التعليقة للقاضي حسينصفحات 120-174

معناه: أريتنا مقدورك، فأرنا مرحومك، فإن قدرة الله تعالى لا تكون مرئية.
أو تقول: معناه من كتاب الشافعي.
كما قال تعالى هل عندكم من علم.
يعني من كتاب.
وكما روي عن ابن عباس أنه قال: يشتري لي علما بدرهمين.
يعني كتابًا.
وقوله: (ومن معنى قوله) قال القاضي الحسين: فإن قيل: المعنى إذا اختصر اختل، فما معنى هذا؟ قلنا معناه أن الشافعي رحمه الله تعالى، ذكر في المسائل معاني، واللفظ لفظ الوحدان، والمراد به الجمع، كما قال تعالى (والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات)، الآيات.
فلما استثني منه جماعة علمنا أن المراد منه الناس، لأن الجماعة لا يستثني من الواحد.
والمزني، لما رأي المعاني نقل أصحها، وأجود ما عنده، ويجوز أن يكون في المسألة معان، كما يقال: كل امرأة منكوحة مرتدة فنكاحها حرام لمعان.

وجواب آخر: معني قوله: (من معنى قوله) يعني: على معنى قول الشافعي وذلك أن المزني نقل مسائل كثيرة تخريجًا على معنى قول الشافعي كما نقول في الشركة والضمان والحوالة، ويجوز أن يكون من مكان على كما قال تعالى: ونصرناه من القوم الذي كذبوا بآياتنا.
الاية.

يعني: على الذين.
وكقوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) الآية.
يعني: مع أموالكم.
وقال الله تعالى (في جذوع النخل) الآية.
معناه: على جذوع النخل.
وكما يقال: الذود إلى الذود إبل.
معناه: مع الذود إبل قوله: لأقربه على من أراده.
قال القاضي حسين: التقريب المراد به التسهيل والتيسير، وقد يكون المراد به الإدناء.
فإذا كان المراد به التقريب من الإدناء، فتكون صلته إلى.
كما قال الله تعالى فقربه إليهم، الآية.
وإن كان المراد به التسهيل والتيسير، فتكون صلته على.

كما يقال: قرب الله عليك الخطا معناه: سهل الله عليك السفر.
ومعناه: لأسهل هذا الكتاب على من يريد هذا الكتاب.
وقوله: مع إعلامية نهيه عن تقليده.
قال القاضي حسين: لا خلاف في أن قوله: إعلامي، الياء راجع إلى المزني.
وأما الإعلام إلى من يرجع، منهم من قال: يرجع إلى (المزني).
معناه: مع إعلامية المتعلم نهي (الشافعي) عن التقليد.
والهاء الأولى ترجع إلى المريد، والهاء الثانية في نهيه راجعة إلى المريد.
معناه: أن المتعلم منهي عن التقليد.
وقيل: كلا الهائين يرجع إلى (الشافعي) رحمه الله والأظهر أن الهاء الأولى ترجع إلى المتعلم، والهاء الثانية راجعة إلى الشافعي.
والإعلام، مصدر تارة يضاف إلى الفعل، وتارة يضاف إلى المفعول، فإذا أضفت إلى الفاعل، فالمزني يكون معلما.
يعني مع إعلامي المتعلم أنه نهي عن التقليد، وإذا أضفناه إلى المفعول فالمزني يكون معلما.
ومنهم من قال: معناه، مع إعلام الشافعي إياي النهي عن التقليد وقوله: نهيه يكون مصدرًا على ما ذكرت، ومعناه، مع إعلام الشافعي نهيه.
يعني: منهيه عن التقليد فإن قيل: قد قلتم: إن المزني، رحمه الله قصد بذلك التسهيل والتيسير، وأي تيسير في هذا التدقيق الذي قلتم؟ قلنا: العرب تستحسن أن تذكر اللفظ الوجيز يتضمن معاني كثيرة:

