أحدهما: أنه يلزمه ذلك كما لو حكم الحاكم بالاجتهاد، ثم تبين أنه خالف النص في ذلك.
والثاني: لا يلزمه ذلك، لأنه أدى ما كلف، وقول من اجتهد فصلى هذا يدل على أنه إنما تبين له يقين الخطأ من بعد فراغه من الصلاة، لن قوله: فصلى إنما يستعمل فيما إذا فرغ عن الصلاة، فأما قبل الفراغ عنها لا يقال: إنه صلى.
وقوله: استأنف، هذا اللفظ يدل على أنه كان في خلال الصلاة، لأنه لو كان بعد الفراغ عنها، يقال: أعاد ولا يقال: استأنف، فحصل من هذا أنه إذا تبين له ذلك بعد الفراغ من الصلاة قولان.
فأما إذا ظهر له يقين الصواب من الخطأ في حال الصلاة، فيه قولان، مرتبان على ما إذا بدا له ذلك بعد الفراغ من الصلاة.
إن قلنا هناك: يستأنف فها هنا أولى.
وإن قلنا: هناك: لا يستأنف فها هنا وجهان، والفرق أن هناك إنما ظهر له بعد فراغه من الصلاة، وها ها قبل فراغه عن الصلاة، فيكون بالاستئناف أولى إذا تبين له يقين الخطأ، ولم يتبين له يقين الصواب، فيه وجهان مرتبا على الأول.
إن قلنا: إنه إذا تبين له يقين الصواب لا يستأنف، فها هنا أولى وإلا فوجهان:
والفرق أن هناك تبين له يقين الصواب، فكان أولى بوجوب الاستئناف بخلاف ما نحن فيه.
قال المزني: ويعيد الأعمى ما صلى معه، متى أعلمه، وإن كان شرقًا، ثم رأى أنه منحرف وتلك جهة واحدة، كان عليه أن ينحرف ويعتد بما مضى، وإن كان معه أعمى، ينحرف بانحرافه، وإذا اجتهد به رجل، ثم قال له رجل آخر، قد أخطأ بك، فصدقه تحرف، حيث قال له، وما مضى مجزئ عنه، لأنه اجتهد به من له قبول اجتهاده.
قال المزني: رحمه الله: قد احتج الشافعي في كتاب الصيام فيمن اجتهد، ثم علم أنه أخطأ، أن ذلك يجزئه، بأن قال: وذلك أنه لو توخي القبلة، ثم علم بعد كمال الصلاة: أنه أخطأ أجزأت عنه، كما يجزئ ذلك في خطأ عرفة، واحتج أيضا في كتاب الطهارة، بهذا المعنى، فقال إذا تأخى في أحد الإنائين، أنه طاهر والآخر نجس، فصلى ثم أراد أن يتوضأ ثانية، فكان الأغلب عنده: أن الذي ترك هو الطاهر، لم يتوضأ بواحد منهما، ويتيمم، ويعيد كل صلاة صلاها بتيمم، لأن معه ماء متيقنًاـ، وليس كالقبلة يتأخاها في موضع، ثم يراها في غيره لأنه ما م ناحية إلا وهي قبلة لقوله.
قال المزني: فقد أجاز صلاته، وإن أخطأ القبلة في هذين الموضعين، لأنه أدى ما كلف ولم يجعل عليه إصابة العين، للعجز عنها في حال الصلاة.
قال المزني: وهذا القياس على ما عجز عنه المصلى في الصلاة، من قيام، وقعود وركوع، وسجود وستر أن فرض الله كله ساقط عنه، دون ما قدر عليه من الإيماء عريانًا، فإذا قدر من بعد، لم يعد فكذلك إذا عجز عن التوجه إلى عين القبلة، كان عنه أسقط، وقد حولت القبلة، ثم صلى أهل قباء ركعة إلى غير القبلة، ثم أتاهم آت، فأخبرهم أن القبلة قد حولت، فاستداروا وبنوا بعد يقينهم، أهم صلوا إلى غير قبلة، ولو كان صواب عين القبلة المحول إليها فرضًا ما أجزأهم خلاف الفرض، لجهلهم به، كما لا يجزيء من توضأ بغير ماء طاهر لجهله (به)، ثم استيقن أنه غير طاهر فتفهم رحمك الله.
قال المزني: ودخل في قياس هذا الباب، أن من عجز عما عليه من نفس الصلاة، أو ما أمر به فيها، أو لها: أن ذلك ساقط عنه، لا يعيد إذا قدر، وهو أولى بأحد قوليه، من قوله فيمن صلى في ظلمة، أو خفيت عليه الدلائل، أو به دم، لا
يجد ما يغسله به، أو كان محبوسًا في نجس: أنه يصلي كيف أمكنه ويعيد إذا قدر.
قوله: ويعيد الأعمي ما صلى معه متى أعلمه، فإذا صلى الأعمي بتقليد من كان بصيرًا، ثم بان للبصير يقين الخطأ ويقين الصواب، ففي كل موضع قلنا: يجب على البصير إعادة الصلاة.
قلنا: إنه يجب على الأعمى إعادتها أيضًا، وفي كل موضع.
قلنا: إنه إذا تغير اجتهاده ينحرف إلى تلك الجهة.
قلنا: إن الأعمى ينحرف إلى تلك الجهة أيضًا، وفي كل موضع قلنا: إنه إذا تغير اجتهاده يمنة أو يسرة.
فإنه ينحرف إليها، فيكون حكم الأعمي فيها حكم البصير الذي قلده الأعمى في ذلك حرفًا بحرف، والنص يدل عليه؛ لأنه قال: وإن كان شرقًا، ثم رأى أنه منحرف وتلك الجهة واحدة، فإن عليه أن ينحرف ويعيد بما مضى، وإن كان معه أعمى انحرف بانحرافه.
...
فرع
إذا اجتهد رجلان أو جماعة، فاتفق اجتهاد الكل إلى جهة واحدة، وشرعوا في الصلاة بالجماعة، ثم تغيرا اجتهاد المأمومين يمنة أو يسرة، ماذا حكمه؟
نقدم على هذا مقدمة، وهي لو كان في ابتداء الصلاة، وقبل الشروع فيها أدى اجتهاد الكل إلى جهة واحدة إلا أنه تغير اجتهاد الإمام في تلك الجهة يمنة أو يسرة، فهل يجوز لغيره الاقتداء به أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن الشافعي -رحمه الله- قال: لو اختلف اجتهاد رجلين لم يسع لأحدهما اتباع صاحبه.
والثاني: يجوز، ويحمل النص على ما لو تغير اجتهادهما في جهتين مختلفتين،
وها هنا في جهة واحدة، وكان الاختلاف يسيرًا فكان معفوا، فلا يمنع صحة الاقتداء، والله أعلم بالصواب.
قوله: إذا صلى الأعمى بالتقليد، ثم قال له رجل آخر: قد أخطأ بك فلان، ينظر فإن كان في خلال الصلاة، وكان الآخر عنده دون الأول أو مثله، فلا يلتفت إلى قوله، بل يمضي في صلاته، وإن كان أرجح من الأول عنده، فإنه إن قال: أخطأ بك في التحرف يمنة أو يسرة، فإنه ينحرف ويمضي في صلاته، ولا إعادة عليه، وإن قال: أخطأ بك في الجهة، فيخرج على القولين وقد ذكرناهما.
فأما رذا كان قبل الشروع في الصلاة ينظر فيه، فإن كان الثاني دون الأول عنده في الاجتهاد، فإنه لا يصدقه، بل يصدق الأول فيه، وإن كان دون الأول، فإنه كالمتحير يصلي إلى أي الجهتين شاء ويعيد، وإن كان أرجح من الأول، فإنه يصدقه، ويصلي إلى الجهة التي دله عليها.
فأما إذا شرع في الصلاة بدلالة بصير، ثم ارتد بصيرًا في خلال الصلاة، فإن قلنا: يجوز له التقليد في الابتداء لو كان بصيرًا، فها هنا يمضي في صلاته.
وإن قلنا: هناك لا يجوز له التقليد، فها هنا وجهان:
أحدهما: وهو الصحيح أنه تبطل صلاته، لأنه بصير، فلا يجوز له التقليد، كما لو كان في ابتداء الصلاة.
