التعليقة للقاضي حسينصفحات 892-931

وهذا كما قال الشافعي رحمه الله، لو هوي إلى السجود فسقط على الأرض، إن نوى الاعتماد على الأرض، لا يحسب له عن فرض السجود، فإن نوي السجود، واستدام نيته الأولى، لم يحدث نية الاعتماد على الأرض، حسب له عن فرض السجود.
وقال أبو حنيقة: إذا ترك أربع سجدات في كل ركعة سجدة، يأتي بها في آخر الصلاة، وتلتحق كل سجدة بمحلها، وتمت صلاته، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: وإن شك هل سها أم لا، فلا سهو عليه.
قال القاضي حسين: وهو كما قال: وكذلك لو شك هل سها، ثم بني على اليقين، أو لم يسه أصلا، فلا سهو عليه، إذ الأصل أن لا سهو فتمسك به، وله ثلاثة أحوال: إن شك في الجملة، هل سها أم لا؟ ولا يعرف بعينه أنه زيادة أو نقصان، فلا سجود عليه، إذ الأصل أنه لم يسه، وكذلك إن شك ولم يدر، هل شك في عدد الركعات، وبني على الأقل أو لم يشك أصلا، وأتم الصلاة، فلا سجود عليه، وكذا إن شك في زيادة، هل فعلها أم لا؟ مثل ركوع زائد أو كلام ناسيًا؟ فلا سجود عليه؛ إذ الأصل أنه لم يفعل، ولو شك في ترك مأمور من ترك القنوت، أو التشهد الأول، فعليه السجود، لأن الأصل أنه ما أتى بهما.
قال المزني: وإن استيقن السهو، ثم شك، هل سجد للسهو أم لا، سجدهما، وإن شك، هل سجد سجدة أو سجدتين، سجد أخرى.
قال القاضي حسين: وهو كما قال؛ لأن الأصل أنه لم يسجدها، فأما إذا سها في سجود السهو، مثل إن تكلم ناسيًا بين سجدتي السهو، أو سلم ناسيًا، فلا يلزمه سجود السهو، وهذه المسألة التي سأل عنها أبو يوسف الكسائي، حكى أنه جمعهما مجلس، فادعى الكسائي أن من تهدي إلى علم وتبحر فيه، يهتدى إلى العلوم كلها، فأنكره ابو يوسف وقال: إنه أنت متبحرٌ

في حرفتك من النحو والأدب، فأسألك عن مسألة من الفقة؟ فقال: هات، فقال: ما تقول فيمن سها في سجود السهو؟ فقال: لا يلزمه السجود، فقال: لم قلت؟ فقال: لأن التصغير لا يصغر، إذ لو صغر التصغير، لصغر تصغير التصغير، فيؤدي إلى ما لا يتناهى، والتعليل ما أشار إليه، وذلك لأن سجود السهو شرع للجبر في الصلاة، فلو قلنا: السهو فيه غير مجبور، لا نأمن السهو في جبر الجبر، ثم في جبر جبر الجبر، فيؤدي إلى ما لا يتناهي، وما لا يتناهى فنهايته في بدايته.
قال القاضي رضي الله عنه: ولو سها في سجود السهو، لا يلزمه السجود، ولو سها بسجود السهو، يلزمه السجود، والسهو بسجود السهو، أن يسهو هل ترك القنوت أم لا، فسجد سجدتي السهو، ثم تركه أنه قد كان قنت فسجد ثانيًا سجدتين، لأنه سجد سجدتين ساهيًا، ولو سها بعد سجدتي السهو وقبل السلام، فيه وجهان: أحدهما: لا سجود عليه؛ لأن السجدتين يجبران النقصان الذي وجد في الصلاةـ والثاني: يلزمه ذلك، لأن السجدتين إنما يجبران الخلل الذي يقع قبلهما دون ما وجد بعدهما.
قال المزني: وإن سها سهوين، أو أكثر، فليس عليه إلا سجدتا السهو قال القاضي حسين: هو كما قال عندنا، وقال ابن أبي ليلى أو الأوزاعي، سجود السهو يتعدد، بتعدد السهو، ويلزمه أن يسجد لكل سهو سجدتين، واحتج بما روى ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لكل سهوٍ سجدتان.

دليلنا: حديث ذي اليدين فإنه عليه السلام، سها في تلك الصلاة أكثر من واحد، حيث سلم ناسيًا: وتكلم بكلمات ناسيًا، ثم اقتصر على السجدتين؛ ولأنه لو كان يحتاج لكل سهو إلى سجدتين لكان سجدهما في محل السهو، ألا ترى أنه لو كان يحتاج إلى سجود التلاوة في كل مرة، قرأ آية السجود، وسجدها في محلها، ولا يؤخرها إلى آخر الصلاة، فلما آخر السجود إلى آخر الصلاة، علم أنه لا يلزمه أكثر منهما تعدد السهو أو لم يتعدد؛ لأن فائدة التأخير أن يجمعها أنواع السهو كلها، وما رواه يحتمل أنه أراد به لكل نوع من السهو زيادة كانت أو نقصانًا، قولاً كان أو فعلاً سجدتان.
وقال صاحب التلخيص: لا يسجد للسهو أكثر من سجدتين إلا في مسائل، فمنها في صلاة الجمعة إذا سجد سجدتي السهو، ثم قبل السلام خرج الوقت يلزمه إكمالهما ظهرًا، وأن يقضي السجدتين في آخر الصلاة، والمسافر إذا سجد سجدتي السهو، ثم نوى الإقامة أو الإتمام قبل السلام، أو صار مقيمًا باتصال السفينة بالبلد حتى لزمه الإتمام، يقضيها في آخر الصلاة، والمسبوق إذا سها إمامه سجدهما مع الإمام متابعة له ويقضيهما في آخر الصلاة، والكل تلبيس، لأنا إنما ننكر أكثر من سجدتين محسوبتين، وفي هذه المسائل السجدتان غير محسوبتين له بوجودهما في غير محل السجود.
فرع: المأموم المسبوق إذا سمع حسًا، فظن أن الإمام قد سلم فقام إلى قضاء ما فاته، فبان أنه لم يكن إمامه سلم بعد ما جلس هو، لا يلزمه سجود السهو ولا تحسب له تلك الركعة، بل يقوم ويصلي ثانيًا، ولو كان هو في القيام، وسلم الإمام، هل يعود إلى القعود؟ فعلى وجهين: فأما المنفرد، إذا سلم ساهيًا عن ركعتين، وكانت الصلاة ذات أربع، وقام وافتتح، صلاة النافلة، ثم تذكر، ينظر فإن كان الفصل قريبًا، يعود ويبني على صلاته، ويسجد سجدتي السهو، وإن كان طويلا، يستأنف الصلاة.

وإن قلنا: يبني على صلاته، فهل يحسب له ما أتي به من صلاة النفل عما عليه من الفرض؟ عامة أصحابنا على أنه لا يحسب له ذلك، لأن ما عليه يكون فرضًا، وما أتى به يكون نفلا، والنفل لا يقوم مقام الفرض، فيلغي ذلك.
قال القاضي رحمه الله: يحتمل فيه وجهين، كما قلنا في جلسة الاستراحة والتشهد الأول: إنها هل تقوم مقام الجلسة بين السجدتين أم لا؟ وفيه وجهان: وكما قلنا: فيما لو ترك لمعة من المرة الأولى، ويغسل في المرة الثانية، إن قلنا: يقوم مقامه، فلا يلزمه الجلوس، وإلا فيلزمه أن يجلس، ثم يقوم من الجلوس على الصحيح من المذهب.
فرع: المسافر إذا صلى ركعتين بنية القصر، ثم وقع له سهو، ولم يسلم حتى صلى أربعًا، ثم تذكر ونوى أنه جعله كأنه نوى الإقامة، بل يقول: كأني نويت الإقامة، فإنه لا يكون محسوبًا له ما زاد على الركعتين، بل يصليهما ثانيًا، ويسجد للسهو.
قال المزني: وما سها عنه من تكبير سوى تكبيرة الافتتاح، أو ذكر في ركوع أو في سجود، أو جهر فيما يسر بالقراءة، أو أسر فيما يجهر فلا سجود للسهو، إلا في عمل البدن.
قال القاضي حسين: أفعال الصلاة على ثلاثة أقسام: أركان، وأبعاض، وهيئات، فالأركان تركها عمدًا أو سهوًا يمنع الاحتساب بالصلاة، ولا ينجبر بسجود السهو.