كقول الشاعر: بكرت على عواذلي ... يلحينني وألومهنه ويقلن شيب قد علا ... ك وقد كبرت فقلت إنه يحتمل انه ليس كما قلن، ويحتمل أن معناه: كما يقلن، ويحتمل أن ذلك إنما يكون لزيادة قوة في.
ونهي الشافعي عن أن يقلد.
فإن قلتم: انتم قلدتم الشافعي رحمه الله قلنا: نحن ما قلدناه، وإنما أخذنا ذلك بالدليل.
والتقليد: قبول قوله من غير حجة.
فإن قيل: الشافعي نهي عن التقليد، وقلد زيد بن ثابت في

الفرائض، فقال: وعنه قبلنا أكثر الفرائض، وكذلك قلد عثمان، رضي الله عنه في مسألة بيع الحيوان بشرط البراءة عن العيوب قال: فالذي أذهب إليه: قضاء عثمان أنه يبرأ من كل عيب لم يعلمه، ولا يبرأ من عيب علمه، ولم يسمه له، ويقفه عليه، تقليدًا لعثمان.
قلنا: هو ما قلد زيدًا، وإنما قبل قول النبي صلى الله عليه وسلم لأنه قال: أفرضكم زيد، أقضاكم على، أقرؤكم أبي، أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ثم قال: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر.
وأما حديث عثمان فإن معه قياسا خفيا، وذلك لأن الشافعي قال: ولأن الحيوان يفارق ما سواه، لأنه يغتدي بالصحة والسقم، وتحول طبائعه، وقل ما يبرأ من عيب يخفي أو يظهر.
قوله: لينظر فيه لدينه.
قال القاضي حسين: معناه: أن الشافعي نهي عن التقليد، ولكن يأخذ المسائل بالحجة حتى لا تزل قدمه عن ذلك، فإنه لو أخذ من غير الدليل، فربما تزل قدمه عن قريب.
قوله: ويحتاط لنفسه.

قال القاضي حسين: معناه، أنه يأخذ منه المذهب بالحجة والبيان، والعنى، دون الأخذ بالتقليد، ومن غير الدليل، فإنه يوبق نفسه بالنار.
قوله: وبالله التوفيق.
ومعناه التوفيق من جهة الله تعالى والتوفيق ماذا؟ منهم من قال: التوفيق: تسهيل سبيل الخير، وسد سبيل الشر والخذلان تسهيل الشر، وسد سبيل الخير.
يقال: وفقك الله.
معناه جعل الله تعالى فعلك وقولك وفق رضاه وقيل: التوفيق درك الأسباب ومعرفة الصواب وقيل التوفيق الوقوع على الخير من غير استعداد له.
وإنما قصد بذلك المزني حتى لا يزل إلى الاعتزال، فإن المعتزلة.

يقولون: الخير من الله، والشر إنما يكون من جهتك، وليس من جهة الله تعالى وهذا خطأ، بلا كلاهما من جهة الله تعالى وبإرادته، إلا أنه لا يرضى بالشر.
وقد قيل: توفيق المتعلم في أربعة أشياء: في ذكاء القريحة، واستواء الطبيعة، ومعلم ذي نصيحة، وشدة العناية.
وقيل ليزدجمهر: بم أدركت ما أدركت، قال: ببكور كبكور الغراب، وصبر كصبر الحمار، وحرص كحرص الخنزير، وتملق كتملق الهرة.
وقال الشيخ الإمام سهل، رحمه الله عليه: عليك بالهمة، فإن الهمة مستتبعة للجد، والجد لا يتأخر عن الجد، والله أعلم بالصواب.

فصل في التقليد

قال رضي الله عنه: التقليد اشتقاقه من القلادة، فإن قبلت قول المجتهد من غير دليل ولا حجة، فإنك قلدته خيره وشره، ولا خلاف أن ما يؤخذ من الله تعالى لا يسمى تقليدًا.
ولا خلاف أن ما يؤخذ من غير النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة والتابعين، يسمى تقليدًا.