والثاني: أنه لا تبطل صلاته؛ لأن صلاته انعقدت في الابتداء بالتقليد، ففي الدوام مثله؛ لأن الدوام ينبني على الابتداء، فأما إذا كف بصره في خلال الصلاة، ثم قال له آخر: فإن احتمل أنه تحول عن ذلك المكان، فإنه يعتمد على قوله في ذلك، وإلا فلا.
فإن قيل: قد قلتم بأنه إذا شك في أنه هل صلى ثلاثًا، أو أربعًا يبني على اليقين، ويطرح الشك، فوجب أن يقولوا ها هنا، لا يصلي بالاجتهاد، بل يؤخر الصلاة حتى يتيقن له إصابة عين القبلة.
قلنا الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن هناك ليس لذلك أمارات ودلالات تلوح له أنه صلى ثلاثًا أو أربعًا، فلهذا قلنا: إنه يترك الاجتهاد، ويأخذ باليقين، وها هنا للقبلة أمارات ودلالات تعرف بها جهة القبلة، فقلنا: بأنه يجتهد فيها حتى تلوح له تلك الدلالة.
وأيضا إن هناك لو قلنا: إنه لا يجتهد، ويبني على اليقين لا يؤذي إلى إخراج الصلاة عن وقتها، فقلنا: بأنه جائز، وها هنا لو قلنا: بأنه لا يجتهد، ويترك حتى يتبين له يقين الصواب لأدى ذلك إلى خروج الصلاة عن وقتها، وهذا لا يجوز.
وقال أبو حنيفة: لو صلى ثم تبين له يقين الصواب، ويقين الخطأ لا يلزمه الإعادة، وهو اختيار المزني، واحتج عليه بمسائل:
منها: أن الأسير في أيدي الكفار إذا اشتبه عليه شهر رمضان، فإنه يصوم شهرًا بالاجتهاد، وإن وافق ذلك الشهر غير الشهر أي شهر رمضان لا قضاء عليه.
قلنا: فيه تفصيل على المذهب، إن وافق ذلك الشهر شهرًا قبل شهر رمضان فإنه يلزمه القضاء، وإن وافق شهرًا بعده لا يلزمه القضاء، لأن الواجب عليه ما أتى به، وفي الجملة الفرق بينهما أن الصوم يجوز له تأخيره عن وقته باختياره مع علمه بذلك بعذر المرض والسفر ونحوهما، فجاز أن يقال بأنه لا يلزمه القضاء، وها هنا لا يجوز له ترك استقبال القبلة باختياره مع علمه بذلك، فقلنا: بأنه يلزمه القضاء إذا تحقق منه ترك استقبال القبلة.
واحتج أيضًا بأن الحجيج لو وقفوا بعرفة غالطين يوم العاشر، فإنه يجزيهم حجهم ولا قضاء عليهم.
قلنا: له فيه تفصيل أيضا، والصحيح أنهم إذا كانوا خلقًا كثيرًا لا يلزمهم الإعادة، والفرق بين هذا وذاك من وجهين:
أحدهما: أنا لو أمرناهم بالقضاء، لأدى ذلك إلى إلحاق الضرر بالخلق الكثير والجمع الغفير، بخلاف ما نحن فيه.
والثاني: أن هناك لا يؤمن من وقوع مثله في القضاء، كما وقع في الأداء، فلو أمرناهم بذلك لأدى ذلك إلى أن يتكرر القضاء عليهم مرارًا، وها هنا إذا تعين له يقين الصواب، لا جرم لا نأمره بقضاء الصلاة لأنه ربما يقع مثله في القضاء كما لو وقع مثله في الأداء، واحتج أيضا في كتاب الطهارة بهذا المعنى في الإناءين إذا أدى اجتهاده، واستعمله، ثم في وقت صلاة أخرى أدى اجتهاده إلى أن الذي نزل هو الطاهر.
قال: لم يتوضأ بواحد منهما، بل يتيمم ويعيد، ولا حجة له فيه، لأن وزان مسألتنا منه أن لو تحقق له أنه استعمل الأول وهو نجس، فلا جرم قلنا بأنه يلزمه إعادة الصلاة.
فأما إذا لم يتحقق له نجاسة الأول، فلا يلزمه إعادتها، فوزانه من مسألتنا أن لو صلى بالاجتهاد إلى جهة، ثم تغير اجتهاده في الصلاة الثانية إلى جهة أخرى لا يلزمه قضاء الأولى دل على أنه لا فرقا بينهما ثم أخذ يفرق بينهما.
فقال: ليس كالقبلة يتأخاها في موضع ثم يراها في غيره، لأنه ليس من ناحية إلا وهي قبلة لقوم، أراد به إذا صلى إلى جهة، ثم تبين له يقين الصواب، فإن تلك الجهة كانت قبلة لقوم في الجملة، فجاز ألا يؤمر بإعادة الصلاة إليها، فأما إذا تيقن أنه استعمل الماء النجس، فإن ذلك لا يكون طاهرا في حق واحد ما، فلهذا قلنا: تلزمه إعادة الصلاة ثانيًا، واختلف أصحابنا في قوله: ليس من ناحية إلا وهي قبلة لقوم.
فمنهم من قال: أراد به أن المشرق قبلة لأهل المغرب، والمغرب قبلة لأهل المشرق على قول بعض الناس.
ومنهم من قال: أراد به أن كل جهة قبلة لصلاة الفرض في حق المستأنف،
والصلاة النفل في حق المسافر والعذر عنه، إن تلك الجهة وإن صارت قبلة لقوم في حال، فإنما صارت قبلة لهم بعذر وبضرورة ثبتت في حقهم، وها هنا لم يوجد ذلك المعنى في حقه، فأشبه ما إذا تطهر ثم تبين له أنه استعمل الماء النجس فيلزمه إعادة الصلاة لكونه غير معذور فيه كذا هذا، وهذا هو الجواب عن قوله: إنه أدى ما كلف.
قلنا لا نسلم، بل أدى غير ما كلف، لأنه مفرط فيه، بل الواجب عليه أن يمعن في الطلب، ويبالغ فيه حتى يبين له في الابتداء ما يبين في الاخرة، فأشبه ما إذا طلب الماء، ونسي الماء في رحله، وصلى فإنه تلزمه الاعادة كذا هذا مثله، واحتج أيضا بما إذا عجز المصلي عنه في الصلاة من القيام، أو القعود، أو الركوع والسجود أو الستر، أو كان محبوسًا في حش، أو به دم سائل، فإنه يصلي كيفما أمكنه، وأن فرض الله كله ساقط عنه دون ما قدر عليه من الإيماء عريانًا، فإذا قدر من بعد لم يعد، والعذر عنه ما ذكرنا في باب التيمم، أن الأعذار على قسمين والفرق بينهما ما ذكرنا من أنه قد تحقق العذر في حقهم فلهذا أسقط عنهم الصلاة ها هنا بعكسه، واحتج أيضًا بقصة أهل قباء، أنهم كانوا في الصلاة، فأخبرهم آت أن القبلة حولت، فاستداروا وبنوا بعد يقينهم انهم صلوا إلى غير قبلة، أو كان صواب عين القبلة المحول إليها فرضًا لما أجزأهم خلاف الفرض لجهلهم به، كما لا يجزئ من توضأ بغير ماء طاهر لجهله، ثم استيقن أنه غير طاهر.
قلنا: الفرق بينهما أن قبلتهم في الابتداء التي توجهوا إليها، فإذا نسخت فحكم النسخ لا يلحقهم إلا بعد بلوغ الخبر إليهم، فلهذا لا يطالبون بقضاء ما مضى قبل بلوغ النسخ إليهم، وها هنا بخلافه.
قال المزني: قال الشافعي: ولو دخل غلام في صلاة، فلم يكملها أو صوم يوم، فلم يكمله، حتى استكمل خمس عشرة سنة، أحببت أن يتم، ويعيد، ولا يبين أن عليه إعادة.
قال المزني: لا يمكنه صوم يوم، هو في آخره غير صائم، ويمكنه صلاة هو في آخر وقتها غير مصل، ألا ترى أن من أدرك ركعة، من العصر قبل الغروب، أنه يبتديء العصر من أولها، ولا يمكنه في آخر يوم أن يبتديء صومه من أوله، فيعيد الصلاة لإمكان القدرة ولا يعيد الصوم، لارتفاع إمكان القدرة، ولا تكاليف مع العجز.
