وقال مالك: لا يجب ذلك للمرأة، واستدل بما روى عن أم سلمة أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي، فأنفقضه للغسل من الجنابة؟
قال: لا إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات من ماء، ثم تفيضي عليك الماء.
قلنا: إنما لم يأمرها بنقضها، لأنها كانت منفرجة متجافية، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يمنع وصول الماء إلى البشرة، بدليل قوله عليه السلام: تحت كل شعرة جنابة.
الخبر
قال المزني: وأحب أن يغلغل الماء في أصول الشعر، وكيفما وصل الماء إلى شعرها وبشرها أجزأها.
قال القاضي حسين: أي يحرك الماء في أصول الشعر، وكيف ما وصل الماء إلى أصول الشعر أجزأه.
قال المزني: وكذلك غسلها من الحيض والنفاس، ولما أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم [بالغسل من الحيض] قال: خذي فرصة والفرصة القطعة من مسلك فتطهري بها، فقالت عائشة رضي الله عنها، تتبعي بها أثر الدم.
قال الشافعي: فإن لم تجد فطيبًا، فإن لم تفعل فالماء كاف.
قال القاضي حسين: غسل الحيض كغسل الجنابة، وهل يجب عليها إدخال الماء في الفرج، وإدخال الأصبع في الفرج، فيه أوجه:
أحدها: يجب فيهما، لأنه صار في حكم الظاهر.
والثاني: لا، لأنه يزيده فسادًا.
والثالث: يجب ذلك في الغسل من الحيض، دون الجنابة، لأنها نجاسة عينية، بخلاف الجنابة.
وقال القفال: ما يبدو منها عند القعدة يجب إيصال الماء إليه.
قال المزني: وما بدأ به الرجل والمرأة في الغسل أجزأهما.
قال: وإن أدخل الجنب أو الحائض أيديهما في الإناء، ولا نجاسة فيهما، لم يضره.
قال القاضي حسين: الترتيب في الغسل لا يجب، لأنه كعضو واحد، ولا ترتيب في عضو واحد في الوضوء، كذا هذا.
قوله: وإن أدخل الحائض أو الجنب أيديهما في الإناء، ولا نجاسة فيها لم يضره.
قال القاضي حسين: لأنك ذلك العضو ليس بنجس، وإن وجب غسله، هذا إذا لم ينو الغسل، فإن نوى الغسل، سنذكر حكمه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
مقدم على قوله: وما بدأ.
وقوله: ولما أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم الفصل.
إذا اغتسلت من الحيض تحتاج أن تستعمل فرصة من مسك، فتطهر بها في باطن فرجها، لتقطع رائحة أذى الحيض.
والدليل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لامرأة: اغتسلي ثم خذي فرصة من مسك فتطهري بها.
فلم تعرف المرأة ذلك فسألته ثانيًا، فقال لها: ويحك تطهري بها.
فقالت عائشة: ففطنت لذلك، فأتيتها وقلت لها: تتبعي بها أثر الدم.
والمستحب هو المسك، فإن لم تجد، فطيب آخر، فإن لم تجد، فالماء كاف.
فرع
قد ذكرنا أن المحدث أو الجنب إذا أدخل يده في الإناء لا ينجس الماء، لأن يده لا تنجس بكونه محدثًا أو جنبًا، وإن وجب غسله.
لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يمشي في بعض الأيام، فاستقبله أبو ذر الغفاري رضي الله عنه فمد النبي صلى الله عليه وسلم يده ليصافحه.
فقبض أبو ذر يده عن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم وذهب واغتسل، ثم عاد معتذرًا إليه، وقال: يا رسول الله، إني ما كرهت مصافحتك، ولكني كنت جنبًا، فال له النبي صلى الله عليه وسلم: أو علمت أن المؤمن لا يخبث، وأن المؤمن ليس ينجس؟ وفي رواية: إن المؤمنين إذا تصافحا تحاتت عنهما خطاياهما، كما يتحات عن الشجرة ورقها.
فأما حكم الماء، هل يصير الماء مستعملا أم لا؟
إن لم ينو الطهارة لا يصير الماء مستعملاً.
فأما إذا نوى الطهارة أولا يذكر حكم المحدث، فإن المحدث إذا نوي الوضوء، لا يصير الماء مستعملا، حتى إذا فرغ من غسل الوجه، فإذا أراد غسل اليدين، فإن أدخلهما الإناء، هل يصير الماء مستعلما أم لا؟
ظاهر ما نص ها هنا: أنه لا يصير الماء مستعملا، لأنه قال: ثم يغرف غرفة، ويغسل بها يديه، فعطف على غسل اليدين.
ومن أصحابنا من قال: يصير الماء مستعملاً، لأنه تأدى به الفرض مرة.
وإن قلنا: يصير مستعملاً، فمن أي وقت يصير مستعملاً.
فيه وجهان:
أحدهما: من وقت ملاقاة يده أول جزء من الماء.
والثاني: متى انفصل يده من الماء، فعلى هذا الماء الذي أخذه بيده، على الوجه الأول يكون مستعملاً.
وعلى الوجه الثاني: لا يكون مستعملاً.
وهكذا لو أخذ الماء بيمينه ليغسل به يساره، أو أخذ بيساره ليغسل به يساره، أو أخذ بيساره ليغسل به يمينه يصير مستعملاً.
ولو أخذ بكفه بنية أن يغسل به الذراع.
قال القاضي رحمه الله: بأنه يجوز، وفيه إشكال.
إذا قلنا: بأنه يصير الماء مستعملا إذا أدخل يده في الإناء، فالحيلة فيه أنه إن كان الإناء صغيرًا يفرغ منه الماء على كفهه، إذا بلغ إلى غسل اليدين في الطهارة، فإذا غسل الكف حينئذ يدخله في الإناء، ويأخذ الماء منه إلى أن يغسل باقي الأعضاء، ولا يضره ذلك.
أو أمر غيره بأن يصب الماء على يده، أو يأخذ الماء بفيه، ويصب الماء على يده، أو يأخذ الماء بطرف ثوبه، أو لحيته، إن كانت طويلة، ويعصره على يده، أو يوقفه عليه، حتى يتقاطر منه الماء على كفه، ويصير مغسولا، ثم يأخذ الماء من الإناء هذا كله في المحدث.
فأما إذا أراد الجنب أن يدخل يده في الإناء لا بنية رفع الجنابة، لا يصير الماء مستعملا.
وإن نوي ذلك، هل يصير الماء مستعملا؟ على ما ذكرنا من الاختلاف في المحدث، ولا يمكنه أن يأخذ الماء بفيه، ولكنه يمكنه أخذ الماء بطرف ثوبه، أو يأمر غيره أن يصب الماء على يده، ويمكنه أيضا أن يأخذ الماء بغير نية الجنابة، ثم بعد ذلك ينوي ذلك؛ حتى تصير يده مغسولة حالمًا نوى.
ثم لو أخذ الماء بعده لباقي الأعضاء لا يضره، ولا تتصور هذه الحيلة في حق المحدث، لأنه قد سبق نيته على غسل اليدين عند ابتداء غسل الوجه.