لأن الشافعي قال في كتاب أدب القاضي، فإما أن يقلده، فلم يجعل الله ذلك لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما ما يؤخذ من جهة النبي عليه السلام هل يسمى تقليدًا أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: يسمى تقليدًا.
والوجه الثاني: أن ذلك لا يكون تقليدًا، لأن التقليد إنما يكون قبول قول من يخبر عن الصدق وعن الكذب، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يخبر إلا عن صدق.
وهذا بناء على أصل: وذلك أن التقليد ماذا؟ منهم من قال: التقليد: قبول قول من لا يجب عليك قبول قوله.
فعلى هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم، لا يكون تقليدًا، لأنه وجب علينا قبول قوله.
وقيل: هو قبول قول الغير من غير حجة، وهو ممن يجوز عليه الغلط والغفلة ويقر على الخطأ، فعلى هذا أيضا قبول قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون تقليدًا، لأنه عليه السلام لا يقر على الخطأ.
ومنهم من قال: التقليد: قبول قول من لا يدري من أي موضع يقول: فعلى قول هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم يكون تقليدًا لأنا لا ندري أنه عليه

السلام، كان يخبر عن وحي من جهة الله تعالى أو من إلهام ألهم، أو من جهة قياس استنبطه من جهة نفسه.
والناس في التقليد قسمان: عالم، وعامي أما العالم، نعني بذلك، من بلغ رتبة الاجتهاد، وإن شذ أشياء من العلم لا اعتبار له.
فأما العامي، فرضه التقليد بدليل الكتاب والسنة.
أما الكتاب قوله تعالى (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) الآية.
فأمر بالسؤال إذا كان الرجل جاهلا.
والخبر ما روي جابر بن عبد الله، أن رجلا من الصحابة كان في بعض الغزوات، فأصابته شجة، فاحتلم تلك الليلة، فسأل الصحابة، هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: لا نجد لك رخصة في التيمم، فاغتسل فدخل الماء في جرحه، ثم سى إلى النفس، ومات فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال عليه السلام: قلتوه قتلهم الله، هلا سألوا إذ جهلوا، إن شفاء

العي السؤال فإنه يكفيه أن يعصب عصابة على رأسه ويمسح عليه، ويغسل ما قدر عليه ويتيمم لأجل ما تحت العصابة.
فأما العامي يجب عليه أن يجتهد حتى يميز بين الفقهاء وبين العوام، ويميز بين الأفقه والأورع، فإنه يمكنه ذلك.
فإن لم يجتهد وسأل فلا يجوز له أن يعمل بقول المفتي.
والدليل على ذلك قصة الشيخ (القفال) رضي الله عنه، وذلك أنه مر بصف الحدادين بـ (مرو) فاستبله رجل فسأله عن مسألة، فقال له من أنا، فقال: لا أدري، فقال لا يجوز ذلك أن تعمل بقولي ما لم تعلم أني أفقه أهل بلد مرو، وأني ذلك القفال الذي يقول أهل بلد مرو إنه أفقه أهل بلد مرو.
ومنهم من قال: لا يجب على العامي الاجتهاد، ولأنه ليس له آلة الاجتهاد،

فإذا سأل أي فقيه كان، جاز له أن يعمل بقوله، فلو كان في البلد فقيهان: فقيه أفقه ورع، وفقيه اورع.
فالأفقه الورع أولى في الفتوي من الأروع الفقيه، وفي باب الإمامة للصلاة الأورع الفقيه أولى من الأفقه الورع.
والفرق بينهما أن الإمامة سفارة بينه وبين الله تعالى - إنما يرشح للسفارة من كان اوجه، وأعلى مرتبة عند الله تعالى ودرجة الأورع والأتقي أعظم عند الله تعالى لقوله تعالى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) والأفقه الورع أولى في الفتوى من الأورع الفقيه، وذلك لأنه يحتاج إلى استنبط المعاني، فلو كان في البلد فقهاء، وواحد منهم مجتهد، فيتعين على المجتهد الفتوي، ولا يجوز للغير أن يفتن، لأن المجتهد يكون كالنص، ولا يتعين على المجتهد أن يجيب على مذهب، بل يفتي بما بلوح عنده من الدليل، ولو كان في البلد فقيهان يستويان في الفقه وفي الورع، هل يجب عليه أن يجتهد نوع اجتهاد حتى يطلع على أفههما وأورعهما أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجب عليه أن يجتهد، وله أن يسأل أيهما شاء.
والثاني: يجتهد؛ لأن ذلك يصير معلومًا بالتسامع فيما بين الناس أيهما أفقه، وأيهما أورع.