قال القاضي حسين: إذا بلغ الصبي في خلال الصلاة المكتوبة، الصحيح من المذهب أنه يمضى في صلاته ولا إعادة عليه، وفيه قول آخر أن عليه إعادتها، لأنه قيد القول فيه حيث قال: ولا يبين لي إعادة، فأما إذا صلى في أول الوقت ثم بلغ في آخره، فإنه لا إعادة عليه وجهًا واحدًا.
وقال أبو حنيفة: إنه تلزمه الإعادة هنا هنا، فأما إذا بلغ في خلال النهار، وكان صائمًا فينظر فيه، فإن نوي الصوم من الليل، فإنه لا يلزمه قضاء صوم ذلك اليوم، وإن نوي الصوم من النهار أو كان مفطرًا ماذا حكمه؟
سنذكر هذا فيما بعد إن شاء الله عز وجل، وإما يتصور البلوغ في خلال الصلاة بالسن دون الاحتلام، لأنه إذا احتلم فقد بطلت صلاته.
وقال المزني: إنه إن بلغ في خلال الصلاة تلزمه إعادتها، ولو بلغ في خلال الصوم لا تلزمه إعادته، وعلل بأنه قال: لا يمكنه صوم يوم هو في آخره غير صائم، ويمكنه صلاة هو في آخر قتها غير مصل.
من أصحابنا من قال: إنه أخل بالنقل، لأن مؤدي قوله أن يقول: لا يمكنه صوم يوم هو في أوله غير صائم، لأن مقصوده منه أني لا أوجب عليه صوم باقي اليوم لارتفاع إمكان القدرة لأنه لا يتصور أن يكون في آخر اليوم صائمًا وفي أوله مفطرًا، لأن صوم الفرض لا يتجزأ ولا يتبعض.
ومن أصحابنا من قال: ليس فيه كثير خلل، لأنه إذا لم يكن صائمًا في آخر اليوم لا يكون في أوله أيضاً، بخلاف الصلاة فإنه يجوز أن يصلي في آخر
وقتها دون أوله، وفي أوله دون آخره، فوجد إمكان القدرة فيها، فوجب عليه إعادتها.
قلنا له: أي الرجلين أنت؟ فإن قلت: إذا صلى في أول الوقت، وبلغ في آخر الوقت يلزمه قضاؤها، فالكلام معك فيه كالكلام مع أبي حنيفة، فنقول: صلى وظيفة وقته، وفريضة مثله، فحدوث الكمال بعده لا يوجب عليه الإعادة، دليله: الأمة إذا صلت مكشوفة الرأس في أول الوقت، ثم عتقت في آخر الوقت لا يلزمها قضاؤها، كذلك هذا مثله.
ولئن قلت: إنه لا يلزمه قضاؤها فقد مكنت من ثغرة النحر، ويلزمك الفرق بينهما.
فرع:
قال ابن الحداد: إذا صلى الصبي في أول الوقت صلاة الظهر يوم الجمعة، ثم بلغ قبل أن يصلي الجمعة، فإنه تلزمه صلاة الجمعة، ولو صلى العبد أو المسافر في اول الوقت صلاة الظهر يوم الجمعة، ثم عتق العبد، وأقام المسافر قبل أن يصلي الجمعة، فإنه لا يلزمهما صلاة الجمعة.
والفرق بينهما بأن مؤدى الصبي يكون نفلا، فلهذا يؤمر بالجمعة ومؤداهما يكون فرضا، فلهذاا لم يؤمر بالجمعة.
قلنا: من أصحابنا من قال: إنه أخطأ في الفتوى وفي العلة.
إما في الفتوي فإنه أجاب بهذا على مذهب أبي حنيفة، لأن عنده ان الصبي إذا صلى في اول الوقت، ثم بلغ قبل خروج الوقت يلزمه قضاؤها، وكثيرًا ما يغلط إلى مذهب أبي حنيفة.
وأما الخطأ في العلة حيث قال: مؤدى الصبي يكون نفلا وليس كذلك، لأنه أدى فرض مثله، ووظيفة وقته كالبالغ سواء.
قال القفال: رحمه الله الفتوى كما ذكر، ولكن المعنى فيه غيره، وهو أن الصبي مندوب بالحضور إلى الجمعة، ومأمور بذلك، ومضروب عليها إذا تركها فلهذا قلنا: بأنه يلزمه الحضور إلى الجمعة، لأنه ترك ما هو مندوب إليه، حيث صلى في أول الوقت، وأما العبد والمسافر غير مأمورين بالجمعة ولا مندوبين إليها، فلهذا لا يلزمها الجمعة ها هنا، لأنهما لم يتركا ما كان يندبان إليه، والله تعالى أعلم بالصواب.
باب صفة الصلاة وما يجوز منها، وما يفسدها وعدد سجود القرآن وغير ذلك
.
قال الشافعي: وإذا أحرم إمامًا أو وحده، نوى صلاته في حال التكبير، لا قبله ولا بعده ولا يجزئه إلا قوله: الله أكبر، أو الله أكبر.
أما إذا أراد الصلاة فإنه يحتاج إلى النية لها، ومتى ينوي لا خلاف أنه لو نوى بعد التكبير، فإنه لا يجوز، وكذا لو نوي قبل التكبير بلفظة ثم عزبت نيته قبل أن يبتديء التكبير، فإنه لا يجوز، فلو وزع النية على حروف التكبير.
من اصحابنا من قال: إنه يجوز، لأن الشافعي رحمه الله قال: وينوي في حال التكبير لا بعده ولا قبله.
والصحيح أنه لا يجوز، لأنه إذا افتتح التكبير، ولم يوجد منه إتيان جميع النية، فقد أخلى بعض أركان الصلاة عن النية فلا يجوز، كما لو نوي بعد التكبير.
وقوله: حال التكبير لا بعده ولا قبله، محمول على ما إذا نوى قبل التكبير، ويستصحب النية إلى أن فرغ عن التكبير، قاله ابو على السنجي رحمه الله عليه والمذهب الصحيح انه لا يجزيء عن هذا.
ومن أصحابنا من قال: وهو القفال رحمه الله، إنه لو نوى قبيل التكبير، ويستصحب النية إلى أن افتتح التكبير، فإنه يكتفي، وإن لم يستصحبها إلى أن فرغ عن التكبير، لأنه قرن النية بالتكبير.
فلو قلنا: إنه يلزمه استصحاب النية إلى الفراغ عنه لكان ذلك تكرارًا للنية، وذلك غير واجب عليه، كما أنه لا يلزمه استصحاب النية في آخر الصلاة، والصحيح هو الأول، وإنما قلنا، ذلك لأن الواجب عليه أن يأتي بالنية عند افتتاح الصلاة، ويداوم عليها إلى أن تنعقد له الصلاة، وإنما تنعقد له الصلاة إذا فرغ عن التكبير ولو أتى ببعض أجزاء التكبير، فإنه لا تنعقد له الصلاة.
وقال أبو حنيفة: لونوى في بيته ان يخرج ويصلي في المسجد، فإنه يصح، وإن عزبت نيته بعد ذلك لا يضره.
قال القاضي رحمه الله: سألت أبا علي النسفي عن هذا، فقال: عندنا إنما يجوز ذلك، إذا لم يخطر بباله شيء آخر إلى أن يدخل في الصلاة، فلو كان الأمر كما ذكر لم يبق بيننا وبينه فيه خلاف، فأما كيفيته فالصلاة على قسمين:
فرائض، وغير فرائض.
فأما غير الفرائض على قسمين:
نوافل وسنن.
فأما النوافل، فإنه ينوي فيها الصلاة مطلقًا، بأن يقول: نويت الصلاة، أو
نويت أن أصلي، ويكفيه ذلك، فأما السنن، فإنه يحتاج فيها إلى أصل النية، وإلى تعييها بأن يقول: نويت أصلي سنة الوقت، فإن كان صبحًا، فينوي سنة صلاة الصبح، وإن كان مغربًا فينوي سنة صلاة المغرب، وأما الفرائض على قسمين:
أداء وقضاء.
فأما الأداء فالأكمل فيه أن ينوي أداء صلاة الظهر فرض الوقت لله تعالى، وإنما قلنا: إنه ينوي أداء؛ لأن الصلاة قد تكون قضاء، وقد تكون أداء، فهو ينوي الأداء كي يتميز به عن القضاء.
وإنما قلنا: ينوي صلاة الظهر، لأن الصلاة قد تكون ظهرًا، وقد تكون غير الظهر فينوي الظهر لكي يتميز عن غير الظهر.
