فرجه وتعصيبه.
قال القاضي حسين: إذا رأت الدم على أي لون كان، وانقطع على خمسة عشر يومًا، فإن الكل يكون حيضًا.
وإن زادت على ذلك، فقد ذكرنا حكمه.
وقال أبو سعيد الإصطخري وأبو إسحاق المروزي، إن الصفرة في أيام العادة ليست حيضًا.
وقيل بأن أبا إسحاق المروزي رجع عن ذلك.
وقال: الصفرة والكدرة في زمان إمكان الحيض حيض؛ لأنه وجد لذلك نصا من الشافعي في كتاب العدة، فعلى هذا إذا رأت خمسة أيام دمًا أسود، وخمسة أيام دما أحمر، وخمسة أيام دمًا أصفر، وانقطع على خمسة عشر يومًا، فإن عندنا وعند أبي إسحاق الكل يكون حيضًا، لأن الصفرة وجدت في زمان إمكان الحيض، وبمثله لو رأت خمسة ايام دمًا أصفر، فإنه يكون حيضًا وجد في زمان إمكان الحيض، لأنه قد تخلل بينهما أقل الطهر.
وفرع أصحابنا على قول أبي سعيد، وقالوا: إن الصفرة والكدرة عنده إنما لا تكون حيضًا، إذا لم يتقدمه دم قوى.
فأما إذا تقدمه دم قوي، فإنه يكون حيضًا، ثم اختلفوا في مقدار الدم القوى.
منهم من قال: يشترط فيه أن يرى يومًا وليلة دما قويًا، ثم ترى الصفرة والكدرة حتى تجعل الكل حيضًا، لأن الدم القوي إذا لم يكن له حكم الحيض بانفرداه لا يستتبع غيره في الحكم، نظيره إذا كان بين رجلين ثلاثون من الغنم مختلطًا، ولكل واحد منهما مائة من الغنم على الانفراد، فلا يثبت بينهما حكم الخلطة.

فأما إذا كان بينهم أربعون من الغنم خلطة، ولكل واحد منهمنا مائة من الغنم، حينئذ يثبت بينهما حكم الخلطة في الكل لما ذكرنا من المعنى.
ومنهم من قال: ينبغي أن يتقدمه دم قوي، وإن كان لحظة.
ومنهم من قال: ينبغي أن يتقدمه دم قوي، ويتأخر عنه دم قوي، ثم اختلفوا فيه.
منهم من قال /: ينبغي أن يتقدمه دم قوي يوما وليلة ويتأخر عنه هكذا.
ومنهم من يعتبر من الدم القوي لحظة في الابتداء، ولحظة من الانتهاء فحسب.
فرع إذا رأت خمسة صفرة، وخمسة كدرة، وخمسة سودًا.
على مذهب أبي إسحاق، والإصطخري: حيضها في أيام السواد؛ لأنهما يعتبران بقدر الدم القوي.
وعلى مذهب الأصحاب: الكل حيض، فعلى هذا: إذا رأت عشرة أيام دمًا، أحمر، وعشرة أيام دمًا أصفر، ورأت في الشهر الثاني هكذا، واستمر بها الدم يجعل لها عشرة أيام من كل شهر حيضًا عندنا وعندهما، والباقي طهرًا.
وإن لم يتكرر في الشهر الثاني.
وقلنا: إن العادة تثبت بمرة واحدة هكذا.
وإن قلنا: إن العادة لا تثبت بمرة واحدة، فإنها ترد إلى غالب عادات النساء، أو إلى يوم وليلة، وقد ذكرنا فيه قولين.
وعندهما: حيضها عشرة أيام فحسب.
فأما إذا رأت أولا عشرة أيام دمًا أصفر، ثم رأت عشرة أيام دمًا أحمر، أو

أسود، ورأت في الشهر الباقي هكذا، واستمر بها الدم في الشهر الثالث عندنا، هذا بناء على أن ابتداء الدم هل يترك أم لا؟ وقد ذكرنا من قبل: وعندهما: لا تجعل أيام الصفرة حيضًا، بل يكون حيضها أيام الحمرة إذا رأت الحمرة، أو السواد إن رأت السواد.
فصل: المعتادة إن كانت عادتها أن ترى في كل شهر خمسة أيام دمًا أسود، والباقي يكون طهرًا، فجاء شهر، ورأت خمسة أيام دمًا أسود وطبق بها الدم إلى آخر الشهر أسود، فإنها ترد إلى عادتها، وهي خمسة أيام، إذ لا يمكنها التمييز في هذه الحالة.
فأما إذا رأت عشرة أيام دمًا أسود، وانقطع على ذلك، فإن تكرر هكذا في الشهر الثاني، فقد تغيرت عادتها، وانتقلت من خمسة إلى عشرة، وإن لم يتكرر في الشهر الثاني.
إن قلنا: إن العادة تثبت بمرة واحدة، فذاك.
وإن قلنا: إنها لم تثب بمرة واحدة، فإنها ترد إلى عادتها الأصلية، وهي خمسة أيام في أول كل شهر.
فأما إذا رأت عشرة أيام دمًا أسود، ثم احمر الدم إلى آخر الشهر، ورأت في الشهر هكذا، فهذه امرأة اجتمع لها التمييز والعادة، وأيهما يقدم.
فيه قولان: أحدهما: التمييز يقدم على العادة، لأن ذاك دليل على نفس الدم.
والثاني: العادة تقدم على التمييز؛ لأنها مستقيمة متيقنة.

