التعليقة للقاضي حسينصفحات 175-218

فقال: لأن الرجل كان مهيبًا فهبته.

وروي أنه قال: هبته، وقد كان والله مهيبًا رضي الله عنه.
فدل على أن هذا لا يكون إجماعًا، بخلاف القسم الأول.
فأما الصحابة لو اختلفوا في مسألة على قولين، ينظر؛ فلو أن واحدًا منهم رجع إلى قوله صاحبه، لا خلاف أن ذلك صار إجماعًا.
فلو ماتوا على ذلك، لا خلاف أنه يجوز إحداث قول ثالث.
فلو أن أهل العصر الثاني اتفقوا على قول أحدهما، فهل يكون إجماعاً مقطوعًا به أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: أن هذا يكون إجماعًا، كما لو رجع أحدهما إلى قول الآخر.
والثاني: لا يكون إجماعًا، لأن الصحابة بينوا أن هذا لا يكون مقطوعًا به، فلو أرادوا أن يجعلوا غير المقطوع به مقطوعًا به لا يجوز.
كما لو أرادوا ان يجعلوا المقطوع به غير مقطوع به، لا يجوز.

فلو أن الصحابة اتفقوا على شيء، وأجمعوا عليه نطقا، فهل يشترط انقراض العصر على ذلك أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى والثاني: لا.
فلو أن واحدًا منهم رجع عن ذلك، هل يعد خلافه خلافًا أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يكون خلافا، لأن قولهم صار حجة على غيرهم، فلو أن أهل العصر الثاني خالفوهم، لا يقبل قولهم، كذلك إذا رجع واحد منهم لا يعد خلافه خلافاً.
والثاني: انه يعد خلافاً، وهذا بناء على ما ذكرنا، إن قلنا: إنه يشترط انقراض العصر في ذلك، فيعد ذلك خلافًا، وإلا فلا.
يدل عليه ما روي أن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه كان بـ (الكوفة) يخطب فقال في خطبته: اجتمع رأي ورأي أمير المؤمنين (عمر) رضي الله عنه ألا تباع أمهات الأولاد، وأنا أرى الآن أن يبعن، فقام عبيدة السلماني،

وقال له: رأيك مع أمير المؤمنين أحب إلينا من رأيك وحدك، فأطرق رأسه ساعة ثم قال: اقضوا فيه ما أنتم تقضون، فإني أكره أن أخالف الجماعة، فأراد أن يرجع عن ذلك ولم يرجع.

مسألة

فلو أجمعوا على شيء إلا واحدًا، لا يكون إجماعًا، فإذا مات ذلك الواحد، وهم استداموا على ذلك، فالآن بعد موته صار إجماعًا، فأما إذا كان في زماني عامي، ثم صار فقيهًا، أو كان صبيًا ترعرع، وتفقه في الدين، فإذا بلغ وخالف، هل يعد خلافه خلافا أم لا؟ فيه وجهان: بناء على الأصل الذي ذكرنا، هل يشترط انقراض العصر أم لا؟ والدليل عليه ما روى أن ابن عباس كان تلميذ زيد بن ثابت، فلما تعلم الفرائض، وبلغ وصار من أهل الاجتهاد أخذ زمام بغلة زيد بن ثابت في بعض الأوقات، وقال له أنزل أبا هلك، فإن الذي احصى رمل عالج لم يجعل في المال نصفا وثلاثين.
فقاله له زيد: خل زمام بغلتي، ما أجرأك على الله فأما إذا ولد ولد بعد إجماعهم وتفقه هل يعد خلافه خلافًا؟ يترتب على ما لو كان صبيا موجودًا، ثم تفقه إن قلنا هناك: لا يعد خلافه خلافا، فها هنا أولى، وإلا فوجهان.

فصل قال القاضي: قد ذكرنا ان الإجماع يكون حجة، وقد ذكرنا اختلاف الصحابة في مسألة.
فلو أنهم اختلفوا في مسألة وصاروا فرقتين، ينظر فإن كانوا سواء في العدد، فلا يرجح أحدهما على صاحبه.
ولو كان في إحدى الفرقتين كثرة، هل يرجح بذلك على الآخر؟ فعلى قوله القديم: يقع به الاحتجاج، ويقدم على الآخر.
ولو كان في إحدى الفرقتين أبو بكر، وعمر وعثمان.
قال الشافعي تقدم تلك الفرقة على الفرقة التي لم يكن فيها واحد، من هؤلاء الخلفاء، وسكت عن قول علي.
فمن أصحابنا من قال: إنما سكت عن قول علي، لأنه ذكر الأكثر فاكتفي به عن ذكر الأقل، ويجوز أن يذكر معظم الشيء، ويكون ذلك قائمًا مقام الكل.
كما قال تعالى: (فك رقبة) الآية.
والرقبة: اسم لعضو مخصوص، ثم عبر بها عن الكل.
وكما روى أنه عليه السلام قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تختلفوا عليه.
الحديث، ولم يذكر جميع أفعال الصلاة كذا ها هنا.

