فصل قال الشافعي: رحمه الله: وإن أجمع في بيته أو في مسجد، وإن صغر أجزأ عنه في أي بقعة صلى بالجماعة يجزئه، سواء في البيت أو في المسجد، ولكن الأفضل حيث تكثر الجماعة، هذا إذا كانت الجماعة في مسجده لا تختل بتخلفه عنها، فإن الجماعة تختل فيه بتخلفه عنها، فالأفضل أن يصلي في مسجده وإن كان لا يحضر مسجده أحد، فالأفضل أن يؤذن ويقيم، ويصلي الفرض منفردًا، إن لم يحضره، من يصلي معه، ويخفف الصلاة ويخرج إلى مسجد يصلي فيه معهم بالجماعة.
فصل
إذا عقد الجماعة في مسجده مرة، فحضرت جماعة أخرى، إن كان المسجد على شارع يأتيه الناس ليس له إمام راتب ومؤذن راتب لم يجز على طريقة بعض أصحابنا
وقال العراقيون: يجوز.
وعند أبي حنيفة: لا يجوز لما فيه من شق العصا، ومخالفته القوم.
روى أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم من صلاة الصبح يومًا، فحضره واحد وشرع في الصلاة منفردًا، فقال عليه السلام، هل فيكم من يقوم فيتصدق عليه ويصلي معه
فقام واحد صلى معه، حين أذن في الجماعة.
ولم يصلوا معه قبل إذنه عليه السلام والله أعلم.
باب صلاة الإمام قاعدًا بقيام أو قائمًا بقعود، أو بعلة ما تحدث وصلاة من بلغ أو أسلم.
قال المزني: قال الشافعي: وأحب للإمام إذا لم يستطع القيام في الصلاة أن يستخلف فإن صلى قاعدًا، وصلى الذين خلفه قيامًا، أجزأته وإياهم، وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه، وفعله الآخر ناسخ لفعله الأول، وفرض الله تعالى على المريض، أن يصلي جالسًا، إذا لم يقدر قائمًا، وعلى الصحيح، أن يصلي قائمًا، فكل قد أدى فرضه، فإن صلى الامام لنفسه جالسًا ركعة، ثم قدر على القيام، قام فأتم صلاته، فإن ترك القيام، أفسد على نفسه، وتمت صلاتهم، إلا أن يعلموا بصحته وتركه القيام في الصلاة، فيتبعونه، وكذلك إن صلى قائمًا ركعة ثم ضعف عن القيام، أو أصابته علة مانعة، فله أن يقعد ويبني على صلاته، وإن صلت أمة ركعة مكشوفة الرأس، ثم أعتقت، فعليها أن تستترـ إن كان الثوب قريبًا منها، وتبني على صلاتها، فإن لم تفعل وكان الثوب بعيدًا منها، بطلت صلاتها.
قال المزني: قلت أنا، وكذلك المصلى عريانًا، لا يجد ثوبًا، ثم يجده، والمصلى خائفًا، ثم يأمن، والمصلي مريضًا، يوميء، ثم يصح، أو يصلي ولا يحسن أم القرآن، ثم يحسن أن ما مضى جائز على ما كلف، وما بقي على ما كلف، وهو معنى قول الشافعي رحمه الله.
قال الشافعي: وعلى الاباء، والامهات أن يؤدبوا أولادهم ويعلموهم، الطهارة
والصلاة، ويضربوهم على ذلك، إذا عقلوا، فمن احتلم، أو حاض، أو استكمل خمس عشرة سنة، لزمه الفرض.
قال القاضي حسين: المستحبُّ للإمام الراتب إذا عجز عن القيام أن يستخلف قادرًا على القيام ليصلي بالناس ليكمل حال الإمام، ويساوي القوم في وصفه الكمال، فإن لم يفعل، وصلى قاعدًا بهم وهم قيامٌ أجزأهم.
وقال أحمدُ ومحمدٌ: لا يجوز للقائم أن يُصَلِّي خلف القاعد.
وقال مالك: يقعدون خلفه، واحتجا بما روي أن النبي -عليه السلام- قال: «لا يؤمن أحد بعدي جالسًا».
واحتج مالك وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب فرسًا معروفًا لأبي طلحة، أو لآل أبي طلحة فسَقَط فجحش شقه الأيمن، فدخلوا عليه في بيته يصلي بهم قاعدًا وهم قيام خلفه، فأشار إليهم أن اقعُدُوا فقعدوا، فلما سلم، قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا خلفه أجمعين».
دليلنا: ما روي عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: لما مرض النبي صلى الله عليه وسلم مرضه الذي توفي فيه كان يغشى عليه ويضيق، فأفاق، وقد دخل وقت الصلاة فقال: هل صلى الناس في المسجد؟ فقلنا: لا، بل هم قيام ينتظرونك فقال: ضعوا لي ماء في المخضب وهو شبه المركن، وهي إجانة كان يغتسل فيها عليها السلام والرحمة، فوضعنا الماء في المخضب، فدخل فاغتسلَ، فلما ذهب
لينؤ أغشي عليه فأفاق، فلما أفاق قال: هل صلى الناس في المسجد فقلنا: لا إنهم قيام ينتظرونك، فقال في المرة الثالثة والرابعة: مُرُوا أبا بكر ليصلي بالناس، قالت عائشة رضي الله عنها: فقلت في نفسي، إن الناس يتشاءمون بأبي إذا رأوه واقفا في مقام النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إن أبي رجل أسيف لا يملك نفسه من البكاء إذا وقف في مكانك، فلو أمرت غيره فقال عليه السلام: مروا أبا بكر ليصلي بالناس، فقلت لحفصة: قولي لرسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أباك ليصلي بالناس، فقالت حفصة: يا رسول الله، لو أمرت غيره، فقال صلى الله عليه وسلم إنكن صواحبات يوسف، أبي الله والمسلمون إلا أبا بكر، مروا أبا بكر ليصلي بالناس.
فقالت حفصة لعائشة: ما أتيتني بخير قط، فتقدم أبو بكر فوجد النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه خفه، فخرج يهادي بين رجلين أحدهما العباس، والآخر رجل من أهل بيته، فقال ابن عباس، وذلك الرجل الآخر على كرم الله وجهه إلا أنها لا تذكره بخير ما تستطيع فدخل المسجد، ووقف على يسار أبي بكر وإنما وقف على يساره، لأنه علم من حاله أنه يتأخر عن مقامه، ولا يتقدم عليه ليكون على يمينه، فوصل أبو بكر والناس صلاتهم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم وافتتح الصلاة قاعدًا، فكان أبو بكر يصلي بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم والناس يصلون بصلاة أبي بكر، رضي الله عنه، وكان أبو بكر كالمترجم لهم.
قال الشافعي رحمه الله، وفعله الآخر ينسخ فعله الأول.
وما رويناه كان آخر الأمرين، فإن قيلأ: الأول لم يكن فعلا، بل كان قولا، فلم قال، فعله الآخر ينسخ فعله الأول؟
قلنا: معناه أن تقريره على الفعل الآخر ينسخ تقريره على الفعل الأول، لأنه في الابتداء أقرهم على الصلاة خلفه قعودًا، وفي الآخر أقرهم على الصلاة خلفه قيامًا، وكما يجوز عندنا للقاعد أن يصلي خلف القائم، وللقائم أن يصلي خلف القاعد، يجوز للقائم والقاعد أن يصلي خلف المومئ، وللمومئ أن يصلي خلفهما.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز للموميء أن يصلي خلف القاعد والقائم، ولا لهما أن يصليا خلفه، لأن المومئ عجز عن الفعل الذي هو عماد الصلاة.
قلنا: كل صفة جاز له أن يصلي عليها للعجز جاز لمن هو أكمل منه حالا أن يصلي خلفه كالقعود.
قوله: فإن صلى الامام لنفسه جالسًا ركعة.
قال القاضي حسين: القائم إذا عجز في خلال الصلاة عن القيام قعد، وبني قائما على صلاته، وإذا عجز عن القعود اضطجع وبني، وكذلك المضطجع إذا عجز صلى بالإيماء وبنى، وكذلك الموميء إذا قدر على الاضطجاع، والمضطجع على القعود والقاعد على القيام، فإنه يضجع، ويقعد ويقوم، ويبني على صلاته، فخرج من هذا أنه يؤدي أربع ركعات كل ركعة على صفة أخرى إذا تبدلت به الأحوال، فيجوز عندنا.
جملته: أنه كلما يجوز له أن يبني من صلاته على صلاة إمامه جاز له أن يبني من صلاة نفسه على صلاته.
وقال أبو حنيفة:
لا ينبني الإيماء على القعود والقيام، ولا القيام والقعود على الإيماء بناء على أصله، وهو أنه لا يقتدي الموميء بالقائم، والقاعد بالقائم، والقاعد بالموميء وإذا قدر على القيام بعد القراءة، فعليه أن يرتفع إلى القيام، ثم يهوي إلى الركوع بعد أن اعتدل قائمًا نص عليه الشافعي، رحمه الله ولا يجوز أن يرتفع منه من القعود إلى الركوع، ليكون الانتقال من الركن إلى الركن، وكذا لو قدر
على القيام بعد ما ركع، فإنه يقوم ثم يهوي ساجدًا كما ذكرنا في الركوع، فأما إذا قدر على القيام في خلال الفاتحة، فإنه يسكت إلى أيعتدل قائمًا، ثم يبني على القراءة، ولو قرأ في حال الارتفاع إلى القيام لم يجز، ومثله لو عجز عن القيام، في خلال الفاتحة، فقرأ في حالة الهوي إلى القعود جاز.