وقال أبو حنيفة: لا يعمل بالتمييز لا في هذا المحل، ولا في محل ما، بل ينظر فيه.
فإن كانت معتادة، فإنها ترد إلى عادتها، وإن كانت مبتدأة، فإنها ترد إلى أكثر الحيض، وهو عشرة أيام عنده.
وهذا كله كلام فيما إذا كانت لها عادة واحدة مستقيمة.
فأما إذا كانت لها عادات مختلفة، فلا يخلو إما أن يكون لها دور مستقيم، ومناوبة لا تختلف، أو لم يكن لها دور مستقيم.
فإن كان لها دور مستقيم، مثل أن رأت الدم شهرًا ثلاثة أيام، وشهرًا خمسة أيام وشهرًا سبعة أيام، ثم استقامت عادتها على هذا التفسير، واستقرت، وإنما تستقيم تلك في ستة أشهر ليحصل تكرار العادات مرتين، وكذا لو رأت في شهرينن ثلاثة ثلاثة، وفي شهرين خمسة خمسة، وفي شهرين سبعة سبعة.
واستقرت على ذلك، فحصل لها دور مستقيم في سنة كاملة.
إذا ثبت هذا، فلو جاءها شهر، واستمر بها الدم ماذا حكمه؟ فيه قولان: أحدهما: يرد إلى ما كانت حيضتها قبل شهر الاستحاضة.
فإن كانت حيضتها قبل شهر الاستحاضة، سبعة أيام، فإذا ترد إلى سبعة في كل شهر بعده.
وإن كانت خمسة فترد إلى خمسة.
وإن كانت ثلاثة فترد إلى ثلاثة.
والباقي من الشهر بعد مضي هذه العادات طهر.
والقول الثاني: أنها ترد إلى دورها المستقيم، ومناوبتها التي لا تختلف، فعلى هذا إن كانت عادتها قبل الشهر الذي استحيضت فيه ثلاثة، فيجعل لها

في هذا الشهر خمسة أيام حيضًا، والباقي طهرًا، وفي الشهر الثالث تستأنف، ويجعل لها ثلاثة أيام حيضًا، ثم في الشهر الثاني خمسة أيام حيضًا على هذا القياس.
فأما إذا لم يكن لها دور مستقيم، ومثل أن ترى شهرًا ثلاثة أيام حيضًا، وشهرًا تسعة أيام حيضة وشهرًا خمسًا، وربما تقدم السبعة على الثلاثة، وربما يتكرر الثلاثة في شهرين متواليين.
وربما يتوسط بينهما عادة أخرى.
فإذا جاءها شهرًا واستمر بها الدم.
فها هنا ول واحد: أنها ترد إلى عادتها قبل شهر الاستحاضة لا محالة.
فإن كان عادتها في الشهر الذي قبل شهر الاستحاضة خمسة أيام، فيجعل لها من كل شهر خمسة أيام حيضًا، والباقية طهرًا.
وعلى هذا القياس أبدًا إن قلنا في القسم الأول، إنها ترد إلى دورها المستقيم على الترتيب، فإنها لا تستعمل الاحتياط.
وإن قلنا بأنها ترد إلى حيضتها قبل شهر الاستحاضة، كما قلنا في القسم الثاني.
هل تستعمل الاحتياط أم لا؟ فيه جوابان ينبنيان على المبتدأة.
إن قلنا: ترد إلى يوم وليلة، أو إلى ست وسبع، هل تستعمل الاحتياط من ذلك الوقت إلى تمام خمسة عشر أم لا؟ وفيه قولان: إن قلنا هناك: لا تستعمل الاحتياط فهذا مثله.
وإن قلنا هناك: تستعمل الاحتياط، فها هنا تستعمل الاحتياط من أقل عادتها إلى أكثر عادتها في قضاء الصوم والصلاة.

