قال القاضي حسين: والكلام في هذا الفصل في مدة مقام المسافرين، وما يصير به مقيمًا إذا نوى إقامتها، نص الشافعي رحمه الله وقال: لو نوى المسافر مقام أربع أتم الصلاة والصوم.
وقال بعد هذا: ولو جاوز أربعة أيام لحاجة، أو مرض وهو عازم على الخروج اتم، وإن قصر أعاد، وليس النصين خلف في الحقيقة، إلا أن في الاقامة لم يحسب يوم الدخول والخروج فسوى يومي الدخول والخروج يحتاج إلى أربعة أيام وعليه يدل الخبر، وفي الفعل حسب يوم الدخول والخروج فيحتاج إلى المجاوزة مع الأربع حتى يصير مقيمًا.
ومن أصحابنا من فرق بين النية والفعل، وقال: إن حصر الأربعة بالنية ممكن، فلم تعتبر المجاوزة عند النية، وحصر الأربع بالفعل غير ممكن، فاعتبر المجاوزة، وهذا كما أن غسل الوجه ممكن استيفائه بالنية من غير إدخال جزء من الرأس فيه.
وهل يحسب يوم الدخول والخروج؟ فعلى وجهين:
أحدهما: لا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة، يوم الرابع من ذي الحجة وخرج يوم الثامن، وكان يقصر.
والوجه الثاني: يحسب يوم الدخول والخروج، كما في المسح على الخفين يحسب يوم اللبس، والحدث في الثلاثة.
ومن قال بهذا أجاب عن الحديث بأنه عليه السلام، يحتمل أنه دخل مكة بعد الزوال، وخرج قبل الزوال على عادة الحجيج، فإن العادة للحجيج أنهم يدخلون البلاد بعد الزوال، ويخرجون منها ضحوة النهار، وإن الحجيج يخرجون إلى منى بالغلس يوم الثامن، فخرج من هذا أنه لو دخل بلدا يوم الجمعة بعد الزوال، ونوي المقام إلى يوم الأربعاء، أو أقام بها إلى يوم الأربعاء لا تثبت له الرخصة، ولو نوي المقام إلى وقت الزوال من يوم الاثنين جاز له
القصر، ولو نوى المقام به إلى وقت العصر من يوم الثلاثاء، فعلى وجهين إن حسبنا يوم الدخول والخروج لم يجز له القصر وإلا جاز.
وعند أبي حنيفة: مدة مقام المسافرين ما دون خمسة عشر يومًا حتى لو نوي مقام أربعة عشر يومًا جاز له القصر.
وإذا نوي مقام خمسة عشر يومًا، أو تنجز حاجة لا تنتجز في أقل من خمسة عشر يوما صار مقيما.
فالدليل على أن مدة مقام المسافرين ما دون الأربعة، وأن الأربعة مدة المقيمين ما روى أنه عليه السلام قال: يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا.
فدل أن الثلاثة مدة مقام المسافرين لأنه إنما قال هذا عام عمرة القضاء، وإذ ذاك كان لا يحل للمهاجرين المقام بـ مكة، ومن أقام بها كان يبطل ثواب هجرته، وهو بين في قصة سعد بن أبي وقاص حين مرض بـ (مكة)، فدخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم عائدا.
وروى أن عمر رضي الله أجلي ايهود والنصارى من جزيرة العرب، وضرب لمن يقدم منهم تاجرًا مقام ثلاثة أيام، وإذا أقام ببلد على قصد ينتجز حاجة لا تنتجز إلا في أربعة أيام يصير مقيمًا، كما لو نوى مقام أربعة أيام.
فأما إذا أقام ببلد لحاجة تنجز اليوم واليومين على قصد الخروج إذا تنجزت ما حكمه؟
نص الشافعي رحمه الله، على أنه إذا جاوز أربعة أيام لحاجة أو مرض، وهو عازم على الخروج أتم، فإذا قصر أعاد.
فرع.
مسافر دخل بلدة، إن نوي مقام يومين، أو ثلاثة له القصر والفطر، وإن نوي مقام أربعة أيام ففي الحال يصير مقيمًا.
ولو دخل بلدا، أو أقام على ما تنجز اليوم والومين يقول: أخرج اليوم وأخرج هذا فإن كان أمرا تيقن أنه لا يتم بدون أربعة أيام صار مقيما، وإن تيقن أنه يتم بدون ثلاثة أيام لا يصير مقيما.
ولو قال: متى وجدت رفقة خرجت، فلا يصير مقيمًا في الحال، وإذا جاوز أربعة صار مقيمًا، نص عليه ها هنا، ونص بعد ذلك على أن الخائف إذا أقام سبعة عشر أو ثمانية عشر على عزم الخروج يجوز له القصر.
وحكى عن الإملاء: أنه يجوز له القصر ما لم يجمع مكثا.
ثم قال: والحرب وغيره سواء.
وقال الشافعي رحمه الله: ولو قال به قائل كان مذهبا فاضطربت النصوص كما ترى، فمن أصحابنا من ضرب النصوص بعضها ببعض، وجعل في الأمن والخائف ثلاثة أقوال:
أحدها: لا يقصر في أكثر من أربعة أيام؛ لأنه نص في حق الآمن على الأربعة، وشبه الخائف بالآمن بقوله: الحرب وغيره سواء.
والثاني: يجوز القصر في سبعة عشر يوما أقام النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح بهوازن سعبة عشر، أو ثمانية عشر يقصر.
واختلفت الروايات في مدة مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بـ هوازن، عام الفتح.
فروى أنس انه عليه السلام أقام بها عشرة أيام.
وروى عمران بن حصين أنه عليه السلام أقام بها سبعة عشر يومًا.
وروى ابن عباس أنه عليه السلام أقام بها ثمانية عشر يومًا.
وروى جابر أنه عليه السلام أقام بها عشرين يومًا، غير أن الشافعي رحمه الله، لم يصحح من هذه الروايات إلا رواية عمران بن حصين وابن عباس ورد رواية أنس وجابر.
والقول الثالث أنه يقصر أبدًا ما لم يجمع مكثًا لما روى عن ابن عمر أنه أقام بـ (أذربيجان) ستة أشهر يقصر، ويقول: اليوم أخرج أغدا أخرج؟
وروي عن مسور بن مخرمة أنه أقام ب فارس سنتين يقصر.
ومن أصحابنا من قال: في الآمن قول واحد، إنه يقصر أربعة أيام لا غير، وفي الخائف الأقوال الثلاثة.
وقوله بالحرب وغيره سواء تشبيه الآمن بالخائف حتى يخرج في الخائف.
قول آخر: إنه لا يقصر أكثر من أربعة أيام، وليس ذاك تشبيه الخائف بالآمن، وما قال من أنه يقصر سبعة عشر يومًا في الخائف دون الآمن، وما نقله المزني عن الإملاء غلط في نقله، وإنما قال الشافعي ما لم يجمع مكثا، أو يجاوز أربعة أيام.
وقول الشافعي: ولو قاله قائل كان مذهبا
منهم من قال: أراد به أن يلحق مسألة الخوف بمسألة الأمن، فيخرج في الخوف قول آخر بأنه يقصر سبعة عشر يومًا، أو ثمانية عشر يوما
ومن أصحابنا من قال في الخائف الأقوال الثلاثة، وفي الآمن قولان: أحدهما: يقصر مدة أربعة أيام.
