التعليقة للقاضي حسينصفحات 460-500

ومن أصحابنا من أقر النصين قرارها، وفرق بينهما بأن ترك القيام أخف حكما في الصلاة من ترك الستر، لأنه قد يسقط القيام، بعذر المرض وغيره.
وقد يجوز تركه في النوافل مع القدرة عليه.
فإنه لا يسقط في أي صلاة كانت مع القدرة عليه، ولأن للقيام بدلا، وهو القعود، وليس للستر بدل.
فلهذا أمره بالصلاة في الوقت قاعدًا، ولم يأمره بها في الصلاة عاريًا، جئنا إلى مسألتنا إن جعلنا في المسألتين قولين.
ففي هذه المسالة أيضًا قولان.
وإن فرقنا بينهما هناك، فمسألتنا نظير مسألة السفينة، لأن للوضوء، بدلا وهو التيمم، قال المزني، ولو كان مع رجل ماء، فأجنب رجل، وطهرت امرأة، من الحيض، ومات رجل ولم يسعهم الماء، كان الميت أحبهم إلي: أن يجاد بالماء عليه، ويتيمم الحيان، لأنهما قد يقدران على الماء، والميت إذا دفن، لم يقدر على غسله، فإن كان مع الميت ماء، فهو أحقهم به، فإن خافوا العطش، شربوه، ويمموه وأدوا ثمنه في ميراثه.
قال القاضي حسين صورة المسألة اجتمع جنب، وحائض طهرت، وميت لم يغسل، وهناك ماء يكفي لأحدهم، فالميت به أولى يغسل به، ويتمم الحيان، لأن أمر الميت يفوت ويمكنها استعمال الماء في المستقبل وصورة المسألة فيما إذا كان الماء مباحًا أو جاء أحد به، وجاء به على أحدهم لا على التعين.
وأما إذا كان لأحد الجنبين فهو أولى به، فلو كان هناك ميت وحي عليه نجاسة، وهناك ماء مباح فوجهان.
أحدهما: الميت أولى لما ذكرنا.

والثاني: من عليه النجاسة أولى لأحدهما.
فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: الجنب أولى؛ لأن وجوب الاغتسال في حقه منصوص عليه بقوله تعالى: (وإن كنتم جنبًا فاطهروا).
وأيضًا فإنه يمنع عن قراءة القرآن على قول القديم، ولأن الصحابة اختلفوا في تيمم الجنب، دون تيمم الحائض.
والثاني الحائض، أولى لأن حكم الحيض أغلظ بدليل أنه يحرم القربان إليها والجنابة بخلافه.
والثالث: هما سواء، يقرع بينهما.
فأما إذا كان هناك محدث يقرع بنهما.
فأما إذا كان هناك محدث وجنب.
إن كان الماء يكفي المحدث دون الجنب، فهو أولى، لأنه يكمل طهارته، وإن كان يكفي الجنب، ولو استعمله المحدث يفضل للجنب شيئًا منه، فيه وجهان: أحدهما: الجنب أولى، لأن الجنابة أغلظ حكمًا.
والثاني: المحدث أولى، لأنه يكمل به طهارته، ويفضل للجنب بعضه.
هذا إن قلنا: إن وجدنا بعض الماء يلزمه الاستعمال، وإلا فالجنب أولى، وإن كان للميت ماء، فالميت أولى به، فأما إذا كان الحي مضطرًا إليه، فالمضطر أولى، والميت يتمم.
قال: (ويؤدي ثمنه في ميراثه).
قال القاضي حسين: وعني بالثمن القيمة.
فإن قيل: لم أوجب قيمته، وهو من ذوات الأمثال؟ قلنا: لأن الماء يقوم في مكان العز، ويضمن بالمثل في مكان الإباحة، فلو أوجبنا المثل.

ها هنا: يتضرر به الميت، حتى لو ظفر الوارث به في مكان للماء فيه قيمة، فله أن يغرمه المثل.
فأما إذا كان في مكان لا قيمة للماء فيه، وغرمه القيمة ثم اجتمع في مكان للماء فيه قيمة، فهل له أن يسترد القيمةن ويغرمه المثل؟ فيه وجهان: وهكذا لو أتلف حنطة على إنسان بـ (مرو الروذ) ثم القيمة، ليس له أن يغرمه المثل، بل يغرمه قيمة الحنطة، ب (مرو الروذ)، ولو اجتمع في المكان الذي أتلف فيه الحنطة.
هل له أن يرد عليه القيمة ويسترد المثل؟ فعلى وجهين، وكذا لو أتلف على إنسان جملاً في الصيف، ثم ظفر به في الشتاء، وغرمه القيمة، ثم دخل الصيف.
فهل له رد القيمة، واسترداد المثل؟ فعلى وجهين، والله أعلم بالصواب.

باب ما يفسد الماء

. الماء على قسمين: قليل وكثير.
ويعني بالقليل ما يتقاصر عن القلتين، وبالكثير ما بلغ القلتين فصاعدًا، وسيأتي حكم الكثير.
فأما القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه، وإن لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة.
وقال مالك: لا ينجس ما لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة، كالماء الكثير واستدل عليه بقوله عليه السلام: خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه.

ولم يفصل بين القليل والكثير.
قلنا: هذا عام فنحمله على الكثير بدليل قوله عليه السلام: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا».
فمفهومه يدل على أن القليل بخلافه.
قال المزني: قال الشافعي-رحمه الله-: وإذا وقع في الإناء نقطة خمر، أو بول أو دم، أو أي نجاسة كانت مما يدركه الطرف، فقد فسد الماء، ولا تجزئ به الطهارة.
قال القاضي حسين: خص بدركها الطرف بالذكر.
من أصحابنا من قال: المزني أخل بالنقل، لأن الشافعي إنما فصل بين ما يدركها الطرف، وبين ما لا يدركها الطرف في الثياب لا في الماء.
فإنه قال في القديم: وإن كان على ثوبه قدر كف من دم، فهو معفو، وإن كان من سائر النجاسات، إن كان مما لا يدركها الطرف فمعفو، وإن كان مما يدركها الطرف، فليس بمعفو.
وقال في الجديد: إذا كان عليه قدره دم البراغيث، من الدم الذي خرج من بدنه، فهو معفو، وسائر النجاسات لا يعفى عنها، أدركها الطرف، أو لم يدركها.
واستدل على قوله القديم بما روي عن جعفر بن عبد الله بن محمد الباقر أنه قال: لقد هممت أن أتخذ ثوبًا للمغتسل لما رأيت أن الذباب تقع على النجاسات، ثم تطير على الثياب، إلا إني رأيت السلف لا يتحرزون عن ذلك فتركته.

فحاصل المذهب: أن ما يدركها الطرف ينجس به الماء والثوب.
فأما ما لا يدركها الطرف: من أصحابنا من جعل في الثوب والماء قولين: أحدهما: ينجس به الماء والثوب.
والثاني: ينجس به الماء دون الثوب.
والفرق بينهما أن الماء يمكن صونه، وتغطيته في الأواني، كي لا يقع فيه الذباب، ولا يتعذر ذلك، بخلاف الثياب.
وأيضا فإن الذباب إذا طار من النجاسة، فتجف رجله في الهواء، ثم لو وقع على الثوب، وكان الثوب يابسًا، فإنه لا يؤثر فيه بخلاف الماء، فإنه مائع فإذا لاقاه الماء يترطب رجله فينجس به الماء.
قال المزني: وإن توضأ رجلٌ، ثم جمع وضوءه في إناء نظيف، ثم توضأ به، أو غيره، لم يجزه، لأنه أدي به الفريضة مرة، وليس بنجس لأنه النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ولا شك أن من بلل الوضوء [ما] يصيب ثيابه، ولا نعلمه غسله، ولا أحدًا من المسلمين فعله، ولا يتوضأ به، لأن على الناس تعبدًا في أنفسهم بالطهارة من غير نجاسة، وليس على ثوب، ولا أرض تعبد ولا أن يماسه ماء من غير نجاسة.
قال القاضي حسين: الماء المستعمل على قسمين: مستعمل في الحدث، ومستعمل في الخبث.
فأما المستعمل في الحدث فهو الذي استعمل في طهارة الفرض في المرة الأولى، وأدى به حكمي من حيض أو جنابة.
ظاهر المذهب: أنه طاهر غير مطهر.
وفيه قول قديم للشافعي، وهو مذهب مالك أنه طهور، وحكي عيسى بن أبان عن الشافعي هذا القول.

قال ابن سريج: وهم في نقل هذا القول، فظن أن مذهبه أن الماء المستعمل طهور لكثرة ما رأي الشافعي يحتج على أبي يوسف فيه على أنه طاهر.
وعن أبي حنيفة روايتان.
وقال أبو يوسف/ إنه نجس، وعندنا يكون طاهرًا على ظاهر المذهب.