بيانه: أنها لو كانت حيضتها قبل أشهر الاستحاضة سبعة أيام، ففي هذا الشهر رددناها إلى سبعة أيام، فإذا مضت سبعة أيام من الشهر الذي استحيضت فيه، فإنها تغتسل، وتقضي الصلاة من أقل عادتها، وهو ثلاثة أيام إلى أكثر عادتها، وهوسبعة أيام لاحتمال أن دمها قد انقطع على ثلاثة أيام، والباقي يكون استحاضة، وتقضي صوم سبعة أيام احيتاطًا؛ لأن الحائض تقضي الصوم في جميع الأحوال.
وإن كانت عادتها في الشهر الذي قبل شهر الاستحاضة خمسة أيام، فرددناها في شهر الاستحاضة إلى الخمسة.
فإذا مضت خمسة أيام منه تغتسل وتصلي.
فإذا مضت يومان بعده إلى تمام السبعة تغتسل هنا، وتصلي، وتقضي الصلاة من أقل عادتها، وهو الثلاث إلى أوسط عادتها، وهو الخمسة، ولا تقضي الصلاة من الخمسة إلى السبعة، لأنها إن كانت حائضًا في تلك المدة فلا صلاة عليها، وإن كانت طاهرًا في تلك المدة، فقد أدت الصلوات بالطهارة، وتقضي صوم سبعة أيام لا محالة، ولا يأتيها زوجها إلى تمام سبعة أيام احتياطًا، وإن كانت عادتها في الشهر الذي قبل شهر الاستحاضة ثلاثة أيام، فإنا نردها إلى الثلاثة في شهر الاستحاضة، فإذا مضت الثلاثة تغتسل ثانيًا وتصلي.
ثم إذا مضت سبعة أيام تغتسل ثانيًا، ولا تقضي شيئًا من الصلوات، لأنها إن كانت حائضًا، فلا صلاة عليها، وإن كانت طاهرًا، فقد أدت فريضة الوقت، بالطهارة بعد مضي ثلاثة أيام من الشهر، ولكن تقضى الصوم كله احتياطًا، لاحتمال أنها تكون حائضًا إلى تمام سبعة أيام، ولا يصح منها الصوم في زمان الحيض وكذا لا يأتيها زوجها إلى تمام سبعة أيام احتياطًا، والله أعلم بالصواب.

فصل في الناسية

وهي على قسمين: منها من لم تذكر شيئًا من وقت حيضها، ولا من وقت طهرها، ولا تذكر وقت انقطاع الدم.
ومنها من لم تذكر شيئًا من وقت طهرها، أو وقت انقطاع الدم.
فأما إذا لم تذكر شيئا من وقت حيضها، ولا من وقت طهرها، ولا من وقت انقطاع الدم، فتسمى هذه ناسية متحيرة، لأنها تحيرت في أمر نفسها، وحيرت العالم في شأنها.
وذلك يتصعد في موضعين: أحدهما: أن تكو صغيرة مجنونة، فبلغت، واستمر بها الدم، ثم أقامت بعد ذلك، والدم بها مستمر.
والثاني: أنها بالغة، وتحيض مرارًا، ثم جنت أعواما كثيرة، وأقامت، والدم بها مستمر ونسيت أيام حيضها وطهرها، ووقت انقطاع دمها، فماذا حكمها؟ فيه قولان: أحدهما: أن حكمها حكم المبتدأ؛ لأن الشافعي قال: وإن ابتدأت مستحاضة تركت الصلاة يومًا وليلة، عطفها على المبتدأة، فترد إلى يوم وليلة، أو إلى ست أو سبع على ما ذكرنا في المبتدأة، ثم ينظر فإن كانت صغيرة، وبلغت مجنونة، وأقامت، فإنها ترد إلى يوم وليلة، من كل شهر عددي، وهو ثلاثون يومًا ليس لها أصل قبل هذا.