وأما الأبعاض، كالقنوت والتشهد الأول، والصلاة على النبي عليه السلام في التشهد الأول على مذهبه الجديد، إذا تركها ساهيًا ينجبر بسجود السهو، ولو تركه عامدًا، فعلى وجهين، وهذا أصل، وهو أن كلما كان تركه ساهيًا يقتضي سجود السهو، ففي تركه عامدًا وجهان: أحدهما: يقضيه؛ لأن العمد فوق السهو، فكان أولى بإلزام سجود السهو، والثاني: لا يقضية، وبه قال أبو حنيفة، لأن هذا السجود إنما أضيف إلى السهو، لا لاختصاصه به، لكن لأن السهو هو يقع غالبًا، فإن المصلي لا يتعمد ترك جزء من الصلاة، فأضيف إلى ما يقع من موجباته في الغالب.
وأما الصلاة على الآل في التشهد الثاني، إن قلنا: هي واجبة، لا ينجبر بسجود السهو.
وإن قلنا: هي مسنونة، فتنجبر بسجود السهو، كالصلاة على النبي عليه السلام في التشهد الأول.
وأما الهيئات، فما عدا الأبعاض، والأركان، من التسبيحات وتكبرات الانتقالات، والجهر والإسرار، والتعوذ ودعاء الاستفتاح، وهيئة اليدين في الرفع والوضع، وغيرها، فلا يقتضي ترك شيء منها سجود السهو عمدًا أو سهوًا.
وقال أبو حنيفة: إذا ترك قراءة السورة ساهيًا، يلزمه سجود السهو.
قال القاضي رضي الله عنه: والذي أختاره: أن ترك السورة يقتضي سجود السهو، لأن هذه سنة مؤكدة، ولعلها آكد من القنوت، والتشهد الأول.
وقال عليه السلام: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وشيء معها).
ومن سار إلى أن تركها لا يقتضي السجود، سار إليه لظاهر قول الشافعي

رحمه الله: ولا سجود إلا في عمل البدن، وهو مؤول على حسب ما يبين على أن هذا مما ينطلق عليه اسم العمل، غير أنه عمل اللسان، والعمل قسمان: عمل اللسان، وعمل الأركان، وإذا جهر في صلاة السر، أو أسر في صلاة الجهر، لم يلزمه سجود السهو عندنا.
وقال أبو حنيفة: إذا جهر في السر، لزمه سجود السهو، ثم منهم من قال: إنما يلزمه السجود، إذا جهر بقدر ثلاث آيات.
ومنهم من قال: بقدر آية واحدة.
ومنهم من قال: إذا جهر بأكثر القراءة، يلزمه السجود، وإلا فلا، فإذا أسره في الجهر، وافقنا على أنه لا يسجد للسهو، وربما يقولون: إذا أسر بالأكثر، أو بثلاث آيات، يلزمه سجود السهو، ولو ترك تكبيرات العيد، لا يلزمه سجود السهو.
وقال أبو حنيفة: يلزمه، كالسورة.
فأما قوله: ولا سجود إلا في عمل البد.
قيل: أخل المزني فيه؛ إذ هو مدخول عليه طردًا وعكسًا؛ لأن الالتفات اليسير في الصلاة، من جملة العمل ولا يقتضي سجود السهو، والكلام والسلام ناسيًا من الأقوال دون الأعمال، لم يقتض سجود السهو، وإنما علل الشافعي رحمه الله بهذا التعليل في مسألة أخرى، وهي أن رجلا كان في التشهد، فشك أنه في التشهد الأول أو الثاني، ثم بعد أن أتى بجزء من التشهد أو به كل، تذكر حقيقة الحال.
قال الشافعي: لا يلزمه السجود، لأنها فكرة فكرها، ولم يعمل عمل البدن.
وقد ذكرنا: أنه لا سجود في الفكرة في الصلاة، والمستحب للمصلي أن

يتفكر في مفرده فحسب، فلو تفكر في أمور الآخرة، فلا بأس، ولو تفكر في أمور الدنيا يكره له ذلك، ويخاف أن يحرم فضيلة الجماعة، لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: لا صلاة لأمريء، لا يحضر قلبه فيها.
قال المزني: وإن ذكر سجدتي السهو بعد أن سلم، فإن كان قريبًا، أعادهما وسلم، وإن تطاول ذلك، لم يعد.
قال القاضي حسين: إذا ترك سجدتي السهو، فسلم ثانيًا، إن كان الفصل يسيرًا، عاد وأتى بهما، وإن طال الفصل، أو سلم عامدًا، والفصل قريب، فهل يعود ليأتي بهما؟ ففي الجديد: لا يعود، وفي القديم: يعود.
وجه قول القديم: هو أنه جبران العبادة، فجاز أن يتراخي فيها، كالجبرانات في الحج.
ووجه قول الجديد: هو أن سجود السهو جزء من الصلاة، فلا يتراخي عن الصلاة، لأن الصلاة مرتبط بعضها بالعبض بخلاف الحج، ومثل هذين القولين القولان: فيما لو ترك ركنًا من اركان الصلاة ناسيًا، ثم ذكر بعد السلام وطول الفصل.
أحدهما: يستأنف والثاني: يبني، فيعود إلى الموضع المتروك، ويأتي به وبما بعده، ومن أصحابنا من قال القولان في سجدتي السهو.

فأما إذا ترك ركنًا ناسيًا، ثم طال الفصل بعد السلام، يستأنف الصلاة قولا واحدًا.
والفرق أن سجود السهو تتم الصلاة دوه؛ لأنه ليس بفرض، وإنما هو سنة، بخلاف الأركان، ثم في الموضع الذي يعود يسجدهما، هل يعود حكم الصلاة؟ فوجهان: أحدهما: يعود حكم الصلاة، ويلغو السلام، لأنه جزء من الصلاة، فلا يتأدى خارج الصلاة.
فعلى هذا: لو تكلم عامدًا، أو أحدث، تبطل صلاته، وأيضًا لا يحتاج إلى التكبير، ولا يعير التشهد بعد ما سجد، وأنه لو كان في الجمعة وخرج الوقت، أو كان مسافرًا ونوى الاتمام أو الإقامة، في هذا الوقت يلزمه الإتمام.
والوجه الثاني: لا يعود حكم الصلاة؛ لأنه تحلل منها، والصلاة تتم دونه.
فعلى هذا: لو تكلم أو أحدث لا تبطل صلاته، وهل يحتاج إلى التشهد؟ فعلى هذين الوجهين: إن قلنا: عاد حكم الصلاة، لا يحتاج إلى التشهد، لأنا ألغينا السلام، فيجتزيء بالتشهد السابق.
وإن قلنا: لا يعود حكم الصلاة تشهد، لأن التشهد المفعول في الصلاة وقع للصلاة، فلا يتأدى به تشهد السجدتين للسهو، أو لا يسجد سجدتي السهو ثم يتشهد.
نص الشافعي رحمه الله: على أنه، لو سجدهما قبل السلام، أجزاه التشهد، الأول، ولو سجدهما بعد السلام، تشهد لهما.
واختلف أصحابنا في هذا النص:

فمنهم من قال: إنما قصد الشافعي رحمه الله بهذا بيان حكم هذه المسألة على أصله، فعلى هذا التشهد لسجدتي السهو بعد السلام منصوص عليه.
ومنهم من قال: إنما هذا على أصل الغير، وهو أبو حنيفة، ومالك في السهو، للزيادة، فعلى هذا لا يتشهد لهما.
فرع قد ذكرنا: أن اقتداء الشافعي بالحنفي جائز على مذهب القفال رحمه الله، وإن لم يقرأ الفاتحة فلو ترك الطمأنينة في الركوع والاعتدال عن الركوع، لا يجوز للمأموم أن يتابعه، لأن هذا في ظاهر الأفعال، بخلاف القراءة.
قال المزني: ومن سها خلف إمامه، فلا سجود عليه، وإن سها إمامه، سجد معه، فإن لم يسجد إمامه، سجد من خلفه، فإن كان قد سبقه إمامه ببعض صلاته، سجدهما بعد القضاء؛ اتباعًا لإمامه، لا لما سها من صلاته.
قال المزني: القياس على أصله أنه إنما أسجد معه ما ليس من فرضي، فيما أدركت معه، اتباعًا لفعله، فإذا لم يفعل، سقط عني اتباعه، وكل يصلي عن نفسه.
قال المزني: سمعت الشافعي رحمه الله، يقول: إذا كانت سجدتا السهو بعد التسليم، تشهد لهما، وإذا كانتا قبل التسليم، أجزأه التشهد الأول.
قال الشافعي: فإذا تكلم عامدًا، بطلت صلاته وإن تكلم ساهيًا، بنى، وسجد للسهو، لأن أبا هريرة رضي الله عنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تكلم بالمدينة ساهيًا، فبنى وكان ذلك دليلا على ما روى ابن مسعود، من نهيه عن الكلام، في الصلاة بمكة، لما قدم من أرض الحبشة، وذلك قبل الهجرة، وأن ذلك على العمد.