فأما إذا كان الماء دون القلتين، وأراد الشروع فيه، إن لم ينو الجنابة، فلا يصير الماء مستعملا، وإن نوى يصير الماء مستعملاً، وهل ترتفع الجنابة عنه أم لا؟
ينبني على ما ذكرنا من الوجهين، في أنه متى صار الماء مستعملاً.
إن قلنا بالوجه الأول، لا ترتفع عنه الجنابة.
وإن قلنا بالوجه الثاني، ترتفع عنه الجنابة.
فأما إذا مقل في الماء غير ناو، بشيء، ثم نوى الجنابة لا خلاف أنه ترتفع جنابته، ويصير الماء مستعملاً.
فأما إذا شرع في الماء إلى السرة ثم نوى، لا خلاف أنه ترتفع الجنابة من أسافل بدنه.
فأما إذا مقل بعده في الماء، أو أخذ الماء بيده، وغسل باقي الأعضاء، فيه وجهان على ما ذكرنا.
وهذان الوجهان إنما تكون في حقه لا في حق غيره، حتى لو جاء آخر، وأخذ منه الماء، فإنه يكون مستعملا في حقه وجهاً واحدًا، ولا يحصل به التطهير.
فأما إذا كانا جنبين أو ثلاثة أو أكثر، مقلوا في الماء ونووا، واتفقت نيتهم ترتفع عنهم الجنابة، ويصير الماء مستعملاً، كما قلنا في حق الواحد، وإن اختلفت نيتهم، ترتفع جنابة من سبقت نيته عنه، ويصير الماء مستعملا به، ولا ترتفع الجنابة عن الباقين.
باب فضل الجنب وغيره
قال الشافعي: أخبرا مالك [بن أنس] عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بالوضوء، فوضع يده في ذلك الإناء، وأمر الناس أن يتوضئوا منه، فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه، حتى توضأ الناس من عند آخرهم.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه قال: كان الرجال والنساء يتوضئون في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إناء واحد جميعًا.
وروى عن عائشة أنها قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، تعني من الجنابة وأنها كانت تغسل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حائض.
قال الشافعي: [ولا] بأس أن يتوضأ ويغتسل بفضل الجنب والحائض؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل وعائشة من إناء واحد، فقد اغتسل كل واحد منهما بفضل صاحبه.
قال: وليست الحيضة في اليد، ولا المؤمن بنجس، إنما تعبد بأن يماس الماء في بعض حالاته.
وكذلك ما روى ابن عمر: أن كل واحد توضأ بفضل وضوء صاحبه، في كل ذلك دللة أنه لا توقيت [بما] يتطهر به المغتسل والمتوضي، إلا الإتيان بالماء على ما أمره الله عز وجل به، وقد يخرق بالكثير، فلا يكفي، ويرفق بالقليل فيكفي.
قال: وأحب أن ينقص عما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ بالمد، واغتسل بالصاع.
قال القاضي حسين: ولم يرد به أن للجنب فضلاً على المتطهر؛ لأنه إن لم يكن متقاصرًا عنه، فلا مزية له عليه، وإنما أراد به فضل ماء الجنب، وذلك ينقسم قسمين:
قسم ينفصل عن أعضائه، وإن كان في المرة الأولى يكون مستعملا لا يجوز التطهير به، وإن كان في المرة الثانية أو الثالثة، فيه وجهان، وله باب مفرد.
والقسم الثاني: ما يفضل من الماء في الإناء، ولا يستعمله الجنب عندنا، يجوز استعماله في الوضوء والغسل، سواء فضل من الرجل أو من المرأة.
وقال أحمد: لا يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل وضوء المرأة، وهل للمرأة أن تتوضأ بفضل وضوء الرجل؟
فيه روايتان عنه.
والدليل عليه ما روى ابن عمر أنه قال: كان الرجال والنساء يتوضئون في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم في إناء واحد جميعًا.
وإنما ذكر ذلك؛ لأن من عادة العرب أن يتخذوا حجرًا كبيرًا، ويحفروا فيه حفرة، ثم يصبون فيه الماء، ويتوضئون منه، ولا شك أن كل واحد منهم يتوضأ يفضل صاحبه.
وروى أن الصحابة اجتمعوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، فأذن المؤذن، فخرج من كل له أهل ودار إلى أهله وداره، وبقي في المسجد من ليس له أهل يأوى إليه، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بمشربة فيها ماء، فجعلوا يشرئبون إليه.
أي: ينظرون إليه.
فقال عليه السلام: ما لكم؟
فقالوا: يا رسول الله، خرج كل من كان له أهل ودار إلى أهله وداره، وليس لنا أهل ودار نأوى إليه.
فوضع النبي عليه السلام- أصابعه على المشربة، وقال لهم: هلموا إلى الوضوء المبارك.
وكانت لا تسع أصابع النبي صلى الله عليه وسلم لضيقها.
قال أنس: ورأيت الماء ينبع من تحت أصابعه- صلى الله عليه وسلم - حتى توضأ الناس من عند آخرهم.
قيل له: كم كان القوم؟
قال: من سبعين إلى ثمانين.
ولا شك فيه أن كل واحد منهم يتوضأ بفضل وضوء صاحبه.
وروى عن عائشة رضي الله عنها- أنها قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد من الجنابة، وكنا كظئرين كل واحد يقول لصاحبه: أبق لي.
دل على جوازه.
قوله: (وفي ذلك)، دلالة على أنه لا وقت فيما يظهر به المغتسل، أي: لا قدر فيه، والوقت هو القدر، يعني: قدر الماء يختلف باختلاف حال المتوضيء، فمن أخرق لا يجتزيء بالكثير إذا لم يحسن، ومن رفق يجتزئ بالقليل إذا أحسن ذلك، والمستحب ألا ينقص في وضوئه عن المد، وفي غسله عن صاع.
لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه توضأ بالمد، واغتسل بالصاع.
والمد: رطل وثلث.
والصاع: أربعة أمداد، وهي خمسة أرطال وثلث.
وقيل: الصاع ها هنا: أربعة أمداد.
وكيف ما غسل وعم الأعضاء بإيصال الماء إليها أجزأه، فلا خلاف فيه، والله أعلم بالصواب.
قال المزني:
باب كيف التيمم
قال الشافعي: قال الله تبارك وتعالى: (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء.).
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تيمم، فمسح وجهه وذراعيه.
قال: ومعقول أنه إذا كان بدلاً من الوضوء على الوجه واليدين أن يؤتى بالتيمم على ما يؤتى بالوضوء عليه.
وعن ابن عمر أنه قال: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين.
قال القاضي حسين: التيمم في اللغة: هو القصد إلى الشيء.
يدل عليه قول الشاعر حيث قال:
وما أدري إذا يممت أرضًا ... أريد الخير أيهما يليني
أأالخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني
وفي الشريعة: عبارة عن إيصال التراب إلى الوجه والكفين مع إنضمام النية إليه.
والأصل في ذلك قوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا).
