التعليقة للقاضي حسينصفحات 259-298

فغسل رجليه، هل يحسب له عن الطهارة، أو يجب عليه غسل الرجلين، ثانيًا.
المذهب أنه لا يجب عليه.
وفيه وجه آخر: أنه يجب عليه ثانيًا، لأنه لم يقصد غسلهما، فجعل كما لم يوجد منه الغسل والله تعالى أعلم بالصواب.

باب سنة الوضوء

. قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء، حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده.
قال المزني: أشك في ثلاث.
قال الشافعي: فإذا قام الرجل إلى الصلاة من نوم، أو كان غير متوضيء، فأحب أن يسمي الله، ثم يغرق من إنائه على يديه، ويغسلهما ثلاثًا، ثم يدخل يده اليمني في الإناء، فيغرف غرفة لفيه وأنفه، ويتمضمض ويستنشق ثلاثًا، ويبلغ خياشيمه الماء إلا أن يكون صائمًا، فيرفق، ثم يغرف الثانية بيديه، فيغسل وجهه ثلاثًا، من منابت شعر رأسه، إلى أصول أذنيه، ومنتهى اللحية إلى ما أقبل من وجهه وذقنه، فإن كان أمردًا، غسل بشرة وجهه كلها، وإن نبتت لحيته، وعارضاه، أفاض الماء على لحيته وعارضيه، وإن لم يصل الماء إلى بشرة وجهه التي تحت الشعر أجزأه، إذا كان شعره كثيرًا، ثم يغسل ذراعه اليمني إلى المرفق، ثم اليسرى مثل ذلك، ويدخل المرفقين في الوضوء في الغسل ثلاثًا ثلاثًا، وإن كان أقطع اليدين، غسل ما بقي منهما إلى المرفقين، وإن كان أقطعهما من المرفقين، فلا فرض عليه فيهما، وأحب (زأن) لو مس موضعه الماء، ثم يمسح رأسه ثلاثًا، وأحب أن يتحرى جميع رأسه وصدغيه، يبدأ بمقدم رأسه، ثم يذهب بهما إلى قفاه، ثم يردهما، إلى المكان الذي بدأ منه، ويمسح أذنيه ظاهرهما، وباطنهما بماء جديد، ويدخل إصبعيه في صماخي أذنيه، ثم يغسل رجليه ثلاثًا إلى الكعبين، والكعبان هما الناتئان، وهما مجتمع مفصل الساق والقدم وعليهما الغسل كالمرفقين،

ويخلل أصابعهما، لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقيط بن صبرة بذلك، وذلك أكمل الوضوء، إن شاء الله تعالى.
قال القاضي حسين: أول سنن الوضوء التسمية عندنا، وليست بواجبة، حتى لو تركها لا يأثم.
وقال الحسن البصري، وإسحاق بن راهويه، إنها واجبة، إلا أنه إن تركها ساهيًا تصح الطهارة.
قال مالك وأهل الظاهر، إنها واجبة، ولا يجوز تركها عامدًا أو

ساهيًا، واستدلوا بقوله عليه السلام: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى في وضوئه.
قلنا: أراد به نفي الفضيلة والكمال، لا نفي الأصل والجواز، لقوله عليه السلام: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) وأمثاله.
أو أراد به إذا لم يكن اسم الله في قلبه، ولم يكن ذاكرًا له بالقلب، مثل أن يتوضأ عابثًا لاهيًا بترك النية.
قوله: (ثم يفرغ من الإناء على يديه).

قال القاضي حسين: غسل اليدين قبل إدخالها الإناء ثلاثًا سنة، سواء قام من نوم الليل، أو من نوم النهار، أو كان مستيقظًا وأراد الوضوء.
وقال الحسن: إنه واجب، إلا أنه إن غمس يديه في الما، قبل الغسل يصير الماء مهجورًا، ولا يصير مستعملا ولا نجسًا، حتى لو أصاب موضعًا لا يجب غسل ذلك الموضوع عنه.
وقال أحمد بن حنبل: إذا قام من نوم الليل وجب عليه غسل اليدين، وإن قام من نوم النهار لا يجب، لأن الحديث ورد في القيام من نوم الليل حيث قال عليه السلام: (إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده منه) فالبيتوتة تستعمل في نوم الليل.
فأما نوم النهار يقال له: القيلولة.
قلنا: الحديث محمول على الاستحباب، بدليل أنه قال: لا يدري، علقه بأمر موهوم، ولو كان واجبًا لما علقه بأمر موهوم، وإنما قال ذلك، لأن العرب هم المخاطبون به، وهم يستنجون بالأحجار، لقلة الماء، ثم ينامون في ثياب مهنهم ويعرقون، فربا يصيب أيديهم ذلك الموضع، وهم لا يشعرون بذلك، فأمر بغسل الدين على طريق الاستحباب.
قوله: (ثم يدخل يده اليمني في الإناء، فيغرف غرفة لفمه وأنفه، ويتمضمض، ويستنشق ثلاثًا).