قال الشافعي: وأحب سجود الشكر، ويسجد الراكب إيماء، والماشي على الأرض، ويرفع يديه حذو منكبيه، إذا كبر، ولا يسجد إلا طاهرًا.
قال المزني: وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأي نغاشًا، فسجد شكرًا لله، وسجد أبو بكر، حين بلغة فتح اليمامة، شكرًا.
قال المزني: النغاش: الناقص الخلق.
قال القاضي حسين: هو كما قال، لقوله عليه السلام: الأئمة ضمناء، ومن شأن الضامن التحمل عن المضمون عنه، فيحمل عنه سجود السهو، ولو سها إمامه، لزمه سجود السهو، وإنما ذلك، لأن على المأموم متابعة الإمام في الصلاة بكل حال، فإذا انفرد الامام بسهو، سجدهما متابعة له، فإذا انفرد هو به، تركهما متابعة له، هذا كما أن المأموم لو قرأ آية السجود لا يسجد، ولو قرأ إمامه سجدهما متابعة له.
والمعنى في أن المأموم إذا انفرد بالسهو، لم يلزمه سجود السهو، أنه يلزمه ذلك بسبب إمامه، فيحمل عنه إمامه، بخلاف القراءة، ثم عندنا لا فرق بين أن يسجد الإمام لسهوه، أو يتركه، في أن على المأموم سجود السهو، لأن سهوه أوقع خللاً في صلاته، ثم إنما يسجد إذا تركها إمامه بعد سلام الامام والخروج من صلاته.
وقال المزني، والبويطي، لا يلزمه سجود السهو، إذا تركه إمامه، واحتجا بأن المأموم، إنما كان سجدهما تبعًا للإمام، فإذا لم يسجد المتبوع لم يسجد التابع وهذا كما أن الإمام لو ترك التشهد الأول، لا يأتي به المأموم، بل يتابعه في تركه وإذا ترك سجود التلاوة، تركه المأموم أيضاً، متابعة له، وهذا لا يصح، لأن سهوه أوقع خللا في صلاته، وإذا خرج عن صلاة الإمام كان عليه

جبر ما وقع فيها من الخلل، كما لو جلس الإمام للتشهد الأول، ولم يقرأ لا يكلف المأموم ترك قوله، وليس كما لو قام إلى الثالثة من غير أن يتشهد، لأنا لو قلنا: يتخلف المأموم عنه، لكان التشهد أدني إلى المخالفة المتفاحشة، وفيما نحن فيه، لا يؤدي إلى ذلك، لأنه يسجدهما بعد الخروج عن صلاة الإمام.

فصل الإمام إذا سها في صلاته سهوًا، يلزم به سجود السهو، فسها عن سجود السهو، ففيه أربع مسائل: إحداهما: أنه سلم جاهلا بأن عليه سجود السهو، فقبل أن يسلم المأموم تذكر وعاد إلى الصلاة، وسجد سجدتي السهو، فهل يجب على المأموم أن يتابعه أم لا؟ يبني على الوجهين في أن الإمام هل عاد إلى حكم الصلاة ام لا؟ إن قلنا: عاد إلى حكم الصلاة لزمه متابعته، وإلا فهو يسجد ويسلم، ولا يتابعه.
الثانية: سلم الإمام جاهلاً بسجود السهو، والمأموم اشتغل بسجود السهو، فلما سجد المأموم، تذكر الإمام بأن عليه سجود السهو، عاد وسجد، فوجه واحد: أنه لا يجوز للمأموم أن يتابعه، لأنه لو تابعه يؤدي إلى زيادة سجدة، ولأنه لما اشتغل بالسجود، صار قاطعًا نفسه عن صلاته.
الثالثة: لما سلم الإمام، سلم المأموم عامدًا، أو ذاكرًا لسهوه، ثم الإمام عاد وسجد لا يلزمه متابعته.
الرابعة: سلما جاهلين، ثم تذكر، هل يجب عليه أن يتابعه، فعلى الوجهين.
فرع لو سلم المسبوق مع إمامه ساهيًا، فتذكر، فإنه يلزمه سجود السهو، لأنه سها، ولم يكن خلف إمامه، لأنه خرج من الصلاة ولو سلم إمامه، فعليه أن

يقوم في الحال، فلو لم يقم في الحال، وقد سلَّم إمامه بطول الدعاء نُظر: إن لم يكن محل تشهده بأن أدركه في الركعة الثانية، أو في الرابعة، بطلت صلاته، لأنه قعد في محل القيام، وإن كان محلُّ تشهده، لا تبطل صلاته.
فرع الإمام إذا قام إلى الخامسة ساهيًا، فجاء مسبوق، واقتدى به، نظر إن كان عالماً.
عند عامة أصحابنا: لا تنعقد صلاته بالجماعة، بل تنعقد منفردًا.
وقال القفال رحمه الله: تنعقد صلاته بالجماعة، لأن قيامه إلى الخامسة، لم يخرجه من الصلاة، فانعقد تحريمه خلفه، إلا أنه لا يتابعه في شيء، وإن كان جاهلا بحال الإمام، واقتدى به وتابعه، تحسب له تلك الركعة، ولو أدركه في الركوع، لا تحسب له تلك الركعة، لانعدام القراءة منها، ولكونه غير محسوب للإمام حتى يتحمل ذلك عنه.
فعلى هذا، لو كان في صلاة الجنازة، فجاء مسبوق، واقتدى به في صلاة الفرض.
عند عامة أصحابنا: لا تنعقد صلاته بالجماعة.
وعند الشيخ رحمه الله: تنعقد، ولا يتابعه، حتى لو كبَّر ثانيًا، لا يكبر، وكذا لو اقتدى به، وهو في سجود التلاوة، على هذا الاختلاف، والله أعلم بالصواب.
فرع إمام نسي الفاتحة، وهوى إلى الركوع، فلا يجوز له أن يركع معه، بل يقوم قائمًا حتى يعود الإمام إلى القيام، ويقرأ الفاتحة، ثم يتابعه، فإذا سَلَّم إمامه،

قام وقضى لنفسه ركعة، وفي صلاة السر، إمَّا الظهر أو العصر، أو في الآخرتين من العشاء، أو في الثالثة من المغرب، لو سجد إمامه في خلال القراءة، ترك الركوع، وهوى إلى السجود، عليه أن يتابعه، ويحمل ذلك على سجدة التلاوة، ثم إن عاد إلى القيام فذاك، وإن لم يُعده، وانتقل إلى السجدة الثانية، حينئذ هو بالخيار: إما ان يصير قائمًا حتى يعود الإمام إلى القيام، وهوي إلى الركوع، فيتابعه، ولا يخرج نفسه عن متابعته.
وبمثله: لو قام إمامه إلى الخامسة، لا يتابعه بحال، ولا يحمل ذلك على أن إمامه، ربما ترك الفاتحة في ركعة ما، والان تذكرها يريد أن يقضيها، لأنه لو تحقق ذلك، ليس عليه أن يتابعه، لأنه قرأ الفاتحة في أربع ركعات.
فإن قيل: لو كان مسبوقًا بركعة، هل عليه أن يتابعه؟ ويحمل ذلك على أن إمامه ترك الفاتحة في ركعة، أو شك المأموم بأنه، هل قرأ الفاتحة في ركعة، عليه قضاء ركعة، إن سلم إمامه عن أربعة، هل عليه أن يتابعه؟ قال القاضي رحمه الله: ليس عليه أن يتابعه، لأن ما عليه من الصلاة الواجبة، عليه فعلها وقضاؤها منفردًا، لا مع الامام، فلو صلى صلاة مع الامام إلى آخرها، ثم سجد الامام سجدة قبل السلام، فإنه يتابعه، ويحمله على أنه وقع له سهو في الصلاة، ويسجد له، ثم إن سجد سجدة أخرى فذاك، وإن لم يسجد سجدة أخرى، فالمأموم يأتي بسجدة أخرى، ويحمل على أن الامام نسي السجدة الأخرى، فرع منفرد تكلم ناسيًا في صلاة الصبح، ففي آخر الصلاة، نسي أنه تكلم ناسيًا، أو شك أنه قنت أم لا؟

سجد سجدتي السهو لأجل ترك القنوت، ثم لو تذكر أنه قد قنت، أو تذكر أنه تكلم ناسيًا.
قال: عليه أن يسجد سجدتي السهو ثانيًا، لأنه أتى بالجبران عما هو مجبور، لم يدخل عليه قفص، ولم يأت بالجبران عما هو محتاج إلى الجبر.
وفيه وجه آخر: أنه لا ياتي به ثانيًا.
فرع رجل كبر، وشرع في الصلاة، فنسي أنه كبر، فكبر ثانيًا، بنية الافتتاح، لم تبطل صلاته، لأنه ساه.
فرع مأموم في التشهد تيقن أنه ترك الفاتحة في ركعة من صلاته، فإذا سلم الإمام قام، وأضاف إليها ركعة أخرى، لا يلزمه سجود السهو، لأن السهو بترك الفاتحة في محلها، وقع خلف الامام، فتحمله الامام عنه، ولو شك هل ترك الفاتحة في ركعة أم لا؟ فإذا سلم الإمام، يقوم ويصلي ركعة أخرى، كما في المسألة الأولى، وهل يلزمه سجود السهو؟ قال رضي الله عنه: كنت أقول: في الأول يلزمه سجود السهو؛ لأن ما يأتي به بعد خروجه من صلاة الامام، زيادة منه في الصلاة، فيلزمه سجود السهو، كالمسبوق، إذا سها في قضاء ما فاته من الصلاة، يلزمه سجود السهو، لأن هذه التي يفعلها بعد سلام الامام صادرة عن تشكيك وترديد في حالة، هو فيها غير مؤاخذ بالسهو، فلم يقتض سجود السهو اعتبارًا بالحالة التي صدر الشك عنها،