وسبب نزول هذه الأية، ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة مريسيع، فافتقدت عائشة عقدًا لها من جزع ظفارى، فقالت للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أقمت بنا هذه الليلة لأطلب عقدي لعلي أجد ما أضللت، فأقام النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة، فلما أصبح الناس أصبحوا على غير ماء، وفي القوم بعضهم جنب، وبعضهم محدث، فجاءوا متشاكين إلى أبي بكر، رضي الله عنه، وكان خطيب القوم أسيد بن حضير، فقال: ألم تر ما فعلت ابنتك احتبست برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمسلمين حتى أصبحنا وليس معنا ماء، فغاظ ذلك أبا بكر، فقام وتقلد سيفه، حتى دخل على عائشة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان نائمًا ورأسه في حجرها.
قالت عائشة: فشتمني ما شاء الله أن يشتمني، وضربني ما شاء الله أن يضربني، ونخسني بغمد سيفه [حتى] الموت لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي مخافة أن ينتبه، ثم خرج أبو بكر من عندنا، واستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذه ما كان يأخذه عند الوحي، فلما سري عنه دعا الناس، وتلا عليهم قوله: فلم تجدوا ... الآية.
فسر به سرورًا شديدًا، ثم جاءوا شاكرين إلى أبي بكر فقالوا: ما أعظم بركاتكم يا آل أبي بكر، ما نزل الله تعالى بكم نازلة إلا كان للمسلمين فيها راحة، وفسحة، ورخصة.
ومن جهة الخبر ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: التراب طهور المؤمن ولو لم يجد الماء عشر حجج.
وفي حديث آخر: التراب كافيك وإن لم تجد الماء عشر حجج.
وقوله عليه السلام: جعلت لي الأرض مسجدًا وترابها لي طهورًا.
وفيه دليل أن التيمم لم يكن لغير هذه الأمة.
قال: والتيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين مع المرفقين.
قال القاضي حسين: أراد به مالكًا حيث قال: ضربة لليدين إلى الكوعين واستدل بالآية.
وقال: ذكر الله اليد مطلقًأ، وإذا اطلق يحمل على اليد إلى الكوع، لا إلى المرفق كما في آية السرقة.
قلنا: ذكر الله تعالى اليد مقيدًا إلى المرفق في آية الوضوء، وأطلق ها هنا فيحمل المطلق على المقيد، كما قعلنا في مواضع كثيرة.
وروى أيضًا عن عمر أنه كان لا يرى التيمم عن الاغتسال حتى قال عمار بن ياسر.
ألا تذكر حيث كنا بالبقيع في الإبل، فأجنبنا فتمعكت في التراب، وأخرت الصلاة، فلما أتينا النبي صلى الله عليه وسلم وسألناه عن ذلك فقال لي: (صرت حمارًا يا عمار يكفيك ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين.)
فثبت أن التيمم في جميع الأحوال على العضوين، ولا يجوز استيعاب جميع البدن، ولا الأعضاء الأربعة، لأن مبناه على التخفيف، سواء تيمم للجنابة أو للحدث أو للمعة، وإن قلت.
ويلزمه استيعاب محل الغسل من الوجه واليدين، لأنه قال: (ومعقول أنه إذا كان بدلا من الوضوء على الوجه واليدين أن يؤتى بالتيمم على ما يؤتى بالوضوء عليه).
فرع
قد ذكرنا أن القصد إلى التراب شرط في التيمم، حتى لو وقف في مهب الريح حتى سفت الريح التراب على أعضاء التيمم لا يصح تيممه، بخلاف الوضوء، لأن هناك النية شرط لا القصد إلى أحد الماء، وها هنا بخلافه، ولكن لا فرق بين أن يقصد إلى أخذ التراب بيده، أو بخشبة، أو بأي شيء كان بعد أن وجد منه القصد إليه ولا فرق أيضا بين أن يأخذ التراب من الأرض، أو من الثواب، أو من الشجر وغيره، إذا كان المكان طاهرًا، وضرب يده عليه وتعلق باليد.
فأما إذا ضرب يده على ظهر كلب عليه غبار.
إن تحقق أنه أصابه، وهما جافان يابسان جاز.
وإن تحقق أن أحدهما إما الكلب أو التراب كان رطبًا لا يجوز.
وإن اشتبه عليه ذلك، فعلى وجهين، لأنه تقابل فيه الأصل والظاهر.
وللشافعي قولان في الأصل والظاهر إذا تقابلا.
فأما إذا ضرب يده على ظهر حمار، وليس عليه نجاسة، وعليه غبار جاز، فأما إذا ضرب يده على رأس نفسه، إذا كان عليه تراب، أو على ظهره، أو بطنه، فمسح به أعضاء التيمم جاز، ولو كان على وجهه، فضرب يده عليه، ومسح به الوجه، لا يجوز، لأنه يأخذ التراب من أعضاء التيمم، ويرده إلى أعضاء التيمم، وإن أخذه من اليدين، ومسح به الوجه، فيه وجهان:
أحدهما: لا يجو؛ لأنه أخذه من عضو التيمم.
والثاني: يجوز؛ لأنه يرده إلى عضو آخر.
وكذا لو أخذ من إحدى اليدين، ومسح به اليد الأخرى، فيه وجهان؛ لأن اليدين في الحقيقة عضوان.
وكذا لو مسح وجهه، ثم مسحه بخرقة، ثم وقع عليه الغبار، وضرب يده عليه ليمسح به اليدين، فيه وجهان على ما ذكرنا من المعنين.
فأما إذا ضرب يده على بطن امرأة أو ظهرها وعليها غبار، إن كان كثيرًا كثيفا، بحيث لا تصل يده إلى بشرتها جاز، وإلا فلا، لأنه يصير محدثًا بالملامسة، فصار كما لو أخذ التراب، ثم أحدث، ليس له استعماله، بل يحتاج إلى الأخذ ثانيًا.
فأما إذا نوى عند أخذ التراب، والقصد إليه، ثم غربت نيته قبل مسح الوجه به.
قال القاضي رحمه الله: كنت أقول بأنه جائز؛ لأنه قرن النية بأول ركن من أركان التيمم، وهو القصد إلى التراب، فصار كما لو قرن النية إلى أول جزء من الوجه في الوضوء.
والآن أقول: لا يجوز هذا؛ لأن الركن الحقيقي في التيمم مسح الوجه واليدين والنية والترتيب، فينبغي أن ينوي عند مسح الوجه، كما في الوضوء.
فأما القصد إلى التراب، فهو شرط لدخول الوقت سواء، إلا أن الصحيح هو الأول، بدليل أنه لو أخر التراب، ثم أحدث لا يجوز له استعماله، إلا بقصد جديد، ونية أخرى، فأما إذا يممه غيره، فإن كان معذورًا بأن كان مقطوع اليدين، أو مريضًا، وما شابهه فيجوز، وإن لم يكن به عذر، فوجهان:
أحدهما: يجوز كما لو وضأه رجلٌ.
والثاني: لا؛ لأن القصد ها هنا شرط، ولم يتحقق منه، ولأن هذا ضعيف، فيحتاج إلى قصده ليقوى بخلاف الطهارة بالماء.