قال القاضي حسين: هذا ما نقله (المزني)، لم يرد به أن يتمضمض، ثم يستنشق، ثم يتمضمض، ثم يشتنشق هكذا ست مرات.
وإنما أراد به أن يتمضمض ثلاثًا، ثم يستنشق ثلاثًا، لأن الأصل في الطهارة، ألا ينتقل إلى عضو إلا بعد أن يفرغ من العضو الأول.
وقال في رواية (البويطي): إنه يغرف غرفة لفيه، ويتمضمض بها ثلاثًا، ويغرف غرفة لأنفه، ويستنشق بها ثلاثًا، فحصل منه قولان.
ومن أصحابنا من قال: الأولى أن يتمضمض بثلاث غرفات، ويستنشق بثلاث غرفات.
قوله: (ويبلغ خياشيمه الماء).
قال القاضي حسين: المبالغة سنة في المضمضة والاستنشاق، وهو أن يدخل الماء في فيه، ويمر أصبعه على لسانه ولثته وأسنانه، ويبلغ الماء أقصى الحنك، ويحركه.
وفي الاستنشاق أن يأخذ الماء بالنفس، ويبلغ الماء أقصى الخياشيم، ثم يستنثر كالمتخط، هذا كله إذا لم يكن صائمًا، فأما إذا كان صائمًا فلا يبالغ.
لما روى عنه عليه السلام، أنه قال: إلا أن تكون صائمًا فترفق.

قوله: (ثم يغرف الماء بيده، فيغسل وجهه ثلاثًا من مثلث شعر رأسه إلى أصول أذنيه، ومنتهي اللحية إلى ما أقبل من وجهه وذقنه).
قال القاضي حسين: قال أصحابنا: أخل (المزني) في النقل حيث قال: (ومنتهى اللحية)، وهذا إنما يكون تحت الذقن، وربما يمتد إلى الحلق، ولا يجب غسل ما تحت الذقن.
بل الصحيح ما قاله الشافعي في موضع آخر: (ومنتهي اللحيين).
فعلى هذا: حد الوجه طولاً من منابت شعر الرأس إلى أطراف الذقن، وعرضاً من شحمة الأذن إلى شحمة الأذن، فإن كان أمردًا غسل جميع المحدود، وان نبت لحيته وعارضاه، فإنه يجب عليه إيصال الماء إلى تحت الحاجبين والأهداب، والعذارين والشارب، خفيفة كانت أو كثيفة.
(والحاجبان): الشعر النابت على طرفه الجبهة.
(والأهداب): الشعور النابتة حوالي العينين.
(والعذاران): الشعور النابتة على الوجه بعد الأذنين.
(والشارب): الشعور النابتة على الشفة العليا.
ولأي معنى وجب إيصال الماء إلى تحت هذه الشعور؟ فيه معنيان: أحدهما: أن الغالب فيه الخفة، والكثافة فيه نادر.

والثاني: لإحاطة المغسول بها، فعلى هذا هل يجب إيصال الماء إلى ما تحت العنفقة، وهي الشعور النابتة على الشفة السفلى؟ فإن كان خفيفًا، وكان حواليه مكشوفًا يجب.
وإن كان كثيفا متصلا باللحية، فيه وجهان ينبنيان على المعنيين.
إن قلنا: المعنى فيه الخفة، فها هنا يجب، لأن الغالب فيه الخفة.
وإن قلنا بالمعنى الثاني فها هنا لا يجب.
فأما العارضان: وهي الشعور النابتة على منبت الأسنان العليا؛ الصحيح أنه من اللحية.
فأما اللحية، فإن كانت خفيفة: يجب إيصال الماء إلى البشرة، وإن كانت كثيفة يجب إيصال الماء إلى ظاهرها دون باطنها.
واختلف أصحابنا في حد الكثافة والخفة: منهم من قال: يرجع فيه إلى العرف والعادة، فكل ما يعد خفيفا في العرف، فهو خفيف، وكل ما يعد كثيفا فهو كثيف.
ومنهم من قال: الخفيف ما يتراءى للناظر منه بشرة الوجه، والكثيف ما لا يتراءى له ذلك منه: والصدغ في الرأس، ولا يجب غسله مع الوجه، ويجوز المسح عليه.

مسألة

قال الشافعي في الكبير: وليس ما جاوز من شعر الأغم النزعتين من الرأس، وللأصلع مقدم الرأس صلعته من الوجه.

(الأغم): من تنبت الشعور على جبهته ورأسه، ينظر فيه.
إن كان متصلاً بالحاجبين، يجب غسله مع الوجه، ما كان منه في حد الإستواء، وما كان في حد الاعتلاء، والانعطاف فهو من الرأس، وإن بقي بينه وبين الحاجبين فرجة ولم يكن متصلا بها، لا خلاف في أنه يجب غسل تلك الفرجة من البياض.
والصحيح أنه يجب غسل الشعور، ما كان منه في حد الاستواء.
وفيه وجه آخر: أنه لا يجب مأخوذا من قوله: حد الوجه طولا من منابت شعر الرأس.
(والأصلع): من لا ينبت على مقدم رأسه شعر، فحكمه ما ذكرنا: أن كل ما كان منه في حد الاستواء يجب غسله مع الوجه، وما كان منه في حد الانعطاف فهو في حكم الرأس.
قوله: ثم يغسل ذراعه اليمني إلى المرفق.
قال القاضي حسين: غسل اليدين مع المرفقين واجب.
وقال (زفر): لا يجب غسل المرفق، واحتج بقوله تعالى: (إلى المرافق).
والحد لا يدخل في المحدود.
قلنا: أراد بها مع المرافق، وقد يذكر (إلى)، والمراد بها (مع) كقوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم).

أي: مع أموالكم.
وكما قيل: (الذود إلى الذود إبل).
أي: الذود مع الذود، كذا ها هنا.
وهكذا لو كان على ذراعيه شعور كثيفة يجب إيصال الماء إلى البشرة؛ لأنه يكون نادرًا، وكذا إذا نبتت للمرأة لحية يجب عليها إيصال الماء إلى البشرة، وإن كانت كثيفة، لأنها تندر في النساء، ولهذا يستحب لها حلق اللحية، ونتفها دون الرجال؛ لأنها مثلة في حق النساء.

