التعليقة القاضي أبو محمد الحسين بن محمد بن أحمد المروروذي
تحقيق/ الشيخ/ علي محمد معوض والشيخ/ عادل أحمد عبد الموجود
مكتبة نزار مصطفى الباز مكة المكرمة
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه أستعين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله أجمعين.
قال- رضي الله عنه وعن والديه -: ليس شيء أفضل عند الله تعالى من طلب العلم، والله تعالى إنما فضل آدم صلوات الله عليه لأجل العلم.
قال الله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها).
الآية
قيل: أراد به اسم جميع الأشياء حتى الفأس والقدر، وغيرهما.
وقال الله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم).
فجعل العلماء في الدرجة الثالثة في الشهادة على وحدانيته
وقد روي في هذا الباب أخبار كثيرة:
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «من أحب العلم والعلماء لم تكتب عليه خطيئة أيام حياته».
وروي أنه قال عليه السلام: «من أكرم عالما فكأنما أكرم سبعين نبيا، ومن أكرم متعلما فكأنما أكرم سبعين شهيدًا».
وروي أنه قال عليه السلام: «من صلى خلف عالم فكأنما صلى خلف نبي، ومن صلى خلف نبي فقد غفر له من ذنوبه ما تقدم».
وروي أنه قال عليه السلام: «من تعلم بابًا من العلم ليعمل لنفسه، أو ليعلم غيره كان أفضل من ألف ركعة».
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «العلماء أمناء الرسل ما لم يخالطوا السلاطين، فإذا خالطوهم فاجتنبوهم، ومن تعلم العلم ليباهي به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو يأتي باب الملوك ويستجلب دنانيرهم، ودراهمهم لقي الله
تعالى وهو عليه غضبان، ويأتي ذلك العلم وشقه مائل ولعابه سائل، يقذره الخلائق».
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم، سأل جبريل -عليه السلام-: أي الجهاد أفضل؟ قال: طلب العلم، قال: ثم بعد؟ قال: النظر إلى وجه العالم، قال: ثم بعد؟ قال زيارة العلماء)
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من أحب أن ينظر إلى عتقاء الله من النار فلينظر إلى المتعلمين.
ما من طالب علم يختلف إلى باب العالم إلا كتب الله تعالى له بكل قدم عبادة سنة، وبني له بيتا في الجنة، ويمشى على الأرض، والأرض تستغفر له، ويصبح ويمسى مغفورًا له، وشهدت الملائكة بأن هؤلاء عتقاء الله من النار.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: النوم على العلم أفضل من الصلاة على الجهل.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي الدرداء: أغد عالمًا أو متعلمًا، ولا
تكن الثالث فتهلك.
وروى أنه قال عليه السلام: اغد عالمًا أو متعلمًا أو مستمعًا أو محبًا، ولا تكن الخامس فتهلك.
وروى أنه قال عليه السلام: الناس اثنان: عالم، ومتعلم، وسائر الناس همج لا خير فيهم.
والهمج: دويبة تطير على رأس الحش.
وروى أنه عليه السلام، قال: اطلبوا العلم ولو بالصين.
وروي عن كثير بن قيس أنه قال: كنت في مجلس أبي الدرداء، إذ دخل من ناحية دمشق، فقال له: من أين جئت؟ فقال: جئت من ناحية دمشق، فقال: لماذا جئت؟ فقال: جئت لتروي لي خبرًا عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أبو الدرداء: أما جئت إلا لهذاا؟ فقال: والله ما جئتك لحاجة في دينار ولا درهم، وإنما جئتك لتروي لي خبرًا عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سلك طريقا في طلب العلم سلك به طريق من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العلماء يستغفر لهم من في السموات، ومن في الأرض حتى الحيتان في البحر، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب،
وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ شيئا منه، فقد أخذ بحظ وافر.
قوله: تضع أجنحتها، قيل: تواضعًا وتقربًا إليهم.
كقوله تعالى (واخفض جناحك للمؤمنين).