إن قلنا: لا يجوز، فلا كلام.
وإن قلنا: يجوز، فالنية تجب على الآمر لا محالة؛ لأنه هو التيمم والمتعبد، والعبادة حصلت على يده، إلا أن أمره به يجعل قصدًا منه حكمًا، وينوي عند ضرب المأمور يده على التراب، وهذا يقوي الوجه الأول في المسألة قبلها، فلو أنه أحدث بعد ضرب اليد على التراب، وبعد النية، أو الأمر أحدث لا يضر، بخلاف ما لو أخذ التراب بنفسه، ثم أحدث حيث بطل ذلك الأخذ؛ لأن هناك وجد القصد الحقيقي منه، والحدث منه فيبطله.
وأما ها هنا لم يوجد منه القصد حقيقة، فصار كما لو استأجر رجلا ليحج عنه، وهو مغصوب يصح.
ولو جامع في تلك المدة لا يفسد ذلك الحج؛ لأنه أمر، وليس بحاج على الحقيقة.
فأما إذا تمعك في التراب، ونوى، فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، لأنه لم يوجد منه القصد إلى أخذ التراب، ورده إلى محل التيمم.
وكذلك إذا مد يديه، وجاز آخر حتى أهال التراب على يديه، فيه وجهان.
وكذا لو وقف في مهب الريح حاسرًا يديه، حتى سفت الريح التراب على يديه.
فيه وجهان على ما ذكر.
فأما إذا كان في كميه تراب، فضرب يديه على التراب، وصح به جاز بلا خلاف، لأنه وجد القصد الصحيح.
قال الشافعي: والتيمم أن يضرب بيديه على الصعيد، وهو التراب من كل أرض، سبخها، ومدرها، وبطحائها وغيره، مما يعلق باليد منه غبار، ما لم تخالطه نجاسة، وينوي بالتيمم الفريضة، فيضرب على التراب ضربة، ويفرق
أصابعه؛ حتى يثير التراب، ثم يمسح بيده وجهه، كما وصفت في الوضوء، ثم يضرب ضربة أخرى كذلك، ثم يمسح ذراعه اليمني، فيضع كفه اليسرى على ظهر كفه اليمني وأصابعها ثم يمرها على ظهر الذراع إلى مرفقه، ثم يدير كفه إلى بطن الذراع ثم يقبل بها إلى كوعه، ثم يمرها على ظهر إبهامه، ويكون بطن كفه اليمني باقية، لم يمسها شيء من يده، فيمسح بها اليسري، كما وصفت في اليمني ويمسح إحدى الراحتين بالأخرى، ويخلل بين أصابعهما، فإن أبقي شيئا مما كان يمر عليه في الوضوء، حتى صلى، أعاد ما بقي عليه من التيمم ثم، يصلي، وإن بدأ بيديه قبل وجهه، كان عليه أن [يعود ويمسح] يديه، حتى يكونا بعد وجهه مثل الوضوء سواء، وإن قدم يسرى يديه على اليمني، أجزأه.
قال القاضي حسين، الكلام فيما يجوز به التيمم، وفيما لا يجوز به التيمم، أن كل ما كان صعيدًا يجوز به التيمم على اختلاف ألوانه، ومما لا فلا.
وجملة أنواعه ما ذكر في الكتاب، من كل أرض سبخها ومدرها وبطحائها وغيره.
أراد بالسبخ: التراب الذي لا ينبت.
وأراد بالمدر: التراب الحر المنبت.
وأراد بالبطحاء: الرقاق الذي يكون في مسيل الوادي المختلطة بالأحجار، إذا كان له غبار يعلق باليد على أي لون كان أسود أو أبيض أو أحمر،
وكذا الطين الأرمني مثله، جاز التيمم به، لأنه من جنس التراب، إذا كان له غبار.
فأما الرمل:
قال في موضع: يجوز به التيمم، وقال في موضع: لا يجوز.
اختلف أصحابنا فيه.
منهم من قال: فيه قولان.
ومنهم من قال: المسألة على حالين.
حيث قال: يجوز، أراد به إذا كان فيه غبار يعلق بالوجه.
وحيث قال: لا يجوز، أراد به إذا لم يكن فيه غبار.
وأما ما استخرجته الأرضة من الطين، نظر إن استخرجته من الخشب، لا يجوز، لأن ذلك نحالة الخشب، وإن استخرجته من الجدار، جاز، ولا عبرة بتلك الرطوبة، لأن ذلك من لعابه، ولعابه طاهر.
فأما الحجر المسحوق، والخزف المسحوق، والآجر المسحوق، والزرنيخ
والنورة والجص، والكحل، وسائر طبقات الأرض، لا يجوز التيمم به، وكذا لا يجوز التيمم بالتراب المستعمل نص عليه، وأراد بالتراب المستعمل: ما يتناثر من أعضاء الوضوء، وينفصل عنه إذا جمع، لا يجوز التيمم به، كما إذا توضأ، وتقاطر الماء من أعضائه، لا يجوز التوضؤ به ثانيًا.
فأما ما بقي من هذا التراب في الموضع الذي ضرب عليه اليد، يجوز التيمم به، حتى لو أن جماعة تيمموا وضرب كل واحد منهم يده على محل واحد، يجوز، وكل واحد منهم متيمم بفضل تراب صاحبه، كما في الوضوء.
وقال أبو حنيفة: يجوز التيمم بجميع طبقات الأرض إذا كان لا ينطبع بالنار مثل النورة والزرنيخ وغيرهما.
فأما ما ينطبع بالنار مثل سحالة الذهب والفضة والحديد، لا يجوز التيمم به.
وأيضا قال: لو ضرب يده على صخرة صماء، ولم يعلق بيده شيء جاز، ولو ضرب بيده على التراب، ثم نفض التراب عن يديه، ومسح به المحل، يجوز، وعندنا: لا يجوز في المسألتين، والدليل عليه الخبر أمر بالتراب.
والمعنى فيه: أنه طهر بالمسح، فيقتضي ممسوحا، دليله المسح على الخفين.
وقال مالك: لو ضرب يده على الشجر والحشيش يجوز، وإن لم يكن عليه غبار؛ لأن عنده يجوز التيمم بكل ما يتصاعد من الأرض.
ونحن روينا عن ابن عباس أنه قال في تفسيره للصعيد: التراب الحر المنبت، ويدل عليه قوله عليه السلام: التراب كافيك، نص على التراب، دل على أن غير التراب لا يقوم مقامه.
قوله: ما لم تخالطه نجاسة.
قال القاضي حسين: التراب إذا خالطه النجاسة لا يجوز التيمم به، قلت النجاسة أو كثرت، بخلاف الماء؛ لأن النجاسة القليلة تستهلك في الماء
الكثيرة؛ لأنها تخالط الماء، ولا تستهلك في التراب، لأنه جامد لا يخالط النجاسة، لكن يجاورها، فأما إذا خالطه شيءٌ من الطاهرات مثل الزعفران وغيره، فإن كان كثيرًا لا يجوز.
وإن كان قليلا، فيه وجهان:
أحدهما: يجوز قياسًا على الماء.
