التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف علي مذهب أحمدصفحات 93-132

هدي الإحصار عن المحجوج عنه، كما تسقط نفقة الرجوع، وقد قلت: إنه لا يسقط.
على أن ابن منصور روى عن أحمد في رجل أمر رجلاً أن يرمي عنه، وهو مريض، فنسي الذي أمر حتى رجع إلى مصره: قد أساء المأمور، لكن الدم على الآمر، ذكرها أبو حفص البرمكي في ((مجموعه)).
واحتج بأنه يفتقر في أدائه إلى قطع مسافة، أشبه إذا جاهد عن غيره: أنه يقع عنه، ويلحق الآمر أجر النفقة.
والجواب: أن الجهاد لا تصح الاستنابة فيه، فلهذا لم تصح النيابة، والحج بخلافه.

24 -

مسألة

لا يجوز الاستئجار على الحج، ولا على الطاعات، كالإمامة، والأذان، وتعليم القرآن:

وإنما تصح النيابة في الحج بنفقة يأخذها من غيره، فإن فضل منها شيء رده.
وقد نص على ذلك في الأذان، وذكرناه في كتاب الصلاة، وكذلك الإمامة، ونص على تعليم القرآن، ويأتي ذكره في كتاب

الإجارات، إن شاء الله.
ونص في الحج- أيضاً- في رواية أبي طالب، وقد سئل عن الأجراء الذين يحجون عن الناس، فقال: ما سمعنا أحداً استأجر من يحج عن الميت.
وقال في رواية ابن منصور- وذكر له قول سفيان: أكره أن يستأجر الرجل عن والديه يحج عنهما- فقال أحمد: نحن نكره هذا، إلا أن يعينه في الحج.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وذكر أبو إسحاق في ((تعاليقه)) كلاماً يدل على جواز أخذ الأجرة، فقال: لا يجوز أن يؤخذ على الخير أجر.
ثم قال: فإن قيل: على هذا فالحج عن الغير يجوز أن يؤخذ عليه الأجر.
فالجواب: أن أفعال الخير على ضربين: ما كان فرضاً على العامة وغيرهم، مثل الأذان، والصلاة، وما أشبه ذلك، لا يجوز أن يجوز أن يؤخذ عليه أجر.

وما انفرد به من يحج عنه، فهو جائز، مثل فعل البناء لبني المسجد، يجوز أن يأخذ عليه الأجرة؛ لأنه ليس بواجب على الذي يبني بناء المسجد.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية عبد لله، وقد سأله فيمن يكري نفسه للحج، ويحج: لا بأس.
ونقل الكوسج عنه: يكري نفسه ويحج، ذكر ذلك أبو حفص البرمكي في ((مجموعة)).
وبهذا قال مالك والشافعي.
وجه الأولى: قوله تعالى:} مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ {[الشورى:20] الآية.
والآخذ إنما يريد حرث الدنيا، فيبطل ذلك القربة.
ولأنه أخذ العوض، فتبطل القربة المقصودة بالعمل، بدلالة العتق على مال لا يجوز عن الكفارة.
ولأنها عبادة على البدن، فلا يجوز الاستئجار على فعلها.
دليله: الصلاة والصيام، وعكسه: الزكاة.
فإن قيل: المعني في الأصل: أنه لا تصح النيابة فيه، وليس كذلك الحج؛ لأنه تصح النيابة فيه.
قيل: إذا جاز أن ينوي في الحج، جاز الاستئجار عليه؛ لأن الإمام يستنيب القاضي في الأحكام، ولا يجوز أن يستأجره، والأعمال المجهولة

تصحُّ النيابة فيها، ولا يصح الاستئجار، ويستخلف الإمام في الصلاة إذا أحدث، ولا يجوز أن يستأجر على ذلك.
ولأن من شرط الحج أن يكون قربة لفاعله، فلا يجو الاستئجار عليه.
دليله: ما ذكرنا.
وعكسه: تفرقة الزكاة، وليس من شرطه أن يكون قربة لفاعله؛ لأنه لو استناب كافراً يفرق زكاة ماله على الفقراء، أجزأ عنه على اختلاف في المذهب، كما إذا ستناب الذمي في ذبح أضحيته، صح على اختلاف الروايتين.
فإن قيل: إنما لم يصح من الكافر؛ لأن من شرط صحة الحج أن يقع على وجه القربة، ولا تحصل القربة بفعل الكافر، وليس كذلك المسلم؛ فإنه من أهل القربة، فالقربة تقع بفعله.
قيل له: إذا أخذ الأجرة خرج عن أن يكون فربة، كالعتق بعوض يخرج عن أن يكون قربة.
فإن قيل: أخذ العوض] لا يخرجه عن [أن يكون قربة، كما لم يسلبه أخذ الرزق عن أن يكون قربة، وكما لم تخرج الزكاة عن أن تكون قربة بالاستئجار على فعلها، وذبح الهدي.

قيل له:] أخذ الرزق لا يصح [في الحج، وإنما صح في الأذان والقرآن؛ لأن ذلك الرزق ليس في مقابلة العلم، وإنما يأخذه؛ لأنه له حق في بيت المال، ولهذا المعنى يستحقه الغني والفقير.
[ويبين صحة] هذا، وأنه ليس بمعاوضة: أنه لا يختص بزمان معلوم، ولا بمقدار من الأجرة معلوم، ولو كان عوضاً اختصه.
وأما أخذ الأجرة على تفرقة الزكاة وذبح الأضحية فلما بينا، وهو أنه لا تختص أن تكون قربة لفاعلها، ولهذا يصح أن يفعلها الكافر.
واحتج المخالف بأنه عمل تدخله النيابة، فجاز عقد الإجارة عليه.
أصله: بناء المساجد، وعقد القناطر، والرباطات، وغير ذلك من الأعمال.
والجواب: أن الأعمال المجهولة تدخلها النيابة، ولا يصح عقد الإجارة عليها.
ثم المعنى في تلك الأشياء: أنه ليس من شرطها أن تكون قربة لفاعلها، ولهذا يجوز أن يتولاها الكافر، وفي مسألتنا من شرط الحج أن يكن قربة لفاعله، فلم يجز الاستئجار عليه.
دليله: ما ذكرنا.