وإن كانت بالغة، وجنت، ثم أفاقت، وقلنا: بأنها ترد إلى يوم وليلة، وأنها ترد إلى ذلك من الشهر الهلالي، لأنه كان لها أصل مستقيم قبل ذلك.
وقال القفال: إنها ترد إلى يوم وليلة من وقت الإفاقة؛ لأن ذلك أول وقت تلاقيها الخطاب.
والقول الثاني: وهو قوله الجديد، أنه ليس لها طهر بيقين، ولا حيض بيقين، فتستعمل الاحتياط، فتصوم وتقضي وتصلي وتقضي، ولا يأتيها زوجها أبدًا.
وإنما قلنا ذلك؛ لأنه ما من زمان من الأزمنة، إلا ويتصور لها الحيض فيه، والطهر وانقطاع الدم فيه.
ولكن على القولين معا: لو كانت معتدة تنقضي عدتها بمضى ثلاثة أشهر، لأنا لو قلنا: لا تنقضي بمضي هذه المدة، لأدى ذلك إلى إلحاق الضرر بها وبه، لأنها تبقي في حبالته ابد الدهر، ويتضرر هو بإدرار النفقة عليها.
وكيفية الاحتياط في العبادات: نذكر أولا الصلاة: فنقول: إذا دخل وقت الظهر تغتسل، وتصلي الظهر، وإذا دخل وقت العصر تغتسل، وتصلي العصر، وإذا غربت الشمس تغتسل، وتصلي المغرب، ثم تتوضأ وتقضي الظهر، ثم تتوضأ وتقضي العصر، ثم إذا غاب الشفق تغتسل وتصلي صلاة العشاء ثم إذا طلع الفجر تغتسل وتصلي الفجر، ثم تتوضأ وتقضي المغرب، ثم تتوضأ، وتقضي العشاء، ثم إذا طلعت الشمس تغتسل وتقضي الصبح.
فإنها تصلي في يوم وليلة عشر صلوات بست اغتسالات، وأربع طهارات.
وإنما قلنا: إذا غربت الشمس تتوضأ بعد الاغتسال، وتقضي صلاة الظهر، ثم تتوضأ وتقضي صلاة العصر، لاحتمال أنه ربما انقطع دمها قبل غروب الشمس، بقدر ركعة، ويلزمها صلاة العصر والظهر بذلك.

وإنما قلنا: لا تغتسل لهما، لأنها اغتسلت بعد غروب الشمس.
فإن انقطع دمها قبل غروب الشمس، فقد وجد الاغتسال مرة، وإن لم ينقطع ذلك قبل غروب الشمٍس، فلا قضاء عليها للظهر والعصر، وهكذا العلة في إيجاب قضاء المغرب والعشاء عليها بعد طلوع الفجر، وفي إيجاب قضاء الصبح عليها بعد طلوع الشمس على ما بينا.
ومن أصحابنا من قال: إنها إذا غربت الشمس تغتسل، وتصلي الظهر قضاء ثم تتوضأ، وتقضي العصر، ثم تغتسل فتصلي المغرب، لأنه ربما ينقطع دمها قبل غروب الشمس، ويلزمها قضاء الصلاتين الظهر والعصر، فلتغتسل للظهر، ولا تغتسل ثانيًا للعصر، لما ذكرنا من قبل، بل تتوضأ لها لكونها مستحاضة، وتغتسل للمغرب، لاحتمال أن دمها انقطع بعد غروب الشمس، وهكذا قال في ما بعد طلوع الفجر: تغتسل وتقضي المغرب، ثم تتوضأ، وتقضي العشاء، ثم تغتسل وتؤدي الفجر، فإنها تصلي في يوم وليلة عشر صلوات بثماني اغتسالات، وأربع طهارات على قوله.
والصحيح هو الأول؛ لأن هذا يؤذن بأنه يجب عليها قضاء صلاة المغرب أبدًا، لاحتمال أن دمها يعود قبل غروب الشمش، وقبل أن تصلي المغرب، فتقع صلاة المغرب في زمان الحيض في الحالتين، وليس فيه من الاحتياط شيء، فأما إذا كان عليها صلاة واحدة قضاء، فإنها تحتاج إلى أن تصلي ثلاث مرات بثلاث اغتسالات، حتى تخرج منها صلاة صحيحة بيقين.
وكيفيته: أن تغتسل، وتصلي الصلاة، ثم تمهل قدر إمكان الاغتسال وأداء هذه الصلاة، وتفعل مثلا في وقت يكون فراغها من الاغتسال والصلاة، ومدة الإمهال توافق أول طلوع الشمس، ثم تغتسل من أول وقت الاغتسال ابتداء إلى تمام خمسة عشر يومًا في أي وقت شاءت، وإن شاءت في اليوم الأول، وإن شاءت في اليوم الثاني والثالث، وإن شاء في اليوم الرابع عشر وغيرها، ثم إذا