وقيل: إنها تبسط أجنحتها حتى يمشوا عليها.
وروى أن عبد الله بن المبارك قيل له: لو أوحي الله تعالى إليك، أنه لم يبق من عمرك إلا هذه العشر، ما كنت صانعًا فيه؟ قال: كنت أطلب العلم.
وحكي عن سفيان الثوري أنه قال: ليس شيئا أفضل عند الله تعالى من طلب العلم إذا صحت النية.
فقيل: وما صحة النية؟ فقال: أن يراد به وجه الله تعالى، والدار الآخرة.
وروى عنه أيضا أنه قال: تعلمنا العلم لغير الله، فأبي العلم أن لا يكون إلا لله.
وسفيان رجل كثير العلم حتى أنه قيل: إنه جلس بين يديه أربعة آلاف محبرة يكتبون الحديث منه.
وقال الشافعي رحمه الله، وأنار برهانه، وجعل الجنة مثواه ومضجعه، طلب العلم أفضل من صلاة النافلة.
وقال أيضا: طالب العلم عبد، والعلم حر، فمن خدمه ملكه، ومن تجبر عليه هجره، والعلم أشد تجبرًا من أن يخضع لمن لا يخضع له.
فصلٌ: العلم علمان: علم التوحيد، وعلم الشريعة.
فأما علم التوحيد: فيجب علي كل مكلف أن يعرف الله تعالى بالصفات التي وصف بها نفسه، ولا يجوز التقليد في علم التوحيد، فإذا عرف الله
تعالى ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويؤمن بالبعث والقيامة، وما يليق به فيكون مؤمنا، والمتكلمون من أصحابنا تعمقوا فيه، فقالوا: ينبغي أن يعرف الله تعالى بالدليل، فإن لم يعرفه بالدليل، فلا يكون مؤمنًا.
والأصح: أنه يحكم بإيمانه إذا كان مقرًا بمعرفة الله تعالى وبأوامره ونواهيه، لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى.
والدليل على أن معرفة الله تعالى ممكن من غير لحاق مشقة: أن الله تعالى إذا أتم خلقه الإنسان، وسوى حواسه الخمس، فإذا نظر إلى السماوات وما فيها، وإلى الأرضين وما فيها من أنواع الخلائق، وإلى نفسه علم أن له صانعًا مدبرًا حكيمًا.
قال الله تعالى: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون).
وهذا العلم يفترض على من كان بالغًا عاقلاً.
والعلم الثاني: علم الشريعة:
وذلك قسمان: قسم يجب على من كان بالغًا عاقلا أن يتعلم ذلك، وقسم يكون فرضًا على الكفاية.
فأما ما هو فرض عين: فإنه علم ما يتوصل به إلى عبادة الله تعالى لأن
الله تعالى، قال (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين) الاية، وقال: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون).
فمن كان بالغًا، يجب عليه أن يتعلم علم الصلاة: الفرائض، والسنن، والتمييز بين فريضة وفريضة، وبين السنن والفرائض، ويجب عليه أن يتعلم ما تكون السنن من الصلاة والأركان، فلو أتي بالصلاة بأركانها، وسنتها على اعتقاد أن الكل يكون سنة لا تصح صلاته قولا واحدًا.
ولو أنه أدى الكل على ظن أن الكل فرض، فالمذهب الصحيح، أنه لا تصح صلاته.
ومن أصحابنا من قال: تصح صلاته.
وكذلك إذا ابتلي بالزكاة، فيجب عليه أن يتعلم علم الزكاة، في أي جنس تجب الزكاة، ومن أي جنس تخرج الزكاة، ومتى تخرج؟، وإلى من تصرف؟
وإذا ابتلي بالصوم، فعليه أن يتعلم كيفية النية، والمفطرات للصوم.
وإذا ابتلي بالحج، فعليه أن يعرف أركان الحج، والمفسدات للحج.
وإذا ابتلي بالبيع والتجارة، فعليه أن يتعلم من علم البيع كيفية المعاملة، وما يجري فيه الربا.