واحتج بأن ما جاز أن يفعله الغير تطوعاً، جاز أن يفعله بعقد إجارة.
دليله: تفرقة الزكاة، والأضحية.
والجواب: أن عسيب الفحل يجوز أن يفعله الغير عن الغير تطوعاً، ولا يفعله بعقد إجارة، وكذلك الإمامة الكبرى.
ثم المعني في الأصل- وهو الزكاة والأضحية- ما ذكرنا، وهو أنها ليس من شرطها أن تكون قربة لفاعلها، وهذا بخلافه.

25 -

مسألة

فإن أخذ نفقة؛ ليحج بها عن غيره، فصد الآخذ بعذر، أو موت في بعض الطريق، لم يلزمه ضمان ما أنفق:

نص عليه غي رواية ابن منصور في رجل أعطي دراهم يحج بها عن إنسان، فمات في بعض الطريق، فليس عليه شيء مما أنفق، ويحجون بالباقي من حيث بلغ هذا الميت.
وقال في رواية المأموني وأحمد بن الحسين فيمن أخذ مالاً ليحج به، فضاع منه، أو قطع عليه الطريق: لا يغرم.

وقال مالك: ما أخذه على وجه الإجارة، فله من الأجرة بحساب ذلك.
وقال الشافعي: إن لم يأت بشيء من المقصود- الذي هو الحج- لا يستحق شيئاً.
وإن مات بعد أن أتى ببعض أركانه فهل يستحق، أو لا؟ على قولين.
دليلنا: أن النفقة دفعت إليه ليقطع بها المسافة التي لا ينفك الحج منها، وجميع أفعال الحج،] صح أن لا يضمن [ما أنفق في بعض المسافة، ويحسب به، كما لو حصل المقصود.
] يبين صحة هذا: أن [النفقة تختلف باختلاف المسافة؛ طولها وقصرها، فعلم أن النفقة على مقابلها، ومقابلة ما يليها من الأفعال.
فإن قيل: المسافة غير مقصودة، وإنما هي سبب إلى العمل المقصود، فهو كما استأجره ليخبز له، فأحضر الدقي والماء والحطب، وسجر التنور، ولم يخبز، لم يستحق شيئاً من الأجرة، وكذلك لو استأجره لبناء دار، فقدم الآلة وما يحتاج إليه للبناء، ولم يبن، لم يستحق شيئاً، كذلك هاهنا، إنما دفع إليه النفقة؛

ليحصل المقصود [وما حصله].
قيل: قطع المسافة مقصود عندنا، ولهذا نقول: إذا مات قبل أن يحج وجب إخراج نفقة من يحج عنه من دويرة أهله، لا من الميقات، فإذا أنفق في بعض الطريق، فقد حصل بعض المقصود الذي كان يلزمه فعله من ماله.
ثم مثال الحج من الخبز والبناء أن يتأهب للخروج والسير بالذهاب والمجيء من بلده، ويشتري ما يحتاج إليه، فلا يحسب له شيء من النفقة، فأما إذا شرع في السير، فمثاله أن يلصق الخبز في التنور قبل نضاجه، فيستحق الأجرة، أو يبني بعض البناء، فينهدم، أو يمتنع، فيستحق الأجرة.

26 -

مسألة

فإن أخذ مالاً؛ ليحج به عن ميت، فقرن، لم يضمن النفقة، وكان دم القران في مال الحاج:

نص عليه في رواية حنبل: إذا قرن أو تمتع، فالدم في ماله، والحج والعمرة عن صاحب المال.

قال أبو حنيفة: يضمن النفقة.
دليلنا: أنه قد أتى بالمأمور به وزيادة، فلم يضمن، كما لو أفرد الحج والعمرة.
فإن قيل: إنما ضمن؛ لأنه خالف ما أمره به.
قيل: قد أتى بالمأمور وزاد، فهو كما [لو] قال له: بع بعشرين ديناراً، فباع بزيادة على ذلك.

27 -

مسألة

إذا أمره أن يحج عنه، وأمره آخر بمثل ذلك، فأهل بحجة عن أحدهما، لا ينوي واحداً منهما بعينه، وقع إحرامه عن نفسه، وليس له أن يصرفه إلى واحد منهما:

وهذا ظاهر كلامه في رواية بكر بن محمد: إذا حج عن رجل يقول في أول ما يلبي: عن فلان، فاعتبر التعيين.
وكذلك نقل حرب عنه فيمن أخذ حجة عن اثنين، فهو ضامن، وإن كان نوى أحدهما وسمى، فهو الذي نواه، وعليه الأخذ.
وقال - أيضاً - في رجل أخذ حجة من رجل، وحمله آخر؛ ليحج عن أمه: لم يجز، إلا أن يكون قد نوى.

وقال أبو حنيفة والشافعي: له صرفه إلى أحدهما.
دليلنا: أنه لم يعين الإحرام عن أحدهما، فلم يكن له صرفه إلى أحدهما.
دليله: لو أحرم طلقاً، لا عن أحدهما، فإنه يقع عن نفسه، ولا يصرفه إلى أحدهما.
ولأنه لو [أذنا له في] شراء سلعة، فاشترى لأحدهما لا يعينه، لم يكن له تعيينه.
واحتج المخالف بأن [الجهالة لا تمنع صحة] الإحرام، بدلالة أنه لو أحرم لا ينوي به حجاً ولا عمرة، انعقد إحرامه، وله [أن يصرفه إلى أيهما شاء، كذلك] إذا أحرم عن أحدهما لا ينوي واحداً بعينه.
والجواب: أنه ليس [من حيث صح إحرامه] بالمجهول، صح أن يحرم عن المجهول، ألا ترى أن الإقرار، يصح بالمجهول، ولا يصح [لمجهول؟ وكذلك] الوصية [تصح] بالمجهول، ولا تصح لمجهول.

وعلى أنه لا يمتنع أن يقع الإحرام [مطلقاً، ويعينه] بحج، أو عمرة، ولا يعينه لأحدهما، كما لو أحرم مطلقاً كان له أن يعينه بحج، أو عمرة، ولا [يكون له صرفه] إلى أحدهما.

