وقال محمد وأحمد: ما يؤكل لحمه طاهر بوله، وزاد أحمد أن عذرته أيضا طاهرة، دليلنا ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه.
ولم يفصل أو يقول: حيوان محرم الدم، فكان نجس البول قياسًا على غير مأكول اللحم.
واحتجوا بما روى أن قومًا من العرنيين أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فاستوخموا المدينة فاصفرت ألوانهم، ونحلت أجسامهم، وانتفخت بطونهم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم، لو خرجتم إلى إبل الصدقة وشربتم، من أبوالها وألبانها، فإنها لشفاء لذربة بطونكم، فخرجوا إلى إبل الصدقة وشربوا من أبوالها وألبانها.
فثابت إليهم نفوسهم، وصحت أجسامهم، فقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم، واستاقوا الإبل، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم، في أثرهم حتى ردوا، وأمر حتى قطعت أيديهم وأرجلهم، وسملت أعينهم، وألقوا في الرمضاء، فكانوا يرمضون
الحجارة، ويستسقون، فلا يسقون إلى أن ماتوا عطشًا، فنزل قوله تعالى: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ...).
ونهي عن المثلة.
قال عمران بن حصين: ما قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم خطيبًا إلا كان يبحثنا على الصدقة، وينهانا عن المثلة.
والجواب هو إنما شربوا في وقت الحاجة والضرورة للتداوي، ونحن نبيح شرب البول للضرورة.
ويحتجون بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عليه السلام قال: إن في أبوال الإبل وألبانها شفاء للذرب، وهو فساد المعدة، ويروى: فساد للذربة بطونهم فجعل فيها.
وقد قال عليه السلام: إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم.
فلو كانت حرامًا ما وقع بها الشفاء.
والجواب هو أنه أباح شربها عند الحاجة، ولا يصفها بالتحريم في وقت
الحاجة، بل يبيحها كالميتة تباح للمضطر، فلم يكن الشفاء، في المحرم، بل كان في المباح.
فأما ما ليس له نفس سائلة مثل النمل والخنفساء ففي دمها وذرتها وجهان، بناء، على أن ميتة ما ليس له نفس سائلة نجسة أو طاهرة.
وفيه قولان:
فأما البيض المنفصل عن الطائر، إن كان غير مأكول اللحم، فنجس، ولا يطهر بالماء.
ولو كان مأكولا، فهو طاهر في الأصل، ثم ينظر، إن سقط منها في مكان نجس، يجب غسله بملاقاته النجاسة، وإن سقط منها في مكان طاهر، فهل يجب غسله أم لا؟
فوجهان بناء على أن بلل باطن الفرج طاهر أم نجس؟
وفيه وجهان، كما في بلل باطن فرج النساء.
فأما الأنفحة، إذا ذكيت السخلة، وأخرجت منها طاهر، وإن ماتت، ثم أخرجت منها فهي نجسة، فإن قيل: لم أطلق الشافعي القول بنجاسة ما خرج عن مخرج حي؟ فإن العسل خارج من حي، وهو محكوم بطهارته.
قلنا: النحل لعابة يخرج من فيه.
حكى: أن واحدًا كان يعيب الحلواء عند الحسن البصري، فقال: لعاب النحل بلباب البر، وخالص السمن ما عابه أحد.
وقد ذكرنا في تأويل الأخبار أنه إنما جوز لهم شرب البول عند الحاجة، وهكذا عندنا يجوز شرب ما سوى الخمر، إذا أخبره طبيب حاذق بأن فيه شفاءه.
فأما إذا قال له: شفاؤك أعجل فيه، هل يجوز له شربه أم لا؟
فوجهان: كما قلنا في المتيمم، إذا خاف من استعمال الماء لشدة الضنى
فأما شرب الخمر لا خلاف في أنه لا يجوز ذلك لأجل العطش، لأنه يزيد في العطش لحرارته ولا يسكنه.
فأما إذا غص بلقمة في حلقه، فيجوز له أن يشيعها بالخمر، وهل يجوز شربها للاستسقاء
فوجهان:
أحدهما: لا؛ لقوله عليه السلام: إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم.
والثاني بلى؛ كما في البول سواء.
قال الشافعي: وإذا أكره على شرب الخمر كرهتها له، وإذا أكره على أكل الخنزير لم أكرهه له.
وإنما فرق بينهما، لن الخمر أم الخبائث، فربما يتولد منها الفساد الكثير، إذا ذهب عقله، ويقع في الفحشاء، بخلاف لحم الخنزير.
فأما لبن ما يؤكل لحمه فطاهر كلحمه، ولبن ما لا يؤكل لحمه، فنجس إلا لبن الآدمي، فإنه طاهر لحرمته، وهكذا لبن الأتان طاهر لقول الإصطخري
قال المزني: فكل ذلك نجس إلا ما دلت عليه السنة من الرش على بول الصبي ما لم يأكل الطعام ولا يتبين لي فرق بينه وبين بول الصبية، ولو غسل كان أحب إلى.
قال القاضي حسين: أخل المزني، رحمه الله، في نقل هذا الكلام، لأن ظاهره يوهم الأستثناء من النجاسة، وأن بول الصبي طاهر.
وإنما قال الشافعي: وكل نجس يغسل إلا ما دلت عليه السنة فاستثى بول الصبي من الغسل.
فعندنا: الصبي إذا لم يأكل الطعام يرش على بوله الماء، ولا يجب غسله، وإن غسل، قال الشافعي، رحمه الله: كان أحب إلي.
وقال أبو حنيفة: يغسل كبول الصبي الذي يأكل الطعام.
والقياس يوجب التسوية بين بول الصبي وغيره من النجاسات، إلا أنا اتبعنا فيه السنة، وهو ما روى عن لبابة بنت الحارث، أنها قالت أتي النبي صلى الله عليه وسلم بالحسن أو الحسين، فوضع في حجره ليحنكه بال في حجره، فقلت، أعطني إزارك يا رسول الله لأغسله، فقال: إنما يغسل من بول الصبية، فدعا بماء ورش عليه.
فأما بول الصبية، فقد مثل الشافعي رحمه الله القول فيه، فقال: ولا يبين لي فرق بين بول الصبي والصبية.
وأصحابنا يجعلون في بول الصبية قولين:
أقيسهما: أنه كبول الصبي.
والثاني: أنه يغسل، وعليه يدل ظاهر الحديث، وأيضا إن بول الصبية ألصق بالمحل، لأنه قيل في بول الصبية: إنه يكون أحد من بول الصبي، وان له رائحة ذكية، وعني بالرش أن يصيب الماء عليه، حتى يغلبه، وإن لم يعصره، وفي غيره من النجاسات، إذا صب الماء عليها، ولم يعصره.
فيه وجهان.
قال المزني: ويفرك المني، فإن صلى به، ولم يفركه، فلا بأس، لأن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يصلي فيه، وروى عن ابن عباس أنه قال: أمطه عنك بإذخرة، فإنما هو كبصاق أو مخاط.
قال القاضي حسين: أما مني الرجل، فالمذهب أنه طاهر، وهو قوله الجديد.
وخرج فيه صاحب التلخيص، قولا آخر: أنه نجس، وبه قال مالك، وإنما يحكم بطهارة المني، إذا كان المحل طاهرًا، بأن كان قد بال، واستنجي بالماء، فأما إذا كان المحل نجسًا بأن بال، واستنجي بالجامد، أو كان قد أمذى يحكم بنجاسته لا محالة لمروره على المحل النجس.
ومنى المرأة طاهر أيضًا، على ظاهر المذهب.
وأما حكمه بعد الانفصال، فوجهان:
أحدهما: هو طاهر.
والآخر: نجس بناء على أن بلل باطن فرج المرأة طاهر أو نجس.
