التعليقة للقاضي حسينصفحات 732-771

مسائل رفع اليدين نصَّ الشافعي رحمة الله عليه عليها: إحداها: رجل لم يمكنه رفع اليدين حذو المنكبين لعلة، وأمكنه رفعهما دون المنكبين، فيرفعهما دون المنكبين، ولا يترك المقدور عليه بالمعجوز عنه.
والثانية: لم يمكنه رفعهما حذو المنكبين، وأمكنه الرفع فوقهما رفعهما فوق المنكبين، لأنه أتى بالسنة وزيادة هو معذور فيها.
والثالثة لم يمكنه الرفع حذوهما، وأمكنه الرفع دونهما، أو فوقهما يرفع فوقهما؛ لأن ما فيه الإتيان بالسنة، وزيادة هو معذور فيها، وفي الرفع دونهما ترك بعض السنة، ونظيره إذا لم يمكنه القعود في الصلاة، وأمكنه الاضطجاع والقيام، يصلِّي قائمًا لا مضطجعًا، لأنه أقرب إلى القعود من الاضطجاع.
والرابعة: أن تكون بإحدى يديه علَّة يعجز عن رفعها، والثانية سليمة يقدر على رفعها يرفع السليمة التي يقدر على رفعها.
ولو نسي رفع اليدين: أو تعمد تركه حتى أتى ببعض حروف التكبير يرفعهما في باقي التكبير، ولو أتى بالتكبير لا يقضيه، لأن رفع اليدين فائت، وفي قضائها ترك سنة أخرى، لأن السنة ألا يرفع يديه بعد التكبير.

قال المزني: ويأخذ كوعه الأيسر بكفِّه اليمنى.
قال القاضي حسين: وضع اليمين على الشمال سنة في الصلاة لقوله عليه السلام: «ثلاثة من سنن المرسلين تعجيل الفطر، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة»، ولما نزل قوله تعالى: (فصل لربك وانحر).
قال عليه السلام لجبريل: «ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي».
فقال جبريل عليه السلام: ليست هذه من نحائركم، وإنما هي وضع اليمين على الشمال في الصلاة تحت النحر.
ثم السنة عندنا أن يأخذ كوعه الأيسر بكفه اليمنى.
وقال أبو حنيفة: يضع كفه اليمنى على ظهر يده اليسرى.
قال المزني: ويجعلها تحت صدره.
قال القاضي حسين: هذه اللفظة لا توجد للشافعي، وإنما هي من جهة المزني رحمه الله لكنه حسن.
وعند أبي حنيفة يضعها تحت السرة، وما قلنا أولى لحديث جبريل عليه السلام، إنما هي وضع اليمين على الشمال في الصلاة تحت النحر، وهو الصدر، ولأن ما قلناه أقرب إلى الخشوع وأبعد عن العورة فكان أولى.

قال المزني: ثم يقول: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا مسلمًا، وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين.
قال القاضي حسين: إذا أتى بالتحريمة فالسنة أن يأتي بدعاء الاستفتاح والأولى عندنا قوله: وجهت وجهي للذي فطر إلى قوله: وأنا من المسلمين.
وعند أبي حنيفة الأولى في دعاء الاستفتاح: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك، وتعالى جدك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك.
فإن أراد أن يأتي بقوله: وجهت وجهي، فالسنة عنده أن يأتي به قبل الشروع في الصلاة عند القيام واستقبال القبلة، واحتج بأنه محل الدعاء دون قراءة القرآن، وهذا قرآن.
قلنا: ليس هذا بقرآن، لكنه يوافق نظم القرآن يدل عليه أنه يقول: وأنا من المسلمين، وفي القرآن وأنا أول المسلمين، وأيضًا، قل إن صلاتي وفي القرآن قل إن صلاتي، أيضا وأيضًا قال: حنيفًا وما أنا مسلمًا، وفي القرآن، حنيفا مسلمًا وما أنا من.
وعندنا يستحب أن يجمع بينهما لكنه إذا أراد الاختصار اقتصر على الأول،

روى علي رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا كبر يفتتح الصلاة بقوله: وجهت وجهي إلى آخره.
وقد روى الشافعي زيادة في دعاء الاستفتاح، واستحب أن يأتي به مع ما ذكرناه، وذلك اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، عملت سوءا، وظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها، فإنه لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، المهدي من هديت، أنا

بك وإليك، لا ملجأ ولا ملتجأ منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
وقوله: الشر ليس إليك، لم يرد به أن الشر ليس من جهتك، وإنما أراد لا يتقرب بالشر إليك، روى هذا التفسير عن النضر بن شميل هذا إذا كان منفردًا، فإن كان إمامًا، فالمستحب أن يقتصر على الأول تخفيفًا على القوم.
وقوله: سبحانك اللهم وبحمدك قال رضي الله عنه: يحتمل أن يكون معناه الحمد لله، حيث وفقتني

على التسبيح، ويحتمل أن يكون معناه، أحمدك وأشكرك على سبحتك، وروى أحمد والبيهقي أنه يقول بعده: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الذنوب كما ينقى الثوب الأبيض من الدرن، اللهم اغسلني.
وفي رواية: اللهم اغسل لي خطاياي بالماء والثلج والبرد.
وقال غيره من الفقهاء: إنه يدعو بهذا الدعاء الإمام بين قراءة الفاتحة والسورة.
فرع المسبوق إذا كبر تكبيرة الافتتاح، والإمام في التشهد الأخير، فلما جلس سلم الإمام فقام ولا يسن له دعاء الاسفتاح، لأنه أمر به لافتتاح الصلاة ولما جلس مع الإمام ذهبا لافتتاح، ثم يقوم ويقرأ القرآن، ولو سلم الإمام قبل أن يجلس هو لا يجلس، بل يأتي بدعاء الاستفتاح، فلو أدرك الإمام في القيام في صلاة الجهر، فلما فرغ من تكبيرة الافتتاح، قال الإمام / ولا الضالين آمين، فقال هو أيضًا، عقيب تكبيرة الافتتاح، آمين، فعليه أن يأتي بدعاء الاستفتاح لأن قوله، آمين، دعاء لا يمنعه من الإتيان بدعاء آخر.
قال المزني: ثم يتعوذ، فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال القاضي حسين: فالسنة أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ومعناه، ألتجيء إلى الله وأعتصم به من الشيطان الرجيم، روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهمزه ونفخه ونفثه.