28 -

مسألة

إذا حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه لم يجز عن الغير:

نص عليه [في رواية صالح وإسماعيل بن سعيد]: فقال في رواية صالح: لا يحج أحد عن أحد لم يحج عن نفسه، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة».
وقال في رواية إسماعيل - وقد سئل عن الصرورة أهل بالحج عن غيره - قال: لا يحج فإن فعل لا يجزئه ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن لبى عن غيره، وهو صرورة: «اجعلها عن نفسك».
فقد نص: أنه لا يجزئ عن الغير، واختلف أصحابنا: هل يقع

عن نفسه، أم لا؟ فقال ألخرقي: يقع عن نفسه.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو بكر في كتاب «الخلاف»: لا يقع عن نفسه، ولا عن غيره.
فعلى قوله لا ينعقد الإحرام.
وقال أبو حفص العكبري في «شرح ألخرقي «: ينعقد الإحرام عن المحجوج عنه، ثم يقلبه الحاج عن نفسه.
ونقل محمد بن ماهان في رجل عليه دين، وليس له مال: يحج الحج عن غيره حتى يقضي دينه؟ قال: نعم.
وظاهر هذا: جواز الحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه.
وقال أبو حنيفة ومالك وداود: يجزئ عن الغير.
فالدلالة: أنه لا يجرئ عن الغير: ما روى عبد الله بن بطة بإسناده عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة، فقال: «من شبرمة؟» قال: أخي، أو قريب لي، قال: «[هل] حججت قط؟» قال: لا، قال: «اجعل هذه عنك، ثم حج عن شبرمة».
وروي في لفظ آخر: «فعن نفسك فلب»

وفي لفظ آخر رواه أبو إسحاق الشالنجي قال: «لب - أو حج - عن نفسك، ثم عن شبرمة» وروي في لفظ آخر: «أيها الملبي عن فلان! لب عن نفسك، ثم عن فلان».
وروي [....]: «هذه عنك، ثم حج عن شبرمة».
وهذه الألفاظ كلها نصوص؛ لأنه منعه من الحج عن غيره، وعليه فرض الحج.
فإن قيل: قوله: «حج عن نفسك» يقتضي وجوب استئناف الحج عن نفسه، وعندكم أنه كان حاجا عن نفسه.
قيل له: قوله: «حج عن نفسك» معناه: استدمة عن نفسك؛ لأنه إذا قيل لمن هو متلبس بالحج: حج، معناه: استدم، كما قيل للمؤمن: آمن، معناه: استدم الإيمان.
فان قيل: قوله: «اجعلها عنك» يدل على: أن الإحرام كان واقعاً عن شبرمة؛ لأنه لو كان انعقد عنه لما احتاج أن يجعله عن نفسه.
قيل له: قوله: «اجعلها» كناية عن التلبية، وإشارة إليها؛ لأنه رآه

يلبي عن شبرمة، فقال: اجعل هذه التلبية عن نفسك؛ فإن الإحرام واقع عنك.
فإن قيل: فلم لا يون كناية عن الحجة؟ وقد تقدم ذكرها أيضاً؛ لأن في الخبر: «هل حججت عن نفسك؟» قال: لا، قال: «اجعلها عن نفسك».
قيل: إنه إنما وجب حمله على التلبية؛ لأنه قد صرح به في لفظ آخر، فقال: «أيها الملبي عن فلان! لب عن نفسك، ثم عن فلان».
وجواب آخر، وهو: أنه لو كان المراد صرف الإحرام عن شبرمة بعد انعقاده [عنه إلى نفسه]، لكان فيه فسخ حج إلى حج، وذلك غير جائز، فعلم أن المراد به: التلبية، أو المراد به: استدامة الإحرام عن نفسك.
فإن قيل: فسخ الإحرام كان جائزاً في ذلك الوقت، وهذه القصة كانت في حجة الودع، وقد أمر أصحابه بالفسخ لمن لم يسق الهدي.
قيل له: فسخ الإحرام كان ثابتاً على وجه مخصوص، وهو أن يفسخه إلى عمرة، فأما فسخ الحج إلى حج آخر، وفعله شخص عن شخص، فلم يكن ذلك جائزاً في الشرع، فلم يجز حمل الخبر عليه.
فإن قيل: قوله: «هذه عنك» فيه إضمار، يحتمل أن يريد: اجعل

هذه عنك، ويحتمل: هذه واقعة عنك.
قيل له: قوله:» هذه» إشارة إلى موجود، وهي الحجة التي أحرم بها، وعندك لا تكون هذه عنه، وإنما يكون مثلها عنه بإحرام مستأنف.
فإن قيل: فقد روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يلبي عن نبيشة فقال له: «هل حججت قط؟» قال: لا، فقال: «هذه عن نبيشة، ثم حج عن نفسك».
قيل: هذا غير صحيح.
قال: كان الحسن بن عمارة يروي هذا الحديث، عن عبد الملك ابن ميسرة، عن طاووس، عن ابن عباس، وكان وهم الحسن بن عمارة، ثم رجع في آخر عمره إلى الصواب من حديث شبرمة، وترك رواية حديث نبيشة.
والحسن بن عمارة ضعيف في الجملة.
وعلى أنهما لو تعارضا كان تقديم المشهور المتفق على صحته أولى.

والقياس: أنه لم يؤد فرض الحج عن نفسه، فلا يجوز أن يؤديه عن غيره، كالمراهق.
فإن قيل: المراهق لا ينعقد إحرامه، وحجه ليس بحج صحيح، ألا ترى أنه لو حج عن نفسه لم يجز؟ قيل له: لا نسلم هذا، بل عندنا أن حجه صحيح، كالبالغ.
فإن قيل: فالمعنى: أنه لا ينعقد نذره، وليس كذلك الصرورة؛ فإنه ينعقد نذره، فانعقد إحرامه عن غيره.
قيل له: علة الفرع تبطل بالمحرم؛ فإنه ينعقد نذره بالحج، ولا ينعقد إحرامه.
وعلى أنه إذا نذر لا يجب إحضاره مواضع النسك لتأديته، وليس كذلك الإحرام؛ فإنه يجب إحضاره مواضع النسك، وأمره بتأديته.
ولأنه لا ينعقد نذره، وينعقد لم سلامه، كذلك لا ينعقد نذره، وينعقد إحرامه.
[وأيضاً فإنه إذا حضر ذلك الموضع] تعين عليه أداء الفرض عن نفسه، فلا يجوز أن يؤدي عن غيره، كما لو حضر الوقعة، ووقف في صف القتال، ونوى أن يقاتل عن غيره، كان عن نفسه.