ولأي معنى صار مستعملاً.؟ فيه معنيان: أحدهما: لأنه أدي به الفرض مرة، وقد نص عليه الشافعي في أول الفصل.

والثاني: أن يستعمل، ويؤدي به العبادة، مستنبط من قوله، لأن على الناس تعبدًا في أنفسهم بالطهارة، وليس على الثوب تعبد، ولا على أرض تعبد.
فعلى هذا: إذا استعمل الماء في الكرة الثانية والثالثة في الوضوء، أو جدد الوضوء أو اغتسل للجمعات، أو الأعياد أو الصبي المراهق يتوضأ.
هل يكون طهورًا أو لا؟ فيه وجهان ينبنيان على المعنيين.
إن قلنا: إن المعنى فيه أنه أدي الفرض به، وهذه المياه لم يؤد بها الفرض، فيكون طهورًا.
وإن قلنا بالمعنى الثاني: فلا يكون طهورًا، لأنه أدي به العبادة.
فأما الذمية إذا طهرت من الحيض، واغتسلت لقربان الزوج إليها.
إن قلنا بالمعنى الأول: يصير الماء مستعملا.
وإن قلنا بالمعنى الثاني: لا يصير الماء مستعملا، لأنه لم يؤد به العبادة.
فرع: الماء المستعمل في إزالة الحدث، هل يجوز إزالة الخبث به فوجهان: أحدهما: يجوز؛ لأن للماء قوتين: قوة رفع الحدث، وقوة رفع الخبث.
والثاني: لا، لأن هذا ما لا يرفع الحدث، فلا يرفع الخبث، وكذا الماء المستعمل في إزالة الخبث.
فهل تجوز إزالة الحدث به؟

فوجهان على ما ذكرنا.
فرع: فأما إذا جمع الماء المستعمل في إناء حتى بلغ قلتين.
فيه قولان: أحدهما: يعود طاهرًا مطهرًا، لأنه صار إلى حاله، ولو كان عليه في الابتداء لم يحكم بكونه مستعملا، كالمياه النجسة، إذا جمعت حتى بلغت قلتين.
والثاني: لا بخلاف الماء النجس، لأن العلة لنجاسة القلة، وقد ارتفعت العلة إذا بلغت قلتين، وها هنا العلة فيه كونه مستعملا، وهذه الصفة تكون مع كثرة الماء، ولاترتفع عنه إذا بلغ قلتين.
فرع: لا خلاف أن تجديد الوضوء سنة لقوله عليه السلام: الوضوء شطر الإيمان.
وروى عنه عليه السلام، أنه قال: من جدد الوضوء جدد الله إيمانه، فلو توضأ، ولم يصل به شيئا يكره له تجديد الوضوء، لأنه يؤدي إلى الزيادة على الثلاث في كل عضو.
وإن توضأ وصلى به الفرض، فإن أراد أن يصلي فرضًا آخر يستحب له تجديد الوضوء، وإن أراد أن يصلي به النافلة، هل يستحب له تجديد الوضوء أم لا؟

فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن العادة ما جرت بتجديد الوضوء للنافلة.
والثاني: بلى؛ لأنه قد أدى بالوضوء فرضًا واحدًا.
فأما إذا توضأ وأدي به صلاة التطوع، ثم أراد أن يصلي صلاة الفرض، فهل يستحب له تجديد الوضوء أم لا؟ فيه وجهان ينبنيان على المعيين في الماء المستعمل.
إن قلنا: إن الماء إنما يصير مستعملا إذا أدى به الفرض، فها هنا لا يستحب له تجديد الوضوء.
وإن قلنا: بأن الماء إنما يصير مستعملا إذا أدى به العبادة فها هنا يستحب له تجديد الوضوء ثانيًا.
فأما الماء المستعمل في إزالة الخبث فلا يخلو إما أن ينفصل عن المحل، ويحكم بطهارة المحل، أم لا يحكم بطهارته، فإن حكم بطهارة المحل، ينظر في الماء، فإن لم يكن متغيرًا.
الظاهر من المذهب: أنه طاهر.
وحكي أبو القاسم الأنماطي قولا آخر: أنه يكون نجسًا، وهو مذهب أبي حنيفة وفيه قول قديم، وهو مذهب مالك، أنه يكون طهورًا، والمذهب الأول فأما إذا كان الماء متغيرا فإنه يكون نجسًا وفي المحل وجهان: أحدهما يكون طاهرًا، لأن النجاسة انتقلت منه إلى الماء.
والثاني: يكون نجسًا، لأنه بقي على المحل بلل، وهو بعض الماء، والماء الواحد لا ينقسم في الطهارة والنجاسة.
فأما إذا لم يحكم بطهارة المحل، بأن انفصل الماء عنه، وعين النجاسة على المحل باق، والماء متغير، فهما نجسان الماء والمحل، فأما إذا انفصل الماء غير متغير، والعين على المحل قائمة.

فالمحل نجس لا محالة، فأما حكم الماء يبني على المسألة الأولى إن قلنا هناك: يكون الماء نجسًا، فها هنا أولى.
وإن قلنا: لا يكون نجسًا فها هنا فيه وجهان.
والفرق أن هناك انفصل عن محل طاهر، وها هنا انفصل عن محل نجس، ثم ذكر ابن سريج في غسالة النجاسة ثلاثة معان: أحدهما: أن حكم الماء بعد ما انفصل عن المحل حكم الماء قبل إيراده على المحل، وهذا ينزع إلى القول القديم.
والثاني: أن حكمه حكم المحل قبل ورود الماء عليه.
والثالث: أن حكمه حكم المحل بعد ورود الماء عليه، وفائدته إنما تظهر في غسالة ولوغ الكلب إذا أصاب محلا، فينبني على المعاني الثلاثة التي ذكرناها في غسالة غير الكلب، فإن أصابه في المرة أولى.
إن قلنا: إن حكمه حكم الماء قبل إيراده على المحل لم يجب غسله منه.
وإن قلنا: إن حكمه حكم المحل قبل إيراد الماء عليه لم يجب غسله سبع مرات، ويجب التعفير.
وإن قلنا: إن حكمه حكم المحل بعد إيراده الماء عليه، فيجب غسله ست مرات ثم إن وجد التعفير في محل الولوغ، فلا يجب ها هنا في الموضع الذي تقاطرت إليه وإلا فعليه التعفير، وعلى هذا القياس لو تقاطر من المرة الأولى والثانية والثالثة، فأما إذا تقاطر من المرة السابعة.
إن قلنا: إن حكمه حكم الماء قبل إيراده على المحل، فلا يجب غسله.
وإن قلنا: إن حكمه حكم المحل قبل إيراد الماء عليه، فيجب غسله مرة واحدة، وحكم التعفير على ما ذكرنا.
وإن قلنا: إن حكمه حكم المحل بعد إيراد الماء عليه لا يجب غسله أيضًا، وفي غسلات الكلب إذا جمعت وجهان:

أحدهما: أنها نجسة ما لم تبلغ قلتين.
والوجه الثاني: أنها طاهرة، لأن مجموعها طهرت المحل، فصار كغسالة غير الكلب، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: وإذا ولغ الكلب في الإناء، فقد نجس الماء، وعليه أن يهريقه، ويغسل منه الإناء سبع مرات، أولاهن بالتراب، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي حسين: إذا ولغ الكلب فيه فقد نجس الماء وعليه أن يهريقه، ويغسل الإناء منه سبع مرات، أولاهن أو آخرهن بالتراب.
وقال أبو حنيفة: يغسل ثلاث مرات، ولا يجب التعفير، وكذا عند حكم سائر النجاسات الحكمية، والدليل عليه حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب.
ولا نعنى بالتعفير إن نلقي التراب الجامد في الإناء، ونمسح به الإناء أو الطين، إذا كان متجمدًا غير سيال يلقى فيه، وتحركه فيه، بل نعنى به أن نلقي التراب في واحد من الغسلات السبعة مع الماء، حتى يتكدر الماء به، فيكون محسوبًا، ولو كان الماء كدرًا بالتراب بأن كان في وقت الربيع، فإنه يقوم مقام التعفير.
فأما الغسلة الثامنة هل تقوم مقام التراب أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى، لأن الماء أبلغ قوة في التطهير.

