التعليقة للقاضي حسينصفحات 219-258

فعلى هذا لا يخلو، إما أن يكون الحيوان مأكول اللحم، أو لا يكون مأكول اللحم.
فإن كان مأكول اللحم، فإذا جز شعره في حال الحياة يكون طاهرًا، وكذلك لو أخذ منه بعد الذكاة يكون طاهرًا، وأما ما نتف منه في حال الحياة، فهل يكون طاهرًا أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: يكون طاهرًا، وهو الأصح، كما لو أخذ منه على وجه الجز.
والثاني: لا يكون طاهرًأ، لأنه لم يؤخذ منه بطريقة والنتف يكون كالوقذ والجز يكون كالذبح.
فأما ما انتتف بنفسه، فإنه يكون طاهرًا.
فأما الريش، ينظر إن قلع الجناح، وعليه ريش، فإن ذلك يكون نجسًا، وإن أخذ منه على وجه النتف، هل يكون طاهرًا أم لا؟ ينظر، إن كان على رأس الجناح قطعة لحم أو دم، فإنه يغسل، ويكون طاهرًا وإن لم يكن عليه دم ولا لحم، وكان عليه بلة، فإنه يكون طاهرًا، لأن تلك البلة تكون كالعرق، والعرق يكون طاهرًا.
فأما شعر ما لا يؤكل لحمه، هل يكون طاهرًا أم لا؟ لا خلاف على قوله الجديد: إنه لا يكون طاهرًا، سواء أخذ منه في حال الحياة، أو بعد الممات، ولا خلاف أنه ما دام متصلا بالحيوان يكون طاهرًا، حتى لو أصاب ثوب إنسان، لا ينجس ثوبه، كعرقه سواء، فأما إذا ركب حمارًا

وانتتف شعر منه، والتصق بثيابه، لا تجوز الصلاة معه إلا أن يكون يسيرًا، فيكون معفوًا.
قال رضي الله عنه: عندي أنه إن أخذ منه في حال الحياة، وجز منه، فها هنا فيه شيء، لأن عرقه يكون طاهرًا، ولكن المذهب ألا يكون طاهرًا.
فأما الظفر والسن والقرن، لا خلاف أن فيه الحياة، ولا يجوز الانتفاع به إذا مات بخلاف الشعر.
والفرق بينهما أن الظفر لا يكون مخلفا، والشعر يكون مخلفا.
وكذلك الظفر لا يمكن الانتفاع به غالبًا، بخلاف الشعر.
قال الله تعالى: (وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين) الآية.
وسواء أخذ منه السن أو الظفر في حال الحياة، أو سقط منه في حال الحياة، فإنه يكون نجسًا.
وكذلك القرن الذي يسقط عنه في حال الحياة، لا يكون طاهرًا، فأما شعر بني آدم، هل يكون طاهرًا أم لا؟ فيه وجهان: بناء على أصل.
وذلك أن الآدمي إذا مات، هل ينجس بدنه بالموت أم لا؟ فيه قولان: فإذا قلنا ينجس بدنه بالموت، فشعره يكون نجسًا.
وإذا قلنا: إنه لا ينجس بالموت، شعره يكون طاهرًا في حال الحياة.
فأما شعر النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يرتب على شعر الأمة.

إن قلنا: إن شعر سائر الخلق يكون طاهرًا، فشعر النبي صلى الله عليه وسلم أولى، وإلا فوجهان: والأصح أن ذلك يكون طاهرًا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم شعره بين أصحابه.
وأصحابنا ذكروا وجهين في بوله ودمه، هل هو طاهر أو نجس؟ فعلى وجهين.

وقال أبو حنيفة، الشعر لا روح فيه، ولا ينجس بالموت، وهكذا يقول في الظفر والسن والقرن.
فرع لو نتف ريش طائر مأكول اللحم، واتخذ منه منشفة، يكون طاهرًا على ظاهر المذهب.
فصل الجلود الميتة إذا دبغت، وكان عليها شعور، فعلى مذهبه الصحيح، ورواية المزني والمرادي: أنه لا يطهر بالدباغ.
وحكي الربيع بن سليمان الجيزي، قولا آخر عن الشافعي.
أن الشعر يكون تابعًا للجلد، يطهر بطهارته، وينجس بنجاسته، فعلى هذا القول شعر الثعلب إذا مات، ودبغ جلده يكون طاهرًا، وكذلك شعر الهرة الإنسي، فاما الهرة الوحشي، لو قلنا: يحل أكله فيكون طاهرًا.
وإن قلنا: لا يحل أكلهن فحكمه حكم الإنسي.