فإن قيل: لمَّا لم يجز أن ينوي القتال عن غره استوي فيه حكم المرة الأولى والثانية، وليس كذلك الحج؛ لأنه له أن ينوي عن غيره بعدما يحج عن نفسه مرة، كذلك الابتداء.
قيل له: إنما لم يجز أن ينوي بالقتال عن غيره في المرة الثانية؛ لأنه يتعين عليه بالحضور في الدفعة الثانية، وليس كذلك في الحج في الدفعة الثانية؛ لأنه لا يتعين عليه بالحضور، وفي الدفعة الأولى يتعين فكانت بمثابة كل حضور ينوى به الجهاد.
وأيضاً فإن الإحرام ركن من أركان الحج، فبقاؤه عليه يمنع أداءه عن غيره، كطواف الزيارة.
فإن قيل: الطواف موجب بالإحرام، والأصول فرقت بين موجبات الإحرام وبين الإحرام نفسه في أن حكم موجباته لا يتعين بالنية، ويتعين حكم الإحرام، ألا ترى أن موجبات الصلاة لا تتعين بالنية، ويتعين الإحرام؟ وبيان هذا: أنه لو أحرم بالصلاة بنيه النفل لم يجز صرف موجباتها - وهو الركوع والسجود - إلى الفرض، ولو أراد صرفها إلى الفرض قبل الإحرام بها صح، كذلك الطواف لا يجوز صرفه إلى غيره بعد أن تلبس بالإحرام عن نفسه، ويجوز قبل التلبس به.
قيل له: موجبات الصلاة تابعة لإحرامها، ألا ترى أنها لا تنفرد بنية، ولا بوقت، ولا بمكان؟ فجاز أن يكون الاعتبار بإحرام الصلاة، وليس

كذلك الطواف وغيره من أركان الحج؛ لأنه ليس في حكم التابع للإحرام، ألا ترى أنه ينفرد الطواف بنية؟ فلو طاف حول البيت لطلب غريم له لم يجزه، وكذلك ينفرد بوقت يخالف وقت الإحرام، وبمكان، فجرى في ذلك مجرى الإحرام، فلما لم يجز أداؤه عن غيره، وعليه فرضه، كذلك الإحرام به.
واحتج المخالف بما روى ابن عباس: أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي مات ولم يحج، أفأ حج عنه؟ قال: «أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟» قال: نعم، قال: «فدين الله أحق».
قال: فوجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأله: أحججت عن نفسك، أو لا؟ ولو كان الحكم يختلف لسأله.
والثاني: أنه شبهه بالدين، ومعلوم أن من كان عليه دين جاز أن يؤدى دين غيره.
وروي عن علي - عليه السلام - قال: استقبلت النبي صلى الله عليه وسلم جارية شابة من خثعم فقالت: إن أبي شيخ كبير قد أدركته فريضة الله في الحج، أفيجزئ أن أحج عنه؟ قال: «حجي عن أبيك».
ولم يسألها: أحججت عن نفسك، أم لا؟ والجواب: أنه يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم علم من حال السائل أنه

قد حج عن نفسه، فلهذا أجاز له النيابة عن أبيه.
وهذا هو الظاهر من حال الخثعمية، لأنها [سالت النبي صلى الله عليه وسلم بعد] منصرفه من المزدلفة إلى منى حيث كان الفضل رديفه، والظاهر من حال من يكون في ذلك الموضع: أنه قد حج، فلذلك لم يستفصل.
وعلى أن الخبر اقتضى السؤال عن جواز النيابة في الجملة، فأما مواضعه فغير مقصود بيانها به.
وأما تشبيهه بالدين، فإنما شبهه بقضاء الدين في حق من كان قد حج عن نفسه، والتشبيه في ذلك الموضع صحيح.
وعلى أن النبي صلى الله عليه وسلم شبه النفع الحاصل بقضاء الحج بالنفع الحاصل بقضاء الدين، فيحتاج أن يثبت قضاء الحج حتى يكون نفعه كنفع قضاء الديون.
واحتج بأن هذا مما تصح فيه النيابة، فوجب أن يجوز أداؤه عن غيره قبل أدائه عن نفسه، كالدين والزكاة.
ولا يلزم عليه طواف الزيارة، لأن التعليل لجواز أدائه من غيره قبل أدائه عن نفسه بحال، وهذا مستمر في الطواف، ولأنه إذا لم يكن محرمًا جاز له أن يحرم عن غيره، ويطوف عنه.
والجواب: أن [قوله]: (هذا مما تصح فيه النيابة) رجوع عن كلامه

في المسألة التي قبلها، وان الحج لا تدخله النيابة، وإنما يكون له ثواب النفقة، ونسأل الله حسن التوفيق.
مع أن الفرق بين الحج وبين الزكاة والكفارة والدين واضح، وذلك أن الاستنابة تصح في هذه الأفعال في جميع أحوال من وجب عليه، سواء عجز عن فعلها في نفسه، أو لم يعجز، كذلك لا تختص بحال للنائب دون حال، وليس كذلك الحج، فإنه لا يجوز أن يستنيب فيه مع قدرته عليه، ويجوز مع عجزه عن نفسه، فلما اختص بحال دون حال لمن وجب عليه، جاز أن يختص بحال للنائب دون حال.
ولأنه إذا نوع إحرامًا مطلقًا- وعليه فرضه- انصرف إليه، ولو أخرج صدقة إلى الفقراء، أو أعتق رقبة، لم ينصرف بإطلاقه إلى الزكاة والكفارة.
ولأن بقاء بعض الدين والزكاة لا يمنع أداء دين غيره، كذلك بقاء جميعه، وليس كذلك الحج، لأن بقاء بعضه عليه، يمنع أداءه من غيره، كذلك بقاء جميعه.
فإن قيل: على هذا كل جزء من الدين والزكاة له حكٌم قائم بنفسه، لأنه لو أدى جزءًا من الزكاة وقع موقعه، وإن لم يؤد الباقي، وكذلك

الدين، وليس كذلك الحج، لأن بعضه لا يثبت حكمه بنفسه، بدليل أنه لو أفسد بعضه، فسد جميعه.
قيل له: لا فرق بينهما، وذلك أنه قد ثبت حكم بعضه بنفسه، ألا ترى أنه لو أحرم، ووقف بعرفة، وأخر طواف الزيارة إلى أن عاد إلى بلده، لم يفسد ما عمله، بل يثبت حكمه؟ وكذلك لو أفسد الطواف، ولم يفسد ما تقدم، فهو كالزكاة والكفارة.
واحتج بأنه لو أحرم عن نفسه في هذه الحال صح إحرامه، كذلك إذا أحرم عن غيره قياسًا على من حج مرة.
[والجواب: أنه] لا يجوز اعتبار من حج مرة بمن لم يحج، كما لم يجز اعتبار من طاف مرة بمن لم يطف في جواز النيابة.
ولأنه إذا حج مرة لم يتعين عليه الحج، وإذا لم يحج يتعين عليه الحج بالحضور، فلم تصح النيابة فيه كالجهاد.
ولأن المعنى في الأصل: أنه أسقط فرض الحج عن نفسه، وليس كذلك في مسألتنا، لأنه لم يسقط فرض الحج عن نفسه، فهو كالمراهق.