وجواب آخر: نقول: إنما سكت عن قول علي رضي الله عنه، لأنه يزن إلى الشيعة والتشيع فينفي التهمة عن نفسه حتى لا تأثم الناس بسببه والدليل على هذا قوله رحمة الله عليه: إن كان رفضًا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي ومقدمة هذا البيت: يا راكبًا قف بالمحصب من منى .. واهتف بقاعد خيفها والناهضِ سحرا إذا فاض الحجيج إلى مني ... فيضا كملتطم الفرات الفائض إن كان رفضا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي والجواب الثالث: إنما ذكر قول أبي بكر، وعمر، وعثمان، رضي الله عنهم، على وجه الاحتجاج، لأن قول هؤلاء صدر عن إجماع المسلمين، فإن المسلمين كانوا مجتمعين في الآراء والهمم، وكانوا متفقين على كلمة واحدة، فالاحتجاج إنما وقع بكثرة المسلمين الذين وافقوهم.
وأما قول علي رضي الله عنه لم يصدر عن جماعة المسلمين، لأنه لما آل الأمر إليه خرج من دار الهجرة إلى الكوفة، وخالفوه، ونابذوه، وقاتله أكثرهم، فلم يصدر قوله عن جماعة المسلمين، فلم يقع الاحتجاج بقوله لهذا المعنى، لا لأنه لم يكن من الخفاء الراشدين.
فإذا الترجيح بماذا يقع.؟

إن قلنا: الترجيح يقع بقول الخليفة، فقول علي يكون حجة كقول أبي بكر، وعمر.
وإن قلنا: الترجيح يقع بكثرة الجماعة من المسلمين، فلا يقع الترجيح بقول علي، فلو كان في إحدي الفرقتين أبو بكر، والأخرى عمر، تقدم الطائفة التي فيهم ابو بكر على عمر، ثم عمر على عثمان ثم عثمان على علي، على الترتيب الذي كانوا في الاستخلاف فإن كان في إحدى الفرقتين خليفة، وفي الأخرى كثرة.
قال رضي الله عنه في الدرس العام، قول الخليفة يقدم على الكثرة، وقد قال في الدرس: التلخيص فيه وجهان.
هذا كله في قول الصحابي.
فأما الكلام في قول التابعين، فيجب أن تعلم أن إجماع كل عصر من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة يكون حجة مقطوعًا بها على مذهب عامة العلماء.
وقال بعض الناس/ إجماع الصحابة يكون حجة، وأما إجماع غيرهم لا يكون حجة، لأن لهم فضيلة المشاهدة للوحي، وفضيلة مشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: (محمد رسول الله والذين معه) الآية.
وهذا لا يصح لقوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) الآية.
مدح هذه الأمة بهذا، فلو كان بهم مخالفة لما أخفوا ذلك الشيء الذي يخالف النص، ويدل عليه قوله عليه السلام: إن الله لا يجمع أمتي على الضلالة.

وما روينا من الأخبار قبل ذلك.
هذا دليل على صحة ما قلناه، فأما التابعي إذا قال قولاً، وانتشر فيما بينهم، وانقرضوا وماتوا على ذلك، هل ذلك حجة كالصحابي أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: يكون حجة كقول الصحابي.
والثاني: لا يكون حجة.
فأما التابعي إذا قال قولاً، ولم يكن معه قياس خفي، فالمذهب: أن القياس الجلي مقدم على قوله بخلاف الصحابي، والله أعلم بالصواب.

بسم الله الرحمن الرحيم مختصر المزني قال حدثنا الحسن بن محمد بن يزيد، قال حدثنا إبراهيم بن محمد، قال: أخبرنا أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، قال: الحسن بن محمد بن عاصم قال المزني: اختصرت هذا الكتاب من علم محمد بن إدريس الشافعي، رحمه الله ومن معنى قوله، لأقربه على من أراده مع إعلامه نهيه عن تقليده وتقليد غيره، لينظر فيه لدينه ويحتاط فيه لنفسه، وبالله التوفيق.

باب الطهارة

قال الشافعي: قال الله عز وجل: (وأنزلنا من السماء ماء طهورًا).
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر: هو الطهور ماؤه، الحل ميتته.
قال رضي الله عنه: فإن قيل: فلم قال: باب الطهارة، ثم اشتغل بذكر أحكام المياه؟ قلنا: قال الشافعي: رحمه الله في جامع الكبير، باب الماء الذي يتطهر به أو نقول معناه أن الشافعي ذكر الكتاب على ترتيب حسن، فإنه اشتغل بذكر الطهارة، ثم بالصلاة وبالزكاة، كما قال عليه السلام: بني الإسلام على خمس، الحديث.

ولأنه لما افترض على المسلم الصلاة أولاً، فالصلاة لا تصح إلا بالطهارة، والطهارة لا تصح إلا بالماء، فلهذا اشتغل بذكر أحكام المياه.
وكما قال الرسول عليه السلام: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم.
فإن قيل: فلم أسند المزني كتاب الله تعالى إلى الشافعي فقال: قال الشافعي: قال الله تعالى: وأنزلنا من السماء ماء طهورًا.
الاية.
وكتاب الله تعالى، أشهر من أن يسند إلى أحد؟ قلنا إنما فعل ذلك، لأن الشافعي رحمه الله كانت عادته أنه إذا اراد أن يصدر بابًا، فإن كان في ذلك الباب آية تلاها، وإن كان هناك سنة رواها، وإن كان أثر حكاه، ثم رتب عليه مسائل الباب.
فلهذا المعنى فعل ذلك حتى يعلم أن الشافعي هو المحتج بالآية لا هو.
فإن قيل: فلم قال وأنزلنا، وهذا لفظ الجمع، والله تعالى واحد لا شريك له.
قلنا إنما ذكر ذلك، لأن عادة الملوك والجبابرة أنهم يقولون، فعلنا كذا وصنعنا كذا والله تعالى أجبر الجبابرة والجبروت، والعظمة لا تكون على الحقيقة إلا لله تعالى.