والثاني: لا؛ لأن النص ورد في التراب تعبدًا.
وهي يقوم غير التراب من الأشنان، والصابون والنخالة مقام التراب أم لا؟ فيه قولان نص عليهما في الجديد: أحدهما: لا؛ لورود النص في التراب.
والثاني: وهو اختيار المزني، نعم، لأنها طهارة ورد الشرع بها بالجامد فلم يختصر بذلك الجامد كالاستنجاء وكالدباغ ثم اختلفوا في محل القولين منهم من قال: القولان في جميع المحال كلها.
ومنهم من قال القولان عند عدم التراب، لأن الشافعي، قال وإن كان في بحر لا يجد فيه ترابًا، فأما إذا وجد التراب قول واحد: أنه لا يجوز.
ومنهم من عكس ذلك وقال: عند وجود التراب قولان.
قال: فإن كان في بحر، لا يجد فيه ترابًا، فغسله بما يقوم مقام التراب في التنظيف من أشنان أو نخالة، أو ما أشبهه ففيه قولان: أحدهما: ألا يطهر إلا بأن يماسه التراب.
والاخر: يطهر بما يكون خلفا من تراب، أو انظف منه [مما] وصفت، كما نقول في الاستنجاء.
قال المزني: قلت أنا: هذا أشبه بقوله: لأنه جعل الخزف في الاستنجاء، كالحجارة لأها لا تقي إنقاءها، فكذلك يلزمه أن يجعل الأشنان كالتراب، لأنه ينقي نقاءه، أو أكثر وكما جعل ما عمل عمل القرظ والشث في الإهاب في معنى لقرظ والشث، فكذلك الأشنان في تطهير الإناء في معنى التراب.
قال المزني: [الشث شجرة تكون بالحجاز].
قال القاضي حسين: أراد به أن الغالب أن التراب لا يوجد في البحر، كما نص على الحجر في الاستنجاء، فذكره لا لتعليق الحكم.

فأما عند عدم التراب قول واحد: أنه يجوز.
فإذا قلنا: غير التراب في الإناء يقوم مقامه، ففي التراب أولى، وإلا فوجهان، والفرق أن تأثير الأشنان والصابون أقوي في الثوب.
وأيضا إن العادة ما جرت باستعمال التراب في غسل الثياب، لأنه مما يفسده بخلاف الأواني.
فأما إذا أصاب الأرض ولوغ الكلب، ففي اعتبار التعفير وجهان: الأظهر: أنه لا يعتبر، لأنه يحصل في كل مرة.
والثاني: بلي، للنص.
فأما إذا ولغ الكلب في إناء، ثم غمس الإناء في ماء لا يخلو، إما أن يكون الماء جاريًا أو راكدًا، فإن كان جاريًا إن تركه فيه ريثما يجري الماء عليه سبع جريات فذاك.
والثامنة هل تقوم مقام التعفير؟ فعلى ما ذكرنا من الوجهين: وإن أخرجه في الحال فعلى وجهين: أحدهما: عاد طاهرًا لأنه صار إلى حالة لو كان عليها لم ينجس بالولوغ.
والثاني: لا، ويحتسب ذلك غسلة واحدة.
وإن كان الماء راكدًا، فإن غمسه فيه، وخضخض الماء فيه سبع مرات فذاك، وإن أخرجه في الحال لا يعود طاهرًا، وإن تركه فيه زمانًا، ولم يحرك الماء، فيه وجهان.
فأما دم الكلب وبوله في ظاهر المذهب كريقه إذا راعينا المعنى، وهو قوله الجديد، وإن راعينا النص، وهو قوله القديم حكمه حكم سائر النجاسات، وكذلك إن مس قوائمه، أو بجزء من أجزائه موضعًا رطبًا إن راعينا القياس، وهو قوله الجديد يلزمه غسله سبع مرات إحداهن بالتراب، وإن راعينا النص،

وهو قوله القديم حكمه حكم سائر النجاسات، وكذا حكم الخنزير حكم الكلب في الجديد، لأنه أسوأ حالاً منه، إذ هو متفق في تحريمه، والكلب مختلف فيه.
وفي القديم إذا راعينا النص حكمه حكم سائر النجاسات.
فرع: لو ولغ كلبان في إناء واحد وأكثر لا تجب فيه الزيادة على السبع، بخلاف ما لو بال رجلان في أرض يصب عليه ذنوبان من الماء، لأن ذلك لإذهاب عين النجاسة فكلما أزدادت النجاسة زيد في الماء بخلاف ما نحن فيه.
قال المزني: رحمه الله، ويغسل الإناء من النجاسة سوى ذلك ثلاثًا، أحب إلى فإن غسله واحدة، تأتي عليه، طهر، وما مس الكلب والخنزير من الماء من ابدانهما نجسة، وإن لم يكن في أبدانهما قذر.
قال القاضي حسين: فقد ذكرنا حكم نجاسة الكلب والخنزير، وأما نجاسة سواهما، إن كانت عينية فعليه إزالة العين، فإن لم يذهب الأثر، فعليه أن يغسله بالأشنان وغيره، ويستقصى فيه، فإن لم يذهب فالظهر أنه يكون معفوًا لما روى عن عائشة، رضي الله عنها أنها قالت كنا نغسل الثياب من دم الحيض وتبقي فيه بقعة، أو بقع، فنمسحها بالحناء، ونصلي فيها.
وإن كانت حكمية فنغسلها إلى أن يغلب على ظنه طهارته، ولا يعتبر فيه العدد.
ومن أصحابنا من قال: إنه يصب عليه سبعة أضعاف النجاسةن والصحيح هو الأول، ويدل عليه حديث أسماء.
وقوله: (ثم اغسليه بالماء)، قال القاضي حسين، ليس فيه ذكر عدد، ولا شيء، ولكن يستحب عندنا غسله ثلاث مرات.

وقال أبو حنيفة: إنها واجبة، وقد ذكرناه.
فأما إذا انغمس الثوب في نجاسة من بول وغيره، ثم غسل بماء معلوم القدر، وانفصل منه الماء، ووزن بعده، فإن زاد الماء على مقداره يكون نجسًا، لا محالة، وإن لم يكن متغيرًا، لأن هذه الزيادة أقوى دليل على نجاسته من التغيير.
ثم المزني احتج على أبي يوسف في أن الماء المستعمل طاهر، حيث قال: إنه ماء طاهر منفصل عن محل طاهر، فالنجاسة من أين.
فاعترضوا عليه بأن قالوا: عندكم لو كان الماء القليل في إناء فنجس، وفي إناء آخر مثله، وكان نجسأ ثم جمعا في إناء واحد، وبلغا قلتين يصيران طاهريين، وهذا ماء نجس اجتمع مع ماء نجس فالطهارة من أين.؟ جوابه ما ذكرنا أن العلة فيه القلة عندنا وقد ارتفعت بالجمع والكثرة، والثاني: قالوا: إذا غر العبد بأمة فولدت منه، قلتم،: بأن الولد حر، وهذا مولد بين رقيقين، والحرية من أين؟ جوابه: أنه وطئها على زعم أن ولده يكون حرًا منها، فإذا غر بالأمة صار الولد حرًا لغروره بذلك.
واحتج مالك في كونه طهورًا، وقاسه على الثياب أنه يجوز أن يتأدى به فرائض كثيرة، فكذا الماء مثله، وهذا شرط من شرائط الصلاة، كالستر، سواء قلنا: الفرق بينهما أن العادة جرت أن الناس يصلون في ثوب واحد أيامًا، بخلاف الماء، وأيضا فإنه جامد، فلم يصر مختلطًا به، ولا مستعملا في شيء حقيقة، بخلاف الماء.
قال المزني: واحتج بأن الخنزير أسوأ حالا من الكلب، فقاسه عليه، وقاس ما سوى ذلك من النجاسات على أمر النبي صلى الله عليه وسلم أسماء بنت أبي بكر في دم الحيضة، يصيب الثوب، أن تحته، ثم تقرصه بالماء، وتصلي فيه، ولم يوقت في ذلك سبعًا، قال القاضي حسين: أسار الحيوانات على نوعين، فإن كان الحيوان نجس

العين كالكلب والخنزير والمتولد منهما، أو من أحدهما، سؤر الكل نجس، فأما ما كان طاهر العين، فسؤره يكون طاهرًا يستوي فيه الآدمي وغيره من البهائم والسباع وغيره.
فأما الهرة فسؤرها طاهر، فأما إذا أكلت نجاسة، ثم ولغت في ماء قليل في الحال حكم بنجاسة ذلك، ولو تحقق طاهرة فمها، ثم ولغت في الماء القليل لا يحكم بنجاسته فلو عادت، ثم عادت وولغت ينظر فإن لم يكن هناك ما يتوهم أنها ولغت فيه، وطهرت فمها فإنه يحكم بنجاسة ذلك الماء، ولو بقيت مدة يحتمل ورودها على ماء كثير بأن كان ماء كثير قريب من ذلك الموضع فوجهان: أحدهما: يحكم بطهارته لاحتمال ورودها على الماء الكثير.
والثاني: لا يحكم لأنا تيقنا نجاسة فمها، وشككنا في الطهارة، فاجتمع فيه الأصل والظاهر، وكل مسألة اجتمع فيها الأصل والظاهر، فيه قولان للشافعي رحمه الله.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: ما كان مأكول اللحم، فسؤره يكون طاهرًا، إلا سؤر الدجاجة، فإنه يكون مكروهًا لأنها تأكل العذرة، وما كان غير مأكول من الحيوان، فسؤره يكون نجسًا، وقال سؤر الحمار والبغل مشكوك فيه.
قال المزني: واحتج في جواز الوضوء بفضل ما سوى الكلب والخنزير بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل أنتوضأ بما أفضلت الحمر: قال نعم، وبما أفضلت السباع كلها، وبحديث أبي قتادة رضي الله عنه في الهرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنها ليست بنجس وبقوله عليه الصلاة والسلام إذا سقط الذباب في الطعام، فامقلوه، فدل على أنه ليس في الأحياء نجاسة إلا ما ذكرت من الكلب والخنزير.
قال القاضي حسين: وقال سؤر الحمار والبغل مشكوك فيه، وأما الخيل عند محمد، فسؤرها طاهر، وعند أبي حنيفة، مشكوك فيه كالبغل، وسؤر سباع