وإنما قلنا: ينوي فرض الوقت؛ لأن الظهر قد تكون فرضًا، وقد تكون غير الفرض بأن يصلي الظهر وحده، ثم أدرك الجماعة ويصليها بالجماعة ثانيًا، فإن إحداهما تكون فرضًا، والأخرى نافلة، وأيضا فإنه يجوز أن تكون الصلاة فرض الوقت عليه، ولا يكون طهرًا بأن يذكر فائتة عليه لقوله عليه السلام: من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها، لا وقت لها غيره، وأيضا قد تكون ظهرًا في الوقت، ولا تكون أداء بأن شرع في صلاة في وقتها، ثم أفسدها وكان الوقت باقيًا يلزمه أن يصليها في الوقت فائتة بنية القضاء وإنما قلنا: ينوي لله تعالى في الإخلاص لقوله تعالى: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين، فلو نوى في صلاة الظهر مثلا أداء فرض الوقت لله تعالى، فيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن فرض الوقت لا يكون إلا ظهرًا.
والثاني: لا يجوز لما ذكرناه أنه يجوز أنه يكون فرض الوقت، ولا يكون ظهرًا، وهكذا لو نوى أداء صلاة الظهر، ولم ينو فرض الوقت فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، لأن صلاة الظهر لا تكون إلا فرضًا.
والثاني: لا يجوز لما ذكرنا أنه يجوز أن تكون صلاة الظهر، ولا تكون فرضا وهكذا لو لم ينو لله تعالى فيه وجهان:
أحدهما: يجوز لأن الصلاة لا تقع إلا لله تعالى.
والثاني: لا؛ لأن المبالغة في الإخلاص شرط بدليل الاية، ولا خلاف إنه إذا لم ينو اليوم، ولا أعداد الركعات، فإنه يجوز، وكذلك لو لم ينو الصلاة بأن نوى فرض الوقت ظهرًا، أو ظهرا لوقت فرضًا، فإنه يصح.
فأما إذا كان مأمومًا، فإنه أيضا ينوي الاقتداء بالإمام، فلو ترك ذلك لا تحصل له فضيلة الجماعة، وهل تصح صلاته أم لا؟ فعلى وجهين:
أحدهما: لا؛ لأنه وقف أفعاله على أفعال غيره، فلا تصح صلاته.
والثاني: بلى، لأنه أتي بجميع أركان الصلاة وشرائطها.
فأما الإمام فالصحيح من المذهب أنه لا يلزمه نية الجماعة، لأنه لا يقتدي بأحد حتى ينوي ذلك.
وقال الأستاذ الإمام أبو إسحاق رحمه الله: إنه ينوي الجماعة، وعلل بأنه أحد ركني الجماعة، فتلزمه نية الجماعة دليله المأموم.
قلنا: بينهما أن المأموم يكون تبعا له في الصلاة فيحتاج إلى نية الاقتداء به لتصح التبعية له في الصلاة، بخلاف الإمام، فإنه يستتبع المأموم في الصلاة.
الدليل عليه: أنه يوجب أشياء على الإمام، والمأموم لا يوجب عليه شيئًا، فأما إذا صلى رجل منفردًا، ثم جاء آخر واقتدى به، فإنه يحصل للمقتدي ثواب الجماعة، وماذا حكم المقتدى به؟
قال القاضي رحمه الله: سألت الشيخ القفال رحمه الله عن هذه المسألة فقال إنما يحال في هذا على فضل الله تعالى، في ألا يحرمه فضيلة الجماعة، لأنه يكون سببًا لتحصيل فضيلة الجماعة لغيره، فالأولى ألا يحرم عنها فأما في الجمعة فالأفضل أن ينوي صلاة الجمعة فرض الوقت لله تعالى مقتديًا بالإمام فرضًا، وإنما ينوي فريضة الاقتداء، لأن الاقتداء بالامام في الجمعة يكون فرضًا وفي سائر الصلوات لا يكون فرضًا، ولو نوي صلاة الجمعة لله تعالى الصحيح من المذهب أنه لا يجوز، لأن الجمعة لا تصح إلا بجميع اركانها وشرائطها، ولا تقع إلا فريضة، ولا تصح إلا في الوقت، ولا يجوز الاقتداء بالإمام، فلو نوى صلاة الظهر مقصورة لله تعالى.
من أصحابنا من قال: هذا بناء على أن الجمعة فرض على حدة أم ظهر، مقصور؟
وفيه قولان:
إن قلنا: إنه يكون فرضًا على حدة فلا يجوز، وإلا فجاز، فأما إذا كانت الصلاة قضاء، فإنه ينوي قضاء صلاة الظهر فرضًا لله تعالى، وإن أراد أن ينوي قضاء أول ظهر كانت عليه، أو آخر ظهر كانت عليه، وهذا غير واجب عليه.
وقال أبو حنيفة: إنه واجب عليه، وعندنا لو نوى مطلقًا يجوز، فأما إذا عين اليوم، وأخطأ بأن ينوي قضاء صلاة الظهر الذي فاتت عنه من يوم الخميس،
وذاك يكون في يوم السبت، أو الجمعة، فإنه لا يجوز، ولو عين اليوم في الأداء، ثم أخطأ تصح صلاته.
والفرق بينهما أن في الأداء ينوي فرض الوقت، فقد وجدت الإشارة فيغلب على العبارة، وتصح صلاته، وفي القضاء لم توجد الإشارة حتى يغلب على العبارة.
فقلنا: إنه لا يصح القضاء، فأما إذا نوى الأداء، في صلاة القضاء، أو القضاء في صلاة الأداء، هل يجوز أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن القضاء غير والأداء غير.
والثاني: جاز، لأن الأداء والقضاء في اللغة شيء واحد.
قال الله تعالى فإذا قضيتم مناسككم، أي أديتموها، وقال الله تعالى فإذا قضيت الصلاة، أي أديت، ويقال: اقض ديني، معناه: أد ديني، فعلى هذا لو أفسد صلاة الوقت، فأراد قضاءها، مقتضى قول أصحابنا: إنه ينوي القضاء، لأنه يقضي ما التزمه في الذمة، لأن الشروع يلزم الفرض في الذمة بدليل أن المسافر لو نوي إتمام الصلاة، وشرع فيها، ثم أفسدها لا يقضيها مقصورة، بل تامة، لأنه التزم الإتمام، وهذه المسألة تلزم فيما لو شرع في صلاة التطوع ثم أفسدها، فإن عندنا لا يجب عليه قضاؤها والعذر فيه أنه فرض التزمه بعقده، لأن الفرض على المسافر الإتمام كما على المقيم، إلا أنه جوز له القصر، فإذا لم ينوي القصر، فقد التزم الفرض بعقده.
وأما هذا تطوع شرع فيه، فلم يلزمه بحكم عقده، وإذا أفسد الصلاة التي شرع فيها بنية القصر، وقلنا: لا يقضي المقصورة مقصورة يلزمه الإتمام في الوقت ايضًا، وينوي القضاء على مقتضي قول أصحابنا، وعلى ما قاله الشيخ القفال يتخير فيه بين نية الأداء، ونية القضاء.
فرع
وإذا ترك ركعتي الفجر حتى صلى الصبح، أو طلعت الشمس فهي قضاء، فينوي القضاء على طريقة الأصحاب، وقبل طلوع الشمس يحتمل وجهين:
أظهرهما: أنها أداء، لأن الوقت قائم، فهذا وقت لها بدليل أنه لو لم يكن صلى الصبح كان هذا وقتًا لها، فعلى هذا ينوي الأداء على طريقة الأصحاب.
والثاني: يكون قضاء، لأن وقتها قبل فعل الفرض، فعلى هذا ينوي القضاء [و] على قول الشيخ ينوي كيف شاء.
فرع:
لو اقتدي برجل ظنه إمامًا، فبان أنه مأموم بعد الفراغ من الصلاة.
قال: يجب أن يخرج على الوجهين: لأنه وقف أفعاله على أفعاله، وقد ذكرنا من قبل إلا أنه مشكل، وذلك، لأن من أصلنا أنه لو كان الإمام جنبًا، أو محدثًا لا تلزمه الإعادة، وإن وقف أفعاله على أفعاله.