قضت من أول ما اغتسلت وصلت في الابتداء خمسة عشر يومًا فإنها تمهل قدر إمكان اغتسال وأداء صلاة، ثم تغتسل وتصلي فتخرج من هذه الصلوات صلاة واحدة أو صلاتان بيقين الطهارة في وقت الطهر، لأنا قد قررنا أنه انقطاع دمها قبل الاغتسال، والصلاة التي أتت بها ابتداء، فالصلاة الأولى والثانية تقعان في زمان الطهر لا محالة، لأن الطهر لا يكون أقل من خمسة عشر يومًا، وإن قدرنا أن انقطاع دمها في خلال الصلاة الأولى، فإن الصلاة الثانية تقع في زمان الطهارة لا محالة لما ذكرنا.
وكذا لو قدرنا أن انقطاع دمها بعد الفراغ من الصلاة الأولى وقبل الصلاة الثانية، وإن كان بعد الصلاة الأولى والثانية.
فإن الصلاة الثالثة تقع في زمان الطهر بيقين، لأجل أن الطهر لا ينقص عن خمسة عشر يومً، وإن قدرنا أن ابتداء حيضها قبل الاغتسال الأول فإن الصلاة الثالثة تقع في زمان الطهر لا محالة من قبل أن الحيض لا يزيد على خمسة عشر يومًا، وكذا لو قدرنا أن ابتدأ دمها في خلال الصلاة الأولى، وإن قدرنا أن ابتداء دمها بعد الفراغ غير الصلاة الأولى والثانية، فإن الصلاة الأولى تقع في الطهر لا محالة، فإذا ثبت هذا وأنعمت النظر فيه، وتأملته جدًا ظهر لك صحة ما قلناه.
فأما إذا كان عليها قضاء صلاتين مثلا صبح وظهر، فإنها تغتسل وتصلي الصبح، ثم تمهل قدر إمكان الاغتسال، وأداء تلك الصلاة على التقدير الذي بيناه من قبل، ثم تغتسل وتصلي الظهر ثم تمهل قدر إمكان الاغتسال وأداء تلك الصلاة، ثم تغتسل وتصلي الصبح في أول الوقت الذي اغتسلت فيه للصبح إلى تمام خمسة عشر يومًا، ثم تمهل بعده قدر إمكان الاغتسال، وأداء تلك الصلاة، وتغتسل وتصلي ثالثا الصبح، وكذلك تفعل لأجل الثانية بأن تغتسل وتصلي الظهر ثانيا، من الوقت الذي اغتسلت فيه للظهر إلى تمام خمسة عشر يومًا من ذلك الوقت، ثم بعده تمهل قدر إمكان الاغتسال وأداء

تلك الصلاة، ثم تغتسل، وتصلي ثالثا الظهر، وكذا القياس فيما إذا كان عليها قضاء صلوات كثيرة على ما بيناه، والله أعلم.
فأما إذا أرادت الطواف بالبيت فيحتاج أن تطوف ثلاث مرات بثلاث اغتسالات على الوجه الذي بيناه في الصلاة بأن تغتسل، وتطوف سبع مرات بالبيت، ثم تغتسل وتطوف بالبيت هكذا من أول ما اغتسلت ابتداء إلى تمام خمسة عشر يومًا منه في أي وقت شاءت، ثم بعد ذلك تمهل قدر إمكان اغتسال، وطواف سبع مرات بالبيت، ثم تغتسل، وتطوف بالبيت سبع مرات، وهل تحتاج إلى الاغتسالات لأجل ركعتي الطواف أم لا؟ هذا ينبني على أن ركعتي الطواف فريضة أم سنة.؟ فإن قلنا: إنها فريضة، فيحتاج إلى الاغتسالات لها ثانيا، وإلا فلا.
وقال القفال: سواء قلنا، فرضًا أو سنة لا يحتاج فيه إلى الاغتسال ثانيا، لأنها تبع للطواف، وليست بمتبوعة بنفسها، بخلاف سائر الصلوات، فأما إذا كان عليها قضاء صوم واحد، فإنها تصوم يومًا، ثم تمهل يومًا، ثم تصوم يوما من اليوم الأول إلى تمام خمسة عشر يومصأ منه في أي يوم شاءت، ثم تمهل يوم السادس عشر، وتصوم يوم السابع عشر، فيحصل لها صوم يوم في زمان الطهر لا محالة، على الترتيب الذي ذكرنا في قضاء الصلاة حرفا بحرف، سواء قدرنا أو لا انقطاع الدم، أو قدرنا لها ابتداء الدم، لأن دم الحيض لا يزيد على خمسة عشر يومًا.
والطهر لا أقل من خمسة عشر يومًا.
وإنما قلنا: إنها تمهل في اليوم الثاني، ولا تصوم فيه، لأنها لو صامت في اليوم الثاني: فلا يحصل لها صوم يوم كامل بيقين في زمان الطهر، لاحتمال أن دمها ينقطع في خلال يوم الثاني، فلا يصح صومها في اليوم الأول والثاني، ومن وقت انقطاع إذا جعلناها خمسة عشر يوما طهرًا.
فإن آخر الطهر يكون في خلال يوم السابع عشر منه، ولا يصح أيضًا صوم