الطيور مكروهة، وسؤر سباع البهائم نجسة، لأنها تأخذ الماء بمشفريها، وذلك لحم، وتتعدى النجاسة إلى الماء بخلاف سباع الطيور، فإنهن يأخذ الماء بالمخالب، وذلك عظم لا تتعدي النجاسة منهن إلى الماء، فيدل عليه ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل، أيتوضأ بما أفضلت الحمر، قال: نعم، وبما أفضلت السباع كلها.
والدليل عليه حديث أبي قتادة في الهرة إلى قوله: إنها من الطوافين عليكم، وبقوله: إذا سقط الذباب في الطعام فامقلوه.

فدل أنه ليس سؤرهن بنجس إلا سؤال الكلب والخنزير، قال القاضي حسين: قوله: والذباب لا يؤكل لم يرد به أنه ليس مأكولا، إذ لا يشتبه ذلك على أحد، ولكن قصد به التعليل، وأنه غير مأكول، ومع ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمقله في الطعام.
دل على أن الحكم لا يدور على المأكول في طهارة السؤر ونجاسته، كما قال أبو حنيفة، بل الأمر على ما بيناه.
وقوله: (وغمس الذباب في الإناء ليس يقتله).
قال القاضي حسين: إنما قال ذلك مع أبي حنيفة، حيث أستدل به على أن ما ليس له نفس سائلة من الحيوانات إذا مات في طعام لا ينجسه عنده، ووجه الاستدلال له أنه أمر بالغمس فيه، فلو كان ينجسه إذا مات فيه لما أمر بذلك.
فأما ألبان ما لا يؤكل لحمه لا لحرمته، فنجسة على ظاهر المذهب.
والقياس أنها طاهرة كالعرق والريق، إلا أن الصحيح أنها نجسة، لأن اللبن مما يتغذى به، كاللحم سواء، وإنما يعفي عن العرق والريق وغيره لعموم البلوى به.
وقال الإصطخري: لبن الأتان طاهر كعرقه.
قال المزني: فإن مات ذباب أو خنفساء أو نحوهما في إناء، نجسه.
وقال في موضع آخر، إن وقع الماء أو نحوهما في إناء، نجسه.
وقال في موضع آخر: إن وقع في الماء الذي ينجسه مثله، إذا كان مما له نفس سائلة.
قال المزني: هذا أولى بقول العلماء، وقوله معهم أولى به من انفراده عنهم، قال: وإن وقعت فيه جرادة ميتة، أو حوت، لم تنجسه، لأنهما مأكولان ميتين.

قال: ولعاب الدواب، وعرقها قياسًا على بني آدم.
قال: وأيما إهاب ميتة دبغ بما يدبغ به العرب أو نحوه، فقد طهر، وحل بيعه، ويتوضأ فيه، إلا جلد كلب، أو خنزير، لأنهما نجسان، وهما حيان، ولا يطهر بالدباغ عظم، ولا صوف، ولا شعر، لأنه قبل الدباغ وبعده سواء.
قال القاضي حسين: إذا مات في الماء القليل حيوان لا يخلو، إما أن يكون آدميا، أو غير آدمي، فإن كان آدميا، ففيه جوابان بناء على أن الآدمي، هل ينجس به، الماء.
وقسم لا يؤكل لحمه، وهو قسمان: قسم له نفس سائلة إذا مات في الماء القليل ينجس الماء.
وقسم ليس له نفس سائلة، وهو قسمان: منها ما يكون نشوءه في الطعام، كدود الباقي والخلي والتفاح ونحوه، فلا ينجس محل نشوئه إذا مات فيه للضرورة العامة، وإن أخرج من هذا المحل، ثم رد إليه، أو مات في غير محل نشوئه حكمه حكم ما ليس نشوءه في الطعام مثل الخنفساء والوزغ والعقرب وغيرها.
وفيه قولان: في رواية محمد بن إسحاق بن خزيمة عن المزني: أنه ينجس بالموت.
وفي رواية عدنان: لا ينجس.
وقال أبو حامد قولا واحدًا: أنه ينجس بالموت، ولكن القولان في تنجس الماء به.

وقال القفال: القولان في أنه هل ينجس بالموت أم لا؟ إن قلنا: ينجس بالموت فينجس الماء به، وإلا فلا.
فأما دود القز، فإنه طاهر في حال حيته، ويجوز لانتفاع به، ويجوز بيعه، والصلاة معه ثم إذا مات، هل ينجس بالموت أم لا؟ فيه قولان.
فأما براز دود القز ورقه، هل يجوز بيعه والصلاة معه، إن قلنا: إذا مات لا ينجس، فيجوز ذلك، وإن قلنا: ينجس بالموت فلا يجوز، وإن قلنا: لا يجس بالموت، هل يجب غسل اليلح إذا مات فيه؟ إن قلنا ينجس بالموت، يجب غسله، وإلا فلا، فأما الهلب إذا خرز به خف لا تجوز الصلاة معه، فإذا غسل هل تجوز الصلاة معه؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى.
والثاني: لا؛ لأنه لا يتصور غسل باطنه، فإن الماء لا يدخل تحت تلك الثقبة التي أصابها الهلب وفيه الخرز، فلا يتحقق طهارته، ثم ذكر الشافعي رحمه الله ما يطهر بالدباغ وما لا يطهر، وقد أطلنا الكلام فيه فيما تقدم فلا يفيد، والله أعلم بالصواب.

باب الماء الذي ينجس، والذي لا ينجس

قال الشافعي: أخبرنا الثقة عن الوليد بن كثير المخزومي، عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا كان الماء قلتين، لم يحمل نجسًا، أو قال: خبثًا.
وروى الشافعي أن ابن جريج رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد لا يحضر الشافعي [ذكره]: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان الماء قلتين، لم يحمل نجسًا، أو خبثًا، وقال في الحديث: بقلال هجر.
قال ابن جريج: وقد رأيت قلال هجر، فالقلة تسع قربتين، أو قربتين وشيئا، قال القاضي حسين: قد ذكرنا حكم الماء القليل، وهو ما يتقاصر عن قلتين، والكلام في هذا الباب في حكم الماء الكثير، والماء الكثير هو أن يبلغ قلتين.
واختلف أصحابنا في قدر القلتين.
منهم من قال: القلتان خمسمائة من؛ لأن القلة اسم لما يستقل به البعير، والبعير إنما يستقل بمائتين وخمسين منا.
ومنهم من قال: القلتان ثلاثمائة من، لأن بعران العرب كانت صغارا لا تستقل بأكثر من وسق، وهو ستون صاعًا، فيكون مائة وستين منا، والقلتان ثلاثمائة وعشرون منا، فيذهب الوعاء والحبال عشرين منا، ويبقى الماء الخالص ثلاثمائة من.
ومنهم من قال: وهو الصحيح إن القلتين مائتان وخمسون منا لما روي

عنه عليه السلام، أنه قال: إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر لم يحمل خبثًا أو نجسًا.
قال ابن جريج: رأيت قلال (هجر) فكانت القلة منها تسع قربتين أو قربتين وشيئًا.
قال الشافعي: الاحتياط أن يجعل الشيء نصفا، لأن العرب إذا ذكروا عددا أو شيئا، أرادوا بالشيء النصف، أو ما دونه، فتكون القلتان خمس قرب، كل قربة تكون خمسين منا، فجملتها مائتان وخمسون منا، وحده في الماء الكثير ذراع وربع في ذراع وربع طولا وعرضًا وعمقًا.
واختلف أصحابنا في أن هذا القدر تحديد أم تقريب.
فإن قلنا: إنه تحديد لو انتقص منه شيء، حكمه حكم القليل، وإن كان ما انتقض منه نصف من أو أقل منه، كما قلنا في نصاب الذهب والفضة، في باب الزكاة، لما كان ذلك القدر تحديدًا إذا انتقص منه شيء، قل أم كثر سقط الزكاة، وإن قلنا: أنه تقريب، فعلى هذا لو انتقص منه من أو منان أو ثلاثة لا يدخل في حد القلتين.
واختلف أصحاب أبي حنيفة في حد الماء الكثير فسئل محمد بن الحسن عن ذلك، فقال: هو أن يبلغ مسجدي هذا، فذرع مسجده، فقيل: إنه ثمان في ثمان.
وقيل: إنه عشر في عشر.
وقيل: إنه خمس عشرة في خمس عشرة.
وقيل: إنه عشرون في عشرين.
ومنهم من قال: حد الماء الكثير هو أنه إذا حرك أحد جوانبه لا يتحرك الآخر.