فصلٌ:
رجلان يصلي كل واحد منهما بجنب صاحبه، إن كان الإمام والمأموم بينا لكل واحد منهما فذاك، وإن اشتبه الأمر ففيه أربع مسائل:
إحداهما: أن يكون عند كل واحد منهما أنه مقتد بصاحبه، فالصلاتان باطلتان، لأنه لو اقتدى بمن هو مقتد بالغير لم تصح صلاته، فإذا اقتدي بمن هو مقتد به أولى الا تصح.
فإن قيل: اليس أن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه، ويصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم والقوم كانوا يصلون بصلاة أبي بكر رضي الله عنه.
قلنا: أبو بكر لم يكن إمامًا للقوم، وإنما كان كالمترجم بينهم على أفعاله.
والثانية: أن يشك كل واحد منهما في أنه إمام أو مأموم، فالصلاتان باطلتان أيضا، لأن على المأموم نية الاقتداء يقينًا.
والثالثة: أن يشك أحدهما في أنه إمام أو مأموم، ولم يشك الاخر، بل كان يعرف نفسه إمامًا او مأمومًا.
قال الشافعي: رضي الله عنه، صلاة الشاك باطلة، وصلاة من لم يشك لم تبطل.
قال أصحابنا: صلاة من لم يشك إنما لم تبطل إذا كان عنده أنه إمام أو منفرد، فأما إذا كان عنده أنه مأموم تبطل صلاته، لأنه يجوز أن يكون الثاني
مقتديًا به، ومن صلى خلف رجل ظن أنه مقتد برجل آخر لم يصح، فإذا ظن أنه مقتدى به أولى ألا يصح.
الرابعة: أن يكون عند كل واحد منهما أنه إمام، فالصلاتان صحيحتان، لأن الإمام كالمنفرد، وإذا اقتدى برجلين لم تصح صلاته، لأنهما لا يتفقان، والواجب على المأموم متابعة إمامه، ولا يمكنه متابعة شخصين لاختلاف آرائهما، ولو اقتدى بأحدهما لا يعينه أيضا لا تصح صلاته.
فصل
رجل شرع في الصلاة، ثم شك هل نوى أم لا؟ فإن لم يتذكر لم تصح صلاته، لأن الأصل عدم النية، وإن تذكر نظر فيه، فإن تذكر قبل أن عمل عملا على قرب الفصل صحت صلاته، وإن تذكر بعد أن عمل عملا بطلت صلاته، والعمل ما قاله الشافعي: أن يكون قائمًا فيركع، أو راكعًا فيقوم أو قائمًا فيسجد، لأنه نص عليه.
وقال: إنه إن أحدث فعلا بطلت صلاته، وإن لم يحدث فعلا صحت صلاته، فأما إذا شك فيه حالة القيام وسكت سكوتًا طويلا، ثم تذكر فيه وجهان بناء على أنه لو سكت في حالة القيام من غير عرض سكوتًا طويلا هل تبطل صلاته ام لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: تبطل، يجعل طول السكوت منه بمنزلة إحداث فعل.
والثاني: لا؛ لأنه لم يأت بفعل، ولا ينقطع به نظم الصلاة.
إن قلنا: إن هناك لا تبطل، فها هنا أولى.
وإن قلنا: هناك تبطل، فها هنا وجهان، والفرق أن هناك لم يكن له غرض ومقصود في السكوت، فأولى أن تبطل به صلاته بخلاف ما نحن فيه، وهكذا لو شك فيه في خلال الفاتحة، وسكت سكوتًا طويلاً فيه وجهان، كما لو كان في قراءة غير الفاتحة.
إن قلنا: تبطل صلاته فلا كلام.
وإن قلنا: لا تبطل صلاته يلزمه استئناف الفاتحة، لأنه إذا سكت سكوتًا طويلا ينقطع به نظم القراءة.
فأما إذا شك فيه قبل قراءة الفاتحة، ثم قرأ الفاتحة في زمان الشك، ثم تذكر أنه نوي الصلاة، المذهب أنه لا تبطل صلاته.
وقال أبو يحيى البلخي: تبطل صلاته، لأن عنده تكريم الفاتحة كتكرير الركوع والسجود، وعلى هذا لو كرر قراءة الفاتحة، هل تبطل صلاته أم لا؟
عند عامة أصحابنا لا تبطل، وعنده تبطل، وقال: لأنه ركن، فأشبه الركوع والسجود.
قلنا: إنه ركن بالقول، وحكم القول أخف من حكم الفعل.
فإن قيل: ما الفرق بينه، وبين ما لو شك أنه صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ عليه ان يقوم ويصلي ركعة أخرى في زمان الشك، ولا تبطل صلاته بهذا الفعل في زمان الشك، ولو شك في أصل النية، ثم أحدث فعلا بطلت صلاته.
قلنا: لأن هناك تيقن انعقاد صلاته، وشك في أفعاله، فلم يغير وها هنا الشك وقع في أصل انعقاد الصلاة، ففعله في حال الشك لا يعتمد عليه أصلا.
فإن قيل: ما الفرق بين ما لو شك في أصل النية ثم تذكرها حكمهم بصحة الصلاة، وبين ما لو شك في نية القصر، ثم تذكر أنه نواه، فإنه يلزمه الإتمام؟ قلنا: الفرق بينهما إذا شك في نية القصر تأدى جزء من صلاته على حكم
الإتمام، والصلاة إذا تأدى جزء منها على حكم الإتمام لزمه الإتمام، كما لو اقتدى بمقيم قبل السلام بجزء، يلزمه إتمام الصلاة، وها هنا يشك في أصل النية، فما بعد الشك إلى التذكر ليس من الصلاة، فأقضى ما فيه أنه أتى بفعل يضاد الصلاة، والفعل اليسير في أثناء الصلاة لا يبطل الصلاة.
فأما إذا شرع في الصلاة، ثم شك أنه هل ترك مسح الرأس في الطهارة أم لا؟ نقدم على هذا مقدمة، وهو أنه لو شك في أنه هل ترك مسح الرأس أم لا بعد فراغه من الوضوء ماذا حكمه.؟
فيه قولان:
قال في القديم: لا شيء عليه، لأن الأصل كمال الطهارة.
وفي الجديد، عليه مسح الرأس، لأن الأصل أنه لم يات به جئنا إلى مسألتنا، إن قلنا بالقول القديم، فها هنا لا شيء عليه فلا يضره ذلك الشك
وإن قلنا بقوله الجديد، حكمه حكم ما لو شك في نية الصلاة، وقد ذكرناه، ولو شك أنه نوي العصر أو الظهر، وكان عليه فائتة العصر أو الظهر تذكر معقوده.
قال الشيخ القفال رحمه الله، إنه تبطل صلاته، لأن ما مضى في زمان الشك يكون نفلا، فصار كما لو قلب الفرض نفلا، ولو قلب الفرض نفلا يبطل فرضه، فها هنا، وإن لم يغير النية فقد شك في وجودها، فحل محل تغيير النية إلى فرض آخر، وليس كما لو شك في أصل النية، فتذكر بعد العمل، لأن ها هنا شك في صفتها دون أصلها.
قال القاضي رحمه الله: عندي حكمه حكم ما لو شك في أصل النية وقد بينها، ولو شك في نية الاقتداء بالامام، وكان في خلال الصلاة نقدم على هذا مقدمة، وهي أنه إذا تابع الإمام في أفعال الصلاة، ولم ينو الاقتداء به، فيه وجهان:
أحدهما: بطلت صلاته لأنه وقف أفعاله على أفعاله.
والثاني: لا يبطل، لأنه يسير، فيعفى عنه، جئنا إلى مسألتنا، إن قلنا هناك: لا تبطل صلاته، فها هنا مثله، وإن قلنا هناك: تبطل صلاته فها هنا حكمه حكم ما لو شك في أصل النية، وقد ذكرنا، وإن شك في نية الاقتداء بعد الفراغ من الصلاة، فحكمه حكم ما لو شك في ركن من أركان الصلاة بعد السلام، فإن كان قد طال الفصل يستأنف، فعلى هذا في وجوب الاستئناف الوجهان.
وفيه قول آخر: أنه يبني، فعلى هذا لا شيء عليه، فأما إذا شك في أصل النية قبل قراءة الفاتحة، قرأ الفاتحة في زمان الشك، وقلنا: إنه لم تبطل صلاته إذا تذكر أنه نوي، فلا تحسب له قراءة الفاتحة، بل عليه أن يقرأ ثانيًا، لأنه قرأ في حال الشك، نظيره المسافر إذا شك أنه مسح في السفر، أو في الحضر فمضى على الشك، ومسح في حال الشك، ثم تذكر أنه مسح في حال السفر، وقد ذكرناه فيما قبل، لا يفيده، والله أعلم بالصواب.