والفرق أن القادر على القيام فرضه القيام، وحالة الارتفاع إلى القيام أنقص من حالة القيام، فلم يحتسب بقراءته فيها.
والعاجز عن القيام فرضه القعود وحالة الهوي إلى القعود أكمل من حالة القعود، فيحسب قراءته فيها.
ولو قرأ في حالة الارتفاع إلى القيام من القعود قال رضي الله عنه:
إذا كان دون آية يبني على صلاته، ولا يستأنف الفاتحة، وإن كان لا يحسب له ذلك القدر من القراءة، بل يعيدها ويأتي بالباقي فإن قرأ آية أو أكثر هذا يبني على أنه إذا كرر الفاتحة في الصلاة عامدًا هل تبطل صلاته أم لا.
إن قلنا: تبطل صلاته فها هنا يستأنف القراءة، وإلا فلا
ولا نحكم ببطلان صلاته وإن تعمد فيها، ولو صلى قاعدًا فقدر على القيام فعليه أن يقوم فلو لم يقم نص على أن صلاته باطلة، وقد ذكرنا في نظائرهما قولا آخر أن الصلاة تنقلب نفلا، فيخرج فيها هذا القول أيضا.
والأظهر قول البطلان، وعليه فرع الشافعي رضي الله عنه فقال: من علم من المأمومين بقدرته على القيام، ولم يخرج نفسه عن صلاته بطلت صلاته أيضا، ومن لم يعلم بحاله لم تبطل صلاته، وإن استدام الاقتداء به.
قد ذكرنا أنه إذا قدر على القيام بعد ما فرغ من الركوع يلزمه القيام.
فأما إذا قدر على القيام بعد ما فرغ من الركوع، ومضى قدر إمكان الاعتدال، لا يلزمه أن يعتدل قائمًا، ثم يهوي إلى السجود، لأن الاعتدال ليس بركن ممتد، وإنما هو قدر الطمأنينة حتى لو زاد عامدًا فيه على قدر الطمأننية بطلت
صلاته حتى لو كان هذا في صلاة الصبح قدر الاعتدال بعد ما فرغ من الركوع عليه أن يقوم إذا أراد أن يقنت، ولو قنت جالسًا تبطل صلاته.
قوله: وإن صلت أمة ركعة مكشوفة الرأس، ثم أعتقت فعليها أن تستتر إن كان الثوب قريبًا منها، وتبني على صلاتها.
قال القاضي حسين: وهو كما قال: لأنها بالعتق استفادت الكمال وساوت الحرائر، وفرض الحرة ستر عورة الرأس في الصلاة، وإن كان الثوب بعيدًا منها، فمشيت إليه وسترت به الرأس، فالمذهب أن صلاتها تبطل.
وخرج فيها قول آخر: من سبق الحدث أنها لا تبطل، ولو صبرت إلى أن أتيت بالثواب، فمرتب على ما لو مشيت إليه إن قلنا هناك: لا تبطل صلاتها فها هنا أولى، وإن قلنا بظاهر المذهب: إن صلاتها تبطل فها هنا وجهان بناء على ما لو زاد انتظارين في صلاة الخوف، ففرق القوم أربع فرق، وفيه قولان.
وكذلك العاري إذا وجد الستر في خلال الصلاة يلزمه الستر، وحكمه كذلك حكم الأمة إذا اعتقت وقد بينا، وكذلك لو أعتقت، ولم تعلم بالعتق حتى مضي زمان بطلت صلاتها، كمن قع في ثوبه نجاسة ولم يعلم بها، أو انكشفت عورته في الصلاة بريج هبت، ومضى زمان تبطل صلاته.
وقد عطف المزني، رحمه الله على مسألة الأمة في معناها من الذين يفتتحون الصلاة بالعذر، فيرتفع العذر، مثل الخائف يأمن في خلال الصلاة فعليه أن يستقبل القبلة كما ارتفع الخوف، والموميء يقدر على القعود والقيام فعليه ذلك كما قدر عليه، ومن لا يحسن الفاتحة فتعلمها في خلال الصلاة فالحكم فيه أنه إن تعلمها في خلال الصلاة بعد الركوع لم يلزمه فرض القراءة، وإن تعلمها في خلال القراءة، فعليه أن يقرأها في الظاهر من المذهب، وإن تعلمها بعد قراءة ما يحسنه من القراءة والذكر وجهان:
أحدهما: يلزمه قراءة الفاتحة: لأنه قدر على قراءتها في محلها، وهو القيام، كما لو تعلمها قبل أيأتي بما علم من الذكر.
والثاني لا يلزمه، لأنه قدر على الأصل بعد الإتيان بالبدل، كما لو وجد الرقبة بعد الصوم.
فإن قيل: ما الفرق بين القراءة قلتم: يلزمه بعد الإتيان بالبدل وهو القعود، قلتم لا يلزمه وجها واحدًا.
قلنا: القيام لا يعني لعينه، بل للقراءة، وقد أتي بالقراءة في القعود الذي جعل بدلا عن القيام بخلاف القراءة، فإنها المقصودة من القيام، ولم يأت بما هو الأصل من القراءة وقدر عليها في محلها فيلزمها ذلك ولو قدر على التعلم في خلال الصلاة لم يلزمه تعلمها، كما لو وجد الماء في خلال الصلاة لا يلزمه استعماله، لأنه أتي بما هو البدل هناك بالتيمم، وها هنا شيء آخر من الذكر، بخلاف ما لو وجد الستر يلزمه الستر، لأنه لم يأت ببدل عنه إذا العرى ليس ببدل عن الستر.
قد ذكرنا أن من لا يحسن الفاتحة تصح صلاته بذكر يأتي به، وعليه تعلم الفاتحة، فإذا مضى زمان إمكان التعلم ولم يتعلم، فعليه إعادة كل صلاة يصليها بعد مضى زمان إمكان التعلم، فلو اقتدى به في مثل هذه الحالة رجل لم تصح صلاته، لأن صلاته غير محسوبة له، وهكذا كل صلاة لا تكون محسوبة لفاعلها لا يجوز للغير أن يقتدي به فيها، مثل صلاة من لم يجد ماء ولا ترابًا أو المقيم إذا صلى بالتيمم، فلا يجوز أن يقتدى به فيها، فأما إذا اقتدى بمستحاضة أو بمن به سلس بول، فوجهان:
أحدهما: تصح صلاته، لأنه اقتدي بصلاة محسوبة للفاعل.
والثاني: لا؛ لأنها صلاة ضرورة، إذا النجاسة قائمة لها، ولا ضرورة للمقتدى وسيلان الدم به للضروة.
فاما المتوضيء يجوز له أن يقتدي بالمتيمم، والكاسي بالعاري، وكذا لا يجوز للقاريء أن يقتدي بالأمي في قوله والقديم، ولا يجوز في قوله الجديد.
قوله: وعلى الآباء والأمهات أن يؤدبوا أولادهم، ويعلموهم الطهارات والصلاة يضربوهم على ذلك إذا عقلوا.
روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع.
وإنما أمرناهم بالصلاة على رأس السبع ليتمرنوا لها، ويعتادوا فعلها، ولم نأمر به قبل السبع، لأن الصبيان لا يعقلون قبل السبع غالبًا، وأمرنا بالضرب على رأس العشر لاحتمال البلوغ بالاحتلام، فلا نأمن أنه احتلم لكن يخفيه ولم يؤمر بالضرب قبل العشر، لأنه باستكمالها يصير محلا للشهوة.
قال القاضي رحمه الله: إنه لا يجوز للأب أن يختن ولده، ما لم يستكمل عشرًا، لأنه عليه السلام جعل السنة التي يطيق فيها احتمال الألم السنة العاشرة، وألم الختان لا محالة أشد من ألم الضرب، وأما الهدايا يؤتي بها عند دعوة الختان هي ملك الصبي، والأب يقبل له، حتى يملك، وأما أجرة تعليم القرآن، وأجرة الختان إن كان للصبي مال في ماله، وإن لم يكن فيجب على الأب، وإن كان له عبد غير مختون يجب على مالكه أن يخلي بينه وبين كسبه زمان يحصل فيه أجرة الختان بالكسب، وإن لم يخله يجب عليه أن يختنه من ماله، وكذا أجرة تعليم الختان بالكسب، وإن لم يخله عليه أن يختنه من ماله، وكذا أجرة تعليم الفاتحة، وهل يجب على الأب أن يعلم الفاتحة لابنه الصغير؟ فيه وجهان:
أحدهما: بلى، لقوله عليه السلام: مروهم بالصلاة.
وأيضا قال الشافعي: رحمه الله وعلى الآباء وعلى كلمة إيجاب.
والثاني: لا يجب، لأن القراءة إنما تجب عليه بعد البلوغ، وهذا محمول على جهة التأكيد، وإنما قلنا: يجب عليه ذلك، فإنه يعلمه بنفسه، أو بالأجرة، والأجرة تجب في مال الأب إذا كان موسرًا، فإن كان معسرًا، ففي مال الابن، وله له أن يعلمه سوى الفاتحة ويعطي الأجرة من مال الصبي.؟ فعلى وجهين:
أحدهما: له ذلك إذا كان له فيه مصلحة.
والثاني: لا، لأنه غير محتاج إليه، وهذا التأديب الذي ذكرنا واجب في الأصل والضرب عليه مباح بشرط السلامة.
