التعليقة للقاضي حسينصفحات 1052-1094

كتاب الصلاة

صفحات 1052-1094

قال رضي الله عنه: يحتمل وجهين: أحدهما: تبطل قبل أن يرفع راسه من السجود، ولأنه انتقل إلى ركن السجود بوضع الجبهة على الأرض.
والثاني: لا؛ لأن الركن إنما يتم بالانتقال إلى الركن الآخر، كما قلنا على أحد الوجهين في الاعتدال من الركوع لا يتم قبل الهوي إلى السجود، فعلى هذا ما لم يرفع رأسه من السجود لا تبطل صلاة المأموم القائم خلفه، وإن كان معذورا فلا خلاف أنه يعدو خلف إمامه، ويجرى على نظم صلاة نفسه ما دام سبقه بثلاثة أركان، فإن سبقه بأربعة أركان وأكثر، ففيه وجهان: أحدهما: يجري على نظم صلاة نفسه أيضا، ويعدو خلفه، ثم إذا سلم الإمام يكمل ما عليه.
والثاني: هو بالخيار بين أن يخرج نفسه من صلاة الإمام، ويكمل الصلاة لنفسه منفردًا، وبين أن يعدو خلف إمامه على نظم صلاة نفسه، ففي الأركان الثلاثة وجهان: أحدهما: إذا ركع الإمام وسجد، فلو بقي قاذمًا حتى رفع رأسه من السجود الأول، فقد وجدت المخالفة في ثلاثة أركان، وإن ركع قبل أن يرفع الامام رأسه من السجود الأول، فلم يسبقع بثلاثة أركان.
والوجه الثاني: لم يرفع رأسه من السجدة الثانية، وهو في القيام، فقد سبقه بثلاثة اركان، ولو كان في الركوع لم يسبقه بثلاثة أركان، ولو خالفه بالتقدم، فلا يخلو إما أن يخالفه بالتقدم في المكان او في الأفعال.
فإن خالفه بالتقدم في المكان، فقد ذكرنا فيه قولين: وإن خالفه بالتقدم في الأفعال، فلا خلاف أنه إذا تقدم عليه بركن تام متعمدًا تبطل صلاته، وذلك بأن يركع قبل الإمام، ويرفع رأسه من الركوع، والإمام قائم.

فأما إذا ركع قبل الإمام، وبقي في الركوع حتى هوى الإمام إلى الركوع لا تبطل صلاته، فقد أساء حتى لو كان يتقدم على الإمام في كل ركن لا يضر صلاته إذا صبر، حتى جامعه الإمام في ذلك الركن حتى لو ركع قبل الامام، وبقي فيه حتى ركع الامام، ورفع رأسه من الركوع قبل الامام، وبقي معتدلا حتى اعتدل الامام، ثم قبله صحت صلاته، وقد أساء.
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الامام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو قال: رأس خنزير.
فإن قيل: الامام لو سبق بركن واحد لا تبطل صلاته، والمأموم لو سبقه بركن واحد، قلتم تبطل صلاته ما الفرق؟ قلنا: لأن الامام مبتوع وأبدا المتبوع يتقدم على التابع، ولهذا تقدمه في الموقف، وأيضا الإمام سبقه بركن واحد، بخلاف المأموم، فإنه تابع، ومن شان التابع أن يجري على أثر المتبوع، كما في الموقف لو وقف بين يديه لا صلاة له، فالمستحب للمأموم أن يتابعه في جميع أركان الصلاة، فإنه يأتي بها بعد الإمام، فلو أتى بها قبله، فقد ذكرنا حكمه.
وإن أتى به مع الإمام يجزيء.
وأما لو كبر قبله، أو معه لا يجوز وجهًا واحدًا، ولو قدر إمامه راكعًا بشيء أحس به يشبه انتقال الإمام إلى الركوع، فركع على هذا التقدير لم يكره، وعليه أن يعود إلى القيام، ثم يركع مع الإمام.
ولو قدر إمامه رافعًا رأسه من الركوع، فرفع رأسه، وإذا الإمام يعد في الركوع عليه أن يعود، وإن لم يعد لم تبطل صلاته في ظاهر المذهب.

وفيه وجه آخر: أنه لو لم يعد تبطل صلاته في مسألة قالها الشافعي رحمه الله عليه لو رفع رأسه من السجود يتنفل، فعليه أن يعود، لم يعد بطلت صلاته كذا ها هنا.
ومن قال بالزوال يجيب عن هذه المسألة بأنه لم يرفع رأسه لأجل قطع السجدة، وإنما رفع لحاجته، وها هنا رفع بنية قطع السجود والركوع.
ولو عاد والإمام في الارتفاع، فالمذهب أنه يتابع الإمام، ولا يكمل العود إلى الركوع.
وقيل: إن فيه وجهًا آخر: يعود إلى الركوع، ولا يمكث فيه حتى لو مكث فيه تبطل صلاته، فأما إذا رفع رأسه من الركوع والسجود متعمدًا عالمًا بأن الإمام ثابت فيه لم يجز له ان يعود إليه، فإن عاد بطلت صلاته، لأنه زاد ركوعًا أو سجودًا متعمدًا في الصلاة.
ولو ترك قراءة الفاتحة متعمدًا حتى ركع الإمام المذهب أنه يخرج نفسه عن متابعته.
ولو نسي القراءة حتى ركع الإمام، وهو في القيام فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يتابعه في الركوع، ولا تحسب له تلك الركعة.
والثاني: حكمه حكم المعذور.
والثالث: حكمه حكم المعذور، ولو ركع مع الإمام، ثم تذكر أنه نسي القراءة فيه وجهان: أحدهما: يتابع الإمام، ولا يعود إلى القيام لأجل القراءة، فإن عاد كان المتخلف عن الامام بغير عذر حتى تبطل صلاته إذا سبقه الامام بركنين على التفصيل الذي ذكرناه.
والوجه الثاني: يعود إلى القيام، ويقرأ الفاتحة، ويجعل كالمتخلف عن الامام بالعذر إذ النسيان عذر ظاهر لقلة إمكان الاحتراز عنه.

ولو كان الإمام مسرعًا في القراءة بعد أن يأتي بالحروف، والمأموم كان يبطيء في القراءة، وتخلف عنه بهذا العذر يعذر فيه، ويجعل كالمتخلف بالعذر.
وإن كان المأموم موسوسًا، يردد الحروف والكلمات، ففرغ الإمام عن القراءة وهو بعد فيها.
قال رضي الله عنه: لا نجعل هذا عذرًا، وحكمه حكم المتخلف بغير عذر.
ولو ركع الامام وهو في خلال السورة، فعليه أن يقطعها، فإن لم يقطع السورة حكمه حكم المتخلف بغير عذر.
وهكذا إذا رفع الإمام رأسه من الركوع وهو في تسبيحات الركوع، فعليه أن يقطعها، فإن لم يقطعها حكمه حكم المتخلف بغير عذر.
فاما المسبوق ببعض الصلاة إن وجد الامام في الركوع، فعليه أن يكبر تكبيرة الافتتاح، ويهوى إلى الركوع، فلو اشتغل بالقراءة حكمه المتخلف عن الإمام بغير عذر.
وقيل: إنه إن قرأ، وأدرك الامام بعد فراغه من الركوع لا تصح صلاته، وإن أدركه في الركوع، فعلى وجهين.
فأما إذا وجد الإمام في القيام، غير أنه كما فرغ من تكبيرة الافتتاح هوي الإمام إلى الركوع عليه أن يتابعه، فإن تخلف واشتغل بالقراءة، فحكمه حكم المتخلف بغير عذر، ولو وجد الإمام في خلال القيام اختلف أصحابنا على طريقين: منهم من قال- وهو اختيار الشيخ أبي زيد: يكبر للافتتاح، ولا يشتغل بدعاء الاستفتاح، بل يقرأ الفاتحة، لأنها فرض.
ودعاء الاستفتاح سنة، والاشتغال بالفرض أولى، ثم إن أكمل الفاتحة قبل أن يهوي الإمام إلى الركوع، فذاك، وإن هوي إلى الركوع، وهو في خلال الفاتحة، فعليه أن يقطع الفاتحة، ويتابع الإمام.

