التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف علي مذهب أحمدصفحات 207-246

277 -

مسألة

التفاضل جائز في الماء:

أومأ إليه أحمد في رواية أبي الصقر في عين ماء بين أقوام بينهم نوائب, فاقترض بعضهم نوبة صاحبه, فقال: إن كان محدودًا يعرف, ثم يجمع, فلا بأس.
فقد أجاز قرضه, ولم يعتبر فيه كيلًا, ولا وزنًا, ولو كان فيه الربا لاعتبر ذلك.
وروي عن مالك رواية: أنه لا يجوز.
وروي عن محمد: أن الماء مكيل.
دليلنا: أن كل ما لم ينص النبي - صلى الله عليه وسلم - على أنه يباع كيلًا, أو وزنًا؛ فإنه يرجع في كونه مكيلًا أو موزونًا إلى مكة والمدينة, وعندهم إلى العادة.
ومعلوم أن الماء ليس بمكيل ولا موزون بمكة والمدينة, ولا في العادة, ولا فيه نص أيضًا, فلم يكن مكيلًا, كالمعدودات والمذروعات.
واحتج المخالف بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل بالصاع, ويتوضأ بالمد, فلو لم يكن مكيلًا ما قدره بالمد والصاع.
والجواب: أنه قدر ذلك بالصاع والمد في الوضوء والغسل بضرب من التقريب, فأما أن يكون مكيلًا في العقود, فلم ينقل ذلك,

والربا إنما يدخل في ما كان مكيلًا في العقود.
...

278 -

مسألة

إذا باع جنسًا يجري فيه الربا بعضه ببعض, وتفرقا قبل القبض, بطل البيع, وذلك مثل المكيل بعضه ببعض, والموزون بعضه ببعض:

نص على هذا في رواية صالح فقال: لا يجوز بيع البر بالبر, والشعير بالشعير, والتمر بالتمر إلا يدًا بيد.
وقال- أيضًا-في رواية أبي طالب: الفلوس والنحاس أصله وزن, لا يباع واحد باثنين, ولا الرطل بالرطلين, أذهب إلى قول الثوري, شبهه بالذهب والورق؛ لا يباع إلا يدًا بيد.
فقد نص على التقابض في البر والشعير والتمر, ونص على ذلك في الحديد والنحاس, وبهذا قال مالك والشافعي, إلا أن مالكًا اعتبر ذلك بأصله, وهو المقتات المدخر.
والشافعي اعتبر المطعوم.

وقال أبو حنيفة: يجوز التفرق في ذلك قبل القبض, ولا يجوز شرط الأجل فيه.
دليلنا: ما روى الدارقطني بإسناده عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (الذهب بالذهب, والفضة بالفضة, والبر بالبر, والشعير بالشعير, والتمر بالتمر, والملح بالملح, مثلا بمثل, يدًا بيدٍ, فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيدٍ).
وروى- أيضًا- بإسناده عن عبادة بن الصامت: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يباع الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزنٍ, والورق وزنًا بوزنٍ؛ تبره وعينه, وذكر الشعير بالشعير, والبر بالبر, والتمر بالتمر, والملح بالملح, ولا بأس بالشعير بالبر يدًا بيد, والشعير أكثرهما يدًا بيدٍ, فمن زاد, أو أزاد, فقد أربى.
فشرط في بيع البر بالبر وبيع البر بالشعير أن يكون يدًا بيد, وهذا يمنع جواز التفرق قبل القبض.
فإن قيل: قوله: (يدًا بيدٍ) لا يفيد القبض, وإنما يفيد التعيين, وأنه يكون نقدًا, ولا يكون نسيئة, ألا ترى أن ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن بيع الحيوان بالحيوان إلا يدًا بيدٍ.
واتفقوا أن القبض في المجلس ليس بشرط في بيع الحيوان بالحيوان؟