وفيه وجهان، وهكذا في مني الرجل، إذا انفصل عنها بناء على هذا الأصل، وهكذا إذا جامعها، وعزل عنها، ثم خرج منه المنى.
فيه وجهان.
فأما مني سائر الحيوانات.
فيه أوجه:
أحدها: الكل نجس، وإنما خص ابن آدم بطهارة منيه، كرامة له لقوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم).
والثاني: كل حيوان لبنه طاهر، فمنيه طاهر، وما لا فلا.
والثالث: كل حيوان عرقه ولعابه طاهر، فمنيه طاهر، وكل حيوان عرقه ولعابه نجس، فمنيه نجس، فعل هذا مني الحيوانات كلها طاهر عدا الكلب، والخنزير، وقال أبو حنيفة، المني نجس، إلا أنه كان رطبًا يغسل، وإن كان يايسًا جاز أن يقتصر فيه على الدلك.
وقال مالك: إنه نجس، ويغسل رطبًا كان أو يابسًا
دليلنا على مالك ما روى عن عائشة رضي الله عنها انها قالت: كنت أفرك المني من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يصلي فيه.
وعن ابن عباس أنه قال: أمطه عنك بإذخرة، فإنما هو كبزاق أو مخاط.
ونقول مع أبي حنيفة: ما جاز فركه في محله، جاز تركه كالبزاق ونحوه.
فرع
إذا ماتت الدجاجة، وفي بطنها بيضة، إن لم تكن متصلبة تكون نجسة، وإن كانت متصلبة، فيه وجهان، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: قال الشافعي: ويصلي على جلد ما يؤكل لحمه، إذا ذكي، وفي صوفه وشعره وريشه، إذا أخذ منه وهو حي.
قال القاضي حسين: قد استقصينا القول في كتاب الطهارة.
قال المزني: ولا يصل ما انكسر من عظمه إلا بعظم ما يؤكل لحمه ذكيا، فإن رقعه بعظم ميتة، أجبره السلطان على قلعه، فإن مات صار ميتًا كله، والله حسيبه.
قال القاضي حسين: هو كما قال، فإن رقعه بعظم ما لا يؤكل لحمه، أو بعظم المأكولات إذا مات.
نظر، فإن كان لا يجد عظم المأكول ذكيًا، وخاف التلف، جاز، ولا يجبر على قلعه، ولو وجد عظم المأكول ذكيًا، أو كان لا يخاف التلف، فرقعه بعظم غير المأكول.
نظر، فإن كان لا يخاف التلف بالقلع، أجبر على القلع، ولو لم يخف التلف، لكن خيف شدة الضنى، هل يجبر على القلع؟
يحتمل وجهين بناء على القولين في جواز التيمم، إذا خاف إن مسه الماء شدة الضنى، وإن خيف التلف وجهان:
أظهرهما: لا يجبر على القلع، لأن خوف التلف والضرورات تبيح استعمال، النجاسات والمحظورات.
يدل عليه إبحاة الميتة للمضطر لخوف التلف، بخلاف الخيط، لا ينزع وجهًا واحدًا، إذا خيف التلف، لأن ذاك حق الآدمي، فيمكن تداركه بالقيمة.
والثاني: يجبر على القلع، لأجل الصلاة، وإن كان يقضي إلى زهوق الروح، لأن إزهاق الروح، يستحق بسبب الصلاة، كما يقتل تارك الصلاة، فلو مات قبل القلع، فوجهان:
أحدهما: يقلع، كما في حالة الحياة.
والثاني: لا؛ لسقوط التكلف، بخلاف الخيط المغصوب، ينزع منه بعد الموت.
وقول الشافعي رحمه الله: فإن مات صار ميتًا كله، والله حسيبه.
قيل: معناه صار نجسًا كله، فلا يقلع، والله حسيبه.
قيل: معناه، صار نجسًا، على ما ارتكب من المعصية.
قيل: أراد به سقط التكليف عنه.
وهكذا حكم الخيط النجس، إذا خاط به جرحه، حكم العظم النجس.
فأما الخيط المغصوب، إذا خاط به جراحه، إن لم يخف من نزعه التلف، فإنه ينزعه، وإلا فلا.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: إذا وقع المنكسر بالعظم النجس مع وجود الطاهر، إن لم يكن قد اكتسى باللحم يقلع، وإن اكتسي باللحم لا يقلع.
وفرق بأنه قبل الاكتساء اللحم في حكم الطاهر، وحكم النجاسة الظاهرة يمنع صحة الصلاة، ووجوب رفضها، وإذا اكتسى باللحم، صارت مستبطنة لا حكم لها، كما لو شرب نجسًا، لا يكلف الاستقاء لإخراجه [...].
والفرق بيهما ظاهر، وذاك لأن النجس إذا شربه، لا يمكن إخراجه بالكلية، فلم يكلف الإخراج، بخلاف العظم فإن إخراجه ممكن.
والخلاف مع أبي حنيفة لا يتصور إلا في عظم الخنزير، فإن عنده العظام، لا تحلها الحياة، ولا تنجس بالموت في الحيوانات الطاهرة، والكلب عنده طاهر العين.
ووافقنا في الخنزير أنه نجس العين.
قال المزني: ولا تصل المرأة المرأة شعرها بشعر إنسان، ولا شعر ما لا يؤكل لحمه بحال.
قال القاضي حسين: وصل الشعر في الجملة، حرام.
والأصل فيه ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، انه قال: لعن الله الواصلة، والمستوصلة والواشمة، والمستوشمة، والواشرة، والمستوشرة.
فـ (الواصلة): هي التي تصل الشعر بالشعر، و (المستوصلة)، هي التي تستدعي، وتلتمس وصل شعرها بالشعر، والواشمة، هي التي تغرز إبرة أو غيرها في يدها أو وجهها، وتحشى فيها شيئا من العظم، وهو النيل.
والمستوشمة: هي التي تلتمس الوشم.
والواشرة: هي التي تحد أسنانها إذا أكلت لهرم أو غيره.
والمستوشرة: هي التي تلتمس الوشر، وتحديد الأسنان.
وعن ابن مسعود أنه كان يخطب، فقال في خطبته: ألا ألعن من لعنه الله، لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة، والمستوشمة، والواشرة المستوشرة.
وكان في القوم امرأة معنية بأمر دينها، فرجعت إلى البيت، وقرأت جميع القرآن، تطلب ما قاله ابن مسعود فلم تعثر عليه، فرجعت من الغداة إلى مجلس عبد الله بن مسعود، قالت، قد تصفحت ما بين الدفتين، فلم أجد ما قلت، فقال لها: لو طلبتيه لوجدتيه، قال الله تعالى (ما آتاكم الرسول فخذوه).
الاية.
وإن ما أتانا الرسول عليه السلام أنه قال: لعن الله الواصلة.
الخبر، فلو وصلت شعرها.
نظر، فإن وصلتها بشعر ما لا يؤكل لحمه، لم تصح صلاتها، وكلفت قطعها، وإن وصلت بشعر آدمي فحرام أيضا، لأن من كرامة الآدمي الا يستعمل حرمته، بل تدفن وتوارى، غير أنها إن صلت معها، فصلاتها، صحيحة، لأن شعر الآدمي طاهر، ولو وصلت شعرها بشعر ما يؤكل لحمه، إن لم يكن لها زوج، فحرام، وإن كانت ذات زوج، ولم يأذن لها زوج، فكذلك هو حرام وإن أذن لها فيه وجهان:
أظهرهما: أنه يجوز تزيينا للزوج، واستمالة لقلبه.
والثاني: لا يجوز لظاهر الأخبار، لقوله عليه السلام: لعن الله الكاسيات العاريات المغيرات لخلق الله.
والمراد بـ (الكاسيات) (العاريات)، اللاتي يلبسن الشف من الثياب، ومهلهل النسج منها، بحيث تبدو العورة من تحتها، فمن لبسها كان عاريًا، لما أن عورته ظاهرة فكاسيًا للبسه إياه، وروى عنه عليه السلام، أنه قال: المتشبع بما ليس فيه كلابس ثوبي زور.