بخلاف المنفرد إذا فعل ما هو زيادة منه في أحد محتمليه، لأنه صادر عن تشكيك في حالة، هو مؤاخذ فيها بالسهو، ولو أن مأمومًا سلم إمامه، ثم شك، هل ترك التشهد أم لا؟ قرأه ولا سجود عليه.
لأن أقضى ما فيه، أنه كرر قراءة التشهد، وتكرير قراءة التشهد، لا يقتضي سجود السهو، وكذا إذا قرأ التشهد مرة أخرى، ولو سها في قراءة هذا التشهد بعد سلام الإمام، أو طال الدعاء والثناء فيه، فسها فيه، سجدهما، لأنه سهو وقع بعد خروجه من صلاة الامام، هذا كله إذا لم يكن سلم مع الامام، فإن سلم مع الامام، ثم شك، هل قرأ التشهد أم لا؟ فعليه سجود السهو، لأن سلامه سهو منه في صلاته، لأن محله بعد قراءة التشهد، وقد أتى به قبلها، فكان سهوًا، ولم يتحمل عنه الامام، لأنه وقع بعد سلام الإمام، ولو أن مأمومًا قدر أن إمامه سلم فسلم، ثم بان أنه لم يسلم فعليه أن يسلم مرة أخرى، ولا يلزمه السجود، لأنه سها خلف الامام ولو أن مسبوقًا قدر أن إمامه سلم، فقام مشتغلا بالقضاء، فقضى ركعة، ثم بان أن إمامه لم يكن سلم، لم تحتسب له هذه الركعة، لأنه قضى الغائب في حالة لم يكن قضاه، لأنه إنما يجوز قضاء الغائب للمسبوق بعد سلام الامام بخلاف ما لو اقتدى بإمام، قام إلى الخامسة ساهيا، وهو جاهل بالحال، فتابعه في تلك الركعة يحتسب له بها، لأنه صلى ركعة متابعًا لإمامه، فحسب له عن الفرض، وإن كان قد سها إمامه ببعض صلاته، سجدهما بعد القضاء المسبوق، إذا سها إمامه، فلا يخلو إما أن يكون قد سها قبل إدراكه صلاته او بعده، فإن سها بعد أن أدرك صلاته فسجد سجدتي السهو في آخر صلاة الامام معه متابعة له، في ظاهر المذهب.
وقيل: لا يسجد لهما، لأنهما ليستا بمحسوبتين له، ثم إذا قضى ركعته، هل يلزمه قضاء السجدتين؟ فعلى قولين:

أحدهما: بلى؛ لأنهما ليستا بمحسوبتين له، لأن سهو سجود السهو إنما يحتسب في آخر الصلاة.
والثاني: لا، لأنه إنما لزمه سجود السهو في الصصلاة متابعة له، وإن كان قد سها قبل إدراكه في فعلها في آخر صلاة الإمام على ما بيناه، والقضاء بعد قضاء الفائت مرتب على المسألة الأولى.
إن قلنا: هناك لا يقضيهما، فها هنا أولى، وإلا فوجهان.
والفرق أن السهو في المسألة الأولى وقع وهو مقتد به، فأوقع خللا في صلاته، فلزمه السجود في محله، وفي هذه المسألة وقع وهو غير مقتد به، فلم يقع خلل في صلاته، لكنه أمر بها، متابعة له، وقد أتى بها في آخر صلاة الإمام متابعة، فلا معنى لإيجاب القضاء عليه ثانيًا.
وإنما سجدهما بعد القضاء، اتباعًا لإمامه، لا لما بقي من صلاة.
منهم من قال: أخل المزني ها هنا في النقل؛ لأن هذا التعليل لا يلائم الحكم، إذ ليس في سجودهما بعد قضاء الفائت متابعة للإمام، بل هو لما بقي عليه من فرض الصلاة.
وإنما قال الشافعي رحمه الله هذا في مسألة أخرى وهو أن المسبوق إذا سجد للسهو مع الامام، ثم سها في القضاء، يلزمه سجود السهو في آخر الصلاة؛ لأن ما أتى به من سجود السهو مع الإمام، كان لاتباع الإمام لا لما بقي عليه من فرض الصلاة، فلم يجبر الخلل الذي وقع في بقية الصلاة.
ومنهم من قال: النقل صحيح، والقصد منه أن يسجدهما بعد القضاء، ولا يقتصر عليهما في آخر صلاة الامام، لأنه فعلهما اتباعا له، لا لما بقي عليه من فرض الصلاة.
وإن تكلم عامدًا بطلت صلاته، وقد ذكرنا حكمه، واحتج ها هنا بحديث ذي اليدين، على أن كلام الشافعي لا يبطل الصلاة، وحل حديث ابن مسعود على العمد، لأنه وقع بمكة، لما قدم من أرض الحبشة، وسلم على النبي صلى الله عليه وسلم

في الصلاة، فقال له بعد أن سلم: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن ما أحدث: ألا تكلموا في الصلاة.
وقصة ذي اليدين وقعت بـ (المدينة)، والمتأخر يقضي على المتقدم.
روى أن: رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأى نعاشيًا، فسجد شكرا لله.
السجدات المشروعة، على أربعة أقسام.
سجدة في صلب الصلاة وهي واجبة كما بينا، وسجدة السهو، وسجدة التلاوة، وهما ليستا بواجبتين عندنا.
وقد حكينا عن أبي حنيقة في سجود التلاوة.
وخالفنا أيضا في سجود السهو.
فقال: هو واجب، وربما يقولون: هو مذهب أبي يوسف.
فأما عند أبي حنيفة: فلا يجب.
لنا أن سجود السهو سجود لعارض أمر، فلا يجب كسجود الشكر.
والنوع الرابع: هو سجود الشكر، وهو عندنا مستحب، وعند أبي حنيفة بدعة، وسجود الشكر، هو أن يتجدد له نعمة طالما كان يتوقعها، أو يرقبها أو تكشف عنه بلية، طالما كان فيها، ويتوقع انكشافها، فسجد شكرا لله تعالى.

والدليل على أنه مشروع ما روى أنه عليه السلام رأى نعاشيًا، فسجد شكرًا لله تعالى.
والنعاشي قيل: ناقص الخلقة.
وقيل: هو مختلط العقل.
وروى انه عليه السلام سجد فأطال السجود فلما رفع رأسه قيل له: أطلت السجود يا رسول الله فقال أتاني جبريل، وبشرني بأنك أول الأنبياء دخولا في الجنة، وإن أمتك أول الأمم دخولا في الجنة، وأنه يدخل من أمتك سبعون ألفا مع كل واحد سبعون ألف في الجنة بغير حساب فسجدت شكرًا لله تعالى.
فقيل: من هم يا رسول الله فقال عليه السلام: هم الذين لا يرقون ولا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون.
وروى: أنا أبا بكر لما بلغه فتح اليمامة، وقتل مسيلمة الكذاب، سجد شكرًا لله تعالى.
وروى أن عليا رضي الله عنه لما بلغه قتل ذي الثدية سجد شكرا لله تعالى ثم لا يخلو إما ان يكون هذا السجود لسب فيه أو في غيره، فإن كان بسبب فيه، مثل إن بشر بمولود، أو قدوم غائب، أو شفاء مريض، أو غيرها من حدوث النعم، وانكشاف البلايا، فيستحب إظهاره.
وإن كان بسبب في الغير، فلا يخلو إما أن يكون هو معذورًا فيه، مثل أن يرى زمنًا مقعدًا في مخفة، فالمستحب ألا يظهر، لأنه إذا أظهره يدخل في قلبه

شيء فلا يأمن من أن يسخط، ويحمل ذلك على كفران بالله تعالى من النعم الجسمية، إلا إذا كان أعمى لا يراه، وإن كان هو غير معذور، مثل أن يرى شريبًا منتهكًا متماديًا في الفسق، والفجور.
فيستحب له أن يظهره لعل ذلك يحمله على التوبة، والإنابة إلى الله تعالى ولا يسجد لجميع النعم، لأن نعم الله تعالى لا تعد ولا تحصى، لقوله تعالى: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها.
وإنما يسجد لنعمة طالما ترقبها كما عددناها، وكل شرط يشترط في سجود التلاوة، من ستر العورة واستقبال القبلة، والطهارة عن النجاسة، والحدث يشترط في سجود الشكر، فإن كان في الصلاة لا يسجد الشكر، وإن كان خارج الصلاة، يستحب أن يقوم، ويكبر للافتتاح، ويكبر للهوي إلى السجود ثم يكبر لرفع الرأس، منه ولا يتشهد على ظاهر المذهب، كما قلنا: في سجود التلاوة، ويجوز فعله على الراحلة بالإيماء، كما يجوز على الأرض ويرفع اليدين حذو المنكبين فيه، والله أعلم بالصواب.