فصل: إذا نوى الخروج من الصلاة أو ردد النية، خرج من صلاته، ولو نوي أن يخرج عن صلاته إذا قدم زيد، أو طلعت الشمس، فلا خلاف في بطلان الصلاة عند وجود الشرط، وفي بطلانها في الحال وجهان:
أحدهما: تبطل لأنه لم يجزم النية، كما لو نوى الخروج عن الإسلام لا يصح إسلامه.
والثاني: لا تبطل.
والفرق أن دوام الإسلام شرط، ولا يحل الخروج عنه بحال، والخروج عن الصلاة يباح في الجملة.
فأما إذا عزم على الخروج عند وجود الشرط حال العقد، فأولى ألا ينعقد؛ لأن المضاد قرنه بالعقد.
ولو نوى الخروج من الصوم فوجهان:
أحدهما: يبطل صلاته، لأن الصوم عبادة يبطلها الأكل كالصلاة.
والثاني: لا، والفرق أن الصلاة قربة أعمال يباشرها لا تصير عبادة إلا بالنية، فبطلت برفض النية، بخلاف الصوم، فإنه كف وإمساك، والكف والإمساك لا يحتاج حصولهما، إلى النية كالكف عن الزنا وشرب الخمر، والشريعة تشتمل على الأوامر والنواهي، فما هو من جملة النواهي كالزنا وشرب الخمر، لا يحتاج صحة تركها إلى نية، وما هو من جملة الأوامر لا يصح امتثالها بدون النية.
وإن قيل: لو صح هذا المعنى لوجب ألا توجبوا أصل النية في الصوم.
قلنا: لامتياز العادة عن العبادة؛ لأن ترك الأكل يشرك فيه العادة والعبادة، وتعيين النية ليحصل الإخلاص لله تعالى، إلا أنهم يقولون بهذا المعنى وجب أن يحكموا ببطلانه إذا نوى الخروج منه.
فرع
قال صاحب التلخيص: لو كبر وكبر ثلاثًا انعقدت صلاته بالأولى، وبطلت بالثانية، وانعقدت بالثالثة، لأنه خرج عنها بالثانية، ودخل فيها بالثالثة، كما لو قال لامرأته: إن حلفت بطلاقك، فأنت طالق، قاله ثلاث مرات يفرق فيه بين ما لو كان قبل الدخول أو بعده، وبكل مرة تنحل اليمين، وتنعقد أخرى كذا هذا.
قال القفال رحمه الله: لصحة هذه المسألة شرطان:
أحدهما: أن ينوي الافتتاح بكل تكبيرة، لأنه لو كبر عشرين مرة، ولم ينو بها الافتتاح بعد انعقاد الصلاة لم يضر الصلاة.
والثاني: ألا ينوي الافتتاح قبل الشروع في التكبرة الثانية، ولو نوى الافتتاح قبل الشروع في الثانية بطلت صلاته بنية الافتتاح، وانعقدت بالثانية، وبطلت بالثالثة، وإنما كان نية الافتتاح في الصلاة المنعقدة مبطلة لها، لأن الافتتاح يقتضي سبق الخروج، فجعل كما لو نوى الخروج،
ونظيره ما قال الشافعي، رحمه الله: لو نكح امرأة يوم الخميس على مسمى، ثم نكحها يوم الجمعة على مسمى يلزمه المهران، لأن العقد الثاني لا يكون إلا بعد ارتفاع الأول.
فصل
لو غير النية في خلال الصلاة مثل أن شرع في فرض، فغير النية إلى فرض آخر، أو في الفرض فغير إلى السنة، أو في السنة فغير إلى الفرض، أو في سنة فغير إلى سنة أخرى، لا خلاف أنه بطل ما عقده أولا وانصرف عنه، ولا ينصرف إلى الثانية وهل يبطل أصلا الصلاة، أو تنعقد نفلا؟ فعلى قولين:
أحدهما: تبطل، لأنه لما انصرف عن الأولى، ولم ينصرف إلى الثانية تعين البطلان إذ لا ثالث، وقد نص الشافعي رحمه الله على أنه لو كان يصلي بالناس قاعدًا للعجز عن القيام، فقدر على القيام في خلال الصلاة، فلم يقم بطلت صلاته، وصلاة من علم بحاله ممن خلفه، ولم يحكم بانقلابه نفلا.
والقول الثاني: انقلبت نفلا، لأنه لم يترك أصل النية، وإنما غير صفتها، ولم يصح التغيير فبقي مطلق النية.
وللشافعي: رحمه الله، ثلاث نصوص تدل على هذا القول:
أحدها: إن قال: لو أحرم بالحج قبل أشهر الحج، انعقد إحرامه بالعمرة، كما لو أحرم بالظهر قبل الزوال تنعقد نفلا.
والثاني: لو أن مسبوقًا كبر هاويًا إلى الركوع ليدرك الإمام فيه تنعقد صلاته نفلا.
والثالث: لو أحرم بالصلاة منفردًا، ثم حضر القوم ليعقدوا الجماعة نص على أنه يسلم عن ركعتين، ويكونان له نافلة، ويصلي معهم بالجماعة، ولم يحكم ببطلان الصلاة في المسائل الثلاثة، بل حكم بانعقادها نفلاً ويخرج فيها، وفي النص الأول على البطلان القول الآخر، وإذا غير من النفل إلى النفل، فالظاهر أنه لا تبطل، ويخرج فيه القول الآخر أنه تبطل.
فصل:
لو أن إماما شك أنه هل نوى أم لا، فأراد أن يكبر مع نفسه لتنعقد صلاته على اليقين، ولا يطلع عليه القوم، فحكمه حكم الصلاة التي افتتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، ثم خرج منها، ودخل البيت واغتسل، ثم خرج ورأسه يقطر ماء، وأتم بهم الصلاة إلا أن فيه ايضا إشكالاً على المعنى، فأما صلاة الإمام فتنعقد لا محالة.
قوله: ولا يجزيه إلا قوله: الله أكبر أو الله الأكبر.
قال القاضي حسين: عندنا لا تنعقد الصلاة إلا بقوله، الله أكبر، أو الله الأكبر فأما ما عدا التكبير من اسماء الله تعالى، إذا لم يذكره على جهة النداء، أو الدعاء كقوله، الله الجليل، الله العظيم، الرحمن الرحيم، سبحان الله والحمد لله، أو بالفارسية، يقول خداي، أو بالتركي يقول تنكرى.
فأما إذا ذكره على جهة النداء كقوله: يارب يا ألله، أو الدعاء كقوله: اللهم وفقنا في أنه لا تنعقد به الصلاة.
لنا قوله عليه السلام مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، ولأن قوله: الله أكبر كلمة تنبئ عن القدم والعظم على جهة المبالغة، لأن الكبر يطلق على كبر السن، يقال: شيخ كبير وعلى كبر
الجثة، يقال: حبل كبير، وعلى كبر الرتبة، والله تعالى منزه عن كبر السنة والجثة، فكان ذلك في حقه وصفًا لله تعالى، بالقدم على جهة المبالغة.
وما عدا هذه الكلمات لا تتضمن هذين المعنيين.
فأما قوله: الله أكبر، بالألف واللام، فإنه يتضمنها وزيادة؛ لأن الألف واللام تقتضي الحصر والاختصاص، وإطلاق اللفظ دونهما لا يتقضي الاختصاص والقطع عما سواه، ويدل عليه أنك تقول: زيد أعلم، فلا ينبيء ذلك عن كونه أعلم الناس كلهم، ولو قلت: زيد الأعلم اقتضي ذلك كونه أعلم الناس كلهم.
وقوله: الله الكبير لا يتضمن المعيين، إذ هو ليس من ألفاظ المبالغة.
وقوله: الله الكبير الأكبر لم تنعقد به الصلاة، لأنهما كلمتان، والكلمتان يجب ان يتضمنا هذين المعنيين، ولأن ذلك لا يعرف تكبيرًا في العادة.
وقوله: الله أكبر كبيرًا تنعقد به الصلاة، لأنه أتى بالتكبير الصحيح فقوله: كبيرًا زيادة ثناء نه بعد انعقاد الصلاة.