فثبت أنه أراد به التعيين, وأنه لا يكون نسيئة.
ويقال أيضًا: فلان يبيع يدًا بيد؛ يعني: يبيع نقدًا, ولا يبيع نسيئة.
قيل له: حقيقة قوله: (يدًا بيدٍ) تقتضي التقابض في الحال.
ولأنه قد قال: (عينًا بعينٍ), فلا يجوز أن يحمل قوله: (يدًا بيد) على معنى التعيين؛ لأن فيه حمل اللفظ على التكرار.
ولأنه قد قال: (الذهب بالذهب مثلًا بمثلٍ يدًا بيدٍ), واتفقنا أن المراد به القبض.
والقياس: أن ما حرم فيه النساء, حرم فيه التفرق قبل التقابض.
دليله: الذهب والفضة.
ولا يلزم عليه بيع الجواهر بعضها ببعض؛ أنه يحرم فيها السلم, ولا يحرم فيها التفرق قبل التقابض؛ لأنا قلنا: (ما حرم فيه النساء), والتحريم هناك يرجع إلى العقد؛ لأنه عقد على المجهول؛ لأن الجوهرة لا تضبط, فإذا عقد على مجهول كان المحرم هو العقد دون النسيئة.
يدل عليه: أنها لو كانت في حقةٍ, وعقد عليها مع حضورها, لم يصح البيع عندنا, ويكون المحرم العقد لأجل الجهالة دون البيع نقدًا.
وإن شئت قلت: ما حرم فيه النساء لأجل الربا, حرم فيه التفرق قبل القبض, كالذهب والفضة.

ولا يدخل عليه بيع الجواهر؛ لأن النساء يحرم فيها لأجل الجهالة دون الربا.
يبين صحة هذا: أن التفرق قبل التقابض والنسيئة يجريان مجرى واحدًا, ألا ترى أن الذهب والفضة لما حرما في كل واحد منهما حرما في الآخر, وكذلك رأس مال السلم لما حرم فيه أحدهما حرم الآخر, وما لا ربا فيه لما لم يحرم النساء فيه, لم يحرم التفرق قبل القبض.
فإن قيل: المعنى في الذهب والفضة: أنهما لا يتعينان بالعقد, وإنما يتعينان بالقبض, فكان النساء محرمًا؛ لأن العوض الذي في الذمة غير معين, ومن شرطه أن يكون معينًا, وليس كذلك إذا كانا معينين, فتفرقا قبل التقابض؛ فإن تعينهما بالعقد يغني عن القبض.
قيل: لا نسلم لك هذا؛ لأن الذهب والفضة يتعين بالعقد, ولا يجوز التفرق فيه قبل القبض.
فإن قيل: المصوغ من جنس ما لا يتعين, فألحق بنفسه.
قيل له: إذا فارق جنسه في التعيين, جاز أن يفارقه من حكم

التعيين, ولا يشترط القبض فيه, كما أن الجزء المشاع من الصبرة لما فارق جنسه في التعيين, فبيع غير معين, فارقه في حكمه عندهم, فاشترط فيه القبض.
وقياس آخر, وهو: أن كل عقد أفسده دخول الأجل فيه, كان القبض في المجلس شرطًا فيه.
دليله: لو باع جزءًا مشاعًا من صبرة.
ولا يلزم عليه بيع الجواهر؛ لأن المفسد هناك الجهالة, وليس المفسد دخول الأجل.
واحتج المخالف بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن بيع الطعام حتى يقبض.
فظاهره: أنه إذا قبض بعد الافتراق جاز بيعه.
وروي عنه: أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان؛ صاع البائع, وصاع المشتري.
والجواب: أن هذا احتجاج من دليل الخطاب, والمخالف غير قائل به.
على أن الخبر قصد به منع التصرف في المبيع قبل قبضه, ولم يقصد به بيان صحة العقد, وهذا يقف على القبض قبل التفرق, وقد بين ذلك في خبرنا, فهو أولى.