فصل في الدباغ

قال الشافعي رحمه الله: إنما يدبغ بما تدبغ به العرب: القرظ والشب، وكذلك ما يقوم مقامه يحصل به الدباغ.
قال الشافعي: وأقل الدباغ أن ينشف فضوله، وذهب رسومته وزهومته، ويطيب رائحته، ويصيره إلى حاله لو أصابه المائع لا ينتن.
فأما بالتتريب والشمس لا يحصل الدباغ.
وقال أبو حنيفة: يطهر بها الجلد.
فأما إذا دبغ الجلد: فعلى قوله الجديد يكون طاهرًا ظاهره وباطنه، وعلى قوله القديم إنما يطهر ظاهرًا ولا يطهر باطنًا، فعلى قوله الجديد يجوز معه، وتجوز الصلاة عليه ومعه، ويجوز أكله إن كان جلد حيوان مأكول اللحم، وإن كان جلد حيوان غير مأكول اللحم، لا يجوز أكله، وعلى قوله القديم، لا يجوز أكله،

ولا تجوز الصلاة معه، ولا يجوز بيعه، ولا استعماله في الأشياء الرطبة، وهل يحتاج إلى غسله أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى لأنه إذا أصابه ما يدبغ به صار نجسًا.
والثاني: لا بل انقلب الكل طاهرًا، كما نقول في العصير إذا صار خمرًا، ثم صار خلا، فإن أجزاء الدن تطهر بانقلاب الخل خمرًا، كذلك ها هنا.
وأما الفتات الذي يتناثر منه، هل يكون ظاهرًا أم لا؟ فيه وجهان، كما ذكرنا.
فإما إذا دبغ بماء نجس، أو بدواء نجس، هل يندبغ أم لا؟ فيه وجهان: فإن قلنا يندبغ فيجب غسله قولاً وحدًا.
قال الشافعي رحمه الله عليه، ولو كان الصوف والشعر والريش لا يموت بموت ذات الروح، أو كان يطهر بالدباغ، كان ذلك في قرن الميتة وسنها، وجاز في عظمها؛ لأنه قبل الدباغ.
قال رضي الله عنه عند مالك، رحمه الله، الظفر والقرن والسن فيه الحياة، وينجس بالموت ولا يطهر بالدباغ، وأما الشعر والصوف والريش، منهم من قال: لا روح فيه، ولا ينجس بالموت.

وتارة يقولون فيه الحياة، وكذلك يطهر بالدباغ.
فتردد الشافعي في مذهبه، فألزمه بالطرفين، فقال: لو كان الصوف والشعر لا يموت بموت ذات الروح، أو كان يموت، ولكن يطهر بالدباغ يلزمك أن تقول مثل هذا في العظم والقرن، لأنه قبل الدباغ وبعده سواء.
ومنهم من قال: الشافعي قصد بهذا الرد على أبي حنيفة ومالك، فقال: ولو كان الصوف والشعر والريش لا يموت بموت ذات الروح، يا أبا حنيفة أو كان يطهر بالدباغ يا مالك، كان ذلك في قرن الميتة وسنها.
فأجاب عن قول مالك، ولم يجب عن قول أبي حنيفة، لأن عند أبي حنيفة حكم العظم حكم الصوف.
ومنهم من قال: الجواب رجع إلى أبي حنيفة، ولكن إنما أراد أن يقيس غير المنصوص عليه على المنصوص عليه، ليكون كلامه أظهر، والله أعلم بالصواب.
قال الشافعي: ولا يدهن من عظم فيل، واحتج بكراهية ابن عمر لذلك.
قال القاضي حسين: وقد قريء بقراءتين: لا يدهن على وزن التفعيل.
يعني: لا يمسح رأسه وبدنه بالدعن الذي كان في عظم الفيل وقريء على وزن الأفعال معناه، لا يستعمل ذلك الدهن، فينجس الموضع الذي أصابه الدهن.
ولو اتخذ منه مشطًا، وسرح به لحيته، فإن كان رطبًا ينجس لحيته، وإن يابسًا، فلا ينجس لحيته ولو اتخذ منه مشطًا، وسرح به لحيته، فإن كان رطبًا ينجس لحيته، وإن كان يابسًا، فلا ينجس لحيته.
وكره ابن عمر ذلك، والكراهية كراهية التحريم.
قال الشافعي في موضع آخر، ولا تدهن السفن بشحوم الخنازير، وقال: ولا تصل ما انكسر بعظمه إلا بعظم ما يؤكل لحمه زكيا، فإن رفعه بعظم ميت أجبره السلطان على قلعه، وإن مات صار ميتًا كله.

هذه النصوص كلها تدل على أنه لا يجوز استعمال الشيء النجس.
وقال في موضع آخر: ويستصبح بالدهن النجس.
وقال في موضع آخر، ويلبس فرسه ودوابه كل جلد ما سوي الكلب والخنزير من جلد قرد وقيل وأسد، لأنه جنة للفرس، ولا يعبد على الفرس وقال في موضع آخر: ولا بأس أن يزبل الأرض بالسماد.
وقال: ولا بأس أن يسجر التنور بعظام الميتة.
وقال: إذا عجن بماء نجس أطعم فهوده وبراذينه ونواضحه.
فقد اضطربت النصوص كما ترى.
من أصحابنا من قال: في الكل قولان: أحدهما: لا يجوز استعماله؛ لا في البدن، ولا في غيره.
والثاني: يجوز استعماله فيهما.
وقال أبو بكر الفارسي، النجاسات على قسمين: مغلظة ومخففة.
فأما المغلظة مثل نجاسة الكلب والخنزير، ولا يجوز استعماله لا في البدن ولا في غير البدن، والنص مخرج على هذا.
وأما النجاسة المخففة لا يجوز استعماله في البدن، ويجوز استعماله في غير البدن.
وتخرج النصوص على هذا صحيحة.