ولو كان في البلد فقيهان، وسأل أحدهما، فله أن يعمل بقوله: ولا يجب عليه أن يسأل الآخر، فلو أنه سأل الآخر ينظر أن اتفقا فنعما، وإن اختلفا، فيه وجهان: أحدهما: أن يأخذ بقول أيهما شاء.
والوجه الثاني: يأخذ بالأحوط والحظر.
فلو كان في البلد فقيه ثالث لا يجب عليه أن يسأله، فلو أنه سأله، إن اتفق قول اثنين فيقبل قولهما، ويقع به الترجيح، وإن اختلف قول الكل، فيه وجهان كما ذكرنا.

مسألة: [العامي هل له مذهب أم لا]

العامي هل له مذهب أم لا؟ اختلفوا فيه، منهم من قال: العامي لا مذهب له، لأنه لا يعرف الدلائل في المسألة، ففرضه التقليد، فعلى هذا له أن يسأل أي فقيه كان سواء كان شفعويا أو حنفيا.
وقال الشيخ القفال رحمه الله عليه، العامي له مذهب، فإن كان شافعيا فليس له أن يقبل قول الحنفي، لأنه لما ميز بين مذهب ومذهب، واختار مذهبا على مذهب تبين عنده بالدليل أن له مذهبا، حتى لو كان في البلد شفعوي، وذاك حنفي ليس له أن يقبل قول الشفعوي، وعلى عكسه عكسه.

بل يجب عليه أن يسأل حنفيا إن كان ببلد آخر حتى يفتي له على مذهبه.
العامي إذا سأل مسألة لفقيه، فإذا وقع له تلك الحادثة، مرة أخرى، هل يحتاج إلى أن يجدد السؤال عنه كل مرة أم لا.
ينظر إن كان المفتي أفتى وأخبره بأني أفتي عن نص من جهة الله تعالى ومن جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إجماع أو قياس جلي، فلا يجب عليه أن يجدد السؤال عند كل حادثة، وإن لم يخبره بأني أفتى عن نص، أو أفتاه بقياس من جهة نفسه، فليس له أن يعمل بذلك ما لم يسأله ثانيا، بل يجب عليه أن يجدد السؤال عند كل مرة، لأن المفتى إذا سأله رجل عن هذه المسألة يجب عليه أن يجدد الاجتهاد عند كل مرة.
ولو كان العامي الذي سمع مسألة من مفتى يخبر الغير بذلك، هل يجوز لذلك الرجل أن يعمل بقوله؟ ينظر إن أخبره القاضي، أو المفتي من نص من جهة الله تعالى أو من جهة النبي صلى الله عليه وسلم جلي، يجوز لذلك الرجل أن يعمل بقوله ويكون مقلدًا للمفتي، وإن لم يخبره عن نص من جهة الله تعالى، أو من جهة النبي صلى الله عليه وسلم أو قياس جلي، فليس لذلك الرجل أن يعمل بقوله، بل عليه أن يسأل الفقيه هذا كما نقول في الأعمي، فإن عليه أن يقلد البصير في القبلة، فإن كان أعمي في مسجد، وكان هناك محراب دله على القبلة فعند كل صلاة لا يحتاج إلى أن يجدد السؤال عن القبلة، فإما إذا كان على مفازة، يجب عليه أن يجدد تقليد البصير في القبلة عند كل صلاة، لأن البصير يجدد الاجتهاد عند كل صلاة إذا كان في المفازة.