واحتج بأنهما عينان من غير جنس الأثمان, فوجب أن لا يكون القبض في المجلس شرطًا فيهما.
دليله: الأشياء المعدودات, كالحيوان والثياب والعقار.
والجواب: أن المصوغ من الذهب والفضة قد خرج عن أن يكون ثمنًا, ومع هذا فإن القبض شرط في المجلس.
ثم المعنى في تلك الأشياء: أن الربا لا يدخلها, فلهذا لم يحرم التفرق قبل القبض.
ولا يلزم على هذا الجواهر؛ لأنه لم يحرم للتفرق, وإنما حرمت للجهالة, وليس كذلك هاهنا؛ لأنهما عينان يحرم فيهما النساء, فحرم التفرق قبل القبض, كالذهب والفضة.
...

279 -

مسألة

الحنطة والشعير جنسان, يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا ومتماثلًا:

نص عليه في رواية الأثرم وإبراهيم بن الحارث: فلا بأس بصاع حنطة بصاعين شعيرًا يدًا بيدٍ.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي.

وقال مالك: هما جنس واحد, لا يجوز التفاضل فيهما.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية حنبل, فقال: الحنطة والشعير والسلت صنف, وقال: يكره أن يبيع الحنطة بالشعير اثنين بواحد, ويجمعهما في الصدقة.
دليلنا: ما تقدم من حديث عبادة: (ولا بأس بالشعير بالبر, والشعير [أكثرهما]).
وهذا نص.
روى أحمد بإسناده عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الحنطة بالحنطة, والشعير بالشعير, والتمر بالتمر, والملح بالملح كيلًا بكيل, وزنًا بوزن, فمن زاد, أو ازداد, فقد أربى, إلا ما اختلفت ألوانه).
ولون الشعير يخالف لون الحنطة.
رواه أحمد في (المسند).
ولأنهما عينان لا يقتاتان في بلد واحد غالبًا, فوجب أن يكونا جنسين, كالتمر والزبيب.
يبين هذا: أن الزبيب والتمر يتفاوتان في المنفعة, كما يتفاوت التمر والشعير.
فإن قيل: فرق بينهما بدليل أنه تضم الحنطة إلى الشعير في إيجاب الزكاة, ولا يضم التمر إلى الزبيب.

قيل: قد يضم الذهب إلى الفضة في إيجاب الزكاة, وهما جنسان, وكذلك القطاني.
واحتج المخالف بما روي: أن معمر بن عبد الله أرسل غلامه بصاع من قمح, فقال: بعه, واشتر شعيرًا, فأخذ زيادة بعوض صاع, فقال: رده, ولا تأخذن إلا مثلًا بمثل؛ فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (الطعام بالطعام مثلًا بمثلٍ), وكان طعامنا يومئذ الشعير.
والجواب: أنا نحمل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (الطعام بالطعام مثلًا بمثلٍ) على البر بالبر, والشعير بالشعير بدليل حديث عبادة.
وقوله: (كان طعامنا يومئذ الشعير) لا يوجب حمل اللفظ على سببه, بل يعتبر عمومه عندنا.
وأما امتناع معمر بن عبد الله من ذلك, فالجواب عنه كالجواب عما روي عن عمر وسعد ومعيقيب الدوسي وعبد الرحمن بن عبد يغوث بالمنع, وهو محمول على طريق الكراهية منه, دون التحريم بدليل ما ذكرنا من حديث عبادة.
واحتج بأنهما يتقاربان في المنافع, ويتفقان في المنبت والحصاد,

وأحدهما لا يخلو من الآخر, وكانا كالجنس الواحد اعتبارًا بالعلس مع الحنطة, والقشمش مع الزبيب.
والجواب: أن التمر مع الزبيب يتقاربان في المنافع؛ لأنهما حلوان ويقتاتان, وكذلك الذهب والفضة؛ لأنهما قيم المتلفات, وأروش الجنايات, ومع هذا فهما جنسان, ويجوز التفاضل بينهما, كذلك هاهنا.
فإن قيل: أليس قد جعلتموها في حكم الجنس الواحد في ضم أحدهما إلى الآخر في إيجاب الزكاة, يجب أن تفعلوا مثل هذا في الربا.
والجواب: أن الذهب والفضة يضم بعضه إلى بعض, وكذلك القطاني, ومع هذا لم يوجب ذلك أن يكونا جنسًا واحدًا, وكذلك هاهنا.
وعلى أن في مسألة الضم روايتين.
...