ومنهم من قال: حده إذا وقعت النجاسة في الماء، فكل موضع تيقن وصول النجاسة فيه فيحكم بنجاسته، وإلا فلا، حتى إن البحر العظيم إذا وقعت فيه نجاسة، تنجس ما يلى موضع النجاسة ما يحتمل وصولها إليها، فأما ما لا يحتمل لا يحكم بنجاسته.
دليلنا عليه قوله عليه السلام: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا).
يعني: يدفع الخبث عن نفسه، كما يقال: فلان لا يحمل الضيم، يعني يدفع الضيم والظلم عن نفسه.
فإن قيل: هذا مجمل لا يمكن الاستدلال به، لأن القلة اسم لأشياء كثيرة، فإنه يقال لرأس الحبل، قلة، ولقامة الإنسان قلة، وللكيزان الصغار قلة، ولما يستقله البعير قلة.
فإذا كان هذا الاسم متشركا بين أشياء، فلا يجوز تخصيصه بشيء دون شيء، إلا بدليل.
قلنا: القلة وإن كانت لأشياء، إلا أنه إذا ذكرت مقرونة باسم الماء، فإنه يعرف منه ويفهم ما ذكرنا.
وكلام صاحب الشرع إذا أطلق، فإنه يحمل على ما والمعهود والمتعارف بين الناس، هذا كما قال عليه السلام: في العينين الدية.
فإنه يحمل على عين الإنسان أعني الجارحة المخصوصة، حين ذكرها مقرونة باسم الدية، وإن كان اسم العين ينطلق على أشياء من عين الشمس، وعين الماء وغيرها.

كذا هذا مثله على أن ما ذكرتم لا يصلح أن يكون حدًا، لأن الحد ما يكون معلومًا، ويكون جامعًا مانعًا.
وقولكم: بأن حده أن يكون عشرًا في عشر، فقد وجد منكم اضطراب متفاحش على ما حكيناه، ولئن قلتم: حده ما إذا حرك أحد جوانبه تحرك الجانب الآخر.
هذا لا يكون جامعًا مانعًا، لأنه قد يختلف باختلاف حال المحرك، فإن المحرك لو كان قليلا، ربما يتحرك به الجانب الآخر، ولو كان عصفورا لا يتحرك به الجانب الآخر.
ولئن قلتم: بأن ما يلي النجاسة من الماء يكون نجسًا، وما سواه طاهرًا، وهذا يؤدي إلى أن نحكم بأن البحر العظيم إذا وقعت فيه نجاسة أن يكون جميع مائة نجسًا بأن يصب نجاسة في كوز ماء، ثم يصيب الكوز في الحوض، فيصير الكل نجسًا، ثم يصب الحوض في الغدير، فيصير نجسًا، ثم يصب الغدير في الوادي، فيصير نجسًا، ثم يصب الوادي في البحر العظيم حتى لو وصل ماؤه إلى جميع البحر، فيصير الكل نجسًا فهذا فاسد جدًا.
واحتج الشافعي: رحمه الله أيضا بما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل فقيل له: إنك تتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر تطرح فيها المحائض، ولحوم الكلام، وما ينجي الناس.
فقال عليه السلام: خلق الماء طهورًا لا ينجسه شيء، إلا ما غير طعمه أو لونه أو رائحته.
واختلفوا في إلقاء هذه النجاسات في بئر بضاعة.
منهم من قال: كان أهل الجاهلية يلقونها فيها.
وقيل: كان في الإسلام يفعلون ذلك مغايظة النبي صلى الله عليه وسلم.

وقيل: إن البئر كانت في وهدة من الأرض، وكان على فوهه مزلة تطرح فيها هذه النجاسات، فكانت تهب الريح وتلقيها فيها.
واحتجوا بما روى عن ابن عباس أنه نزح زمزم من زنجي مات فيه.
أجاب الشافعي عنه بأربعة أجوبة في سطرين: أحدهما: قال: إنا لا نعرفه، وزمزم عندنا، يعني مكة، ونحن أهل مكة فكيف بلغكم ذلك؟ فأشار إلى ضعف هذا الأثر.
وقد روى عن سفيان أنه لم ينزح زمزم في الجاهلية، ولا في الإسلام.
والثاني: قال: روى عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أربع لا يجنبن الماء والأرض والثوب والبدن، يعني: لا يضربك بحيث يجتنب عنهن، ثم قال: وهو لا يخالف النبي عليه السلام يعني الحديث المعروف.
والثالث: قال: يحتمل أنه إنما نزح؛ لأن الدم قد ظهر عليه وغير لونه، أو جعله تظيفا لا واجبا، لأنه معد للشرب.
وقيل: إنه ماء جار، فلا يتصور نزحه بوجه ما.
قال المزني: قال الشافعي: فالاحتياط أن تكون القلتان خمس قرب.
قال: وقرب الحجاز كبار، واحتج بأنه قيل: يا رسول الله، إنما تتوضأ من بئر بضاعة وهي تطرح فيها المحايض ولحوم الكلام، وما ينجي الناس، فقال: الماء لا ينجسه شيء، قال ومعنى لا ينجسه شيء، إذا كان كثيرًا لم يغيره النجس.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: خلق الماء طهورًا، لا ينجسه شيء إلا ما غير ريحه أو طعمه.
وقال فيما روى عن ابن عباس: أنه نزح زمزم من زنجي مات فيها: إنا لا

نعرفه، وزمزم عندنا، وروى عن ابن عباس أنه قال: أربع لا يخبثن فذكر الماء منها، وهو لا يخالف النبي صلى الله عليه وسلم وقد يكون الدم ظهر فيها، فنزحها، إن كان فعل أو تنظيفا، لا واجبًا.
قال: وإذا كان الماء خمس قرب كبار من قرب الحجاز، فوقع فيه دم أي نجاسة كانت، فلم [تغير] طعمه، ولا لونه، ولا ريحه، لم ينجس، وهو بحاله طاهر، لأن فيه خمس قرب، فصاعدًا، وهذا فرق ما بين الكثير الذي لا ينجسه إلا ما غيره وبين القليل الذي ينجسه ما لم يغيره، فإن وقعت ميتة في بئر، فغيرت طعمها، أو ريحها أو لونها، أخرجت الميتة ونزحت البئر، حتى يذهب تغيرها، فتطهر بذلك.
قال: وإذا كان الماء أقل من خمس قرب، فخالطته نجاسة، ليست بفائحة نجسته، فإن صب عليه ماء، أو صب على ماء آخر، حتى يكون الماءان جميعًا، خمس قرب فصاعدًا، لم ينجس واحدٌ منهما صاحبه.
[قال]: فإن فرقا بعد ذلك، لم ينجسا بعد ما طهرا إلا بنجاسة، تحدث فيهما.
قال القاضي حسين: وهذا ركاكة في اللفظ، حيث قال: الماء إذا كان خمس قرب فلم ينجس بوقوع النجاسة فيه، إذا لم يغير طعمه أو لونه أو رائحته، لأنه خمس قرب، جعل صورة المسألة دليلا في المسألة، والشافعي لم يقل هكذا، وإنما قال: لأنه كثير، فجعل الكثرة حدا، أو علة ذلك.
إذا ثبت هذا جملة المياة قسمان: راكد وجار.
فالراكد إذا وقعت فيه نجاسة لا يخلو إما أن يكون دون القلتين، أو قلتين فصاعدًا.
فإن كان دون القلتين، فلا يخلو إما أن تكون النجاسة ذائبة أو جامدة.
فإن كانت ذائبة تنجس الماء، سواء تغير الماء به، أو لم يتغير، وإنما يصير طاهرًا بأمرين:

أحدهما: زوال التغير.
والثاني: بلوغ القلتين، حتى لو صب فيه ماء أو نبع فيه ماء، ولم يبلغ قلتين لم يطهر، وإن زال تغيره، وكذا لو بلغ قلتين، ولم يزل التغير.
فإما إذا بلغ قلتين، وزال التغير حينئذ يصير طاهرًا.
فأما إذا كان أكثر من قلتين، فوقعت فيه نجاسة، فلا ينجس ما لم يغير أحد أوصافه الثلاث، فإذا غير أحد هذه الأوصاف يحكم بنجاسته، ثم إنما يظهر ذلك بأن زال تغيره، وهذا إنما يحصل بأن يصب فيه ماء آخر، أو نزح منه الماء، أو نبع فيه الماء، أو هبت عليه الرياح أو مرت عليه الايام، أو أشرقت عليه الشمس، أو نبت فيه العشب، أو الطحلب، فإذا زال تغيره بأحد هذه الأشياء يحكم بطهارته فأما إذا ألقي فيه شيء من الزعفران، أو الكافور، أو شيء له رائحة طيبة، فزال التغير به لا يعود طاهرًا، لأن هذه الأشياء تخفي اللون وتفشي الرائحة، ولا تزيل التغير، ولو ألقي فيه التراب حتى تغير لونه، فيه قولان: أحدهما: أنه كالزعفران، فإنه يغطيه ولا يزيل.
والثاني: أنه كالماء؛ لأنه طهور كالماء، بخلاف الزعفران.
فأما إذا كانت النجاسة مستجدة، ووقعت فيما دون القلتين ينجس الماء بها، سواء، تغير أحد أوصافه الثلاث، أو لم يتغير وقد ذكرناه.
فأما إذا كان الماء قلتين فحسب.
قال في الجديد: يكون نجسًا، ولا يسعه استعماله، ولا الاغتراف منه، لأنه يلزمه أن يتباعد عن النجاسة بقدر قلتين، وهذا لا يتصور في القلتين، حتى لو صب فيه الماء، بحيث إنه بلغ مبلغا يمكنه أن يرفع الماء، وبينه وبين النجاسة قلتان، جاز.
وقال في القديم: إنها كالنجاسة الذائبة، حتى أنه يجوز أن يغرف منه، ويستعمله إذا لم يكن متغيرا من أي موضع شاء، وهذا القول أصح في هذه

المسألة؛ لأنا لو أخذنا بقوله الجديد، فنوجب أن البحر إذا وقعت فيه نجاسة جامدة أن يكم بنجاسة جميع ماء البحر، لأن الماء الذي يجنب النجاسة نجس، وذاك متصل بما يليه، وكل جزء منه يتصل بالآخر إلى آخر البحر، وهذا لا يقول به أحد.
فرع: إذا وقعت نجاسة في بئر فيه ماء قدر قلتين، ثم استقى منها الماء بالدلو على قوله القديم، فلا يخلو إما أن دخلت النجاسة أولا في الدلو، أو دخل الماء أولا فيه.
فإن دخل الماء فيه أولا، فلا يخلو الماء إما أن يدخل فيه الماء دفعة واحدة، أو دفعات، فإن دخل فيه الماء دفعة واحدة أولا، دون النجاسة فباطن الدلو والماء الذي فيه طاهر، وظاهره وما في البئر نجس، وإن دخل فيه الماء بدفعات فالكل نجس نعني ظاهر الدلو وباطنه وما في البئر.
فأما إذا دخلت النجاسة أولا في الدلو، فلا يخلو، إما أن دخلت النجاسة اولا، ثم الماء أو دخلا معا، أو دخل الماء أولا، ثم النجاسة، فإن دخلت النجاسة أولا، ثم الماء، او دخلا معا، فما في الدلو نجس، وظاهر الدلو وما في البئر طاهر، فإن تقاطر منه شيء في البئر يصير الكل نجسًا.
فأما إذا دخل الماء أولا في الدلو، ثم النجاسة فظاهر الدلو وباطنه، وما في البئر نجس.
فلو ابتل الحبل، حتى سقط الدلو في هذه المسائل عاد الكل طاهرًا، لأن المائين صارا ماء واحدا، ودخلا في حد الكثرة وفي كل موضع حكمنا بنجاسة ماء البئر، فإنما يطهر إذا زال عنه التغيير، إذا كان الماء أكثر من قلتين.
وإن كان دون قلتين فأمره بين على ما ذكرنا.
فأما إذا كان أكثر من قلتين، ولم يزل تغييره حتى نزح الماء، أي ماء البئر

كله يجب غسل البئر، وإنما يمكن غسلها بأن يصب فيها الماء، حتى بلغ قلتين، أو ينبع فيها الماء، ويبلغ قلتين، ويرش على جوانبه الماء، ويغسل منه ما أصابه من الماء النجس إن تصور ذلك.
فأما إذا كان الماء أكثر من قلتين، فنزح بعضه، وزال التغير، فلا يخلو إما أن بقي قلتان، أو أقل من ذلك، فإن بقي قلتان صار طاهرًا، وإن كان دونه، فلا يعود طاهرًا ما لم يصب فيه الماء حتى يبلغ قلتين، أو ينبغ فيه ماء حتى يبلغ ذلك.
وقال أبو حنيفة / لو وقع ذنب فأرة في بئر ينزح ماء البئر كله، ولو وقعت فيها فأرة، أو ما في جرم الفأرة ينزح منها عشرون دلوًا، ولو وقعت فيها حمامة، أو ما في جرمها نزحت منها أربعون دلوًا مع الميتة.
ولو وقعت فيها شاة، وما في جرمها ينزح منها ستون دلوًا.
ولو وقعت فيها بقرة، أو حمارة، أو آدمي ينزح ماء البئر كله.
فأما إذا كان الماء أكثر من قلتين، فعلى قوله القديم: إذا وقعت فيها، ولم تتغير أحد أوصافه الثلاثة، يكون الكل طاهرًا، وله أن يغترف منه من أي موضع شاء.
وعلى قوله الجديد: ينبغي أن يكون بينه وبين موضع النجاسة قدر قلتين من الماء، فلو كان دون ذلك لا يجوز له الاغتراف منه.
قال القفال: أصحابنا لم يذكروا في كيفية اعتبار القلتين حدا، وقالوا: لو كان في بحر عظيم، وتباعد عن النجاسة قدر نصف ظفر واغترف منه يجوز، لأنه في العمق قد بلغ قلالاً كثيرة.
وعندي: يجب أن يكون موضع النجاسة والاغترف منه قدر قلتين على استواء الأضلاع الطول والعرض والعمق، إن كان مساوي الأضلاع، فأما إذا كان متفاوت الأضلاع فلا يجوز، وينبغي أن يكون على أصله بينه وبين الماء قلتان،

طولا وعرضًا وعمقًا، وهو أن يكون ذراعًا وربعًا عرضًا، في عمق ذراع وربع، إن كان له عرض، وإن لم يكن فيعتبر الطول والعمق.
فأما إذا تباعد عنه بقدر قلتين من جهة من الجهات الثلاثة، دون الباقي فلا، إذ لو جاز ذلك لجاز في البحر العظيم، إذا تباعد عن النجاسة قدر نصف ظفر أن يغترف منه، لأنه في العمق قد بلغ قلالا لا يعلمها إلا الله تعالى وعلى هذا القول الماء الممتد على وجه الأرض في الصحراء إذا كان ما تحته كله نجسًا من مرابض الغنم ونحوه، فأخذ منه الماء بالكوز، فلا يجوز أخذه ما لم يبلغ من جرم الكوز إلى النجاسة قدر قلتين عمقًا وطولاً.
فأما إذا كان أقل من ذلك، فإنه لا يجوز هذا كله، إذا كان الماء راكدًا، فأما إذا كان الماء جاريًا، فلا يخلو إما أن كانت النجاسة ذائبة، أو لم تكن فإن كانت ذائبة، فهي تجري مع الماء لا محالة، فالجرية التي فيها النجاسة نجسة، وما قبلها، وما بعدها، وما حواليها طاهر.
فإن كانت النجاسة بولا يعلو زبدها الماء، فحكمها حكم النجاسة الجامدة، وذلك لا يخلو، إما أن يجري مجرى الماء، أم لا؟ فإن كان يجري مع الماء فما قبلها، وما بعدها طاهر، وما حواليها على قوله القديم: طاهر.
وعلى قوله الجديد: إن بلغ قلتين، طاهر، وإن كان دونه نجس.
فأما إذا كانت واقفة والماء يجري عليها، فإن لم يتراد الماء عنها، فما فوقها طاهر، وما دونها إن اجتمع في موضع قدر قلتين، فهو طاهر يجوز أن يأخذ منه، وإن لم يجتمع في موضع قدر قلتين، وكان تجري على سمت النهر ممتدًا، فإن لم يتباعد الماء عنه بقدر قلتين، فهو نجس، وإن تباعد منه بقدر قلتين، فوجهان: أحدهما: هو نجس أيضًا، لأن لكل جرية حكمًا على حدة، وبأن انتقل من موضع إلى موضع لا تنعدم النجاسة.