يعني المتشبع بما ليس فيه لشهود الزور، والذين يلبسون الثياب ليشهدوا بالزور، وإذا غمزت وجهها بالغمزة إذا لم تكن ذات زوج أو كانت، ولم يأذن لها فيه، عصت الله تعالى.
وإن أذن لها الزوج في التغمير، فوجهان، لما ذكرنا من المعنى، وظاهر الخبر وهكذا التطريق، وهو أن تختضب بالحناء، وتسود رءوس البنات، فعلى ما ذكرنا من التفصيل فيها قيل: ولها أن تختضب بالحناء من غير أن تسود رءوس الأصابع، ولا يجوز للرجل الاختضاب بالحناء.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: طيب الرجال ما خفي لونه وظهرت رائحته، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفيت رائحته.
وقال القاضي رحمه الله: هي عادة المخنثين وسنتهم.
ويجوز للرجل أن يخضب لحيته بالحناء.
فرع
لو تنفط بدنه وفيه قليل ماء، فإنه لا يحكم بنجاسته، لأنه في حكم الباطن، فإذا تشق وخرج منه الماء، حينئذ يجب غسله، واتصال الماء إلى باطنه، لأنه، صار في حكم الظاهر.
قال المزني: وإن بال رجل في مسجد، أو أرض يطهر بأن يصب عليه ذنوب من ماء، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في بول الاعرابي (حين بال في المسجد)، صبوا عليه ذنوبًا من ماء.
قال الشافعي: رحمه الله: وهو الدلو العظيم، وإن بال اثنان، لم يطهره إلا دلوان، والخمر في الأرض كالبول، وإن لم تذهب ريحه.
قال القاضي حسين: الذنوب، اسم للدلو الذي يشد فيه رشاء، يسمى ذنوبًا، لأنه كالذنب المدلو.
فعندنا إذا بال في أرض طهر، بأن يصب عليه الماء حتى يغمره، ولا يحتاج إلى حفرها.
وحكي عن الشافعي، رحمه الله أنه قال: يصب عليها سبعة أضعاف البول، وليس هذا بتقدير، لأن الشرط أن يصب عليه من الماء حتى يغمره ويغلبه، وبدونه لا يحصل هذا الشرط.
وقال أبو حنيفة: لا تطهر الأرض إذا بيل عليها، حتى تحفر ويرتفع ترابها دليلنا ما روى أبو هريرة، رضي الله عنه أن أعرابيا دخل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فسلم فرد عليه السلام، فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما فرغ من الصلاة قال الاعرابي، اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا.
وفي رواية أدخلني الجنة ومحمدًا، ولا تدخل معنا أحدًا، فقال عليه السلام: لقد تحجرت واسعًا يا أعرابي.
أي: استوليت على مكان واسع قصدت أن تفوز به.
ومنه قولهم: تحجر فلان أرض كذا، إذا أعلم عليها ليحييها فقام الأعرابي ورفع ذيله في ناحية من المسجد ليبول.
قال أبو هريرة: فهممنا به، فنهانا النبي عليه السلام، فقال: لا ترووا به.
أي: لا تقطعوا عليه بوله، قربوا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا، حتى بال، ثم قال عليه السلام: صبوا عليه ذنوبًا من ماء.
ولم يأمر بالحفر، ثم إنما تحكم بطهارتها، إذا انصب الماء وتنشف فيها.
وبمثله: لو غسل ثوبًا، ولم يعصره حتى جف الماء عليه، أو غسل آنية، وخضخض الماء، فيها، ولم يصبها حتى جف، فوجهان:
أحدهما: يحكم بطهارتها.
والثاني: لا يحكم ما لم يعصر الثوب، ولم يصب الماء الذي في الإناء الذي في العصر، والصب ممكن فيهما، بخلاف الأرض، لأن العصر لا يتأتي فيها فالتنشيف فيها بمنزلة العصر في الثوب.
فأما إذا كات الأرض صلبة، بحيث إذا صب فيها الماء يجري إلى موضع آخر، ويجتمع، فإن الأرض صارت طاهرة، وحكم الماء المجتمع حكم غسالة النجاسة.
ولو بال اثنان في أرض، فزاد في الماء ليحصل التطهير، ولا يختلف الحكم ببول الاثنين، والواحد في وجوب الزيادة في الماء.
وإنما يختلف الحكم بقلة البول وكثرته، لأن الواحد لو بال كثيرًا، بحيث يبلغ بول اثنين في الغالب، يصب عليه من الماء، ما يصب على بول الاثنين.
وإذا بال اثنان، كل واحد منها قليلا، بحيث لا يزيد مجموعهما على بول واحد، يصب عليه من الماء، ما يصب على بول الواحد.
فإن قيل: ما الفرق بين ما لو بال اثنان في أرض.؟
قلتم: لا يقتصر فيما يصب عليه من الماء على ما يصب على بول الواحد، وبين ما إذا ولغ في الإناء كلبان.
قلتم: يقتصر في الغسل والتعفير على ما يقتصر عليه من ولوغ الواحد.
وأما الفرق، أن نجاسة الولوغ بعد المرة حكمية، والنجاسات الحكمية يتفق مزيلها، قلت أم كثرت، لأن الحكم يجري فيه التداخل.
يدل عليه أن الأحداث إذا اجتمعت، يكتفي لها بوصف واحد، ولا يكلف بوضوء آخر لكل حدث بخلاف البول، فإنها نجاسة عينية، فكلما كثرت العين افتقرت إلى زيادة المزيل، هذا لأن العين أقوى، وإذا ازداد القوى، وجبت الزيادة في رافعه، لأن غير القوى، لا يقدر على رفع القوى ودفعه له.
والخمر في الأرض كالبول، وإن لم يذهب ريحه.
أما النجاسة التي ليست لها رائحة ذكية، بقاء رائحتها يدل على بقاء العين، ويمنع الحكم بالطهارة، وما لها رائحة ذكية كالخمر، وبول المبرسم هل يدل بقاء رائحتها على بقاء العين.
فقولان:
أحدهما: وهو المنصوص، لا يدل على بقاء العين؛ لأن الرائحة تبقي بعد زوال العين يدل عليه أن الخمر إذا كانت في بيت مدة، فأخرجت عنه تبقى
رائحتها فيه، وقد زالت العين حتى لو كان فيه ثوب تعلق رائحتها فيه، وكذا الميتة، تلقى على شط البحر، فيتروح الماء برائحتها، ولم يلاق الماء عين النجاسة.
والقول الثاني: يدل على بقاء النجاسة، لأن الرائحة صفة للعين والصفات لا تنفك عن الموصوفات، كما لم تكن ذكية.
وحكم الخمر إذا أصابت الأرض، حكم البول سواء.
وإن صب الماء عليها وزالت عينها وأثرها، فذاك، وإن بقيت الرائحة، فقولان على ما بينا، وفي سائر النجاسات، إن بقي اللون دون الرائحة فمعفو، بدليل أثر عائشة.
وإن بقي الرائحة دون اللون، الصحيح انه يعفي، وفيه وجه آخر، أنه لا يعفى، وإن بقي اللون والرائحة، فيه وجهان:
الصحيح: أنه يكون نجسًا.