فإن تخلف عن الإمام لإكمال الفاتحة، حكمه حكم المتخلف بغير عذر، فعلى هذا لو اشتغل بدعاء الاستفتاح، فركع الإمام، وهو بعد لم يقرأ الفاتحة عليه أن يقرأ من الفاتحة، بقدر ما قرأ من دعاء الاستفتاح، لأنه أدرك محلها، فافترضت عليه قراءتها، كجميع القراءة في حق الموافق، وحكمه حكم المتخلف عن الامام بغير بعذر لأنه انتسب إلى التفريط إذا اشتغل بدعاء الاستفتاح.
قال رضي الله عنه: هذا عندي إذا كان هو عالمًا بالحكم، وأن الفرض عليه الاشتغال بالفاتحة دون دعاء الاستفتاح، فإن كان جاهلا يجب أن يعذر فيه، ويجعل كالمتخلف بعذر.
ومن أصحابنا من قال: عليه أن يشتغل بقراءة الفاتحة، كما قلنا: إنه لا يقطعها حتى يكملها، وإن هوى الإمام إلى الركوع، وهو في خلالها متخلف لإكمالها يجعل المتخلف عنه بالعذر.
وعلى هذه الطريقة: لو قرأ دعاء الاستفتاح عليه أن يقرأ جميع الفاتحة، وحكمه حكم المتخلف بغير عذر.
ومن أصحابنا من قال: المسبوق ببعض الصلاة إذا أدرك الامام في القيام يأتي بدعاء الاستفتاح، لأنه في جملة المعقود صلاته، كالفاتحة، وعند هذا القائل إذا هوى الامام إلى الركوع يتابعه فيه، سواء كان قبل افتتاح الفاتحة، أو في خلالها.
فرع قد ذكرنا أن المسبوق ببعض الصلاة، المستحب له أن يقوم لقضاء ما فاته بعد أن يسلم الإمام تسليمتين، فلو أتي الإمام بتسليمة واحدة لا يجوز للمسبوق أن يقرأ شيئا من التشهد، إن لم يكن ذلك محل تشهده، وإن كان محل تشهده بأن كان مسبوقًا بركعتين، فلا بأس أن يقرأ التشهد بعد تسليمته الأولى.

فرع إذا سلم الإمام فقال بعض المأمومين: سلمت عن ركعة واحدة أو عن ثلاث، وكانت الصلاة ذات أربع ركعات، بطلت صلاة المأموم بهذا الكلام، وينظر في الإمام إن دخلته شبهته بما سمعه من المأموم، فعليه أن يقوم ويتمم الصلاة، ويسجد للسهو، وإن مكث بعد أن داخلته شبهة، أو تكلم بكلام بطلت صلاته وإن لم تقع له شبهة فصلاته تامة، وإن دخلته شبهة بعد أن كان الفصل قريبًا بنى، وإن طال فعلى قولين.

فصل قال المزني: قال: وإن صلى رجل في طرف المسجد، والإمام في طرفه، ولم تتصل الصفوف بينه وبينه، أو فوق ظهر المسجد بصلاة الإمام أجزأه ذلك.
صلى أبو هريرة فوق ظهر المسجد بصلاة الإمام في المسجد.
قال القاضي حسين: إذا اتسعت بقعته فوقف الإمام في طرف منه، والمأموم في طرف آخر صحت صلاته مقتديًا به، وإن طالت المسافة حتى بلغ ألف ذراع فأكثر، لأن خطة المسجد تجمعهم، وخطة المسجد في حكم شيء واحد، وسواء كان الإمام في المحراب، والمأموم في صحن المسجد، أو على العكس، وسواء كان الامام في الصحن، والمأموم على السطح، أو على العكس، وسواء كان الإمام في بئر، أو على منارة في المسجد أو على عكسه، وسواء وقف الامام في بيت في المسجد، والمأموم خارج البيت، أو على العكس، وإذا كان في صحن المسجد دكة وقف المأموم عليها، والامام على مستوى الأرض، أو وقف الامام عليها والمأموم على مستوي الأرض جاز، وإلا أن الأولى عند اختلاف المصلى أن يقوم الامام على المكان المرتفع دون المأموم.
روى أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر، والناس خلفه، وهو على الأرض، وتمام الحديث ما روى أنه عليه السلام في بدء الأمر كان إذا خطب الناس يستند إلى جذع نخلة في المسجد يابسة، وهي التي تسمى اليوم الحناتة، فجاءت امرأة، وقالت: يا رسول الله، إني اشتريت غلامًا نجارًا، فلو أذنت لي حتى أتخذ لك منبرًا تجلس عليه، وتخطب الناس، فأذن لها فيه، فاتخذ منبرًا له ثلاث درجات، ووضع في المسجد، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وجاوز الجذغ ليصعد المنبر، فحن الجذع حنين الوالهة فرجع النبي صلى الله عليه وسلم واحتضنها وسارها بشيء فسكتت، وعاد إلى المنبر ثم قال، خيرتها بين أن يرد الله تعالى، إليها شبابها فتورق وتثمر، وبين أن تكون شجرة في الجنة، ثم خطب

النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، وصلى عليه، فكان إذا بلغ السجود يضيق به المكان، فينزل إلى الأرض، ويسجد عليها، ثم يسعد المنبر، فدل أن المستحب أن يكون الإمام على المكان المرتفع.
ولو كان مساجد وقفوا متفرقة، وألصق البعض بالبعض، مثل أن يكون في البلاد الكبيرة كـ (نيسابور)، وغيرها، وقف الإمام في مسجد، والمأموم في مسجد آخر جاز بعد أن كان يسمع صوت الإمام لو كان هناك من يعلمه بأفعال الإمام فأما خارج المسجد إن كان في صحراء، أو قاع مستوي، أو أرض مملوكة لواحد، ووقف الإمام في طرف، والمأموم في طرف آخر، وبينهما قدر مائتي ذراع، أو ثلاثمائة ذراع، وهكذا لو وقف صف آخر خلف الصف الأول على مائتي ذراع، أو ثلاثمائة ذراع، وصف خلف الصف الثاني على هذه المسافة جاز، وإن امتدت الصفوف، حتى بلغت فرسخًا، وأكثروا الإمام في مثل هذه الصورة يطول الأركان، حتى يتصل خبر انتقاله من ركن إلى ركن إلى الصف الأخير جاز، وإنما أخذ الشافعي، رحمه الله عنه هذا التقدير من فعل النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف، صدع الناس صدعين جعلهم طائفتين، وتنحى طائفة بقدر غلوة سهم، وصلى بهم، وسهام العرب لا تبلغ أكثر من هذا القدر، فلم يجد الشافعي رحمه الله لهذا أصلا سوى ما قلناه فقدر به، إذ لابد من نوع تقدير، ثم هذا على جهة التقريب، دون التحديد، إذ ليس فيه نص، ولا توقيف، وإن كان قاعاً مملوكة بجماعة، فعلى وجهين: أحدهما: حكمه حكم الموات، والمملوكة لمالك واحد لا يعتبر فيه اتصال الصفوف والثاني: يعتبر فيه اتصال الصفوف لاختلاف الملك، ويجعل اختلاف الملاك كاختلاف البنيان، والسطوح المستوية المملوكة لملاك كثيرين على هذين الوجهين.