باب أقل ما يجزئ من عمل الصلاة

. قال الشافعي رحمه الله، وأقل ما يجزيء من عمل الصلاة أن يحرم، ويقرأ بأم القرآن، يبتدئها بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) إن أحسنها، ويركع، حتى يطمئن راكعًا، ويرفع، حتى يعتدل قائمًا ويسجد، حتى يطمئن ساجدًا على الجبهة، ثم يرفع حتى يعتدل جالسًا، ثم يسجد الأخرى كما وصفت ثم يقوم حتى يفعل ذلك في كل ركعة، ويجلس في الرابعة، ويتشهد ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويسلم تسليمة، يقول: السلام عليكم، فإذا فعل ذلك، أجزأته صلاته وضيع حظ نفسه، فيما ترك، وإن كان لا يحسن أم القرآن، فيحمد الله، ويكبره مكان أم القرآن، لا يجزئه غيره.
قد ذكرنا الأكمل من الصلاة والأفضل، فنذكر هنا أقل ما يجزئه وأقل ما يجزئه، أن يأتي بما هو الأركان، وجملة الأركان أربعة عشر في الركعة الأولى: النية والتكبير والقيام والقراءة والركوع، والطمأنينة فيه، والاعتدال من الركوع، والطمأنينة فيه، والسجود الأول والطمأنينة فيه والاعتدال من السجود والطمأنينة فيه والسجود الثاني، والطمأنينة فيه.
وفي الركعة الثانية اثنا عشر ركنا: وهي هذه الأركان سوى النية، والتكبير، وفي التشهد أربعة أركان: الجلوس له، والقراءة، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وأقل ما يجزيه من السلام أن يقول: السلام عليكم ومن التشهد ما بيناه على قول الشافعي بتحرك أربع كلمات، وهي المباركات الصلوات الطيبات وبركاته، وعلى قول ابن سريج يحذف هذه الكلمات، ويحذف أيضًا، ورحمة الله ويقول: وأن محمدًا رسوله، وعلى قول الحليمي يحذف هذه الكلمات ويحذف الصالحين.

قال القاضي رحمه الله: لو قال: سلام عليك أيها النبي، وعلى عباد الله الصالحين، يكفي كي لا يتكرر السلام.
والصحيح ما قاله الشافعي، فكل صلاة هي ذات ركعتين، فإن فيها ثلاثين ركنًا، وما هي ذات ثلاث، فاثنان وأربعون ركنًا، وما هي ذات أربعة فأربعة وخمسون ركنا.
ومن أصحابنا من قال: وهو صاحب التلخيص أركان الصلاة كلها أربعة عشر النية والتحريمة والقيام والقراءة والركوع، والاعتدال منه والطمأنينة في الركوع، والسجود الأول، والاعتدال منه، والسجود الثاني، والجلوس للتشهد، والصلاة على النبي عليه السلام والسلام فلم يعد الركن للتكرر الا مرة واحدة، غير أنه ناقص قعد السجود مرتين، ولعله صار إلى أن الثاني من السجود غير الأول، فإنهما اجتمعا في الركعة الواحدة، والأول يهوي إليه من الركوع، والثاني من القعود.
ومن قال: إن نية الخروج من الصلاة شرط، صارت الأركان خمسة عشر، والمذهب أنها ليست بشرط.
ومن أصحابنا من يضم إلى الأركان ثلاثة، مما يعد من الشرائط، وهي الطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة.
وشرائط الصلاة خمسة: الطهارة بالماء الطهور عند وجوده، أو التيمم بالتراب الطهور عند عدم الماء، وستر العورة بثوب طاهر، والوقوف على مكان طاهر، واستقبال القبلة، والعلم بدخول الوقت، إما يقينا بالنص أو اجتهاد بغلبة الظن.
وإن كان لا يحسن غير أم القرآن، قرأ بقدرها سبع آيات، لا يجزئه دون ذلك، قال: فإن ترك من ام القرآن حرفا، وهو في الركعة، رجع إليه وأتمها، وإن لم يذكر حتى خرج من الصلاة، وتطاول ذلك، أعاد.

قال القاضي حسين: الفصل: قد ذكرنا أنه إذا كان يحسن قراءة الفاتحة، فإنه يقرؤها، فأما إذا لم يحسن الفاتحة، ولا شيئا من القرآن، فأتى بسبعة، أذكار مختلفة مثل قوله: سبحان الله، والحمد، ولا إله إلا الله، والله أكبر، كما ورد في حديث الأعرابي، ويشترط أن تكون حروف الأذكار معادلة لحروف الفاتحة، ولا يشترط أن تكون تشديدات الذكر مثل تشديدات الفاتحة، غير أنه إن كان مثله فذاك، وإلا فيأتي مكان كل تشديدة بحرف آخر.
وهل يشترط أن تكون كلمات الذكر معادلة لكلمات الفاتحة؟ فعلى وجهين: فأما إذا كان يحسن شيئا من القرآن، فلا يجوز له العدول إلى الذكر، بل يأتي به، ثم إذا كان يحسن سبع آيات، مثل آيات الفاتحة أو أطول منها فذاك، وإن ان أقصر من آيات الفاتحة، فعلى وجهين: أحدهما: يجزيه، لقول الشافعي طوالا كن أو قصارًا.
والثاني: لا حتى تكون معادلة الفاتحة، وقصد الشافعي بقوله طوالا كن أو قصارًا أنه لا بد من سبع آيات، ولا يجزيه أقل من السبع، وإن كان طوالا بحيث كانت الواحدة، منها تبلغ الفاتحة، وتزيد عليها مثل آية المداينات، فإنها لا تحسب إلا عن آية الفاتحة، وهو متبرع بما فيها من زيادة الحروف، فعلى هذا، ينبغي أن يكون سبع آيات معادلة للفاتحة أو أكثر منها، وحكم التشديدات على ما ذكرنا من قبل.
وإن كان يحسن آية من القرآن، فيستحب له أن يكررها سبع مرات، وهل يكتفي بتكريرها سبعًا أو لابد من ضم ستة أخرى إليها من الأذكار؟ فعلى وجهين: أحدهما: يضم إليه ستة أخرى، ليبلغ عدد الفاتحة.
والثاني: يكتفي بتكريرها سبعًا، ويقوم كل مرة منها مقام آية من الفاتحة، وإذا كان يحسن آية من الفاتحة، يراعي الترتيب بينها وبين ما يأتي به من الأذكار، حتى أنه إن كان يحسن الآية الأولى يقرؤها اولا، ثم يأتي بستة أذكار بقدر

ست آيات من الفاتحة، وإن كان يحسن الآية الأخيرة من الفاتحة، فيأتي بستة أذكار قبلها، ثم بها، وكذا لو كان يحسن آية من خلال الفاتحة، يأتي من الأذكار، بقدر ما بقي منها إلى آخر الفاتحة، مراعاة الترتيب.
فرع لو سئل عن رجلين: أحدهما: يحسن النصف الأول من الفاتحة.
والآخر: يحسن النصف الآخر من الفاتحة، أيهما أولى بالإمامة؟ قلنا: لا يجوز لكل واحد منهما أن يقتدي بصاحبه، وهذه مسألة يلغز فيها، فافهمه.
وقوله: ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي حسين: وذاك واجب وقد ذكرنا.
وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقيل: كيف نصلي عليك، وقد بليت، فقال له: أما علمت ان الأنبياء لا يبلون، أما علمت أن الله تعالى حرمه أجساد الأنبياء على الأرض.
ثم ذكر الشافعي رحمه الله، أنه لو ترك حرفًا من أم القرآن في ركعة من صلاة عاد إلى الموضع المتروك، وأتى به وبما بعده، وهذا إنما يكون إذا لم يفتتح سورة أخرى.
أما إذا افتتح سورة أخرى، فإنه يستأنف قراءة الفاتحة، والله أعلم بالصواب.

باب طول القراءة وقصرها

قال الشافعي رحمه الله تعالى: وأحب أن يقرأ في الصبح مع أم القرآن بطوال المفصل وفي الظهر شبيها بقراءة الصبح، وفي العصر نحوا مما يقرؤه في العشاء، وأحب أن يقرأ في العشاء بسورة الجمعة، وإذا جاءك المنافقون، وما أشبهها في الطول، وفي المغرب بـ (العاديات) وما أشبهها.
الكلام في هذا الباب، في أن تعيين السورة مستحب مسنون، والسورة التي يقرؤها في كل صلاة.
فعندنا تعيين السورة مستحب.
وقال أبو حنيفة: يكره ذلك، فعندنا يقرأ في الصبح بطوال المفصل، وفي الظهر والعشاء بأوسط المفصل، وفي المغرب بقصارها، روى عن أبي سعيد الخدري أنه قال: حرزنا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فكانت الأوليين من الظهر مثل قراءته في الصبح، وفي الآخرتين من الظهر على النصف من ذلك، وفي الأوليين من العصر شبها بالآخرتين في الظهر، وفي الآخريين من العصر على النصف من ذلك.
والمستحب من ذلك، عندنا أن يسوي بين الركعتين الأوليين في القراءة، وفي الآخريين، يقرأ على النصف مما قرأ في الأوليين، فيسوي بينهما اتباعًا للسنة، وروى ابن عباس رضي الله عنه ال صليت صلاة الصبح خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، فقرأ في الركعة الأولى سورة الجمعة، وفي الثانية، إذا جاءك المنافقون.