280 -

مسألة

ما لا ربا فيه يجوز بيع بعضه ببعض نساءً, وهو ما عدا المكيل والموزون في أصح الروايات:

نص عليها في رواية حنبل, فقال: إذا لم يكن أصله الكيل والوزن, فلا بأس به اثنين بواحد يدًا بيد, ونسيئةً.

وبهذا قال الشافعي, إلا أن الشافعي ما لا ربا فيه عنده: عدا المطعوم.
وفيه رواية أخرى: الجنس بانفراده يحرم النساء.
أومأ إليه في رواية حنبل في موضع آخر: وقد ذكر له قول مكحول: إذا كان الحيوان من صنف واحد فمكروه بيعه نسيئة, وإذا اختلفت فلا بأس؛ البقرة بشاتين, فقال أبو عبد الله: ولا أرى به بأسًا إذا اختلفت, وأتوقاه من جنس واحد.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وفيه رواية ثالثة: العروض بانفرادها يحرم النساء سواء اتفقت أجناسها, أو اختلفت.
نص عليها في مواضع: فقال في رواية حنبل في موضع آخر: لا يباع شيء من الحيوان اثنين بواحد إلى أجل, وإن اختلفت أجناسهم.
وقال- أيضًا- في رواية أبي طالب: لا يعجبني بعير ببعيرين نساءً.
وقال- أيضًا- في رواية أبي الحارث وجعفر بن محمد: ثوب بثوبين يدًا بيد, ولا يجوز نسيئة.
وقال- أيضًا- في رواية ابن إبراهيم: ثوب قطن بثوبي كتان

نسيئة لا يجوز؛ اختلف, أو لم يختلف.
وهو اختيار الخرقي.
وقال مالك: الزيادة في الجنس تحرم النساء, فأما التساوي في الجنس, أو الزيادة في الجنسين, فلا تحرم النساء.
وجه الرواية الأولى: ما روى الدارقطني بإسناده عن عمرو بن العاص: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يجهز جيشًا, قال عبد الله: ليس عندنا ظهر, فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبتاع ظهرًا إلى خروج المصدق, وابتاع عبد الله بن عمرو بالبعيرين وبالأبعرة إلى خروج المصدق بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال الدارقطني: حديث صحيح جيد الإسناد.
فوجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر عبد الله أن يبتاع إبلًا على أن يرد بدلها إبلًا مؤجلة, فابتاع عبد الله بعيرًا ببعيرين إلى أجل, فلو كان الجنس بانفراده يحرم النساء لما أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ إبلًا مؤجلة.
فإن قيل: ليس في الخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره بإثبات الإبل في ذمته إلى أجل, ويجوز أن يكون أمره بشراء الإبل بالدراهم؛ ليبيع إبل الصدقة, ويقضي من ثمنها.
قيل: في الخبر قال: ابتعت البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة.

وهذا يقتضي: أن الشراء وقع على نفس الأبعرة دون أثمانها, وفعل ذلك بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -. فإن قيل: يجوز أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يثبت إبلًا مثلها في إبل الصدقة, فأخذ عبد الله على أن تبقى ثابتة في إبل الصدقة, ومثل هذا جائز عندنا, وإنما الخلاف في جواز ثبوتها في الذمة بعقد البيع, وليس في الخبر أنها ثبتت في ذمة النبي - صلى الله عليه وسلم -, أو في ذمة عبد الله.
قيل له: لا يصح إثباتها في إبل الصدقة؛ لأن العوض المطلق في البيع إنما يثبت في الذمة دون غيرها.
وقد روينا في الخبر: فابتاع البعير بالبعيرين وبالأبعرة إلى خروج المصدق.
والقياس: أنهما عوضان لا يحرم فيهما التفرق قبل التقابض, فوجب أن لا يحرم إسلام أحدهما في الآخر لأجل الربا, أو لا يحرم إسلام أحدهما في الآخر إذا أمكن ضبطه بالوصف.
دليله: بيع ثوب كتان بثوب قطن, أو إبريسم, والثوب الهروي بالمروي.
ولا تلزم عليه الجواهر؛ لأنه لا يحرم فيها التفرق قبل القبض, ولا يجوز إسلام أحدهما في الآخر؛ لقولنا: لأجل الربا, وهناك لم يمنع لأجل الربا, لكن لأجل الجهالة, ولعدم ضبط صفاته.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه عدم وصفي علة تحريم التفاضل,