والثاني: لا يجوز.
والفرق بينهما: أنه صار مستهلكًا في الماء، بخلاف التراب، وأيضا فإن للماء لطافة تخلص إلى العضو، ولا يمنعه الخليط، بخلاف التراب، والله أعلم بالصواب.
قوله: (وينوي بالتيمم الفريضة).
قال القاضي حسين: من أصحابنا من قال: أراد به صلاة الفريضة.
ومنهم من قال: أراد به فرض التيمم.
فعلى هذا: هل يجوز التيمم للنافلة
فيه قولان مستنبطان من هذا.
إن قلنا: إن المراد به صلاة الفريضة، لا يجوز.
وإن قلنا: أراد به فرض التيمم، يجوز؛ لأن التيمم فرض للنافلة، كما هو فرض للفريضة، لأن كل ما كان من شرائط الصلاة، فتستوي فيه الفرائض والنوافل.
إن قلنا: لا يصح التيمم للنافلة، فلا كلام.
وإن قلنا: يصح، ففي جواز أداء الفرض به قولان.
في الجديد: لا يجوز؛ لأنه لم ينو استباحة فعل الفريضة، والفريضة أقوي من النافلة، فلا يتأدى القوي بالضعيف.
وفي القديم: جاز؛ لأنه طهر جاز أداء النفل به، فجوز أداء الفرض به كالوضوء، وكذا القولان في المستحاضة إذا توضأت للنافلة:
أحدهما: يجوز كما لو توضأت للفريضة.
والثاني: لا يجو، لأن ذاك التيمم طهارة ضرورة، جوزت لأجل الضرورة، ولا ضرورة ها هنا في النافلة، بخلاف الفرض، وكذا المغصوب، إذا استأجر رجلاً، ليحج عنه حجة التطوع، فيه قولان.
وكذا لو أوصى بأن يحج عنه بعد موته حجة التطوع، فيه قولان، والمعنى فيهما ما ذكرنا.
فأما إذا نوى استباحة صلاة الفرض، لا خلاف أنه يجوز، ولو نوى استباحة الصلاة فحسب.
إن قلنا: يجوز التيمم للنافلة، فها هنا أولى.
وإن قلنا: لا يجوز، ففي هذا جوابان ينبنيان على أصل، وهو أنه إذا نذر نذرًا مطلقًا ماذا يلزمه؟ وفيه قولان:
أحدهما: أنه يلزمه أقل ما أوجبه الله تعالى من جنسه.
والثاني: يلزمه أقل ما يتقرب به إلى الله تعالى، من جنسه شرعًا، إن قلنا بالقول الأول: يجوز.
وإن قلنا بالقول الثاني: يجعل كما لو تيمم للنافلة، وقد ذكرنا حكمه.
فأما إذا تيمم لصلاة الفريضة، هل يجوز له أداء النافلة، أم لا؟
يختلف أصحابنا فيه.
منهم من قال: يجوز، سواء كان قبل أداء الفريضة، أو بعد أداء الفريضة، لأن كل طهارة جاز أداء الفرض به، فلأن يجوز أداء النفل به أولى.
ومنهم من قال: لا يجوز، لا قبله ولا بعده، لأنه طهارة ضرورة، ولا ضرورة في حق النافلة.
وقال البويطي: يجوز بعد الفريضة، ولا يجوز قبلها، لأن النفل ها هنا تبع
فلا يسبق المتبوع، وهذا لا يصح، لأن النفل في جميع المحال تبع لها، تقدم أو تأخر كما قلنا في التناكرية، فإنهم تبع للأمير تقدموا عليه في الطريق أو تأخروا عنه.
فرع
قال ابن الحداد: لو تيمم لفائتة قبل دخول وقت فريضة، ثم دخل وقت الفريضة، لا يجوز له أن يصلي به فرض الوقت، ولو تيمم بعد دخول الوقت لصلاة الوقت، ثم ذكر فائتة، له أن يصلي به تلك الفائتة.
اختلف أصحابنا فيه:
منهم من قال: لا يجوز أن يصلي به تلك الفائتة، كما لا يجوز أن يصلي بالتيمم في المسألة الأولى فرض الوقت، لأن عدم التذكر ها هنا، كعدم دخول الوقت هناك، لأن وقت الفائتة يدخل بالتذكر لما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم (من نسى صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها لا وقت لها غيره).
ومنهم من قال: يجوز أن يصلي الفائتة، ويجوز أن يصلي بالتيمم في المسألة الأولى فرض الوقت أيضا؛ لأن كل تيمم يجوز أداء فريضة به، يجوز أداء كل الفريضة به.
ومنهم من قال: كما ذكره ابن الحداد:
الأول: لا يجوز أن يصلي به فرض الوقت، لأنه غير واجب عليه وقت التيمم، بل وجب عليه بعد دخول الوقت.
والثاني: يجوز أن يصلى به صلاة الفائتة، لأنه واجب عليه وقت التيمم، فأما إذا تذكر فائتة بعد دخول الوقت، ثم تيمم لها يجوز له أن يصلي بها صلاة الوقت، وكذا لو تيمم لصلاة الوقت، يجوز أن يصلي به الفائتة، وكذا لو تذكر فائتتين، وتيمم لإحداهما، يجوز له أن يصلي الأخرى.
فأما إذا تيمم لفائتة ذكرها، لا يجوز، وكذا لو تيمم لفائتة بعينها، ثم تبين أن الفائتة غيرها لم يجز أيضًا.
فأما إذا تيمم لفائتة بعينها، ثم ذكر فائتة أخرى، هل يجوز له أن يصلي به الفائتة أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا لأن وقت تلك الفائتة دخل وقتها بالتذكر، فكأنه تيمم قبل دخول وقت الفريضة.
والثاني: جاز، لأنه تيمم لصلاة فريضة، وصح تيممه.
فأما إذا تيمم لفائتتين معًا فيه وجهان:
أحدهما: يجوز كما لو توضأ لصلاتين.
والثاني: لا يجوز، لأنه لا يجوز له أداؤهما.
فإذا نوى لهما فقد غير نية التيمم عن موضوعها، فلا يجوز.
فعلى هذا لو توضأ لصلاة واحدة، ولا يبغي غيرها، يجوز ويصلي به ما شاء من الصلوات وإن بقي غيرها فأوجه:
أحدهما: تصح طهارته ويلغو التقييد، ويصلي به ما شاء.
والثاني: لا تصح طهارته؛ لأنه غير نية الطهارة عن موضوعها.
والثالث: تصح طهارته لتلك الصلاة لا غير، وهذا ضعيف.
قوله: (فيضرب على التراب ضربة، ويفرق أصابعه).
قال القاضي حسين: المزني أخل في نقل هذا الكلام، حيث ذكر تفريق الأصابع في المرة الأولى، وإنما يلزمه في المرة الثانية لأن التخليل بين الأصابع يجب في المرة الثانية.
والصحيح ما قال الشافعي: ولا يفرق بين أصابعه، ثم صور الشافعي، رحمه الله التيمم بضربتين:
ضربة للوجه، ويمسح بها وجهه على الوجه الذي ذكرنا في الوضوء، ثم يضرب ضربة أخرى يمسح بهما يديه.