والثاني: هو طاهر، لأنه تباعد عن النجاسة، وبلغ قلتين فصار كما لو اجتمع في موضع هذا المقدار، ونظيره ما لو نقب جدار إنسان في شارع الطريق فانثالت الحنطة منه قدرًا يبلغ قيمتها نصابًا، فهل يجب عليه القطع؟ فعلى وجهين: فأما إذا كان يتراد الماء عنه، فحكم ما فوقها حكم ما تحتها، وقد ذكرنا حكمه، والله أعلم بالصواب.
فرع: لو اتخذ خليجًا من نهر كبير إلى ساقية يجري الماء فيها، ويخرج من جانب آخر، فحكم الخليلج والساقية حكم ماء النهر، وحكم الكل حكم الماء الجاري فأما إذا اتخذ خليجًا من نهر كبير إلى حوض، أو إلى غدير، وكان الماء ينصب فيه، ويستقر فيه، فحكم الخليلج حكم الماء الجاري، وحكم الحوض حكم الماء الراكد.
فلو أنه امتلأ الحوض واستوى ماؤه بماء النهر، حكم ماء الخليج والحوض حكم الماء الراكد.
وكذا لو اتخذ على شط البحر غديرًا يدخل فيه بعض ماء البحر، ويصفو فيه، حكمه الحكم الماء الراكد، وإن كان متصلا بالبحر.
فأما إذا اتخذ حوض، على سمت نهر كبير يدخل الماء فيه، ويخرج من جانب آخر وكان على سمت النهر، فحكمه حكم الماء الجاري.
فأما إذا كان على غير سمت النهر، بأن اتخذ ساقية من النهر إليه، ويدخل فيه الماء، ويخرج من موضع آخر، ينظر فإن كان الماء يخرج منه سريعًا، ولا يقف فيه، ثم يخرج بأن كان المخرج على الجانب الذي فيه المدخل، وكان الماء يدخل فيه، ويضرب على الجانب الذي بحذائه، ثم ترتد عنه إلى المخرج، ويخرج فإن حكم الحوض حكم الماء الراكد، وحكم الساقية حكم النهر.

فأما إذا كان المخرج بحذاء المدخل، الظاهر أن حكمه حكم الماء الجاري.
فأما إذا كان في موضع ماء بلغ قلتين، إلا رطلا، وكان طاهرًا فغمست فيه قرقارة فيها رطل ماء نجس، وفيه وجهان: أحدهما: يطهر ماء القرقاوى، ولا ينجس ماء الحوض، لأنهما ماءان بلغا قلتين، ثم فرقا في إناءين.
والثاني: لا يطهر ماء القرقارة، لأنه لم تختلط بماء الحوض، بدليل أنه لو كان الماء الذي فيه حارًا يبقى حارًا، ولو كان باردًا يبقى كذلك، فعلى هذا ينجس ماء الحوض، وعلى عكسه لو كان ماء الحوض بلغ قلتين، وإلا رطلا، وكان نجسًا، فغمست فيه قرقارة فيها رطل ماء طاهر، فيه وجهان: أحدهما: يطهر ماء الحوض، لأنهما ماءان بلغا قلتين، وإن لم يكن متغيرًا، ثم فرقا في موضعين.
والثاني: لا يطهر ماء الحوض، ولا ينجس ماء الكوز لعدم الاختلاط بينهما على ما ذكرنا.
وفي هذه الصورة لو صب فيه رطل بول لا يعود طاهرًا، لأنه لم يبلغ الماء قلتين لأن البول ليس بماء.
فعلى هذا إذا لم يكن متغيرًا، ولو صب فيه رطل من ماء الورد، وأيضا لا يعود طاهرًا كالبول، لأن ماء الورد لا يصير طهورا بالكثرة، فإنه لو بلغ قلالا لا يعود طهورا، كالبول سواء، ولو صب فيه رطل من الماء المستعمل، هل يعود الكل طاهرًا أم لا؟ هذا ينبني على أن الماء المستعمل إذا اجتمع حتى بلغ قلتين، هل يصير طهورًا أم لا؟ إن قلنا: يصير طهورًا، فيطهر جميع الماء، كما لو صب فيه رطل ماء نجس، أو طاهر، وإلا فحكمه حكم ماء الورد.

فأما إذا كان الماء أقل من قلتين، ووقعت فيه نجاسة، وصب عليه ماء طاهر أو نجس حتى يصير الماءان معا قلتين، ولم يكونا متغيرين يعود الكل طاهرا، حتى لو فرق في إنائين لم ينجسا، إلا بنجاسة تحدث فيهما، هذا إذا كانت النجاسة ذائبة.
فأما إذا كانت جامدة، فإذا خرجا من موضع، وبلغا قلتين، على المذهب القديم، عاد طاهرا.
وعلى المذهب الجديد، لم يعد طاهرًا، فلو فرقا في إناءين دفعة واحدة، فما بقي فيه الناجسة صار نجسًا على القولين، وما لم تكن فيه نجاسة بقي طاهرا على قوله، القديم.
وعلى قوله الجديد: عاد نجسًا، وإن فرقا في إناءين بدفعات عاد الكل نجسا، قال المزني: وإن وقع في الماء القليل ما لا يختلط به، مثل العنبر، أو العود، أو الدهن الطيب، فلا بأس به، لأنه ليس [مخلوطًا] به.
قال القاضي حسين: فإنه لا يمنع جواز التوضؤ، وإن غلب على أحد أوصافه، لأن ذلك بالمجاورة، وجعل كما لو تريح الماء بالجيفة الملقاة على شط البحر، وإن كان مما يختلط به مثل الزعفران وغيره يفترق فيه الحكم بين القلة والكثرة، وقد استقصينا القول فيه في أول الكتاب فلا نعد، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: وإذا كان معه في السفر إناءان يستيقن أن أحدهما قد نجس، والآخر [ليس] ينجس تأخي، وأراق النجس على الأغلب عنده، وتوضأ بالطاهر لأن الطهارة تمكن والماء على أصله طاهر.
قال القاضي حسين: إذا كان معه أواني بعضها طاهر، وبعضها نجس، واشتبه عليه ذلك، فإنه يتحرى ويستعمل أحدها بالتحرى، لأن هذا شرط من شرائط

الصلاة، فيجوز الاجتهاد فيه عند الاشتباه، كالقبلة، وسواء عندنا أن يكون عدد الطاهر أقل، أو أكثر، أو هما سواء.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا إذا كان عدد الطاهر أكثر، ووافقنا في الثياب فنقول: ما جاز التحرى فيه عند الاشتباه إذا كان عدد الطاهر أكثر جاز، وإن كان عدد الطاهر أقل، دليله الثياب، وهل يحتاج في التحرى إلى ضرب من الدليل أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: يكفيه غلبة الظن؛ لأن الأصل أن الماء على الطهارة، وعليه يدل النص، لأنه قال: أراق النجس على الأغلب عنده.
والثاني: لابد في التحرى من ضرب من الدليل، كما في سائر المتجهدات من القبلة، واجتهاد، واجتهاد القاضي في القضاء وغيره.
والدليل مثل: إن رأي أحدهما قد انكشف عن الغطاء، أو رأي بللا على شفة أحدهما، ورأي أحدهما يتحرك فيه الماء، أو رأي رجل الكلب أقرب إلى أحدهما: وأبعد من الآخر، ويشم من أحدهما رائحة كريهة.
فإن قيل: أليس أن في باب القبلة لا يجوز الاجتهاد بغلبة الظن، وها هنا قلتم، بأنه يجوز في وجه، فما الفرق بينهما؟ قلنا: الفرق بينها أن جهة القبلة مشاهدة معاينة يمكن معرفتها حقيقة ويقينا، إذا أنعم النظر والاجتهاد فيها، فلهذا لا نكتفي فيه بمجرد غلبة الظن، حين لم يتعذر عليه معرفتها بالدليل، أما طهارة الماء ليس بشيء مشاهد يمكن معرفته قطعًا ويقينا.
وقلنا: بأنه يكتفي فيه بلغبة الظن، تيسيرا عليه.