وهو: الجنس, والكيل أو الوزن, وليس كذلك هاهنا؛ لأن أحد وصفي علة تحريم التفاضل موجود, وهو الجنس.
قيل له: إذا كان القياس على الثوب الهروي بالمروي, لم تصح المعارضة في الأصل؛ لأن أحد وصفي العلة موجود, وهو الجنس؛ لأن أصلهما القطن, وهو جنس واحد.
فإن قيل: الصنعة تجعلهما جنسين.
قيل له: الصنعة في الفضة لا تخرجها عن أصلها, ولا تجعلها جنسًا آخر, بل الخلاص من جنس الدراهم المضروبة والحلي سواء.
فإن قيل: الصنعة في الفضة لا تخرجهما عن حد الوزن.
قيل له: وكذلك أواني الحديد والرصاص.
ويبين صحة هذا على أصلنا, وأن الصفة لا تجعله في حكم الجنسين على أصلنا: أن الخل والدبس من جنس واحد عندنا, ولا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا, وكذلك الرائب- وهو الدوخ- والحليب جنس واحد, وإن كان الرائب حامضًا بالصنعة, وكذلك المصل بالجبن جنس واحد.
وقد قال أحمد- في رواية أحمد بن سعيد- في اللبن بالزبد والمصل اثنين بواحد: أكرهه؛ لأن أصلهما الطعام, وكذلك الأدهان

كلها ما كان منها من السمسم لا يجوز واحد باثنين, وإن تفاضلت بالصنعة [....]. وأما الكلام على علة الفرع فيأتي في أدلتهم, إن شاء الله تعالى.
ولأن الأجل أحد وجهي الربا, فوجب أن لا يعم الأموال, أو نقول: فلا يجوز تحريمه بمجرد الجنس.
دليله: تحريم التفاضل؛ فإنه لا يعم جميع الأموال, ولا يتعلق بمجرد الجنس, بل يختص بالمكيل والموزون, وكذلك الأجل يجب أن لا يعم, ولا يتعلق بمجرد الجنس.
ولا يصح قولهم: (إن جهات الربا ثلاثة: التفرق قبل القبض, والنساء, والتفاضل)؛ لأن التفرق قبل القبض والنساء نوع واحد, وهو الافتراق من غير تقابض, والتفاضل نوع آخر من جهة أخرى.
فإن قيل: تحريم النساء أعم وآكد من تحريم التفاضل؛ لأن تحريم التفاضل يختص الجنس الواحد, وتحريم النساء يعم الجنس والجنسين, فلو باع به الشعير مكوك بمكوكين جاز.
قيل له: تحريم التقابض أعم من تحريم التفاضل, ومع هذا لا يعم الأموال, ولا يتعلق بالجنس.

وبيانه: أن بيع الذهب بالفضة يحرم فيه التفرق قبل التقابض, ولا يحرم التفاضل في ذلك.
واحتج المخالف بما روى أحمد في (المسند) بإسناده عن سمرة قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة.
والجواب: أنا نحمل ذلك على النسيئة في العوضين جميعًا, وهو الظاهر من الخبر؛ لأن النسيئة صفة الحيوان المذكورة في الخبر, فرجع إليهما جميعًا, وتكون الدلالة على هذا خبرنا, وهو أحصر.
واحتج بما روى أبو بكر بإسناده عن أسامة بن زيد: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنما الربا في النسيئة).
والجواب: أنه محمول على ما يجرى فيه الربا بدليل ما ذكرنا.
واحتج بأن الجنس أحد وصفي علة تحريم التفاضل يدًا بيد, فوجب أن يحرم النساء.
دليله: المعنى المضموم إلى الجنس, وهو الكيل.
قالوا: ولا يلزم عليه الدراهم في سائر الموزونات؛ لأن من أصلنا جواز تخصيص العلة الشرعية.
وقد احترز بعضهم عن ذلك, فقال: أحد وصفي علة تحريم