فروع
إذا تحرق السرقين، فالرماد منه يكون نجسًا، وكذا الدخان حتى لو أصاب الدخان ثوبًا، فإن كان الثوب رطبًا، فإنه يتجس به، وإن كان يابسًا فيه وجها وكذا لو شجر التنور بالسرقين، فإنه يكنس التنور بالمكنسة اليابسة، حتى لم يبق هناك من دخانه شيء، حتى لو ألصق العجيبن هناك به قبل الكنس، أو كنسة بمكنسة رطبة، فإنه ينجس العجيبن، ولا يطهر الطبخ بعده، وكذا لو سقط العجين في الرماد تنجس إلا أن يكون بعد ما طبخ، سقط فيه، فإنه لا ينجس، وكذا لو دخل الإصطبل، وراثت الدواب، وخروج منه دخان ودخل المستحم، وبال وتغوط، وخرج منه دخان في الحال، فإنه لو أصاب ثوبه، وكان رطبًا، تنجس وإن كان يابسًا، فيه وجهان.
وأصل هذا ما حكينا عن الحليمي في كتاب الطهارة، أن الإنسان إذا خرج منه ريح، وكان ثيابه رطبًا، قال: ينجس، وإن كان يابسًا، لا ينجس.
فأما إذا أغلى اللحم بالماء النجس، فإنه ينجس، فلو صب الماء عليه فإنه يطهر ظاهره، ولا يطهر باطنه، إلا أن يغلي ثانيًا بالماء الطاهر، حتى يتخلل الماء في أجزائه، وكذا لو سقى السكين بالماء النجس، ثم غسله بالماء الطاهر، فإنه يطهر ظاهره، دون باطنه، إلا أن يسقي ثانيًا بالماء الطاهر، حينئذ يطهر ظاهره، وباطنه.
فأما الدابة، إذا راثت الشعير، ينظر فيه، فإن كان الشعير يصلح للزراعة، وينبت لو زرع، فإنه يطهر إذا غسل بالماء، وإن كان بحيث لا ينبت لو زرع، فإنه لا يطهر بالغسل.
فأما إذا أديس الكدس، وراثت فيه البقرة.
قال القاضي رضي الله عنه: فإنه يعفي عنه؛ لأجل الضرورة والحاجة مع كونه نجسًا.
والمستحب أن يغسل الفم إذا أكل منه تنظفا لا وجوبًا، فإذا انبت الحب من السرقين أو الكرات نبت عنه، فإنه يكون نجسًا، فإن تسنبل منه أو تشقق وخرج منه الحبات، حينئذ يكون طاهرًا، لأن النجاسة لا يلاقيها الآن، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: وإن صلى فوق قبر، أو إلى جنبه، ولم ينبش، أجزأه.
قال القاضي حسين: الصلاة في المقابر في الجملة مكروهة.
روى عن عائشة، رضي الله عنها أنها قالت، كان النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي في يغشى عليه ويفيق، فكلما أفاق كان يقول: لعن الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
وإنما كان يقصد به تحذير أمته من اتخاذ قبره مسجدًا.
وروى: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: اجعلوا شيئًا من صلاتكم في بيوتكم، لا تتخذوها مقابر.
فدل أن المقابر لا يصلى فيها.
وروى أنه عليه السلام: نهى عن الصلاة في سبعة مواضع: المجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، ومعاطين الإبل، والحمام، وفوق ظهر بيت الله الحرام.
أما المجزرة والمقبرة، فالنهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة، فلو بسط هناك ثوبًا طاهرًا، وصلى عليه أجزأه.
وأما المقبرة هكذا، وإن صلى في المقبرة من غير أن يبسط فيها شيئًا، فإن كانت جديدة، لم تنبش، فالصلاة تنعقد فيها، وإن كانت قديمة منبوشة، لا تنعقد الصلاة فيها.
وإن شك هل نبشت أم لا؟
فعلى قولين:
الأصل: والظاهر، كالقولين في وحل الطريق.
أما قارعة الطريق، فالنهي عن الصلاة فيها لمعنيين:
أحدهما: أنها لا تنفك عن النجاسات غالبًا، لأنها ممر الدواب والبهائم، والثاني: أن المارة تكثر فيها، فلا يكمل الخشوع ويتعلق قلبه بما يتوهمه من المارة بين يديه، فلو بسط فيها ثوبًا طاهرًا، فالكراهية باقية، وإن ارتفع معنى النجاسة، لأن المعنى الثاني يمنع الخشوع في الصلاة، ويوجب اشتغال القلب، وهو قبل بسط الثوب الطاهر عليها موجود بعده، وتنعقد الصلاة.
ولو صلى فيها في جوف الليل، فمكروه، لأنه لا يأمن مرور المارة بين يديه بالليل كهو بالنهار.
وأما معاطن الإبل، فالنهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة، وأنه لا يكمل الخشوع في الصلاة فيها لما في الإبل من النفار، وعدم السكون، فلو بسط عليها ثوبًا طاهرًا، فالكراهية باقية لبقاء المعنى الثاني المانع من الخشوع، وإن ارتفعت النجاسة، تنعقد الصلاة.
وقال أحمد: الصلاة في معاطن الإبل لا تجوز، وفي مرابض الغنم جائز، سئل النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل له: أنصلي في معاطن الإبل؟ فقال: لا، فقال: أنصلي في مرابض الغنم، فقال: نعم.
وعندنا هذا محمول على الاستحباب.
قال المزني: وما خالط التراب من نجس، لا تنشفه الأرض، إنما يتفرق فيه، فلا يطهره إلا الماء.
قال القاضي حسين: قد ذكرنا حكم النجاسة المائعة إذا أصابت الأرض، فإن كانت الأرض صلبة، يصب عليها الماء، وإن كانت رخوة، فإذا أورد عليها الماء كثيرًا، فإنه يطهرها.
فأما الجامد من النجاسات إذا أصابت الأرض، لا تقبل التطهير، يصب الماء عليها بل تزداد إذا صب الماء عليها، ولو مضت عليها دهور، وشهور حتى صارت النجاسة بطبع التراب هل يحكم بطهارتها؟
فوجهان:
أحدهما: بلى، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: لا؛ لأن عين النجاسة قائم، وإنما بدلت صفاتها، وعلى هذين الوجهين: السماد إذا جعل في الأرض، فمضت عليها مدة صار بطبع التراب فهل يحكم بطهارته؟
فعلي وجهين، وهكذا الكلب، إذا صار ملحًا، وعلى أصل أبي حنيفة، يتصور أن يكون خنزيرًا نصفه طاهر، ونصفه نجس، بأن وقع نصفه في الماء، ونصفه في المملحة فيصير ملحًا.
قال المزني: وإن ضرب لبن فيه بول الطين المعجون بالبول وغيره من النجاسات، لم يطهر، إلا بما تطهر به الأرض من البول، والنار لا تطهر شيئًا.
قال القاضي حسين: إذا ضرب منه لبن فتطهيره، بأن يصب الماء، بحيث يتخلخل في باطنه، وينفذ فيه، ويصل الماء من كل جانب إلى جانب الآخر، كالأرض إذا أصابها نجاسة، تطهيرها بأن يصب الماء عليها حتى ينشف فيها، ولو طبخ اللبن المضروب من الطين النجس.
فالمذهب أنه نجس؛ لأن النار لا تطهر شيئا على حسب ما نبين، فلو صب الماء عليه، فلا يتصور أن يتخلخل في باطنه، وينفذ فيه لصلابته، لكن ظاهره يطهر، لأن إصابته الماء يقينًا، فيجوز أن يصلي عليه، وهل يصلي معه.
الصحيح أنه لا يصلي معه: لبقاء النجاسة في باطنه.
وفي وجه آخر: أنه يجوز؛ لأن النجاسة المستنبطة، لا يمنع الصلاة معها،
كما لو حمل طائرا أو صبيا صغيرًا في الصلاة، تصح صلاته، وهو حامل للنجاسة يقينًا.
والفرق بين المسألتين ظاهر، وذاك أن النجاسة في جوف الطائر والصبي الصغير خلقة طبيعية حصلت باستحماله، بخلاف نجاسة الآخر، فإنها مودعة فيه.
قال: والنار لا تطهر شيئًا، هكذا نص ها هنا.