قال: (من السماء)، والسماء: اسم لواحد من السموات السبع.
قال الله تعالى: (سبع سموات طباقًا) وقال: (خلق السموات).
وقيل: غلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وما بين سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، والسماء اسم للسحاب، والسماء: اسم للمطر، واحدها سماء، كما قال الشاعر: فلو سقط السماء بأرض قوم ... رعيناها وإن كانوا غضابا والسماء: اسم للسقف.
﴿ماء طهورًا﴾، اختلفوا فيه: قال (مالك) الطهور: الماء الذي يتكرر منه التطهير، كما يقال: صبور وشكور، وقبول للذي يقبل كثيرًا، ويصبر كثيرًا، ويشكر كثيرًا.
ولهذا قال: الماء المستعمل يكون طهورا، وهذا قول قديم للشافعي.
وعلى أصل أبي حنيفة الطهور، اسم للطاهر، وعدي هذا إلى جميع الطاهرات فقال كل مائع طاهر يجوز إزالة النجاسة به.
وقال: إنه سمي طهورًا، لأنه اسم للمبالغة في الطهارة، كما قال الله تعالى: (وسقاهم ربهم شرابًا طهورًا) الآية.
وعلى أصل (الشافعي) رحمه الله: الطهور، ماء هو طاهر في نفسه، مطهر لغيره، ومنهم من قال: الطهور: اسم لما يتطهر به، كما يقال: سحور، وفطور،

فإن هذا اسم لما يتسحر به، ويفطر به، ويدل على صحة قولنا: قوله تعالى: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) الآية.
فالله تعالى سمي الماء مطهرًا.
وروى أنه قال عليه السلام: (جعلت لي الأرض مسجدًا وترابها لي طهورًا) يعني: مطهرًا.
فصل روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) الحديث.
قال: ماء البحر يكون مطهرًا عند عامة العلماء.

وحكي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال [في] البحر نار ثم نار بحر ثم نار حتى عد سبعة أبحر وسبعة أنور.
وروى عن ابن عمر أنه قال: التيمم أعجب إلى من التوضؤ بماء البحر.
والدليل على أن ماء البحر يكون طهورًا قوله تعالى (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) الآية.
وقال سبحانه: (فأسكناه في الأرض) الآية.
وقال تعالى: (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر) الآية، وقال في قصة نوح عليه عليه السلام: (يا أرض أبلعي ماءك ويا سماء أقلعي).
وقيل: إن الأرض بلعت ماءها، وبقي ماء السماء.
فقيل: بقية ماء البحر هو الماء الذي أنزل من السماء، والدليل عليه ما روى أن جماعة من الصحابة جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إنا نركب أرماثًا لنا في البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر، فقال عليه السلام، (البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته).

الأرماث: جمع الرمث، وهو خشبات يربط بعضها ببعض، فيركب عليها في البحر، والرمث: الخشب الذي توقد به النار.
وأما حديث عبد الله بن عمرو، إنما قال ذلك لهوله ولصعوبته.
والدليل عليه أنه قال عليه السلام: (من ركب البحر فقد برئت منه الذمة).
وقال الله تعالى في قصة المشركين: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون) الآية.
فأما ركوب البحر، إن كان الغالب منه السلامة والأمن فيجوز ركوب البحر، وإن كان الغالب منه الغرق والهلاك، فلا يجوز ذلك.
وأما حديث عبد الله بن عمر معناه، لأن أسافر برًا، وأعوزني الماء وأتيمم أحب إلي من أن أسافر بحرًا، وأتوضأ بماء البحر لصعوبته.
فإن قيل: لماذا قال: هو الطهور ماؤه، وما هذا التطويل؟ ويمكنه أن يقول: نعم؟ قلنا: إنما قال ذلك، لأنه صاحب الشرع له أن يبين الأشياء، لقوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس) الآية.
ولأنه إنما قال ذلك حتى لا يظن ظان أنه إذا كان معه ماء البئر لا يجوز التوضؤ بماء البحر.

فإن قيل: لماذا أجاب عنه وعن غير؟ قلنا: لأنه بعث مبينا للخلق ما يحتاجون إليه، لا يجوز له تأخير البيان، عن وقت الحاجة، ولأنه لما علم جهلهم بأن ماء البحر يكون طهورًا مع ما قال الله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء طهورًا).
فعلم أن جهلهم عن حيوانات البحر، مع قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتتة) يكون أكثر، فلهذا بين حكم ذلك، أو نقول: هذا بيان حكم البحر.
أيضًا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، بين أن حيوانات البحر تكون حلالا، ولو ماتت في الماء، لا يفسد الماء بذلك.

فصل في [لحوم حيوانات البحر]

في لحوم حيوانات البحر.
الحيوان على ثلاثة أقسام: ما لا يعيش في الماء إلا عيش المذبوح، فإذا وقع في الماء، فإنه يكون حرامًا، إلاالجرادة.
وما لا يعيش إلا في البحر، ولا يعيش في البر إلا عيش المذبوح.