ويستحب أن يتعوذ هكذا.
والأصل في التعوذ، ما روى أنه عليه السلام كان يقرأ سورة النجم، في صلاة الصبح، فلما بلغ قوله تعالى: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ألقى الشيطان في أمنيته أنه جرى على لسانه تلك الغرانيق العلا، وأن شفاعتهم لترتجى، ففرح به المشركون، وقالوا إن محمدا أثنى على آلهتنا، فأنزل الله قوله تعالى وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته، أي في قراءته، فينسخ الله ما يلقي الشيطان، الاية، ونزل قوله تعالى فإذا قرات القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، ومن أصحابنا من قال: إنما جرى على لسان النبي سهوًا، والصحيح أنه لم يجر على لسانه، لأنها كلمة الكفر، بل ألقى الشيطان في تلاوته.
وقال أبو هريرة: يتعوذ بعد القراءة أخذا بظاهر القرآن، وعندنا معناه، فإذا أردت قراءة القرآن كقوله تعالى، إذا قمتم إلى الصلاة.
أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة كقول القائل: إذا أتيتني فتطلس، أي إذا أردت أن تأتيني فتطلس.
وهل يجهر بالتعوذ، أو يسر به، فقولان:

أحدهما: يسر به، وهو قوله الجديد، لأنه ذكر مشروع قبل الفاتحة كدعاء الاستفتاح.
والثاني: يجهر به، وهو قوله القديم، لأنه ذكر مشروع بعد دعاء الاستفتاح كالفاتحة والتأمين.
وهل يسن التعوذ في كل ركعة أو في كل ركعة الأولى؟ فوجهان.
أحدهما: في كل ركعة، لأن القرآن في كل ركعة قراءة منفردة، وما تخلل من الأركان يقطع الأولى من الثانية.
والثانية: يسن في الركعة الأولى لا غير، لأن القراءة في الصلاة كلها قراءة واحدة.
ونص الشافعي يدل عليه، حيث قال: لو ترك القعود في الركعة الأولى يقضيه في الثانية، ولو كان في الثانية يسن على جهة الأصل لما سماه قضاء، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: ثم يقرأ مرتلا بأم القرآن.
قال القاضي حسين: أي مفصلا مبينا من قولهم: ثغر رتل، إذا كان منفرجًا منفلجًا، ويكره ترك الترتل والإسراع في القراءة لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسرع في القراءة، فقال: أهذا كهذا الشعر، أو قال: كهد الاعراب، وقد قال تعالى: ورتل القرآن ترتيلا، وقراءة الفاتحة متعينة في الصلاة لا يجزئه غيرها مع القدرة عليها.

وقال أبو حنيفة: لا تتعين، ثم له فيها روايتان:

إحداهما: يقرأ آية طويلة، أو ثلاث آيات قصار.
والثانية: يكفيه أن يقرأ آية واحدة، وإن قصرت كقوله: ثم نظر، وقوله مدهامتان، وقال أبو حنيفة: السنة أن يقرأ الفاتحة، حتى لو تركها يلزمه سجود السهو.
دليلنا ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال، كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج.
ولأنه ركن في الصلاة، فوجب أن يتعين قياسًا على سائر أركانها، وقد قالوا: لو نسي الفاتحة، وقرأ ثلاث آيات ثم ركع فتذكر في الركوع أنه نسي الفاتحة عليه أن يعود إلى القيام، ويقرأ الفاتحة، وهذا من أقوى الأدلة لنا عليهم.

قال المزني: ويبتدئها بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بأم القرآن وعدها آية.
قال القاضي حسين: التسمية عندنا آية من الفاتحة وهل هي آية من كل سورة من سائر السور؟ فعلى قولين.
ومن أصحابنا: من قال: القولان في أنها أثبت في رأس كل سورة للفصل، أو لكونها قرآنا، فأحد القولين، أنها للفصل.
والثاني: تكون قرآنا في رأس كل سورة.
وعند أبي حنيفة هي ليست من القرآن إلا في سورة النمل، فإنها تكون نصف آية منها، ولا خلاف في أنه لا يكفر جاحدها، لأن التكفير نتيجة الإجماع، ولا يظهر الخلاف مع أبي حنيفة في وجوب قراءتها في الصلاة، لأن عند أبي حنيفة قراءة الفاتحة لا تجب في الصلاة، وإنما يظهر الخلاف معه في الجهر، فعندنا يجهر بالتسمية، لأنها من الفاتحة، وعند أبي حنيفة لا يجهر بها بل يسر، وظهر الخلاف مع مالك في وجوب القراءة، فإنه يقول: قراءة الفاتحة واجبة، والتسمية ليست من الفاتحة، ثم إثبات التسمية طريقة طريق القطع، أو طريق الحكم؟ فعلى وجهين: أحدهما: طريقه طريق القطع،، فعلى هذا لا يجوز إثباته بأخبار الآحاد، بل بإجماع الصحابة على كتابتها بين السورتين بعلم القرآن وخبره وخطه في مواضع كثيرة، ولو لم تكن من القرآن لما أثبت فيه، ولكانوا يعترضون على مثبتيه فيه، لأنهم كانوا أحوط في دين الله من أن يثبتوا غير القرآن في القرآن على نسق واحد.
والثاني: طريقه طريق الحكم، فعلى هذا يثبت بأخبار الآحاد، وفيه أخبار

منها ما روى العلاء بن عبد الرحمن عبد أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فاتحة الكتاب سبع آيات إحداهن، بسم الله الرحمن الرحيم.
وروت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ فاتحة الكتاب، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، وعدها آية، ووافقنا أبو حنيفة في أن الفاتحة سبع آيات إلا أنه يجعل الآية السابعة من قوله، (غير المغضوب) إلى آخرها، وعندها من قوله: (صراط الذين) إلى آخرها، وما قاله غير صحيح؛ لأنه قوله: (غير) كلمة استنثاء، ولا يبتديء بها الآية، إلا أن توجد كلمة الاستثناء في أول الآية كقوله تعالى: (إلا آل لوط)، وغيره موجود في القرآن.
فإن قيل: لو كان هذا من القرآن لكفر جاحده، قلنا: لو لم يكن من القرآن لكان يكفر مثبتها، وحكى القفال عن أبي نصر المؤذن أنه قال: اتفق قراء الكوفة على أن التسمية آية من الفاتحة، واتفق قراء المدينة على أنها ليست بآية من الفاتحة، واتفق قراء (المدينة) على أنها ليست بآية من الفاتحة، واتفق فقهاء المدينة على أنها آية من الفاتحة.
فصل: الترتيب في آي الفاتحة يشترط فلو ترك بسم الله الرحمن الرحيم حتى قرأ الفاتحة أو بعضها لم يحسب له ما قرأ حتى يرجع إلى التسمية فيقرؤها، ويستأنف الفاتحة، وجملة ما يلزمه فيها سبعة أشياء: أحدها: أن يعتقد فيها الفرضية، وكون التسمية فيها، والترتيب في آيها،