مسألة: العامي عند تقليد المفتي هل يسمى مقلدًا؟

العامي إذا قلد المفتي، هل يسمى هذا مقلدًا أم لا؟ قال الشيخ رضي الله عنه وأرضاه، عامة أصحابنا على أنه يكون مقلدًا، وحكي عن الأستاذ أبي القاسم الإمام، ولعله حكي عن الأستاذ الإمام أبي إسحاق الإسفرايني رحمه الله عليهما أن العامي إذا سأل فقيها عن مسألة فلا نسميه مقلدًا، لأنه اجتهد حتى ميز بين مذهب وبين مذهب، وميز بين الفقهاء والجهال، وميز ين الأفقه والأورع، فإنه بذل جهده، وطاقة وسعه بما أمكنه ذلك، فيكون هذا كالعالم إذا عرف المسائل بالدلائل، فلا يكون مقلدًا، كذلك هذا مثله.
فأما العالم فرضه أن يعمل بعلم نفسه، ولا يجوز له أن يعمل بقول الغير ويقلده، لأن العالم له آلة الدرك والاجتهاد.
ونعني بالعالم: أن يكون عالما بالكتاب والسنة، وأقاويل الصحابة، وآثار التابعين، وإجماع المسلمين، واختلافهم، ووجوه القياس، ولسان العرب.

فأما الكتاب: ينبغي ان يعرف ناسخه ومنسوخه،

وخاصه،

وعامه،

ومطلقه،

ومقيده،

ومجمله ومفسره، وأقاويل الصحابة والأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويعرف كيفية ترتيب الكتاب على السنة، والسنة على الكتاب، ويعرف وجوه القياس، ولكن إنما يشترط هذه الشرائط أن يعلم جُلَّ هذه الأشياء ومعظمها، ولا يتصوَّر في زماننا أن يكون شخص يتعلم هذه العلوم.
فإذا بلغ الرجل محل الاجتهاد، فله أن يجتهد في المسائل، ويفتي على ما أدى اجتهاده إليه من جهة نفسه، وليس للعالم أن يقلد الغير ليفتي الغير قولاً واحدًا، فلو وقعت له حادثة ينظر إن كان في الوقت سعة، فليس له أن يقلد الغير قولا واحدًا، فأما إذا كان في الوقت ضيق، وخاف فوته، وأشكل عليه ذلك، هل يجوز له أن يقلد العالم أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: يجوز له أن يقلد الغير.
وحكي عن ابن سريج، أنه قال: لو نزلت بي نازلة، وضاق وقتها،

وخفت فوت الواجب علي فيها، فلي أن أقلد من هو في مثل حالي، ولأنه إذا لم يتفرغ إلى معرفته بالدليل، ويفوت الفريضة عن وقتها يجعله كالعامي في هذه الحادثة، فجاز له التقليد، فإذا قلت له التقليد فإنه يقلده.
ولا يجب عليه القضاء بعد ذلك، وإن بان من بعد أنه كان مخطئًا، لأن الاجتهاد لا ينقض بالإجتهاد.
وحكي أن ابن سريج كان يقلد الملاحين في القبلة.
والوجه الثاني: ليس له أن يقلد الغير؛ لأن له آلة الدرك والاجتهاد، وبخلاف العامي، فعلى هذا يصلي على التخمين، وعليه القضاء، كمن اشتبه عليه جهة القبلة، وصلى إلى جهة من غير دليل، فيجب عليه القضاء، وإن بان من بعد أنه كان مصيبًا.
وكذلك الأعمى إذا لم يجد من يدله على القِبلة، وصلى إلى جهة عليه القضاء كيف ما كان.