29 -

مسألة

إذا كان عليه حجة الإسلام، فأحرم به ينوي تطوعًا، وقع عن حجة الإسلام في أصح الروايتين:

وهذا ظاهر كلام الخرقي، لأنه قال في المسألة التي قبلها: لأنه إذا حج عن غيره من لم يحج عن نفسه انعقدت الحجة عنه، وإن لم ينوها عن نفسه.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية ابن منصور وعبد الله فيمن نذر أن يحج- وما حج حجة الإسلام: لا يجزئه حتى يبدأ بفريضة الله، ثم يقضي ما أوجب على نفسه.
وظاهر هذا: أنه لا يصح منه فعل حجٍة ير الفريضة، سواء أحرم بغيرها، أو أراد الإحرام بغيرها.
وهو قول الشافعي.
وفي رواية أخرى: أنه إذا أحرم ينوي به تطوعًا أجزأه عما نواه.
أومأ إليه أحمد في رواية ابن القاسم في الرجل يحج ينوي التطوع: فالحج والصوم سواء، لا يجزئ إلا بينة.
وظاهر هذا: أنه تعين أن نية الفرض شرط في صحة ذلك، وهو ظاهر كلام أبي بكر ذكره في "كتاب الخلاف" فقال: وكيف يجزئ فرض، وقد قصد به نافلة؟! وكيف يجزئ إحرام عن زيد لعمرو؟! فلا

يجزئه إلا أن يعقده بقصد منه، كما لا يجزئ الصائم [إلا] عن قصد منه له.
وهو قول أبي حنيفة.
فالدلالة على أن لا ينعقد نفلًا: أنه أحرم بالحج وعليه فرضه، فوجب أن يقع عن الفرض قياسًا على مطلقه، وذلك أنه لو أحرم إحرامًا مطلقًا لا ينوي فرضًا، ولا تطوعًا، انصرف إلى الفرض، كذلك هاهنا.
يبين صحة هذا الاعتبار: أن الدخول في العبادة بنية النفل بمنزلة الدخول فيها بنية مطلقة، ألا ترى أن من دخل في الصوم بنية النفل، كان بمنزلة من دخل فيه بينة مطلقة؟ عندنا لا يجزئ عن الفرض في الموضعين، وعندهم يجزئ فيهما، كذلك وجب أن يكون الدخول فيها بنية النفل بمنزلة الدخول فيها بنية مطلقة، وقد ثبت أنه إذا أطلق النية- وعليه الفرض- انصرف إليه، وكذلك إذا نوى النفل.
فإن قيل: روى الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز حتى ينوي الفرض، وأن النية المطلقة لا تجزئ.
قيل له: روى محمد عنه: أنه يجوز استحبابًا، ورواية محمد أصح.

فإن قيل: هذا يبطل بالكفارة، لأنه لو أعتق رقبة، ونوى بها الكفارة فقط، أجزأ عما عليه، سواء كانت الكفارة من جنس واحد، أو من جنسين، ولو نوى بها تطوعًا لم يقع عما عليه.
فقيل له: لا يلزم هذا، لأن نية الكفارة فيه الفرض، فإن الكفارة لا تكون إلا فرضًا، وإن أعتق ينوي عتقًا انصرف إلى التطوع، وإن نوى تطوعًا انصرف إليه، وإن نوى كفارة كان عن فرضه.
وقياس آخر، وهو: أن الحج عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فوجب ألا يصح نفلها ممن يصح منه فرضها قياسًا على الصوم عن شهر رمضان.
فإن قيل: عندنا يصح نفل الصوم ممن يصح منه فرضه، وهو المسافر.
قيل له: تلك رواية ضعيفة.
فإن قيل: [وقته لا يصح للنفل.
قيل له]: يصلح عندنا، لأن الصبي يصوم فيه، وهو متنفل، وإنما [لا يصح من البالغ، لأنه من أهل الفرض، ولا يصح منه التنفل.
واحتج المخالف بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم] قال: "إنما الأعمال

بالنية، وإنما لا مريٍء ما نوى"، وهذا نوى النافلة.
والجواب: أن المراد به: أن النية شرط في كونه قربة وطاعة، وأنه لا يكون قربًة بغير نية.
وعلى أنا لا نجمله، ونخصه على غير الحج بما ذكرنا.
واحتج بأنها عبادة تفعل في وقت مخصوص، والوقت يصلح للنفل والفرض، لأن واحدًا يؤدي في وقته فرضًا، والآخر نفلًا، فهي كالصلاة، ولا خلاف أنه لو افتتح الصلاة، ونوى بها تطوعًا- وعليه صلاة فريضة- أنها تكون تطوعًا، كذلك هذا، وليس كذلك الصوم، لأن الوقت لا يصلح للنفل والفرض جميعًا.
ولا يلزم عليه الطواف، لأنه له أن يطوف تطوعًا، وعليه طواف، وهو أن يحج تطوعًا، وعليه حجة الإسلام.
وربما عبروا عنه بأن الحج عبادة تشتمل على أفعال متغايرة، أشبهت الصلاة.
وإن شئت قلت: عبادة لها تحليل وتحريم، أشبهت الصلاة.
والجواب: أن نية الصلاة إذا كانت مطلقة ترجع إلى النفل دون