منهم من قال: يحل الكل.
ومنهم من قال: لا يحل إلا السمك المتعارف فيما بين الناس.
ومنهم من قال: ما كان يشبه حيوانًا في البر، فإن كان ذلك الجنس من حيوانات البر يكون حلالاً، فإن ذلك يكون حلالا لو مات في الماء، وعلى عكسه عكسه.
وإذا قلنا: لا يحل إلا السمك فما يشبه حيوانات البر الذي يكون مأكولاً، فإذا ذبح ذلك الجنس من البحر يكون حلالاً، ولو مات لا يكون حلالاً، قد ذكرنا هذه المسألة في موضعها.
وما يعيش فيهما جميعًا لا يحل إلا السرطان على طريقة الحليمي.
قال القاضي رحمه الله: ولكن لابد أن يذبح حتى يحل.
وأما دم الحوت قالوا في دمه وروثه: هل يكون طاهرًا أم لا؟ فيه وجهان: ولو ذبح هل يحل أم لا؟ فيه وجهان.
وابتلاع صغار الحي منه، هل يحلُّ أم لا؟ فيه وجهان: سواء كان طافيًا أو رأسه في الماء يكون حلالاً.
وقال (أبو حنيفة): السمك الطافي يكون حرامًا.
قالوا: ما علم أنه مات بسبب يكون حلالاً، وما علم أنه مات من غير سبب لا يخل، واستدل بقوله عليه السلام: «ما انحسر عنه البحر فكلوه، وما طفا على الماء فلا تأكلوه ...» الحديث.

قلنا: إنما قال ذلك استقذارًا وعيافة، بدليل ما روي أن أبا أيوب، أكل سمكًا طافيًا.
فصل قال الشافعي: فكل ماء من بحر عذب أو مالح أو بئر أو سماء أو برد أو ثلج مسخن وغير مسخن فسواء، والتطهر به جائز، ولا أكره [الماء] المشمس، إلا من جهة الطب، لكراهية عمر لذلك، وقوله: إنه يورث البرص.
قال رضي الله عنه: كل ما يكون طهورًا يجوز التوضؤ به سواء كان عذبًا أو مالحًا.
فإن قيل: قال الله تعالى ﴿ملج أجاج﴾ الآية.
فلم قال (الشافعي): (ملح)؟ قلنا: إنما قال (الشافعي): (أو أجاج).
والخلل إنما وقع من جهة (المزني)، ثم نقول: يجوز أن يقال: مالح،

كما قال (خالد بن يزيد بن معاوية) يمدح امرأة: تجول خلاخيل النساء ولا أرى ... لرملة خلخالا يجول ولا قلبا فلو أنها للمشركين تعرضت ... إذن لدعوها دون أصنامهم ربا فلو تفلت في البحر والبحر مالح ... لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا قوله: (أو سماء) قال القاضي حسين: ماء السماء يجوز التوضأ به.
قوله: (أو بئر) قال القاضي حسين: ماء البئر يجوز التوضؤ به.
روى أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من بئر كان ماؤها نقاعة الحناء.
(أو برد) قال القاضي حسين: ماء البرد أو الثلج يجوز التوضؤ به إذا أذيبا.

فأما استعمال الثلج والبرد ينظر، فإن كان في وقت شدة الجو، بحيث إنه لو أصاب العضو يذوب، يجوز استعماله، ويصح التوضؤ به، وإن كان لو أصاب العضو لا يذوب، لا يجوز التوضؤ به، فيحصل المسح بذلك، ولا يخصل الغسل.
وقال الشافعي: أو ثلج أذيب والمزني أخل في النقل قوله: (مسخن).
الماء المسخن يجوز التوضؤ به، لأنه ينفع البدن.
وأما الماء المشمس، يجوز التوضوء به.
قال الشافعي: (ولا أكره الماء المشمس) وقد كرهه كاره من جهة الطب، لأن الشيء لا يقال، يكره في الشريعة من جهة الطب.
والدليل على هذا ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه دخل على عائشة، رضي الله عنها، وقد شمست الماء، فقال لها: (يا حميراء لا تفعلي هذا؛ فإنه يورث البرص).

وروى (لا تشمسي الماء فإنه يورث البرص ...) الحديث وروى عن عمر (أنه يكره ذلك).
قال أصحابنا: إنما يكره التوضؤ بالماء المشمس إذا كان في البلاد الحارة في الصيف الصائف في الأواني الصفرية، ويكون مغطى الرأس، لأن قوة الماء تستخرج منه أشياء، وتقف على رأس الماء كالهباء المنثور، فيكون ذلك يؤدي إلى البرص.
فأما في البلاد الباردة في الأواني الصفرية غير مغطي الرأس لا يكره.

فصل: في الطب

واعلم أن الطب يكون حقًا، والدليل عليه ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما خلق الله داءً إلا خلق له دواء إلا السام.
وروى أنه قال عليه السلام: (خير ما تداويتم به الحجامة والمشي).
يعني: شرب شيء يمشي بطنه أي: يسهله.
وروى أنه قال عليه السلام: (لا عدوى ولا هامة ولا صفر).
(لا عدوى): يعني، لا تتعدي العلة من شخص إلى شخص، وقد يتعدي إلى العضو من العضو.