والثاني: يقصر سبعة عشر يومًا، فتشبيه الخائف بالآمن، وما نقله عن
(الإملاء)، غلط وقع له كما بينا، فحصل من هذه الطرق والاختلافات في الخائف ثلاثة أقوال، وفي الآمن ثلاثة طرق:
أحدهما: يقصر أربعة أيام قولا واحدًا.
والثاني: قولان: أحدهما هذا، والثاني: سبعة عشر يومًا.
والثالث: في الآمن ثلاثة أقوال، كما في الخائف.
واختار المزني أن يقصر أبدًا ما لم يجمع مكثًا، واحتج بحديث ابن عمر ومسور.
والجواب: أن أذربيجان، وفارس قرى ونواح متفرقة، فيحتمل أنه كان يجوب فيها قاصدا مسافة القصر، فلهذا قصر لا لما قلت، والله أعلم بالصواب.
قوله: وإن خرج في آخر وقت الصلاة يقصر، أما إذا سافر بعد خروج الوقت لا يجوز له القصر عندنا.
قال المزني: له ان يقصر، واحتج بأن العبرة في العبادات بوقت الأداء، دون الوجوب يدل عليه أنه لو وجبت عليه الصلاة في حالة القدرة على القيام فأخرها حتى عجز عن القيام قضاها قاعدًا.
ولو وجبت الصلاة في حالة العجز عن القيام، فأخرها حتى قدر على القيام قضاها قائمًا.
والفرق بينهما أن إزالة المرض ليست إليه، وهو بغرض ان تخترمه المنية في كل ساعة، فلو كلفناه التأخير حتى يندمل المرض، ويقدر على القيام ربما تخترمه المنية، فتبقي ذمته مرتهنة بالصلاة، بخلاف ما نحن فيه، فإن قطع السفر إليه، وإتمام الصلاة في مقدوره، فقلنا: عليه أن يقطع السفر، ويتم أو يتم في السفر، لأن السفر لا ينافي الإتمام.
ولو سافر قبل خروج الوقت جاز له القصر، سواء سافر قبل التمكن من الأداء في الحضر أو بعده.
واختار المزني للشافعي رحمه الله أنه لو سافر بعد التمكن من الأداء في الحضر لا يجوز له القصر، واحتج بأن الصلاة تجب عنده بأول الوقت، إذا مضى من الوقت قدر إمكان الفعل، ثم سافر أتم الصلاة، فإن سافر قبل مضى وقت الإمكان لا يتم حتى لو تمكن من الأداء، فلم يؤد، حتى جن أو حاضت يلزمهما القضاء، وإذا طرأ السفر بعد استقرار الصلاة لا يجوز له القصر عنده، كما بعد خروج الوقت عنده.
فمن أصحابنا من قال: لا يجوز له القصر لما ذكره المزني.
ومنهم من ضاق به الفرق، فركب مسألة الحائض والمجنون، وخرج قولا آخر: إنها لا تجب بأول الوقت، وهذا غلط، لأن المذهب أن الصلاة تجب بأول الوقت، وأنه لو أخرها بعد التمكن من الأداء، ثم جن أو حاضت يلزمه القضاء، وإنما جاز القصر، لأن القصر تجب بأول الوقت، وبكل جزء من أجزاء الوقت، فإذا سافر في آخر الوقت، فقد سافر في وقت كان للوجوب تعلق بها، فجاز القصر، كما في أول الوقت، فإن أخر الوقت وقت تجب فيه الصلاة مبتدأ بأن آفاق فيه المجنون، أو طهرت الحائض، أو بلغ الصبي، أو أسلم الكافر.
وكل وقت تجب فيه الصلاة ابتداء جاز له القصر إذا سافر فيه، بخلاف ما بعد الوقت، فإنه لا تعلق للوجوب به بحال، وهذا فرق ظاهر.
واحتج المزني بفضل آخر، وقال: لو شرع في صلاة الوقت، وهو مقيم، ثم أفسدها، ثم سافر لزمه الإتمام، لأن الصلاة وجبت عليه بأول الوقت.
قلنا: لأنه التزم إتمامها بالشروع فيها في الحضر، فإذا أفسدها، ثم أراد أن يقضيها يلزمها أن يقضي كما التزم.
وهذه حجة لنا لأبي حنيفة في مسألة صوم التطوع، وقد نص على أنه لو
سافر، وقد بقي من الوقت قدر ما يصلي ركعة فيها جاز له القصر، ويصلي ركعة وركعة خارج الوقت.
وهذا من كلام الشافعي رحمه الله دليل على أنه إذا أدرك من الصلاة ركعة في الوقت فصلاها وصلى ركعة خارج الوقت، كان الكل أداء.
وقد ذكرنا فيه وجها آخر: أن المفعولة خارج الوقت قضاء، والمفعولة في الوقت أداء لاستحالة وقوع العبادة أداء خارج الوقت.
قال المزني: قال الشافعي: وليس له أن يصلي ركعتين في السفر، إلا أن ينوي القصر مع الإحرام فإن أحرم، ولم ينوي القصر، كان على أصل فرضه أربع.
قال القاضي حسين: نية القصر شرط عندنا في جواز القصر، فلو أطلق النية لزم الإتمام.
وقال أبو حنيفة: نية القصر ليست بشرط في جوازه، بناء على أصله، وهو أن القصر عزيمة، واقتضاه مطلق النية، وشرط اقتران نية القصر بالشروع فيها الصلاة حتى لو تأخرت النية عن الافتتاح يلزمه الإتمام، وإن شك هل نوي القصر؟ يلزمه الإتمام، وإن تذكر أنه نواه، وقد ذكرنا أنه لو شك في أصل النية، ثم تذكر في الحال جازت صلاته.
والفرق أن زمان الشك في المسألتين غير محسوب عما شك فيه، إلا أن في مسألة القصر إذا لم يكن محسوبًا عما شك، فيكون ملتزمًا للإتمام فيلزمه الإتمام.
وفي النية زمان الشك غير محسوب عما شك فيه، إلا أن ذلك القدر لو تعمده في صلاته لم تبطل صلاته، فجعلناه كأنه عمل عملا ليس من الصلاة.
قال المزني: ولو كان علي أصل فرضها ركعتين، ما صلى مسافر خلف مقيم.
قال المزني: ليس هذا بحجة، وكيف يكون حجة، وهو يجيز صلاة فريضة خلف نافلة، وليست النافلة فريضة ولا بعض فريضة، وركعتا المسافر فرض، وفي الأربع مثل الركعتين، فرض.
قال القاضي حسين: قصد به أبا حنيفة فإنه يقول: القصر عزيمة، وفرض المسافر ركعتان.
ويجوز اقتداؤه بمقيم يتم أربعًا.
وقال المزني: هذا عندي ليس بحجة، لأنه يجوز الفرض خلف النفل مع اختلافهما في الفريضة، وصلاة المسافر جامعت صلاة المقيم في الفريضة.