والنجاسة لا يجوز استعمالها في غير البدن، ولا في البدن إلا عند الضرورة، مثل ان يكون يخاف الهلاك من شدة الحر والبر يجوز له أن يبتدفأ بجلد الكلب والخنزير.
قال الشافعي: فأما جلد كل ذي يؤكل لحمه، فلا بأس بالوضوء فيه وإن لم يدبغ.
قال القاضي حسين: كل جلد يكون ذكيًا، ويؤكل لحمه يكون ذلك طاهرًا، فأما كل حيوان لا يؤكل لحمه، فلا يطهر جلده بالذكاة.
وقال أبو حنيفة: كل حيوان لا يؤكل لحمه يطهر جلده بالدباغ أو بالذكاة.
قال الشافعي: ولا أكره من الآنية إلا الذهب والفضة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم الذي يشرب في آنية الفضة، إنما يجرجر في جوفه نار جهنم، قال القاضي حسين: قريء هذا اللفظ بقراءتين: نارُ، نارَ.
فإذا قريء بالرفع معناه: نار جهنم في بطنه.
وإذا قرئ بالنصب معناه: يجر النار إلى جوفه، كما قال تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامي ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا) الآية.
قد ذكرنا: أن الأواني على قسمين: قسم متخذ من الجلود، وقد ذكرنا الجلود.
فأما ما يكون من غير الجلود، فإن ذلك يكون على قسمين:

متخذ من جوهر خسيس، ومتخذ من جوهر نفيس.
فأما ما يكون متخذًا من جوهر خسيس، مثل: الخزفيات، والصفريات والنحاس، وما أشبه ذلك، فيجوز اتخاذه.
فأما ما كان متخذًا من جوهر نفيس، فعلى قسمين، الدراهم والدنانير وغيرهما.
فأما ما يكون متخذا من الدراهم والدنانير، فعلى قوله الجديد، يحرم استعماله وعلى قوله القديم: يكره استعماله، ولا يحرم.
بدليل ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم، سئل عن الإناء الذهب والفضة، فقال إنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة، الحديث.

ووجه القول الأول ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم، وبيده قطعة من الذهب، وبيده الأخرى قطعة من الحرير، فقال: هذان حرام على ذكور أمتي حلال لإناثها، الحديث.
ولأي معنى يجوز اتخاذه؟ فيه معنياه: أحدهما: يحرم استعماله لعين الذهب والفضة، ولما كان فيه من كسر نفس، الفقير، الذي لا يجد درهما ينفقه على نفسه، والمعنى الثاني: إنما يحرج للكبر والخيلاء، فعلى هذا لو اتخذ إناء من ذهب وموهمه بالنحاس، فهل يحرم ذلك أم لا؟ إن قلنا: إنما يحرم لعين الذهب والفضة، فها هنا يحرم اتخاذه.
وإن قلنا: إنما يحرم للكبر والخيلاء، فها هنا لا يحرم، وعلى عكسه عكسه، وعلى هذا هل يجوز اتخاذه أم لا؟ فيه وجهان.

وكذلك الصائغ الذي يتخذ هذا، هل يستحق الأجرة على صنعته أم لا؟ فيه وجهان.
وكذلك لو جاء إنسان وكسره، هل يجب عليه قيمة الكسر أم لا، فيه وجهان.
وللشافعي ما يدل على أن له قيمة في موضعين.
قال في كتاب الزكاة: الحلي إذا كان وزنه ألفًا، وقيمته مصوغًا ألفين، فإنما زكاته على وزنه، لا على قيمته.
وقال في موضع آخر: ولو أصدق امرأته إناءين من ذهب، أو فضة وكسر أحدهما، ثم طلقها قبل الدخول.
فإن في المسألة قولين: أحدهما: أن الزوج يأخذ نصف قيمة الإناء المنكسر، ويأخذ نصف الإناء الصحيح، ونصف قيمة الإناء المنكسر، وإن شاء يأخذ نصف قيمة الإناءين ويترك الإناء في يدها.
قال الشافعي: فإن كان من ذهب فيقوم بالفضة، وإن كان من فضلة فيقوم بالذهب.
فهذا دليل على أن له قيمة.

فأما القسم الثاني الذي يكون متخذا من جوهر نفيس غير الدراهم والدنانير، مثل البلور والجزع وأشباههما، فعلى قوله القديم يكره استعماله، وعلى قوله الجديد، هل يحرم استعماله أم لا؟ فيه وجهان بناء على المعنيين: إن قلنا: المعنى فيه عين الذهب والفضة، فها هنا لا يحرم.
وإن قلنا: المعنى فيه الكبر والخيلاء، فها هنا يحرم اتخاذه.
فلو أنه توضأ في إناء من ذهب أو فضة يصح وضوؤه، ولكن يكره.
وقال داود وأصحاب الظاهر: لا يصح وضوؤه.
وهكذا نقول في الدار المغصوبة: وفي الثوب المغصوب، لأن النهي إنما ورد عن استعماله، ولم يرد النهي في عين ما وقع به التوضؤ، فلو صب الدراهم في الكوز، وشرب منه الماء يجوز، ولا يكره، وكذلك لو كان بيده خاتم، فغرف من الماء غرفة، وشرب لا يكره، وكذلك لو اتخذ لنفسه أصبعا من فضة أو ذهب، أو يدا من فضة، أو ذهب، أو أنفا من ذهب يجوز، وكذلك لو اتخذ سنا من فضة يجوز.