وهذا إذا كان سليم اليدين.
فأما إذا كان مقطوع اليدين، فإن كان أقطع اليدين من الذراع غسل الباقي مع المرفق، وإن كان أقطعها من فوق الذراع سقط عنه الفرض، إلا أن المستحب له أن يمر يده المبتلة على العضو تشبيها بالغاسلين، كما قلنا في المحرم، إذا كان أقرع لا يجب عليه الحلق، ويستحب له أن يمر الموسى على رأسه تشبيها بالحالقين.
وإن كان أقطعهما من المرفقين: نقل (المزني) أنه لا فرض عليه فيهما.
ونقل (الربيع): وإن كان أقطعهما مع المرفقين لا فرض عليه فيهما.
من أصحابنا من قال: الصحيح هذا، و (المزني) أخل بالنقل.
ومنهم من قال: ما أخل بالنقل، لكن أراد به مع المرفقين.
ومنهم من قال: ما أخل بالنقل، ولا نقول قوله.
فحصل فيه قولان: أحدهما: يجب غسله.
والثاني: لا يجب.

ومن أصحابنا من قال: القولان ينبنيان على أن المرفق، هل يجب غسله تبعًا للذراع إذا كان صحيحًا أو متبوعًا؟ وفيه قولان: إن قلنا: يجب تبعًا له، فها هنا لا يجب غسله، لأنه إذا سقط الفرض عن المتبوع سقط عن التبع.
وإن قلنا: متبوعًا يجب غسله.
ومنهم من قال: القولان ينبنيان على أن المرافق ماذا؟ وفيه قولان: أحدهما: أنه اسم لطرف عظم الذراع، وطرف عظم العضد، فعلى هذا يجب غسله.
والثاني: أنه اسم لظرف عظم العضد متصلاً بعظم الساعد، فعلى هذا لا يجب غسله.

مسألة

لو تقشط جلدة من ذراعه فلا يخلو: إما أن تبقى متدلية؛ أو صارت ملتصقة.
فإن بقيت متدلية واندملت وجب غسل كلا وجهيها، وما حواليها على الموضع الذي تقشطت منه.
فأما إذا التصقت بآخر فلا يخلو: إما أن التصقت بالذراع؛ أو بالساعد.
إن التصقت بالذراع، ولم يبق بينهما فرج وجب غسله ظاهرًا؛ إذ لا يمكن غسل باطنها.

وإن بقي بينهما فرجة وجب غسل ما تحته من الذراع، وغسل الجلدة ظاهرًا وباطنًا.
وإن التصقت بالعضد، ولم يكن بينهما فرجة وجب غسل ما كان في محل الفرض، وما زاد عليه لا يجب غسله، وإن كان بينهما فرجة يجب غسل ما تحته من الذراع، ويجب غسل الجلدة ظاهرًا وباطنًا إلى محل الفرض، وما وراء ذلك يجب غسل الجلدة باطنًا، لأنه كان من ظاهر الذراع.
فأما إذا تقشطت جلدة عضده، فإن بقيت متدلية، أو التصقت بلحم العضد فلا يجب غسله، وإن التصقت بلحم الذراع، فإن لم يكن بينهما فرجة وجب غسل ما كان في محل الفرض، وإن كان بينهما فرجة يجب غسل ما كان من الذراع، ولا يجب غسل الجلدة، لا ظاهرًا ولا باطنًا إلا الطرف الذي التصق بالذراع، فإنه يجب غسله بدل ما تحته من البشرة.
ثم يمس برأسه ثلاثًا، والكلام فيه في فصلين: أحدهما: في بيان أقل ما يجزئ.
والثاني: في بيان الأكمل والمستحب.
وأما أقل ما يجزيء عندنا ما ينطلق عليه اس المسح، ولو كان قدر رأس

إبرة، كما قال الشافعي في أرش الموضحة، فإنه يجب إذا أوضحه، قدر رأس إبرة، كذا هذا.
ومن أصحابنا من قال: أقل ما يجزيء مسح شعرات، كما في المحرم إذا أراد التحلل، فلا يحصل له ذلك إلا بحلق ثلاث شعرات.

والصحيح هو الأول، لأنه قال: (وامسحوا برؤوسكم) (والباء) للتبعيض، ولا تقتضي التقدير، بخلاف ما في الحج، لأن هناك قال: (ولا تحلقوا رءوسكم).
يعني: شعور رءوسكم.
وأقل الجمع الصحيح ثلاث.
ولا فرق بين أن يمسح بيده، أو يأخذ خرقة مبتلة، أو خشبة مبتلة، ويمسح بهما رأسه، وكذا لا فرق بين أن سمح ظاهر الشعر، أو يترك ذاك، ويمسح البشرة.
بخلاف ما قلنا في الوجه: أنه لو ترك ظاهر الشعور وغسل البشرة إنه لا يجوز.
والفرق بينهما: أن الوجه اسم لما يواجه الإنسان به غيره، وذاك يقع على ظاهر الشعور، والرأس: اسم لما ترأس واعتلى.
وهذا وقع على الكل، فإذا مسح على الشعر، فلا يخلو إما إن طال شعره، واسترسل عن حد الرأس، أم لا يسترسل، فإن نزل عن حد الرأس مثل الذوائب، وغيرها، فلو مسح على رأسه لا يجوز، ولو مسح على أصول الشعر، جاز، ولو مسح على ما هو منه في حد الرأس، لكنه زائل عن المنبت فوجهان:

أحدهما: يجوز؛ لأنه في حد الرأس .. والثاني: لا؛ لأنه زائل عن المنبت، فصار كالنازل عن حد الرأس.
فأما إذا طال شعره، وكان مستويًا، ولم يزل عن المنبت، فمسح عليه جاز، ولو زال عن المنبت، ولم ينزل عن حد الرأس، فوجهان: فأما إذا كان شعره جمة، مثل شعر الزنج، وكان بحيث لو مد يمتد، فلو مده ومسح على رأسه لا يجوز.
ولو لم يرده ومسح عليه، فيه وجهان: الصحيح: أنه لا يجوز كالذؤابة.
وفيه وجه آخر: أنه يجوز.
فرع لو غسل رأسه بدل المسح.
المذهب: أنه يجوز، ومن أصحابنا من قال: إنه لا يجوز، لأنه فرضه المسح، فلا يسقط بالغسل، كما لو مسح الأعضاء المغسولة لا يسقط الفرض عنه.