ومراعاة النظم حتى لو أتي بها بلسان آخر لا يجوز، ويأتي بالموالاة، حتى لو سكت سكوتًا طويلاً لا يعتد به، فيأتي فيها أربعة عشرة تشديدة، وألا يدخل في خلالها ما ليس منها، ولو كرر آية واحدة منها لا يضره، وحد القراءة أن يتلفظ بالحروف ويسمع نفسه، فإن لم يسمع نفسه ففكره، وليست بقراءة فلا يجزيء.
فأما إسماع الغير ليس بشرط في موضع الإسرار بل هو مكروه.
حكى عن أبي إسحاق المروزي أنه قال: ما ناظرت عاميًا إلا وقد غلبني إلا في هذه المسألة، فإنه قال أعرابي بـ (بغداد)، أنت تقول: يقرأ بحيث يسمع نفسه، وأنت تقرأ في الصلاة ولا أسمع قراءتك، فقلت له، أنا قد قلت: يقرأ ويسمع نفسه، ونفسك ليست بنفسي فسكت.
فأما إذا قرأ شيئًا آخر من القرآن في خلال الفاتحة.
قال الشافعي: إن كان متعمدًا انقطع النظم، وعليه أن يستأنف الفاتحة، وإن كان ساهيًا بني ورجع إلى الموضع الذي قطع، هذا إذا قطع ولم يتلفظ بحرفين، فإن تلفظ بحرفين بعد الذكر انقطع النظم، وعليه الاستئناف، ولو سكت في خلال الفاتحة إن كانت سكتة يسيرة للاستراحة لم يضره، وإن طال ذلك انقطع النظم، هذا إذا سكت متعمدًا.
فأما إذا سكت ناسيًا نص الشافعي على أنه إن طال سكوته بني على القراءة، ولو نوي القطع إن جرى مع هذه النية على سرد قراءته لغت نيته، وإن سكت انقطع النظم ويستأنف، لأنه اتصل قطع القراءة بنية القطع فانقطع النظم، نظيره إذا جلس في الركعة الأولى على تقدير أنه في الثانية ليتشهد، ثم تذكر أنه لم يزد على جلسة الاستراحة، ولم يكن أخذ في قراءة التشهد لا يلزمه سجود السهو، وإن كان قد أخذ في قراءة التشهد سجد للسهو، لأنه اتصل به القراءة، فمنعت حملها على جلسة الاستراحة.
ونظيره المودع ينوي استعمال الوديعة والتعدي فيها، فلا يضمن بمجرد النية، فإن نقلها إلى مكان آخر مع النية دخلت في ضمانه قبل الاستعمال؛ لأن فعله

انضم إلى نيته، ولو كا مقتديًا بالإمام، فقرأ إمامه الفاتحة وهو في خلالها، فأمن أو أرتجت القراءة على إمامه، ففتح عليه، ولقنه، أو سجد للتلاوة، فتابعه في السجود، أو قرأ أمامه بآية رحمة فسألها، او آية عذاب فاستعاذ، لم ينقطع به نظم الفاتحة.
ومن أصحابا من قال: انقطع به نظم القراءة، فأما إذا أرتج على غير إمامه فلقنه، أو عطس هو أو غيره فشمته، أو سلم عليه، فقال: وعليه السلام، أو أجاب المؤذن فإنه تبطل قراءته، والفرق أن هذه ليست من مصلحة صلاته بخلاف ما قبله، فإن ذلك من مصلحة صلاته، وهذا ما لو قال: بعتك داري هذه بألف، وارتهنت عبدك هذا منك، فقال: اشتريت ورهنت يجوز، وإن وجد أحد مصراعي عقد الرهن قبل وجوب الثمن؛ لأنه مصلحة العقد، وبمثله لو قال لعبده: كاتبتك على ألف منجم بنجمين، وبعتك عبدي هذا، فقال العبد: قبلت الكتابة والبيع، لم يجز، لأن بيع العبد ليس من مصلحة الكتابة، ولو لحن في الفاتحة إن [كان] لحنًا يحيل المعنى إن تعمده بطلت صلاته، لأنه كلام عمد، وإن كا ساهيًا سجد للسهو، وينقطع به نظم الفاتحة، وإن كان غير قادر على الصواب، فهو الأمي الذي تصح صلاته قبل إمكان التعليم، وإذا مضى زمان إمكان التعليم، ولم يتعلم يعيد ما صلى بعده، ولو كان لحنًا لا يغير المعنى، مثل أن يقول: الهمد لله بدل الحمد، أو خفض مرفوعًا أو منصوبًا مثل أن يقول: اهدنا الصراط المستقيم بالخفض، أو رفع مخفوضًا مثل أن يقول: الرحمن الرحيم لم تبطل صلاته.
فرع لو شك في القيام أنه قرأ الفاتحة أم لا؟ فصبر ساعة وسكت حتى تذكر أنه هل قرأ أم لا؟ جاز، ومثله في الركوع شك أنه هل قرأ الفاتحة أم لا؟ لزمه في الحال أن يعود إلى القيام، وكذا في السجود لو شك أنه هل ركع أم لا؟ عليه