وما لا ربا فيه، وكيفية الإيجاب والقبول وإذا ابتليى بالنكاح، فينبغ أن يعرف الوقت الذي يحرم فيه إتيان
النساء، والدليل على هذا قوله عليه السلام، بني الإسلام على خمس.
الحديث.
وقال عليه السلام: طلب العلم فريضة على كل مسلم، الحديث
أراد به: ما ذكرنا مما هو فرض على كل بالغ عاقل.
قال الشافعي رحمه الله: ويجب على كل امريء أن يتعلم من العربية ما يؤدي به فرائص الله تعالى.
والعلم الثاني: مثل دقائق المسائل في الصلاة، وفي الشركة.
وفي القراض، والديات، وهذا فرض على الكفاية.
فإذا قام به بعض الناس سقط عن الباقين.
فإذا كان بلد، فلو واحدًا من أهل ذلك البلد، تعلم من العلم ما يحتاجون إليه، فقد أسقط الفرض عن الباقين.
وإن لم يقم به أحد، فإن الكل عاصون لله تعالى.
كما نقول في الجهاد، فإن ذلك فرض على
الكفاية، فيجب على الإمام أن يغزو في كل سنة إما بنفسه، وإما
بسراياه، حتى [لا] يكون النفير معطلا في عام، وأن تكون كلمة الإسلام عالية، وكلمة الشرك مقهورة.
وكذلك نقول في رد السلام، ودفن الموتى، فإن هذه فروض على الكفايات، فإذا قام به البعض، سقط الحرج عن الباقين، وإن لم يقم به أحد، حرج الكل.
والدليل على أنه إذا قام به البعض، سقط على الحرج عن الباقين، قوله تعالى: (وما كان المؤمنين لينفروا كافة).
منهم من قال: إنما نزل هذا في الجهاد لما نزل قوله تعالى: (انفروا خفافًا وثقالاً).
خرج جميع الصحابة إلى الغزو، فأنزل الله تعالى هذه الأية، فقالوا هلا خرج من كل قوم طائفة، وبقيت طائفة ليتعلموا علم الشريعة؟
ومنهم من قال: إنما نزل هذا في شأن حي من أحياء بني أسد وبني خزيمة، جاءوا بقضهم وقضيضهم إلى المدينة لطلب العلم حتى أفسدوا الطريق على الناس بالعذرة.
فقال الله تعالى: (فولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين) الآية، يعني: أحد.
والمراد بـ (الطائفة): الواحد، فهذا دليل على أنه لا يجب على كافتهم أن يتعلموا الشرع.
قال رضي الله عنه: استنبط من هذا: أنه إذا تفقه في الدين، ورجع إلى قومه أن يذكر قومه وينذرهم لأن الله تعالى قال (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) الاية.
وفي العلوم كثرة، فيجب على العاقل اللبيب أن يتعلم أولى العلوم، وأولى العلوم علم الشريعة، حتى يتوصل بذلك إلى عبادة الله تعالى.
وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد.
الحديث.
وقال عليه السلام: من تفقه في دين الله، كفاه الله هم دينه ودنياه ... الحديث.
وقال أبو الفتح البستي:
مدة العمر لا تفي بجميع المطالب ... فدع النفل جانبًا واشتغل بالواجب
ويجب على المرء أن يختار مذهبًا، وأصح المذاهب، مذهب الشافعي رحمه الله لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الأئمة من قريش.
وقال عليه السلام: قدموا قريشًا ولا تقدموها، وتعلموا من قريش ولا تعلموها، وروى: ولا تعاطوها.
والشافعي رحمه الله عليه كان من صميم قريش، وحرمت عليه الصدقة المفروضة، كما حرم عليهم، ويستحق منهم [سهم] ذوي القربى، كما أنهم يستحقونه.
وروى أن المزني رحمه الله عليه رأي النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فسأله عن محمد بن إدريس الشافعي، فقال صلى الله عليه وسلم: من أحب محبتي وسنتي فعليه بمحمد بن إدريس الشافعي، فإنه منى وأنا منه.