قلنا: أنت أخللت في النقل، إنما قال الشافعي رحمه الله: لو كان فرضه ركعتين ما صلى مسافر أربعا خلف مقيم، ومن فرضه ركعتان لا يصليها أربعا إذا اقتدى بمن يصلي صلاة ذات أربع، كما لو اقتدى في الصبح بمن يصلي الظهر لا يكمل الصبح أربعا على أنه ألزم هذا أبا حنيفة، وعنده: لا يجوز الفرض خلف النفل.
والصلاة التي هي ذات ركعتين خلف ذات أربع، فصح الإلزام.
قال المزني: قال الشافعي: رحه الله، وإن نسي صلاة في سفر، فذكرها في حضر، فعليه أن يصليها صلاة حضر، لأن علة القصر هي النية والسفر، فإذا ذهبت العلة، ذهب القصر، وإذا نسي صلاة حضر، فذكرها في سفر، فعليه أن يصليها أربعا، لأن أصل الفرض أربع، فلا يجزئه أقل منها، وإنما أرخص له في القصر، ما دام وقت الصلاة قائمًا، وهو مسافر فإذا زال وقتها، ذهبت الرخصة.
قال القاضي حسين: في هذا الفصل ثلاث مسائل:
إحداهما: إن نسي صلاة في الحضر، وذكرها في السفر، فلا يقصرها عندنا اعتبارا بحالة الوجوب.
وقد حكينا عن المزني أنه قال: إذا سافر بعد خروج الوقت يقصر الصلاة التي تركها في الحضر، اعتبارا بحالة الأداء.
والمسألة الثانية: نسي صلاة في السفر، وذكرها في الحضر، ففي جواز القصر قولان:
في الجديد: وهو المنصوص عليه في الكتاب: لا يجوز له القصر، لأن علة جواز القصر فعل السفر مع النية، وقد ارتفعت العلة.
والقول الثاني: وهو قوله القديم، يجوز له القصر اعتبارا بحالة الوجوب، لأن الفرض لزمته ركعتان، فلا يزداد بتبدل الحال
وقال ابو حنيفة: لا يجوز إلا القصر بناء على أصله.
والثالثة: نسي صلاة في السفر، وذكرها في السفر، نص في الإملاء على أنه يجوز له القصر.
وفصل أصحابنا فقالوا: إذا ذكر صلاة في السفر نسيها في السفر، فلا يخلو إما أن يكون قد تخلل بينهما إقامة، أو لم يكن تخلل بينها إقامة، فإن لم يتخلل بينهما إقامة يترتب على ما إذا نسيها في السفر، وذكرها في الحضر إن جوزنا القصر هناك، فها هنا أولى، وإلا فوجهان.
والفرق أنه وجدت العلة المبيحة للقصر في الطرفين، أعني طرف الوجوب والأداء، وفي المسألة الأولى عدمت العلة حالة الأداء.
وإن تخلل بينهما إقامة يترتب على ما لو لم يتخلل بينهما إقامة، إن منعنا القصر هناك، فها هنا أولى.
والفرق أن في المسألة الأولى لم يتخلل بين حالة الوجوب والأداء حالة يمتنع القصر فيها، بخلاف ما نحن فيه، فلذلك غلظنا الأمر، وأخذنا بأسوأ الأحوال، هذا كما لو غصب ما قيمته مائة، فارتفع السوق، وبلغت قيمته مائتين، ثم انخفض السوق فعادت إلى مائة، ثم تلفت في يده يلزمه أكثر القيم أخذا بالأغلظ، كذا ها هنا.
والقولان فيما إذا نسي صلاة في السفر، وذكرها في الحضر يقربان من القولين في أن العبرة في الكفارات بوقت الوجوب، أو بالأداء، لأن الكفارات قربة تنقسم إلى مخفف ومغلظ، كالصلاة.
وقيل: لو لم يتخلل بينهما إقامة، فلها حالتان:
إحداهما: أن يذكر المنسية.
والثانية: إن لم يذكرها، فإن لم يذكرها يترتب على ما لو تخلل الإقامة ولو تذكرها ثم نسيها يترتب على ما لو لم يذكرها.
إن قلت: لا يجوز القصر فها هنا أولى، وإلا فوجهان.
والفرق: أنه إذا تذكرها صار مفرطًا بخلاف هناك، والله أعل.
قال المزني: وإن أحرم، ينوي القصر، ثم نوي المقام، أتمها أربعًا ومن خلفه من المسافرين.
قال القاضي حسين: وهو كما قال لأن الفرض في الأصل أربع، وإنما جوز له القصر بشرط السفر، وقد زال بالإقامة.
كذلك لو نوى الإتمام يلزمه الإتمام، وإذا اقتدى بمسافر نوي القصر جاز له القصر، ولو شك في حال الإمام أنه يريد القصر، أو الإتمام فعلق نيته بنيته، وقال: إن قصر إمامي قصرت، وإن أتم أتممت، جاز له القصر إن قصر إمامه، لأن أداء القصر جماعة لا يمكن إلا هكذا، إذ لا يمكنه الإطلاع على نية الإمام، ولو أخبره الإمام بذلك ربما يكذب فيه، بخلاف ما لو شك في حال إمامه أنه مقيم أو مسافر، يلزمه الإتمام، وإن بان مسافرًا.
والفرق: أن الأصل في الناس الإقامة دون السفر، فلم يستند كونه مسافرًا إلى أصل، بل هو خلاف الأصل، فلم يجز التعليق.
والظاهر من حال المسافر أنه يقصر فاستند جواز القصر إلى هذا الظاهر، فصح التعليق، وهذا كما قلنا في صيام رمضان: إذا شك في أول الشهر أن غدًا من شعبان، أو من رمضان فعلق نية الصوم، وقال: إن كان غدا من رمضان صمته من رمضان، وإن كان من شعبان فهو تطوع لم يجز؛ لأن الأصل بقاء شعبان.
وفي آخر الشهر إذا شك أن غدًا من شوال، أو بقية رمضان، فعلق النية جاز؛ لأن الأصل بقاء رمضان، فاستند التعليق إلى هذا الأصل، وبمثل هذا رجل له مال غائب نصاب لا يتحقق بقاؤه، فأخرج الزكاة، وقال: إن كان مالي الغائب باقيًا، فهذا زكاته، وإن كان تالفا، فهذا صدقة جاز، لأن الأصل بقاء المال، والظاهر سلامته، فاستند إلى هذا الأصل صح التعليق.
وبمثله لو أخرج خمسة دراهم، وقال: إن كان قد مات مورثي، وانتقلت أمواله إلى إرثا، فهذه زكاته، وإلا فصدقة لم تجزه عن الزكاة، وإن بان أن المورث كان ميتا، لأن الأصل بقاء الحياة، وكمن تيقن الطهارة، وشك في الحدث فتوضأ بنية مترددة، ثم بان أنه كان قد أحدث لم يجزه وضوءه، لأن الأصل هو الطهارة، ولو تيقن الحدث، وشك في الطهارة، فتوضأ بنية إن لم أتطهر فهو وضوئي، وإلا فهو تجديد، ثم بان أنه كان قد توضأ صح وضوءه، لأن الأصل بقاء الحدث.
ولو افتتح الصلاة خلف مسافر بنية القصر، ثم في خلالها شك في نية إمامه أنه نوي القصر، أو الإتمام لم يلزمه الإتمام، لأنه لو اقترن هذا الشك بحالة الافتتاح لم يجب الإتمام، فكذا إذا طرأ بعد الافتتاح في خلال الصلاة.