ونص في الجديد والاستنجاء، فقال: لا يسمح بحجر قد مسح به مرة إلا أن يكون قد طهر بالماء.
وقال في القديم: ولو بيل في أرض، فشرقت عليها الشمس، ومضى عليها أزمان، جاز أن يصلي عليها، ولا يتيمم بترابها.
وقال في الإملاء/ ولو استنجى بحجر وألقاه في مضحاة حتى جف، وتناثرت منه النجاسة، جاز أن يستنجي به ثانيًا، فحصل في غير الماء، هل يطهر؟
قولان:
فإن قلنا: يطهر، هل يطهر ظاهره، أو ظاهره، وباطنه؟
فعلى قولين:
والنار مرتبة على غيرها إن قلنا: ما عدا النار يطهر، فالنار به أولى، وإلا فوجهان؛ لأن النار أقوى، وعلى هذين الوجهين السماد وعظام الموتى، هل يحكم بطهارة رمادها، فقولان:
أحدهما: يحكم، وهو مذهب أبي حنيفة.
والصحيح: أنه لا يحكم، لأن عين النجاسة قائمة، وإنما تفرقت أجزاؤها، فأما لو تصور أن يتخلخل الماء في باطن الأجزاء المطبوخ، ويصل إلى جميع أجزائه، فإنه يطهر ظاهره وباطنه كغير المطبوخ.
قال المزني: والبساط كالأرض إن صلى في موضع منه طاهر، والباقي نجس، ولم تسقط عليه ثيابه - أجزأه.
قال القاضي حسين: وهو كمال قال؛ لأن البساط العريض إذا كان على طرف منه نجاسة، فصلى على الطرف الآخر أجزأه، تحرك المكان أو لم يتحرك، كالأرض إذا صلى على موضع طاهر منها، وبجنبه نجاسة صحت صلاته، سواء كانت النجاسة تتحرك بحركته، أو لا تتحرك.
وقال أبو حنيفة: الاعتبار بحركة النجاسة وثباتها، إن كانت تتحرك بحركة المصلى لم تصح صلاته، لأنه مصل عليها، وإن كانت لا تتحرك بحركته صحت صلاته، وإذا صلى على سرير، قوائمه على النجاسة صحت الصلاة عندنا.
وإذا تعمم بطرف عمامه، وطرفها الآخر نجس، ملقاة على الأرض لا تصيب جزءا من بدنه وثيابه، لم تصح صلاته.
ومذهب أبي حنيفة على ما بينا إن تحركت بحركة المصلى لا تصح صلاته وإلا فتصح صلاته، ولو كان طرف العمامة بيده فوجهان.
وإذا صلى على ثوب شف تحته، نجاسة تظهر من تحته، ولا يلاقيها بدنه وثوبه، ففي صحة الصلاة وجهان.
وإذا كان على مصلاه نجاسة لا تلاقي جزءا من بدنه وثيابه، لكنها تحاذيه مثل أن تكون حذاء صدره عند السجود أو بطنه، ففي صحة الصلاة وجهان:
أحدهما: هي صحيحة؛ لأنه غير ماس للنجاسة.
والثاني: لا؛ لأن النجاسة ظاهرة على المصلى بحذاء المصلي.
فرع
إذا أخذ في الصلاة بطرف حبل، وطرفه الآخر متصل بنجاسة، أو عنق كلب فأوجه:
أحدها: أن صلاته باطلة، لأنه حامل للنجاسة.
والثاني: هي صحيحة لأنها ليست تلاقيه ولا ثيابه، بل هي بائنة عنه.
والثالث: إن كان الطرف الآخر متصلا بعين النجاسة، لم تصح صلاته مثل أن يكون في عنق كلب أو خنزير، من غير حائل بين الحبل والعنق.
أو كان متصلا بحمل نجس على حمار، وإن كان الطرف الآخر متصلا بطاهر، وذلك الطاهر متصل بنجس، مثل أن يكون في عنق الكلب، وبين الحبل وعنقه حائل من ساجور أو غيره، أو كان متصلا بحمار، وعلى الحمار حمل نجس من سرقين، أو غيره صحت صلاته، فلو جعل طرف حبل تحت قدمه، وطرفه الاخر متصل بنجاسة صحت صلاته مذهبًا واحدًا؛ لأنه غير حامل للنجاسة، كالبساط يصلي على موضع طاهر منه لا تضره نجاسة باقي البساط بعد أن كان لا يصيبه جزء من بدنه أو ثيابه.
وعند أبي حنيفة: إنما يعتبر في طهارة المكان طهارة موضع القدمين دون باقيه، بناء على أنه لا يجب وضع الجبهة على الأرض، وإنما يجب وضع الأنف إذا سجد وساحة الأنف أقل من قدر درهم، والدرهم من النجاسة معفو في الصلاة، فلا تضر نجاسة المسجد، ولا يجب عنده، وضع اليدين في السجود على الأرض، وربما يقولون، إنما يعتبر طهارة إحدى القدمين دون الأخرى، لأن القيام على قدم واحد في الصلاة جائز.
فرع
إذا صلى على الجنازة، وجعل مداسه تحت قدميه، جاز، ولو نزع أصابع
الرحلين عنها ينظر فيه، فإن كان شيء من رجله بحذاء، ظهر المداس، فإنه لا يجوز إذا كان المداس نجسًا؛ لأنه يصير حاملاً له، وإلا فيجوز.
قال المزني: ولا بأس أن يمر الجنب في المسجد مارًا، ولا يقيم فيه، وتأول قول الله جل ذكره، ولا جنبا إلا عابري سبيل.
قال: وذلك عندي موضع الصلاة.
قال: وأكره ممر الحائض فيه.
قال: ولا بأس أن يبيت المشرك في كل مسجد، إلا المسجد الحرام لقول الله جل وعز، فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا.
قال المزني: فإذا بات فيه المشرك، فالمسلم الجنب أولى أن يجلس فيه ويبيت، وأحب إعظام المسجد عن أن يبيت فيه المشرك، أو يقعد فيه.
قال القاضي حسين: للجنب العبور في المسجد عندنا لغرض صحيح، مثل أن يكون الماء في المسجد يريد أن يدخله، ويأخذ منه.
فأما إذا أراد أن يغتسل في المسجد بأن كان فيه نهر جار ليس له ذلك، لأنه يحتاج إلى المكث فيه، ولو كان فيه رجل يريد أن يناديه او كان طريقه إلى الدار في المسجد، فإنه يجوز له المرور فيه.
وقال أبو حنيفة: العبور فيه معصية كالمكث.
ودليلنا ظاهر الاية، ولا جنبا إلا عابري سبيل.
منع الجنب من قربان المسجد، لأن المراد في الصلاة في صدر الاية مكان الصلاة.
قال الله تعالى: لهدمت صوامع وبيع وصلوات والمراد بها مكانها، واستثنى العبور.
فأما إذا لم يكن له في العبور غرض ما فيكره، وإن فعل فآثم لظاهر القرآن ثم النص من الشافعي رضي الله عنه ولو كان له طريقان: أحدهما أقرب، والآخر أبعد، وهو جنب في المسجد فاختار الأبعد من غير غرض فعل يكره، يحتمل وجهين بناء على أنه إذا سلك الطريق الأبعد هل يبلغ مسافة القصر؟
وترك الأقرب الناقص عنها من غير غرض، هل يترخض برخص المسافرين؟ وفيه قولان:
وأما الحائض لا يجوز لها العبور في المسجد إن لم تعصب فرجها، وإن عصبت فوجهان:
أحدهما: يجوز كما للجنب.
والثاني: لا؛ لأنها لا تأمن من انحلال عصابتها، وسيلان الدم منها، فتلوث المسجد، ولأن حكم الحيض أغلظ من حكم الجنابة، يدل على أنه يؤثر في تحريم الوطء، واسقاط الصلاة، وفعل الصوم بخلاف الجناية، فأما بعد انقطاع الدم، وقبل الاغتسال حكمها حكم الجنب.