والمتبحرون في العلم ثلاثة: مالك،
أبو حنيفة، والشافعي.
فأما مالك: فكان قويا في الأخبار، ضعيفا في الرأي، والاستنباط.
وأبو حنيفة: كان قويًا في الرأي والاستنباط، ضعيفًا في الأخبار.
والشافعي: كان قويًا فيهما جميعًا.
فلهذا اخترنا مذهبه على سائر المذاهب.
فإذا انتحلت مذهب رجل فلا أقل من أن تعرف اسمه، ونسبه.
واسم الشافعي: أبو عبد الله، محمد بن إدريس بن عباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن المطلب بن عبد مناف.
والمطلب كان أخا هاشم جد أبي النبي صلى الله عليه وسلم وكان اسم النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.
فجد الشافعي رضي الله عنه الأعلى المطلب، وجد النبي صلى الله عليه وسلم الأعلى هاشم، وهما ابنا عبد مناف.
وكان الشافعي رضي الله عنه من جملة بني أعمام النبي صلى الله عليه وسلم فهاشم الذي هو جد أبي النبي صلى الله عليه وسلم كان عم هاشم، الذي هو جد الشافعي، رحمه الله الأعلى، وهو هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف، والمطلب الذي هو جد الشافعي الأعلى، هو عم عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم وكان لعبد مناف أربعة بنين، المطلب وهاشم، وعبد شمس، ونوفل.
والشافعي إنما ولد بـ (غزة) قرية من قرى الشام، قريبة من بيت
المقدس، ونشأ بـ (مكة) و (المدينة) وتعلم العلم هناك، وولد في خمسين ومائة من الهجرة، وتوفي في خمس ومائتين، وكان سنه خمسًا وخمسين.
فلما تعلم العلم بـ (مكة) و (المدينة) انتقل إلى (انتقل) في سنة سبع وسبعين، وصنف هناك كتبه القديمة، وكان من رواته أحمد بن حنبل، وأبو
علي الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، وأبو ثور، والحسين بن علي الكرابيسي، ثم انتقل إلى مكة، وأقام هناك إلى تسع وتسعين ثم انتقل إلى بغداد، وأقام هناك مدة يسيرة، ثم انتقل إلى مصر، وأقام هناك إلى أن قبض إلى رحمه الله تعالى وصنف هناك كتبه الجديدة، وكان رواة كتبه الجديدة أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، والربيع بن سليمان المرادي،
والربيع بن سليمان الجيزي، وأبو يعقوب البويطي، وحرملة بن يحيى التجيبي.
وقيل: إنه صنف مائة وثلاثة عشر كتابًا في علم القرآن، وفي علم الأخبار، وفي علم الشريعة.
والمزني: كان رجلا بليدًا، فقال له الشافعي رحمه الله كنت بليدًا، فخرجتك المواظبة.
ثم المزني لما رأي كثرة تفريعات الشافعي، وكثرة كتبه استكثره، فاختصر منه كتابًا سماه جامع الكبير، وكان كتابًا حسنا بالغًا، ولم يوجد ذلك
الكتاب في ديار خراسان بالتمام، ثم استكثره فاختصر منه هذا المختصر، الذي تداوله الفقهاء، ثم استكثر هذا المختصر فصنف كتابًا في جزئيات.
والربيع بن سليمان المرادي صنف كتبًا كثيرة، ولكن لكثرة ورع المزني، وفقره بارك الله تعالى في كتابه، وكان يدرس هذا المختصر، وكان الفقهاء يتداولونه إلى قيام الساعة.
قال الشيخ أبو زيد - رحمه الله - من تأمل في المختصر حق تأمله، تطلع على جميع الفروع والأصول، فإنه ما من مسألة أوردها إلا ورمز هناك إلى شيء من أصول الشافعي رحمة الله عليه، والله تعالى أعلم بالصواب.