وكذلك يتعدى البرص، والجذام من النسل إلى النسل.
وروى أن رجلا قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن بعيرًا جربًا دخل على إبلي، فأجرب إبلي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أجرب الأول).
(ولا هامة): الهامة: الطير الذي يكون في الخربة، ويصيح في الليل، وكانوا يتشائمون بذلك، فقال عليه السلام: (ولا هامة).
يعني: لا تتشائموا به، وكان النبي صلى الله عليه وسلم: يجب الفأل الحسن، ويكره الطيرة.
(ولا صفر): منهم من قال: لا تتشائموا بدخول صفر.
ومنهم من قال: صفر: دويبة تقع في المعدة، وتهيج الجوع، والجوع يحصل من خواء المعدة.
والله تعالى، يهيج الجوع في المعدة على الحقيقة.
فصل وما عدا ذلك من ماء ورد أو شجر أو عرق ماء أو زعفران أو عصفر أو نبيذ أو ماء بل فيه خبز، أو غير ذلك، مما لا يقع عليه اسم ماء مطلق، حتى يضاف إلى ما خالطه أو خرج منه، فلا يجوز التطهير به.
قال القاضي حسين: جعل الماء ثلاثة أقسام: قسم: يجوز التوضؤ به بلا كراهية، كماء البحر وماء السماء، وأشباههما.

وقسم: يجوز التوضؤ به، ولكن يكره مثل الماء المشمس.
وقسم: لا يجوز التوضؤ به؛ كهذه الأقسام التي نذكرها.
أما الماء إذا طرح فيه الورد، وكان يسيرًا بحيث لا يغير طعم الماء، ولا لونه، ولا ريحه فلا يضر، وإن كان متفتتا، ويتغير الماء به لم يجز، وما الشجر الذي عصر من العروق، ويخرج منه الماء، فلا يجوز التوضؤ به.
فأما إذا صب ماء الورد في الماء، ينظر إن كان قدرًا لو كان له لون يظهر لونه في الماء، لا يجوز التوضؤ به.
وإن كان لو كان له لون لا يظهر، يجوز التوضؤ به، وهكذا نقول في الماء، المستعمل إذا صب في الماء المطلق.
قوله: (أو عرق) وقريء: (أو عرق) بالكسر.
قال القاضي حسين: فأما العرق فلا يجوز التوضؤ به.
ويتصور أن يحصل العرق كثيرًا، كما في الحجيج في وقت الموسم، فغنهم يدخلون بيت الله الحرام، ويسيل منهم العرق كثيرًا، وكذلك الدابة إذا عدت يسيل منها العرق كثيرًا.
وأما العرق: ماء الكرش لا يجوز التوضؤ منه قال الشافعي: في المبسوط، من نحر جزورًا، وأخذ كرشه، واعتصر منه ماء لم يكن طهورًا، وذلك في العرب العرباء أنهم كانوا إذا أرادوا التلصص

فإنهم يعطشون الإبل، ثم يوردونها الماء ويروونها، ويسدون فمها ومبالها، فإذا احتاجوا إلى الماء، فإنهم يفتحون عرقا على جانب اليسار يخرج منه الماء الصافي، ويشربون، وهذا الماء لا يجوز شربه إلا عند الضرورة.
قوله: (وما الزعفران): قال القاضي حسين: أما ماء الزعفران لا يجوز التوضؤ به، ثم ينظر، فإن كان الزعفران يسيرًا، بحيث إنه لا يتغير الماء به، فيجوز التوضؤ به، فأما إذا تغير الماء به، إما طعمه أو لونه أو ريحه لا يجوز التوضؤ به.
وقال أبو حنيفة: يجوز التوضؤ به ما دام رقته باقية، ويجري على أعضائه ولم يكن عن أبي حنيفة نص في هذا، ولكن حكى عن أبي يوسف هذا.
ولا يجوز التوضؤ بالعصفر إذا استخرج منه الماء، أو يكون العصفر طرح في الماء حتى يتغير الماء بذلك.
ولا يجوز التوضؤ بالنبيذ مسكرًا كان أو غير مسكر، وسواء كان متخذًا من التمر أو غيره.
وقال الأوزاعي: يجوز التوضؤ بجميع الأنبذة.

وقال: أبو يوسف: لا يجوز التوضء بنيذ التمر.
وعن أبي حنيفة فيه ثلاث روايات: في رواية: يجمع بين التوضؤ بنبيذ التمر، وبين التيمم روى نوح بن مريم، هذا عنه.
ورواية أخرى: لا يجوز التوضؤ بنيذ الخمر، وهذا روايه أبي يوسف.
والرواية المشهور في الكتاب رواية محمد بن الحسن.
أنه يجوز التوضؤ بنبيذ التمر، ولا يجمع بين التيمم، وبين ذلك.
وقالوا: إنما يجوز التوضؤ بنبيذ التمر، دون سائر الأنبذة، وإنما يجوز إذا لم يكن مسكرا، فأما إذا كان مسكرا لا يجوز التوضؤ به، وإنما يجوز إذا كان مطبوخا لا نيئا، وإنما يجوز إذا كان مسافرا عادمًا للماء هكذا.
وحكي عن المتأخرين منهم، قال: يجوز التوضؤ به إذا كان على حوالي البلد وقال أيضا: إذا كان نيئا يجوز التوضوء به.