والفرق بينهما: أن الغسل يتضمن المسح، وزيادة.
فقلنا: بأنه يقوم مقام المسح بخلاف المسح، فإنه لا يتضمن الغسل.
فقلنا: بأنه يبقى الفرض عليه.
فأما إذا وضع يده المبتلة على الرأس، فلم يمرها، عليه.
المذهب: أنه يجوز.
وقال (القفال): إنه لا يحصل المسح ما لم يمر يده عليه، وكذا لو قطر الماء على رأسه، إن سال حصل المسح، وإن لم يسل الماء: عامة أصحابنا على أنه حصل المسح به.
وقال (القفال): إنه لا يحصل، ويشترط فعل المسح أو معناه.
وكذا المرأة لو وضعت يدها المبتلة على الوقاية، ووصل البلل إلى شعرها، إن مرت يدها عليه، وكانت خفيفة أو كثيفة، ووصل الماء إلى الشعور حصل المسح، وإن لم تمرر اليد عليه، ولكن صارت الشعور مبتلة عند عامة أصحابنا هكذا.
وقال (القفال): لا يحصل بها المسح.

فرع لو مسح برأسه، ثم حلق الشعور، أو غسل يديه، ثم قلم الأظافير، أو قطعت يداه، أو كشطت جلدة يديه، ولم يكن عليه نجاسة لم تجب عليه الإعادة، بخلاف ما لو نزع الخف حيث يجب عليه غسل الرجلين، أو الوضوء، لأن ذاك بدل عن الرجلين.
فإذا نزع الخف بعد طهر المبدل، والأصل، فسقط حكم البدل، بخلاف ما نحن فيه.
فأما إذا كان بعض رأسه محلوقًا دون البعض، فهو بالخيار بين أن يمسح على الشعور، أو على موضع الحلق أيضًا، كما ذكرنا من قبل، هذا كله كلام في الوجوب عندنا.
وقال مالك: مسح جميع الرأس واجب، وقاسه على مسح الوجه واليدين في التيمم.
ونحن نقول: إنه مسح بالماء، فلا يلزمه استيعاب بالمسح، دليله المسح الخفين.
وقال أبو حنيفة: مسح ربع الرأس واجب، والدليل عليه الآية و (الباء) للتبعيض؛ ولأن المقادير لا تؤخذ قياسًا، ولا اجتهادًا.
وقال أحمد: لو مسح على المشاوذ جاز.
لما روى أنه - عليه السلام - جهز جيشًا، فأمرهم بالمسح على المشاوذ، والتساخين وهي الخفاف.

قلنا: نحمله على ما إذا مسح تحتها، ولا يرفعه من الرأس، بدليل الآية والله أعلم بالصواب.
فأما الكلام في الاستحباب، فمسح جميع الرأس سنة، وكيفيته أن يضع يديه على مقدم رأسه، ويمرهما إلى مؤخر الرأس، ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه.
ويعده مرة واحدة، ويفعل ذلك مرتين أخريين؛ لأنه إذا أمرهما إلى آخر الرأس، فقد ابتل به باطن شعور مقدم الرأس، وظاهر شغور مؤخر الرأس، فيحتاج إلى أن يعيد اليدين إلى الموضع الذي بدأ منه، حتى يبتل باطن شعور مؤخر الرأس، وظاهر شعور مقدمه ويحصل مسح الرأس، بخلاف ما قلنا في المشي بين الصفا والمروة: إنه لا يشترط فيه الذهاب والرجوع؛ لأن المقصود منه المشي بينهما، وقد حصل بالذهاب المشي، وعندنا التكرار فيه شرط كل مرة بماء جديد.
وقال أبو حنيفة: التكرار فيه ليس بشرط، ثم قال في رواية: يمسح مرة واحدة، وقال في رواية: يمسح ثلاث مرات بماء واحد.
دليلنا: أن نقيس هذا على سائر الأعضاء.
قوله: (ثم يمسح أذنيه).
قال القاضي حسين: مسح الأذنين سنة مستحبة عندنا، يمسحها ثلاثًا، ظاهرهما وباطنهما بماء جديد.

وكيفيته: أن يدخل سبابتيه في صماخي أذنيه، ويمر إبهاميه على ظاهرهما، ثلاث مرات.
وقال أبو حنيفة: التكرار فيه ليس بسنة، ولا يمسح الأذنان بماء جديد، بل يمسحان بالماء الذي يمسح به الرأس.
وأما مسح العنق لم ترد فيه سنة، وقد قيل: فيه وجهان.
إن قلنا: يسن ذلك: يمسح بالماء الذي يمسح به الأذنان تبعًا لهما، لقوله عليه السلام: (مسح العنق أمان من الغل)

قوله: (ثم يغسل رجليه) قال القاضي حسين: غسل الرجلين واجب عندنا مع الكعبين.
وقال زفر: غسل الرجلين واجب إلى الكعبين.
كما قال في اليدين.
وقالت الشيعة: إن فرضهما المسح دون الغسل.
وقال أهل الظاهر: يجمع بين الغسل والمسح فيهما.
وقال ابن جرير الطبري: يتخير فيهما بين المسح والغسل.
والدليل على الكل ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة، ثم قال: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به) ولا نشك أنه غسل الرجلين، وما مسح عليهما.
إذا ثبت أن غسل الرجلين مع الكعبين واجب عندنا.