ولو اقتدى بإمام مسافر، فنوي الاتمام لزمه الاتمام، ولو نوي إمامة القصر، ولو نوي القصر، ثم بدا للإمام أن يتم فعليه الاتمام، ولو قام إمامه إلى الثالثة إن علم أنه نوي الاتمام لزمه الاتمام، وإن علم أنه قام إليها ساهيا لم يلزمه الاتمام، بل يخرج نفسه من صلاته، ويسجد سجدتين، لأن سهو الامام لحقه ويسلم، أو يصبر حتى يسلم مع الامام.
قال المزني: رحمه الله: في هذه المسألة لا يلزمهم الاتمام، ولا أراهم يعرفون ذلك، وليس هذا بصحيح، لأنهم قد يعرفون سهو بأن كان الامام حنفيا متعصبا في مذهبه يعلمون من حاله أنه لا يتم في السفر مع ما تقرر من أصله أنه إذا أتم لم تصح صلاته، وإن اشتبه عليه قام للإتمام، أو قام ساهيًا، فعليه الاتمام، وإن بان أنه كان ساهيا لأن في أحد محتمليه أن إقامته إقامة متم.
وقد يقوي ذلك الاحتمال بقيامه إلي الثالثة.
فإن قيل: من الجائز أنه قام إليها ساهيًا، فوجب ألا يلزمه الإتمام.
قلنا: الأصل عدم السهو، فقد يقوي احتمال الإتمام بهذا الأصل، ولو أخبره الإمام بأني أريد الإتمام، فاقتدي به، ونوي القصر لزمه الإتمام، وإن قصر هو؛ لأن قبول قول واحد من المسلمين واجب عليه؛ إذ الظاهر أنه صادق كما لو قال: إني محدث لا يقتدي بي، ولو اقتدي به لا تنعقد صلاته، وسئل عما لو اقتدى بمسافر قال له قبل العقد: إني أريد الإتمام، فقال: لا يجوز له القصر، وإن قصر إمامه؛ لأن الظاهر من حال الامام بعد ما قال: إنه يريد الإتمام أن يتم فيقوى جنبه الاتمام بهذا الظاهر.
وهذا كما قلنا فيما لو قام الإمام إلى الثالثة، ولم يعلم المأموم أنه قام إليها للإتمام، أو ساهيا لزمه الإتمام، وإن بان أنه قام إليها ساهيا لأن أحد المحتملين يقوي بالظاهر، وهو أنه لا يقوم إلى الثالثة سهوًا، وإذا قام المنفرد إلى الثالثة ساهيا عاد، وسجد سجدتين، وسلم، ولا يلزمه الاتمام، لأنه لم ينو الاتمام، ولو أنه بعد أن قام إلى الثالثة ساهيًا، وصلاها ذكر أنه سها، وبدا له الاتمام عليه أن يصلي ركعتين أخريين، ولا يحتسب له ما قد صلى في حالة السهو.
ولو قام إلى الثالثة عامدًا من غير أن ينوي الاتمام، تبطل صلاته، لأنه نوي أداء ركعتين، ولم يحدث نية.
ولو شرع في الصلاة بنية الإتمام، ثم أفسدها لم يجز له أن يؤديها مقصورة، لأنه بالشروع التزم الإتمام، وكذا لو شرع فيها بنية القصر، ثم نوي الاتمام، ثم أفسدها يلزمه الإتمام إذا قضاها.
ولو شرع في الصلاة بنية الإتمام، ثم بان أنه كان جنبا أو محدثا لم يلزمه الإتمام، لأن صلاته لم تنعقد بنية الإتمام.
ولو اقتدى بإمام ظنه مسافرًا، فبان مقيمًا لزمه الإتمام، وإن بان مقيمًا محدثًا،
نظر فإن بان كونه مقيمًا أولا، ثم كونه محدثا لزمه الإتمام، لأنه التزم الإتمام إلى أن بان كونه محدثا.
وقد ذكرنا أنه إذا لزمه الإتمام في جزء من الصلاة لزمه في الجميع، ولو بان كونه محدثا أولا، ثم كونه مقيمًا لم يلزمه الإتمام، وكذا لو بان كونه مقيمًا ومحدثا معا لم يلزمه الإتمام.
ولو اقتدى بمن علمه متما، فبان أنه كان محدثا لزمه الإتمام، لأن صلاته انعقدت بنية الإتمام، لأن حدث الإمام لا يمنع انعقاد الصلاة أي صلاته.
والحد في هذه المسائل أنه إذا شرع في الصلاة بنية الإتمام لم تنعقد صلاته بحدث، أو نجاسة لم يلزمه الإتمام.
وإذا انعقدت صلاته، والتزم الإتمام بنفسه، أو حكما باقتدائه متمًا لزمه الإتمام.
ولو صلى الظهر المقصور خلف مقيم يصلي الصبح، ففي جواز القصر وجهان:
أحدهما: يجوز، لأن الصلاتين اتفقتا في عدد الركعات.
والثاني: لا، لأنه اقتدي بمقيم، وحال المقيم وجوب الإتمام عليه.
والمقيم لو صلى الصبح خلف من يصلي الظهر مقصورًا، أو متمًا لو قنت تبطل صلاته، لأنه خالف الامام، لأن المتابعة فرض والقنوت نقل، وإن أخرج نفسه من متابعته، ثم قنت مع نفسه جاز، وإن مضى على متابعته أيضا، جاز، وليس له سجود السهو، ولو اقتدي فيه بمن يصلي المغرب لزمه الاتمام مقيما كان الامام أو مسافرا، لأنه اقتدي فيها بصلاة هي أكثر من ركعتين فصار كما لو اقتدي فيها بمتم لها.
وهكذا لو صلى الظهر مقصورا خلف مسافر صلى المغرب، لزمه الإتمام، ولو اقتدى في الظهر المقصورة بمقيم يصلي الجمعة، ينبني على أن الجمعة ظهر مقصورة، أو فرض آخر.
فإن قلنا: إن الجمعة فرض مقصورة جاز له القصر، وإلا فوجهان، كما لو اقتدي فيها بمقيم يصلي الصبح.
ولو اقتدى في الجمعة بمسافر يصلي الظهر المقصورة، فجوابان بناء على أن الجمعة هل تجوز خلف من يصلي قضاء أو خلف الصبيان.
وفيه قولان، والمنصوص في المختصر في كتاب الجمعة أنه يجوز خلف المسافر والعبد.
فرع
مقيم يصلي الظهر أربعا خلف مقيم، فقام الإمام إلى الخامسة ساهيًا، فليس له أن يتابعه، وإن تابعه بطلت صلاته، بل هو بالخيار إن شاء أخرج نفسه من متابعته، ويتشهد، وسجد سجدتي السهو وسلم، وإن شاء صبر حتى عاد الإمام إليه فيتابعه.
ولو قام الإمام إلى الخامسة ساهيا، وخلفه مسبوق بركعة، فقال في نفسه، علي ركعة، فأنا أتابعه في الخامسة، احتسب بها على ركعتي، فتابعه بطلت صلاته بمتابعة الساهي، بل ينبغي أن يقوم منفردًا فيقضي ركعته.
قال المزني: ولو أحرم في مركب ثم زال السفر لم يكن له أن يقصر.