فأما المملوكة لمالك واحد، فكالموات، وإذا كان مختلفة منقسمة إلى الصعود والهبوط، هل يعتبر فيها اتصال الصفوف؟ قال رضي الله عنه: يحتمل وجهين بناء على المملوكة لملاك كثيرين، إذا كانت مستوية الأطراف.
إن قلنا: يعتبر فيها اتصال الصفوف لاختلاف الأملاك لم يعتبر ها هنا لعدم اختلف الأملاك.
وإن قلنا: لا يعتبر فيها اتصال الصفوف لاستواء البقاع، اعتبر ها هنا لاختلافها.
فأما إذا كان الإمام في المسجد، والمأموم خارج المسجد نظر، فإن كان بينهما حائل من جدار، أو باب مردود لم يصح اقتداؤه به، وإن وقف في الجانب الذي كان باب المسجد إليه وراء المسجد، والباب مفتوح، نظر فإن كان متصلا بالصف بأن كانت العتبة رقيقة، والصف الأخير ممتد إليها، أو كانت العتبة عريضة ووقف عليها واحد، فصلاته صحيحة، وإن كان متصلا بالمسجد غير متصل بالصف بأن كان بينه وبين الصف الذي يليه أكثر مما يكون بين الصفين بأن كانت العتبة عريضة، ولم يقف عليها واحد، أو كانت رقيقة، والصف الأخير في أقصى المسجد، أو في الصحن، فعلى وجهين: أحدهما: تصح صلاته مقتديٍا بالامام لاتصاله بالمسجد.
والثاني: لا؛ لانفصاله عن الصف وإذا وقف متصلا بالمسجد، وصححنا صلاته خلف الامام في المسجد، أو وقف متصلا بالصف في المسجد فوقف خلفه صف آخر، نظر فإن كان بينهما شارع أو نهر كبير لابد من اتصال ذلك الصف به، وإن كان وراء المسجد خطة مستوية من موات، أو أرض مملوكة لمالك واحد، فوقف صف منه على ثلاثمائة ذراع جاز.
ولو وقف خلف ذلك الصف صف آخر على ثلاثمائة ذراع جاز، ويجعل المتصل بالمسجد في حق الذي وقفوا خارج المسجد منزلة الإمام

ولو تقدم عليه صف لم يجز، ولو تأخر عنه صفوف جاز على الوجه الذي ذكرنا.
ولو كان هناك نهر كبير يزيد على ما يكون بين الصفين، فهو قاطع للصفوف على الظهر من المذهب، ولا يجوز أن يقتدي بالامام من وقف من الجناب الاخر من النهر، وإن كان للنهر قنطرة وقف عليها واحد متصلا بالواقف على باب المسجد، ووقف خلف الواقف على القنطرة صفوف جاز، ولو وقف على باب المسجد واحد متصلا بالواقف، ووقف خلفه آخر حتى انجز الصف إلى ما انجز حتى إلى بيوت ودو وأبنية جاز، وإن وقف على يمين المسجد إن كان هناك حائل من جدار، أو نهر كبير، أو شارع أو تخاجيل المسجد، وإن كان ينظر إلى الامام لم يصح اقتداؤه بالامام في المسجد، وإن كان هناك باب مفتوح، فوقف متصلا بالمسجد، وألصق منكبه بمنكب مصل في المسجد بأن كانت العتبة رقيقة وامتدت الصفوف إلى العتبة جاز، وإن كانت العتبة عريضة، ولم يقف عليها واحد، فعلى الوجهين، ثم إذا وقف بجنبه آخر حتى انجر الصف إلى ما انجر جاز، ولو وقف متباعدًا عنه إن كان يشقهم نهر، أو شارع لم يجز حتى يلصق المنكب بالمنكب، وإن كان لا يشقهم نهر ولا شارع وقف متباعدا منه على ثلاثمائة ذراع جاز، ولو وقف أمامه لا يجوز، وهو كالامام يجوز لمن صلى خلفه، ولا يجوز لمن صلى فيه، ولو وقفوا متلاصقين المناكب بالمناكب حتى دخلوا بيوتا، وأبنية جاز، ولو وقف امامه لا يجوز، فالبيوت أو الصفوف في الدار تفرد كل واحد منهما بحكمه، حتى لو وقفوا في صفة أو في بيت، وبين الامام والمأمومين قدر ثلاثمائة ذراع جاز، وإن وقف الامام في الصحن، والمأموم في الصفة، أو على العكس لم يجز، حتى تتصل الصفوف، فلا يكون بينهما أكثر مما يكون بين الصفين، وصحن الدار حكمه حكم الموات، والأرض المملوكة لمالك واحد، ولو كان بجنب المسجد حجرة، منخفضة السطح فوقف على سطحها، واقتدى بالامام في المسجد إن كان الصف الذي يليه في المسجد لا يحاذى بدنه جزءا من بدن واحد منهم لا تصح صلاته، وإن كان

يحاذي رأس واحد منهم ساقه، ولم يكن بينهما أكثر ما يكون بين الصفين صحت صلاته، وحكم المدارس والرباطات والخانات المسبلة حكم البيوت والدور يعتبر اتصال الصفوف فيها عند اختلاف البنيان، ولا يعتبر عند اتفاقها.
قال المزني: قال: فإن صلى قرب المسجد، وقربه ما يعرفه الناس من أن يتصل بشيء بالمسجد، لا حائل دونه، فيصلي منقطعا عن المسجد أو فنائه، على قدر مائتي ذراع، أو ثلاثمائة أو نحو ذلك، فإذا جاوز ذلك، لم يجزه، وكذلك الصحراء، والسفينة، والامام في أخرى، ولو أجزت أبعد من هذا، أجزت أن يصلي على ميل.
ومذهب عطاء أن يصلي بصلاة الامام من علمها، ولا أقول بهذا.
قال المزني: قلت أنا: قد أجاز القرب في الإبل بلا تأقيت، وهو عندي أولى، لأن التأقيت لا يدرك إلا بخير.
قال الشافعي: فإن صلى في دار قرب المسجد، لم يجزه، إلا بأن تتصل الصفوف، ولا حائل بينه وبينها، فأما في علوها، فلا يجزيء بحال، لأنها بائنة من المسجد، وروى عن عائشة رضي الله عنها، أن نسوة صلين في حجرتها، فقالت: لا تصلين بصلاة الامام فإنكن دونه في حجاب.
قال القاضي حسين: وقربه ما يعرفه الناس من أن يتصل بشيء من المسجد لا حائل دونه، فيصلي منقطعًا عن المسجد، أو فنائه على قدر مائتي ذراع، أو ثلاثمائة ذراع، أو نحو ذلك.
صورة المسالة مسجد على بسط من الأرض، وينتهي حد المسجد إلى خط معلوم، فوقف الامام في المسجد، والمأموم في جد المسجد على ثلاثمائة ذراع جاز، وإن كان من الامام على قدر خمسمائة ذراع، وهذا من كلام الشافعي