الكعبان: هما الناتئان، وهما مجمع مفصل الساق والقدم، ولكل رجل كعبان.
وقال أبو يوسف: الكعبان هما الناتئان عند ظهر القدم.

وهذا لا يصح لما روى عن أبي هريرة أنه قال: كنا نلصق المنكب بالمنكب، والكعب بالكعب، في الصلاة.
وإنما يتحقق إلصاق الكعب بالكعب على قوله.
قوله: (ويخلل بين أصابعهما) قال القاضي حسين: أصابع الرجلين لا يخلو إما أن تكون منفرجة، أو كانت منضدة بعضها على بعض.
فإن كانت منفرجة بحيث يصل الماء إليه عند الصب.
فالتخليل مسنون فيه، وليس بواجب، وإن كانت منضدة بعضها على بعض، بحيث لا يتخللها الماء بالصب، فالتخليل واجب فيه إذا أمكن إيصال الماء إليه من غير جرح وشق، وكيفيته أن يخلل بخنصره اليسرى، ويبدأ في التخليل بخنصر رجله اليمني من أسفل، ويختم رجله اليسرى.

والدليل على أن التخليل سنة ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (خللوا أصابعكم قبل أن تخلل بالنار).
وروى عن لقيط بن صبرة، أنه قال: يا رسول الله، علمني الوضوء، فقال: أسبغ وبالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائمًا فترفق، وخلل بين أصابعك.
وإسباغ الوضوء سنة، وإطالة الغرة، وهو أن يستوعب جميع الوجه، بالغسل ن ويغسل جزءا من الرأس معه، ويغسل اليدين إلى المنكبين، والرجلين إلى الركبتين.
لما روى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن أمتي تبعث يومَ

القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل).
قال الشافعي: وأحب أن يمر الماء على ما سقط من اللحية عن الوجه، وإن لم يفعل ففيها قولان: قال: يجزيه في أحدهما، ولا يجزيه في الآخر.
قال المزني: قلت (أنا) (يجزيه) أشبه بقوله؛ لأنه لا يجعل ما سقط من منابت شعر الرأس من الرأس، فكذلك يلزمه ألا يجعل ما سقط من منابت شعر الوجه من الوجه.
قال القاضي حسين: لا خلاف أنَّ ما كان من شعور اللحية بحذاء الوجه من الخدين، والأنف وغيره يجب غسله، فأما ما استرسل من اللحية بحذاء الصدر ففيه قولان: أحدهما: يجب غسله، لأن اسم الوجه من المواجهة، وذلك يقع عليه

بخلاف ما يتساقط عن حد الرأس، لأن الرأس اسم لما يترأس، وذلك لا يقع عليه هذا الاسم.
والقول الثاني: وهو مذهب أبي حنيفة واختيار المزني: أنه لا يجب غسله، واحتجَّا بأن ما نزل عن حد الرأس لا يعطي له حكم الرأس، حتى لا يجوز المسح عليه، فكذا ما نزل عن حد الوجه مثله.
والجواب عنه ما ذكرنا.
ثم نقول: ما نزل عن حد الرأس قد يعطي له حكم الرأس في حق الحلق والتقصير للمحرم، فكذلك ما نزل عن الوجه وجه أن يعطي له حكم الوجه بها، وهو الغسل، لأن الاحتياط في الموضعين إنما يكون بما ذكرنا.
قال الشافعي: وإن غسل وجهه مرة، ولم يغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء، ولم يكن فيهما قدر، وغسل ذراعيه مرة مرة، ومسح بعض رأسه بيده، أو ببعضها، ما لم يخرج عن منابت شعر رأسه أجزأه، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته وعلى عمامته.
قال الشافعي: والنزعتان من الرأس، وغسل رجليه مرة مرة، وعم بكل مرة ما غسل أجزأه، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة، ثم قال: (هذا وضوء لا يقبل الله تبارك وتعالى صلاة إلا به) ثم توضأ مرتين مرتين، ثم قال: من توضأ مرتين أتاه الله أجره مرتين، ثم توضأ ثلاثا ثلاثا، ثم قال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي ووضوء خليلي إبراهيم صلى الله عليه وسلم.
قال: وفي تركه أن يتمضمض ويستنشق ويمسح أذنيه ترك للسنة.
قال القاضي حسين: أراد به ذكر فرائض الوضوء، وهي سبعة بالنية، وغسل الوجه، وغسل اليدين، ومسح بعض الرأس، وغسل الرجلين، والترتيب.
وفي التتابع قولان:

قال في القديم، وهو مذهب مالك: إنه واجب، وقال في الجديد، وهو مذهب أبي حنيفة: إنه لا يجب.
وأما سننه اثنتا عشرة: التسمية، وغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، والمضمضة، والاستنشاق، والمبالغة فيهما، والسواك في وجه، والتيامن، والتثليث، وإطالة الغرة، ومسح جميع الرأس، ومسح الأذنين، وتخليل اللحية، وتخليل أصابع الرجلين، وأن يقول في آخره: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبدك ورسولك).
فإن قيل: الشافعي أدخل في تضاعيف الكلام ما ليس منه؛ لأنه ذكر فرائض الوضوء، ثم احتج في (الوسط) بالخبر.
وقال أيضًا: النزعتان من الرأس، ثم قال: ويغسل رجليه.