قال القاضي حسين: وهو كما قال: لأن العبادة إذا اجتمع فيها الحضر والسفر يغلب حكم الحضر على حكم السفر حتى لو أحرم لصلاة في السفر بنية القصر، ثم نوي الإقامة في خلال الصلاة، او اتصلت السفينة بالبلد حتى صار مقيمًا يلزمه الإتمام.
ولو أحرم في الحضر، ثم جرت السفينة، حتى صار مسافرًا يلزمه الإتمام، فلا يستفيد جواز القصر بمجرد السفر تغليبًا لحكم الحضر.
وعلى هذا أمر الصوم إذا أصبح صائمًا في الحضر، ثم أنشأ السفر لم يترخص
بالفطر، ولو أصبح صائمًا في السفر، ثم صار مقيمًا، هكذا تغليبًا لحكم الحضر.
فرع
عند الشافعي رحمه الله إذا سافر السيد سفرا يباح له الفطر والقصر، فالعبيد الذين يخرجون معه لا يباح لهم الترخص، ولا يجعلون تبعًا للسيد، وإن أخبرهم السيد إني أريد إلى موضع كذا، فعزموا ذلك السفر؛ حينئذ يباح لهم الترخص، وإلا فلا.
وعند أبي حنيفة: العبد يكون تبعًا للسيد.
قال المزني: وإن أحرم خلف مقيم، أو خلف من لا يدري، فأحدث الإمام، كان على المسافر أن يتم أربعًا، وإن أحدث إمام مسافر بمسافرين فسدت صلاته، فإن علم المأموم أنه صلى ركعتين، لم يكن عليه إلا ركعتان، وإن شك لم يجزه إلا أربع، فإن رعف، وخلفه مسافرون ومقيمون فقدم مقيمًا، كان علي جميعهم، وعلى الراعف: أن يصلوا أربعا، لأنه لم يكمل واحد منهم الصلاة، حتى كان فيها في صلاة مقيم.
قال المزني: هذا غلط الراعف يبتديء، ولم يأتم بمقيم، فليس عليه، ولا على المسافر إتمام، ولو صلى المستخلف بعد حدثه أربعًا، لم يصل هو إلا ركعتين، لأنه مسافر لم يأتم بمقيم.
قال القاضي حسين: قد ذكرنا أنه إذا اقتدى بمقيم يلزمه الإتمام، ولو اقتدي بمن لا يدري أنه مقيم، أو مسافر يلزمه الإتمام أيضا، وإن بان مسافرًا، لأن الأصل في الناس الإقامة.
ولو اقتدى بمن جهل حاله، ثم أحدث الإمام، وخرج عن الصلاة أتم المأموم صلاته أربعًا.
ولو اقتدى بمسافر، وأحدث في خلال الصلاة، وخرج ليتوضأ، إن علم أنه نوي الإتمام أتم، وإن علم أنه نوي القصر قصر، وإن جهل الحال أتم تغليبًا للإتمام، إذ الفرض في الأصل أربع، وقد شك في سبب الرخصة.
قال صاحب التلخيص، لا يترك اليقين بالشك إلا في مسائل عددها، وذكر من جملتها هذه المسألة.
ومسألة أخرى من هذا الكتاب، وهي: إذا دخل المسافر في جوف الليل قرية واشتبه عليه أنها مقصده، أو ليست مقصده لا يجوز له القصر، وهذا غلط، لأنا في المسألتين لم ندع اليقين بالشك، بل تمسكنا بالأصل واليقين، لأن الأصل في وجوب الإتمام، وأن الفرض على الإنسان أربع غير أنه جوز له القصر، ورخص فيه بشرائط.
وقد شك في بقاء شرط الرخصة، فرددناه إلى الأصل.
ولو أن إمامه كما أحدث قال له: نويت القصر أخذ بقوله فيتمها مقصورة، ولو قال: كنت نويت الإتمام أتم، وإن كان يقدره قاصرًا.
قوله: فإن رعف، وخلفه مسافرون، مقيمون فقدم مقيمًا كان على جميعهم، والراعف أن يصلوا أربعا، وهو كما قال لأنهم اقتدوا في بعض الصلاة بمقيم، وإن كانوا في أولها مقتدين بمسافر.
قال المزني: الراعف لا يلزمه الإتمام، لأنه لا يأثم في صلاته بمقيم، ولو نوي الإتمام فيصلي صلاة مقصورة.
واختلف أصحابنا في الجواب عنه.
فمنهم من قال: صورة المسألة إذا عاد الراعف، واقتدى بخليفته، واستأنف الصلاة على القول الذي يقول: يجب استئناف الصلاة على من سبقه الحدث.
أو بنى على القول الذي يجوز البناء، فعلى هذا حكم المسألة.
قال الشافعي رحمه الله: لأنه اقتدى في بعض صلاته بمقيم كالمأمومين.
ومن أصحابنا من قال: صورة المسألة: أن الراعف لم يقتد بخليفته، بل بني على صلاته مفردًا دائمًا، لزمه الإتمام، لأنه شارك مقيما في بعض الصلاة؛ لأن خليفته المقيم شاركه في صلاته؛ فلزمه حكم المقيمين كما لو ائتم بمقيم، وهذا غلط لوجهين:
أحدهما: أن الاستخلاف قول جديد، والبناء على الصلاة إذا سبقه الحدث قول قديم.
والشافعي رحمه الله يجوز الاستخلاف، فلم تخرج هذه المسألة على مذهب له في القديم.
والثاني: أنه إنما يلزم الإتمام بالاقتداء بمقيم، فأما بمجرد مشاركة المقيم في التحريمة لا يصير ملزمًا للإتمام، يدل عليه أنه إذا أم بالمقيمين، ومسافرين لم يلزمه الإتمام، وإن اقتدى به مقيم، وشاركه في التحريمة، بل الأصح هو التأويل الأول.
فصل
قد ذكرنا أن المسافر إذا نوي الإقامة في محل صالح للإقامة يصير مقيمًا بمجرد النية، وإن كان غير صالح للإقامة فيه بأن نوي الإقامة في بادية نائية، ففي تصييره مقيمًا وجهان، ولو ردد نية الإقامة صار مقيما كما لو جزم النية، وهذا كما قلنا في نية الصلاة إذا نوي الخروج منها تبطل صلاته، وإذا ردد نية الخروج تبطل صلاته.
عندنا: لا يصير العبد مقيما بأن ينوي مولاه الإقامة، وكذا المرأة لا تصير مقيمة حتى تنوي بنفسها، وكذلك لا يجوز للعبد أن يترخص بنية مولاه في السفر، حتى ينوي بنفسه.
وعند أبي حنيفة: يصير العبد مقيمًا بإقامة مولاه، لأنه تبع له.
فرع.
ولو سلم المسافر ناسيًا لسهوه، وكان قد سها، فقد خرج من الصلاة، فإن أراد أن يسجد سجدتي السهو جاز ذلك له على قرب الفصل، فلو أنه عاد ليسجدها، ثم نوي الإتمام هل يلزمه الإتمام أم لا؟
يجب أن يخرج على وجهين بناء على أنه هل يعود حكم الصلاة بعوده إلى سجود السهو حتى بطل بالحدث؟ وفيه وجهان ذكرناهما من قبل، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: قال الشافعي رحمه الله: وإذا كان له طريقان يقصر في أحدهما، ولا يقصر في الآخر، فإن سلك الأبعد، لخوف أو حزونة في الأقرب، قصر، وإلا، لم يقصر.