رحمه الله دليل على اختلاف الأملاك لا تجعل كاختلاف الأبنية، لأن الخطة مختلفة في هذه الصورة، بعضها مسجد، والبعض ليس بمسجد.
وقول الشافعي: أو فنائه منهم من قال: أراد بالفناء صحن المسجد.
ومنهم من قال: أراد به حريم المسجد.
وهو الموضع الذي قرب من المسجد متصلا فيه، يلقى فيه ثلج المسجد وغيره، وليس بمسجد حتى لا يحرم للجنب المكث فيه، فعلى هذا إذا وقف في الفناء على هذه المسافة صحت صلاته مقتديًا بالامام، وإن كان هو من خطة المسجد على خمسمائة ذراع، وحصل من هذا أن فناء المسجد هل يجرى به مجرى المسجد في هذا المعنى؟ فوجهان: وأما السفينة في البحر حكمها حكم الدار والخان، وإذا كان في البحر سفينتان، وقف الإمام في إحديهما، والمأموم في أخرى، وإن كانت مسقفتين فحكمهما حكم بيتين، ولا بد من اتصال الصفوف، وإن كانتا غير مسقفتين، فحكمهما حكم دكتين، لا يعتبر اتصال الصفوف بينهما، فعلى هذا لو كان في الموات، أو في صحن دار دكة، أو دكتان، وأكثر، فحكم الدكك حكم الصحن، ولا يختلف به شيئا.
فأما إذا كان في المسجد نهر، فإن حفر فيه بعد ما جعل المسجد مسجدًا، فإنه لا يجوز، ولكن لايمنع الاتصال، حتى لو وقف الامام على جانب، والمأموم على جانب آخر من النهر جاز، وإن حفر قبل أن يجعل مسجدًا إن كان صغيرًا فهكذا، وإن كان كبيرًا، فعلى وجهين: وقول الشافعي: ولو أجزت أبعد من هذا أجزت إلى ميل، أشار إلى أنه لا بد من تقريب، وإلا عدل في التقريبات، هذا الذي قلته إذ لو جوزت أكثر من ذلك لجوزت أن يقف من الامام على ميل وميلين، ومثل هذا لا يعرف اقتداء في العادة.
ثم إن المزني رحمه الله أنكر هذا التقريب، وقال: أجاز الشافعي

رحمه الله القرب بلا تأقيت، وهو عندي أولى؛ لأن التأقيت لا يدرك إلا بخبر وهذا غير صحيح لأن القرب مجهول، ومختلف في العادة، والتقريب الذي ذكر في غير الإملاء أبعد عن الجهالة، وأقرب إلى العادة، فكان أولى بالمصير إليه.
وقال عطاء: الاعتبار بعلمه وجهله بأفعال الإمام، إن كان عالمًا بأفعال إمامه، صح الاقتداء به، اختلف البنيان أو اتفق، قربت المسافة أو بعدت، والدليل على فساد قوله ما روى أن نسوة كن يصلين في حجرة النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة الإمام في المسجد.
وقالت عائشة رضي الله عنهما: لا تصلين بصلاة الإمام، فإنكن دونه في حجاب.
قال المزني: قال الشافعي رحمه الله، ومن خرج من إمامه الإمام، فأتم لنفسه لم يبين أن يعيد من قبل أن الرجل خرج من صلاة معاذ بعد ما افتتح معه، فصلى لنفسه وأعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فلم نعلمه أمره بالإعادة.
قال القاضي حسين: قيل: علق الشافعي رحمه الله القول في جواز الخروج من صلاة الإمام، ومال إلى أنه جائز ها هنا.
واختلف أصحابنا فيه على طرق.
فمنهم من قال: له أن يخرج نفسه من صلاة الإمام عند العذر قولا واحدًا، وإن لم يكن عذر فقولان.
ومنهم من قال: لا يخرج نفسه من صلاة الإمام، إن لم يكن له عذر وإن وقع له عذر فعلى قولين: ومنهم من أطلق القولين.
وجه قولنا: يجوز أن يخرج نفسه من صلاة الإمام، ويكمل الصلاة لنفسه ما روينا في خبر معاذ، فرفع تلك الحكاية إلى النبي، فلم ينكر على ذلك

الرجل، ولأن في الاقتداء اكتساب الفضيلة، لا غير، وفي تركها ترك الفضيلة وتركها لا يوجب بطلان الصلاة، كترك السورة والتسبيحات، وغيرها من هيئات الصلاة.
ووجه قولنا: لا يخرج نفسه عن صلاة الإمام، أنه يؤدي إلى المخالفة، وتغيير صفة الصلاة، فمنع منه.
فرع لو اقتدى برجل في ليلة ظلماء، فصلى خلفه، ثم أشكل عليه أنه هل تأخر عنه أو تقدم عليه؟ ننظر فإن جاء وراء الإمام صحت صلاته، لأن الأصل ألا يتقدم عليه، وإن جاء قدام الامام لا تصح صلاته، لأن الأصل أنه لا يتأخر عنه.

باب صلاة الإمام وصفة الأئمة

. قال الشافعي: وصلاة الأئمة ما قال أنس بن مالك: ما صليت خلف أحد قط أخف، ولا أتم صلاة من رسول الله ورى عنه عليه السلام، أنه قال: فليخفف، فإن فيهم السقيم والضعيف.
قال القاضي حسين: المستحب للإمام أن يخفف الصلاة، ولا يطول الأركان مثل: القيام والقراءة والركوع والسجود.
روى أبو هريرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا صلى أحدكم إن كان وحده فليطل ما شاء، وإن كان إماما فليخفف، فإن خلفه الضعيف والسقيم وذا الحاجة.
وعن أنس: ما صليت خلف أحد قط أخف، ولا أتم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنه انه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخف الناس صلاة في التمام.
وروى أنه عليه الصلاة والسلام كان أخف الناس صلاة للناس، وأطول

الناس صلاة لنفسه، إلا أن المستحب للإمام أن يأتي بالأركان، والأبعاض، والهيئات كما للمنفرد، ثم يخفف بعد أن يأتي بها على الكمال.
قال المزني: قال: فيؤمهم أقرؤهم، وأفقههم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله تعالى، فإن لم يجتمع ذلك في واحد، فإن قدم أفقههم، إذا كان يقرأ ما يكتفي به في الصلاة، فحسن وإن قدم أقرؤهم، إذا علم ما يلزمه، فحسن، ويقدم هذان على أسن منهما، وإنما قيل، يؤمهم أقرؤهم، أن من مضى كانوا يسلمون كبارًا، فيتفقهون قبل أن يقرءوا، ومن بعدهم كانوا يقرءون صغارا قبل أن يتفقهوا، فإن استووا، أمهم أسنهم، فإن استووا، فتقدم ذو النسب، فحسن.
وقال في القديم: فإن استووا، فأقدمهم هجرة، وقال فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأئمة من قريش.
قال: فإن أم من بلغ غاية في خلاف الحمد في الدين، أجزأ، صلى ابن عمر خلف الحجاج.
قال القاضي حسين: روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فليؤمهم أقرؤهم، وإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، وإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، وفي بعض الروايات، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنًا.
وللإمامة خصال يقع بها الترجيح، وهي مثل الورع، والقراءة، والفقه، وسبق الهجرة، والسن، والنسب، وبعض هذه الخصال مكتسبة والبعض غير مكتسبة، ثم بعد هذه الخصال خصال أيضا يرجح بها، وهي مثل حسن