وروي عن جابر بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاة الصبح في الركعة الأولى يس، وفي الثانية، حم.
وعن عمران بن الحصين، أنه قال: صليت صلاة الجمعة خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ في الركعة الأولى: سبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية: هل أتاك حديث الغاشية.
وروى عليه السلام أنه قال: قرأ في العشاء والشمس وضحاها، وفي الثانية واليل.
وهذا سنة مستحبة كله عندنا، إذا كان إمامًا، وإذا كان منفردًا، فإنه يطول القراءة، ويزيد فيها ما يشاء، وقد بينا، والله أعلم بالصواب.

باب الصلاة بالنجاسة ومواضع الصلاة من مسجد وغيره

. قال الشافعي رحمه الله تعالى وإذا صلى الجنب بقوم أعاد، ولم يعيدوا واحتج في ذلك بعمر بن الخطاب، والعباس رضي الله عنهما.
قال المزني: رضي الله عنه كما لا يجزيء عني فعل إمامي، فكذلك لا يفسد على فساد إمامي، ولو كان معناي في إفساده معناه، لما جاز أن يحدث، فينصرف وأبني ولا أنصرف وقد بطلت إمامته، واتباعي له ولم تبطل صلاتي، ولا طهارتي بانتقاض طهره.
قوله: فإذا صلى الجنب بقوم، أعاد، فلو صلى وعلى ثوبه نجاسة، أو كان محدثًا، لم تصح صلاته، ولو اقتدى بإمام محدث، أو جنب، إن كان عالما به، لم تصح صلاته إذ لا صلاة للإمام وقد وقف أفعاله على أفعاله، وإن كان جاهلا بحاله، صحت صلاته، وهو في الحكم كالمصلى منفردًا، لا تحصل له فضيلة الجماعة، ولا يلزمه سجود السهو بسهو إمامه، ويلزمه السجود بسهو نفسه، فلو كان أدركه في الركوع، بان أنه لم يصر مدركًا للركعة بإدراكه فيه.
وعند أبي حنيفة يلزمه إعادة الصلاة.
دليلنا: ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم افتتح بالناس صلاة الصبح، فخرج من الصلاة وأشار، فقال: كما أنتم، فدخل البيت واغتسل، واغتسل وخرج ورأسه يقطر ماء، وأتم الصلاة، ولم يأمرهم بإعادة التحريمة.

فلو كانت الصلاة لا تنعقد خلف الجنب لأمرهم بإعادة التحريمة.
وروى ان عمر رضي الله عنه، صلى بالناس بـ (المدينة)، ثم خرج إلى قرية، فرأي في الطريق أثر الاحتلام على ثوبه، فقال: يصنع اللحم بنا هكذا إذا أكلناه، ما أراني إلا وقد احتلمت البارحة، وصليت بالناس وأنا جنب.
فأعاد الصلاة، ولم يأمرهم بالإعادة، ولأنا أجمعنا على أن الإمام إذا سبقه الحدث في خلال صلاته، لا تبطل صلاته من خلفه، فإذا كان الامام لا يقطع صلاة المأمومين مع علمهم بذلك، فلأن لا ينعقد بمنع انعقاد صلاتهم مع جهلهم به أولى، ولأن الحدث والجنابة يخفي، فلا يطلع الانسان عليه غالبا فيعذر فيه، لأنه لم ينسب فيه إلى التفريط، والتقصير بخلاف ما لو كان الامام كافرًا، أو امرأة، أو خنثى، يلزمه الإعادة، لأن الكفر والأنوثة مما يطلع عليه في الغالب، لأن الكفار والإناث علامة يمتازون بها من الذكور والمسلمين، وانتسب إلى التفريط بترك التعرف عنهما.
نظير مسألتنا أنه لو كان كافرًا يستسر الكفر، فلا يوجب الإعادة.
وقال مالك: إن علم الامام بحديث نفسه، تبط صلاة المأمومين، وإلا فلا تبطل.
وقال أبو حنيفة: إن صلى الرجل، وهو جنب أو محدث، فإن تعمده، يكفر.
وعندنا لا يكفر، ولكن يعصي ويأثم، وحكي في كره هذا القول عن بعض العلماء دون أبي حنيفة، وإذا بأن أنه كان على ثوب الامام نجاسة، فالذي في حفظي عن غيره، أنها إن كانت على ظاهر ثوبه، بحيث يقع بصره علىها، أن لو يعرف لزمه الإعادة، وإن كان على باطن ثوبه غائبًا عن بصره، فلا إعادة عليه في ظاهر المذهب.

وإذا اقتدى بإمام طاهر، ثم سبقه الحدث، وكان قد سها لزمه سجود السهو، لأنه اقتدى به، وصح الاقتداء فسهوه أوقع خللا في صلاته، وإن كان قد سها بنفسه، ثم سبقه الحدث، لم يلزمه السجود، لأنه وقع في حالة لا يؤاخذ فيها بالسهو، ولو أدرك إماما في الركوع، فسبقه الحدث في السجود، صار مدركًا للركعة، لأنه أدركه في ركوع محسوب عن الصلاة، وفي الجمعة لو بان الامام جنبا، المذهب أن صلاة القوم لم تنعقد، وعليهم الاعادة لأن الجماعة في الجمعة فرض.
وحكي صاحب التلخيص: قولا آخر عن الشافعي رحمه الله، أنه لا إعادة عليهم، وفي صلاة الجنازة، لو بان الإمام محدثا أو واحدًا من المأمومين صحت صلاة الباقين، فلا قضاء عليه، لأن صلاة الجنازة لا تقضي.
فأما إذا أحدث إمامه عامدًا، إن تابعه بعد ذلك مع علمه بحال الامام، تبطل صلاته، وإن أخرج نفسه عن صلاته، له ذلك.
وقال أبو حنيفة: إن استخلف الامام أحدا في الصلاة، لا تبطل صلاة القوم وإلا فتبطل صلاة القوم.
قال المزني: قال الشافعي رحمه الله ولو صلى رجل، وفي ثوبه نجاسة من دم أو قيح، وكان قليلا، مثل دم البراغيث، وما يتعافاه الناس، لم يعد، وإن كان كثيرًا، أو قليلا، بولا أو عذرة أو خمرا وما كان في معنى ذلك، أعاد في الوقت، وغير الوقت.
قال المزني، ولا يعدو من صلى بنجاسة من أن يكون مؤديا فرضه أو غير مؤد، وليس ذهاب الوقت بمزيل عنه فرضًا، لم يؤده، ولا إمكان الوقت بموجب عليه إعادة فرض، قد أداه.
قال القاضي حسين: الكلام فيما يعفي عنه من النجاسات، وما لا يعفى عنه، أما القيل من دم البراغيث والقمل أو البعوض، وما يخرج من بدنه من القيح والدم والصديد معفو، ولأي معنى عفي عنه؟

فيه معنيان: أحدهما: القلة.
والثاني: تعذر الاحتراز.
ولا خلاف في نجاستهما مع العفو، حتى لو عرق، فسال العرق إلى موضع آخر، أو ليس ثوبًا رطبًا أصاب المكان الرطب النجس من بدنه، أو كان على ثوبه، فاغتسل، ولبسه، حكم بنجاسة الثوب والبدن، حتى لا تصح صلاته، لأنها تفاحشت، وحدثت النجاسة الأجنبية التي لا عفو فها بالانتشار، بخلاف دم البراغيث، إذا كثر فإن في وجه، يعفي عنه، لتعذر الاحتراز، والفرق أنه علم هذا بإصابة ثوبه وبدنه، ثم طرأ العرق عليه، بخلاف دم البراغيث في الأصل.
فأما الكثير من دم البراغيث، وما يخرج من بدنه، هل يعفى عنه؟ فوجهان: بناء على المعنيين: إن جعلنا المعنى في القليل القلة، لم يعف لفقد المعنى.
وإن جعلنا المعنى فيه تعذر الاحتراز، عفي عنه، إذ الاحتراز، كما يتعذر عن القليل يتعذر عن الكثير.
فأما الدم الذي يخرج من غيره، إذا أصاب بدنه أو ثوبه، ما لا يعفي عنه من دم البراغيث، لم يعف عنه، لأنه إذا لم يعف عنه، والخارج من بدنه لئلا يعف من الخارج أولى، وما يعفي من دم البراغيث، والخارج من بدنه، إذا خرج من بدن غيره وأصابه، هل يعفى عنه؟ فوجهان: والفرق أن الاحتراز لا يتعذر عن الدم الذي يخرج من الغير، بخلاف ما يخرج من نفسه.
وقد قال الشافعي في القديم: ويعفي عن قدر كف من الدم