ذلك اليوم لاجتماع الحي والطهر فيه، فقلنا: بأنها لا تصوم يوم الثاني، وإنما تصوم مكانه يوم الثالث أو الرابع إلى مضى خمسة عشر يومًا من أول يوم صومها ليقع يوم السابع وقت الطهر لا محالة، لو قدرنا انقطاع دمها في خلال اليوم الذي تصوم فيه ثانيًا.
وإنما قلنا بأنها تصوم يومًا في خلال اليوم الذي تصوم فيه ثانيًا، وإنما قلنا بأنها تصوم يوما في خلال هذه الأيام، حتى يخرج لها صوم كامل بيقين في زمان الطهر، لأنه ربما ينقطع دمها في خلال اليوم الأول الذي تصوم فيه، فلا يصح صوم ذلك اليوم.
ويمتد زمان الطهر من وقت انقطاع الدم خمسة عشر يومًا، فيكون آخر وقت الطهر في آخر يوم السادس عشر إلا شيئًا.
فلو صامت في ذلك اليوم السابع عشر يقع صومها في يوم الحيض، فثبت أنه لابد من صيام ثلاثة أيام في سبعة عشر يومصا على الوجه الذي وصفناه.
حتى يخرج منه صوم يوم واحد، في زمان الطهر بيقين.
فأما إذا كان عليها قضاء يومين من الصوم، فإنها تصوم يومين مثلا من أول الشهر، ثم تصوم يوم السابع عشر، والثامن عشر منه، وتصوم يومين فيما تخلل بينها من الأيام.
إن شاءت متصلا باليومين الأولين، وإن شاءت وصلتهما باليومين الأخيرين، وإن شاءت صامتهما في الوسط على الانفراد، وكذا إذا وجب عليهما قضاء ثلاثة أيام.
فإنها تصوم ثلاثة أيام مثلا من أول الشهر، وتصوم يوم السابع عشر، والثامن عشر، والتاسع عشر منه، وتصوم بينهما يومين إن شاءت وصلتهما بالثلاث الأول، وبالثلاث الآخر، أو صامتهما في الوس على الانفراد فتحتاج إلى صوم ثمانية أيام ليحصل لها صوم ثلاثة أيام، بيقين في زمان الطهر، فأما إذا وجب عليها قضاء أربعة أيام في الصوم، فإنها تصوم مثلا من

أول الشهر أربعة أيام، وتصوم يوم السابع عشر، والثامن عشر، والتاسع عشر، والعشرين منه، وتصوم بينهما يومين أبدًا على التفسير، الذي ذكرنا، فتحتاج فيه إلى صوم عشرة أيام، وهكذا القياس فيما رذا كان الواجب عليها صوم خمسة أيام، أو أكثر من ذلك، فنحتاج أن نصوم ضعفي تلك الأيام، ونصف مثله على ترتيب الذي بيناه.
فأما إذا جاء شهر رمضان، وصامت الشهر كله، وخرج الشهر كاملا، فإنه يحصل لها من صوم الشهر أربعة عشر يومًا، ونقدر فيه الاحتياط، كان انقطاع دمها يكون في خلال يوم منه.
وانتهاء مدة الطهر يقع في خلال يوم منه، فيكون طهرها في أربعة عشر يومًا، ويقع بعض الطهر في يوم وبعضه في يوم، فيصير ستة عشر يومًا يبقى له أربعة عشر يومًا كاملا، فيها طهر بيقين، ثم تصوم شهرًا آخر إذا خرج كاملا، ويحصل لها حيض على هذا التقدير أربعة عشر يومًا، ويبقى عليها صوم يومين، وقد ذكرنا الكلام في كيفية قضاء يومين من الصوم.
فأما إذا وجب عليها صوم شهرين متتابعين في الكفارة فإنها إذا صامت أربعة أشهر كوامل يحصل لها صوم ستة وخمسين يومًا، ويبقى عليها صوم أربعة أيام متتابعات، فإنه تصومها في عشرين يومًا متتابعة، حتى يحصل لها منه أربعة أيام متتابعات باليقين، وكذا لو كان عليها صوم ثلاثة أيام متتابعات من كفارة اليمين، فإنها تصوم تسعة عشر يومًا متتابعة ليحصل لها منه ثلاثة أيام متتابعات.
وهذا لما قدرنا من ابتداء رؤية دمها في خلال اليوم، ليحصل انتهاء مدة الحيض في خلال يوم السادس، ليحصل لها ثلاثة أيام كوامل في زمان الطهر، قال المزني: ولو كان عليها قضاء يوم واحد، فإنها تصوم يومين بينهما خمسة عشر يومًا.
قال أصحابنا: فيه خلل من وجهين.
أحدهما: أنه قال: تصوم يومين.