فأما ما اتخذ لنفسه حليا من حلي الرجال، مثل الخاتم والمنطقة، وحلية، السيف يجوز.
وكذلك لجام الدابة مثله، ولا يجوز أن يتخذ لنفسه خاتمًا من فضة، ويجعل أسنان خاتمه من ذهب، ولو اتخذ لنفسه خلخالا أو سوارا لا يجوز، لأن هذا ليس من حلي الرجال.
وكذلك لا يجوز للرجل أن يلبس الثوب الإبريسم.
وكذلك لا يجوز أن يلبس الثوب الملحم، والثوب الذي يكون جميعه من الإبريسم.
ولا يجوز أن يجلس على البساط الحرير، ولو غطاه بثوب، ثم جلس عليه يجوز حتى أفرط بعض أصحابنا، فقالوا: شهود النكاح لو جلسوا على الثوب الإبريسم صاروا فسقة، ولا ينعقد النكاح بشهادتهم، وهذا لا يصح، لأنه ليس كل ما يكون معصية يصير به فاسقًا ويكون مردود الشهادة، ولو اتخذ لنفسه مجمرًا من ذهب، أو فضة يكون حرامًا، فلو أن الرجل أراد أن يطيب ثيابه من مجمر من ذهب أو فضة ينظر، فإن طرح ثيابه عليه لا يجوز قولا واحدًا، وإن كان من بعيد، ويشتم رائحته لا يكون مكروهًا، ولو أنه استعمل ماء الورد من إناء من ذهب أو فضة لا يجوز.
والحيلة فيه أن يصيب ماء الورد على يساره ثم يصيب من اليسار على اليمين

ويستعمله، ولو اتخذ مسمارًا، أو معلقة من فضة لا يجوز، ولو كان له قدح، وكان عليه سلسلة من فضة يجوز، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له قدح فيه سلسلة من فضة.
فأما لبس الحرير قد ذكرنا أنه حرام.
فأما لبس الخز، هل يحرم أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو الأصح أنه حرام، لأنه كان من الإبريسم، ولكن هو غزل غليظ، فأما لبس الخز والعتابي والمصمت، فإن كان السدي من القطن يجوز لبسه، وإن كان السدي من الإبريسم لا يجوز لبسه.
والحد فيه أنه إن كان الغالب منه من الإبريسم لا يجوز لبسه، وإن كان الغالب منه القطن، يجوز لبسه.

فأما الثوب الذي عليه طراز، فإن كان قدر أصبعين، أو ثلاثة أصابع يجوز، وإن اكن أكثر من ذلك فلا يجوز.
والفرق بين هذا، وبين القليل من الذهب أنه لا يجوز أن يجعل أسنان خاتمه من الذهب، لأن الذهب شيء نفيس يعرفه الخاص والعام، وأما الحرير لا يعرفه إلا الخاص، هذا كله في حلي الرجال.
فأما النساء: يجوز لهن أن يتحلين بحلي الذهب والفضة، ويلبس الحرير ولكن إنما يتحلين بما كان من حلي النساء غالبًا.
فأما ما لا يكون من حلي النساء، مثل المنطقة وحلية السيف، فليس لهن ان يفعلن ذلك، وإنما يجوز لعن التحلي، بخواتيم الذهب، واتخاذ الخلخال، والسوار، ولبس الديباج، ولكن لا يجوز لهن أن يجلسن على الحرير، وعلى الديباج كالرجال.
وقال أبو يوسف، يجوز لهن أن يجلسن على الديباج.
وكذلك لا يجوز لهن أن يتخذن إناء من ذهب أو فضة كالرجال، قال الشافعي: وأكره ما ضبب بالفضة، لئلا يكون شاربًا على فضة، قال القاضي حسين: الإناء المنكسر إذا ضبب من فضة ينظر:

فإن كان ذلك مما يمس الفم لا خلاف أنه لا يجوز، وإن كان لا يمس الفم، فإن كان قليلا للحاجة، يجوز قولاً واحدًا.
وكثيرًا لغير الحاجة لا يجوز قولاً واحدًا، وكثيرًا للحاجة، وقليلاً للزينة، فعلى وجهين:

أحدهما: يجوز هذا.
والثاني: لا يجوز.
قال الشافعي: ولا بأس بالوضوء من ماء مشرك، وبفضل وضوئه، ما لم يعلم نجاسته، توضأ عمر، رضي الله عنه، من ماء في جرة نصرانية.
قال القاضي حسين: الكفار، على قسمين: قسم لا يتدينون باستعمال النجاسات، ولا يتناولونها، مثل اليهود والنصارى، فإن تحقق نجاسة على ثيابهم، أو على أوانيهم لا يجوز استعماله، وإن لم تتحقق النجاسة على ذلك يجوز استعماله.
والدليل على هذا ما روى أن عمر، رضي الله عنه، توضأ من ماء في جر نصرانية، ولكن الأولى أن يحترز عن ذلك.