ولو وقعت لها خصومة، أو أرادت أن تشهد، فليس لها الدخول في المسجد، إذا كان الحاكم يقعد في المسجد في مجلس الحكم في المسجد، بل الحاكم يخرج من المسجد إليها، ويسمع منها شهادتها، وكذا الجنب إذا أراد أن يشهد عند الحاكم في المسجد، ما حكمه؟
لو أمكنه ان يشهد عنده في العبور، بحيث لا يمكث فيه شيئا له ذلك، وإلا فلا يجوز له المكث فيه على ما بينا.
ولو كان رجل في المسجد، فاحتلم، وكان ذلك ليلا مظلمًا يخاف على نفسه وماله، جاز له المكث فيه، لكنه يتيمم إن وجد في المسجد ترابًا غير ترابه، بأن كانت الرياح هبت، فأتت به في المسجد.
وإن لم يجد إلا تراب المسجد فيها وجهان.
وأما المشرك لا يجوز له البيتوتة، والمكث، والعبور في المسجد الحرام لظاهر قوله: إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام، وله فيما عدا المسجد الحرام أن يمكث، ويبيت بإذن مسلم، ودون إذن مسلم فيه وجهان.
وإذا تصدر حاكم في المسجد للحكم، وفصل القضايا، جاز للمشرك الدخول فيه، لأن جلوسه في المسجد إذن منه للمشركين في دخوله، لأنه يفصل الخصومات بينهم، كما بين المسلمين وجوبا في قول، وجوازًا في آخر.
وقال المزني: إذا جاز للمشرك أن يبيت في المسجد فالمسلم الجنب به أولى.
وقال بعض أصحابنا، إذا صورة المسألة المشرك إذا لم يكن جنبًا، فإن علمت جنابته منع من البيتوتة فيه كالمسلم.
ومن أصحابنا من قال: للمشرك البيتوتة في المسجد جنبًا كان أو لم يكن، والفرق بينه وبين المسلم، أن المسلم يعتقد إعظام المسجد، ووجوب احترامه، فيمنع من أن يقدم على فعل يتضمن ترك الاحترام، وخلاف التعظيم بخلاف المشرك.
فَرْعٌ
لا يجوز للرجل أن يغرس في المسجد غرسًا، ولا أن يحفر فيه بئرًا أو حوضًا، ولا أن يبني فيه منارة، ولا أن يضع فيه اللبنات ويضعها في زواية منه، أو يجمع الحشيش في موضع منه، لأن هذه الأشياء مما تشغل موضع الصلاة.
وقيل: إن حكم اتخاذ المنارة أخف، لأنه يمكن الصلاة على رأس المنارة، بخلاف حفر البئر ونحوه، وهكذا لا يجوز الاستطراق في المساجد من غير غرض صحيح له فيه، ولو اتخذ سردابًا تحت المسجد يتنفس فيه من حر الشمس، جاز، لأنه يمكن الصلاة فيه.
قال المزني: قال الشافعي: والنهي عن الصلاة في أعطان الإبل اختيار؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: فإنها جن من جن خلقت.
وكما قال: حين ناموا عن الصلاة: اخرجوا بنا من هذا الوادي، فإن به شيطانا.
فكره قربه، لا لنجاسة الإبل، ولا موضعًا فيه شيطان، وقد مر بالنبي صلى الله عليه وسلم شيطان فخنقه، ولم تفسد عليه صلاته، ومراح الغنم الذي تجوز فيه الصلاة الذي لا بول فيه، ولا بعر، والعطن موضع قرب البئر الذي يتنحى إليه الإبل؛ ليرد غيرها الماء، لا المراح الذي تبيت فيه.
قوله: والنهي عن الصلاة في أعطان الإبل اختيار.
قال القاضي حسين: هو كما قال، وليس بنهي تحريم، حتى لو بسط ثوبًا عليها إن كانت نجسة، وصلى صحت صلاته ويكره.
وفي مرايض الغنم: لا يكره فيها الصلاة، بعد أن بسط ثوبًا فيها إن كات نجسة.
وقال أحمد: الصلاة في معاطن الإبل غير جائزة، ولو بسط ثوبًا فيها، وتجوز في مرابض الغنم، وإن لم يبسط ثوبًا فيها، سواء كان فيها بولها أو بعرها، أو لم يكن.
وروى أنه عليه السلام قال: لا تصلوا في معاط الإبل، وصلوا في مرابض الغنم.
وعندنا: هو محمول على نهي التنزيه دون التحريم، وإنما منع من الصلاة فيها، لأن لها نفارًا، فيمنع الصلاة من الخشوع والخضوع، يدل عليه أنه - عليه
السلام - علل فقال: إنها جن من جن خلقت، ألا تراها إذا نفرت كيف تشمخ بآنافها.
وقال في الغنم: إنها من دواب الجنة خلقت من السكينة والوقار.
والصلاة في مكان الجن تنعقد، وعلى هذا وادي المعرس.
قال عليه السلام لما ايقظهم حر الشمس، أخرجوا من هذا الوادي فإن به شيطانا، ولم يصل فيه لا لنجاسته، ولو صحت فيه صحت صلاته، لأن الجن والشياطين طاهرة.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: انفلت لي البارحة عفريت فهم أن يفسد على صلاتي فمكنني الله منه؟ فخنقته حتى وجدت برد لسانه على أنامله، فأردت أن أربطه بسارية المسجد، لتلعب به صبيان المدينة، فتذكرت قول أخي سليمان: هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي فأرسلته.
ولم يستأنف الصلاة بملاقاته الشيطان، ثم فسر الشافعي رحمه الله العطن، فقال: في موضع قرب البئر تنحي الإبل إليه ليرد غيرها الماء، وليس بالمراح الذي تبيت فيه.
وقال في الكبير: المراح، ما استعلت أرضه، وطابت تربته، واستدار عن مهب الشمال موضعه.
مسألة
نص الشافعي رحمه الله على أنه لو اضطرب سن من أسنانه، فأثبتها بذهب أو فضة، لم تصح صلاته، لأنها صارت ميتة.
قال رضي الله تعالى عنه، وهذا من كلام الشافعي دليل على أن ميتة الآدمي نجس.
ومن قال بالطريقة الثانية، وهو أن ميتة الآدمي طاهرة، أجاب بأن الشافعي، إنما لم يحكم بصحة الصلاة معها، لأنها ألصقها بالدم بالجاري وهو نجس.
فرع
لو استنجي بالماء، فالمستحب أن يدلك يده بالأرض، ويغسلها بالماء، هكذا فعله النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم بالصواب.
باب الساعات التي يكره فيها صلاة التطوع ويجوز فيها القضاء، والجنازة والفريضة
.
قال المزني: قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح، حتى تطلع الشمس، وعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إلا بمكة إلا بمكة إلا بمكة.
وعن الصنابحي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الشمس تطلع، ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب، قارنها فإذا غربت فارقها.
ونهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في تلك الساعات، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهي عن الصلاة نصف النهار، حتى تزول الشمس، إلا يوم الجمعة.
وعن جبير بن مطعم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا بني عبد مناف، من ولي منكم من أمر الناس شيئًا، فلا يمنعن أحدًا طاف بهذا البيت أو صلى آية ساعة شاء من ليل أو نهار.
قال الشافعي: وبهذا أقول، والنهي عن الصلاة في هذه الأوقات عن التطوع إلا يوم الجمعة للتهجير، حتى يخرج الإمام.
فأما صلاة فرض، أو جنازة أو مأمور بها مؤكدة، وإن لم تكن فرضًا أو كان
يصليها، فأغفلها، فلتصل في هذه الأوقات، بالدلالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: من نسي الصلاة أو نام عنها، فليصلها إذا ذكرها.