أن يعتدل قائمًا ثم يركع، لأنه هوية إلى السجود كان غلطًا، ولو صبر في السجود ساعة كي يتذكر تبطل صلاته.
والفرق بين القيام والركوع والسجود أن في أحد محتمليه أنه ليس عليه الركوع ولا السجود، وهناك في كل محتمليه، فالقيام عليه واجب، وهو في القيام الواجب يعد حتى لو عاد إلى القيام من السجود، ثم يفكر ساعة لا يضر.
فرع إمام نسي السجدة الأخيرة فقام، والمأموم يسجد ولم يعد، فعلى المأموم في الحال أن يخرج نفسه من متابعته، ويشتغل بالسجود حتى لو سجد، ولم يخرج نفسه من متابعته بطلت صلاته، ولو صبر كي يعود إليه الإمام أيضا تبطل صلاته، لأن الجلسة بين السجدتين ركن مقصود لا يحتمل التطويل.
قال المزني: فإذا قال: ولا الضالين، قال: آمين، فيرفع بها صوته، ليقتدى به من خلفه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أمن الإمام، فأمنوا، وبالدلالة عن رسول الله صلىى الله عليه وسلم، أنه جهر بها، وأمر الإمام بالجهر بها.
قال الشافعي: رحمه الله وليسمع من خلفه أنفسهم.
قال القاضي حسين: قوله: آمين لا يصله بالقراءة، بل يفصله عنها بقدر يسير، لأنه ليس من القرآن، وإنما هو دعاء، ومعناه: اللهم اسمع واستحب وهو مخفف، ويجوز ممدودًا ومقصورًا، ولا يجوز بالتشديد، وهو أول لحن سمع من الحسين بن فضل البلخي لما دخل خراسان.

ثم الإمام يجهر بالتأمين على الصحيح من المذهب لما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قال: ولا الضالين، يقول: آمين يرفع بها صوته، وفي المأموم قولان: أحدهما: وهو قوله الجديد أنه يجهر بها.
والثاني: وهو قوله القديم يسر بها، وعند أبي حنيفة يسر بالتأمين الإمام والمأموم، وربما يقولون الإمام لا يؤمن، وإنما يؤمن المأموم ويسر به.
دليلنا: ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أمن الإمام أمنت الملائكة، فأمنوا فمن وافق تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه.
وروى أنه عليه السلام كان إذا قال: ولا الضالين، أمن وأمن الناس، حتى إن للمسجد لضجة أو لرجة أو للجة، وأما المنفرد فيسر به كما بالفاتحة،

قال المزني: ثم يقرأ بعد أم القرآن بسورة.
قال القاضي حسين: فالسنة إذا فرغ من قراءة الفاتحة أن يقرأ سورة، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وشيء معها.
فلو قرأ السورة قبل الفاتحة لم يحسب.
وقال الشافعي نصًا، أستحب له أن يعيد السورة بعد الفاتحة هذا في الركعتين الأوليين وفي الأخيريين قولان: أحدهما: قرؤها كما في الأوليين.
والثاني: لا؛ لأن مبناهما على التخفيف بخلاف الأوليين هذا كله في المنفرد والإمام، فأما المأموم ما حكم قراءته؟ سنذكره فيما بعد إن شاء الله عز وجل.

فرع فلو قام على إحدى قدميه، قال رضي الله عنه: ينبغي أن يجوز لوجود القيام، ولو طأطأ رأسه قليلا لم يضر؛ لأنه من الخشوع والخضوع، ولو حنى ظهره بحيث بلغ هيئة الراكعين، أو قربًا منها لم يجزه، لأنه ليس بقائم في هذه الحالة.
قال المزني: فإذا فرغ منها، وأراد أن يركع، ابتدأ التكبير قائمًا، فكان فيه، وهو يهوي راكعًا، ويرفع يديه حذو منكبيه، حين يبتديء التكبير، ويضع راحتيه على ركبتيه، ويفرق بين أصابعه، ويمد ظهره وعنقه، ولا يختفض عنقه عن ظهره، ولا يهوي راكعًا، ويرفع يديه حذو منكبيه، حي يبتديء التكبير، ويضع راحتيه على ركبتيه، ويفرق بين أصابعه، ويمد ظهره وعنقه، ولا يخفض عنقه عن ظهره، ولا يرفعه ويكون مستويًا ويجافي مرفقيه عن جنبيه، ويقول إذا ركع: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وذلك أدنى الكمال.
قال القاضي حسين: الركوع ركن في الصلاة،، وإذا ركع فالسنة أن يكبر وكذلك في كل انتقال من ركن إلى ركن، وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يكبر في كل خفض ورفع، ثم السنة أن يمد التكبير إلى أن يهوي إلى الركوع أو يجزمها جزمًا فعلى قولين:

أحدهما: وهو قوله الحديث، وهو الأظهر يمده إلى أن يهوي إلى الركوع حتى لا يخلو جزء من أجزاء الصلاة عن الذكر.

والثاني: وهو قوله القديم يجزم التكبير جزمًا لقوله عليه السلام: التكبير جزم، والتسليم جزم.
ويرفع يديه مع التكبير، وقال أبو حنيفة: لا يسن رفع اليدين في الصلاة إلا عند الافتتاح، لنا ما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في ثلاثة مواضع: إذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ويهوي بحيث لو أراد أن يضع يديه على ركبتيه لنالت يداه ركبتيه، هذا هو الواجب، ولا يجب وضع اليدين على الركبتين، بل هي سنة، ويفرق بين أصابعه ويجافي مرفقيه عن جنبيه، روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع يجافي مرفقيه عن جنبيه، بحيث لو لم يكن عليه ثوب ترى عفرة إبطيه، ويسوى بين ظهره وعنقه، لا يخفض عنقه ورأسه عن ظهره، ولا يرفعها.
روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع يسوى ظهره وعنقه، وبحيث لو وضع قدح ماء على ظهره ما انصب، أو قال: لم ينصب.
والطمأنينة ركن في الركوع، وذلك أن يبقى لحظة بعد هويه إلى حال، تنال يداه ركبتيه، خلافاً لأبي حنيفة لنا حديث الأعرابي الذي أساء الصلاة، روى أن أعرابيًا دخل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فصلى وأساء الصلاة، ثم جاء وسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد الجواب، ثم قال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فرجع فصلى ثم عاد وسلم عليه، فرد عليه الجواب، ثم قال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فقال الأعرابي: لا أحسن غير هذا، فعلمني ما يجزيني، فقال عليه السلام: توضأ كما أمرك الله، ثم استقبل القبلة، ثم قل: الله أكبر،

ثم اقرأ ما معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع رأسك حتى تعتدل جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل كذلك في كل ركعة.
فالشافعي رحمه الله جعل حديث الأعرابي، وحديث أبي حميد الساعدي حين وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه إمامًا في الصلاة، ثم السنة أن يسبح الله تعالى في الركوع، ويقول: سبحان ربي العظيم.
وروى أنه لما نزل قوله تعالى: (فسبح باسم ربك العظيم) قال عليه السلام: (اجعلوها في ركوعهم)، ولما نزل قوله تعالى/ (سبح اسم ربك الأعلى)، قال عليه السلام: (اجعلوها في سجودكم).
وروى أنه قال عليه السلام: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فإنه قمن أن يستجاب لكم)، ثم السنة أن يسبح ثلاثًا.
قال الشافعي: ويقول: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وذلك أدني الكمال، ولم يرد به أنه لا يجزئ أقل من الثلاث، لأنه لو سبح مرة أو مرتين، كان آتيا بسنة التسبيح، وإنما أراد أن أول الكمال هو الثلاث.