فأما الصوم فإن كانت الأيام قصارًا، وكان قوي الخلقة يطيقه يؤمر به، وإن كانت الأيام طوالا في وقت الحرارة، أو كان نضو الخلقة لا يطيقه لا يجوز لا يؤمر به، ثم ذكر الشافعي رحمه الله ما يحصل به البلوغ، ومحله كتاب الحجر على ما سيأتي، والله أعلم بالصواب.
باب اختلاف نية الإمام والمأموم، وغير ذلك
.
قال المزني: قال الشافعي رحمه الله، وإذا صلى الإمام بقوم الظهر في وقت العصر، وجاء قوم فصلوا خلفه، ينوون العصر، أجزأتهم الصلاة جميعًا، وقد أدى كل فرضه، وقد أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل، رضي الله عنه، أن يصلي معه المكتوبة ثم يصلي بقومه، هي له نافلة، ولهم مكتوبة، وقد كان عطاء يصلي مع الامام القنوت، ثم يعتد بها من العتمة، فإذا سلم الإمام، قام، فبني ركعتين من العتمة.
قال المزني رحمه الله: قلت أنا: وإذا جاز أن يأتم المصليى نافلة خلف المصلى فريضة فكذلك المصلى فريضة خلف المصلى نافلة وفريضة، وبالله التوفيق.
قال الشافعي رحمه الله وإذا أحس الإمام برجل، وهو راكع، لم ينتظره ولتكن صلاته خالصة لله.
قال المزني: قلت أنا: ورأيت في رواية بعضهم، عنه: أنه لا بأس بانتظاره والأولى عندي أولى بالصواب لتقديمها على من قصر في إتيانها.
قال الشافعي رحمه الله: ويؤتم بالأعمى وبالعبد.
قال القاضي حسين: إذا اختلفت نية الإمام والمأموم، فلا يخلو إما أن تتفق الصلاتان في أصل الأركان لو اختلفا في الأركان، فإن اتفقا في أصل الأركان صح الاقتداء، وإن اختلفت بينهما سواء اتفقت الصلاتان في عدد الأركان كالظهر والعصر والصبح والجمعة، أو اختلفتا في عدد الركعات كالصبح مع الظهر، والمغرب مع سائر الصلوات، فخرج من هذا أنه يجوز أن يصلي
المفترض خلف المتنقل، والمتنفل خلف المفترض، والقاضي خلف المؤدي، والمؤدي خلف القاضي، والسنة خلف سنة أخرى، والفرض خلف الفرض، والعشاء خلف التراويح، كما رويناه عن عطاء.
ثم ينظر إن كان صلاة الإمام أقل عددا من صلاته بأن يصلي الظهر خلف الصبح، أو المغرب يقوم إذا سلم الإمام، ويتم لنفسه الصلاة، وإن شاء يخرج نفسه عن صلاة الامام، إذا جلس الامام للتشهد الأخير، وإن كانت صلاة الامام أكثر عددا من صلاته، فهو بالخيار بين أن يسلم، وبين أن يصبر حتى يتم الامام صلاته، فيسلم معه، ولا يجوز أن يوافق الامام بعد أن أكمل صلاة نفسه في بقية الصلاة، وإذا صلى العشاء خلف التراويح فصلى ركعتين، فسلم الإمام، فعليه أن يصلي الآخريين منفردًا، ولا يقتدي فيهما بركعتي الإمام، فإن فعل واقتدى به بعد أن قام إلى الركعتين، فهذا رجل وصل صلاة الانفراد بصلاة الجماعة، وسيأتي حكمه إن شاء الله عز وجل.
قال القاضي رضي الله، في كرة أخرى: الصلاتان إن اتفقتا في أصل الأركان، وعدد الركعات، مثل الظهر والعصر والعشاء لا خلاف بأنه يجوز، فأما إذا اختلفتا في الأفعال مثل الظهر خلف المغرب، والمغرب خلف العشاء ظاهر كلام الشافعي رحه الله في المختصر يدل على أنه لا يجوز، لأنه قال: الظهر في وقت العصر، فاعتبر استواءهما في الأعداد والأركان.
واصحابنا قالوا بأجمعهم: إنه يجوز.
وقال القفال رحمه الله: مقتضى تحريمه وتسليمه جاز إحداهما خلف الأخرى، حتى لو اقتدى المفترض بمن يصلي بالجنازة، أو كبر لسجود التلاوة أو الشكر يجوز، ولو صلي الصبح خلف الظهر، ففي الركعة الثانية إذا رفع الامام رأسه من الركوع، فهو بالخيار إن شاء أخرج نفسه من متابعته وقنت، وإن شاء تابعه ولا شيء عليه، ويحمل الامام عنه كسهوه.
وإذا صلى الصبح خلف الظهر، فإذا قنت إمامه، إن شاء خرج من متابعته، وإن شاء صبر ذلك القدر إن لم يطل، ولا يضره.
وفي صلاة الخسوف يتابعه على الصحيح من المذهب إلى أن يركع ركوع الأول، ثم لا يتابعه، وهكذا في صلاة الجنازة يتابعه على ظاهر المذهب، وكذا في سجود التلاوة والشكر، ولكن لا يتابعه في التكبيرات وغيرها.
ولو اقتدى في الجمعة خلف الصبي، والمتنفل، فجوابان:
أحدهما: يجوز قياسًا على سائر الصلوات.
والثاني: لا؛ والفرق أن الجمعة أكدت بشرائط لم تؤكد بها سائر الصلوات، فكذا هذا، ولو اقتدى في الجمعة خلف المصلي لصلاة الصبح، فيه وجهان يبنيان على المسألة الأولى.
إن قلنا هناك تصح فيها هنا أولى، وإلا فوجهان.
والفرق أن ها هنا استويا في الفريضة والعدد، بخلاف تلك المسألة، ولو اقتدى بالجمعة، ثم صلى الظهر، فمرتبة على المسألة الأولى، إن قلنا هاك: لا يصح فها هنا أولى، وإلا فوجهان.
والفرق أنهما اختلفا في العدد، بخلاف الصبح مع الجمعة، وإن اختلتف الصلاتان في أصل الأركان كالجنازة، والخسوفيين مع غيرهما من النوافل والفرايض.
قال أصحابنا: لا يجوز، لأن فائدة الاقتداء هو المتابعة، ومعلوم أن المفترض والمتنفل خلف صلاة الجنازة، والخسوفين لا يمكنه متابعة، وقال القفال رحمه الله: يقول: يجوز الاقتداء فيها ثم لا يتابعه إذا كبر في الجنازة الثانية، وإذا شرع في الركوع الثاني في الخسوفين واقتدى به.
وفائدة الاقتداء اكتساب فضيلة الجماعة، ولا خلاف على المذهب أنه إذا أدرك الإمام في صلاة الظهر في الركعة الثانية، واقتد به بنية المغرب، فإنه يجوز، لأنهما يتفقان في الأعداد والأركان في هذه الحالة.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: كل صلاة تتأدى بمنطق النية، كالنوافل تصح خلف من يخافه في النية، فخرج من هذا أن عنده اختلاف النية تمنع صحة
الاقتداء إلا في المتنفل خلف المفترض، واحتجوا بأنه نوى صلاة الإمام له فيها فلم يصح.
دليلنا: ما روى عن جابر أن معاذ بن جبل كان يصلي العشاء مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرجع إلى قبيلته ويصليهما بهم، وكان عادته أنه إذا افتتح سورة لا يقطعها حتى يتملها، فافتتح سورة البقرة فيها ليلة، وكان في القوم رجل تعب طول نهاره، وعلم من حاله أنه لا يقطعها حتى يختمها، فأخرج نفسه من صلاته، فلما سلم معاذ أخبر به، فقال: نافق هكذا الرجل، فبلغ الرجل قول معاذ رضي الله عنه، فغاظه ذلك، فقال: والله لأعودن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بصنيع معاذ، وكان يبيت تلك الليلة كالمريض على الجنب، فجاء في الغد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقص عليه القصص، فلم يقل شيئًا حتى دخل معاذ فلما دخل قال له: أفتان أنت يا معاذ أين أنت من صورة والشمس، وضحاها، والليل إذا يغشى، فما رئى رسول الله صلى الله عليه وسلم في موعظة أشد منه فيها، ثم إن في القصة أن ذلك الرجل قال لمعاذ، والله إن جماعتنا غزاة
ليرينا الله أين المنافق، فلم ينشئا أن جمعتهما غزاة، وجعل ذلك الرجل يطلب معاذًا حتى عثر به فأخذ بتلابيبه وقال: اخرج حتى يرينا الله تعالى أين المنافق؟ فضن معاذ بنفسه فسل الرجل سيفه، وقاتل حتى قتل.
ولأن المتابعة إنما تجب على المأموم لإمامه في الأفعال الظاهرة، والنية من الأفعال الباطنة، فلم تضر المخالفة فيها كالمتنفل خلف المفترض.
قال المزني: وأكره إمامة من يلحن، لأنه قد يحيل المعنى، فإن أحال أو لفظ بالعجمية في أم القرآن، أجزأته دونهم، وإن كان في غيرها، أجزأتهم وأكره إمامة من به تمتمة، فإن أم أجزأ، إذا قرأ ما يجزيء في الصلاة، ولا يؤم أرت ولا ألثغ.
قال القاضي حسين: لحن يخل المعنى، ولحن لا يخل المعنى.
فأما ما لا يخل المعنى لا يمنع صحة الصلاة، وجواز الاقتداء به، لكنه يكره أن يقتدي به، وذلك أن يرفع المنصوب والمخفوض، أو ينصب المرفوع والمخفوض بقراءة بسم الله بالرفع الرحمن بالنصب، ولو قرأ الحمد بالنصب أو بالخفض.