وكيفيته: أن يضع باطن أصابعه اليسرى على ظهر أصابعه اليمني، بحيث لا يصل رءوس أصابع اليسرى عن عرض أصابع اليمني، ولا رءوس أصابع اليمني عن أصابع اليسرى عرضًا، ثم يمرها على ظهر الكف والذراع إلى المرفقين، ثم
يديرهما على المرفق، ويرفع الإبهام، ثم يضع بطن كفه اليسرى على باطن الذراع، ويمرها إلى الكف، ثم يمر باطن إبهام يده اليسرى على ظهر إبهام يده اليمني، ويفعل باليد اليسرى مثل ذلك
ثم يمسح إحدي الراحتين بالأخرى، إن بقي عليه غبار، وإلا فيأخذ ثانيًا، ويخلل بين الأصابع.
وإنما ذكر الشافعي، رحمه الله هذا التدقيق ردًا على مالك، حيث قال: التيمم خصة النبي صلى الله عليه وسلم بضربتين، ولو كان مسح اليدين إلى المرفقين، لما قال هكذا، لأنه لا يتصور بالضربة الواحدة، إيصال التراب من اليدين إلى المرفقين وإلا فالحكم لا يختص به، حت لو تيمم بعشرين ضربة جاز، لأن الشرط إيصال التراب إلى محل التيمم، لا الضربات، فلو فرق الأصابع في المرة الثانية، دون الأولى جاز، ولو فرقها في المرة الأولى، دون الثانية لا يجوز، ولو فرق الأصابع فيهما، هل يجوز ذلك أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن التراب يتخلل بين الأصابع في المرة الأولى، فيؤدي إلى أن يتقدم مسح بعض اليدين على الوجه، وهذا لا يجوز، لأن الترتيب فيه شرط.
والثاني: جاز لأنه إذا مسح الوجه، فلم يبق على يده كثير غبار، فلا يمنع من إيصال التراب إليه في الضربة الأولى.
فقلنا: بأنه جاز، ولو بقي التراب فيما بين الأصابع في المرة الأولى، فوجب عليه أن يمسح بين الأصابع بخرقة، أو بشيء، حتى يتناثر التراب عنه، ثم يضرب ضربة أخرى لليدين، ويجوز.
قوله: (فلو أبقى شيئا مما عليه من الوضوء) الفصل.
قال القاضي حسين: أراد به ردًا على أبي حنيفة حيث قال: لو ترك لمعة من أعضاء التيمم، جاز.
وعندنا: لا يجوز، وإن كان قليلاً، ونحن نقيس على الطهارة.
قوله: (وإن بدأ بيديه قبل وجهه أعاد).
قال القاضي حسين: أراد به الترتيب، وهو واجب في التيمم، سواء كان التيمم لأجل الحدث، أو الجنابة؛ لأنه يختص بعضوين بخلاف الغسل بالماء.
قال أصحابنا رحمهم الله: فرائض التيمم وأركانه [سِتَّةٌ] (سنة!): القصد إلى التراب، والنية، ومسح الوجه كله، ومسح اليدين إلى المرفقين، والترتيب، والتتابع في أحد القولين.
وفيه وجه آخر: أن في التتابع قولاً واحدًا، لأنه إذا مسح وجهه، ثم مشى زمانًا قبل أن يمسح يديه، فيتوهم وجود الماء فيما بينهما، فيلزمه طلبه، وطلب الماء إذا وجب عليه بطل تيممه.
فأمَّا إذا كان جالسًا في موضع واحد لا يتأتى هذا، وفي التتابع قولان، كما في الوضوء.
فأمَّا دخول الوقت وطلب الماء، وعدمه بعد الطلب من الشرائط، كاستقبال القبلة، وستر العورة، ودخول الوقت في صلاة الفريضة.
والسنة فيه: التسمية، والبداية باليمين، فأما التثليث والتكرار فيه ليس سنة، بل يقبح، ويغير اللون بخلاف الماء، وكذلك إيصال التراب إلى البشرة ليس بسنة، بخلاف الوضوء، وكذا ليس بواجب فيما وجب إيصال الماء إليه في الطهارة، لأنه لا يمكن ذلك للكثافة، بخلاف الماء.
فعلى هذا لو كان على يديه شعور لا يجب عليه إيصال التراب إلى البشرة، وكذلك المرأة إذا نبتت لها لحية لا يجب عليها إيصال التراب إلى ما تحتها على الصحيح من المذهب.
وفيه وجه: أنه يجب.
قال القاضي رحمه الله: سألت القفال رحمه الله عن تجديد التيمم: أسنة هو؟
فقال لي: كدت تغالطني، التجديد لا يتصور في التيمم، لأن التيمم إنما يجوز بعد طلب الماء، وطلب الماء يبطل التيمم، فإذا تيمم ثانيًا، فيكون هو الفرض، لأنه بطل الأول بخلاف الوضوء، والله تعالى أعلم بالصواب.
قال المزني: ولو نسي الجنابة، فتيمم للحدث، أجزأه، لأنه لو ذكر الجنابة، لم يكن عليه أكثر من التيمم.
قال المزني: ليس على المحدث عندي معرفة أي الأحداث كان منه، وإنما عليه أن يتطهر للحدث، ولو كان عليه معرفة أي الأحداث كان منه، كما عليه معرفة أي الصلوات عليه، لوجب لو توضأ من ريح، ثم علم أن حدثه بول، أو اغتسلت امرأة تنوي الحيض، وإنما كانت جنبًا أو من حيض، وإنما كانت نفساء، لم يجزيء أحدًا منهم، حتى يعلم الحدث الذي تطهر منه، ولا يقول بهذا أحد نعلمه، ولو كان الوضوء يحتاج إلى النية لما يتوضأ له، لما جاز لمن يتوضأ لقراءة مصحف أو لصلاة على جنازة، أو تطوع، أن يصلي به الفرض فلما صلى به الفرض، ولم يتوضأ للفرض أجزأه ألا ينوي لأي الفروض، [ولا لأي الأحداث توضأ،] ولا] الأحداث اغتسل.
قال القاضي حسين: قال أصحابنا: العلة التي ذكرها المزني فاسدة؛ لأن هذه توجب أنه لو كان عليه فائتة قدرها ظهرًا فقضاها بنية الظهر، ثم بانت أنها كانت عصرًا، أن لا إعادة عليه، لأنه لو ذكرها لم يكن عليه إلا أن يصلي أربع ركعات، وإنما العلة فيه أن نية رفع الحدث والجنابة لا تشترط في التيمم بحال.
وإذا لم تجب عليه ذلك لم يضره الغلط فيهما.
قال أصحابنا: جملة ما يعذر فيه من الغلط في النية والتعيين، وما لا يعذر فيه ينقسم ثلاثة أقسام:
قسم لا يشترط فيه النية، لا جملة ولا تفصيلا، أعني به التعيين، فإذا نوي وعين وأخطأ لم يضره، مثل مكان الصلاة وزمانها إذا نواها، مثل أن ينوي أنه
كان في مسجد كذا، فكان غير ذلك، أو يوم الخميس فكان غير ذلك، لم يضره ذلك.