وقسم يتدينون باستعمال النجاسات مثل المجوس، فهل يجوز استعمال ثيابهم في الصلاة، وأن يتوضأ في أوانيهم أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: لا يجوز؛ لأن الظاهر أنه يكون نجسًا، والدليل على هذا ما روى في حديث (أبي ثعلبة الخشني)، أنه قال: يا رسول الله، إنا ننزل بلاد المشركين، ونطبخ في قدورهم، أنه قال: يا رسول الله، إنا ننزل بلاد المشركين، ونطبخ في قدورهم، ونشرب من أوانيهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، استغنوا عنها ما استطتعم، فإن لم تجدوا عنها بدا فادخضوها بالماء، فإن الماء طهورها.
والقول الثاني: يجوز أن يصلي في ثيابهم، لأن الأصل طهارة الثوب، والإناء، وها هنا أصل، وذلك أنه إذا اجتمع الأصل والظاهر، فأيهما يغلب؟

فيه قولان، كما نقول في المقابر المنبوشة، فإنه لو تحقق أنها منبوشة قديمة لا تجوز الصلاة فيها، إلا أن يفرش ثوبًا فيصلي عليه، وإن كانت جديدة، وتتحقق أنها لم تكن منبوشة تجوز الصلاة هناك قولاً واحدًا.
فأما إذا كان بعضها منبوشة، ولكن لا يتحقق، يتحمل هذا ويحتمل ذاك، فإن فيها قولين: أحدهما: يجوز له أن يصلي؛ لأن الأصل طهارة المكان، وأنها لم تكن منبوشة.
والقول الثاني: أنه لا تصح الصلاة؛ لأن الظاهر أنه لا يكون إلا نجسًا.
وهكذا القول في وحل الطريق إذا كان يحتمل هذا ويحتمل ذاك، فهل يكون طاهرًا أم لا؟

فيه قولان.
وقال المراوزة، لو قال قائل إذا كان على ثوبك طين الطريق، فلو قال لك: نجس ثوبك، يجب عليه غسله، ولو قال: وحل ثوبك من الطرين، لا يجب غسله.
فأما الصلاة في ثياب الصبيان الذين لا يميزون، هل يجوز أم لا؟ فيه قولان: أحدهما لا يصح، لأن الظاهر أن ذلك يكون نجسًا.
والثاني: يجوز، لأن الأصل طهارة الثوب، وكذلك الصلاة في ثياب القصابين، والأساكفة الذين يستعملون الهلب، ولا يحترزون عنه.
والله أعلم، بالصواب.

باب السواك

قال الشافعي: وأحب السواك للصلوات، وعند كل حال تغير فيه الفم، عند الاستيقاظ من النوم، والأزم، وكل ما يغير الفم، لأن رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة.
قال رضي الله عنه: السواك والمسواك اسم للخشب الذي يوضع على الأسنان حتى يقلع الوضر.
والسواك يكون سنة مستحبة، والفعل يكون من هذا: الاستياك ويقوي في السواك الإتيان بالسنة، والمقصود يحصل من ضمنه، وهو تطهير الفم، كما أن الرجل يقصد بالجماع النسب، قال الله تعالى (وابتغوا ما كتب الله لكم).
أراد به: الولد.
والمقصود يحصل في ضمنه، وهو اقتضاء الشهوة.

ومضاجعة الرجل مع امرأته سنة.
ولهذا أمر الله تعالى في النشوز بالمفارقة فقال تعالى (واهجروهن في المضاجع) الآية.
والأصل في السواك ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صلاة بسواك أفضل عند الله من سبعين صلاة بغير سواك.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: طهروا أفواهكم لقراءة القرآن.
وروى العباس بن عبد المطلب، أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم قلح، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم، مالي أراكم تدخلون على قلحا؟ استاكوا؟ وروى عن عائشة، رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا كان قام من الليل يشوص فاه.
يعني: يستاك.
وروى عنها أيضًا أنها قالت: كان السواك من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنزلة القلم من أذن الكاتب، ثم روت ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما يزال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه وما زال يوصيني بالمرأة حتى ظننت أنه سيحرم طلاقها، وما يزال يوصيني بالعبد حتى ظننت أنه يضرب له مدة فإن بلغها عتق، وما يزال يوصيني بالسواك حتى حسبت أن تدردر أسناني.

وروي: حتى يدردر أسناني.
ويستحب السواك عند القيام إلى الصلاة، وعند كل حال تغير فيه الفم.
مثل: الاستيقاظ من النوم، والأزم، وأكل ما يغير ما يغير الفم من الثوم والبصل والكراث، وكذلك لو سكت ساعة طويلة فيستحب له السواك، لأنه إذا انضمت شفتاه، وانطبقت فيتغير الفم بذلك.
قال المزني: وأحب السواك للصلوات عند كل حال تغير فيه الفم، وهذا النص يدل على أنه إنما يستحب السواك إذا اجتمع شيئان: الصلاة، وتغير الفم.
وليس كذلك، لأنه إذا وجد أحدهما يستحب له السواك، فلو أنه نقل: وعند كل حال، لما وقع الإشكال.
قال وكل ما يغير الفم، قال القاضي حسين: وقريء وكلما تغير الفم.
والأصح أن يقال: وأكل ما يغير الفم، لأنه نقل أولاً: وعند كل حال تغير

فيه الفم، ثم قال: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة.
صدر الباب بأن السواك يكون مستحبًا.
ونقل هذا الخبر على وجه الاحتجاج، وهذا الخبر دليل على نفي الوجوب، ونفي الوجوب لا يدل على أنه يكون مستحبًا.
قال الشافعي: ولو كان واجبًا لأمرهم به، شق أو لم يشق.
وعندنا يكون سنة مستحبة، وليس بواجب وقال أصحاب الظاهر، يكون واجبًا.
دليلنا هذا الخبر.
والسواك يكون عبادة بدليل ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: صلاة بسواك أفضل عند الله من سبعين صلاة بغير سواك.