واعترض أبو طالب المعري، وأبو بكر محمد بن داود الأصفهاني على المزني، بدأ النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل أمر ذي بال لم يبدأ بحمد الله فهو أبتر.
وروى: فهو أقطع.
الحديث.
وهذا الكتاب لا يخلو، إما أن يكون له بال، أو لم يكن له بال، فإن لم يكن له بال، فالاشتغال به محال، وإن كان له بال، فلم ترك التحميد في أول الكتاب؟
الجواب عن هذا أن تقول:
هذا السؤال يرد عليك، فإن كلامك لا يخلو، إما أن يكون له بال أو لم يكن له بال، إلا أن هذا يؤدي إلى ما لا نهاية له، ولكن نجيب عن هذا فنقول: هذا الخبر قد روي بروايات: كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله ... ، وروى: لم يبدأ فيه بذكر الله.
وإن صح صار منسوخًا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما كتب كتاب الصلح مع أهل مكة، كتب: هذا ما صالح محمد بن عبد الله، ولم يأت بالتحميد.
وكتاب النبي صلى الله عليه وسلم، من أشرف الكتب.
وقيل: بأن هذا الخبر موقوف على أبي هريرة.
وجواب آخر نقول: ليس من الشرط أن نكتب التحميد في أول الكتاب، ولكن المراد به أن يحمد الله تعالى - اللسان، فلا يظن بـ (المزني) مع كثرة ورعه أنه ترك التحميد في ابتداء الكتاب.
وقيل: إنه ما جمع بين مسألتين، وما اختار قولا على قول إلا وصلى ركعتين، واستخار الله تعالى، وتصدق بما يملك.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: حق المؤمن على أخيه ستة: أن يسلم عليه إذا لقيه، وأن يجيبه إذا دعاه، وأن يشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويشيع جنازته وألا يظن به إلا خيرًا.
الحديث.
وجواب ثالث: المزني نقل ما هو أعلى الأذكار، وهو بسم الله الرحمن الرحيم، فإن هذا من أعلى الأذكار وأعظمها، قال الله تعالى (هل تعلم له سميًا).
معناه: هل تعلمون أحدًا تسمى الله غير الله.
وهذه الأذكار ينوب بعضها عن البعض كما قال عليه السلام: أفضل ما دعوته أنا والنبيون قبلي عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحد وهو على كل شيء قدير.
فقيل لسفيان بن عيينة، هذا ثناء، وليس بدعاء، فقال: أما أنشدك قول أمية بن أبي الصلت، في شأن عبد الله بن جدعان،
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء؟
إذا أثني عليك المرء يومًا ... كفاه من تعرضه الثناء.
فقال سفيان: هذا في وصف المخلوق، فكيف برب العالمين؟
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تعالى، من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، الحديث.
وجواب آخر: إن المزني لم يكن مصنفا، وإنما كان ناقلا،، وليس من عادة النقلة أن يأتوا بالتحميد، كما نقول في نقلة الأخبار.
والمصنف كان الشافعي رحمه الله وهو ذكر التحميد في صدر كتاب الرسالة، وهو كتاب في الأصول والفروع.
والتحميد فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله الذي لا يؤدي شكر نعمه من نعمه، إلا بنعمة حادثة يوجب على مؤدي شكر ماضى نعمه بأدائها نعمة حادثة يجب عليه شكرها، ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته، وهو كما وصف نفسه، وفوق ما يصفه الواصفون من
خلقه: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)، وصلى الله على محمد كلما ذكره الذاكرون وسها عن ذكره الغافلون.
وحكي أن الشافعي رحمه الله رآه واحد في المنام، فقال له: ما فعل الله بك؟
فقال: غفر لي.
فقيل: بماذا غفر الله لك؟
فقال: بالتحميد الذي صدرت به كتاب الرسالة والصلاة التي صليت على النبي صلى الله عليه وسلم فيه.