قلنا: هذا سائغ في كلام العرب يدل عليه قوله تعالى: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم).
فالأول خطاب الحاضرين.
والثاني خطاب للغائبين، وكما قال الشاعر: إن الثمانين وبلغتها .... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان ثم احتجَّ بأن النبي صلى الله عليه وسلم: «توضأ مرة مرة ...» الخبر.
من أصحابنا من قال: إنما فعله في مجالس؛ لأنه لو فعله ثلاث مرات في مجلس واحد لأدى ذلك إلى غسل كل عضوٍ ست مرات، وهذا بدعة، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «من زاد عن الثلاث فقد أساء واعتدى وظلم».
ومنهم من قال: إنما فعله في مجلسٍ واحد، ولا يكون بدعة في حقه؛ لأنه جلس معلمًا الأحكام للناس، بخلاف غير النبي.

قال: (وفي تركه أن يتمضمض، أو يستنشق) أراد به بيان المضمضة والاستنشاق، وأنهما سنتان في الوضوء، وفي الغسل من الجنابة.
وقال أحمد بن حنبل وابن أبي ليلى: إنهما واجبتان فيهما.
وقال أبو ثور وإسحاقُ: الاستنشاق واجب فيهما دون المضمضة.
وقال أبو حنيفة: هما واجبتان في الغسل، سنتان في الوضوء.
قال الشافعي: وليست الأذنان من الوجه، فيغسلان، ولا من الرأس، فيجزي مسحه عليهما؛ فهما سنة على حيالهما، واحتج بأنه لما لم يكن على ما فوق الأذنين مما يليهما من الرأس ولا على ما وراءهما مما يلي منابت الشعر من الرأس إليهما، ولا على ما يليهما إلى العنق مسح- وهو إلى الرأس أقرب- كانت الأذنان من الرأس أبعد.
قال المزني: لو كانتا من الرأس أجزأ من حج - حلقهما عن تقصير الرأس؛ فصح أنهما سنة على حيالهما.
قال القاضي حسين: فإن قيل: أخل المزني في نقله حيث قال: فيغسلان وجواب النفي بالفاء يكون منصوبًا، وعلامة النصب فيه إسقاط النون كقوله تعالى: (ولا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا).
قلنا يجوز بالرفع أيضا كقوله: (ولا يؤذن لهم فيعتذرون).

والثاني: أنه ما أخرج هذا الكلام مخرج النهي، ولكن أخرجه مخرج الاحتجاج، يعني: إنه لو كانتا من الوجه لغسلتا، ولو كانتا من الرأس لجاز المسح عليهما من مسح الرأس.
واحتج به على مالك، حيث قال: إنهما من الوجه، بعدم وجوب غسلهما مع الوجه، وعلى أبي حنيفة حيث قال: الأذنان من الرأس، ولا يجوز المسح عليهما عن مسح الرأس.
قال على رضي الله عنه: ظاهرهما من الرأس، فلا يجوز المسح عليهما، وباطنهما من الوجه، واحتج أيضا بأن البياض المستدير حوالي الأذنين أقرب إلى الرأس خلقة ومساحة من الأذنين، ثم ذاك ليس من الرأس، فهذا أولى.
واحتج المزني أيضًا بأنهما لو كانت من الرأس لاكتفى بحلقهما في الإحرام، إلا أنهم يقولون: إنما لا يجزي عن حلق الرأس، لأن عندنا يشترط حلق ربع الرأس، وذلك دونه.
قلنا: وجب أنه لو كمل معه حلق ربع الرأس يجوز، ومع ذلك لا يجوز عندكم.
قال الشافعي: والفرق بين ما يجزيء من مسح بعض الرأس، ولا يجزئ إلا مسح كل الوجه في التيمم: أن مسح الوجه بدل من الغسل يقوم مقامه، ومسح بعض الرأس أصل لا بدل من غيره.
قال القاضي حسين: أراد به مالكًا، حيث قال: مسح جميع الرأس واجب، وقاسه على مسح الوجه في التيمم، إن مسح الوجه هناك بدل عن الغسل فيقوم مقامه، ومسح بعض الرأس أصل، وليس ببدل عن غيره، فأني يستويان؟ قال الشافعي: وإن فرق وضوءه، وغسله، أجزأه، واحتج في ذلك بابن عمر، رضي الله عنهما.

قال القاضي حسين: التفريق فيهما إن كان يسيرًا جاز، وإن كان كثيرًا متفاحشًا، فإن كان لعذر بأن نفد ماؤه، فطلب أو خاف من سبع أو عدو فهرب وما في معناه فإنه يكون عفوًا.
وإن لم يكن بعذر، ففيه قولان على ما ذكرنا.
أحدهما: يكون عفوًا، لأن هذا معنى لا يضاد الوضوء بعد الفراغ، فصار كالأكل، وعكسه الحدث، واحتج فيه أيضا بابن عمر أنه كان في سوق المدينة، فتوضأ، فانتهي إلى المسح على الخفين، فمرت به جنازة، فقام وتبعها، ثم أتى المصلي، ودعاء بماء، ومسح به على الخفين، وكان بين المصلي بالمدينة وسوقها أكثر من زمان الجفاف، فدل على أنه يكون جائزًا.
والثاني: لا يكون عفوا قياسًا على الصلاة، وحد التفاحش منه إذا مضى زمان يحصل فيه الجفاف حال اعتدال الهواء.