وقوله: الأكبر الله لا تنعقد به الصلاة، وإن تضمن المعنيين، لأنه لا يعرف تكبيرًا، وإن التكبير المعهود أن يقول: الله أكبر، فاختص انعقاد الصلاة به.
وقوله: الله أكبر أولى من قوله: الله الأكبر بالألف واللام، لأن الأخبار فيه وردت، ومن العلماء من لم يجوزه بالألف واللام، وهو مالك، وحكى أبو الوليد النيسابوري قولا آخر عن الشافعي أنه لا تنعقد بقوله: الله أكبر وما نقل المزني هو قوله الجديد، ولو قال: الله أكبار ومده مدا لا تنعقد صلاته، ولو قال: على جهة الاستفهام، لا تنعقد أيضا به صلاته، ولو اعتقده كفر، والتكبير عندنا من الصلاة.
وقال أبو حنيفة: التكبير ليس من الصلاة، وكذلك التسليم عندنا من الصلاة خلافاً له، ولا فائدة للخلاف في التحريمة، لأنهم وافقونا في أنه يشترط في التحريمة جملة شرائط الصلاة من الطهارة والستر واستقبال القبلة، لأن المسالة مشهورة بالخلاف، فنقول: ما افتقر إلى ما تفتقر إليه الصلاة كان من الصلاة كسائر أجزاء الصلاة، وكان القاضي أبو علي يقول: فائدة أن التحريمة ليست من الصلاة على أصلنا إن سبقه الحدث يبني على صلاته، لأنها ليست من الصلاة، فحكمنا ببقائها بعد الحدث حتى أنه إذا عاد لا يحتاج إلى تجديد التحريمة، ويكتفي بالتحريمة الأولى، ولا بقاء للصلاة بعد الحدث.
وأيضا قال: الصلاة تنافي الحدث، ولا تنافي التحريمة.
وقال غيره، فائدته لو كبر متقهقهًا انعقدت صلاته، ولا تبطل طهارته.
وقال غيره: لو أحرم بالظهر قبل الزوال، فلما فرغ من التكبير زالت الشمس صحت صلاته قالوا: الركن ما كان في خلال الصلاة بعد الفراغ عن التكبير، وإنما نحكم بانعقاد الصلاة بعد الفراغ من التكبير.
مسألة
تكبيرة المأموم للافتتاح إذا قارنت تكبيرة الإمام، أو بعضها لم تنعقد صلاة المأموم، نص عليه الشافعي رحمه الله وليست كالركوع والسجود، وسائر الأركان، فإنه لو قارن فعل المأموم فعل الإمام لم تبطل صلاة المأموم بالمقارنة، وإن كان كمال الفضل في المتابعة.
والفرق بينهما أن الاقتداء لا يتصور ما لم يتعين إمام، والإمام لا يصير إماما ما لم يفرغ عن التكبيرة، فإذا ابتدأ المأموم التكبيرة، وصلاة الإمام غير منعقدة بعد فقد مضى بعض صلاة المأموم ولا إمام له.
مسألة
أول التبكير إذا عرى عن عين النية لم تنعقد الصلاة، وإن عري آخر التكبير عن النية صحت صلاته إذا لم ينسها، واستصحب ذكرها، فلو نسي ذكرها بعد الفراغ من التكبير لم يضره إذا استصحب حكمها، والفرق أنه إذا نوى مع أوائل التكبيرة لم يمض عليه شيء من أجزاء الصلاة قبل النية، بل أتي بالنية مقرونة على حسب الطاقة بأول العبادة، فجاز ألا تكون بغيرها مقرونة بالجزء الثاني والثالث، فأما إذا نوى في آخر التكبير دون أوله، فقد مضى بعض الصلاة عاريًا عن النية.
فإن قيل: مقتضي هذه النكتة، أن توجب هذه النية قبل إنشاء التكبير حتى لا يوجد جزء من التكبير إلا والنية التامة مقترنة به.
قلنا: النية من أركان الصلاة، وأركانها لا تنفصل ولا تتقدم، ولا تتأخر.
فرع:
نص الشافعي: رحمه الله، على انه لو كان بلسانه خرس أو كان مقطوع
اللسان لم يمكنه أن يأتي بالتكبير الصحيح، أتي بما قدر عليه، وحرك لسانه إن كان أخرس.
ولو خلق الله تعالى رجلا أصم أعمي أخرس، قال أصحابنا: ينبغي أن يحنى ظهره، وتوضع جبهته على الأرض، لأن المقدور عليه لا يترك بالمعجوز، عنه.
والمرأة لا ترفع صوتها بالتكبير، كما لا تجهر في صلاة الجهر بالقراءة،، ولا تؤذن فإن صوتها عورة.
وإن قلنا: إنه ليس بعورة فيخاف الافتتان إن لو رفعت صوتها.
قال الشافعي رضي الله عنه، إن كانت إمامًا فترفع صوتها قدر ما تسمع من خلفها.
قال المزني: فإن لم يحسن بالعربية، كبر بلسانه، وكذلك الذكر، وعليه أن يتعلم.
قال القاضي حسين: مثل إن كان تركيا أسلم، وهو لا يحسن العربية فيكبر بلسان الترك، أو هنديًا أسلم فيكبر بلسان الهند، وإن كان يحسن العربية فكبر بلسانه لم يجز، وكذا إن كان لا يحسن العربية، ولكن يمكنه أن يتعلم العربية، فلا يجوز له أن يكبر بلسانه، وإن مضى زمانه إمكان التعليم، ولم يتعلم فإنه يكبر بلسانه لحرمت الوقت، ويصلي فيلزمه إعادة تلك الصلاة.
فأما إذا كان لا يمكنه أن يتعلم بالعربية بأن كان في الوقت ضيق، أو كان لا يطوع له لسانه، أو لم يجد من يعلمه، فإنه يكبر بلسانه ولا يعيد الصلاة، ولكن ينبغي أن يقول: خداي بزرك بر، ولا يقول: خداي بزرك، لأنه لو اقتصر ينبغي أن يقول: خداي بزرك بر، ولا يقول: خداي بزرك، لأنه لو اقتصر عليه كأنه يقول بالعربية، الله الكبير، وقد ذكرنا أنه لا تنعقد به الصلاة، وهكذا حكم التشهد حكم التكبير، وقد ذكرناه.
وقال أبو حنيفة: يأتي بالفارسية كلاهما، وإن كان يحسن العربية ولا شيء
عليه، فأما سائر الأذكار، من دعاء الاستفتاح، وتسبيحات الركوع والسجود والدعاء بعد التشهد ماذا حكمه؟
فلا يخلو إما إن كان يحسب العربية أو لا، فإن كان يحسن العربية، على طريقة المراوزة لا يجوز له أن يأتي شيئًا منها بالفارسية، كالتكبير سواء، وعلى طريقة العراقيين يجوز له ذلك، لأنه ليس بفرض عليه إتيانه بخلاف التكبير، فأما إذا كان لا يحسن العربية على طريقة العراقيين يجوز له أن يأتي الكل بالفارسية، وعلى طريقة المراوزة فيه وجهان:
أحدهما: يجوز كما في التكبير والتشهد.
والثاني: لا يجوز، والفرق أن التكبير واجب عليه إتيانه فيه حاجة إلى أن يقوله بالعربية لأنه غير مختار فيه.
وها هنا بعكسه، والوجهان صورهما من لفظ الشافعي، رضي الله عنه حيث قال: وكذلك الذكر، وعليه أن يتعلم، يحتمل أنه أراد به التشهد دون التسبيحات، لأنه قال: وعليه أن يتعلم، فإنما يجب تعلم التشهد دون سائر الأذكار، ويحتمل أنه أراد به الكل، لأن اسم الذكر ينطلق على الكل، وعليه أن يتعلم، ينصرف إلى التشهد.
ولأن الشافعي، رحمه الله قال: حق على كل مسلم أن يتعلم من العربية قدر ما يأتي به في صلاته، وهذا بخلاف الفاتحة، فإنه لا يجزيه بالفارسية، فإن لم يحسنها، إن كان يحسن شيئًا آخر من القرآن أتى به، وإن لم يحسن شيئًا آخر من القرآن من الأذكار بقدر ما يبلغ آيات الفاتحة، والشرط أن يأتي بسبعة أنواع من الذكر، وهل يشترط أن تعادل كلمات الذكر كلمات الفاتحة بعد أن تنوع سبعة أنواع فوجهان:
أحدهما: بلى.