قلنا: المسألة مبنية على أن النبيذ يكون نجسًا بدليل ما روي عن (عمر) وابن عمر، أنهما قالا: النبيذ يكون نجسًا.
قوله: (أو ماء بُلَّ فيه خبز).
قال القاضي حسين: أما الماء الذي بل فيه الخبز، ينظر إن كان الخبز يسيرًا طرح فيه، يجوز التوضؤ به، وإن كان كثيرًا بحيث يغير طعمه أو لونه أو ريحه، لا يجوز التوضؤ به.
وكذلك الدقيق لو طرح في الماء ينظر، فإن كان الماء صافيًا يجوز التوضؤ به.
وإن كان الماء كدرًا لا يجوز التوضؤ به.
وكذلك لو طرح الرَّقادُ أو النُّخالة في القمقمة.
فإن كان الماء صافيًا يجوز التوضؤ فيه، وإن كان الماء كدرًا لا يجوز التوضؤ به، فأمَّا إذا كان أسفل الماء كدرًا، وأعلاه صافيًا يجوز التوضؤ بالماء الصافي دون الكدر.
قوله: «أو غير مما لا يقع عليه اسم ماء مطلق حتى يضاف إلى ما خالطه، فلا يجوز التوضؤ به».
قال القاضي حسين: معناه كل ما يضاف إلى ما استخرج منه، أو يضاف إلى ما خالطه، فلا يجوز التوضؤ به.

وقال الشافعي: كل ماء خلق الله تعالى على هيئته لم تدخله صنعة آدمي، يجوز التوضؤ به.
فأما الماء الذي يكون متغيرًا بالتراب من منبعه، لا خلاف أنه يجوز التوضؤ به، لأنه لا يمكن صون الماء عنه غالبًا.
وكذلك إن تغير بأن ينبت فيه طحلب يجوز التوضؤ به.
هذا كله إذا كان الماء صافيًا أو كدرًا، ولكن يجري الماء على أعضاء الطهارة.
فأما إذا كان ثخينًا، بحيث إنه لا يجري على أعضائه لا يجوز التوضؤ به.
فأما إذا ألقي التراب في الماء، وتغير الماء به.
هل يجوز التوضؤ به أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز التوضؤ به، لأنه يمكن صون الماء عنه غالبًا.
والثاني: يجوز ذلك.
فأما الماء إذا جرى على حجر النورة، والزرنيخ، وكان متغيرًا يجوز التوضؤ به.
وكذلك لو كان الماء متغير لطول المكث في مقره، يجوز التوضؤ به، لأن الماء لابد له من مكان يستقر فيه.

فأما إذا ألقى النورة والزرنيخ في الماء، وتغير الماء، ينظر فإن كانت النورة طبخت ثم طرحت في الماء، وتغير الماء به، لا يجوز التوضؤ به بلا خلاف.
فأما إذا لم يكن مطبوخًا ترتب على المسألة الأولى، وهو تغير الماء بالتراب الذي ألقي فيه، وها هنا أولى ألا يجوز التوضؤ به، والفرق أن التراب يكون طهورًا بخلاف النورة.
وهكذا نقول في الماء الذي خرج من معدن الطيب، وكان الماء أسود أو أحمر، يجوز التوضؤ به.
فأما إذا ألقي الكافور في الماء وتغير الماء به، فإن كان لا ينماع في الماء، يجوز التوضؤ به، وإن تغير الماء به، لأن ذلك تغير مجاورة، لا تغير مخالطة، كما لو تغير الماء بأن تطرح جيفة على شط نهر، وتروح الماء به، يجوز التوضؤ به، فأما إذا كان الكافور يتفتت في الماء، فإن تغير الماء به لا يجوز التوضؤ به، فأما القطران على نوعين: نوع ينماع في الماء، ويتغير الماء به، فلا يجوز التوضؤ به، وإن كان لا ينماع في الماء بحيث أن فيه دسومة تعلو الماء ولا تمازجه، يجوز التوضؤ به.
فأما إذا طرح فيه الملح، وتغير الماء به.
قال صاحب (التلخيص): إن كان الملح مائيًا، يجوز الوضؤ به، وإن كان جبليًا لا يجوز التوضؤ به.

وقال الشيخ القفال: لا يجوز التوضؤ به.
فأما ماء الملاحة، هل يجوز التوضؤ به أم لا؟ قال صاب التلخيص: يجوز التوضؤ به.
وقال الشيخ القفال، لا يجوز؛ لأن هذا لا يكون ماء، بل يكون عينًا، خلق الله تعالى، فيها منفعة للخلق، وليس كالماء بدليل أن طبعه يخالف الماء، لأن الماء يتجمد في الشتاء، ويذوب في الصيف، وأما ماء الملاحة يذوب في الشتاء، ويتجمد في الصيف، فلهذا فرقنا بينهما.
فأما إذا تغير بأوراق الأشجار، فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يجوز التوضؤ به، لأنه لا يمكن صون الماء عنه غالبًا كالتراب.
والثاني: لا يجوز التوضؤ به، لأنه يمكن صون الماء عنه غالبًا بخلاف التراب.
والثالث: أنه يفصل، فإذا كان خريفيا، يجوز التوضؤ به، وإذا كان ربيعيا لا يجوز التوضؤ به، لأن له رطوبة تمازج الماء، بخلاف ما إذا كان خريفيا، فلو وقعت الثمار في الماء، وتغير الماء، لأجل ذلك لا يجوز التوضؤ به قولا واحدًا، لأنه يمكن صون الماء عن الثمار غالبًا.