قال القاضي رضى الله عنه: يحتمل وجهين:
أحدهما: تصح صلاته، لانه خطأ في الإعراب.
والثاني: لا تصح، لأنه لا يكون قرآنا، كما يكون إعجازًا في نظمه، فكذا في الاعراب، فينبغي أن يأتي به نظمًا وإعرابًا.
فأما اللحن الذي يحيل المعنى سواء يحيل إلى لمعان أخرى أو يحيل فالحكم واحد، فينظر فيه إن كان لا يطاوعه لسانه فتصح صلاته، وعليه أن يتعلم إن أمكنه، ولا يجوز الاقتداء به إلا لمن هو مثل حاله، فإن اقتدى به من هو أكمل حالا منه، فحكمه حكم القاريء يقتدي بالأمي، وسنذكر ذلك، وإن كان يطاوعه لسانه بذلك بطلت صلاته، وإن قاله ناسيا، فإن كان في الفاتحة، انقطع
النظم، وإن كان في خلال السورة لم يضره، ولا المأمومين خلفه، وعليه أن يسجد للسهو، لأنه كلام ذكره ناسيًا في الصلاة، فأما إذا قال: أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون، مكان قوله أولئك أصحاب النار هـ فيها خالدون، أو على عكسه وإن كان عامدًا به يصير كافرًا، وإن أخطأ في ذلك لا يضره.
قوله: وأكره إمامة من به تمتمة أو فأفأة.
قال القاضي حسين: التمتام هو الذي يردد التاء، الفأفاء هو الذي يردد الفاء، والصلاة خلفهما جائزة، لأنهما مغلوب فيه عليهما، إلا أنا نكره الصلاة خلفهما، لكن تصح، لأنهما أتيا بأصل القراءة وزيادة عليها.
قوله: ولا يؤم أرت ولا ألثغ.
قال القاضي حسين: الأرت هو الذي يبدل الراء بالياء، والألثغ هو الذي يبدل السين بالثاء، ولا تجوز الصلاة خلف واحد منهما، إلا لمن هو في مثل حالهم، ولا تجوز للأرت أن يصلي خلف الألثغ، ولا للألثغ أن يصلي خلف الأرت، كما لا يجوز لغيرهما ممن لسانه مستقيم أن يصلي خلفهما، لأن كل واحد منهما أمي فيما يقدر عليه صاحبه.
وقيل: الألثغ: في لسانه رخاوة لا يمكنه الإتيان بالتشديدات كلها كلسان الصبي فعلى هذا ينظر فيه، فإن أمكنه أن يأتي بأصل التشديدات، ولكن لا يبالغ فيها تكره الصلاة خلفه، وتجوز وإن لم يمكنه الإتيان بأصل التشديدات لا تصح الصلاة خلفه.
قوله: ولا يأتم رجل بأمرأة.
قال القاضي حسين: وهو كما قال: روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تؤمن امرأة رجلا، ولا أعرابي مهاجرا، ولا فاسق مؤمنا إلا أن يقهره السلطان عليه فيخاف سيفه، أو سطوته.
اختلف في الأعرابي فمنهم من قال: أراد به الكافر: لأن من أسلم إذ ذاك كان مهاجرًا.
ومنهم من قال: أراد به المسلم الذي لم يهاجر، وإنما منع إمامته للمهاجر، لأن أحوال الولاية بينهما كانت منقطعة لقوله تعالى: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا).
وروى أنه قال عليه السلام: أخروهن من حيث أخرهن الله.
فإن صلى خلف امرأة أعاد الصلاة عالمًا كان أو جاهلاً، وكذا لا يجوز للخنثى أن يأتم بالمرأة لاحتمال أن يكون رجلا، ويجوز للمرأة أن تأتم النساء، لأنها في مثل حالهن واستويا في نقص الأنوثة، بخلاف الرجال.
قوله: (ولا لخنثى الاقتداء بالخنثى).
قال القاضي حسين: لا يجوز للرجال وللخناثى لاحتمال أن الإمام كان امرأة، وأن المقتدى كان رجلا، فلو اقتدى به رجل أو خنثى أعاد الصلاة، ولو بان أنه كان رجلا ففي وجوب الإعادة جوابان:
أحدهما: تجب اعتبارا بالحال، والظاهر لا.
والثاني: لا اعتبار بالباطن، وبما ظهر في المآل، وإذا اقتدى الخنثى بامرأة، ثم تبين أن الخنثى امرأة، ففي وجوب الإعادة عليه جوابان أيضًا.
وها هنا مسألة يلغز بها، فيقال: جماعة من الخناثى يصلون جماعة، أين يقف إمامهم؟ فيقال: لا يتصور هذه المسألة، لأن الخنثى لا تقتدي بالخنثى لاحتمال أن يكون الإمام امرأة، والمأموم رجلاً.
ومن هذا القبيل يقال: أرت وألثغ أيهما يقدم فيقال: لا تتصور هذه المسألة، لأن الأرت والألثغ لا يجوز لأحدهما الاقتداء بصاحبه.
ومن هذا القبيل أيضًا رجالان: أحدهما يحسن النصف الأول من الفاتحة، والآخر يحسن النصف الآخر أيهما أولى بالإمامة؟
فقال: لا يصلى احدهما خلف الثاني، لأن كل واحد منهما أمي فيما يحسنه صاحبه من الفاتحة، واللغز من الألغاز وهو جحر اليربوع الذي إذا ارتمت من واحد منهما راعت إلى الأخرى.
وحكي أن أبا يوسف لما جلس إلى التدريس غاظ ذلك أبو حنيفة، فدس إليه عجوزة وقال لها: سلى أبا يوسف على ملأ من الناس عن رجل استأجر قصارا ليقصر ثوبه فقصره وجحد، فهل يستحق الأجرة أم لا؟
فإن قال: يستحق قولي له: أخطأت وإن قال: لا يستحق قولي له: أخطأت، فذهبت وسألته عن هذه المسألة فقال: يستحق الأجرة فقالت: أخطأت فسكت ساعة، ثم قال: لا يستحق الأجرة، فقالت، أخطأت، فقام مسرعا يجر رداءه حتى دخل على أبي حنيفة فلما رآه أبو حنيفة قال: ما أتي بك إلا مسألة القصار: هلا قلت: إن جحد بعد القصارة يستحق الأجرة، لأنه قصره للمالك، وجحوده لا يسقط عنه الأجرة، وإن قصر بعد الجحود لا يستحق شيئًا؛ لأنه قصر لنفسه.
قوله: وأكره إمامة الفاسق، والمظهر للبدع، ولا يعيد من ائتم بهما.
قال القاضي حسين: والصلاة خلف الفاسق تنعقد وتكره.
روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: جاهدوا مع كل أمير وصلوا خلف كل بر وفاجر.
وصلى ابن عمر خلف الحجاج فقيل له: أتصلي خلفه، فقال: إذا دعونا إلى الرحمن أجبناهم، وإذا دعونا إلى الشيطان تركناهم.
فأما أهل البدع ينظر فيه فإن كانت بدعة مستحسنة مثل أن قرأ طول النهار، وصلى آناء الليل والنهار، فإنه بدعة مستحسنة، فإن البدعة في اللغة هو الإحداث فإنه تجوز الصلاة خلفه وتستحب، فأما إذا صلى في الأوقات المنهية أو أذن في غير وقت الأذان، فإنه بدعة تكره الصلاة خلفه، وتجوز.
فأما أهل المذاهب المختلفة والمخالفون في الأصول ينظر فيه إن كنا نكفره باعتقاده لا تصح الصلاة خلفه، ومذهب أكثر الفقهاء ألا يكفر.
اختلف أهل القبلة إلا ما نص عليه الشافعي رحمه الله، وهم الذين ينفون علم الله تعالى بالمعدومات ويقولون: لم يعلم الله الأشياء حتى كانت، وهذا خلاف قوله تعالى (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه)، فيكفر بهذه المخالفة، وكذا من قال بخلق القرآن، أو لم يؤمن بالقدر أو اعتقد ان الله تعالى جالس على العرش، فإنه يحكم بكفره، ولا تصح الصلاة خلف هؤلاء.
قال: وكان القفال: رحمه الله يرى الصلاة خلف كل واحد المعتزلة والروافض للقبلة.
وكل من لا يكفر من أهل القبلة، والمظهر للبدع تقبل شهادته، وتكره الصلاة خلفه.
ومن سب النبي صلى الله عليه وسلم يكفر بذلك لقوله صلى الله عليه وسلم، من سب نبيا فد كفر، ومن سب صحابيا فقد فسق.
فأما من سب الشيخين، أو الحسينين ففيه وجهان:
أحدهما: يكفر، لأن الأمة اجتمعت على إمامتهم.
والثاني: يفسق لأجل الخبر، ولا يكفر.
ولا خلاف بأن من لا يحكم من أهل الأهواء، فإنا لا نقطع بتخليدهم في النار، وهل يقطع بدخولهم في النار أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لما روى أن النبي صلى الله لعليه وسلم، قال لعبد الله بن المغفل: إياك والحدث في الدين، فإن الحدث في الدين ضلالة وكل ضلالة في النار.
والله أعلم.
قال المزني: فإن أم أمي بمن يقرأ، أعاد القاريء، وإن ائتم به مثله، أجزأه.