فإن قيل: هذا يشكل بأعداد ركعات الصلاة، لا يجب عليه تعيينها، ولو عين وأخطأ لا يجوز.
قلنا: لأنه إذا نوي الظهر خمس ركعات، فلم يأت بالظهر فلا يجوز.
وقسم يشترط أصل النية والتعيين، كالصلوات والصيامات، فالخطأ فيه يمنع الإجزاء.
وقسم يشترط فيه أصل النية، دون التعيين، كالاقتداء بالإمام، أصل النية فيه شرط، وتعيين الإمام ليس بشرط، وأصل النية في جواز الجنازة شرط، وتعيين الميت ليس بشرط، وأصل نية الاعتكاف عن الكفارة في الكفارات شرط، وتعيين الكفارة ليس بشرط.
وأصل النية في أداء الزكاة شرط، والتعيين ليس بشرط، فلو أنه عين في هذه المواضع، وأخطأ لم يجز حتى لو عين الميت، أو الإمام، أو كفارة الظهار، وتبين بخلافه لا يقع مجزئًا.
فكذا لو كان له مال بـ (سرخس)، ومال بـ (نيسابور)، وكل واحد منهما نصابًا، فأخرج الزكاة عن المال الذي كان بـ (سرخس)، ثم تبين أنه كان تالفًا لا يقع عن المال القائم بـ (نيسابور).
ومسألتنا من قبيل قسم الأموال، فإن نية رفع الحدث والخبث ليس بشرط، بل عليه نية استباحة الصلاة فحسب.
فإذا نوى استبحاة الصلاة، ولكن قدر نفسه جنبًا، فبان محدثًا، أو محدثًا فبان أنه جنب، لم يضره الخطأ، وما وقع فيه الخطأ لم يجب عليه ذلك.
قال أصحابنا: ظاهر ما نقل المزني يوجب أن التيمم يرفع الحدث، ثم شيعه بما يقويه حيث قال: (ليس على المحدث معرفة أي الأحداث يتطهر له).
والصحيح أن التيمم لا يرفع الحدث؛ لأنه لو كان يرفعه لما بطل برؤية الماء كالوضوء.
ومن أصحابنا من قال: يرفع الحدث لصلاة واحدة دون غيرها، لأنه يجوز أداؤها به لا غير.
فعلى هذا، لو نوى رفع الحديث به على قول من قال: يرفع الحدث يجوز، والصحيح أنه لا يرفع الحدث وينوي فيه استباحة الصلاة.
قال القاضي: ويمكن أن يفرع هذا الأصل على فرع منصوص عليه، وهو أن التيمم بنية النفل، هل يصح أم لا؟
فيه قولان:
إن قلنا: يصح وهو قوله الجديد، جعله كالوضوء، فيرفع الحدث كذاك.
وإن قلنا: لا يصح، لم يجعله كالوضوء، فلا يرفع الحدث، وهذا أصل مستنبط من فرع، لا يتخرج إلا على هذا الأصل.
فرع
لو كان حدثه البول، فتوضأ بنية رفع حدث النوم، أو الغائط، أو أخطأ من الجنابة أو الحيض أو النفاس في الغسل، إن كان جاهلاً به، تصح طهارته.
وإن كان عالمًا به يصح أيضًا على الصحيح من المذهب.
وفيه وجه آخر: أنه يصح، وسواء أخطأ من النوع إلى النوع، أو من الجنس إلى الجنس، لأن نية ذلك غير متعينة عليه.
وقال مالك: رحمه الله: لا يجوز، سواء أخطأ من الجنس إلى الجنس، أو من النوع إلى النوع، وبه قال البويطي، والربيع بن سليمان المرادي.
وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن إن أخطأ من النوع إلى النوع جاز، وإن أخطأ من الجنس إلى الجنس لا يجوز.
واحتج المزني على مخالف الشافعي بفصلين:
أحدهما: يخص ربيعة، والثاني يعم الجميع.
أما ما يلزم ربيعة وحده.
قال: لو كان الخطأ من الجنس إلى الجنس يمنع الإجزاء، لكان الخطأ من النوع إلى النوع في معناه والذي يلزم الكل.
قال: الطهارة لها طرفان:
طرف يتطهر له وهو الصلاة، وما في معناها، وطرف يتطهر عنه، وهو الأحداث.
ثم لو عين صلاة استباحها، وسماها في الوضوء، فلا يتعين ما نواها،
فكذلك إذا عين حدثًا بالرفع وجب أن ترفع جميع الأحداث، ولا يضره التعين.
قوله: (وإذا وجد الجنب الماء بعد التيمم اغتسل، وإذا وجد الذي ليس بجنب توضأ).
قال القاضي حسين: أراد به: أن التيمم لا يرفع الجنابة والحدث، بل يبيح الصلاة، ثم إذا وجد الماء يعود إلى ما كان عليه، فإن كان جنبًا اغتسل، وإن كان محدثًا توضأ، وما مضى لا إعادة عليه.
قال المزني: وإذا وجد الجنب الماء بعد التيمم، اغتسل، وإذا وجده الذي ليس بجنب، توضأ، وإذا تيمم ففرغ من تيممه بعد طلب الماء، ثم رأي الماء، فعليه أن يعودإلى الماء، وإن دخل في الصلاة، ثم رأي الماء بعد دخوله، بني على صلاته وأجزأته الصلاة.
قال المزني: وجود الماء عندي ينقض طهر التيمم في الصلاة وغيرها سواء، كما أن ما ينقض الطهر في الصلاة وغيرها سواء، ولو كان الذي منع نقض طهره الصلاة، لما ضره الحدث في الصلاة، وقد أجمعوا والشافعي [منهم] أن رجلين، لو توضأ أحدهما، وتيمم الآخر في سفر، لعدم الماء، أنهما طاهران، وأنهما قد أديا فرض الطهر، فإن أحدث المتوضي ووجد المتيمم الماء: أنهما في نقض الطهر قبل الصلاة سواء، فلم لا كانا في نقض الطهر بعد الدخول فيها سواء؟ وما الفرق، وقد قال فيه جماعة العلماء: إن عدة من لم تحض الشهور، فإن اعتدت بها إلا يومًا، ثم حاضت: أن الشهور تنتقض [بوجود] الحيض في بعض الطهر، فكذلك التيمم ينتقض، وإن كان في الصلاة وجود الماء، كما ينتقض طهر المتوضي، وإن كان في الصلاة إذا كان الحدث، وهذا عندي بقوله أولى.
قال القاضي حسين: المتيمم إذا رأي الماء، فإن كان قبل الشروع في الصلاة يبطل تيممه، ويلزمه استعمال الماء عند عامة العلماء.
إلا ما حكي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال له: أن يصلي بذلك التيمم.
فإما إذا وجد الماء بعد الفراغ من الصلاة لم تلزمه إعادة الصلاة عند عامة العلماء.
وقال طاوس اليماني: إن كان الوقت باقيًا تلزمه إعادة الصلاة بالتوضؤ بالماء.