وقال في موضع آخر، يعفى عن قدر دينار من الدم.
فأما ما عدا الدم من النجاسات من الدبر كالبول، والعذرة، والخمر، إذا أصاب بدنه، فلا يعفى عنه، أدركه الطرف، أو لم يدركها، وإذا أصاب ثوبه، فما يدركه الطرف منها غير معفو عنه، وفيما لا يدركه الطرف قولان: أظهرهما: أنه غير معفو، كما لو أصاب البدن.
والثاني: مفعو، ذكره في القديم.
وقال أبو حنيفة: النجاسات قسمان: مغلظة، ومخففة.
فالمغلظة: كالعذرة، والخمر، وبول ما لا يؤكل لحمه، وغيرها فيعفى عما هو بقدر الدرهم، وما دونه، فإن زاد على قدر الدرهم، لم يكن معفوا.
والمخففة مثل: بول ما يؤكل كل لحمه، يعفى عن ربع الثوب عنه، وما دون الربع فإن زاد على الربع فلا يعفى، وإذا صلى وعلى ثوبه ما لا يعفى عنه من النجاسات، إن كان عالما بالحال، لم تنعقد صلاته، وإن جهلها حتى فرغ من الصلاة، أعاد في الجديد.
وبه قال ابو حنيفة، كما لو بان محدثا أو جنبا، لأن الطهارة، كما تشترط من الحدث، تشترط من النجاسة.
وفي القديم: لا إعادة عليه بخلاف الحدث، لأنه في ذاته يخصه، فانتسب في الجهل به إلى التفريط، لأن الإنسان يحيط علمًا بما يقع في ذاته ويخصه، حسب ما لا يحيط بما هو أجنبي منه.
ولما روى عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، أنه قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فخلع نعليه، فخلعنا نعالنا، فلما سلم، فقال عليه السلام: ما لكم خلعتم نعالكم، فقلنا: لأنك خلعتها يا رسول الله، فقال عليه السلام: أتاني جبريل وأخبرني أن منهما قذى، أو قال: أذى، فخلعتهما، ثم قال: إذا أتى

أحدكم المسجد، فليقلب نعليه، فإن كان عليهما أذى، فليمسحهما بالأرض، أو قال: فليدلكهما بالأرض، أو قال: فليفركهما بالأرض، فإنه طهور.
كذلك ومن قال بالأول، أجب لأنه أراد بالقذى، أو الأذى، ما يستقذر من الطاهرات، مثل النخامة والمخاط، وإنما خلعهما لتنزيه المسجد عنهما، لأن المسجد ينزه عن المستقذرات، وإن كان طاهرًا، ويحتمل أنه كان قبل استقرار حكم النجاسات، وتحريم فعل الصلاة معها، ثم نسخ، ولعل النسخ ورد في خلال تلك الصلاة فخلعهما عليه السلام.
ومثل هذين القولين: القولان فيا لو نسي المسافر الماء في رحله، فصلى بالتيمم، والقولان فيما لو ترك الترتيب ناسيًا في الوضوء، وإن علم النجاسة ثم نسيها.
فالمذهب: أن عليه الإعادة، وخرج عليه من قول آخر من نسيان الماء في الرحل: أن لا إعادة عليه، ثم عندنا تلزمه إعادة كل صلاة تيقن أنه صلاها مع النجاسة، فأما ما شك في كون النجاسة معه فيها، لا يلزمه إعادتها، لأن الأصل: الطهارة.
وقال أبو حنيفة: إن كانت النجاسة رطبة، أعاد الصلاة واحدة، وإن كانت يابسة، إن كانت في الصيف أعاد صلاة واحدة، وإن كان في الشتاء، أعاد صلوات يوم وليلة، ولا يفصل على القولين بين أن يعلم بالنجاسة والوقت باق أو فائت.
وقال مالك: إن كان الوقت باقيًا أعاد الصلاة، وإن خرج الوقت، ثم علم

بالنجاسة، لم تلزمه الإعادة، وإياه عني الشافعي رحمه الله عليه بقوله:: في الوقت وغير الوقتن واحتج المزني عليه بأن الصلاة المؤداة مع النجاسة، لا تخلو إما أن تكون صحيحة، أو فاسدة.
فإن كانت صحيحة فلا معنى لإيجاب الإعادة عليه لبقاء الوقت، وإن كانت فاسدة، فلا معنى لسقوط الإعادة بخروج الوقت، لأن خروج الوت لا يصحح الفاسد، ولو صلي في ثوب، فلما فرغ من الصلاة، ظهر أنه كان على ثوبه ثقبة، تظهر عورته، إن لم يكن يعلم ذلك، فيخرج على وجهين بناء على هذين القولين.
وإن علم فنسي، فالمذهب أن عليه الإعادة.
فرع إذا شرع في الصلاة فجاء واحد، ووقف بجنبه مع ثوب نجس، فإن مس هو بثوبه ثوبه، بطلت صلاته، ولو أن صاحب الثوب النجس ماس بثوبه النجس بدن المصلي أو ثوبه، إن نحاه في الحال، لم تبطل صلاته، وإن صبر ساعة، بطلت صلاته، لأنه إذا نحاه في الحال فقد أدى ما عليه، ولم ينسب إلى التقصير، فيعذر عليه، وإذا صبر ساعة، لم يعذر فيه، ولو وقعت نجاسته على مصلاه، فنحاها، قال القاضي رضي الله عنه: يحكم ببطلان صلاته؛ لأنه قصد النجاسة ومسها، ولو وقعت بالهواء على ثوبه، فنفضها، لا تبطل صلاته، لأنه قصد هجران النجاسة، وهو معذور فيه، وإن كانت النجاسة رطبة فوقعت على بدنه وثوبه، تبطل صلاته، اللهم إلا أن تكون وقعت على منديله فرماه في الحال، لم تبطل صلاته، ولو كان ناسيًا، قد ذكرنا أنه لو رماه بيديه أو بكمه، تبطل صلاته، لو رماها برأس الخشبة، فيه وجهان كما لو صلى وبيده طرف حبل، والطرف الآخر مشدود في عنق كلب، ولو وقعت على طرف مسجده أو ثوبه إن رفع طرفه ليرميه، فإنه يصير حاملاً للنجاسة،

تبطل صلاته، وإن وقع ثوبه على النجاسة، إن علم به في الحال ورفعه، فيه وجهان، وإن لم يرفع في الحال، بطلت صلاته، فأما إذا وقعت نجاسة على مسجده بحذا صدره، وسجد عليه، فيه وجهان.
ولو حمل مستنجيًا بالحجارة في الصلاة، فيه وجهان: أحدهما: لا تبطل صلاته، لأنه لو صلى بنفسه تصح صلاته.
والثاي: لا تصح.
والفرق بينهما: أن هناك هو معذور فيه، وها هنا لا حاجة إلى ذلك، فافترقا.
فأما إذا حمل قارورة، فيها نجاسة مضمومة الرأس.
المذهب انه تبطل صلاته، لأنه تحقق أنه حامل للنجاسة، بدليل أنه يمكنه إخراج النجاسة منها متى شاء، بخلاف ما لو حمل صغيرا في الصلاة، تصح صلاته، لأنه لا يمكنه إخراج النجاسة عنه باختياره متي شاء.
قال المزني: قال الشافعي رحمه الله وإن كان معه ثوبان، أحدهما طاهر، والآخر نجس، ولا يعرفه فإنه يتحرى أحد الثوبين، فيصلي فيه، ويجزئه وكذلك إناءان من ماء، أحدهما طاهر، والاخر نجس، فإنه يتوضأ بأحدهما على التحري، ويجزئه.
قال القاضي حسين: إذا اشتبه الطاهر والنجس يتحرى كما في الأواني، ويستعمل ما أدى اجتهاده إلى طهارته، سواء كان في عدد الطاهر والنجس سواء، أو لم يكن سواء.
ووافقنا أبو حنيفة فيه.
وقال المزني: يصلي في كل واحد من الثوبين، ليكون مؤديا للفرض في ثوب طاهر بيقين كما لو نسي صلاة من صلاتين تكلف الإتيان بهما، وعندنا يتحرى، كما بينا، ولو فعله كما قاله المزني، لا تصح واحدة من صلاتيه، لأنه

شرع في كل واحدة منهما، وهو [متردد] في نيته، وشرط صحة الصلاة أن يجزم النية فيها، ويكفينا أن ما أمر فيه بالصلاة من شرائط الصلاة يتحرى فيه عند الاشتباه، ولا يستعمل الصواب، والخطأ على التبخيت كما في القبلة.
وفي الصلاة الثانية يجتهد ثانيا، فإن أدى اجتهاده إلى ما أدى إليه في الصلاة الأولى، فذاك، وإن أدى اجتهاده إلى الثاني، فحكمه حكم ما لو وجد ثوبًا نجسًا، وإذا وجد ثوبًا نجسًا، هل يلزمه استعماله؟ فعلى وجهين: ذكرناهما: أحدهما: يلزمه، فعلى هذا يستعمل أي الثوبين شاء، وأعاد الصلاة.
والثاني: لا يلزمه، فعلى هذا، لا يصلي على واحد منهما، بل يصلي عاريًا، وقد بينا حكم العاري، وإن كانت الثياب التي اشتبه النجس منها عشرة، فليجتهد في كل صلاة، فيؤدي اجتهاده إلى ثوب آخر، ويصلي فيه، وتصح صلاته، فإذا انتهي إلى العاشر، فالحكم ما بيناه في الثاي، إذا كانا ثوبين وإن كان معه ثوب طاهر بيقين، وثوبان بهذه الصفة فوجهان: أحدهما: لا يتحراه، كالحاكم إذا وجد النص، لا يجتهد في الحادثة.
والثاني: يتحرى، والفرق، أن النص هناك في محل الاجتهاد، وهو الحادثة، وها هنا في غير محله، لأن الاجتهاد في الثوبين والنص في الماء، وإذا اجتهد فأدى اجتهاده إلى أحدهما، ثم غسل ما أدى اجتهاده إلى نجاسته هل له استعمال آخر؟ فعلى هذين الوجهين، وإذا غسل أحد الثوبين قبل الاجتهاد، ثم أدى اجتهاده إلى أنه غسل النجس، هل له استعمال غير المغسول؟ فعلى هذين الوجهين، وإذا غسل ما أدى اجتهاده إلى نجاسته، ثم ظاهر بينهما، فجعل أحدهما ظهارة، والآخر بطانة، هل يجوز له أن يصلي فهما؟ فعلى هذين الوجهين، لأن في المسائل كلها، أمكنه استعمال طاهر بيقين، ولو أصاب موضعا من البساط نجاسة، واشتبه عليه تحرى لكل صلاة، وصلى