قال المزني: رحمه الله: قد أجاز صلاة من ائتم بجنب، والجنب ليس في صلاة، فكيف لا تجوز صلاة من ائتم بأمي والأمي في صلاة، وقد وضعت القراءة عن الأمي، ولم يوضع الطهر عن المصلي؟ وأصله أن كلا مصل عن نفسه، فكيف يجزئه خلف العاصي بترك الغسل، ولا يجزئه خلف المطيع الذي لم يقصر، وقد احتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاعدًا بقيام، وفقد القيام أشد من فقد القراءة، فتفهم.
قال المزني: رحمه الله القياس أن كل مصل خلف جنب، وامرأة، ومجنون، وكافر، يجزئه، صلاته، إذا لم يعلم بحالهم، لأن كل مصل لا تفسد عليه صلاته بفسادها على غيره، قياسًا على أصل قول الشافعي في صلاة الخوف للطائفة الثانية ركعتها مع الإمام، إذا نسي سجدة من الأولى، وقد بطلت هذه الركعة الثانية على الإمام، وأجزأتهم عنده.
قال: ولا يكون هذا أكثر ممن ترك ام القرآن، فقد أجاز لمن صلى ركعة، يقرأ فيها بأم القرآن، وإن لم يقرأ بها إمامه فيها، وهو في معنى ما وصفت.
قال القاضي حسين: الأمي: اسم لمن هو على الهيئة التي ولدته الأم، إلا أنا نريد بالأمي من لا يحسن الفاتحة أو بعضها، وإن كان يحسن جميع القرآن، ويسمى من لا يحسن الكتابة أميًا، ولهذا سمى النبي صلى الله عليه وسلم أميًا، وهذا منقبة، وليس يكون بمنقصة له حتى لا يقال: إنما أخرجه من تلقاء نفسه وكيلا يتهم فيه، وتصح صلاة الأمي، ولا إعادة عليه، ثم ينظر إن أمكنه التعلم فقد بينا حكه فيما مضى، وإن أم لغيره نظر، فإن كان أميًا في مثل حاله صح، وإن كان أميًا غير أنه مخالف له بأن يحسن من الفاتحة، ما لا يحسنه، فحكمه حكم ما لو أم للقاريء، ففي الجديد لم يصح.
وفي القديم: إن كانت صلاته جهرًا لم تصح وإن كانت صلاته سرًا تصح والشافعي، رحمه الله اعتبر في القديم أن الإمام يعني التحمل، فإن مذهبه في القديم أن الإمام يتحمل القراءة عن المأموم في صلاة الجهر، فلم يصح اقتداؤه به فيها، لأنه لا يلزمه التحمل، وليس من أهل التحمل، وصح اقتداؤه به في صلاة السر؛ لأنه لا يتحمل عنه القراءة فيها.
ومن أصحابنا من خرج في الجديد قولا من معناه في القديم أنه يصح الاقتداء به في صلاة الجهر والسر؛ لأن الشافعي رحمه الله اعتبر في القديم معنى التحمل.
وفي الجديد لا يتحمل عن المأموم في الجهر والسر ها هنا صلاة الجهر في القديم، وهذا إنما يخرج على طريقة من يقول: إذا نص الشافعي رحمه الله في الجديد على خلاف ما نص عليه في القديم لم يكن رجوعًا عما نص عليه في القديم، وفيه قولان:
أحدهما: هذا.
والثاني: يكون رجوعًا كما لو صرح، وقال: رجعت عنه.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله: لا يجوز للقاريء أن يقتدي بالأمي، وفرع عليه
فقالوا: لو اقتدى جماعة من الأميين بأمي فجاء قاريء، فاقتدى به معهم بطلت صلاة الكل، لأنه ألزمه تحمل القراءة عنه، وهو ليس من أهل القراءة والتحمل عنه، فصار كأنه ترك ركنًا في صلاته، فبطلت صلاته، وإذا بطلت صلاته بطلت صلاة من خلفه من المأمومين، ولهذا قال بعضهم: لو وجد الأمي قارئًا يقتدي به لا تجوز منفردًا، لأنه وجد من يحتمل عنه القراءة، ويسقطها عنه.
واختار المزني هذا المذهب، واحتج عليه بفصول:
منها: أن الصلاة تصح خلف الجنب، والمحدث مع أن الصلاة للإمام غير محسوبة، فلأن تصح خلف الأمي وهي محسوبة له أولى، وأكده بأن الجنب واملحدث يعصيان لله تعالى بالشروع في الصلاة إذا علمها حقيقة الحال، وانعقدت الصلاة خلفهما، فالأمي الذي هو مثاب على عقد الصلاة، ووضع القراءة عنه، لأن تنعقد الصلاة خلفه أولى.
واحتج أيضا بأن القائم يصلي خلف القاعد، وكذا القاريء يصلي خلف الأمي، وأكده بأن فقد القيام أشد من فقد القراءة، بدليل المسبوق، فإنه يدع القراءة إذا أدرك الإمام في الركوع، ولا يسعه ترك القيام، واحتج أيضا بأن الشافعي، رحمه الله نص على أن الامام إذا أدرك سجدة من الركعة الأولى في صلاة الخوف، فاقتدت به الطائفة الثانية صحت لهم تلك الركعة، وهي غير محسوبة عن الامام لترك السجدة من الأولى، وصلاة الأمي محسوبة له، فلأن تصح الصلاة للقاريء خلفه أولى، واحتج أيضا على أن الإمام أن ترك ام القرآن مع القدرة عليه بأن كان حنفي المذهب صحت صلاة القاريء خلفه، وترك الأمي، القراءة ليس بأكثر من ترك القاريء ذلك.
قال القاضي رحمه الله: وكان القفال، يحتج بهذا النص على جواز الصلاة خلف الحنفي، وإن لم يقرأ بأم القرآن، وهو صريح فيه، وإذا منعنا الصلاة خلف الحنفي، فالنص محمول على أنه إذا نسي القراءة، فقرأها المأموم، وإنما صحت صلاته، لأنه معذور فيه، ولا تصح للإمام الركعة التي نسي فيها القراءة.
وأما الصلاة خلف الجنب والمحدث إنما صححناها، لأن الجنب والحدث ليس بنقص يحل ذات الامام، فلم يمنع صحة الصلاة خلفه وكونه أميا نقص في ذاته، فضاهي الكفر والأنوثة، وأيضا إن الحدث والجنابة مع الطهارة يتعقبان على الإنسان، فإنه يكون متطهرًا في حالة، فيصير محدثا فيها، ثم يصير متطهرًا وهو مما يخفى ولا يظهر، فلا يمكنه أن يطلع عليه غالبًا، فينسب إلى التفريط، وإن غفل عنه، بخلاف ما نحن فيه، فإن كونه أميًا أو قارئًا لا يتعاقبان، فإن الإنسان لا يكون في حالة قارئًا، ثم يصير أميًا فيها، ثم يعود قارئًا فيها، وهو مما يظهر ويطلع عليه في الغالب، فانتسب إلى التفريط، فأما القعود إنما يمنع اقتداء القائم به؛ لأن العجز عن القيام يعارض أمرًا ليس بنقص على البدن، يدل عليه أنه عليه السلام صلى قاعدًا بالناس، فلم يمنع اقتداء من هو أكمل حالا منه به، بخلاف ما نحن فيه، وأيضا حكم القائم أخف من حكم القراءة فإنه يجوز ترك القيام مع القدرة عليه في صلاة التطوع فقط لا يجوز ترك القراءة مع القدرة عليها، والمعنى فيه انه معذور بترك القيام عند العجز، بخلاف ترك القراءة فإنه غير معذور فيه.
والمسبوق كما يترك القراءة يترك القيام إذا وجد الإمام في الركوع وما أتى به من القيام ليس بقيام القراءة، بل هو قيام التكبير يدل على أنه معذور به دون القراءة، وأن ما صحح الشافعي رحمه الله صلاة الطائفة خلفه بأنهم معذورون فيه، ولم يحيطوا علمًا بنسيانه، فلم ينسبوا إلى التفريط بخلاف القاريء.
وأيضا السهو والغلط ليس بنقص بخلاف الذي نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضع بخلاف كونه أميا، وإنما صحح الصلاة خلف من ترك الفاتحة، لأنه متعين مجتهد فيه، فإذا اعتقد أقام غيرها مقامها، قيل بأنه معذور فيه حتي لو أمكن للمأموم أن يعلم أنه لا يقرأ شيئا لا يصح اقتداؤه به.
فرع
لو اقتدى رجل برجل لا يعلمه قارئًا أو أميًا، قال أصحابنا: إن كانت صلاته سرًا صحت صلاته، لأنه لا يجهر فيها بالقراءة، وظاهر حاله أنه يحسنها أتى بها، وإن كانت صلاة جهر لم تصح، لأن عجزه عن القراءة ظاهر، والأصل في الناس الأمي، فيقوى هذا الأصل بتركه الجهر، بخلاف ما إذا كانت الصلاة صلاة سر، فلو أسر في صلاة الجهر ثم قال: إنما لم أجهر فيها بالقراءة لعلم بأن الجهر ليس بواجب، وقال: قرأت فيستحب أن يعيد الصلاة، ولا يوجب عليه الإعادة، لأن الإمام كان أميًا، في الإمامة.
ولو قال له: كنت جنبا أو محدثًا لا يجب على المأموم الإعادة إذا لم يعلم بذلك حال ما كان في الصلاة، لأنه لو تحقق ذلك منه بعد الفراغ من الصلاة لا تلزمه الإعادة، وكذا لو أقر به، والمعنى ما بيناه من أنه يمكن الوقوف عليه بخلاف ما نحن فيه.