وقل ما يوجد أن تكون الأشجار المثمرة مغروسة على حافات الأنهار.

فصل: الما ماءان

: ماء طاهر، وماء نجس.
أما الماء النجس، لا يجوز التوضؤ به كيف ما كان، وأما الماء الطاهر على قسمين: ماء مطلق، وماء مضاف.
أما الماء المطلق: يجوز التوضؤ به.
وأما الماء المضاف على أربعة أقسام: قسم يضاف إلى محله ومقره، كما يقال: ماء السماء، وماء البئر والبحر والحوض، وماء الكوز، ونحوه يجوز التوضؤ به.
وقسم يضاف إلى المجاور، مثل ما تغير الماء به برائحته، ويكون ذلك التغير تغير مجاورة يجوز التوضؤ به، كما لو تغير الماء بجيفة وقعت على شرط النهر، وتروح الماء بذلك.
والقسم الثالث: الماء المضاف إلى مخالط، لا إلى مجاور، مثل ماء الزعفران، وماء الدقيق، وما أشبه ذلك، وقد ذكرناه.
والقسم الرابع: إذا كان ذلك التغير يكون بما يضاف إلى ما استخرج منه، مثل ماء الزعفران، وماء الورد، وماء الشجر والعرق، فلا يجوز التوضؤ به، وكل ما لا يجوز التوضؤ به، لا تجوز إزالة النجاسة به.

وقال أبو حنيفة: كل مائع طاهر يزيل العين والأثر يجوز إزالة النجاسة به إلا الدهن، واللبن.
وقال المتأخرون منهم: إن كان الدهن واللبن يزيل العين والأثر، يجوز أيضا إزالة النجاسات بهما، وإلا فلا.
قال (أبو يوسف): إن كانت النجاسة على البدن لا يجوز إزالتها إلا بالماء، وإن كانت على محل آخر تجوز إزالتها بجميع المائعات، كما قال (أبو حنيفة) لنا أن نقول: خروج الحدث من مخرج الحدث يقتضي طهرين: طهرا يختص بمحل حدوثه، وطهرا لا يختص بمحل حدوثه.
ثم اجتمعنا على أن الطهر الذي لا يختص بمحل حدوثه، وهو الطهارة الحكمية تختص بالماء، فهذا أولى، لأن هذا نجاسة عينية، وتلك حكمية، وحكم النجاسة العينية أقوي من الحكمية، لأن هذه عين، وتلك حكم.
وايضا الماء المزال به النجاسة يكون نجسًا بالاتفاق، والماء المزال به الحدث لا يكون نجسًا بالإجماع.
وأيضا لو تيمم لأجل النجاسة يجب عليه قضاء الصلاة.
ولو تيمم لأجل عدم الماء لا يجب عليه قضاء الصلاة.
وكذلك لو كان معه من الماء ما يكفي لطهارته، وكان على بدنه نجاسة، ويكفي أيضا ذلك الماء لإزالتها، فإنه يستعمل الماء في إزالتها، ويتيمم.
كذلك الشرع ورد في الطهارة الحكمية بالمسح، ولم يرد بمثله في العينية، أعني: عن النجاسة العينية بالمسح.
وكذلك ورد الشرع في الطهارة العينية بالجمع بين طهورين، وهو ولوغ الكلب، ولم يرد الشرع في الطهارة الحكمية بالجمع بين طهورين.

وكذلك النجاسة العينية تتعدي من البدن إلى غير البدن وأما النجاسة الحكمية لا تتعدي من البدن إلى غير البدن.
فلما كانت النجاسة العينية أقوى من النجاسة الحكمية، ثم إنا أجمعنا على أن في النجاسة الحكمية لا تجوز إزالتها إلا بالماء، فالنجاسة العينية أولى ألا تجوز إزالتها إلا بالماء، والله أعلم بالصواب.

باب الآنية

قال الشافعي - رحمه الله - ويتوضأ في جلود الميتة إذا دبغت، واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم: أيما إهاب دبغ فقد طهر.
قال رضي الله عنه: الأواني على قسمين: قسم يتخذ من الجلود، وقسم يتخذ من غير الجلود.
فأما ما يتخذ من الجلود، ينظر، فإن كان من مأكول اللحم، وكان زكيا فيكون طاهرا، إلا أن يكون متضمخا بالدم، فإن ذلك يكون نجسًا، فيجب غسله، وإن كان ميتًا فإن الجلد ينجس بالموت على مذهب عامة العلماء، وقال الزهري: الجلد لا ينجس بالموت.

لنا ما روي أنه عليه السلام مر بشاة ميتة لميمونة، ملقاة على مزبلة، فقال هلا أخذتم إهابها فنتفعتم بها؟ فقالوا يا رسول الله، إنها ميتة، فقال عليه السلام: دباغها طهورها، وروي أنه قال: إنما يحرم من الميتة أكلها.
ويدل عليه قوله تعالى: حرمت عليكم الميتة.
قالوا: لو كان ينجس بالموت لما يطهر بالدباغ كاللحم.
قلنا: إنما يطهر بالدباغ ما كان يؤثر فيه الدباغ.
والدباغ إنما يؤثر في الجلد دون اللحم.
وقال أحمد بن حنبل: جلد الميتة لا يطهر بالدباغ.