الصناعة، وطيب النعمة، ونقاء الثوب، وحسن الوجه، ولا خلاف أن المكتسبة من هذه الخصال الستة مقدمة على غير المكتسبة ثم المكتبسة أيضا على مراتب، فالورع مقدم على غيره من الخصال؛ لأن هذه سفارة بين العبد، وبين الله تعالى، وفي السفارات يرشح لها من هو الأوجه عند توقع الحاجة إليه.
وأما الأوجه عند الله هو الأكرم والأتقى، قال الله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
قال رضي الله عنه: ويحتمل أن يقال: الفقه، والقراءة أولى لأن الخبر فيها ورد، والنبي صلى الله عليه وسلم تعرض لهما دون الورع، فدل أنهما أهم وأولى، وإن استويا في الورع فالأقرأ أولى، وإن استويا في الورع والقراءة فالأفقه أولى، وإن استويا في الورع والفقه والقراءة، فالأسبق هجرة أولى، ومعنى سبق الهجرة أن يكون أحدهما أسلم منذ عشر سنين، والأخر اكتسب من الطاعات والخيرات، ما لم يكتسبه حديث العهد بالإسلام، وإن استويا في الخصال الأربع، فالأسن منهما أولى، فإن استويا في السن، فالأرفع نسبًا أولى، إن كان أحدهما أرفع نسبًا من صاحبه، فإن كان أحدهما أقرأ، والآخر أفقه، فالأفقه أولى عندنا.
وقال أبو حنيفة: الأقرأ أولى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم الأقرأ وبدأ به.
أجاب الشافعي رحمه الله عليه، لأن هذا خطاب لأولئك الذي كانوا على عهده عليه السلام، وهم أنهم كانوا يسلمون كبارًا، ويتفقهون قبل أن يقرءوا، فكان لا يوجد قاريء منهم إلا وهو فقيه، وكان يوجد الفقيه، وهو ليس بقاريء فإنه قيل: لم يحفظ القرآن من الصحابة كله إلا ستة نفر: أبو بكر، وعثمان، وعلي، وأبي بن كعب، وابن مسعود، وزيد بن ثابت وقيل: عبد الله بن عباس، رضي الله عنهم، ولأن ما يجزئه من القراءة في الصلاة محصور، وما يقع من الحوادث فيها غير محصورة، فقدم الأفقه بهذا المعنى، وإذا كان أحدهما أسن، والآخر أنسب فقولان:

أحدهما: الأسن الأولى، لأنه فضيلة في ذاته، والنسب فضيلة تكون في ذات الغير.
والثاني: النسب أولى، لأنه يشبه المكتسب، فإن قريشًا سميت قريشًا، لأنهم يقرشون الطعام، ويقرون الضيف، وكان يسمى بنو هاشم كذا بنو هاشم، لأن جدهم كان يهشم الثريد للناس، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم قدموا قريشًا، وقال عليه السلام: الأئمة من قريش.
وحكي المزني رحمه الله عليه عن القديم، فإن استووا فأقدمهم هجرة منهم من قال: أراد به هجرة آبائه، فعلى هذا يكون ذلك جوابًا على القول الذي يقول: النسب أولى من السن.
ومنهم من قال: أراد به هجرة نفسه، فعلى هذا يعود الأمر إلى ما بيناه من أن أسبقهما هجرة يقدم على الأسن والأنسب.
ومن أسلم بنفسه كان أولى ممن أسلم بأحد أبويه، وإن تأخر إسلامه عن إسلام من أسلم أبواه، لأنه إذا أسلم بنفسه، فقد اكتسب هو تلك الفضيلة، بخلاف الآخر، والأورع الفقيه في باب الأمامة أولى من الأفقه الورع، وفي باب الفتوى، الأفقه الورع أولى من الأورع الفقيه.
والفرق ما بيناه من أن الإمامة سفارة، وأن استويا في الفقه والقراءة، وكان أحدهما أقدم هجرة والآخر أنسب، ففيه قولان:

قوله: فإن أم من خلع عنانه في خلاف الحمد، أجزأه.
تظرف الشافعي رحمه الله في العبارة، وإنما أراد به الفاسق الذي خلع العذار، فإمامته جائزة، إلا أن يكره الصلاة خلفه، ويكره له أن يصلي بالناس، وهكذا كل إمام يكرهون إمامته يكره له أن يؤم بهم.
روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يقبل الله صلاة من يؤم قومًا وهم له كارهون وصلاة امرأة زوجها عاتب عليها.
أي غضبان: يقال: عتب الزوج، على زوجته، وسخط السلطان على رعيته، ووجد الوالد على ولده، وغضب السيد على عبده.
هذا إذا كانوا يكرهون إمامته لمعنى فيه من زنا، أو شرب الخمر، أو غير ذلك من وجوه الفسق، فأما إذا كانوا يكرهونه من غير موجب لم يكره أن يؤم بهم، لأن الذنب لهم، ووبال الكراهة عليهم.
قال المزني: ولا يتقدم أحد في بيت رجل إلا بإذنه ولا في ولاية سلطان بغير أمره، ولا في بيت رجل أو غيره، لأن ذلك يؤدي إلى تأذيه.
قال القاضي حسين: أما السلطان أولى بالإمامة في الصلوات الخاصة، والعامة، والصلوات العامة: مثل العيدين، والخسوفين، والجمعة، والاستسقاء وإن جوزنا دونه.
والخاصة: مثل الصلوات المفروضات إذا اجتمع السلطان وغيره، فالسلطان أولى من صحاب البيت إذا اجتمعا، وصاحب البيت أولى من الأجنبي، والمستأجر أولى من الآجر، ويعني بصاحب البيت الساكن فيه لا المالك، والمستغير أولى من المعير، والمكاتب أولى من السيد.

قال الشافعي رحمة الله عليه في موضع العبد اولى، ومعلوم أن العبد يملك له، وإنما أراد به في غير المولى، أو أراد به المكاتب مع المولى، وإذا اجتمع المقيمون والمسافرون، فالمقيمون أولى.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يؤمن أحد أحدا في بيته، إلا بإذنه، ولا في ولاية سلطانه، إلا بإذنه، ولا يجلس على تكرمة أخيه إلا بإذنه.
وإنما أراد بالتكرمة ما يكرم الإنسان الداخل عليه به من الوسادة ونحوها ينبغي للمرء ألا يجلس في الصدر إذا دخل على آخر، إلا بإذنه، ولهذا قيل في المثل: اجلس حيث تجلس، فإذا أذن له في الجلوس عليه حينئذ يجلس عليه.

باب إمامة المرأة

قال المزني: قال الشافعي رحمه الله أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن ليث عن عطاء عن عائشة، رضي الله عنها، أنها صلت بنسوة العصر، فقامت وسطهن.
وروى عن أم سلمة: أنها أمتهن، فقامت وسطهن.
وعن علي بن الحسين: رضي الله عنهما: أنه كان يأمر جارية له تقوم بأهله في رمضان: وعن صفون بن سليم، قال: من السنة أن تصلي المرأة بنساء تقوم وسطهن، قال القاضي حسين: إقامة الجماعة لا تشرع للنساء حسب ما للرجال، فإنها فرض كفاية على الرجال أو سنة موكدة، وليست بفريضة، ولا سنة على النساء، وهذا كما أن النساء لا يسن لهن الآذان، ولا تشرع لهن الإقامة حسب ما شرعت للرجال، فإن أردن الصلاة بالجماعة، فالمستحب أن يقف إمامته وسطهن، فإن تقدمت إمامتهن كإمام الرجال جاز.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس على النساء أذان، ولا إقامة، ولا جمعة، ولا اغتسال من الجمعة، ولا تتقدمهن إمامتهن، لكن تقف وسطهن.

وعن عائشة رضي الله عنها، أنها صلت بنسوة العصر فقامت وسطهن وعن أم سلمة أنها أمتهن فقامت وسطهن.
وعن على بن حسين: أنه كان يأمر جارية تقوم بأهله في رمضان.
وعند أبي حنيفة: تكره لهن الجماعة، والله أعلم بالصواب.