قال عليه السلام: (إذا ركع أحدكم فليقل: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وذلك أدناه، وإذا سجد فليقل، سبحان ربي الأعلى ثلاثًا وذلك أدناه)، أراد به أدنى الكمال، وأول الكمال، ولو سبح خمسًا أو سبعًا أو تسعًا أو أحد عشر كان أفضل وأكمل، غير انه إذا كان إماما فالسنة ألا يزيد على الثلاث مراعاة لمن خلفه، وقد ورد في الخبر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال في ركوعه اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت، أنت ربي، خشع سمعي وبصري وعظامي وعصبي وشعري وبشري، وما استقلت به قدمي لله رب العالمين.
ويستحب أن يجمع بينهما للمنفرد دون الإمام، ولو أراد الاختصار اقتصر على الأول، ولو قال: سبحان ربي العظيم وبحمده فحسن، ويروى ذلك في الأخبار ومعناه الحمد لله على ما وفقني للتسبيح أو معناه أحمده مع تسبيحي له، وتسبيحات الركوع والسجود غير واجبة عندنا، والأخبار محمولة على بيان الكمال، والمستحب عن أحمد بن حنبل رحمه الله هي واجبة، واحتج بأنه ركن في الصلاة، فوجب أن يكون فيه ذكر مشروع كالقيام.
دليلنا: حديث الأعرابي الذي أساء الصلاة، فعلمه عليه السلام ما يجزيه،

ولم يأمره بالتسبيحات، وليس كالقيام، لأنه ينقسم إلى العادة والعبادة، فاحتاج فيه إلى ذكر لامتياز العادة عن العبادة، بخلاف الركوع، والسجود، فإنه عبادة محضة، ولا تشترك فيه العادة، لأنه لا يجوز السجود للمخلوقين.
روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو جاز لمخلوق أن يسجد لمخلوق، لجاز للمرأة أن تسجد لزوجها).
وروى أن أعرابيًا، أتي النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إني آمنت بك فأرني علامة أزداد بها إيمانا، فقال له النبي عليه السلام: اذهب إلى تلك الشجرة، وقل لها: إن النبي صلى الله عليه وسلم يدعوك.
فذهب إليها وأدى الرسالة، فجعلت الشجرة تتحرك يمنة ويسرة حتى انقلعت من الأرض، وجعلت تجر الأرض حتى أتت النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: عليه السلام للاعرابي، قل لها: ارجعي إلى مكانك، فقال: فرجعت إلى مكانها، وثبتت كما كانت، قال: فجاء الأعرابي، وقال ائذن لي رحمك الله حتى أقبل رأسك فإذن له: فقبل رأسه، ثم قال: ائذن لي حتى أقبل يدك فأذن له، فقبل يده، ثم قال: ائذن لي حتى أسجد لك، فقال عليه السلام: لو أذنت لمخلوق أن يسجد لمخلوق، لأذنت للمرأة أن تسجد لزوجها.

فرع لو نسي تسبيحات الركوع والسجود حتى اعتدل قائمًا لم يجز له أن يعود إلى الركوع لأجلها، لأنه فرض، والتسبيحات سنة، ولا يجوز قطع الفرض بسبب السنة، كما لو قرأ آية السجدة فهوى ليسجد، فلما بلغ حد الركوع، توقف راكعًا لا يقع ذلك عن الركوع، لأن هويه كان نفلا والركوع فرض، فلو عاد إن كان عالمًا بطلت صلاته، لأنه زاد ركوعا، ولو كان ناسيًا لم تبطل، وعليه سجود السهو، ولو أدركه مسبوق في هذه الحالة لا يصير مدركًا للركعة، لأن هذا الركوع غير محسوب له، ولو ادرك الركعة الخامسة التي قام الإمام ساهيًا إليها، فصلاها معه حسب له ركعة.
والفرق أن هناك يأتي بالركعة فحسب له فعله وفيما نحن فيه هذا فعل إمامه، وفعل الإمام غير محسوب للمأموم فلم يكن محسوبًا له.
نظيره أن لو أدرك الإمام في الركوع في الركعة الخامسة لا يصير به مدركًا للركعة، وإنما يدرك المسبوق الركعة إذا هوى في الكوع، واجتمع مع إمامه في الحالة التي لو أراد كل واحد منهما أن يضع يديه على ركبتيه لنالت يداه ركبتيه فإن كان هو في الهوى، والإمام في الارتفاع لم يصر مدركًا للركعة، لأنه لم يدركه في الركوع.
قال المزني: وإذا أراد ان يرفع، ابتدأ قوله مع الرفع: (سمع الله لمن حمده) ويرفع يديه حذو منكبيه، فإذا استوى قائمًا قال أيضًا: (ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد) ويقولها من خلفه، وروى هذا القول عن النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هوى ليسجد، ابتدأ التكبير قائمًا، ثم هوى مع ابتدائه، حتى يكون انقضاء تكبيره مع سجوده، فأول ما يقع منه على الأرض ركبتاه، ثم يداه، ثم جبهته وأنفه، ويكون على أصابع رجليه، ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى: ثلاثًا، وذلك أدنى الكمال، ويجافي مرفقيه عن جنبيه،