الفرض، كذلك النية المقيدة بالنفل، وليس كذلك نية الحج المطلقة، فإنها ترجع إلى فرض إذا كان من أهل الفرض، وكذلك النية المقيدة بالنفل، لأنا قد بينا: أن الإطلاق يجري مجرى التقييد.
ولأن الإحرام للصلاة أضعف من إحرام الحج، لأنه إذا أفسد الصلاة بطل عقدها، وخرج منها، وإذا أفسد الحج لم يبطل، ولم يخرج منه، ويمضي في فاسده، فلم يجز اعتبار الحج بالصلاة.
واحتج بأنه لو أحرم بعمرة- وعليه حجة الإسلام- أجزأ عما نوى، فنقول: كل فرض لم يمنع بقاؤه إحرام غير التطوع، لم يمنع إحرام التطوع.
دليله: الصلاة.
والجواب: أنه ليس إذا لم يمنع بقاؤه الإحرام بعبادة أخرى، يجب أن لا يمنع الإحرام بعبادة من جنس ما عليه، كصوم رمضان في وقته، يمنع الإحرام بصوم من جنسه، وإن لم يمنع الإحرام بعبادة أخرى.
وأما الصلاة فالمعنى فيها: أنه لو أحرم بها مطلقًا لم تقع عن الفرض، فجاز أن يحرم بنية التطوع عليه فرضه، وليس كذلك الحج، فإنه لو أحرمه مطلقًا، وقع عن فرضه، فإذا أحرم بنية التطوع انصرف إليه.
واحتج بأن الإحرام ركٌن من أركان الحج، فبقاؤه عليه لا يمنع أداء التطوع كالطواف، وذلك أنه إذا كان عليه طواف الزيارة وطاف تطوُّعًا

جاز، ولم يقع عن طواف الزيارة.
نص عليه في رواية ابن منصور فيمن طاف للوداع، ولم يطف طواف الزيارة: لم يجزه ذلك عن طواف الزيارة، لأنه لم ينوه.
وكذلك نقل إبراهيم فقال: لا يجزئه، وكيف يجزئه التطوع من الفرض؟ ولو تطوع رجل، فنوى بتطوعه الظهر والعصر، أيجزئه ذلك؟ فلا يجزئه حتى يطوف طواف الزيارة.
وقال- أيضًا- في رواية أبي طالب في المتمتع إذا تحلل من عمرته، ووقف بعرفة، وأراد الطواف: فإنه يطوف ويسعى قبل طواف الزيارة، ثم يطوف طواف الزيارة، ويكون الأول طواف القدوم، كما يكون ذلك في حق المفرد بالحج إذا دخل مكة قبل الوقوف، كذلك الإحرام.
والجواب: أن هذا لا يصح على أصل أبي حنيفة، لأن عنده: أنه لا يصح التطوع بالطواف وعليه فرضه، وهذا أصل اعتمد عليه من خالفه في هذه المسألة من أصحاب الشافعي.
وأما على أصلنا نحن، فالفرق بين الطواف والإحرام هو: أن الطواف يختص البيت، [ويتعلق به، فهو] كالصلاة، والصلاة تفتقر إلى تعيين

النية، ولهذا لا يجوز عندنا طواف الزيارة بنية مطلقة، كالصلاة.
ويبين صحة الجمع بينهما قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الطواف بالبيت صلاٌة".
وليس كذلك الإحرام، لأنه لا يتعلق بالبيت، فلم يفتقر إلى نية الفرض، كالوقوف.
وجواب آخر أكشف من هذا، وهو: أن الطواف يجري مجرى الصلاة من وجهين: أحدهما: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الطواف بالبيت صلاٌة".
والثاني: أن الطواف يختص البيت، كالصلاة.
ثم ثبت أن الصلاة يصح التنفل بها ممن عليه فرضها، كذلك الطواف.
وليس كذلك الإحرام، لأنه يجري مجرى الصوم، بدليل أنه يجب بإفساده الكفارة كالصوم، ثم ثبت أنه لا يصح التنفل ممن عليه فرضه، كذلك الإحرام.

30 -

مسألة

الحج على الفور، ذكره أبو بكر في "كتاب الخلاف":

وقد أومأ إليه أحمد في رواية عبد الله وابن إبراهيم فيمن استطاع

الحج، وكان موسرًا، ولم تحسبه علة، ولا سبب: لم تجز شهادته.
وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة، وأصحاب مالك، وداود.
وقال الشافعي: وجوب الحج على التراخي.
دليلنا: ما روى ابن بطة بإسناده عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ملك زادًا وراحلًة تبلغه إلى البيت، فلم يحج، فلا عليه أن يموت يهوديًا، أو نصرانيًا، ومن كفر فإن الله غنٌي عن العالمين".
فإن قيل: إذا أخره حتى مات أثم بالاتفاق.
قيل له: لو جاز له التأخير، لم يأثم بالموت إذا فاجأه من غير أمارة، ولا عليه ظٌن، والخبر يقتضي أنه أثم بكل حال.
وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: "من أراد الحج فليتعجل"، ذكره شيخنا.
فإن قيل: علقه بإدارته.
قيل له: هذه الإرادة التي يخرج بها من حيز الساهي إلى حيز القاصد، لا إرادة تخيير، ولا يتعلق الأمر بها.

وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام: "من أراد الجمعة فليغتسل"ز وكقولنا: من أراد الصلاة فليتوضأ.
وروى ابن بطة في "سننه" بإسناده، عن الحجاج بن عمرو السلمي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من [قابٍل".
فأوجب الحج] على الفور.
وروى عبد الله في كتاب الإيمان من "مسائله": أنا أبي، أنا وكيع، عن سفيان، عن ليث، عن ابن سابط قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من مات، ولم يحج، لم يمنعه من ذلك مرٌض حابٌس، أو سلطاٌن ظالٌم، أو حاجٌة ظاهرٌة، فليمت على أي حاٍل شاء، إن شاء يهوديًا، وإن شاء نصرانيًا".
قال: وحدثني أبي قال: ثنا هشيم قال: ثنا منصور، عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب: لقد هممت أن أبعث رجالًا إلى هذه

الأمصار، فينظروا كل رجل ذا جدٍة لم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم مسلمون! ما هم مسلمون! والقياس: أن لو كان على التراخي لم يخل المأمور به من وجهين: إما أن يكون له تأخيره أبدًا حتى لا يحلقه التفريط، ولا يستحق اللوم، وإن مات قبل فعله.
أو يكون مفرطًا مستحقًا اللوم إذا تركه حتى مات.
فإن قلنا: إنه لا يكون مفرطًا بتركه في حياته، خرج عن حد الوجوب، وصار في حيز النوافل، لأن ما كان المأمور مخيرًا بين فعله وتركه، فهو نافلة، أو مباح.
ولا خلاف أن الحج واجب، فبطل هذا القسم.
وإن قلنا: إنه يلحقه التفريط بالموت، أدى ذلك إلى أن يكون الله- تعالى- ألزمه إتيان عبادة في وقٍت، لم ينصب له عليه دليلًا يوصله إلى العلم به، ونهاه عن تأخيرها عنه.
ولا يجوز أن يتعبده الله بعبادة في وقت مجهول، كما لا يجوز أن يتعبده بعبادة مجهولة.
فإذا بطل هذان القسمان صح القسم الذي ذهبنا إليه، وهو أنه على الفور.