قال المزني: قال الشافعي: رحمه الله فإن ائتم بكافر، ثم علم أعاد ولم يكن هذا إسلاما منه، وعزر، لأن الكافر لا يكون إماما بحال، والمؤمن يكون إمامًا في الأحوال الظاهرة.
قال القاضي حسين: صلاة الكافر لا تنعقد، وتلزمه الإعادة إذا بان إمامه كافرا؛ لأن الكافر له علامة يمتاز بها عن المسلمين، والكفر لا يخفى، لأن الكافر يباهي المسلمين بدينه، ويناظرهم عليه، فإذا غفل عنه انتسب إلى التفريط بخلاف الجنابة على ما بينا، نظيره الكافر الذي يستسر كفره مثل القرامطة والزنادقة وغيرهم، فإذا صلى خلفه جاهلا بحاله، ثم بان له حقيقة الحال لا تلزمه الإعادة لما قلنا.
واختار المزني رحمه الله أنه إذا صلى واحدا فبان كافرًا أو خنثى أو امرأة لا تلزمه الإعادة إذا كان جاهلا بالحال وقاس على ما لو بان جنبا أو محدثا؛ لأن كل صلى لنفسه، والفرقان ما بيناه من الخفاء والظهور.
وفرق الشافعي بين الكافر والمسلم المحدث بأن الكافر لا يكون إمامًا بحال، والمسمل قد يكون إماما في الأحوال الظاهرة، وفي بعض النسخ: في الأحوال الطاهرة.
وإنما أرد به أنه لا يؤم إلا متطهرًا في الغالب: ومن قرأ الظاهرة أن الظاهر حاله إذا أم أنه يكون بصفة الإمامة، ثم إذا أم الكافر لا يحكم بإسلامه عندنا إذا كان في دار الإسلام، وكذا لو صلى منفردًا، لأنه يتصور أنه أراد به الاستهزاء بالمسلمين.
ولو صلى في دار الحرب يحكم بإسلامه لعدم هذا المعنى، فأما في دار الإسلام فلا، إلا أن تسمع منه الشهادة في قراءة التشهد حينئذ يحكم بإسلامه لا بقراءته ما سواه من القرآن، ولو أذن وأتى بكلمة الشهادة يحكم بإسلامه، ولو قال: أشهد أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله لا يحكم بإسلامه.
وقال أبو حنيفة: رحمه الله، إذا صلى الكافر بالجماعة حكم بإسلامه، وإذا صلى بانفراده منفردًا في المسجد ففيه روايتان، ولو صلى في داره لا يحكم بإسلامه.
فأما المسلم إذا سجد للصنم أو عظمه في دار الحرب نظر فيه إن كان حواليه كفار يحملونه عليه، أو كان أسيرًا يشبه أن يكون مكروهًا على ما يتعاطاه من المحظورات الإسلام لم يحكم بكفره، وإن عدمت إمارة الإكراه أو كان ناج حكم بكفره، لأن المسلم لا يستجيز في عقيدته أن يشبه بالكفار بارتكاب محظورات الإسلام محاكاة لهم، واستهزاء بهم، فإقدامه عليه يؤذن بخبث سريرته، وكفر سابق كان يخفيه، بخلاف الكافر، فإنه قد يتشبه بالمسلمين فيما عليهم من العبادات محاكاة لهم، واستهزاء بهم، فاحتمل ذلك منهم غير الإسلام، فلم يجعل إسلامًا، وهذا نكتة المسألة الحقيقة، لأن كل ما تردد بين مسألتين لا يحمل على أحدها، وفعل الكافر هذا العبادات تردد بين ما قالوا وما قلناه من المحاكاة، قيل: الأظهر أنه فعله استهزاء، فلا يحكم بإسلامه، فالمسلم في دار الإسلام إذا تغسل بغسل الكافر، وتقلس مثلهم بقلنسوة المجسو، أو شيء من
غير الكفار، فإنه يحكم بكفره، لأنه لولا اعتقاده الخبيث لما فعله ظاهرًا، والله أعلم بالصواب والمآب.
قال المزني: قال الشافعي رحمه الله ومن أحرم في مسجد أو غيره، ثم جاء الإمام فتقدم في جماعة فأحب إلي أن يكمل ركعتين ويسلم يكونان له نافلة ويبتديء الصلاة معه.
قال القاضي حسين: قصد بهذا بيان أن الصلاة لا تختص بالمساجد، وأن فعلها جائز في غير المساجد خلاف ما ذهب إليه اليهود، فإنهم لا يجوزون الصلاة في غير المساجد.
والأظهر أنه قصد بيا أن قوله عليه السلام: لا صلاة لجاز المسجد إلا في المسجد، في نفي الفضيلة والكمال، دون نفي الجواز، لأنه لا يقصد به الرد على اليهود في فرع من فروع الدين.
وإذا افتتح الصلاة منفردًا، ثم حضرت الجماعة يستحب له أن يكمل ركعتين، ويسلم تكونان نافلة، ويستبديء مع الجماعة ليحوز فضيلة الجماعة، ثم فيه ثلاث مسائل:
إحداها: أن يسلم من ركعتين من غير أن يغير نيته الأولى، فتبطل صلاته، لأنه سلم في خلال معقود صلاته.
والثانية: أن يترك نية الفريضة، فلا يغير نية الأصل فيه، فتصح صلاته نافلة وترتفض الفريضة.
والثالثة: ان يغير نية الفرض إلى النافلة، فظاهر النص، أنها تقلب نافلة، ولا تبطل، وقد ذكرنا في نظائرها قولين، فيخرج من هذه المسألة قول آخر: انها تبطل، والأصح هو الأول، هذا قوله الجديد.
قال المزني: وكرهت له أن يفتتحها صلاة انفراد، ثم يجعلها صلاة جماعة، وهذا يخالف صلاة الذين افتتح بهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذكر فانصرف فاغتسل ثم رجع فأمهم لأنهم افتتحوا الصلاة جماعة، وقال في القديم، قال قائل يدخل مع الامام، ويعتد بما مضى.
قال المزني: قلت أنا: هذا عندي على أصله أقيس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن في صلاة، فلم يضرهم، وصح إحرامهم، ولا إمام لهم، ثم ابتدأ بهم، وقد سبقوه بالإحرام، وكذلك سبقه أبو بكر ببعض الصلاة ثم جاء فأحرم، وائتم به أبو بكر، رضي الله عنه وهكذا يقول الشافعي بهذين الحديثين.
وهو القياس عندي على فعله صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي حسين: قد ذكرنا في هذه المسالة قوله الجديد أنه يسلم عن ركعتين، ولا يجوز أن يصلي صلاة انفراد بصلاة الجماعة.
وقال في القديم: يصل صلاته بصلاة الإمام، لأنه نص، وقال: لو قال قائل: يدخل مع الامام ويعتد بما مضى، فاختلف أصحابنا في هذه المسألة على طرق، فمنهم من جعل فيها قولين:
أحدهما: يجوز، لأن النبي صلى الله عليه وسلم افتتح الصلاة بالناس، فذكر الجنابة فخرج من الصلاة، وكانت صلاة القوم انعقدت صلاة الانفراد، ثم وصلوها بصلاته عليه السلام ولما روى أنه عليه السلام دخل المسجد، وأبو بكر افتتح الصلاة بالناس في مرضه الذي توفي فيه، وحين خرج إلى بني عمر وبني عوف ليصلح بين قبيلتين، فتأخر أبو بكر، وتقدم هو عليه السلام، وافتتح الصلاة، ووصل أبو بكر صلاته بصلاته، وهذا اختيار المزني، وقوله القديم لا يجوز، لأنه يؤدي إلى تضاد الأحكام، لأنه يكون ربما وقع له سهو في حالة الانفراد، والإمامة دونه، وغير ذلك من الأحكام، ومن قال به أجاب عن
الحديث بأن الناس كانوا قد افتتحوا صلاة الجماعة، ثم وصلوها بصلاة الجماعة، وكلامنا في صلاة الانفراد إذا وصلها بصلاة الجماعة في أصل القولين، فمنهم من قال: يبنيان على الصلاة خلف إمامين.
وفيها قولان: ولا نعني بالصلاة خلف إمامين أن يتقدم إمامان، فيفتتح الصلاة خلفهما، وإنما نعني به أن تقع للإمام علة، فيخرج من الصلاة، ويستخلف من يصلي بالقوم، إلا أن هذا البناء غير صحيح، لأن جواز الاستخلاف قول جديد، وجواز وصل صلاة الانفراد بصلاة الجماعة قول قديم، ولا يجوز بناء القديم على الجديد.
ومنهم من قال: القولان يبنيان على أنه أخرج نفسه عن صلاة الإمام، وفيها قولان، وجه البناء أن هناك يصلي بعض صلاته مع الإمام دون البعض، وها هنا بمثابة، وهذا أيضا لا يصح، لأن الخروج من صلاة الإمام تحصيل من غير فعله، وقصده بخلاف شرعًا، وهو المسبوق ببعض الصلاة يسلم إمامه فيخرج من صلاته فجاز أن يحصل بفعله وقصده، بخلاف الوصل بصلاة الإمام، فإنه لا يحصل بالشرع من غير فعله وقصده، فكذا بقصده.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز وصل الانفراد بصلاة الجماعة قولا واحدًا.
وقوله رحمه الله محمول على كراهية التحريم.