ولعل الشافعي رحمه الله أخذ هذا من داود النبي صلى الله عليه وسلم وذلك ما روى أن الله تعالى أوحى إلى داود النبي عليه السلام فقال له: يا داود اشكرني.
فقال: كيف أشكرك، وشكري لك يوجب علي شكرا آخر؟
فقال الله تعالى: الآن شكرتني حين أقررت بالعجز عن شكري.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: حسبي من عبدي أن يعلم أن ما به من نعمة فمني، الحديث.
وقد نظم محمود الوراق، بيتين في هذا المعنى، فقال:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... على له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغي الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام وانفتل العمر؟
قال المزني: اختصرت.
الاختصار: اشتقاقه من الخصر، وهو خلاصة الشيء، واختلف عبارات أصحابنا في معنى الاختصار.
منهم من قال: الاختصار: إقلال اللفظ مع توفير المعنى.
وقيل: الاختصار: إقلال من غير إخلال.
وقيل: هو القاء المباني، وإبقاء المعاني.
وقيل: هو قبض البسيط من الكلام، ورده إلى وجيزه.
وقيل: هو رد الكثير إلى القليل، وفي القليل معنى الكثير
ومعناه: اختصر مسائل متفرقة في لفظ وجيز.
وقيل: الاختصار، الجمع، ومن هذا سمى العصا الذي يتوكأ عليها بجميع بدنه (مخصرة)، وسمي: الخاصرة، لأنها مجمع البدن من الأعلى ومن الأسفل.
اعترضوا عليه بأنه لم يقل، اختصرت، ولم يختصر بعد؟
الجواب عنه: يحتمل أنه فرغ من تصنيف الكتاب، ثم جاء وذكر ترجمة الكتاب، وهذه عادة المصنفين، أنهم يثبتون ترجمة الكتاب بعد فراغهم من تصنيف الكتاب.
وجواب آخر: معناه سأختصر، كما قال الله تعالى (أتي أمر الله) الاية.
معناه: سيأتي.
وكقوله تعالى: (ونفخ في الصور).
وقوله: (ونادي أصحاب الأعراف).
ومعناه: سينفخ، وسينادي
فإن قيل: لماذا اختصر والكلام إذا كان بسيطا، فيكون أقرب من الوجيز؟
قلنا: الكلام الوجيز يستفصح.
كقوله تعالى (ولكم في القصاص حياة) الاية.
وقال عليه السلام: الماء من الماء.
القطع في ربع دينار، والعمد قود
وقال عليه السلام: أوتيت جوامع الكلم، واختصر لي الكلام اختصارًا.
الحديث.
وقال (علي)، كرم الله وجهه، خير الكلام ما قل ودل، ولم يطل فيمل.
قوله هذا.
قال القاضي حسين، اعترض عليه، فقيل له: قال: هذا، ولم يصنف الكتاب بعد والهاء إشارة إلى الموجود.
جوابه: ما ذكرت قبله.
وجواب آخر، نقول: لما سهل عليه تصنيف الكتاب، جعله كالموجود لأن (هذا) قد يشار إلى الشيء الحاضر، ويشار إلى شيء قرب وجوده.
كقوله تعالى (هذا يوم الفصل)، الاية
وقوله: (هذا يوم لا ينطقون) الاية.
وقال الشاعر:
هذا ابن عمي في دمشق خليفة ... لو شاء ساقكم إلى قطينا
أي جميعا
وهذا اسم، تارة يشار إلى العين الحاضرة، وتارة يضاف إلى الذكر الحاضر، قوله من علم الشافعي.
قال القاضي حسين: فإن قيل: علم الإنسان يكون في صفات ذاته، فلا يمتاز عنه، كالبياض والسواد.
قلت: معناه من معلوم الشافعي، وذلك أن المزني، سمع منه المسائل، ولم ينسخ ذلك، ثم صنف من ذلك العلم الذي سمع منه
ويجوز مثل هذا، كما نقول: هذا من ضرب الإمام.
يعني: من مضروبه.
وكما يقال: اللهم أريتنا قدرتك، فأرنا رحمتك.