حتى إن لم يكن عليه ما يستره، رئيت عفرة إبطيه، ويفرج بين رجليه، ويقل بطنه عن فخذيه، ويوجه أصابعه نحو القبلة.
قال القاضي حسين: إذا فرغ من الركوع واعتدل قائمًا وهما ركنان عندنا، وقال أبو حنيفة: الاعتدال ليس بركن، ثم اختلفوا فيه.
فمنهم من قال: يهوي من الركوع إلى السجود فيجوز.
ومنهم من قال: يرفع رأسه من الركوع، بحيث يكون أقرب إلى القيام منه إلى الركوع.
دليلنا: حيث الأعرابي الذي أساء الصلاة، وتبتدأ مع الرفع.
قوله: سمع الله لمن حمده، ويرفع يديه حذو منكبيه، وإذا استوى قائمًا يقول: ربنا لك الحمد، إمامًا كان أو مأمومًا أو منفردًا.
ومعنى قوله: سمع الله لمن حمده، أي: قبل الله حمد من حمده.
وقال أبو حنيفة: الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، والمأموم يقول: ربنا لك الحمد، ويجمع المنفرد بينهما، واحتج بأنه دعاء وسؤال من الله تعالى قبول الحمد، فينوب فيه الإمام عن المأموم، ولو كان كما قال لوجب أن يبدأ المأموم بقوله: ربنا لك الحمد، ثم الإمام يقول: سمع الله لمن حمده.
دليلنا: ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: سمع الله لمن حمده وإذا قال: ربنا لك الحمد، فتلك بتلك.
وروى عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع، قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد.

وفي بعض الروايات: ملء السموات والأرض وما بينهما.
وفي رواية: أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد.
وروى حق ما قال العبد، كلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
منهم من قال: لا يفع ذا النسب في الدنيا نسبه في الآخرة.
ومنهم من قال: معناه لا ينفع ذا الحظ في الدنيا، حظه في العقبي.
وقيل: الجد منك، الجد بالخفض، والأصح أنه بالنصب على التفسير الذي ذكرنا.
ويروى: أهل الثناء والمجد، على جهة النداء.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: سمع الله لمن حمده حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فقال عليه السلام: رأيت عدة من الملائكة يكتبون ما قلت.
وفي رواية يبتدرون بالثواب، يعني بكتب الثواب.
فرع لو أن رجلا في الاعتدال، تذكر أنه ترك الركوع، أو شك، هل تركه؟ عاد إلى الركوع، فلو ثبت على حالته، ولم يعد لحظة، بطلت صلاته،

ولو أطال القيام في الاعتدال بطلت صلاته، لأنها قومة قصيرة، فلا يجوز أن يمدها.
قوله: فإذا هوي ليسجد ابتداء التكبير قائمًا.
الركن بعد الاعتدال قائمًا في الركوع، هو السجد فيهوي إلى السجود مكبرًا، وهل يمد التكبير إلى أن يهوي إلى السجود، أو يجزمه جزمًا فعلى قولين كما ذكرنا، ولا يرفع اليدين، وأول ما يقع منه على الأرض ركبتاه ثم يداه ثم جبهته وأنفه.
وقال أبو حنيفة: أول ما يقع منه على الأرض ركبتاه ثم يداه، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا صلى أحدكم فلا يبرك بروك البعير.
دليلنا: ما روى ابن عمر أنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بتقديم الركبتين على اليدين.
وعن مصعب بن سعد، أنه قال: كنا نقدم اليدين على الركبتين، فأمرنا بتقديم الركبتين على اليدين، ولأن الركبتين أول معاطف من الأرض، فوضعهما على الأرض أولا أحسن من أن يتهافت على الأرض.
وقوله عليه السلام: فلا يبرك بروك البعير، حجتنا، فإن البعير يبدأ بوضع اليدين، إلا أن ركبتيه في يديه، ويجب وضع الجبهة على الأرض عندنا.
وقال أبو حنيفة: لا يجب وضعها على الأرض، ولو وضع الأنف جاز.
وقال أبو يوسف: إن كان بجبهته علة، وضع الأنف على الأرض، وإلا وضعها على الأرض، وعندنا إذا كان بجبهته علة يدنيها من الأرض، ولا يجزيه وضع الأنف على الأرض.

دليلنا: ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرباح مولى ابن عباس: مكن جبهتك من الأرض، ولو كان به صداع، لا يمكنه أن يضع جبهته على الأرض، ولكن لو وضع وسادة، يمكنه أن يضع جبهته عليه، ولا يخرج بوضع جبهته عليه من حد السجود يجب عليه وضع الوسادة، وهل يجب وضع اليدين على الأرض؟ فعلى قولين: أحدهما: يجب كالجبهة، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أمرت أن أسجد على سبعة اعضاء، وفي رواية: على سبعة أعظم، وفي رواية: على سبعة آراب، اليدان، والركبتان، والقدمان، والجبهة، وأمرت ألا أكف شعرًا ولا ثوبًا، وفي رواية لا أكفت شعرا ولا ثوبًا.
ومعناه: لا يضم الرجل شعره في الصلاة ولا ثوبه.
والقول الثاني: لا يجب لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رباح أمر بوضع الجبهة، وخص الجبهة بالذكر.

فأما وضع الركبتين على الأرض، مرتب على وضع اليدين، وها هنا أولى بألا يجب، لأنه أبعد عن المسجد، وكذا وضع القدمين، مرتب على وضع الركبتين.
وإن قلنا: وضع هذه الأعضاء على الأرض، لا يجب، فلا كلام.
وإن قلنا: يجب، فهل يجب كشفها؟ أما الركبتان، فلا يجب كشفهما، ولا يجوز لقربهما من العورة، والقدمان كذلك، لاستتارهما غالبًا، وفي اليدين قولان: أحدهما: لا يجب كشفهما لأنهما يكونان مستورتين في الغالب.
والثاني: يجب، روى عن خباب بن الأرت، أنه قال: شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا، فلم يشكنا، أي لم يزل شكوانا، ولم يرخص لنا فيه.
وعلى المذهب لا خلاف في أنه يجب كشفه الجبهة، وأن يمس مسجده بجبهته، ولو سجد على كور العمامة لا يجوز، وكذلك ما يرتفع بإرتفاعه وينخفض بانخفاضه، لا يجوز أن يسجد عليه، مثل أن يسجد على ذيله، أو ثوبه، أو على طرف عمامة طرفها الآخر في رأسه، سواء كان يتحرك أو لا يتحرك أو كان قد عصب رأسه بعصابة أو كان أغمر يستر الشعر جبهته، فلا يجزيه حتى يلصق الجبهة بالأرض، ويباشرها بها.