إذا ثبت هذا ينظر، فإن لم يتبين له الطاهر من النجس بالاجتهاد، والتحرى، وغلبة الظن، فله أن يتيمم، ويصلي ولكن تلزمه الإعادة، لأن معه ماء طاهرًا بيقين، ولكن الحيلة فيه أن يصب أحدهما، أو يريق أحدهما في الآخر، حتى لا تلزمه الإعادة، بخلاف ما إذا كان معه ماء طاهر متين الطهارة بيقين، فأراقه بعد دخول وقت الصلاة، حيث يلزمه إعادة الصلاة في وجه، لأن هناك هو غير محتاج إلى إراقته، وها هنا يحتاج إلى إراقته، تحرزًا عن استعمال الماء النجس.
فأما إذا ظهر له الطاهر من النجس بالتحرى يلزمه استعماله، ولا يجوز له التيمم، ولو توضأ وصلي، ثم أحدث، ودخل عليه وقت صلاة أخرى، يلزمه التحرى فيه ثانيًا، كما في وجه القبلة، ثم ينظر فإن بقي من الماء الأول شيء وأدي اجتهاده إليه توضأ به، ويصلي كما فعل في الابتداء، وإن تيقن نجاسته بأن وجد في أسفل الإناء بعرة، أو أخبر به عدل أو ما أشبه ذلك، يلزمه ان يتوضأ بالثاني، ويغسل من بدنه وثوبه ما يصل إليه من الماء الأول، ويعيد ما صلى بذلك الوضوء، وإن أدي اجتهاده إلى الماء الذي في الإناء الآخر، ولم يعلم قط ما طهارته، فإنه لا يستعمله، لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، بل يريق أحدهما، أو يصب أحدهما في الآخر، ويتيمم، ولا يعيد الصلاة.
فأما إذا ترك الإناءين على حالهما، وتيمم، وصلي، فإن كان في الأول من الماء قدر ما يتمكن ان يتوضأ به يلزمه إعادة الصلوات ما دام ذلك معه، وإن كان بقي فيه قدر ما لا يكفي لأعضاء طهارته، فهذا ينبني على أنه لو وجد ذلك القدر من الماء المتيقن طهارته، هل يلزمه استعماله أم لا.
إن قلنا: يلزمه استعماله، فها هنا ما دام ذلك القدر معه تلزمه إعادة الصلوات.

وإن قلنا: لا يلزمه استعماله، جعل كما لو صبه، ولا يلزمه إعادة الصلوات.
فإن قيل: أليس إنه إذا اجتهد في القبلة، فأدى اجتهاده إلى جهة، فصلى لها، ثم أدي اجتهاده في الصلاة الثانية إلى جهة أخرى، فإنه يصلي إلى الجهة الثانية، وفيه نقض الاجتهاد.
قلنا: ليس هذا كالقبلة، لأن الصلوات تجوز من غير جهة القبلة في الجملة، أما لعذر المسابقة أو السفر وغيره فيجوز أن يؤمر له بالصلاة إلى تلك الجهة.
أما الصلاة بالماء النجس قط لا تجوز في حال من الأحوال، فلهذا لم يؤمر بذلك ثانيًا.
وأما إذا كان معه إناءان: أحدهما طاهر، والآخر نجس، واشتبه عليه ذلك.
ومعه إناء آخر طاهر بيقين هل يجوز له التحري في الإناءين، أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، كما لا يجوز للقاضي أن يقضي في الحادثة بالاجتهاد مع وجود النص.
والثاني: يجوز، والفرق بينهما أن هناك وجد النص في محل الاجتهاد، وهي الحادثة، فقلنا: بأنه لا يجوز الحكم به، وها هنا لم يوجد النص في محل الاجتهاد، ولأن أحدهما ممتاز عن الآخر صورة ومحلا، فقلنا: بأنه جائز.
فإما إذا كان معه إناءان: أحدهما ماء، والآخر بول، واشتبه عليه ذلك، هل يجوز له التحرى فيه أم لا؟ إن قلنا: بأنه يستعمل بغلبة الظن، ها هنا لا يجوز.
وإن قلنا: انه يستعمل بالدليل، ها هنا وجهان: أحدهما: يجوز.
والثاني: لا يجوز، لأن البول ليس له أصل في الطهارة يمكنه رده إليه بالتحري بخلاف الماء، لأن أصله على الطهارة، فيمكنه رده إليه بالتحري، إذا شك في طهارته، ويتسمك فيه بالأصل.

فأما إذا كان معه إناءان: أحدهما ماء، والآخر ماء الورد، هذا ينبني على أنه إذا كان معه إناءان: أحدهما طاهر، والاخر نجس، وشك فيهما، ومعه إناء متيقن الطهارة، فهل له التحرى فيه أم لا؟ إن قلنا: إن هناك لا يجوز له التحري فيهما، فها هنا مثله، ويستعمل أحدهما، ثم الثاني على الترتيب.
وإن قلنا: يجوز له التحري فيه، ها هنا ينظر، إن قلنا: إنه يستعمل الماء بغلبة الظن، ها هنا لا يجوز له التحري فيه، بل يستعمل كليهما.
فإن قيل: إذا قلتم، فيستعمل كليهما، فإنه لا يدري أن طهارته من الماءين بماذا تحصل يقينا، ويقين الطهارة شرط لصحة الصلاة، إذ النية شرط شرط في الطهارة، فما لم يتيقن طهارة الماء لا يمكنه أن يجزم النية فيه.
قلنا: مثله يجوز عند الاشتباه والضرورة، كما لو نسي صلاة من خمس صلوات، فإنه يصلي خمس صلوات، ويحتاج في كل واحدة منها إلى نية الفرض، وإن لم يمكنه جزم النية في الكل، فجوزناه هكذا هذا.
فأما إذا كان معه إناءان من ألبان النعم، أحدهما طاهر، والاخر نجس، أو إناءان من خل ودهن وغيره من المائعات، واشتبه عليه ذلك لا يجوز له التحري فيه، كما قلنا في الإناءين من الماء.
فأما إذا كان أحدهما لبن النعم، والآخر لبن ما لا يؤكل لحمه، أو كان أحدهما خلا، والآخر خمرا حكمه حكم الإنائين، أحدهما ماء، والآخر بول واشتبه عليه ذلك.
فأما إذا كان له دنان من خل وخمر في بيت، فدخل البيت في ليلة ظلماء، وكان معه إناء صغير يغمسه في أحدها، ويأخذ منه قدرا، ويصبه في موضع آخر، ثم يغمس ذلك الإناء في الاخر، ويأخذ منه قدرًا، ويصبه في ذلك الموضع، ثم اشتبه عليه الدنان، واجتهد فيهما، فإن أدى اجتهاده إلى أن ما أخذ منه أولا طاهر، والآخر نجس، وإن أدى اجتهاده إلى أن الطاهر الذي أخذ

منه ثانيًا، فالأول والثاني نجسان، لأنه إذا دخل الإناء في الدن الأول صار نجسًا بزعمه، فإذا أدخله في الثاني تنجس به، فيصير الكل نجسًا.
فأما إذا كان معه شاتان مسلوختان، اشتبه عليه المذكاة منهما في الميتةـ، الصحيح: أنه لا يجوز له التحري فيهما، لأن الأصل في الميتات الحرمة، وبالشك لا يجوز استباحتها، بخلاف الماء، فإن الأصل في المياه الإباحية، فإذا وقع فيه الشك تمسك بما هو الأصل فيه بالاجتهاد، وزانه أن لو تحقق أن كل واحدة منهما مذكاة، إلا أن إحداهما مسمومة، والأخرى غير مسمومة، واشتبه عليه المسموم منهما، فإنه يجوز له التحري فيه كالماء سوى.
فأما إذا اشتبه عليه غنيمة بين أغنام الناس، أو رحله بين رحال الناس، أو برج حمامه بين حمامات الناس، فإنه يجوز له التحري في هذه المواضع كلها.
فأما إذا وجد فلذة لحم ملقاة في الطريق، ولم يكن ملفوفًا بخرقة، ولا بشيء، فالظاهر أنها تكون ميتة، وإنما وقعت في فم طائر، أو غيره ويكون حرامًا، فأما إذا وجده في مكتحل أو خرقة، وما أشبه ذلك فالظاهر أنها مذكاة، ويكون مباحًا، إلا إذا كان في تلك البلدة مجوس ومسلمون، فاختلط البعض بالبعض، فحينئذ الظاهر أنه لا يباح له تناوله.
فأما إذا اشتبه امرأته فيما بين جماعة من النسوة لا يجوز له التحرى فيه، لأن الأصل في الفروج التحريم، ولا يجوز استباحتها بالاجتهاد، وعند الشك، ولأنه لا ضرورة له إلى ذلك، لأنه يمكنه أن يعقد على واحدة منهن عقد النكاح، فأما إذا اشتبه عليه واحدة من محارمه بين جماعة من النساء، أو اختلط محارمه بنساء بلدة بعينها ينظر فإن كان نساء تلك البلدة محصورات معدودات لا يجوز له التزوج بواحدة منهن بالاجتهاد، لأن ذلك قد وقع نادرًا، ويمكنه الانتقال إلى غيرهن، فأما إذا كان نساء تلك البلدة غير محصورات، فيجوز له التزوج بواحدة بامرأة غريبة منهم، فيجوز ذلك لأجل الضرورة، والله أعلم.

جارٍ التحميل