وقد ذكرنا أنها تحتاج إلى قضاء صوم ثلاثة أيام على ما بيناه.
والثاني: قال: بينهما خمسة عشر [يومًا].
وينبغي أن يقول: بينهما أربعة عشر يومًا حتى يقع أحد اليومين في زمان الطهر على ما بينا.
ومن أصحابنا من قال: ليس فيما نقله خلل.
وقوله: (يصوم يومين).
قال القاضي حسين: أراد به في موضع أنها تعرف أن انقطاع دمها في زمان الليل، ولا يتبعض أيام طهرها، فها هنا تحتاج إلى صوم يومين في سبعة عشر يومًا، الأول، واليوم السابع عشر منه، ولا تصوم فيما توسط بينهما.
ومن أصحابنا من قال: أراد بقوله خمسة عشر يومًا.
يعني: عد أحد طرفيه معه.
يعني: أربعة عشر يومًا، ومعه اليوم الأول، ومثله يجوز.
كما قال الشافعي في السفر الطويل في موضع، وهو أن يكون ستة وأربعين ميلا.
وفي موضع ثمانية وأربعين ميلا وعدا الميلين في طرف الارتحال، والنزول في هذا الموضع، وفي ذلك الموضع لم يعد هكذا، هذا مثله.
فصل: في الناسية التي تعرف شيئًا من وقت حيضها، أو من وقت طهرها، أو تذكر وقت انقطاع الدم.
والحد فيه أن كل زمان لا يحتمل إلا الحيض، فيكون فيه حيض بيقين، وكل

زمان لا يحتمل فيه إلا الطهر، فيكون طهرًا بيقين، وكل زمان يحتمل فيه الحيض والطهر وانقطاع الدم، فيكون طهرا مشكوكًا فيه، فتؤمر بالاغتسال عند كل صلاة، وكل زمان يحتمل فيه الحيض والطهر دون انقطاع الدم، فيكون حيضًا مشكوكًا يتوصل لكل صلاة.
فإذا قالت: لا أذكر شيئًا، إلا أني كنت أخلط الشهر بالشهر، أو كنت أخلط بياض الشهر بسواد الشهر، وكلاهما واحد، فيكون لحظتان حيض بيقين: لحظة من آخر الشهر ولحظة من أول الشهر، فبعد ذلك إلى تمام خمسة عشر يومًا من الشهر إلا لحظة لها طهر مشكوك فيه، لأنه يحتمل الطهر، ويحتمل الحيض، ويحتمل انقطاع الدم، فتغتسل لكل صلاة، ثم بعد ذلك لها لحظتان: طهر بيقين لحظة من آخر الخامس عشر، ولحظة من أول ليلة السادس عشر، ثم بعد ذلك إلى آخر الشهر، إلا لحظة يحتمل الطهر، ويحتمل الحيض، ولا يحتمل انقطاع الدم، فيكون ذلك حيضا مشكوكًا فيه، فتتوضأ لكل صلاة إلى آخر الشهر.
فأما إذا قالت: لا أذكر شيئًا، إلا أني كنت أخلط الشهر بالشهر بيوم كامل، فيكون لها يومان وليلة، حيض بيقين يوم الثلاثين من الشهر الماضي، والليلة الأولى من الشهر الثاني، واليوم الأول منه، ثم بعد ذلك يحتمل الطهر والحيض، وانقطاع الدم إلى تمام ليلة الخامس عشر منه، تغتسل لكل صلاة في هذه المدة، ثم بعد ذلك يوم الخامس عشر، وليلة السادس عشر، ويوم السادس عشر لها طهر بيقين، ثم بعد ذلك إلى يوم الثلاثين منه حيض مشكوك فيه تتوضأ لكل صلاة، لأنه يحتمل الحيض والطهر، ولا يحتمل انقطاع الدم.
فأما إذا قالت: لا أذكر شيئا، إلا أني كنت أخلط بياض الشهر بياض الشهر، فيكون لها لحظتان، وليلة واحدة: حيض بيقين لحظة من آخر الشهر ولحظة من أول الشهر ولحظة من أول يوم منه، فبعد ذلك إلى تمام خمسة عشر يومًا من الشهر، إلا لحظة لها طهر مشكوك فيه، لأنه يحتمل الطهر، ويحتمل الحيض، ويحتمل انقطاع الدم، فتؤمر بالاغتسال لكل صلاة إلى مضى تلك المدة،