ولا يلزم على هذا الزكوات، والنذور، والكفارات، فإن ذلك على الفور، وقد نص على ذلك في الزكاة فيما تقدم.
ولا يلزم عليه قضاء رمضان، فإنه مؤقت بما بين رمضانين، ويأثم بتأخيره عن ذلك، فلا يؤدي إلى جعله في حد النَّوافل، ولا إلى أن يكون متعبدًا بعبادة في وقت مجهول.
فإن قيل: لا يمتنع أن يتعبد الله بعبادة في وقت مجهول، ألا ترى أنه قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة:180]؟ قيل له: وجوب الوصية متعلق بشرط، وهو حضور الموت، [وللموت أمارٌة يغلب معها في الظن وجوده، وهو أن يشتد مرضه، فإذا وجدت الأمارة وجبت، ولم يجز له تأخيرها، ويصير الوقت الذي يتعين وجوبها فيه معلومًا.
فإن قيل: قيل في الحج مثله.
قيل له: لا يغلب في ظنه أنه يموت إلا في وقت يكون عاجزًا عن أداء الحج بنفسه، وهو إذا اشتد مرضه، ولا يجوز أن يتوجه إليه الخطاب بأدائه في حال لا يقدر عليه، وليس كذلك الوصية، لأن وجود الأمارة التي يغلب معها في ظنه وجود الموت، لا يوجب عجزه عن الوصية، فجاز تعليق وجوبها بوجود تلك الأمارة.

فإن قيل: يجوز أن يوجب الله- تعالى- صلاة، ويعلق أداءها باختيار المأمور]، يؤديها أي وقت شاء.
قيل له: لا يجوز أن [لا] يكون آخر وقتها معلومًا عند المخاطب.
وحكم عن أبي إسحاق المروزي: أنه كان يقول: إذا كان قادرًا على أداء الحج في السنة التي هي من آخر عمره، فلم يؤده فيها، صار عاصيًا بتأخره عنها، لأنا إنما جعلنا له التأخير بشرط السلامة، فأي سنة تبينا أنه لم يمكنه الحج بعدها، علمنا أن وجوب أدائه متعين في تلك السنة.
وقد بينا فساد هذا القول بما قدمنا.
وروى عن أبي هريرة: أنه كان يقول: إن أخره، وهو عازم على فعله في الثاني، ومات، لم يكن عاصيًا، وإن اشتغل باللهو، ولم يعزم على فعله، كان عاصيًا بتأخيره.
وهذا لا معنى له، لأنه قد سلم أنه يصير بتركه وترك ما يقوم مقامه عاصيًا، إلا أنه ادعى: أن العزم بدل عنه، وهذا فاسد، لأن البدل ما قام مقام المبدل، وسقط الفرض به، والعزم لا يسقط الفرض به.
ووجه آخر، وهو: أن وجوه بتعلق بشرط، وهو وجود الاستطاعة، فإذا وجد الشرط لم يجز أن يتأخر ما علق به، كقوله: (أنت طالق إن دخلت الدار) ونحو ذلك.

فإن قيل: نحن نقول بأن الحج يجب بوجود الشرط، ولكن كلامنا في الأداء.
قيل له: وجوب الأداء متعلق بالشرط، لأن قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:97] معناه: فعل الحج، يقال: حج يحج حجًا.
ولأن الحج عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فوجب ألا يجوز تأخيرها بعد وجوبها عن حال الإمكان.
دليله: صوم رمضان.
ولأنها عبادة تجب بقطع مسافة، أو تجب بزاد وراحلة، وكان وجوبها على الفور، كالجهاد.
ولأن وجوبه غير مؤقت، فوجب أن يلزم أداؤه على الفور.
دليله: حقوق الآدميين.
واحتج المخالف بأن فريضة الحج نزلت سنة سٍّت، وحج النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر، فلو كان وجوبه مضيفًا لما أخره عن أول أحوال الإمكان.
والجواب: أنه لم يثبت عندنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخره عن وقت وجوبه، لأن وجوب الحج ثبت بقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾.
وروى: أنه نزل في سنة عشر، وروى: في سنة تسع، فإن كان في سنة عشر، فلم يؤخره، وإن كان في سنة تسع، فجائٌز أن يكون نزل بعد مضي وقت الحج، فلم يجب فعله إلا في سنة عشر.

وذكر أبو إسحاق إبراهيم بن حبيب البصري المعروف بالحاكم في تاريخه "لوامع الأمور وحوادث الدهور": أن ضمام بن ثعلبة وفد على النبي صلى الله عليه وسلم سنة تسع، فسأله عن الفرائض، وذكر من جملتها الحج.
فإن قيل: فالدلالة على أن فريضة الحج نزلت سنة سًّت: أن قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:196] [نزل سنة سًّت من الهجرة]، [حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم] معتمرًا، فصده المشركون عن البيت، فصالحهم على أن يرجع إلى المدينة، ويعود في القابل، ويقضي تلك العمرة، وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:196]. فرجع، ثم خرج في السنة السابعة لعمرة القضاء، فلما فرغ منها عاد إلى المدينة.
وخرج لعشر مضين من رمضان في سنة ثمان من الهجرة، وفتح مكة، ودخلها، وانصرف إلى المدينة في شوال، واستخلف عليها عتاب ابن أسيد، ثم أمر أبا بكر في السنة التاسعة، فحج بالناس، وبعث خلفه عليًا، ليقرأ عليهم سورة (براءة) وحج في سنة عشر حجة الوداع، وعاش بعد ذلك شهرين، وقبض صلى الله عليه وسلم.