إن قلنا: لا يكون عفوًا فلا كلام، وإن قلنا: يكون عفوًا، فهل يحتاج فيه إلى تجديد النية أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى؛ لأن النية إنما شرعت للتمييز بين العادة والعبادة، وإذا طال الفصل فلا يحصل ذلك.
والثاني: لا؛ لأن أصل النية حكمه باق، والاستدامة فيها ليس بشرط.
إن قلنا: لا يحتاج إلى تجديد النية، فلا كلام.
وإن قلنا: يحتاج إلى تجديد النية، فإذا نوى، فهل يبني على ما مضى أم يستأنف؟ فيه وجهان، بناء على أنه لو فرق النية على أعضاء الطهارة، هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان على ما ذكرنا.
قال الشافعي: لو بدأ بذراعيه قبل وجهه رجع إلى ذراعيه، فغسلها؛ حتى يكونا بعد وجهه؛ حتى يأتي الوضوء ولاء، كما ذكره الله تبارك وتعالى، قال:

(فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) وهكذا قرأه المزني: (إلى الكعبين) فإن صلى بالوضوء على غير ولاء، رجع فبني على الولاء من وضوئه، وأعاد الصلاة واحتج بقول الله عز وجل: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) فبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفا، وقال: نبدأ بما بدأ الله به، قال: وإن قدم يسرى قبل يمني، أجزأه، قال أبو إبراهيم: إن قدم الوضوء، وأخر يعيد الوضوء والصلاة.
قال القاضي حسين: الترتيب عندنا واجب في الوضوء، حتى لو نكس الطهارة بأن غسل رجليه، ثم مسح رأسه، ثم غسل يديه، ثم غسل وجهه يحصل له غسل الوجه فحسب، حتى لو توضأ أربع مرات منكوسًا حصل له الطهارة، ولو غسل وجهه ويديه ورجليه، ثم مسح برأسه حصل له غسل الوجه واليدين ومسح الرأس، ويلزمه غسل الرجلين ثانيًا، وعلى هذا القياس نظائره.
فرع لو دخل في الماء، وانغمس فيه، وخرج ينظر؛ فإن أقام فيه ريثما يجري الماء على أعضائه أربع مرات صحت طهارته، وإن مكث دون ذلك.
هل تصح طهارته أم لا؟ فيه وجهان: بناء على أن الحدث هل يحل جميع البدن، أم يحل أعضاء الطهارة.

وفيه وجهان: أحدهما: أنه يحل جميع البدن بدليل أنه لا يجوز له مس المصحف بسائر الأعضاء غير أعضاء الطهارة.
كما لا يجوز له مسه بأعضاء الطهارة، إلا أنه لا يكلف غسل جميع البدن في الوضوء، لما فيه من المشقة والتعب.
والوجه الثاني: أن الحدث يحل أعضاء الطهارة فحسب، وإنما لا يجوز له مسح المصحف بسائر الأعضاء لاتصاله بأعضاء الطهارة.
إن قلنا: إن الحديث يحل جميع البدن، فيصح طهارته هناك؛ لأنه أتي بالأفضل وهو الغسل، ولا مدخل للترتيب فيه، فعلى هذا لو ترك لمعة من جميع البدن لا يصح وضوؤه.
وإن قلنا بالوجه الثاني، لا يصح وضوؤه إلا أنه يحصل له غسل الوجه فحسب؛ لأن الترتيب واجب عليهن وغسل سائر الأعضاء غير واجب، فلا يسقط الواجب بغير الواجب، وهكذا لو قام تحت المئزاب حتى انصب الماء

عليه، فإن كان بدفعات ومكث تحته قدر ما يجري الماء على أعضائه أربع مرات فلا كلام، وإن جري الماء على أعضائه دفعة واحدة، في حالة واحدة ينبني على ما ذكرنا من الوجهين.
وهكذا لو وضع هامته على الأرض، وأمر غيره بأن يصب الماء على رجليه، على ما ذكرنا من التفصيل، فأما إذا أمر أربعة نفر بأن يغسل كل واحد منهم عضوًا من أعضاء طهارته دفعة واحدة، فيه وجهان: أحدهما: يصح وضوؤه؛ لأنه لم يقدم اليدين على الوجه، والبعض على البعض.
والثاني: لا لعدم الترتيب، وكذلك لو استأجر رجلين ليحجا عنه، أحدهما حج الفرض، والآخر حج النفل، فحجا في سنة واحدة، وكذا في نظائرهما من رمي الجمر على ما سنذكره في موضعه، والله أعلم.

فرع إذا أحدث الرجل، ثم أجنب.
اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: يلزمه الوضوء والغسل، لأن موجب الطهرين مختلف، فصار كما لو قتل المحرم صيدًا مملوكًا في الحرم يلزمه القيمة لمالكه، والجزاء لله تعالى، وهذا مذهب أبي ثور.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه الغسل لا غير، ويدخل الصغرى في الكبرى؛ لأنها من جنسها، كما يدخل الحج على العمرة.
ومنهم من قال: ما يتشاكل منهما يتداخل، وهو أصل الغسل، وما لا يتشاكل مهما لا يتداخل، حتى وجب عليه غسل جميع الأعضاء مرة واحدة، ويجب عليه مراعاة الترتيب في أعضاء الطهارة، كما لو قرن بين الحج والعمرة، ما يتشاكل منهما يتداخل، وما انفرد به أحدهما مثل الوقوف بعرفة يلزمه إتيانه، كذا ها هنا.
فأما إذا أجنب، ولم يحدث، وإنما يتصور هكذا بأن نام قاعدًا ممكنًا مقعدته من الأرض، فاحتلم أو لف خرقة على جميع أعضائه، ثم أدخل الفرج في فرج أحد حتى حصل التقاء الختانين، فإنه يصير جنبا لا محدثًا لا خلاف أنه يلزمه غسل جميع الأعضاء دون الوضوء.
فأما إذا أجنب ثم أحدث؛ هذه تنبني على المسألة الأولى.
إن قلنا هناك: لا يتداخلان، فها هنا أولى.
وإن قلنا هناك: يتداخلان، فها هنا وجهان.
والفرق أن هناك الكبرى لا يستقر عليه حكمها، فجاز أن تدخل على الصغرى، كما لو أدخل الحج على العمرة، جاز.