دليلنا ما روينا من حديث شاة ميمونة، وبقوله عليه السلام: أيما إهاب دبغ فقد طهر.
والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب حتى لا يختص بمأكول اللحم لا غير، وقال أبو ثور والأوزاعي: إن كان جلد حيوان مأكول اللح يطهر بالدباغ إذا مات، وإن كان غير مأكول اللحم، فلا يطهر جلده بالدباغ إذا مات.
دليلنا: الخبر الذي روينا، ولأنه جلد ميتة يكون طاهرًا في حالة الحياة، فوجب أن يطهر بالدباغ.
دليلة: جلد ما يؤكل لحمه.
وهذا؛ لأن الدباغ يرد الجلد إلى حاله الأولى، وفي الابتداء الجلد يكون طاهرًا كيف ما كان، كذا بعد الدباغ وجب أن يكون مثله.
فالواحد مطهري الجلد، فوجب أن يؤثر في مأكول اللحم لا غير، كالزكاة.

قلنا: الدباغ أقوي في التطهير من الزكاة، لأن الزكاة تمنع حلول النجاسة، والدباغ يرفع النجاسة اللازمة فيه، والرافع يكون أقوى من المانع، كالعدة مع الردة والرضاع، فإن الردة والرضاع أقوي من العدة.
وقال مالك يطهر الجلد ظاهرًا، ولا يطهر باطنًا، لأن العفص الذي ينثر عليه إنما يؤثر في الظاهر دون الباطن.
وهذا لا يصح، لأن الدباغ يؤثر في الظاهر والباطن جميعًا، بدليل أنه يستخرج منه الفضول التي في باطنه، ويصيره إلى حالة لو أصابه الماء لا يفسده.

مسألة

قال الشافعي: وكذلك جلود ما لا يؤكل لحمه من السباع، إذا دبغت إلا جلد كلب أو خنزير، لأنهما نجسان وهما حيان.
وقال أبو حنيفة: جلد الكلب يطهر بالدباغ.
وجلد الخنزير لهم فيه ثلاث روايات: في رواية قالوا: لا جلد له يتسلخ.
وفي رواية قالوا: يطهر بالدباغ.
وفي رواية قالوا: لا يطهر بالدباغ.
ونحن ندل على أصل وهو: أن الكلب نجس العين، بدليل حديث أبي قتادة، كنت أسكب الوضوء ... الخبر.

مسألة

قال الشافعي: وإنما يدبغ الجلد بما تدبغ به العرب، والعرب إنما تدبغ بالقرظ والشب، وكذلك كل ما كان في معناه، مثل: العفص المسحوق وقشور الرمان، والبروق.
فيحصل الدباغ بذلك، ولا يختص بما تدبغ به العرب، كما في الاستنجاء.

قوله: ويتوضأ في جلود الميتة إذا دبغت.
قال رضي الله عنه: اعترض على الشافعي، فإنه ذكر جميع الجلود في أول الباب، ثم قال: وكذلك جلد ما لا يؤكل لحمه، ولا يحسن أن يعطف البعض على الجملة، وإنما يعطف على البعض.
قلنا: الشافعي: رحمه الله، إنما عطف هذا على معنى الخبر، وذلك أن الخبر إنما ورد في شاة ميمونة، فأراد أن يبين أن جميع الجلود تطهر بالدباغ حتى لا يظن ظان أن كل جلد لا يؤكل لحمه لا يطهر بالدباغ، خلافاً لما قال أبو ثور والأوزاعي، فقال الشافعي، كل جلد حيوان يدبغ فيطهر ذلك الجلد بالدباغ، إلا جلد الكلب والخنزير، فإن الكلب والخنزير نجسان في حال الحياة، والدباغ إنما يرد الجلد إل حاله الأولى.
قال الشافعي: ولا يطهر بالدباغ إلا الإهاب وحده، ولو كان الصوف والشعر والريش لا يموت بموت ذوات الروح، أو كان يطهر بالدباغ، كان ذلك في قرن الميتة وسنها، وجاز في عظمها، لأنه قبل الدباغ وبعده سواء.
قال القاضي حسين: إنما يطهر بالدباغ الإهاب وحده، فأما الشعر والظفر والسن لا يطهر بالدباغ.
وفي رواية المزني والربيع بن سليمان المرادي، أن الشعر فيه الروح والحياة، ويموت بموت ذات الروح.
وقال الشيخ أحمد البيهقي: قال الشافعي في الجامع: إن الشعر لا روح فيه.

وقال في كتاب الديات: إن الشعر لا روح فيه.
وحكي إبراهيم البلدي، عن المزني أن الشافعي رجع عن تنجس شعر بني آدم.
وفي رواية: رجع عن تنجس الشعور، فقد حصل فيها قولان فعلى القول الجديد: إن الشعر فيه الروح، يموت بموت ذات الروح، وينجس بالموت، ولا يطهر بالدباغ، وكذلك الظفر والسن والقرن.
والقول الثاني: إن الشعر لا روح فيه، فعلى هذا جميع الشعور يكون طاهرا، لا روح فيها، سواء أخذ منه في حال الحياة، أو بعد الوفاة إلا شعر الكلب والخنزير، فإذا قلنا بقول الجديد: إن الشعر فيه الحياة.

جارٍ التحميل