والسنة أن يستاك عرضًا، ولا يستاك طولا.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: استاكوا عرضا ولا تستاكوا طولا.
والسنة أن يستاك بخشب وسط، لا يكون حديدًا بحيث إنه يقرح اللثة، ولا يكون لينا بحيث إنه لا يقلع الوضر.
قال الشافعي: ويستاك بخشب حريف.
معناه: فيها حدة ولسع، حتى يقلع النكهة.
كما يقال: خلف ثقيف، وبقل حريف، وخبز نظيف، ولحم مشوي، ما عابه أحد.
ولو استاك بخرفة خشنة أو بالأصبع يحصل الاستياك بهذا.
والسواك هل هو من سنن الوضوء أم لا؟ فيه وجهان.

وإنما يستحب السواك في جميع الأوقات، إلا أن يكون صائمًا، يكره له السواك بالعشي، ولا يكره له ذلك بالغداة.
وقال أبو حنيفة: لا يكره له السواك في زمن ما.
واستدل بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: خير خصال الصائم السواك.
وقال مالك: إن كان صوم فرض، فهو كما ذكرنا، وإن كان نفلاً يستحب السواك في جميع الأحوال، حتى لا يتهم بأنه كان صائمًا، ليكون أبعد عن الرياء والسمعة، وإن كان فرضًا فيستحب إظهاره.
قال الله تعالى (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم).
دليلنا أن نقول: إن هذا أثر العبادة إذا كان بعد العشي.
فأما إذا كان قبل الزوال تغير الفم، إنما يكون من امتلاء المعدة، فيستحب إزالته، وأما إذا كان بعد الزوال، فإن ذلك يكون من الخواء، ويكون ذلك أثر العبادة.
وأثر العبادة تكره إزالته، كما نقول في دم الشهيد.

والدليل على هذا، ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك).
ولأن هذا أثر عبادة مستحبة ورد الشرع بها على لسان صاحب الشرع، فكره إزالته، وما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شهداء أحد: (زملوهم بكلومهم، فإنهم يبعثون يوم القيامة، وأوداجهم تشخب دمًا اللون لون الدم، والريح ريح المسك).
فدل على أنه يكره إزالة دم الشهيد، كذلك الخلوف يكون أثر العبادة، فتكره إزالته.
قال رضي الله عنه: قد ذكرنا أن المزني، صدر الباب بأن السواك يكون مستحبًا، ثم نقل خبرًا يدل على على نفي الوجوب، وقال: (وعندي أن هذا إنما يعلم ذلك زيادة وتأكيدًا في الاستحبا، إلا أن الشافعي قال بعد هذا: ولو كان واجبًا لأمرهم به شق أو لم يشعق).
وهذا دليل على نفي الوجوب - والله أعلم بالصواب.

باب نية الوضوء

قال الشافعي: ولا يجزئ طهارة من غسل ولا وضوء ولا تيمم إلا بنية، واحتج على من أجاز الوضوء بغير نية، بقوله صلى الله عليه وسلم: (الأعمال بالنيات).
ولا يجوز التيمم بغير نية، وهما طهارتان، فكيف يفترقان؟ قال القاضي حسين: الطهارة على نوعين: عينية، وحكمية.
فالعينية، ما اختص وجوبها بمحل حلول موجبها، وذلك لا يحتاج إلى النية عند عامة أصحابنا.
وقال ابن سريج، وسهل الصعلوكي، إنها تحتاج إلى النية.

والحكمية: ما يتعدى وجوبها عن محل حلول موجبها، مثل الوضوء والاغتسال والتيمم، والكل يحتاج إلى النية، سواء كانت بالمائع أو بالجامد.
وقال أبو حنيفة: ما كان بالمائع لا يحتاج إلى النية، وما كان بالجامد يحتاج إلى النية.
وقال زفر: الطهارة بالجامد لا تحتاج إلى النية.
إذا ثبت هذا، فالكلام في النية يقع في أربعة مواضع: في أصل النية، ومحلها، ووقتها، وكيفيتها.
أما أصل النية، فإنه واجب لقوله عليه السلام: (إنما الأعمال بالنيات) الخبر.
وأما محل النية.
اعلم أن محل النية الجنان، ولو نوي بالجنان، وتلفظ باللسان فهوا الأكمل، والأولى.
ولو نوى بالجنان، ولم يتلفظ باللسان جاز.
ولو تلفظ باللسان ولم ينو بالجنان لا يجوز.

لأن الشافعي رحه الله قال في كتاب الزكاة.
لو قال عند الأداء: هذا عطاء الفرض جاز.
من أصحابنا من قال: إنما جاز هناك أيضاً إذا نوى معه بالقلب.
ومن أصحابنا من قال: يجوز هناك بمجرد التلفظ باللسان، والفرق بينهما وبين سائر العبادات، أن في الزكاة أداء الغير ينوب عن أداء من وجب عليه مع قدرته على الأداء.
فكذا التلفظ باللسان جاز أن ينوب عن النية بالجنان، بخلاف سائر العبادات فأما وقت النية: اعلم أن للنية وقتين: وقت استحباب، ووقت إيجاب.
فوقت الاستحباب: أن ينوي عند غسل اليدين، فلو نوي عند غسل اليدين، واستصحب النية إلى أن غسل جزءا من الوجه، أو عزبت نيته، ثم نوي عند أول غسل جزء من أجزاء الوجه، جاز.
ولو عزبت نيته، ولم ينو عند أول غسل جزء من الوجه لا يجوز.
ولو نوي عند المضمضة والاستنشاق، واستصحب النية إلى غسل أول جزء من الوجه جاز.
وإن عزبت نيته، ولم ينو عند أول غسل جزء من الوجه اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: يجوز، لأنه نوي عند افتتاح الطهارة، والشروع فيها، فصار كما لو نوي عند تكبيرة الافتتاح للصلاة.