بعد ذلك، تلك الحظة وليلة السادس عشر، ولحظة من يوم السادس عشر لها، طهر بيقين، ثم بعد ذلك لها حيض مشكوك فيه إلى آخر الشهر، إلا لحظة، لأنه يحتمل فيه الحيض، ويحتمل الطهر، ولا يحتمل انقطاع الدم، فتتوضأ فيه لكل صلاة.
فأما إذا قالت: لا أذكر شيئا إلا أني كنت أخلط سواد الشهر بسواد الشهر، فيكون لها لحظتان، ويوم كامل حيض بيقين لحظة من آخر ليلة يوم الثلاثين، يوم الثلاثين فيه، ولحظة من أول الشهر، فبعد ذلك إلى تمام ليلة الخامس عشر منه، إلا لحظة لها طهر مشكوك فيه، لأنه يحتمل فيه الحيض، ويحتمل فيه الطهر، ويحتمل انقطاع الدم، فتؤمر بالاغتسال عند كل صلاة في هذه المدة، ثم بعده تلك اللحظة من آخر ليلة الخامس عشر، ويوم الخامس عشر منه، ولحظة من أول ليلة السادس عشر لها طهر بيقين، ثم بعد ذلك إلى آخر ليلة يوم الثلاثين، إلا لحظة لها حيض مشكوك فيه، لأنه يحتمل الحيض، ويحتمل الطهر، ولا يحتمل انقطاع الدم، فتتوضأ لكل صلاة في المدة.
فأما إذا قالت: كت أخلط سواد الشهر ببياض الشهر، فيكون لها يوم وليلة، ولحظتان حيض بيقين: لحظة من آخر ليلة الثلاثين، ويوم الثلاثين من آخر الشهر، وليلة الأولى من الشهر الثاني، ولحظة من أول يوم منه بعده إلى تمام ليلة الخامس عشر منه، إلا لحظة لها طهر مشكوك فيه، لأنه يحتمل الطهر، ويحتمل الحيض، ويحتمل انقطاع الدم، فتغتسل لكل صلاة في هذه المدة، ثم بعد تلك اللحظة التي بقيت من ليلة الخامس عشر، ويوم الخامس عشر، وليلة السادس عشر، ولحظة من أول السادس عشر لها طهر بيقين، ثم بعده إلى آخر ليلة يوم الثلاثين منه، إلا لحظة لها حيض مشكوك فيه، لأنه يحتمل الحيض والطهر دون انقطاع الدم، فتتوضأ لكل صلاة في تلك المدة.
فأما إذا قالت: لا أذكر شيئًا، إلا أني كنت لا أخلط الشهر بالشهر، فيكون لها لحظتان طهر بيقين: لحظة من آخر الشهر، ولحظة من أول الشهر، ثم بعده إلى تمام يوم وليلة، ولحظة من الليلة الثانية من الشهر لها حيض مشكوك فيه، لأنه يحتمل فيه الطهر، ويحتمل فيه الحيض ولا يحتمل انقطاع الدم، لأن

الحيض لا ينقطع فيما دون يوم وليلة، فتتوضأ فيه لكل صلاة، ثم بعده إلى آخر الشهر لها طهر مشكوك فيه، لأنه يحتمل الطهر، ويحتمل الحيض، ويحتمل انقطاع الدم فيه، فتغتسل لكل صلاة إلى آخر الشهر، إلا لحظة.
فأما إذا قالت: لا أذكر شيئا إلا أني كنت أخلط الشهر بالشهر، وكنت يوم الخامس منه حائضًا، فيكون لها خمسة أيام من أول الشهر، ولحظة من آخر الشهر حيض بيقين، وبعده إلى تمام خمسة عشر يومًا، إلا لحظة لها طهر مشكوك فيه، لأنه يحتمل الطهر، ويحتمل الحيض، ويحتمل انقطاع الدم، فتغتسل لكل صلاة في هذه المدة، ثم بعد تلك اللحظة، وخمسة أيام بعده إلى تمام العشرين لها طهر بيقين، ثم بعد ذلك إلى آخر الشهر، إلا لحظة لها حيض مشكوك فيه، لأنه يحتمل الطهر والحيض، دون انقطاع الدم فيه، فتتوضأ لكل صلاة في هذه المدة.
فأما إذا قالت: لا أذكر شيئًا، إلا أني كنت أخلط الشهر بالشهر، وكنت يوم الخامس والعشرين حائضًا، فيكون لها من يوم الخامس والعشرين إلى آخر الشهر، ولحظة من أول الشهر حيض بيقين، ثم بعده إلى تمام ليلة العاشر من هذا الشهر لها طهر مشكوك فيه، لأنه يحتمل فيه الحيض، ويحتمل فيه الطهر، ويحتمل فيه انقطاع الدم، فتغتسل عند كل صلاة في هذه المدة، ثم بعده إلى تمام الخامس عشر منه لها طهر بيقين، ثم بعده إلى تمام ليلة الخامس والعشرين لها حيض مشكوك فيه، لأنه يحتمل فيه الحيض والطهر دون انقطاع الدم، فتتوضأ لكل صلاة في هذه المدة.
فأما إذا قالت كنت أخلط الشهر بالشهر، إلا أني كنت يوم الخامس منه طاهرًا، فيكون لها لحظتان حيض بيقين: لحظة من آخر الشهر، ولحظة من أول الشهر، ثم بعده إلى تمام أربعة أيام لها طهر مشكوك فيه، يحتمل فيه الحيض والطهر وانقطاع الدم، فتغتسل لكل صلاة في تلك المدة، ثم بعده إلى تمام خمسة عشر يومًا، ولحظة من أول السادس عشر لها طهر بيقين، ثم بعده يكون

جارٍ التحميل