فأما إذا وجد الماء في خلال الصلاة، نص ها هنا على أنه يبني على صلاته، ونص في المستحاضة على أنه إذا انقطع دمها في خلال الصلاة لا يبني عليه من أصحابنا من قال: فيه قولان، نقلا وتخرجا، وهو ابن سريج.
ومن أصحابنا من فرق بينهما بأن المستحاضة يتجدد لها الحدث، فأي حدث لم تتطهر له؟ فقلنا بأنها تعيد الطهارة، بخلاف المتيمم، فإنه لم يتجدد له حدث لم يتطهر له، فقلنا بأنه يمضي على صلاته.
وحكي أبو بكر الفارسي في عيون المسائل في المستحاضة قولين:
قال أصحابنا: النص ما ذكرنا عن الشافعي، وهو إنما أخرج القول الآخر من كيس نفسه إن قلنا في المستحاضة: لا تبني على صلاتها، فإذا اغتسلت وعادت، فهل تبني على الصلاة، أم تستأنف الصلاة؟
حكمها حكم من سبقه الحدث، وهو في الصلاة.
في الجديد: يستأنف.
وفي القديم: لا يستأنف.
وإذا قلنا: المتيمم يبني على صلاته، فهل يستحب له الخروج من الصلاة، وأداء تلك الصلاة بالوضوء؟ ذكر أصحابنا فيه وجهين.
قال القاضي رضي الله عنه: عندي يكره له إبطال العبادة، والخروج عنها وجهًا واحدًا.
ولكن الوجهان في أنه، هل يستحب له أن يقلب الصلاة نفلاً، ويسلم عن ركعتين أم لا؟
فيه وجهان مستنبطان من مسألة، وهي أن رجلا لو افتتح الصلاة منفردًا، ثم تقدم الامام للجماعة.
قال في الجديد: يستحب له أن يقلب الفرض نفلا، ويسلم عن ركعتين، ويقتدي بالإمام في الصلاة الفرض، كذا ها هنا يستحب له ذلك.
وفيه وجه آخر: أنه يستحب ها هنا.
والفرق بين هذا، وبين تلك المسألة: أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الواحد وأنها أكثر ثوابًا منها.
فقلنا: يستحب له الخروج عنه بنية النفل، والاقتداء بالإمام ليحوز فضيلة الجماعة، وها هنا الصلاة بالتيمم، كالصلاة بالوضوء في الفضيلة، فقلنا بأنه لا يستحب له الخروج عنه.
وفرق آخر: وهو أن هناك لو صلى منفردًا، ثم أدرك الجماعة يستحب له إعادة تلك الصلاة بالجماعة، وها هنا لو صلى بالتيمم، ثم قدر على الماء لا يستحب له إعادة تلك الصلاة بالطهارة بالماء.
وقال أبو حنيفة: المتيمم إذا راي الماء في خلال الصلاة تبطل صلاته، وهو اختيار المزني، واستدل بأن قال: رؤية الماء في الصلاة لو لم تبطل التيمم، لوجب ألا تبطله خارج الصلاة، وكذا في الصلاة مثله كالحدث، وقال: لو أن
رجلين توضأ أحدهما، وتيمم الآخر في سفر لعدم الماء أنهما طاهران، فإن أحدث المتوضيء، ووجد المتيمم أنهما في نقض الطهر قبل الصلاة سواء.
فلم لا كانا في نقض الطهر بعد الدخول فيها سواء، وما الفرق؟
واستدل بالمعتدة بالأشهر، إذا حاضت قبل انقضاء الأشهر، أن الشهور تنتقض لوجود الحيض، كذا هذا مثله.
قلنا: مجرد رؤية الماء لا يبطل التيمم خارج الصلاة، وإنما القدرة على استعماله تبطله.
ألا ترى أنه لو كان يحتاج إلى ذلك الماء ليشربه، أو لدابته لا يلزمه استعماله، ويجعل عاجزًا عنه شرعًا، كالعاجز طبعًا، كذلك ها هنا.
وأما مسألة العدة حجة عليكم، لكن هناك ما مضى لا يحكم ببطلانه، بل يحتسب ذلك عندنا قرءا واحدًا، كذا ها هنا، وجب ألا تبطل، ثم ليس وزان مسألتنا منه أن لو شرع في النكاح بعد انقضاء الأشهر، ثم رأت الدم، لأن المقصود من العدة النكاح، فلا جرم لا يلزمها شيء، وزانه في مسألتنا أن لو شرع في التيمم الذي هو بدل عن الوضوء، ثم رأي الماء لا جرم يبطل تيممه، ولا فرق عندنا بين المتنفل، والمفترض، إلا أن الشافعي قال: المتنفل إذا رأي الماء في خلال الصلاة، أحب أن يسلم من ركعتين.
قال أصحابنا: صورة المسألة إذا كان قد أطلق النية أو قيدها بأربع ركعات.
فأما إذا نوى ركعتين، لا يجوز له الزيادة عليها.
قال الشيخ القفال: وإن قيد بركعتين يجوز له الزيادةن لأن رؤية الماء لا تبطل صلاته، ويجعل كما لو لم ير الماء.
فرع
إذا فرغ من الصلاة التي رأي فيها الماء، هل يجوز له أن يتنفل بذلك التيمم؟ فإن كان موجودًا معه، أو تلف بعد خروجه عن الصلاة، أو في الصلاة، ولم يكن عالمًا به، لا يجوز له ذلك، وإن تلف في الصلاة، وكان عالمًا به يجوز له النافلة بذلك التيمم.
وكذا لو رأي سرابًا ظنه ماء، أو رأي خضرة أو طيورًا يقعن ويجتمعن على موضع، أو رأي ركبانًا أو رجلا لابسًا لشيء يبطل تيممه، لتوهم وجود الماء، ولو رأي رجلا عريانًا لا يبطل تيممه.
فأما إذا سمع أحدًا يقول: معي ماء يبطل تيممه، ولو سمع أحدًا يقول: أو دعني فلان ماء، لا يبطل تيممه.
ولو قال: عندي ماء، أو دعنيه فلان.
قال أصحابنا: يبطل تيممه.
قال القاضي: عندي هذا بناء على أنه لو قال لفلان: على ألف درهم من ثمن خمر أو خنزير، هل يلزمه الألف، أو هل يقطع آخر كلامه عن أوله، وفيه قولان:
إن قلنا هناك: تلزمه الألف ها هنا يبطل أيضًا تيممه، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: ولا يجمع بالتيمم صلاتي فرض، بل يجدد لكل فريضة طلبًا للماء وتيمما بعد الطلب الأول، لقوله جل وعز (إذا قمتم إلى الصلاة)، وقول ابن عباس: لا تصلي المكتوبة إلا بتيمم، قال: ويصلي بعد الفريضة النوافل، وعلى الجنائز، ويقرأ في المصحف، ويسجد سجود القرآن.
قال القاضي حسين: وهم أبو إسحاق المروزي من هذا، حيث قال: إنه لا يجوز للمتيمم الجمع بين الصلاتين، لأنه يحتاج إلى طلب الماء لكل صلاة،