وقال أبو حنيفة: إذا سجد على كور العمامة أو كمه، أو ذيله جاز.
ودليلنا حديث خباب بن الأرت، ونقيس على ما لو سجد على كفه إلا أنهم يقولون: لو وضع الكف على الأرض وسجد عليها، جاز وإنما لا يجوز إذا رفعها وسجد عليها، هذا إذا لم يكن بعض جبهته مكشوفًا.
فأما إذا كان بعض جبهته مكشوفًا، بحيث إذا وضع ذلك القدر على الأرض كان من جملة الساجدين جاز، لأنه لا يجب وضع جميع الجبهة على الأرض، بل يجب وضع القدر الذي يدخل به في حد الساجدين، وإنما يدخل في حد الساجدين أن يتحامل على الأرض بثقل ظهره ورأسه، ووضع الجبهة عليها، فلو سجد على مكان رخو، مثل أن يسجد على القطن والحشيش إن تحامل عليه، بحيث يلاصقه، أجزأه وإلا فلا، لأنه ليس بوضع وإنما هو مس ولو سجد على ظهر إنسان، أو مكان آخر مرتفع، فإن كان الارتفاع قليلاـ، بحيث أنه يعرف ساجدًا لا يضره، وإلا فلا يجوز له والحد فيه ينبغي أن يكون أعالي بدنه

دون أسافل بدنه في حال السجود؛ لأن حد السجود أن يعتمد بجبهته على مسجده، متحاملا عليه بثقل عنقه ورأسه وأن يكون أسفل بدنه عاليا، ولو سجد على مكان رخو، ولم يتحامل عليه، أو سجد على كفاه لا يحتسب سجوده.
فلو رفع رأسه وأتى بسجدتين، نظر إن كان عالمًا بأنه لا يجوز ذلك، وفعله متعمدًا، قال: ينبغي أن تبطل صلاته، ولو كان جاهلا بذلك لا تبطل صلاته، ولو سجد على مكان خشن، بحيث يجرح جبهته، فرفع رأسه عنه ووضعه مكان آخر، تبطل صلاته، وإن تزحف من ذلك الموضع إلى موضع آخر، لا تبطل صلاته، ولو وضوع جبينه على الأرض، قال رضي الله عنه: لا يجوز، لأن الجبهة لا تنطلق عليه، وإنما هو أمر بوضع الجبهة على الأرض.
فرع لو أنه رأى في خلال الصلاة ورقة ملتصقة بجبهته، وتيقن أنها لم تكن حال الشروع في الصلاة، يأخذ بأسوأ الأحوال، وهو أنها التصقت بجبهته في السجود الأول، فيجزيه السجود الأول، لأنه يسجد على ورقة على الأرض، وعليه إعادة ما بعده، لأنه لم يماس المسجد بالجبهة، بل سجد على متصل به.
قال القاضي رضي الله عنه: إذا شعر بها لا يخلو إما أن يكون بعد هو في الصلاة أو بعد السلام، فإن كان قد سلم عن الصلاة، فرأى في جبهته ورقة، إن لم يضع على الأرض بعد السلام، إن كان الفصل قريبًا، يبنى على صلاته، كما ذكرنا، وإن طال الفصل حكمه حكم ما لو شاء أنه ترك ركنًا من أركان الصلاة.

وفيه قولان: في الجديد يستأنف الصلاة، كذا ها هنا يعيد الصلاة.
وفي القديم: الأمثل صحة الصلاة، كذا ها هنا لاحتمال أنه التصق بجبهته في السجدة الأخيرة، وبقيت صلاته على الصحة والسداد، وإن كان يسجد هو بعد الفراغ من الصلاة سجدة التلاوة، أو وضع جبهته على الأرض، لا شيء عليه كما لو صلى، ثم بعد الفراغ منه رأي على ثوبه نجاسة لا يؤمر بقضاء الصلاة، لاحتمال أن النجاسة أصابته بعد الفراغ من الصلاة، كذا ها هنا طال الفصل أو لم يطل.
فرع ولو هوى من القيام، فخر على الأرض، وسقط على خده.
قال الشافعي رحمه الله: إن وضع الجبهة على الأرض بنية الاعتماد لم يحسب عن سجوده، والسنة أن يجافي مرفقيه عن جنبيه، بحيث لو لم تكن سترة، ترى عفرة إبطيه، روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وعفرة الإبطين، سوادهما، إلا إنه يكني عنه بالعفرة، كما يقال للحبشي، أبو البيضاء، ويقل بطنه عن فخذيه.
روى أنه عليه السلام كان إذا سجد خوى.
والتخوية: إقلال البطن عن الفخذين، ويسجد على أصابع رجليه، فيتصبهما، ويفرج بين رجليه، بحيث لو أرادت شاة أن تنفذ بينهما لنفذت.

وقوله: ويوجه أصابعه نحو القبلة.
قال القاضي حسين: قيل: إنه من زيادات المزني، لأنه إذا وجهها نحو القبلة، لا يمكنه أن ينصبها، ويسجد عليها.
ويسبح لله تعالى، في السجود، كما قلنا في الركوع، ويقول: سبحان ربي الأعلى ثلاثا، وذلك أدني الكمال.
وروى أنه عليه السلام قال في سجوده، اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره، بحوله وقوته فتبارك الله أحسن الخالقين عملت سوءا، وظلمت نفسي، فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
فلو جمع بينهما، فحسن، ولو اقتصر على أحدهما، فعلى الأول اولى.
وروت عائشة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سجوده، في ليلة البراءة: سجد لك خيالي وسوادي، وآمن بك فؤادي، وهذه يداي التي جنيت بهما على نفسي يا عظيم يا رجاء كل عظيم، اغفر لي الذنب العظيم، فإنه لا يغفر الذنب العظيم إلا الرب الكريم ثم رفع رأسه وسجد ثانيًا، وقال فيه: (أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، أقول ما قال أخي داود: أغفر وجهي في التراب لسيدي وحق لسيدي أن تعفر له الوجوه، فلو قال غيره في صلاته، هذا، أقول ما قال أخي داود بطلتـ، لأنه خطاب آدمي، والرسول عليه السلام لعله لم يكن في الصلاة.

ولو شك في سجوده، هل ركع أم لا؟ عاد إلى الركوع فإن لم يعد بطلت صلاته.
قال المزني: ثم يرفع مكبرًا كذلك، حتى يعتدل جالسًا على رجله اليسرى، وينصب رجله اليمني، ويسجد سجدة أخرى كذلك، فإذا استوى قاعدًا، نهض معتمدًا على الأرض بيديه حتى يعتدل قائمًا، ولا يرفع يديه في السجود، ولا في القيام من السجود.
قال المزني: إذا فرغ من السجود الأول رفع رأسه من السجود، وجلس حتى يعتدل جالسًا، والجلسة بين السجدتين ركن عندنا.