وقوله في القديم: ويعتد بما مضى حكاية مذهب الغير، وهذا إنما يخرج على قولنا الذي يقول تنصيصه في الجديد على خلاف ما نص عليه في القديم، لا يكون رجوعًا عما نص عليه في القديم، فإن الشافعي نص في الجديد على جواز الاستخلاف، وفي القديم على منعه، فمعنى مذهبه في القديم في منع الاستخلاف مع تنصيصه على المنع من وصل صلاة الانفراد بصلاة الجماعة، في الجديد أوجب منع الوصل قولاً واحدًا.
ومنهم من قال: وصل صلاة الانفراد بصلاة الجماعة جائز قولا واحدًا، والمراد بالكراهية كراهية التنزيه، وما قاله في القديم ذكر مذهب نفسه، وهذا إنما يخرج على القول الذي يقول: إن تنصيصه في الجديد على خلاف ما عليه في
القديم، وقد نص في الجديد على جواز الاستخلاف، فجعل ذلك رجوعًا عما نص عليه في القديم من منع الاستخلاف.
ومن أصحابنا من جعل في المسألة قولين من غير البناء، والقائلون بطريق القولين اختلفوا في محلها.
فمنهم من قال: محل القولين فيما إذا كان هو والإمام في الركعة الأولى من الصلاة، فأراد وصل صلاته بصلاته، فأما إذا كان المأموم في الركعة الثانية، والإمام في الأولى لا يجوز قولا واحدًا، لأنه يختلف نظم صلاتهما، لأن محل الجلوس للتشهد في صلاة كل واحد منهما، بخلاف محل الجلوس للتشهد في صلاة صاحبه.
ومنهم من قال القولان فيما إذا كان الإمام في الركعة الأولى، وهو في الركعة الثانية، فأما إذا كان معًا في ركعة واحدة، إما في الأولى، أو في الثانية جاز الوصل قولا واحدًا.
ومنهم من جعل في الكل قولين، فإذا جوزنا وصل صلاة الانفراد بصلاة الجماعة، فعليه أن يراعي نظم صلاة الإمام، يجلس في محل جلوسه حتى لو كان الإمام في الركعة الثانية، وهو في الأولى، فإذا جلس الإمام في التشهد الأول ساعده فيه، وإذا كان الإمام في الركعة الرابعة، وجلس يتشهد، وهو في الثالثة يتابعه في الجلوس، ثم يقوم لقضاء ما عليه إذا سلم الإمام كالمسبوق سواء.
ولو كان في الركعة الرابعة، والإمام في الثانية، فإذا قام الإمام إلى رابعته هو بالخيار بين أن يخرج نفسه من صلاته ويتشهد ويسلم، وبين أن يصبر حتى يفرغ الإمام من الرابعة، ويسلم معه.
وإن كان قد سها في حالة الانفراد يلزمه سجود السهو في آخر صلاته إذا سلم الإمام، وإن كان قد سها إمامه في حالة انفراده عنه، فحكمه حكم المسبوق يتابع الإمام في سجود السهو.
ولو كان عليه سجود السهو يسقط عنه بذلك، وإن سها إمامُه بعد أن دخل في الصلاة معه، فيلزمه سجود السهو، لأن سهو الإمام أوقع خللا في صلاته.
قال القاضي رضي الله عنه وقول الشافعي رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم افتتح بهم الصلاة جماعة في خبر أنه عليه السلام تذكر الجنابة إنما أورده دليلا على قوله القديم، بأنه يجوز للمنفرد أن يصلي صلاته بالجماعة.
ومن قال بالجديد يقول: لا حجة في هذا الخبر، لأن الراوي قال: افتتح بنا الصلاة، وإذا انعقدت صلاتهم جماعة، فلا يكون هذا وصل صلاة المنفرد بالإمام، إلا أنه يجاب عنه بأنه وإن افتتح بهم الصلاة طاهرًا، ففي الباطن كأن صلاتهم قد انعقدت منفردين؛ لأن الإمام بان جنبًا، ثم عاد متطهرًا، وصلوا صلاتهم بصلاته.
قال رضي الله عنه: لو أن رجلا افتتح الصلاة بقوم، واقتدى القوم به، ثم تذكر الإمام أنه نسي النية، وكبر من غير نية كنت أقول قبل هذا: إنه ينوي، ثم يكبر سرًا، والقوم غير عالمين يتابعونه قياسًا على ترك الطهارة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن متطهرًا، ثم تطهر، والقوم ما أحدثوا نية الاقتداء به، وترك النية كترك الطهارة في منع انعقاد صلاة الإمام، ثم هم وصلوا صلاتهم بصلاته، فكذلك هذا مثاله، وحكم صلاة القوم ها هنا حكم صلاة الذين كانوا خلف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم والآن رجعتُ عن هذا، وأقول قولا واحدًا على قوله القديم: لا يجوز له أن يفعل هذا، ولو فعل يعصي، بل عليه أن يخبر القوم، وليس كصلاته، صلى الله عليه وسلم، بالقوم، لأنه عليه السلام أخبر القوم، والقوم لما علموا وصلوا صلاتهم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم وها هنا القوم غير عالمين بفعل الإمام، فلم يحدثوا نية الاقتداء به، فعلى هذا لا يخلو إما أن يكون إما أن يكون أخبرهم، أو لم يخبرهم، فإن لم يخبرهم عصى الله تعالى، وصح صلاة القوم منفردين، وإن أخبرهم ونووا، وافتتح الصلاة، فليس للقوم أن يبطلوا صلاتهم؛ لأنها منعقدة، ولا أن يقتصروا على ركعتين، ثم ينظر إن لم يحدثوا
نية الاقتداء وتابعوه حكمهم حكم رجل لم ينو الاقتداء، ووقعت أفعالهم على أفعال صلاة الإمام.
وإن أحدثوا نية الاقتداء على قوله الجديد لا يجوز.
وفي قوله الجديد يجوز، ولو كانت الصلاة جمعة وجب عليه أن يخبرهم بذلك، حتى يحدثوا النية، لأن نية الاقتداء بالامام فيها واجبة، وإذا جوزنا للمنفرد أن يصل صلاته بصلاة الجماعة وجب عليه نية الاقتداء، بخلاف ما إذا استخلف الامام رجلا في خلال صلاته، حيث لا يجب على القوم أن يحدثوا نية الاقتداء به؛ لأن هناك قد اقتدوا بالإمام، والمستخلف يبني صلاته على صلاة الإمام، بخلاف ما نحن فيه، والله أعلم بالصواب.
باب موقف المأموم مع الإمام
.
قال المزني: قال الشافعي رحمه الله: وإذا أم رجل رجلا، قام المأموم عن يمينه، وإن كان خنثى مشكلا، أو امرأة، قام كل واحد منهما خلفه وحده.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم أم أنسا، وعجوزا منفردة خلف أنس بن مالك، وركع أبو بكر وحده، وخاف أن تفوته الركعة، فذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يأمره بالإعادة.
قال القاضي حسين: قد ذكرنا أن فضيلة الجماعة تحصل باثنين.
قال عليه السلام: الاثنان فما فوقها جماعة.
وكلما كثرت الجماعة فهو أفضل عند الله تعالى، فإن كانا اثنين،
فالمستحب أن يقف المأموم على يمين الإمام، فلو وقف خلفه أو على يساره، فقد ترك السنة وتجزئه والسنة للإمام أن يقف متقدمًا على القوم، بخلاف إمامه النساء، ولو وقف وسطهم يكره، ويجوز حتى لو جاء مسبوق، ولا يعرف من الإمام فاقتدى بمن هو الإمام لا يجوز، بخلاف ما لو كان الإمام متباعدًا عنه، وهو لا يرى لكثرة القوم يجوز له أن يقتدي بمن هو الإمام، والفرق أن في المسألة الأولى ما من أحدٍ إلا ويتصور عنده أن يكون إمامه، بخلاف هذه، والأصل في الوقوف على يمين الإمام ما روى ابن عباس رضي الله عنه، أنه قال: بعثني أمي إلى دار خالتي ميمونة لحاجة عشاء، وكانت تلك الليلة نوبتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصدتها، وكان قد دخل الليل، فأردت الانصراف فخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الليل لحداثة سني فقال: أقم عندنا هذه الليلة، فأقمت فلما أذن المؤذن لصلاة العشاء خرج النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء، فخرجت معه وصليت، فلما فرغ من الصلاة رجع إلى البيت وجلس ساعة، وسامر أهله، ثم نام هو وأهله في طول الوسادة، وإنما نمت على عرضها، فلما انتبه صلى الله عليه وسلم من نومه استوي جالسا ومسح النوم من عينيه بيده، وقرأ خواتيم سورة آل عمران، إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار، إلى آخرها، ثم قام إلى شن معلق في البيت فيه ماء، فتوضأ به، وافتتح الصلاة، وقمت وتوضأت، وافتتحت الصلاة معه، ووقفت على يساره فمد يمينه من ورائه، وأخذ بأذني وفتلها وجرني من ورائه، وأقامني على يمينه، وصلى ركعتين، ثم صلى ركعتين هكذا خمس مرات، ثم أوتر بواحدة، وسلم ونام حتى غط وفي رواية حتى نفخ، وفي رواية: حتى سمعنا غطيطة، فلما أن حان وقت الصلاة جاء المؤذن ونادى، الصلاة الصلاة، فقام وصلى ركعتين، فقلنا له: نمت يا رسول الله فقال: تنام عيناي ولا ينام قلبي، فخرج إلى الصلاة.