مسألة

إذا كان رجل في بلد وكان عاميًا، وكان هناك فقيهان، شفعوي وحنيفي، فعلى مذهب بعض الناس، ليس للعامي مذهب، له ان يسأل أيهما شاء، وعلى مذهب القفال، وهو الأصح أن له مذهبًا، فعلى هذا إن كان الرجل شفعويا يجب عليه أن يسأل الإمام الشفعوي، وليس له أن يسأل الحنيفي، وعلى عكسه عكسه، فإذا سأل الإمام الشفعوي يجب عليه أن يفتي على مذهب الإمام الشافعي، وليس له أن يفتي على مذهب أبي حنيفة، لأنه إنما تعمق في معاني مذهب الشافعي، وتبحر فيه، وما تعمق في معاني مذهب أبي حنيفة، وعلى عكسه عكسه.
وقال رضي الله عنه: عندي أنه إذا كان في البلد فقيهان فإنه يسألهما، ويأخذ الأحوط، وما فيه الاحتياط أكثر والله تعالى أعلم بالصواب.

فصل في الإجماع

يجب أن يعلم أن إجماع المسلمين يكون حجة مقطوعًا بها عند عامة

المسلمين، إلا ما حكي عن بعض الزنادقة أن الإجماع لا يكون حجة،

والدليل عليه قوله تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدي ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم).
فدل على أن الإجماع حجة، وقوله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا) وقوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف).

فالله تعالى مدح هذه الأمة بأنهم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فدل على أنهم لا يجتمعون على الضلالة.
يدل عليه قوله عليه السلام: لا تجتمع أمتي على ضلالة، الحديث وروى أنه عليه السلام قال: إن الله تعالى لا يجمع أمتي على الضلالة.
وروى أنه قال: المسلمون شهداء الله في الأرض فما رآه المسلمون حسنًا، فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا، فهو عند الله قبيح.

ولأن المسلمين مع اختلافهم هممهم، وتفاوت عقولهم، وتباين آرائهم لا يجتمعون على شيء، إلا ويكون الحق معهم لا محالة.
فلو أنهم أجمعوا على شيء إلا واحدًا منهم.
قال الشيخ: لا يكون الإجماع منعقدًا.
وقال أهل الأصول: إن ذلك يكون إجماعًا، لأن الاعتبار بالأكثر.
وقال عليه السلام: (عليكم بالسواد الأعظم).
وهكذا لو خالفهم اثنان أو ثلاثة.
ثم الإجماع على قسمين: إجماع من يعرفه الخاص والعام، وإجماع صدر عن شيء يعرفه الخاص دون العام.
فأما ما يعرفه الخاص والعام كما نقول في فرائض الصلاة، وسنن الرابتة وصلاة العيدين، فمن خالف هذا الإجماع يكفر.
والإجماع الذي يعرفه الخاص دون العام مثل مسألة العول، ونكاح المتعة، وبيع الدرهم بالدرهمين، فمن خالفه فإنه يفسق ويخطأ، ولا يكفر.

والإجماع تارة يكون إجماعا اتفقوا عليه ابتداء، كما نقول في الصلاة.
وتارة يكون في الابتداء كان مختلفا فيه، ثم أجمعوا عليه، كما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قبض إلى رحمة الله تعالى، اختلفوا في موضع دفنه،

صلوات الله وسلامه عليه حتى روى أبو بكر خبرًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الأنبياء إنما يدفنون حيث يموتون، فرجعوا إلى قول أبي بكر، رضي الله عنه.
وكذلك اختلفوا في توريث النبي صلى الله عليه وسلم حتى روى الصديق رضي الله عنه خبرًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنا معاشر الأنبياء لا نورث، فرجعوا إلى قوله، وكذلك اختلفوا في قتال مانعي الزكاة، حتى روى الصديق رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا، لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها.
فقال: أبو بكر، هذا من حقها، فرجعوا إلى قوله.
ونعني بالإجماع، إجماع من كان من أهل الحل والعقد.

فأما أن يتوهم أن بأقصى الصين ففيها لا اعتبار بهذا التوهم، حتى إن المسلمين لو اجتمعوا على شيء، ثم بلغوا إجماعهم فقيهًا بأقصى الصين، فلا يجوز له مخالفهم.
والإجماع على نوعين: إجماع صادر عن نص من جهة الله تعالى أو من جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن قياس جلي، فمن خالف هذا الإجماع يكفر.