باب صلاة المسافر والجمع في السفر

قال المزني: قال الشافعي رحمه الله: وإذا سافر الرجل سفرًا يكون ستة وأربعين ميلا بالهاشمي فله أن يقصر الصلاة، سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنا، فقصر.
وقال ابن عباس: أقصر إلى جدة وإلى الطائف وعسفان.
قال الشافعي: وأقرب ذلك إلى مكة ستة وأربعون ميلا بالهاشمي، وسافر ابن عمر إلى ريم فقصر، قال مالك: وذلك نحوٌ من أربعة برد.
قال القاضي حسين: لا عذر من الأعذار يفيد إباحة القصر إلا السفر،

فأما المرض والخوف وغيرهما لا يبيح القصر، والأصل في جواز القصر لعذر السفر قوله تعالى: (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة).
والخوف ليس يشترط في جواز القصر، خلافا لداود، واحتج بظاهر الآية على ذلك، والجواب عنه أن الآية وردت على وجه الأعم الأغلب، والغالب من أمر الأسفار الخوف قال عليه السلام، إن المسافر ومتاعه لعلي قلت، إلا ما وقي الله تعالى: ويدل عليه أنه عليه السلام سافر آمنا فقصر.
وعن يعلي بن أمية أنه أتى عمر فقال له: ما بالنا نقصر، وقد أمنا، وقد قال

الله تعالى: ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم.
فقال: تعجبت مما تعجبت، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: هذه تصدق الله على عباده فأقبلوا صدقته.
ثم إنما نجوز القصر في السفر الطويل.
وقال داود: إنه جائز في السفر الطويل والقصير، واحتج بظاهر القرآن، وعندنا هي محمول على السفر الطويل بدليل ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد.
فعند الشافعي رحمه الله سفر القصر ستة عشر فرسخا.
واختلفت عبارات الشافعي رحمه الله في كتبه عن السفر الذي يجوز القصر فيه، فنص ها هنا على أنه يتقدر بستة وأربعين ميلا بالهاشمي.
وقال في موضع آخر: بثمانية وأربعين ميلا.

وقال في موضع آخر: إذا جاوز أربعين ميلا جاز القصر.
وقال في موضع آخر: هي أربعة برد.
وقال في موضع: مسيرة ليلتين قاصدتين حمل الأثقال، ودبيب الأقدام.
وقال في موضع: مسيرة يوم وليلة، والمسألة على قول واحد أنه ستة وأربعون ميلا بالهاشمي كل ثلاثة أميال، منها فرسخ، مجموعها خمسة عشر وثلث فرسخ، إلا أن أصحابنا قدروه بستة عشر فرسخًا للاحتياط.
وحيث قال: ثمانية وأربعون ميلا عدا الميل الذي يرتحل فيه، والذي يرتحل إليه، وحيث قال: إذا جاوز الأربعين قصر، مطلق، وهذا مقيد، والمطلق محمول على المقيد، وحيث قال: أربعة برد، أراد به برد الحجاز، وذاك يكون بالنعال كل يريد منها أربعة فراسخ.
وحيث قال: مسيرة ليلتين قاصدتين، أراد به مرحلتين، والمرحلة لا تنقص عن ثمانية فراسخ في الغالب.
وحيث قال: مسيرة يوم وليلة، أراد به إذا كان يدأب المشي، ويداوم عليه والإنسان في العادة يمكنه قطع ستة عشر فرسخا في يوم وليلة، إذا داوم على المشي

وقال أبو حنيفة: سفر القصر ثلاثة أيام ولياليهن.
والدليل على أنه مرحلتان ستة عشر فرسخا ما روى عن ابن عباس أنه قال: أقصر إلى جدة، وإلى عسفان، وإلى طائف.

قال الشافعي رحمه الله وأقرب ذلك إلى مكة ستة وأربعون ميلا بالهاشمي وما رويناه أنه قال عليه السلام: يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد.
والفقه فيه أن هذه الرخص إنما تثبت في السفر لما يلحقه من تحمل المشقة، وما يصيبه من الأذى، والشدة بالاغتراب عن الأهل والوطن، وهذه معان حاصلة بمفارقة المنزل ليلة وليلتين وجب أن تثبت الرخصة المتعلقة بالسفر، وحاصل المذهبين أنهم يعتبرون بالزمان، كأقل الحيض والنفاس وفي العبادات التقدير أبدا بالزمان لا بالمكان، ونحن اعتبرنا بالمكان وهو الأصح، لأن المسافة التي اعتبرنا نحن، وهو ستة عشر فرسخا لا يتفاوت، سواء كان ذلك برا أو بحرا، أو الطريق سهلا، أو خشنا، فإنه إنما يعتبر المسافة أن تبلغ ستة عشر فرسخا، وهم إذا اعتبروا ذلك بالزمان، فيتفاوت إذا كان صعودا أو هبوطا، أو خشنا لا يمكنه في ثلاثة أيام أن يسير أكثر من عشرة فراسخ، وإذا كان سهلا يمكنه أكثر من ذلك، وكذا في البحر فما قلناه من هذا الوجه يكون أولى.

قال المزني: وأكره ترك القصر، رغبة عن السنة، فأما أنا، فلا أحب أن أقصر في أقل من ثلاثة أيام، احتياطًا على نفسي، فأن ترك القصر مباح لي، قصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتم.
قال القاضي حسين: القصر عندنا رخصة وليس بعزيمة.

وقال أبُو حَنِيفَةَ ومالكٌ: القصر عزيمة، ولا يجوز الإتمام، حتى لو أتم لم تصحَّ صلاته، ولم يسقط به الفرض عنه، إلا أن عند أبي حنيفة لو اقتدى بمقيم يتم أربعًا.
وعند مالك: وإن اقتدى بمقيم لا يجوز له أن يتمها أربعًا، فالدليل على أن القصر ليس بعزيمة ما روي عن أنس أنه قال: سافرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فمنَّا من قصر، ومنا من أتم، ومنا من صام، ومنا افطر، ولم يعب بعضنا بعضا.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فلما انصرفنا قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «ماذا صنعت في سفرك؟» فقلت: صمت ما أفطرت، وأتممت ما قصرت، فقال: «أحسنتِ».

ولأنه نوع تخفيف يجوز للمسافر لعذر السفر، فلا يتحتم عليه كالفطر، ولو ترك القصر إن اعتقد أنه ليس بسنة، فقد كفر، لأنه يخالف النص والاجماع وإن اعتقد كونه سنة، وواظب على تركه، فمكروه، وإن كان يتركه أحيانا ويفعله أحيانا، فلا بأس به.
والقصر أفضل أم الإتمام؟ فعلى قولين: أحدهما: القصر أفضل للخروج من الخلاف، ولقوله عليه السلام: «إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه».
ولقوله عليه السلام: «هذه صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته».
والقول الثاني: الإتمام أفضل، لأنه الأصل، وفيه أكبر العبادة.
وأما الصوم مع الفطر أيهما أفضل؟ من أصحابنا من جعل فيها قولين، كما في القصر مع الإتمام، والصحيح أن الصوم أفضل؛ لأنه إذا أفطر لا يمكنه حيازة الوقت، وفي الصلاة يمكنه حيازة فضيلة فعل الرخصة، وفضيلة الوقت.
قال: فأما أنا فلا أحِبّ أن أقصر في أقل من ثلاثة أيام احتياطًا على نفسي، وإنما قال ذلك للخروج من الخلاف.
هذا كما قال رحمه الله في الركاز بعد أن بين ذهبه في أن الواجب في المعدن يختص بالذهب والفضة، ولا يزيد على ربع العشر، وفي الركاز يختص بالذهب والفضة، فقال، ولو كنت أنا الواجد لخمست القليل والكثير، والذهب والفضة وغيرها، ولو فخارة وقال في الكتابة: وإني لا أمتنع عن كتابة عبد، جمع القوة والأمانة، وإنما