والثاني: لا.
وإذا أتي بشيء آخر من القرآن، فالشرط أن يأتي بسبع آيات، فلو أتى بآية
طويلة تعادل الفاتحة وتزيد عليها لم يجز، وهل يشترط أن تبلغ كلماتها كلمات الفاتحة، فعلى وجهين.
فإن لم يحسن الذكر بالعربية قال رضي الله عنه: أتي به بالفارسية، ولا يأتي بالفارسية الفاتحة، لأن الواجب عليه الإتيان بالذكر إذا جهل الفاتحة، وما يقوم مقامه من القرآن، فإذا عجز عنه أتي بمعناه بالفارسية.
وعند أبي يوسف، إن كان يحسن العربية لا تجزئه هذه الأذكار بالفارسية، وإن جهل العربية أجزأه.
وقال أبو حنيفة: سواء كان يحسن العربية، او لا يحسنها تجزيه هذه الأذكار بالفارسية، وكذلك الفاتحة يجوز عنده أن يقرأها بالفارسية.
وزاد عليه فقال: لو قرأ آية من التوراة يوافق معناها معنى آية من القرآن جاز، وهذه المسألة تلقب بترجمة القرآن، وعندنا لا يجوز، وعنده يجوز.
وكان القاضي أبو عاصم رحمه الله، يقول: إنما يجوز ترجمة القرآن، إذا كان مثله في اللفظ والمعنى كقوله، خيرًا وشرًا، ويركب ويسجد، فأما إذا كان يخالفه في اللفظ والمعنى، فلا.
دليلنا: ما روى أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إني لا أحسن شيئًا من القرآن، فعلمني ما يجزئني في الصلاة، فقال عليه السلام: قل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
والفرق بين الفاتحة وبين سائر الأذكار، أن في ترجمة الفاتحة ترك النظم، وفي ترك النظم إبطال الإعجاز، وفي إبطال الإعجاز إبطال النبوة، فيؤدي تجويز الترجمة إلى هذا الفساد، ونفرض الكلام معه فيما لو قرأ آية من التوراة، فنقول: الله تعالى أمر بقراءة القرآن بقوله سبحانه، فاقرءوا ما تيسر من القرآن، وأنتم تجوزون قراءة التوراة التي نسخت، وحرم قراءتها.
فرع
لو كان له غلام، ولا يحسن شيئا من العربية، فوجب أن يعلمه ذلك، ويتخير فيه بين أن يعلمه بنفسه أو يخليه، والاكتساب حتى يكتسب أجرة المعلم، ولو لم يعلمه واكتسبه في حاجة نفسه يعصي ويأثم بذلك، وكذا يجب على ولي الطفل ووصيه أن يستأجر من يعلمه ما يحتاج إليه في الصلاة، إذا لم يجد من يتطوع بالقراءة، والله أعلم.
قال المزني: ولا يكبر إن كان إمامًا، حتى تستوي الصفوف خلفه.
قال القاضي حسين: السنة للإمام ألا يفتتح الصلاة قبل فراغ المؤذن من الإقامة عندنا.
وقال أبو حنيفة، يقوم عند قوله: حي على الفلاح، ويفتتح الصلاة عند قوله: قد قامت الصلاة تحقيقًا لقول المؤذن، وإخباره من قيام الصلاة، وعندنا معناه قرب إقامة الصلاة كقوله تعالى: فإذا بلغن أجلهن.
ومعناه: قاربن بلوغ أجلهن، ووافقنا في أن المؤذن لو كان هو الإمام لا يفتتح الصلاة قبل أن يفرغ من الإقامة.
قال رضي الله عنه: أما أنا فأستحب أن يقوم الإمام والقوم عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة، ويفتتح الصلاة بعد فراغه من الإقامة، وما قلناه أولى، لأن فيما قاله أبو حنيفة تفويت فضيلة تكبيرة الأولى على المؤذن، ثم إذا فرغ المؤذن من الإقامة، فالسنة أن يسوي الصفوف، ثم يكبر، ويقول الإمام: استووا، روى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما قول الأئمة: رحمكم الله، أو رضي الله عنكم غير مروي في الحديث، لكنه حسن.
والأصل في تسوية الصفوف ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال تسوية الصفوف من تمام الصلاة.
وما روى أنه عليه السلام، قال: سووا الصفوف وسدوا الفروج، فإني أراكم خلفي كما أراكم أمامي.
وكان عليه السلام مخصوصا بالرؤية في الصلاة من الجوانب الأربعة، ولهذا قال عليه السلام قرة عيني في الصلاة.
وروى أنه قال: لتسون الصفوف، أو ليخالفن الله بين قلوبكم.
وروى أنه قال: تراصوا بينكم في الصلاة، لا يتخللكم الشيطان.
كأنها جاءت حذف، والحذف، صغار الغنم.
قال الراوي: فكنا نلصق الكعب بالكعب، والمنكب بالمنكب، والركبة بالركبة.
فرع
لو دخل والمؤذن في الإقامة.
قال الشيخ أبو حامد: المستحب أن يقعد، ثم يقوم للصلاة ليكون قيامه خالصًا للصلاة.
قال: والذي عندي أن المستحب أن يقوم قائمًا حتى يفرغ المؤذن من الإقامة ولا يقعد ليحوز فضيلة الانتظار للعبادة، ولأنه إذا قعد فقد ترك تحية المسجد، والسنة ان يشتغل بشيء بعد دخول المسجد حتى يصلي تحية المسجد.
قال المزني: ويرفع يديه إذا كبر حذو منكبيه.
قال القاضي حسين: السنة أن يرفع يديه إذا كبر حذو منكبيه، عندنا وعند أبي حنيفة حذو أذنيه.
وقال أحمد بن حنبل: رفع اليدين فيه واجب، كما أن التكبير فيه واجب، بخلاف سائر التكبيرات، واختلفت الأخبار في كفيته، روى البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يرفع يديه إلى شحمة أذنيه.
وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا كبر يرفع يديه حذو منكبيه.
وعن أبي حميد الساعدي أنه كان في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أنا أعلمكم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم او قال: أنا أشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ولم ذاك، ولم تكن بأقدامنا له صحبة، ولا بأكثرها له تبعة، فصف لنا، فصلى ابو حميد الساعدي، ورفع يديه حذو منكبيه، فكلهم قالوا له: صدقت.
وحكي أن الشافعي لما دخل بغداد، اجتمعت عليه فقاؤها، حسين الكرابيسي وأبو ثور وأحمد، فقال لهم: كيف وجه الجمع بين الأخبار في رفع اليدين حيث روى أنه رفع يديه حذو منكبيه، وفي رواية حذو أذنيه، وفي رواية إلى فروع أذنيه، وفي رواية إلى شحمة أذنيه، فعجزوا عن ذلك، فقال الشافعي رحمه الله: يحمل على أنه رفع يديه، حيث كان كفاه حذو منكبيه، ورأس إبهامه إلى شحمة أذنيه، ورأس سبابتيه ووسطاه إلى فروع أذنيه، فاستحسنوا ذلك، فإن جمع وفعل هكذا فأولى، وإلا فالسنة عندنا أن يرفعهما حذو المنكبين، ويستحب أن يفرق أصابعه وينشرها إذا رفع يديه ويكون مكشوفًأ.
وروى عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يرفع ذلك وينشرها.
وقيل: إن الشافعي رحمه الله سأل أبا ثور وقال له: بم تفتتح الصلاة؟ قال: بالفرض، قال: أخطأت، قال: بالسنة، قال: أخطأت، ثم قال له: قل بهما، أعني بالفرض والسنة، وأراد به التكبير، ورفع اليدين فيه.
ومتى يرفع؟ فيه أوجه:
أحدها: يبتديء التكبير مع الرفع، وينهيه مع الإرسال، رواه وائل ابن حجر.
والثاني: يرفع يديه غير مكبر، ثم يأخذ في التكبير، وينهيه مع الإرسال، رواه أبو حميد الساعدي.
والثالث: يرفع يديه غير مكبر ثم يكبر، ثم يرسل اليدين، رواه ابن عمر رضي الله عنهما، ولو رفع يديه وتركهما مرفوعتين حتى ركع لم يضره، لأنه هيئة تركها في الصلاة.