وها هنا الكبرى استقر عليه حكمها، فلا تدخل عليها الصغرى، كما لو أدخل العمرة على الحج لا يجوز في قول.
فرع ابن الحداد على هذا، وقال: لو أن جنبًا اغتسل جميع بدنه إلا الرجلين، ثم أحدث فعليه غسل الأعضاء الثلاثة مرتبًا، وغسل الرجلين كيف شاء، وهذا إنما كان على مذهب من لا يحكم بطروء الحدث على الجنابة.
فأما على المذهب الاخر يجب عليه غسل الرجلين لأجل الجنابة والوضوء كاملا مرتبًا، وفي وجه يجب الوضوء مرة واحدة مرتبًا، ولا يجب غسل الرجلين لأجل الجنابة.
قال القفال: الترتيب واجب في الوضوء، إلا في ثلاث مسائل: إحدهما: هذه.
والثانية: لو رأي على ثوبه بللاً.
قال: هو بالخيار بين أن يقدر أنه مذي أو ودي أو بول، ويتوضأ، ويغسل الثوب، وبين أن يجعله منيا، ويغتسل ولا يغسل الثوب، فلو توضأ، ولم يغسل الثوب، وصلى فيه لا يجوز إلا أنه لا يجب عليه الترتيب في الوضوء، لاحتمال أنه ربما يكون منيا، ولا وضوء عليه مرتبًا، فقد تيقن غسل الأعضاء في الجملة، وشك في الترتيب.

الثالثة: الخنثى المشكل لو أولج ذكره في دبر رجل، فعلى المولج فيه الوضوء، ولا يجب عليه فيه الترتيب لاحتمال أن الخنثي كان رجلاً، وعليه غسل الأعضاء غير مرتب، إلا أنه رجع عن هاتين المسألتين، وقال: الأصل شغل ذمته بالصلاة، فإذا أتى بوضوء غير مرتب، فقد تحققنا أنه ما أتي بطهارة، لأن المولج إن كان رجلا فعليه الغسل، وهو ما أتي به، وإن كان امرأة فعليه الوضوء مرتبًا، وما أتي به.
فرع لو أن جنبًا غسل جميع أعضاء وضوئه، ثم أحدث فعليه غسل باقي الأعضاء بلا خلاف، وعليه غسل الأعضاء الأربعة مرة واحدة على الترتيب في وجه.
وفي وجه: مرتين: أحدهما مرتبًا، والآخر غير مرتب.
وفي وجه: مرة واحدة مرتبًا.
فأما إذا غسل جميع بدنه، إلا الأعضاء الأربعة، ثم أحدث غسل باقي البدن عن الجنابة، وغسل الأعضاء الأربعة مرة واحدة على الترتيب لأجل الحدث.
فرع محدث ظن أنه كان جنبًا فاغتسل، فإن راعي فيه الترتيب فلا كلام، وإلا فوجهان بناء على أن الحدث يحل جميع البدن، أو يحل أعضاء الطهارة، وقد ذكرناه.
فأما الجنب إذا ظن أنه كان محدثا، واغتسل بنية رفع الحدث، الصحيح أنه جائز، ولعل هذا أيضًا بناء على أن الحدث يحل جميع البدن أم لا؟

إن قلنا: يحل جميع البدن، صحت طهارته، وإلا فلا، لأن باقي الأعضاء لم يغسله بنية الفرض، فلم يحسب له عن الفرض، وما أتي بالترتيب في غسل الأعضاء الأربعة، فلا يحسب له عن الوضوء.
فرع لو نسي الترتيب، فيه قولان: في الجديد: لا يجوز الوضوء.
في القديم: جاز.
فيخرج من مسألة نسيان قراءة الفاتحة في الصلاة، وفيه قولان: قال في الجديد: لاتصح الصلاة.
وقال في القديم: صحت.
وهكذا لو تيمم، ونسي الماء في رحله.
وفي القديم: جاز، وفي الجديد: لا يجوز.

وإنما قال في القديم: لما روى أن عمر رضي الله عنه كان يصلي، وترك قراءة الفاتحة في ركعة، فلما فرغ منها قيل له ذلك، فقال: كيف كان الركوع والسجود، قالوا: حسن قال: فلا بأس إذا.
هكذا كله بيان مذهبنًا في الترتيب.
وقال أبو حنيفة: الترتيب ليس بواجب.
والدليل عليه ظاهر القرآن، حيث أمر بالبداية بغسل الوجه فالظاهر أن ما بدأ الله تعالى به قولا يلزمنا البداية به فعلا؛ كما في الصفا والمروة.
قوله: (وتقديم اليمني على اليسرى) قال القاضي حسين: ويستحب تقديم اليمني على اليسرى في البدن والرجلين.
وقال أحمد: إنه واجب، وهذا لا يصح، لأنهما في حكم عضو واحد، والله تعالى جمع بينهما بالذكر، وعد أعضاء الوضوء أربعة لا ستة، والترتيب ليس بشرط في العضو الواحد.
قال الشافعي: ولا يحمل المصحف ولا يمسه إلا طاهرًا.
قال القاضي حسين: لا يجوز للمحدث مس المصحف، لا موضع المكتوب، ولا الحواشي والجلد، ولا الخريطة، ولا يجوز له حمل المصحف، ولا العلاقة

جارٍ التحميل