أستنبطه للخروج من الخلاف، فإن داود يوجب كتابة من جمع القوة على الكسب، والأمانة من العبيد.
وقد استنبط الشيخ أبو زيد من هذا أن الإيثار بثلاث أفضل عنده من الإيتار بواحدة، لأن الثلاث وتر عند بعض الناس، والركعة المختلف فيها، والثلاث المتفق عليها.
قال أصحابنا: الإيتار بواحدة أفضل لمعنيين: أحدهما: انه وجد فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله ولم يوجد في الثلاث.
والثاني: أنه إنما يصار إلى الاحتياط عنده، إذا لم يكن في ذلك ارتكاب محظور، أو فعل مكروه، وفي الاتيان بثلاث يؤدي إلى ارتكاب محظور أو مكروه فإن شرط الوتر عنده أن يتشهد في الركعة الأولى عقب رفع رأسه من السجدة الأخيرة.
وفي الإتيان بثلاث لا تشهد في الأولى.
وفي الفصد والحجامة يستحب له أن يتوضأ إذا صار وضوءه خلفا بأن أدى به فرضًا أو نافلة.
فأما إذا لم يؤد به شيئا، فلا يستحب، لأن تجديد الوضوء مكروه قبل أن يؤدي بالأولى صلاة ما، لأنه يؤدي على الزيادة على الأربع.
ويحكي عن ابن سريج أنه كان بعدما قصد مس ذكره، ثم توضأ، وهذا ليس بقوي، لأنه لا فرق عندنا بين ما لو أحدث أو مس ذكره.
قال الشافعي: وأحب للمسافر أن يمسح على الخفين إذا كان يغسل رجليه رغبة عن السنة، ولم يرد به أن مسح الخف أفضل من غسل الرجلين، وإنما أراد به أنه يستحب للمسافر أن يمسح على خفيه إذا كان لا يمسح رغبة عن السنة.
قال المزني: ولا يقصر إلا في الظهر، والعصر، والعشاء الآخرة، فأما المغرب والصبح، فلا يقصران.

قال القاضي حسين: كل صلاة هي ذات أربع ركعات تقصر في السفر، مثل الظهر والعصر والعشاء.
فأما الصبح والمغرب، فلا يقصران؛ لأنهما مخففتان في الأصل، فما احتيج فيهما إلى تخفيف السفر، ولأنه لو قصر الصبح لرجع إلى ركعة واحدة، والركعة الواحدة، لا أصل لها في الفريضة.
وأما المغرب فهي وتر النهار، ولو نقص منها ركعة لصار شفعا، وحقيقة القصر تشطير عدد ركعات الصلاة إلى أقل ما لها أصل في الفريضة.
روى عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت، فرضت الصلاة ركعتين، ركعتين فزيد في صلاة الحضر، وأقرب صلاة السفر على ما كان إلا الصبح والمغرب.
أما المغرب لأنها وتر النهار.
وأما الصبح بطول القنوت.
وقولها: إلا الصبح، استثناء من الزيادة، أي زيدت في الصلوات كلها في الحضر، إلا الصبح.
وقوله: إلا المغرب فإنه زيد عليها ركعة، فزيد على الصلوات كلها في الحضر ركعتين، إلا المغرب، فإن الزيادة فيها ركعة، وإذا اجتمع الخوف والسفر لم يجز رد الصلوات إلى أقل من ركعتين.
وقال ابن عباس رضي الله عنه: صلاة المقيم أربع ركعات، وصلاة المسافر الآمن ركعتان، وصلاة الخائف ركعة واحدة، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بـ (ذي قرد) صلاة الخوف، فصلى بطائفة ركعة وسلم وسلموا، ثم صلى بطائفة ركعة، وسلم وسلموا.

وعندنا هي منسوخة بصلاته عليه السلام بـ (عسفان) ـ و (ذات الرقاع).

قال المزني: وله أن يفطر أيام رمضان في سفره ويقضي فإن صام فيه، أجزاه، وقد صام النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان في سفر قال القاضي حسين: المسافر عندنا يتخير بين الصوم والفطر، ولا يتحتم عليه أحدهما.
وقال داود: يتحتم الفطر في السفر، واحتج بقوله عليه السلام: الصائم في السفر كالمفطر في الحضر، وبقوله عليه السلام: ليس من البر الصيام في السفر.
والأخبار المحمولة على نفي الكمال، وبيان المستحب، بدليل ما روى أنه عليه السلام صام في السفر وأفطر.
قال المزني: وإذا نوى السفر، فلا يقطر، حتى يفارق المنازل، إن كان حضريا ويفارق موضعه إن كان بدويًا.
قال القاضي حسين: رخص السفر لا تثبت إلا بشرطين: أحدهما: فعل السفر.
والثاني: نية السفر، فلو تعرى السفر عن النية لم يترخص برخصِ

المسافرين، وذلك مثل الهائم على وجه الأرض الذي ليس له غرض صحيح، ولا مقصود بسفر، وكذلك المتكدية الذي يسيرون على وجه الأرض، فإذا وجدوا خصبًا نزلوا به، وإذا وجدوا طعاما ملء بطونهم أقاموا به.
والمعنى في اشتراط النية أن السفر مما يؤثر في العبادات، والمؤثر في العبادة لا يستنغني عن النية، ولو تعرى النية عن فعل السفر لم يترخص، بهذه الرخص حتى ينضم إلى فعل السفر، بخلاف ما لو نوي الإقامة، فإن يصير مقيمًا في الحال.
والفرق أن الأصل في الناس هو الإقامة، فإذا نواها عاد إلى الأصل، ولم يعتبر تحقيق النية بالفعل، والسفر عارض، فاعتبر في تحقيق نيته انضمام الفعل إليه، وهكذا كما نقول في القنية مع التجارة في الزكاة إذا نوي مال القنية التجارة لا يصير للتجارة حتى ينضم إليه فعل التجارة، وإذا نوى القنية في مال التجارة صار للقنية بمجرد النية لهذا المعنى، وهو أن الأصل في الأموال القنية، فعاد صار للقنية بمجرد النية لهذا المعنى، وهو أن الأصل في الأموال القنية، فعاد إليها بمجرد النية، والتجارة عارض، فلم يصر إليها بمجرد النية حتى ينضم الفعل إليها، فكذا السفر مع الإقامة، وأيضا المسافر إذا نوي الإقامة عزيمته تلائم حالته، لا أن أكثر ما فيه أنه في السفر منقلب منصرف، والمقيم في الغالب يكون على هذه الصفة، والمقيم إذا نوى السفر عزيمته لا تلائم حالته.
والفرق الأول أظهر، ثم إذا اجتمع الشرطان: فعل السفر، والنية لم يترخص بالرخص حتى يفارق الموضع الذي يخرج منه وما هو منسوب إليه في العرف، والعادة إذا كان قد خرج من بلد له سور حتى يفارق السور، وإن كان به درب حتى يفارق الدرب، وإن كان به قنطرة متصلة بعمرانات البلد مثل مرو الروذ، فحتى يفارقها، وإن كان في البلدة خرابات كانت عامرة فيما مضى من