وقال أبو حنيفة: ليست بركن، ثم اختلفوا.
فمنهم من قال: يرفع رأسه، بحيث يمر حد السيف بين جبهته، وبين الأرض.
ومنهم من قال: يرفع رأسه، بحيث يكون أقرب إلى الجلوس منه إلى السجود، ثم يفترش في هذه الجلسة عندنا.
والافتراض أن يبسط رجله اليسرى، ويجلس عليها، وينصب اليمني، ولو أطال هذه الجلسة بطلت صلاته؛ لأنها جلسة خفيفة، فلا يجوز مدها، فالشافعي لم يذكر دعاء الجلوس بين السجدتين، وقد روى على رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في جلوسه بين السجدتين، اللهم اغفر لي وعافني وارزقني واجبري.
وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: اللهم اغفر لي، وارحمني واهدني، وعافني وارزقني، ثم يسجد سجدة أخرى مثل الأولى، ثم يرفع رأسه ويجلس للاستراحة جلسة خفيفة، ثم يعتمد بيديه على الأرض حتى يستوي قائمًا، كذا نقل المزني.
وفيه قول آخر أنه لا تسن جلسة الاستراحة، وبه قال أبو حنيفة، والمذهب هو الأول رواه أبو حميد الساعدي.

وعن ابن عباس أنه قال: كان سجود النبي صلى الله عليه وسلم وجلوسه بين السجدتين قريبًا من السواء، ويفترش أيضا في هذه الجلسة.

ومتى يبتديء تكبيرة الانتقال؟ فأوجه: أحدها: يبتديه مع رفع الرأس من السجود، ويمتده إلى أن يقوم حتى لا يخلو جزء من الذكر.
والثاني: يبتديه من الرفع، ثم يقوم غير مكبر.
والثالث: يرفع غير مكبر، ثم يقوم مكبرًا، وللشافعي رحمه الله، ما يدل عليه في صلاة العيدين، لأنه قال: ويكبر في الركعة الأولى سبعًا سوى تكبيرة الافتتاح، وفي الركعة الثانية خمسًا سوى تكبيرة القيام من الجلوس، أضاف التكبير إلى القيام، ومن قال بالأولين أول نص الشافعي، وقال: إنما أضاف إلى القيام لقربه من الجلوس،، ولا خلاف في انه لا يكبر تكبيرتين: تكبيرة القيام، وتكبيرة للرفع، ولا تسن جلسة الاستراحة في سجود التلاوة، بخلاف سجود الأصل.

قال المزني: ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك، ويجلس في الثانية، على الرجل اليسرى، وينصب اليمني، ويبسط يده اليسرى، على فخذه اليسرى.
قال القاضي حسين: الركعة الثانية كالأولى، إلا أنه لا يجب فيها تجديد التحريمة والنية، وبل يشمل عليها النية الأولى، ولا يسن التعوذ على أحد الوجهين، وهذا النص يدل على أنه يسن التعوذ في الركعة الثانية، كما في الأولى، ولا يسن فيها دعاء الاستفتاح، ويقرأ فيها مثل قراءته في الأولى لا تغاير بينهما في قدر ما يقرأ، بل يسوى بينهما.

فصل ويجلس في الثانية على رجله اليسرى.
إذا كانت الصلاة ذات أربعة أو ثلاثة كالمغرب، تشهد في الثانية، وهو سنة عندنا.
وقال أحمد: التشهد الأول وجب كالأخير، ووافقنا في أنه إن تركه ساهيًا، لا يمنع الاحتساب بالصلاة.
دليلنا: ما روى عن عبد الله بن بحينة، أنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي الظهر أو العصر: فسبحنا فلم يعد، فلما كان في آخر صلاته انتظرنا تسليمه فسجد سجدتين ثم سلم.
ولأنه لو كان ركنًا، لكان تركه ساهيًا يمنع الاحتساب كسائر الأركان.
والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، هل يسن في التشهد الأول، فعلى قولين، وهو الجديد: يسن، قال الله تعالى: ورفعنا لك ذكرك.
قيل: معناه: لا أذكر إلا وتذكر معي.
والثاني: وهو القديم، لا يسن، ولو ترك هذا التشهد إن كان ساهيًا سجد للسهو، وإن كان عامدًا فعلى وجهين:

أحدهما: لا يسجد، لأنه سجود مضاف إلى السهو، يلقب به، ولا سهو.
والثاني: يسجد؛ لأنه لما سجد للسهو، فلما تعمد أولى، وإذا ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقلنا: إنه يسن على قوله الجديد، فحكمه حكم التشهد في سجود السهو، والصلاة على آل النبي عليه السلام، على القول الذي يقول: تسن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هل تسن أم لا؟ يحتمل وجهين بناء على وجهين الوجوب في التشهد الأخير في الصلاة على الآل، فلو قام إلى الثالثة، فترك التشهد الأول إن كان قد اعتدل قائمًا لم يعد وإن عاد عالمًا بطلت صلاته، لأن القيام فرض، والتشهد سنة فلا يجوز قطع الفرض بالسنة.
وقال أحمد بن حنبل رحمه الله: يعود، لأن عنده التشهد الأول واجب كالثاني وإن لم يعتدل قائمًا إن كان أقرب إلى الأرض بأن لم تنتصب ساقاه عاد، وليس عليه سجود السهو، وإن انتصب ساقاه يعود وسجد للسهو، ويفترش في هذه الجلسة عندنا، ولو أطال التشهد الأول يكره، روى ان عليه السلام كان يقوم من التشهد الأول كأنه على الرضف.
قال رضي الله عنه: ويجب أن تبطل صلاته؛ لأنها جلسة خفيفة، كالجلسة بين السجدتين، ويحتمل ألا تبطل، لأنه محل الدعاء.
قال المزني: ويضع (أصابع يده) اليمنى على فخذه اليمني، إلا المسبحة، يشير بها متشهدًا.
قال المزني: ينوي بالمسبحة الإخلاص لله عز وجل.
قال القاضي حسين: إذا جلس للتشهد يبسط أصابع يده اليسرى على فخذه

جارٍ التحميل