وفي الإملاء: إن سلك الأبعد، قصر.
قال المزني: وهذا عندي أقيس، لأنه سفر مباح.
قال القاضي حسين: إذا كان إلى مقصده طريقان:
أحدهما: أقرب، لا يقصر فيه الصلاة.
والثاني: أبعد، تقصر فيه الصلاة، فسلك الأبعد، إن كان له غرض في سلوكه لعبادة مريض، أو زيارة صديق، أو خوف في الأقرب، أو حرونة فيه جاز له القصر، وإن لم يكن له غرض في سلوكه الأبعد، نص في موضع على جواز القصر، وفي آخر على منعه.
فمن أصحابنا من جعل فيه قولين:
أحدهما: يجوز له القصر لوجود السفر المباح، وهذا اختيار المزني.
والثاني: لا؛ لأنه طول الطريق على نفسه من غير غرض صحيح له فيه، فصار كما لو سلك الأقرب، وجعل يضرب يمنة ويسرة، حتى يبلغ مسافة القصر لا يجوز له القصر كذا ها هنا.
ومنهم من قال: المسألة على حالين حيث جوز القصر أراد إذا كان له غرض في سلوكه، وحيث منعه أراد إذا لم يكن له غرض فيه.
وقول المزني: هو سفر مباح منوع، بل هو طول على نفسه من غير غرض.
قال المزني: قال الشافعي رحمه الله: وليس لأحد سافر في معصية: أن يقصر، ولا يمسح مسح السفر فإن فعل، أعاد ولا تخفيف عمن سفره في معصية
وإن صلى مسافر بمقيمين، ومسافرين، فإنه يصلي والمسافرين ركعتين، ثم يسلم بهم، ويأمر المقيمين أن يتموا أربعا، وكل مسافر فله أن يتم، وإنما رخص
له: أن يقصر الصلاة، إن شاء، فإن أتم، فله الإتمام، وكان عثمان بن عفان، رضي الله عنه، يتم الصلاة.
واحتج في الجمع بين الصلاتين في السفر؛ بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع في سفره إلى تبوك بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء جميعًا، وأن ابن عمر جمع بين المغرب والعشاء في وقت العشاء، وأن ابن عباس قال: ألا أخبركم عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر؟ كان إذا زالت الشمس، وهو في منزله، جمع بين الظهر والعصر في وقت الزوال، وإذا سافر قبل الزوال، أخر الظهر، حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر.
قال الشافعي: وأحسبه قال في المغرب والعشاء مثل ذلك، وهكذا فعل بعرفة، لأنه أرفق به تقديم العصر، ليتصل له الدعاء، وأرفق به بالمزدلفة تأخير المغرب، ليتصل له السفر، ولا ينقطع بالنزول للمغرب، لما في ذلك من التضييق على الناس، فدلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن من له القصر، فله الجمع، كما وصفت، والجمع بين الصلاتين في أي الوقتين شاء، ولا يؤخر الأولى عن وقتها، إلا بنية الجمع وإن صلى الأولى في أول وقتها، ولم ينو مع التسليم، الجمع، لم يكن له الجمع، فإن نوي مع التسليم الجمع، كان له الجمع.
قال المزني: رحمه الله، هذا عندي أولى، من قوله في الجمع في المطر في مسجد الجماعات بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، لا يجمع إلا من افتتح الأولى بنية الجمع، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بالمدينة في غير جوف، ولا سفر، وقال مالك: أرى ذلك في مطر.
قال الشافعي رحمه الله: والسنة في المطر كالسنة في السفر.
قال المزني: والقياس عندي إن سلم ولم ينو الجمع، فجمع في قرب ما سلم
بقدر ما لو أراد الجمع، كان ذلك فصلا قريبًا بينهما: أن له الجمع؛ لأنه يكون جمع الصلاتين إلا وبنهما انفصال، فكذلك كل جمع، وكذلك كل من سها، فسلم من اثنتين فلم يطل فصل ما بينهما، أنه يتم، كما أتم النبي صلى الله عليه وسلم وقد فصل، ولم يكن ذلك قطعا لاتصال الصلاة في الحكم، فكذلك عندي إيصال جمع الصلاتين: ألا يكون التفريق بينهما إلا بمقدار ما لا يطول.
قال القاضي حسين: العاصي بسفر عندنا لا يترخص برخص المسافرين، ولا يحل له تناول الميتة، ولا القصر ولا الفطر والمسح ثلاثا، وله أن يسمح يوما وليلة في ظاهر المذهب، لأن أكثر ما فيه أن يرفض نية السفر، ويلحق بالمقيمين بسبب المعصية، وللمقيم أن يمسح يومًا وليلة، وإذا تيمم لعدم الماء، وصلى ففي وجوب الإعادة وجهان:
أحدهما: يلزمه ذلك كالمقيم إذا صلى بالتيمم لعدم الماء، لأنا ألحقناه بالمقيم بسبب المعصية.
والثاني: لا يلزمه الإعادة، لأنه تيمم لعدم الماء في موضع يعوز الماء فيه غالبًا، ولا يتناول الميتة، بخلاف المقيم العاصي، لأن احتياج المقيم إلى الميتة ليس لما تعاطاه من المعصية، وإنما هو لأجل الجبلة، بخلاف المسافر العاصي، فإن احتياجه إلى الميتة لما تعاطاه من المعصية؛ لأن الغالب وجود الطعام الحلال في الحضر، ويقال له: تب وكل الميتة، والتوبة في مقدوره، فيمكنه أن يأتي بها، ويأكل الميتة ويتخلص عن الضرورة.
ولو أنشأ سفرًا مباحًا، ثم في أثناء الطريق قطع الطريق على المسلمين، هل يترخص أم لا؟ فيه وجهان.
فأما إذا كان في سفره يزني ويشرب الخمر تباح له الرخص، لأن سفره مباح فهو كالمقيم العاصي، وإذ يعصي في سفره له أن يترخص، ولأنه انعقد له سبب الرخصة في الابتداء، فلم يرتفع بطرؤ المعصية، بخلاف العاصي بسفره، فإنه لم ينعقد سبب الرخصة؛ لأن المعصية اقترنت بسبب الرخصة، فمنعت
انعقادها، وهذا كما قلنا، في مسألة اللقطة إذا أخذها بنية التعريف لا تدخل في ضمانه، بمجرد قصد التعدي، والتملك بعده قبل أن ينضم الفعل إليه، وإذا أخذها بنية التملك لا يبرأ عن الضمان بإحداث نية الإمساك للمالك، ولو رمى نفسه من شاهق جبل، فانكسرت رجله فعجز عن القيام في الصلاة، فصلى قاعدًا، ففي وجوب الإعادة عليه عند القدرة وجهان:
أحدهما: تجب، لأنه عاص برمي نفسه من الجبل، فلم يترخص بالقعود في الصلاة كالعاصي بسفره.
والثاني: لا؛ والفرق أن العاصي بسفره في مقدوره ترك المعصية، فلم يعذر فيه، وهذا معذور فيما به من العجز، إذ ليس في قدرته إزالة الزمانة.