ومنهم من قال: لا يصح؛ لأنه لم ينو عند غسل أول فرض من فرائض الوضوء.
ومنهم من قال: ينظر، إن انغسل في المضمضة والاستنشاق شيء من ظاهر الفم والأنف يجوز، وإلا فلا.
وأما وجه الوجوب هو أن ينوي عند غسل أول جزء من الوجه، إلا أنه لا يحصل له فضيلة المضمضة والاستنشاق، فلو نوي عند غسل الوجه، واستصحب النية إلى آخر الوضوء، فهو المستحب.

وإن عزبت نيته بعد ذلك لا يضر لما فيه من التعذر والمشقة، فيعفي عنه كما في سائر العبادات، [حيث] تكفي النية إلى آخر جزء.
فأما كيفية النية: الطهارة على قسمين: بالجامد مرة، وبالمائع أخرى.
فما كان بالجامد كالتيمم، فإنه ينوي فيه استباحة الصلاة، لأن التيمم لا يرفع الحدث، بل يبيح الصلاة، بدليل انتفاضه بدون الحدث.
والطهارة بالماء قسمان: طهارة رفاهية، وطهارة ضرورة.
فالرفاهية: أن يتطهر الصحيح المقيم، فيتخير بين أن ينوي رفع الحدث واستباحة الصلاة.
أو ينوي أداء أوامر الله تعالى وفرائضه.
فلو نوي الطهارة فحسب.
قال القاضي: عندي أنه لا يجوز، لأن الطهارة هي التنظيف ولو نوي التنظيف لا تصح طهارته، كذا هذا.
فأما طهارة الضرورة، كطهارة المستحاضة، ومن به سلس البول، فإنه ينوي استباحة الصلاة عند عامة أصحابنا.
وقال (القفال) و (الخضري): إنه يجمع بين نية رفع الحدث،

واستباحة الصلاة، لأن طهارته ترفع الحدث السابق، وتبيح الصلاة مع الحدث اللاحق.
قال الشافعي: وإذا توضأ لنافلة أو لقراءة مصحب أو لجنازة أو لسجود قرآن أجزأ، وإن صلى به فريضة.
قال القاضي حسين: جملة ما يتوضأ ويغتسل له ثلاثة أقسام: منها: ما تجب الطهارة له أو الغسل، كصلوات الفرض والنفل، وسجود التلاوة، والطواف والخطبة، ومس المصحف للمحدث وغيره.
فلو توضأ بنية أحد هذه الأمور صحت طهارته، ويؤدي بها ما شاء من الصلوات.
ومنها: ما لا تجب له الطهارة ولا تسن، كعيادة المريض، وتشييع الجنازة، وزيارة الوالدين، والسلام على الناس.
فلو توضأ بنية أحد هذه الأمور لا تصح طهارته.
ومنها: ما تسن له الطهارة أو الغسل ولا تجب؛ مثل قراءة القرآن عن ظهر القلب، والمكث في المسجد في حق المحدث، أو العبور فيه في حق الجنب، والغسل للجمعة والأعياد، أو تجديد الطهارة.
فلو نوي أحد هذه الأمور في الطهارة، فهل تصح أم لا؟ فيه ثلاثة أوجه:

أحدهما: لا تصح؛ لأنه لا يجب له الوضوء.
والثاني: تصح؛ لأنه مما تندب له الطهارة.
والثالث: ينظر إن كان تندب له الطهارة لأجل الحدث والجنابة، مثل قراءة القرآن عن ظهر القلب، والمكث في المسجد، والعبور فيه؛ فتنعقد الطهارة بتلك، وإن كان تندب له الطهارة، لا لأجل الحدث، ولكن لأجل زيادة الثواب والدرجة، مثل الاغتسال للجمعة، والاغتسال للعيد، لا تصح الطهارة بتلك النية.
فرع لو ترك لمعة من أعضاء طهارته في المرة الأولى، ثم غسلها في المرة الأخرى، ينظر، فإن كان ذاكرا لنية الفرض، جاز، وإن غسلها بنية النفل، هل تقع عن الفرض أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يقع؛ لأن النفل لا يقوم مقام الفرض، كما لو ترك سجدة في صلب الجمعة، ثم سجد للسهو أو للتلاوة، فإنها لا تقوم مقام الفرض، كذا ها هنا.