الأيام حتى يفارقها، وإن كان يخرج من قرية، فحتى يفارق الدور المتلاصقة والمتنابذة، والبساتين التي تعد من العمران لاتصالها بها، والمقابر المتصلة بالعمرانات، فأما المزارع حوالي البلد، والقرية لا يعتبر مفارقتها، لأنها قد تمد فراسخ حول البلد وإن كان من أهل الخيام، والحلل فحتى يفارق القباب المضروبة والخيام المتنابذة، والمتلاصقة وفناءها، وما هو مطرح الرماد وملقى السماد ومعاطن الإبل، وملعب الصبيان، ومتحدث النادي، وعقد الباب إنما يعد من الجملة مخرجه في العرب والعادة تعتبر مفارقته في جواز القصر، وفي الرجوع ينتهي جواز القصر في الموضع الذي ابتدأ القصر منه، ولو فارق البلد المنسوب إليه وبلغ حدا يباح له القصر فنوي الرجوع إلى البلد لحمل متاع نسيه أو لغسل أنفه إن كان قد رعف، نظن إن كان من جملة المقيمين بالبلد بأن كان له به أهل وولد وعلقه صار مقيمًا بمجرد النية، وانقطع حكم السفر حتى لا تثبت له الرخص ما لم ينشيء فعل السفر والنية.
وإن لم له بالبلد علقة بأن كان غريبا به لم ينقطع حكم سفره، ولو نوى مسافة لا تقصر الصلاة فيها، ثم في خلال الطريق ضم إليها بما بمجموعه يبلغان مسافة القصر نظر: فإن كان من المواضع الذي ضم الزيادة إلى ما نواه يبلغ مسافة القصر جاز له القصر، وإلا فلا.
ولو نوى مسافة القصر، ثم غير نيته في خلال الطريق، ونوي المقام بقرية في خلال الطريق، مثل أن يقصد في مرو الروذ، والخروج إلى سرجس، ثم لما فارق البلد نوي القيام في خمس قرى، وثبت له الرخص ما لم يدخل خمس قرى، فإذا دخلها صار مقيمًا في الحال، والفرق أنه في هذه المسألة انعقد له سبب الرخصة، فلم يرتفع إلا بتحقيق فعل الإقامة.
وإذا نوى مسافة لا تقصر فيها الصلاة، ثم ضم إليها ما بمجموعها يبلغان مسافة القصر لم ينعقد له سبب الرخصة، فلم تثبت له الرخصة.
ونظيره رجل أبق له عبد، فنوي الخروج إلى بلد بعينه يقصر إليه الصلاة لطلب عبده به، ثم في خلال الطريق قصد الانصراف إذا استقبله العبد الذي خرج في طلبه جاز له القصر إلى أن يظفر بالعبد والصديق.

ولو كان قد خرج على هذا القصد، وهو أن ينصرف مهما وجد العبد لم يجز له القصر.
وكذلك لو خرج إلى بلد لزيارة صديق له، ثم في خلال الطريق عرض له أن ينصرف مهما استقبله الصديق جاز له القصر، وإن كان لو خرج في الابتداء على هذه العزيمة، وهو أن ينصرف إذا استقبله صديقه لمن يجز له القصر.
وكذلك قال الشافعي رحمه الله: لو أن أعرابيًا سام نوقًا فانتجع سيارة تتبع مواقع القطر إن قصد مسافة القصر جاز له القصر، وإن عزم في خلال الطريق أن يقيم بكل موضع وجد به خصبًا له القصر ما لم يجد خصبًا.
ولو أنه خرج على عزيمة أن ينزل بكل موضع وجد خصبا لم يجز له القصر.
وهذا للمعنى الذي ذكرناه، وهو أنه إذا قصد مسافة القصر في الابتداء انعقد له سبب الرخصة، فإذا لم يعقد على الجزم مسافة القصر لم ينعقد له سبب الرخصة.
وعلى هذا العاصي بسفره لا يترخص المسافرين، وإذا عصى في سفره ترخص برخص المسافرين، لأنه انعقد له سبب الرخصة، فلم يرتفع بفعل المعصية.
ونظيره في غير القصر إذا وجد لقطة، فأخذها على قصد الإمساك للمالك، ثم نوي التملك في خلال الحول، والإمساك لنفسه لا يدخل في ضمانه بمجرد النية، حتى ينضم إليه النقل والتصرف، ولو وجدها فأخذها على عزم الإمساك والتملك دخل في ضمانه بمجرد الأخذ والقصد إلى التملك كذا ها هنا.
ولو أنه في خلال الطريق نوي الانحراف إلى موضع آخر جاز له القصر ما لم يبلغ الموضع الذي نوى الانحراف عنه، وإذا بلغه إن كان بينه، وبين المقصد الثاني مسافة القصر، جاز له قصر إذا أنشأ الخروج إليه، وإلا فلا.
وإذا نوي مسافر المقام في مفازة، هل يصير مقيما أم لا؟ فعلى وجهين

مستنبطين من مسألة، وهو أنه إذا دخل بلدًا مجتازًا، وله به أهل وولد هل يجعل مقيمًا؟ فيه قولان: أحدهما: لا يصير مقيمًا لعدم نية الإقامة، فعلى هذا يصير مقيمًا بنية الاقامة في المفازة، وإن كان المكان غير صالح لمقام مثله فيه.
والثاني: يصير مقيمًا لصلاح المكان، لإقامة مثله فيه، فإن الغالب أنه يقيم ببلد أهله وولده، فعلى هذا لا يصير مقيما بالمفازة، إذا نوي المقام بها، لأن المكان غير صالح لإقامة مثله فيه.
وإذا قصد الخروج إلى قرية، والرجوع عنها، ومسافة الخروج والرجوع مجموعها يبلغ مسافة القصر لا يجوز له القصر، لأن قصد ارجوع غير قصد الخروج.
ولو أنشا سفرا يبلغ مسافة القصر، ثم في خلال الطريق ردد النية، فقال: أقصر أم لا: ففي الحال يصير مقيمًا.
وقال في الكرة الثانية: لو أنشأ سفرًا من مرو الروذ إلى سرجس في خلال الطريق نوي الانحراف إلى مرو في الحال يصير مقيمًا لقطع تلك الجهة، ثم ينظر إن كان بينه وبين البلد الذي قصده مسافة القصر يجوز له القصر، وإلا فلا، والله أعلم.
قال المزني: فإن نوي السفر فأقام أربعة أيام، أتم الصلاة وصام واحتج فيمن أقام أربعة يتم، بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمني ثلاثا يقصر، وقدم مكة، فأقام قبل خروجه إلى عرفة ثلاثا يقصر، ولم يحسب اليوم الذي قدم فيه، لأنه كان فيه سائرا، ولا يوم التروية الذي خرج فيه سائرًا.
وأن عمر رضي الله عنه أجلى أهل الذمة من الحجاز، وضرب لمن يقدم

منهم تاجرًا مقام ثلاثة أيام، فأشبه ما وصفت أن يكون ذلك مقام السفر، وما جاوزه مقام الإقامة.
وروى عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: من أقام أربعًا، أتم.
وعن ابن المسيب: من أجمع إقامة أربع، أتم.
قال الشافعي رحمه الله فإذا جاوز أربعا لحاجة أو مرض وهو عازم على الخروج أتم وإن قصر أعاد الا أن يكون في خوف، أو حزب فيقصر قصر النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح، لحرب هوازن سبع عشرة أو ثمان عشرة.
وقال في الإملاء: إن أقام على شيء، ينجح اليوم واليومين: أنه لا يزال يقصر ما لم يجمع مكثًا، أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عام الفتح سبع عشرة، أو ثمان عشرة يقصر، حتى خرج إلى حنين.
قال المزني: ومشهور عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر؛ أخرج اليوم، وأخرج غدا.
قال المزني: فإذا قصر النبي صلى الله عليه وسلم في حربة سبع عشرة، أو ثمان عشرة ثم ابن عمر، ولا عزم على وقت إقامة، فالحرب وغيرها سواء في القياس، وقد قال الشافعي لو قاله قائل، كان مذهبا قال الشافعي رحمه الله، فإن خرج في آخرج وقت الصلاة قصر، وإن كان بعد الوقت لم يقصر.
قال المزني: أشبه بقوله أن يتم، لأنه يقول: إن أمكنت المرأة الصلاة، فلم تصل، حتى حاضت، أو أغمي عليها، لزمتها وإن لم تمكن لم تلزمها فكذلك إذا دخل عليها وقتها، وهو مقيم لزمته صلاة مقيم، وإنما تجب عنده بأول الوقت، والإمكان، وإنما وسع له التأخير إلى آخر الوقت.

جارٍ التحميل