وإذا شربت الحامل دواء ألقت به جنينا، فتركت الصلاة في زمان النفاس، ففي وجوب الإعادة إذا طهرت هذان الوجهان.
وإذا شرب البنج وغيره مما يزيل العقل فعليه قضاء الصلاة والصيام بعد الإفاقة، كالسكران يلزمه قضاؤها إذا أفاق من السكر، لأنه جلب إزالة العقل بنفسه، فيؤخذ به.
قال: ويمكن أن نفرق بين شرب الخمر والأدوية المزيلة للعقل، بأن الشارب للخمر يقصد به الدوام دون الابتداء، لأن ابتداءه يكره بالطبع، ودوامه يورث الطرب والنشاط، فاللذة في دوامها دون ابتدائها، فلزمه القضاء، بخلاف الأدوية المزيلة للعقل، فإن الإنسان لا يقصد بشربها الدوام، ولا الابتداء، فإنها لا تفضي إلى ما فيه لذة الطبع من الطرب والنشاط.
وفي جواز المسح على الخف المغصوب، والصلاة في الأرض المغصوبة وجهان: أحدهما: لا يجوز للمعصية
والثاني: يجوز؛ لأن المعصية ليست في عين المسح، وفعل الصلاة، وإنما المعصية في لبس خف الغير، والمقام في أرض الغير.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: العاصي بسفره يثبت له ترخص المسافرين، كما في سفر الطاعة، والمباح.
لنا ما أشار إليه الشافعي رحمه الله، وهو: أن الرخص إنما تثبت للمسافر تخفيفا له في سفره، وإعانة له لما يلحقه من تحمل المشقة، والعاصي غير مستحق للمعونة، قال الله تعالى: (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).
فلو أطلقنا له الرخص أدى إلى معونة العاصي على ما يتعاطاه من المعصية، وهو خلال الشرع.
قوله: وإن صلى المسافر بمقيمين ومسافرين، فإنه يصلي والمسافرون ركعتين، ثم يسلهم بهم.
قال القاضي حسين: وهو كما قال: ويأمر المقيمين ليتموا أربعًا.
روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قصر بـ (منى)، فلما سلم قال: أتموا يا أهل (مكة)، فإنا قوم سفر، وإن شاء أمرهم قبل افتتاح الصلاة بالإتمام.
فصل روى الشافعي رحمة الله عليه الأخبار في الجمع بعذر المطر والسفر، فعندنا الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، جائز بعذر المطر والسفر.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز الجمع إلا بين الظهر والعصر بـ (عرفات)، وبين المغرب والعشاء، بـ (مزدلفة)، ثم عنده الجمع بين هذين الموضعين واجب.
وعندنا: هو جائز كما في السَّفر والمطر، والدليل على جوازه بعذر السَّفر ما روى أنه عليه السلام جمع في سفره إلى «تبوك»، بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والله أعلم.
وروى ابنُ عبَّاس: ألا أخبركم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر؟ كان إذا زالت الشمس، وهو في منزله جمع بين الظهر والعصر في وقت الزوال، وإذا سافر قبل الزوال أخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر.
وعن نافِعٍ أنه قال: كنت مع عبد الله بن عمر عند منصرفه من (مكة) إلى
(المدينة)، فأخبر أن زوجته صفية مرضت فرجع فكان يسرع في السير، فلما غربت الشمس قال: قلت له: الصلاة الصلاة، فلم ينزل حتى دخل وقت العشاء، ثم نزل وصلى المغرب والعشاء، ثم قال: هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل إذا جَدَّ به السير.
وهل يجوز الجمع في السفر القصير؟
ينبني على أن أهل (مكة) إذا خرجوا إلى (منى) و «عرفات»، هل يجوز لهم الجمع؟ ففيه قولان:
أحدهما: وهو قوله الجديد: لا يجوز.
والثاني: وهو قوله القديم: يجوز.
ولأي معنى جاز منهم من قال: لأجل السفر.
ومنهم من قال: لأجل النُّسك، فالجمع في السفر القصير ينبني على هذين المعنيين، إن جعلنا المعنى فيه السفر، جاز، وإلا فلا.
وأهل «عرفات» هل يجوز لهم الجمع؟
إن لم يكن ناسكًا لا يجوز، وإن كان ناسكًا ينبني على هذين المعنيين إن جعلنا المعنى فيه النسك جاز، وإلا فلا.
وإنما يجوز الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فأما بين الصبح وغيرها، والعصر والمغرب، فلا؛ لأن الظهر والعصر يتفقان في وقت الضرورة، فكذا في وقت العذر.
وكذلك المغرب والعشاء، ثم هو بالخيار بين أن يؤخر الظهر إلى العصر، ويجمع بينهما في وقت العصر، ويؤخر المغرب إلى العشاء، ويجمع بينهما في وقت العشاء، وبين أن ينقل العصر إلى الظهر، ويجمع بينهما في وقت الظهر، وينقل العشاء إلى وقت المغرب، ويجمع بينهما في وقت المغرب، إلا أن المستحب أن يفعل مثل ما روى ابن عباس رضي الله عنه: إن كان في المنزل عند دخول وقت الظهر يجمع بينهما في وقت الظهر، وإن كان في الطريق يؤخر الظهر إلى العصر، وإذا أخر الظهر إلى العصر لم يجز إلا بنية الجمع، حتى لو أخر من غير قصد الجمع عصى الله بالتأخير، وصارت قضاء.
وهل يصليها في وقت العصر مقصورة؟
فعلى جوابين، وإذا نقل العصر إلى الظهر لابد من تقديم الظهر على العصر، وإذا أخر الظهر إلى العصر في جواز تقديم العصر على الظهر وجهان:
أحدهما: لا يجوز، كما في وقت الظهر، فعلى هذا من قدم العصر على الظهر صار الظهر قضاء في ذمته، فهل يصليها مقصورة؟ فعلى جوابين.
والثاني: يجوز، بخلاف ما لو نقل العصر إلى وقت الظهر، لأن هناك يصليها في وقت غيرها على طريق التبع، فشرط تقديم المتبوع، وها هنا يصليها في وقتها، فلم يجب تقديم صلاة أخرى عليها.
وإذا نقل العصر إلى الظهر لم يجز الجمع إلا بثلاث شرائط:
إحداهما: أن يقدم الظهر على العصر، ولا يفتتح الظهر إلا بعد دخول وقتها.
والثاني: ان ينوي الجمع.
والثالثة: أن يؤدي العصر على أثر الظهر فلا يتخلل بينهما زمان طويل يقطع نظم الجمع، ولا يزيد الزمان للتخلل بين صلاتي الجمع على الزمان الذي يتخلل بين الإيجاب والقبول، والإقامة، وعقد الصلاة والزمان، الذي يتخلل بين الخطبتين، والزمان الذي يبني فيه على الصلاة إذا ذكر ركنا نسيه، أو كان قد سلم عامدًا.
ولو نوى الإقامة بعد الفراغ من الصلاتين لم تؤثر نيته في الظهر وفي العصر وجهان:
أحدهما: لا تؤثر نية الإقامة فيها، ولا تجب إعادتها، لأنه فرغ منها كالظهر، وكما لو صلى صلاة مقصورة، ثم نوي الإقامة لم يلزمه الإتمام.