والثاني: تقع عن الفرض.
والفرق بينه وبين الصلاة: أن نية الطهارة تشتمل على الغسل مرة ومرتين، وثلاث مرات، ونية الصلاة لا تشتمل على سجدة التلاوة والسهو قطعًا ويقينًا، لأنها تطرأ عليها أحيانا، وأيضًا فإن الغسل عن النفل إنما يقع بعد فراغ المحل عن الفرض.
فإذا ترك لمعة، ثم غسلها في المرة الثانية، فذاك المحل لم يفرع عن الفرض، فوقع عن الفرض في تلك المرة، لا عن النفل.
فعلى هذا: المحدث إذا توضأ بنية تجديد الطهارة، فظن أنه لم يكن محدثًا ينبني على المسألة الأولى.
إن قلنا هناك: لا يحسب عن الفرض، فها هنا أولى.
وإن قلنا هناك: يحسب عن الفرض، فها هنا وجهان.
والفرق أن نية الطهارة تشتمل على الغسل مرة ومرتين وثلاثًا، يعني: نفلاً وفرضًا.
فإذا غسلها في المرة الثانية صار مغسولاً بنية توجد من قبل.
وها هنا نية رفع الحدث لا تشتمل على تجديد الوضوء، حتى لو أراد أن يجدد الوضوء بتلك النية لا يجوز، فإذا نوى تجديد الوضوء، فقد نوي ما لا يشتمل عليه نية في الابتداء، فلا يصح.
فرغٌ هل تجب النية في غسل الميت أم لا؟ فيه وجهان مستنبطان من كلام الشافعي حيث قال: (لو غسل ثم خرج منه نجاسة أعاد عليه غسله)، وقريء غسله.

فمن قرأ غسله قال: أراد به غسل جميع أعضائه.
ومن قرأ غسله اختلفوا فيه: فمنهم من قال: أراد به غسل أعضاء طهارته.
ومنهم من قال: أراد به محل النجاسة فحسب.
إن قلنا: إن الواجب فيه جميع الأعضاء، أو غسل الأعضاء الأربعة جعل فيه النية، لأنه جعل تعبدًا وطهارة حكمية.
وإن قلنا: الواجب فيه غسل محل النجاسة، فلا تجب فيه النية كالطهارة العينية.
فعلى هذا: لو مات ميت في الماء، هل يعاد غسله أم لا؟ إن قلنا: تجب فيه النية يعاد، وإلا فلا.
وكذلك المجوسي لو غسل مسلمًا، هل يعاد غسله أم لا؟ فيه وجهان ينبنيان على هذا.
قال الشافعي: وإن نوي فتوضأ، ثم عزبت نيته، أجزأته نية واحدة، ما لم يحدث نية أن يتبرد، أو يتنظف بالماء فيعيد ما كان غسله لتبرد أو تنظف.
قال القاضي حسين: قد ذكرنا أنه إذا عزبت نيته لا يضره.
فأما إذا نوى في أثناء الطهارة التبرد والتنظف، فإن كان ذاكرًا لنية الفرض لا يضر، وإن كان ناسيًا لها، ولم يكن رافضًا لها، فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، لأن الشافعي قال: (ما لم يحدث نية أن يتبرد أو يتنظف).
والثاني: يجوز؛ لأنه لو جمع بينهما في الابتداء جاز، فكذا ها هنا.

وأول قوله أنه أراد به: إذا رفض نية الفرض، ثم أحدث نية التبرد والتنظف.
إن قلنا: يجوز، فلا كلام.
وإن قلنا: لا يجوز، فهل يستأنف الوضوء، أو يبني عليه، أم لا؟ فيه وجهان بناء على أصل، وهو أنه إذا فرق النية على أعضاء الطهارة، هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، كما لو فرق النية في الصلاة على أركان الصلاة.
والثاني: يجوز.
والفرق بينهما: أن الطهارة يجزئ فيها التفريق من حيث الزمان، فكذا من حيث النية بخلاف الصلاة.
التفريع: إن قلنا: يجوز تفريق النية على أعضاء الطهارة، فها هنا يبني، وإن قلنا: لا يجوز، فها هنا يستأنف.
فأما إذا رفض نية الفرض لا خلاف أنه لا يحسب ما غسل بعده عن الفرض، وإذا جدد نية الفرض، فهل يبني على الأول أو يستأنف؟ يخرج على ما ذكرنا من وجهين.

فرع إذا كان على أعضاء طهارته نجاسة، فيجب عليه غسله عن النجاسة، حتى يذهب عينها وأثرها، ثم يجب عليه غسله لأجل الطهارة فأما إذا أصاب دم الكلب محلاً، فغسل به مرة أو مرتين، أو ثلاثًا حتى ذهبت عين الدم، فهل تحسب هذه الغسلات عن السبع أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: يحتسب له ذلك، كما في الاستنجاء لو حصل الإنقاء بالثلاث لا يجب عليه التكرار بعده، فعلى هذا لو ذهبت عين الدم في الكرة السابعة لا يجب عليه شيء.
والثاني: أنه لا يحتسب له عن السبع، بل يجب عليه أن يغسله سبع مرات والتعفير، كما إذا كان على أعضاء طهارته نجاسة يجب عليسه غسل لأجل الخبث ثم لأجل الحدث.
وهكذا لو أصاب أعضاء طهارته ولوغ الكلب، يغسله عشر مرات، سبع مرات لأجل الخبث، وثلاثا لأجل الحدث.
فأما إذا كان على بدنه عجين أو طين، فغسله حتى زال عنه لا يحسب ذلك الغسل عن الطهارة.
وكذا لو سال عن ذلك المحل إلى محل آخر، لأنه صار مستعملا، فلا يحصل به التطهير.
فرع لو غسل وجهه ويديه ومسح رأسه، ثم زلت رجلاه، ووقع في الماء

جارٍ التحميل