فمن اعتقد أن عائشة رضي الله عنها زنت يكن كافرًا بالله سبحانه، لأن الله تعالى، أنزل الآية في براءة ساحتها عن الإفك.
وإجماع صدر عن قياس خفي، كما نقول في خلافة أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، لما توفي اختلفوا فيه، فقالت الأنصار- منا أمير ومنكم أمير، فقال المهاجرون الأمير منا.
حتى اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: لما ارتضى النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا؟ فقاسوا إمامة الدنيا على إمامة الدين، وهذا قياس خفي.

وهل هذا يكون حجة مقطوعًا بها؟ فوجهان: أحدهما: لا، لأن الأصل الذي قيس هذا عليه لم يكن مقطوعًا، به، كذا هذا.
والوجه الثاني: الأصح أنه يكون حجة مقطوعًا بها.

فإذا قلنا: يكون حجة مقطوعًا بها، فمن خالفها يكون كافرًا.
فصل الصحابة إذا قالوا قولا لا يخلوا إما أن ينتشر فيما بين الصحابة، أو لم

ينتشر فإن لم ينتشر فيما بينهم ينظر إن كان معه قياس خفي، فيقدم ذلك على القياس الجلي قولا واحدًا.
وكذلك إذا كان معه خبر مرسل، فأما إذا كان قول الصحابي متجردًا عن القياس، هل يقدم القياس الجلي، على ذلك أم لا؟ فيه قولان: فعلى قوله الجديد: يقدم القياس الجلي عليه.
وعلى قوله القديم: يقدم قول الصحابي على القياس الجلي، وعلى هذا يفسر به المجمل، ويخص به العموم، لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم).

وقال عليه الصلاة والسلام: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ).

وروي أنه قال عليه السلام: (اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر) ولأن لهم فضيلة مشاهدة الوحي، وفضيلة مشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الله تعالى: (رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا) الآية.
فأما وجه قوله الجديد: أن القياس يكون حجة من حجج الله تعالى، لاح لنا وجهه وأما قول الصحابي لم يلح لنا وجهه.
ولأن الصحابي ممن يجري عليه الخطأ والسهو، ويقر على الخطأ، فلا يجوز أن نترك القياس الذي لاح لنا وجه بقول من لم يلح لنا وجهه.
فأما إذا انتشر فيما بين الصحابة لا يخلو إما أن يكون ذلك من طريق الفتوي، أو من طريق القضاء.
فإن كان ذلك من طريق الفتوي، فإن ذلك يكون حجة مقطوعًا بها.
وهل يسمى ذلك إجماعًا أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى، لأن الظاهر أنه لو كان ذلك القول خلاف الكتاب أو السنة أو القياس الجلي، فإنهم يظهرون المخالفة، ولا يكتمون ولكن إنما يشترط انقراض العصر على ذلك قولا واحدًا.
والوجه الثاني: لا يكون ذلك إجماعًا، لأنه يحتمل أن واحدًا منهم كان يعتقد بخلاف ذلك، ولكن لا يظهر ذلك.

ولأن الشافعي قال: ولا ينسب إلى ساكت قول.
وإنما يعني بالإجماع: إجماع من كان من أهل الحل والعقد في زمانهم، ولا اعتبار بإجماع العوام، وإنما يشترط إجماع من تيقنا، أنه موجد في دار الإسلام، ولا اعتبار بالتوهم كما بينا.
فأما الصحابي إذا قال قولاً، وانتشر ذلك فيما بين الصحابة، ولكن صدر على طريق القضاء، فما حكمه؟ من أصحابنا من قال: فيه وجهان، كما ذكرنا في القسم الأول.
أحدهما: يكون حجة.
والثاني: لا يكون حجة.
ومن أصحابنا من قال: إن هذا لا يكون حجة قولا واحدًا، لأن القاضي لا سطوة يهاب من سطوته.
والدليل عليه أن ابن عباس أظهر الخلاف في مسألة القول بعد وفاة عمر، فقيل له: هلا أظهرت الخلاف في زمانه؟

جارٍ التحميل