على موضع منه، أدى اجتهاده إلى طهارته، إلا أن يبقى من البساط قدر مكان النجاسة، والله أعلم الصواب.
قال المزني: وإن خفي موضع النجاسة من الثوب غسله كله، لا يجزئه غيره.
قال القاضي حسين: صورة المسألة ثوب أصاب موضعًا منه نجاسة، واشتبه محل النجاسة، فعليه أن يغسل الثوب، وامتناع صحة الصلاة معه، وإذا غسل الثوب، وهو شاك في ارتفاع النجاسة، وصحة الصلاة معه، ولا يترك، اليقين بالشك، كما لو نسي صلاة من صلاتين، يعيدهما للخروج من الفرض باليقين، وإذا أصاب أحد الكمين نجاسة واشتبه عين النجس، فوجهان: أحدها: يلزمه غسل الكمين، لأنهما في حكم واحد للمعنى الذي ذكرناه.
والثاني: يغسل أحدهما بالاجتهاد، لأنهما مفصلين كالثوب، والعمامة، إذا أصاب أحد طرفيها نجاسة، فاشتبه النجس، فعلى هذين الوجهين: أحدهما: يغسل أحد الطرفين بالاجتهاد.
والثاني: يغسلهما بناء على اليقين.
فرع الثوب المتضمخ بالنجاسة، إذا بعضه في الغسل، فغسل أحد نصفيه مرة، ثم النصف الآخرة مرة أخرى.
قال صاحب الإفصاح: صح الغسل، وحكم بالطهارة؛ لأن النجاسة جامدة، والثوب جامدة، ولا يتعدى الجامد إلى الجامد.
واحتج فيه بقوله عليه السلام: في الفأرة، تقع في السمن، إن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فأريقوه، فأمر بإلقاء ما حولها، فدل أن النجاسة لا تتعدي في الجامدان، من محل إلى محل.
وقال صاحب التلخيص، وهو اختيار القفال، وهو الأصح: إنه لا

يحكم بطهارة الثوب النجس، إذا غسل في دفعتين، لأن النصف الأول مبتل، وينتشر البلل من النصف الثاني إليه إذا غسله، فيتنجس النصف الأول، لأن البلل مبناه على الانتشار، بخلاف الجامد.
ومن أصحابنا من قال: يتصور غسله في دفعتين، بأن يصب الماء على أعلى الثوب إلى النصف ثم يصب الماء على النصف الثاني، لأن البلة لا تتراد إلى الاعلى، ولا ينتشر إليها الماء، لأن طبع كل مائع الانحدار، وهذا غير صحيح فرع إذا وضع الثوب النجس في الإناء، وصب الماء عليه حتى غسله، فإنه يعود طاهرًا، فلو صب الماء أولاً في الإناء ثم مس فيه الثوب النجس، فإنه لا يطهر أصلا.
قال المزني: وإن أصاب ثوب المرأة من دم حيضها قرصته بالماء؛ حتى تنقيه ثم تصلي فيه.
قوله: فإن أصاب ثوب المرأة من دم حيضها.
قال القاضي حسين: دم الحيض إذا أصاب الثوب، تغسلها بالماء، فإن بقي اللون، والأثر حتته، ثم قرضته، ثم غسلته بالماء لأمر النبي صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت أبي بكر في دم الحيض: حتيه، ثم اقرضيه، ثم اغسليه بالماء.

فلو أنعمت الحت والقرض بالماء، وبقي اللون، فيستعمل الأشنان والصابون، ولو بقي اللون بعده فهو معفو عنه.
روى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كنا نغسل الثوب من دم الحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيبقى فيه بقعة، فنلطخه بالزعفران، ثم نصلي فيه.
والمراد بالبقعة، العلامة، ومنه سميت البقعة لامتيازها عن غيرها، وسئل فقيل: هل يحكم بطهارة الثوب، إذا بقي لون دم الحيض فيه، مع العفو عنه؟ فقال رضي الله عنه: إذا بقي يجب أن يرتب على أن بقاء الرائحة، هل يدل على بقاء العين فيما لها رائحة ذكية من النجاسات كالخمر وبول المبرسم؟ وفيه قولان: أحدهما: يدل على بقاء العين، فعلى هذا، بقاء اللون لا يدل على بقاء العين أولى.
والثاني: لا يدل على بقاء العين، فعلى هذا، في اللون يحتمل وجهين: أحدهما: لا يدل على بقاء العين كالريح والثاني: يدل.
والفرق أن اللون أقوى من الريح، لأنه في الحقيقة جزء لطيف من العين، فلا يتصور انفكاك اللون من العين، والريح قد ينفك عنها، فإن البيت إذا

وضعت فيه الخمر مدة، ثم اخرجت منه تبقي رائحتها فيه زمانا ولا عين، فلو صبغ الثوب بصبغ نجس فغسله بالماء وأنعم الغسل وبقي اللون.
قالوا: يحكم بطهارته: لأن الماء يقدر على إزالة النجاسة، ورفعهما، ولا يقدر على قطع الألوان، ورفعها من المحال، فإذا أورد الماء عليه، فعلمنا أن ما يمر عليه من النجاسة قد زالت، وإنما بقي اللون، لأن الماء لا يقوى على إزالته يدل عليه أن الصبغ النجس عند الانفراد إذا غمر بالماء، يحكم بطهارته، واللون دائم كان قبل الغسل.
وإذا اختصبت المرأة بالحناء النجس، ثم غسلته يحكم بطهارة المحل، وإن بقي اللون لما ذكرنا من المعنى، وهو أن الماء مزيل للنجاسة، وإن كان يضعف عن قلع الألوان.
والصحيح في ثوب الحائض إذا غسل، وبقي الأثر أن ذلك يكون طاهرًا، لأنه لو كان نجسًا، معفوًا لكان إذا أصابه بلل تنجس كمحل الاستنجاء، وها هنا لا يصير نجسًا بإصابة البلل، لما روى عن عائشة، فنلطخه بالزعفران ونصلي فيه.
قال المزني: ويجوز أن يصلي بثوب الحائض، والثوب الذي جامع فيه الرجل أهله وإن صلى في ثوب نصراني، أجزأه، ما لم يعلم فيه قذرًا، وغيره أحب إلي منه.
قال القاضي حسين: وهو كما قال لأن الأصل طهارة الثوبين، والطاهر أيضا في حق المسلمين.
روى عن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة، فكان إذا سجد غمز رجلي، فقبضتها، وإذا قام مددتها.
وأما ثياب المشركين: إن كان ثوب مشرك يتوقي النجاسات، كاليهود والنصارى يجوز أن يصلي فيه، لأن الأصل والظاهر طهارته، كما في حق

المسلمين، وإن كان ثوب مشرك يتدين باستعمال النجاسات، كالمجوس، ففيه قولان: أحدهما: هو طاهر، لأن الأصل طاهرة الثوب.
والثاني: هو نجس، لأن الظاهر نجاسته.
وهكذا كل مسألة تقابل فيها أصلان، أو أصل وظاهر كالمقبرة القديمة التي شك في نبشها، ووحل الطريق.
فعلى هذين القولين.
قال المزني: وأصل الأبوال، وما خرج من مخرج حي مما يؤكل لحمه أو لا يؤكل لحمه.
قال القاضي حسين: الحيوانات قسمان: حيوان له نفس سائلة.
وحيوان ليس له نفس سائلة.
فأما ماله نفس سائلة، فعلى قسمين: قسم يؤكل ميته كالسمك، ففيما يخرج منه من دمه وبوله وروثه، وجهان: وكذلك فيما يخرج من الجراد من هذه الأشياء: أحدهما: هو طاهر كالرطوبات المتحللة من اللحوم الطرية.
والثاني: نجس قياسًا على غيرهما.
وقسم لا يؤكل ميتة.
فعندنا: ما يخرج منه من البول والروث نجس، سواء كان مأكول اللحم، أو غير مأكول اللحم، وسواء كان ذرق طائر، او غير طائر.
وقال أبو حنيفة: ذرق الطير طاهر.
ويحتجون فيه بإجماع أهل الحرمين على إمساك الحمامات في المسجد الحرام مع علمهم بوجوب تنزيه المساجد عن النجاسات

جارٍ التحميل