وبأنه عليه السلام رأى قيسًا يصلي بعد الصبح، فقال: ما هاتان الركعتان، قال: ركعتا الفجر، فلم ينكره، وبأنه عليه السلا صلى ركعتين بعد العصر، فسألته عنهما أم سلمة، فقال هما ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر فشغلني عنهما الوفد، وثبت عنه عليه السلام أنه قال أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، فأحب فضل الدوام، قال: ويصلي الناس على جنائزهم بعد العصر، وبعد الصبح، فلا يجوز أن يكون نهيه عن الصلاة في الساعات التي نهي فيها عنها إلا على ما وصفت، والنهي فيما سوى ذلك ثابت إلا بمكة، وليس من هذه الأحاديث شيء مختلف.
قال المزني: قلت أنا: هذا خلاف قوله، فيمن نسي ركعتي الفجر، حتى صلى الظهر، والوتر، حتى صلى الصبح، أنه لا يعيد، والذي قبل هذا اولى بقوله وأشبه عندي بأصله.
قال الشافعي: رحمه الله ومن ذكر صلاة، وهو في أخرى، أتمها، ثم قضى، وإن ذكر خارج الصلاة، بدأ بها، فإن خاف فوت وقت التي حضرت بدأ بها ثم قضى.
قال القاضي حسين: خمسة أوقات نهي عن الصلاة فيها: اثنان من جهة الفعل، وثلاثة من جهة الوقت.
فأما اللذان من جهة الفعل.
أحدهما: بعد فعل الصبح إلى أن تطلع الشمس.
والثاني: بعد العصر إلى أن تغرب الشمس.
وأما الثلاثة من جهة الوقت:
أحدها: عند طلوع الشمس إلى الارتفاع.
والثاني: عند الاستواء إلى الزوال.
والثالث: عند دنو الشمس إلى الغروب إلى أن تغرب.
روى عن عقبة بن عامر أنه قال: خمسة اوقات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن نصلي فيها، وأن نقبر فيها موتانا.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وتصبح حتى تطلع الشمس.
وروى أبو ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس إلا بمكة، ذكره ثلاثا
وقد أخل المزني في نقل هذين الحديثين، فنقل متن حديث أبي ذر عن أبي هريرة، فنزل متن حديث أبي هريرة.
وروى الصنابجي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الشمس تطلع ومعها
قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا آذنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها.
وفي بعض الروايات: إن الشمس تطلع بين قرني الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت فارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا استوت.
وفي بعض الروايات: إن الشمس ... ، فمنهم من حمل القرن على الحزب، أي: معها حزب الشيطان، وهم الذين يعبدون الشمس ويسجدون لها.
ومنهم من قال: المراد بالقرن: قرن الرأس، أراد به أن الشيطان يضم قرنه إلى الشمس، ويلصق ناصيته بها في هذه الأوقات، وحتي إن من عبد الشمس وسجد لها كان عابدا للشيطان ساجدًا له.
روى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة، وهذه الأخبار محمولة عندنا على الصلوات التي لا سبب لها، وهي ما ينشئها الإنسان في هذه الأوقات.
فأما التي لها سبب من الصلوات، كصلاة الجنازة والخسوف والكسوف، وقضاء السنن والفرائض، والوظائف التي فاتته، وسجود الشكر والتلاوة، وتحية المسجد لا يكره فعلها في هذه الأوقات الخمسة، وتكره صلاة الاستخارة والاستسقاء لأن الدعاء في هذه الصلوات بعد الفراغ عنها فالسبب يتأخر.
وفي تحية المسجد وجه آخر: أنه يكره في هذه الأوقات.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يصلي بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا بعد الصبح، حتى تطلع إلا الفرائض، ولا يجوز أن يصلي في الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها لعين الوقت، إلا العصر عند دنو الشمس بالغروب، ولا يجوز الصبح عند طلوع الشمس، لأن طلوع الشمس يبطل صلاته، إذا كان هو فيها، واحتج بالأخبار الذي رويناها.
وعندنا هي محمولة على الصلوات التي لا سبب لها، بدليل ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها لا وقت لها غيره.
وفي رواية يقول الله تعالى: وأقم الصلاة للذكرى.
وروى أنه عليه السلام رأى قيس بن قهد يصلي بعد الصبح ركعتين، فقال: ما هاتان الركعتان، فقال: ركعتا الفجر، ولم ينكر عليه.
وروى أنه عليه السلام دخل بيت أم سلمة بعد صلاة العصر، وافتتح الصلاة، فقالت أم سلمة رضي الله عنها لجارية لها، قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقولي له: ألست نهيتنا عن الصلاة في هذا الوقت، فإن أشار
إليك، فاستأخري، فقالت الجارية ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إليها، فاستخرت، فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم دعاها، وقال: يا هنتاه ركعتان كنت أصليهما فشغلني عنهما الوفد.
فإن قيل: قد روى أن أم سلمة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أفنقضيهما نحن إذا فاتتنا، فقال: لا.
قلنا: لأنه عليه السلام، كان مخصوصًا بوجوب القضاء عليه من بين أمته، وروى أنه عليه السلام ما دخل بيت أم سلمة في ذلك الوقت إلا وكان يصلي ركعتين وكان عليه السلام يواظب على طاعة فعلها مرة، وكانت المواظبة على فعل الخيرات في حقه أكبر استحبابًا منه في حق غيره.
قال عليه السلام: أحب الأعمال إلى الله تعالى، أدومها وإن قل.
وروى عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت إذا سئلت عن الصلاة في هذا الوقت تقول: سلوا أم سلمة، وعائشة إنما كانت تحيل عليها، لأن هذه القضية وقعت في دارها.
واحتج الشافعي بفعل الناس صلاة الجنازة بعد العصر والصبح، وأراد بالناس أهل الحرمين، فلو عقد الصلاة التي نهى عنها في هذه الأوقات، ففي انعقادها مع الكراهة وجهان:
أحدهما: ألا ينعقد، لأنه منهي بعينه، إذن النهي وقع ليطلب ضده، وهو ترك الصلاة، كما لو صام يوم العيد.
والثاني: ينعقد لأن هذه الأوقات قابلة للصلاة بخلاف يوم العيد، ونظير الوجهين، الوجهان فيما لو صام يوم الشك هل ينعقد صومه مع الكراهة؟
فوجهان:
أحدهما: لا للنهي.
والثاني: بلى لصلاح الوقت له، ولو نذر أن يصلي في هذه الأوثات، ففي انعقاد نذره وجهان، بناء على الوجهين فيما لو عقد صلاة في هذه الأوقات، لا سبب لها هل تنعقد أم لا؟
فيه وجهان كما بينا.
فإن قلنا: ينعقد نذره للصلاة في هذه الأوقات، جاز فعلها فيها، وصار سببا لذلك النذر، فأباح عقدها في هذه الأوقات.
وسئل عما لو صلى في هذه الأوقات صلاة لا سبب لها، وحكمنا بالانعقاد مع الكراهية، هل يصير ذلك سببا يبيح فعلها فيما بعد ذلك؟
فقال: لا، لأن الأولى معصية وفعل المعصية لا يجلب طاعة، ولو قضى وظيفة فاتته في هذه الأوقات، فغير مكروه كما بينا، وهل يصير سببًا حتى يجوز فعلها بعد ذلك؟
فيها وجهان:
أحدهما: بلى، لأنه فعلها مرة من غير كراهة، ولما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم ما دخل لأم سلمة بعد العصر إلا وكان يصلي الركعتين اللتين صلاهما قضاء.
والثاني: لا؛ لأن الأول كان بسبب وهو القضاء.