روي أن ضمام بن ثعلبة وفد على النبي صلى الله عليه وسلم في سنة تسع، فسأله عن أشياء منها أن قال: آلله أمرك أن تحج هذا البيت؟ فقال: نعم.
ولأنه أنفذ أبا بكر سنة تسع، ليحج بالناس، وهذا يدل على أن وجوبه كان قبل سنة عشر.
قيل: أما قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فإنه يقتضي وجوب إتمامه بعد الدخول فيه، وكلامنا في وجوبه ابتداًء قبل الدخول فيه، لأن هذا اللفظ يستعمل في العرف بعد الدخول في الشيء، يدل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:187] عقل منه وجوب المضي فيه والفراغ منه بعد ابتدائه.
وكذلك [إذا] قيل: (أتم هذا الكتاب) يعقل منه الفراغ بعد الدخول فيه.
كذلك اقتضى قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وجوب الإتمام بعد الدخول فيهما، وهكذا نقول.
فإن قيل: الآية اقتضت أمرًا بالابتداء بهما، يدل عليه ما روى عن عمر وعلي رضي الله عنهما: أنهما قالا: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك.

فحملا البناء على الابتداء.
وروى أن عبد الله بن مسعود كان يقرؤها: (وأقيموا الحج والعمرة لله)، لأنه لم يكن بالحديبية [من كان] محرمًا بالحج، وإنما كانوا محرمين بالعمرة، فدل على: أن المراد بها الابتداء.
قيل له: أما ما روى عن عمر وعلي، فلم يقصدا بذلك بيان معنى الإتمام، وأنه عبارة عن ابتداء الإحرام، وإنما قصدا إلى أن يبينا: أن النقصان ينتفي عنهما، والكمال يحصل لهما بالإحرام قبل الميقات، ولهذا قال قوم: الإحرام بهما قبل الميقات أفضل.
وعلى أن الإحرام من دويرة الأهل مستحٌب، فكأنهما حملا الأمر على الاستحباب دون الوجوب، وهذا ترك الظاهر، فصار هذا دلالة على المخالف.
وأما قراءة ابن مسعود، فيحتمل أن يريد به: أقيموا بعد الدخول فيهما، بدليل ما ذكرنا.
وأما قوله: (إنه لم يكن بالحديبية من كان محرمًا بالحج، إنما كانوا

محرمين بالعمرة) فلا يمتنع أن يبين حكم الحج والعمرة، وإن كان التلبس بأحدهما.
وأما حديث ضمام بن ثعلبة، فنحمله على وجوب كان تامًا في شريعة إبراهيم عليه السلام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم مأمورًا بإتباعه فيما لم يثبت نسخه، فقوله: "نعم" يحتمل أن يريد به: أنه أمر على هذا الوجه، وكلامنا في نزول فرض الحج في شريعته.
فإن قيل: هذا يؤكد السؤال، لأنه إذا كان ثبت وجوبه في شريعة إبراهيم، ولم يثبت نسخه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان متعبدًا به، وقد أخره إلى سنة عشر، دل على أن وجوبه لم يكن مضيقًا.
قيل له: لم يثبت أن وجوبه في شريعة إبراهيم كان بلفظ يقتضي الفور، وكلامنا في حكم الأمر المقتضي لوجوبه في شريعة نبينا عليه السلام.
وهكذا الجواب عن إنفاذه أبا بكر إنما كان على موجب شريعة إبراهيم عليه السلام.
وجواب آخر، وهو: أنا لو سلمنا أنه أخر الحج عن وقت وجوبه، فيحتمل أن يكون تأخيره لعذر، ونحن لا نأبى ذلك، والخلاف في تأخيره لغير عذر.

الدليل على صحة هذا: أنه لا يترك الأفضل، ويداوم على تركه فيما لا يتكرر فعله من جهته إلا لعذر، والعذر الذي ترك به الأفضلية عندهم، هو المعنى الذي جوز له تأخير الواجب عندنا.
فإن قيل: الأصل عدم العذر.
قيل له: ما يلزمنا من هذا في تأخير الواجب، يلزمك مثله في ترك الفضيلة.
فإن قيل: أخره ليبين جواز التأخير.
قيل له: كان يكفي أن يؤخر سنة واحدة.
وجواب أخر، وهو: أنه إذا كان وجب في سنة ست، فلوجوبه شرائط لا يعلم أنها حصلت له، ألا ترى أن الحج يحتاج في وجوبه إلى الزاد، والراحلة، ونفقة الأهل، وأمن الطريق، ويحتاج (صلى الله عليه وسلم) إلى أصحاب يكفونه غزو الطريق؟ فيجوز أن تكون هذه الشرائط التي بها يحصل الوجوب لم تكمل إلا في سنة عشر.
فإن قيل: فإن النبي (صلى الله عليه وسلم) اعتمر سنة ست، فلا بد أن يكون حصل له الشرائط؛ لأنه كان معه عام الحديبية سبعون بدنه، وفي سنة ثمان اتسع من سبي هوازن حتى قال صفوان بن أمية حين أعطاه" هذا عطاء من لا يخاف الفقر، وفي سنة ثمان فتح مكة، وفرغ من هوازن والطائف، ولم يبق له مانع.

قيل له: يحتمل أن تكون الاستطاعة حصلت له في وقت العمرة، وزالت في وقت الحج؛ لأن قريشاً صالحوه في عمرة القضاء على العمرة، ولسنا نعلم أنهم مكنوه من الحج، وقد كانوا صالحوه على ثلاثة أيام، فأراد أن يقيم بها ليولم [...]، فمنعوه.
فإن قيل: فقد كان في أصحابه أغنياء قيل له: شرط الاستطاعة ليس هو مجرد الغنى، بل يحتاج إلى ما ذكرناه من الشروط.
وجواب أخر، أنه أخر بعد الوجوب؛ لأنهم كانوا يؤخرون الحج تارة، ويقدمونه أخرى، فيقع في غير وقته، فأراد النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يحج في وقت يستقر فيه الحج؛ ليقع الاقتداء به من بعده، فلما وافق سنة عشر وقت الحج قال: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته خلق [الله] السماوات والأرض.
ولهذا فعل العمرة؛ لأن وقتها لا يتخصص.
فإن قيل: فكيف أنفذ أبا بكر سنة تسع؟ قيل له: من حج على ما كانوا عليه لم يسقط فرضه، فأراد النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يحج على جهة يقع بها الأجزاء، ويكون إمامًا في المستقبل يقتدى به.

جارٍ التحميل