والوجه الثاني: يجب إعادتها، لأنه صلاتها في وقت غيرها بعلة السفر، وارتفع السفر ووقتها بين يديه.
ولو نوي الإقامة في خلال العصر يترتب على ما نوى الإقامة بعد الفراغ منها.
إن قلنا هناك: تلزمه الإعادة وجب الاستئناف ها هنا إذا دخل وقتها، وإلا فوجهان:
أحدهما: لا تبطل كما بعد الفراغ.
والثاني: تبطل ويلزمه استئنافها إذا دخل وقتها، كما لو نوى القصر، ثم نوي الإقامة يلزمه الإتمام، وليس كما لو نوي الإقامة بعد الفراغ منها، لأنه هناك فرغ من العبادة، فلم تؤثر فيه الإقامة، كما لو قصرها لا تؤثر نية الإقامة فيها بعد الفراغ.
ومن قال بالأول أجاب عن مسألة القصر، بأن هناك لا يؤدي إلى إبطال ما مضى من العبادة، إذا أوجبنا الإتمام كلفناه حكم المقيمين، وها هنا يؤدي إلى إبطال ما مضى من العبادة.
ولو نوى المقام في وقت العصر، أو صار مقيمًا، وكان قد جمع بينهما في وقت الظهر، إن كان قد مضى زمان إمكان فعل الصلاتين لم تؤثر نية الإقامة، وإن لم يكن قد مضى زمان إمكان فعل الصلاتين يترتب على ما لو نوي الإقامة في خلال الصلاة، ولو أخر الظهر إلى العصر، وصلاهما في وقت العصر، ثم نوي الإقامة لم تؤثر نية الإقامة، ولو نوي الإقامة قبل أن صلاهما، فلم يجز له القصر في واحدة منها، وصار الظهر قضاء، لأنه أخرجها عن وقتها باختياره، وارتفع العذر المجوز للتأخير قبل الفعل
ولو جمع بينهما في وقت الظهر، ثم ذكر سجدة نسيها من إحدى الصلاتين، إن علم أنه تركها من العصر لم يجز له أن يصلي إلا في وقتها؛ لأن الفصل قد طال، وانقطع نظم الجمع، وإن علم أنه تركها من الظهر لم تصح الصلاتان، فله أن يجمع بينهما في وقت الظهر، وإن اشتبه عليه؛ فلم يدر أنه تركها من الظهر أو العصر، لم تسقط واحدة منهما عن ذمته، وعليه أن يعيدهما؛ لأن كل واحدة منهما يفرض أن يكون قد تركها منها، وليس له أن يجمع بينهما بجواز أن تكون السجدة المتروكة من العصر، وانقط نظم الجمع، فغلظنا الأمر، وأخذنا بأسوأ الأحوال، كما إذا نسي سجدة من صلاته لم يدر أنه نسيها من الركعة الأولى، أو الثانية، يؤخذ بأسوأ الأحوال.
نقل من الحاشية نص على أنه إذا جمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر، فإذا فرغ من الظهر وسبقه الحدث فتوضأ وصلى العصر، ثم بان أنه كان محدثاً في الظهر بطلت العصر، وهكذا إذا فرغ من العصر، ثم بان أنه صلى الظهر قبل الزوال بطل العصر؛ لأن العصر في وقت الظهر يترتب على الظهر.
وأما الدليل على جواز الجمع بعذر المطر، فما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة جمع من غير خوف ولا سفر.
وروى أنس بن عياض عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بالمدينة بعذر المطر.
ثم لا خلاف في جواز الجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر بعذر المطر.
وهل يجوز أن يؤخر الظهر إلى العصر، ويجمع بينهما في وقت العصر؟ فعلى وجهين:
أحدهما: يجوز كما في السفر.
والثاني: لا.
والفرق أن استدامة السبب المجوز للجمع في السفر إليه، فجاز له التأخير، بخلاف المطر، فإن استدامة المطر ليست إليه، فلا يأمن أن تمسك السماء، ويرتفع سبب الجمع، ويصير الظهر قضاء في الذمة، ويعصى بتأخيرها، وإنما يجوز الجمع بعذر المطر عند وجود المطر في ثلاثة مواضع:
عند افتتاح صلاة الأولى، والفراغ منها، وافتتاح الثانية، ولو أمسكت السماء في خلال الصلاتين، أو إحداهما لم يضر، بخلاف ما لو نوي الإقامة في خلال الصلاة يمتنع الجمع، لأن استدامة السفر إليه، فلم يعذر بترك بخلاف المطر.
وهذا في مساجد الجماعات التي يأتيها الناس من البعد من السكك والمحال، وأما المنفرد في البيت، والمصلى بالمسجد على باب داره، والمسجد الذي يكون بموضع كنيز لا يتأذى بالمطر.
إن أراده، هل له الجمع؟ فعلى وجهين:
أحدهما: بلى؛ لوجود المطر.
والثاني: لا؛ لعدم المشقة.
وما عدا المطر من الأعذار مثل الرياح، والوحل، وشدة البرد، والحر لا يبيح الجمع.
وأما الثلج الرخو الذي يذوب كالمطر، هل يفيد الجمع؟ يحتل وجهين:
أحدهما: لا؛ لأن السنة وردت في المطر، وهو مخصوص من القياس، فلا يقاس عليه غيره.
والثاني: يجوز، لأنه في معنى المطر.
ونية الجمع في المحلين شرط.
ومتى تجب نية الجمع؟
نص في المطر: على أنه ينوي الجمع عند افتتاح الصلاة الأولى.
ونص في السفر على أنه ينوي الجمع مع التسليمة في الصلاة الأولى، أو قبلها فمن أصحابنا من جعل في المسألتين قولين:
أحدهما: ينوي الجمع فيها عند افتتاح الأولى، كما تجب نية القصر عند افتتاح الصلاة.
والثاني: يجوز أن ينوي فيهما مع التسليمة في صلاة الأولى، أو قبلها؛ لأن نية الجمع تضم إحدى الصلاتين إلى الأخرى.
وإذا نواه قبل التسلمية حصل الضم، فحصل المقصود.
ومنهم من أجراها على الظاهر، وفرق بأن استدامة سبب الجمع في السفر شرط في خلال الصلاة الأولى، فكان مخلا لنية الجمع، بخلاف المطر، فإن دوام المطر في خلال الصلاة ليس بشرط، ولم يكن مخلا لنية الجمع.
واختار المزني أنه يجوز أن ينوي الجمع بعد الفراغ من الصلاة الأولى على قرب الفصل، كما إذا سلم ناسيًا عن ركعتين، يبني على الصلاة إذا ذكره على قرب الفصل، كذا ها هنا.
والمسألة التي أوردها حجتنا؛ لأن هناك يشترط نية فعل الركعات الأربعة في
أول الصلاة، وإنما جاز له البناء عند قرب الوقت، لأنه نواها في أول الصلاة، ولم يطل الفصل بين الركعتين الأوليين، وبين الأخريين، وهكذا لم توجد نية الجمع في الصلاة الأولى، فلم يجز ضم الثانية إليه.
والله تعالى أعلم بالصواب.
(تم الجزء المبارك)