وفي هذا الحديث فوائد منها:
أن الوتر ركعة واحدة، وأن المستحب أن يقف المأموم الواحد على يمين
الإمام، وأنه لو وقف خلفه، أو يساره لم يضر صلاته، لأن ابن عباس رحمه الله كان على يساره في أول الصلاة، وكان خلفه وقت الأذان، وأن المأموم لا يجوز أن يتقدم على الإمام، لأنه عليه السلام جره من ورائه دون قدامه، ولو جاز التقدم على الإمام لكان يجذبه من قدامه، إذ هو أسهل عليه، وأن الاضطجاع مع امرأته على فراش واحد سنة، وإذا تنبه أن يمسح عينيه باليد، ويقرأ خواتيم سورة آل عمران، وأن السنة أن يصلي الإنسان ركعتين ركعتين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم تنام عيناه، ولا ينام قلبه، فلو كان المأموم رجلا وامرأة، فالرجل يقف على يمين الإمام، والمرأة خلف الرجل، ولو كان المأموم رجلا وامرأتين، فالرجل يقف على يمينه، والمرأتان خلف الرجل، وإن كان رجلا وخنثى وامرأة، فالرجل يقف على يمين الامام والخنثى خلف الرجل، والمرأة خلف الخنثى، ولو كان رجل وصبي، فيقفان خلفه، ولو كان جماعة من الرجال، وجماعة من الصبيان، وجماعة من الخناثى وجماعة من النسوان، فالرجال يقفون خلف الامام، ثم الصبيان خلفهم، ثم الخناثى، ثم النسوان خلف الخناثى.
وروى عن أنس أنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت أم حرام بنت ملحان فقدم إليه سمن وتمر، فقال عليه السلام: ردوا التمر في وعائكم، والسمن في سقائكم فإني صائم، ثم صلى فوقف على يمينه وأم حرام وأم سليم خلفنا.
وحكى عن ابن مسعود أنه قال: إذا كان المأموم رجلين يقف أحدهما على يمين الإمام، والآخر على يساره.
وبما روى عن عقلمة انه قال: دخلت انا مع صاحب لي على عبد الله بن
مسعود، فصلى بنا، فقام أحدنا على يمينه، والآخر على يساره، ثم قال: هكذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا كان المأموم رجلا واحدا وقف خلف الامام لم يضر صلاته.
وحكى عن أحمد بن حنبل أنه قال: إذا وقف خلف الصف منفردًا بطلت صلاته فاحتج بما روى أن رجلا وقف خلف الصف، فقال له عليه السلام: أيها الواقف خلف الصف هلا اتصلت بالصف، أو جررت رجلا من الصف ليصلي معك أعد الصلاة.
دليلنا: ما روينا في حديث ابن عباس أنه قال: جرني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يمينه، فكان وقت الإدارة خلف النبي صلى الله عليه وسلم ولما روى أن أبا بكر رضي الله عنه دخل المسجد وكان النبي صلى الله عليه وسلم في الركوع، فخاف أن تفوته الركعة، فافتتح الصلاة منفردًا عن الصف، ثم اتصل بالصف، فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم قال له: زادك الله حرصًا ولا تعد.
وفي رواية: ولا تعد، ولأنه نوع خطأ في الموقف لا يخرجه عن حد المتابعة فلا يمنع صحة الصلاة، كالمأموم الواحد إذا وقف على يسار الإمام،
وفيه احتراز عن الخطأ بالتقدم، لأنه خطأ يخرجه عن حد المتابعة، وقوله عليه الصلاة والسلام: لا صلاة لمنفرد خلف الصف، حكاية حال يحتمل أنه قال بعض المنافقين، انفرد عن الصف، أو قاله لمنفرد خلق الصف لم يكمل الركوع والسجود.
والخبر الثاني محمول على الاستحباب بدليل ما روينا.
وإذا تقدم المأموم على الإمام، ففي صحة صلاته قولان:
أظهرهما: وهو قوله الجديد، وبه قال أبو حنيفة أنها باطلة، كما لو خالفه في الأفعال.
والقول الثاني: وهو قوله في القديم، ومذهب مالك صحت صلاته.
واحتج مالك بأن الإمام بـ (مكة) يقف خلف المقام، والناس مستديرين بالكعبة، وفيهم من يكون أقرب إلى الكعبة من الإمام، وكذلك يصلون في البيت، والإمام متوجه إلى جهة، والمأموم إلى جهة أخرى أقرب إلى الجدار من الامام، فدل على أن التقدم على الامام لا يبطل الصلاة، والفرق ظاهر أن هناك لم يتقدم على الإمام في الجهة التي تقدم الإمام إليها، ثم العبرة في التقدم والتأخر بالعقب دون الأصابع، حتى لو قام المأموم بجنب الامام، وكان عقبه محاذيًا لعقبه، ولا يتقدم عليه جاز، ولو كان رءوس أصابع المأموم أطول واقرب إلى القبلة لا يضر حين استويا في العقب، وبمثله لو كان المأموم قصير الأصابع تقدم على الإمام بالعقب، وتأخر عنه بالأصابع جعل متقدمًا عليه، وإذا تقدم المأموم على الإمام بجزء قليل من العقب، فعلى وجهين: أحدهما: يجعل متقدما بتقدمه عليه.
والثاني: لا؛ لأن هذه مخالفة لا تظهر، كما أن ما لا يظهر من المخالفة في الأفعال لا يضر، كذا ها هنا مثله.
فأما المأموم الواحد إذا اقتدى بالإمام فجاء مسبوق، فالسنة أن يتأخر عن يمين الإمام، ويقفا خلفه.
قال القفال: الإمام يتقدم قليلا دون المأموم، لأن الإمام يرى قدامه، فإذا تقدم لا يضره شيء، بخلف المأموم، فإنه لا يرى ما خلف ظهره، فإذا تأخر بما يضره شيء، فأما إذا صلى خلف الإمام صفا واحدًا، فدخل جماعة وجدوا ما بين الإمام والمأمومين أكثر مما بين الصفين من البعد، فيجوز لهم أن يتقدموا صفا بين الإمام والمأمومين؛ لأنهم قد ضيعوا حقوقهم بوقوفهم على البعد من الإمام.
فأما إذا لم يكن بينهم، وبين الإمام إلا قدر ما بين الصفين، فيكره لهم الوقوف هناك، بل يقفون خلف الصف الأول، ولو دخل رجل والقوم في الصلاة، فإن لم يجد فرجة في الصف، فالمستحب له أن يجذب واحدًا من الصف ليقف بجنبه، ولو صلى منفردًا خلف الصف يجوز، وقد ذكرنا خلافا لأحمد.
قال القاضي حسين: أراد به ردًا على أبي حنيفة حيث قال: تبطل صلاة من خلفها ومن كان بجنبها.
وقريء: وإن صلى وبين يديه امرأة أراد به ردًا على أحمد بن حنبل، حيث قال: إذا مر بين يدي المصلى كلب أسود، أو حائض أو أتان بطلت صلاته، واحتج بما روى أنه عليه الصلاة والسلام قال: لا يقطع صلاة المرء إلا ثلاث الكلب الأسود، والأتان والحائض.
وعندنا: هذا منسوخ بخبر عائشة، رضي الله عنها وروى أنها لما بلغها هذا الحديث قالت: بئس ما عدلتمونا بالكلاب، كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة، فكان إذا سجد غمز رجلي فقبضتها، وإذا قام مددتها.
وقد ذكرنا أن المستحب ان يتخذ المصلي سترة بين يديه بقدر مؤخرة الرحل شبرين أو ثلاثة، وإذا اتخذ سترة لا يأخذ من المكان إلا قدر ما يتسع لسجوده، ولو ترك اتخاذ السترة لم يكره للمار أن يمر بين يديه، لأنه الذي ضيع حقه بترك السترة.
وهذا كما قال الشافعي رحمه الله: لو تركوا فرجة في الصف الأول، ولم يسدوها، كان لمن دخل أن يخرق الصفوف، ويسد تلك الفرجة، لأنهم ضيعوا حقوقهم بترك الفرجة في الصف الأول، وإن كان المصلى في الصحراء يغرز خشبة بين يديه إن قدر عليها، وإلا يخط خطا، والله أعلم بالصواب.
فصل: في وجوب متابعة الإمام وما يبطل الصلاة من مخالفة الإمام بالتقدم والتأخر
روى أنه قال عليه الصلاة والسلام: إنما جعل الإمام ليؤتم به، لا تختلفوا عليه.
ثم المأموم لا يخلو إما أن يكون مسبوقًأ، أو موافقًا، فإن كان موافقًا، فخالف إمامه، فلا يخلو إما ان خالفه بالتقدم، أو التأخر.
فإن خالفه بالتأخر، فلا يخلو إما أن يكون معذورًا، أو غير معذور.
فإن كان غير معذور وتأخر عن الإمام، ما حكمه؟
نص على أنه إذا سبق الإمام بركين بطلت صلاته، وهل يعد الاعتدال من الركوع في هذا المعنى ركنا، أو لا يعد ركنا حتى يهوي إلى السجود؟
فعلى وجهين، فخرج من هذا أن المأموم إذا مكث في القيام حتى ركع الإمام ورفع رأسه من الركوع، وسجد بطلت صلاته، فقبل أن يسجد بعد الاعتدال من الركوع هل تبطل صلاته أم لا؟ فعلى وجهين:
أحدهما: بلى؛ لأن الاعتدال من الركوع ركن كما أن الركوع ركن.
والثاني: لا؛ لأنه ليس بركن مقصود، وإنما هو للفصل بين الركوع والسجود، فعلى هذا تبطل صلاة المأموم، المتخلف بحصول الامام في السجود، وقبل ان يرفع رأسه منه أم لا تبطل قبل أن يرفع رأسه من السجود؟