والثانية: لا سبب لها ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان مخصوصًا بوجوب القضاء
عليه، وتأكد استحباب المواظبة على الطاعات دون غيره، ولو قصد أن يدخل مسجدًا ليصلي ركعتين تحية المسجد فوجهان:
أحدهما لا يجوز لأنه قصد جلب المعصية
والثاني: يجوز كما لو وقع دخول المسجد اتفاقا، ولأن دخول المسجد مباح، وسنة التحية تترتب عليه، فقد فعل المباح.
فأما بـ (مكة) فقد استثناها النبي صلى الله عليه وسلم في خبر أبي ذر، فمنهم من قال: هذا الاستثناء راجع إلى ركعتي الطواف، فعلى هذا لا يظهر الاستثناء تخصيصًا لأنها من الصلاة التي لا سبب، والدليل عليه ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يا بني عبد مناف، من ولي منكم من أمر الناس شيئًا، فلا يمنعن أحدا طاف بهذا البيت وصلي في أي ساعة شاء من ليل أو نهار.
خص الطواف وصلاته بالذكر فدل أن ما عداها يستوي فيه الحل والحرم.
ومنهم من قال: الاستثناء لفضيلة البقعة، لأن مكة، يأتيها الناس في كل فج عميق، وتلحقهم المشقة إن لو كلفوا المقام بها، ويتمنون إكثار فعل الصلاة فيها ابتغاء للمثوبة الوافرة، فجوز لهم فعل الصلاة في جميع الأوقات.
وأما يوم الجمعة فقد استثناه في حديث أبي سعيد الخدري كما رويناه.
فمنهم من قال: الاستثناء لفضيلة الوقت، فعلى هذا يستوي جواز الصلاة فيها عند الاستواء، قبل الزوال في هذا الوقت من اراد حضور الجمعة، ومن لم يرد ومن كان في الجامع ومن كان في البيت.
ومنهم من قال: الاستثناء خاص بمن كان في الجامع خص به دفعا له للتهجير فإن الغالب أنه يغلبه النعاس، ويشق عليه إعادة الوضوء، فجوز الاستغاال، بالصلاة فيه لدفع النوم، فخرج من هذا أن من كان في الجامع له أن يصلي يوم الجمعة في هذا الوقت، ومن كان في البيت فعلى وجهين:
وروى أنه قال عليه السلام: قيلوا فإن الشياطين لا تقيل.
قيل: معناه: قيلوا حتى لا يأخذكم النوم في الصلاة.
فصل
قال المزني: هذا خلاف قوله فيمن نسي ركعتي الفجر حتى صلى الظهر والوتر حتى صلى الصبح: أنه لا يعيد.
قد ذكرنا أن الصلوات التي لها سبب يجوز فعلها في الأوقات الخمسة، وقد ذكر الشافعي رحمه الله قضاء الوظائف والأوراد المتطوع بها إذا فاتته من الصلوات التي لها سبب، وذكر أنه يقضيها في الأوقات الخمسة، فتعلق به المزني فقال: هذا الذي ذكره من أنه يقضي الوظائف الفائتة ها ها خلاف ما قال في موضع آخر إذا فاتته ركعتا الفجر حتى صلى الصبح لا يعيدهما.
وإذا فاتته ركعتا الوتر حتى صلى الصبح لا يعيدها، فاختلف أصحابنا في الجواب.
فمنهم: من أنكر النص الذي ادعاه في موضع آخر على أنه لا يقضي ركعتي الفجر بعد الظهر، والوتر بعد الصبح، وقال: مذهب الشافعي رحمه الله قضاؤها أبدًا.
ونسب المزني إلى الإخلال في النقل.
ومنهم من سلم له النص الذي ادعاه، واعتذر بأن ركعتي الفجر يؤديان تبعًا للصبح، فلو أمرناه بالقضاء بعد الظهر يصير تبعًا لصلاة أخرى، والوتر يؤدي تبعًا للعشاء، فلو أمرناه بقضائها بعد الصبح لصيرناها تبعًا لصلاة أخرى بخلاف الوظائف، فإنها ليست باتباع لغيرها، فأمرنا بقضائها في كل حال، وبالجملة إذا حضرنا المذهب في قضاء السنن والرواتب أن نعلم أن للشافعي رحمه الله في قضاء السنن قولين:
أظهرهما: وهو قوله الجديد يقضيهما كالفرائض.
والثاني: إلا لصلاة الخسوفين.
وعند أبي حنيفة لا يقضي إلا ركعتي الفجر إذا فاتتا مع الفرض.
فإن قلنا: يقضي، قال: متى يقضي؟
فأوجه: أظهرها أبدًا كالفرائض.
والثاني: ما حكاه المزني أن ركعتي الفجر تقضيان ما لم يصل الظهر، والوتر ما لم يصل الصبح لما بينا من المعنى.
والثالث: يقضي ركعتا الفجر ما لم يدخل الليل، لأنهما تبعا لصلاة النهار، فلا تجعل تبعا لصلاة الليل، والوتر ما لم يدهل النهار، لأنها تبع لصلاة الليل.
ثم إن المزني قال بعد حكاية النص في أن ركعتي الفجر لا تقضي بعد الظهر، والوتر بعد الصبح في موضع آخر.
وحكاية النص الظاهر ها هنا في الوظائف، والأوراد تقضي إذا فاتت، بكل حال، الذي قبل هذا أولى بقوله، وأشبه عندي بأصله.
ثم قال الشافعي رضي الله عنه: من ذكر صلاة وهو في أخرى أتمها ثم قضى.
فاختلف أصحابنا في معنى قوله: الذي قبل هذا وما الأولى منهم من قال: إنما عني ما حكاه من أو الوظائف والأوراد إذا فاتت تقضي بكل حال.
وقوله: ومن ذكر صلاة وهو في أخرى أتمها ثم قضى.
مسألة: مبتدأة وهذا القائل يقرأ.
قال الشافعي: من غير واو العطف، ومن ذكر صلاة.
ومنهم من قال: عني بقوله الذي قال قبل هذه المسألة التي حكاها في
باب صفة الصلاة، وهي أن من ذكر صلاة، وهو في أخرى أتمها، ثم قضى، وإنما فرع إليه على هذا التأويل، لأنه عام في الفرائض والنوافل، وأطلق الشافعي رحمه الله الأمر بقضائها، ولم يفصل بين حال وحال، وهذا القائل يقرأ.
وقال الشافعي: ومن ذكر صلاة بواو العطف، فعلى هذا قصد المزني تأكيدها، قاله بإعادة هذه المسألة، وقد بسطنا الكلام فيمن ذكر صلاة، وهو في أخرى ثم إن المزني حكي عن أصحابنا عن الشافعي رحمه الله أنه قال: التطوع وجهان: صلاة الجماعة، وصلاة انفراد، وذكر ما هو الأوكد من السنن والتطوعات، ونحن نؤخر شرحها إلى الباب الذي يليه، لأنه قصد به ذكر التطوعات وبيان أحكامها، والمقصود بهذا الباب بيان أوقات النهي عن الصلاة فيها، والصلوات التي يجوز فعلها، والتي لا يجوز، ثم رجع المزني إلى الاعتراض على النص الذي حكاه على سقوط إعادة ركعتي الفجر بعد فعل الظهر، وسقوط إعادة الوتر بعد الصبح، بعد أن ذكر عن أصحابنا عن الشافعي أنه يقضي النوافل والسنن الرواتب، إذا فاتت لقول النبي صلى الله عليه وسلم / من نسي صلاة.
.. الخبر.
فقال: كيف يجوز أن يقال: يقضي سائر السنن والنوافل المتطوع بها، ولا يقضي الوتر، ووكعتي الفجر التي هي أوكد السنن، مع أن الحديث في الأمر بقاء ما ذكره من الصلوات التي نسبها عام في الكل، وقد سبق الانفصال وثبت أنها تقضي كغيرها من النوافل.
ثم قال: إن كنتم تعتبرون القرب، فقولوا لانقضاء ركعتي الفجر نصف