التفاضل في غير جنس الأثمان, أو في ما يتعين.
ولا يلزم عليه الدراهم في سائر الموزونات؛ لأنها من جنس الأثمان, ولأنها لا تتعين.
والجواب: أنا لا نسلم: أن التحريم في الأصل ثبت لوجود أحد وصفي علة تحريم التفاضل, وإنما ثبت لوجود علتيه, وهو الكيل والجنس.
فإن قاسوا على المكيل من جنسين, كالحنطة والشعير, وأنه يحرم النساء لوجود أحد وصفي علة تحريم التفاضل, فالمعنى في الأصل: أنهما عوضان يحرم إسلام أحدهما في الآخر لأجل الربا, فلهذا حرم فيهما النساء, وليس كذلك هاهنا؛ لأنهما عوضان لا يحرم التفرق فيهما قبل التقابض, فوجب أن لا يحرم النساء.
دليله: ما ذكرنا.
فإن قيل: ما ذهبتم إليه يفضي إلى أن يكون المعقود عليه- وهو الثمن- مستحقًا, وهو إذا أسلم في ثوب هروي ثوبًا مرويًا, ثم حل الأجل, استحق عليه تسليم ما كان ثمنًا, فلم يجز ذلك.
قيل: يجوز ذلك إذا كان استحقاقه بسبب آخر, وهو كونه عوضًا عما في ذمته, بمثابة ما لو باع الثوب الذي كان عوضًا في السلم, ثم اشتراه؛ فإنه يصح, وإن كان مستحقًا في العقد الأول, ومستحقًا في العقد الثاني.

فصل: والدلالة على مالك في جواز التفاضل في ذلك: ما تقدم من حديث عمرو بن العاص؛ وأنه أخذ بعيرًا ببعيرين إلى إبل الصدقة.
ولأنهما عوضان لا يحرم النساء فيهما مع التساوي, فلم يحرم مع التفاضل.
دليله: الجنسان.
وعكسه: الذهب والفضة؛ لما حرم النساء فيهما مع التساوي, حرم مع التفاضل.
واحتج المخالف بعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إنما الربا في النسيئة).
والجواب عنه: ما تقدم.
واحتج بأن في الزيادة ذريعة إلى القرض الذي يجر نفعًا؛ لأنه كأنه أقرضه بعيرًا ببعيرين إلى أجل؛ لأنه ليس هناك اختلاف أغراض, وتباين منافع, فيحمل التفاضل عليه, فلم يبق إلا ما قلنا, وإذا قويت التهمة فيه منعناه؛ لكونه ذريعة إلى الأمر الممنوع منه.
ويفارق هذا إذا تساويا؛ لأن هذه الذريعة معدومة.
قالوا: ولهذا قال أحمد في رواية أبي طالب في من باع طعامًا إلى أجل, فحل الأجل: فلا يأخذ قيمته طعامًا, ولا تمرًا, ولا شيئًا يكال ويوزن؛ لأنه يؤدي [إلى] دخول النساء في ما يدخله الربا.
والجواب: أنه لا يجوز أن يحمل على القرض, وله وجه مقصود

في البيع؛ لأنه قد يقصد الربح ببيع بعير ببعيرين نساء, كما يقصد ذلك بعقد السلم, فوجب حمله عليه.
واحتج من نصر الرواية الثالثة بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إنما في النسيئة).
والجواب: أنه محمول على ما يجري فيه الربا.
واحتج بأن الأشياء نوعان: أثمان, ومثمنات.
ثم ثبت أن الأثمان تحرم النساء بانفرادها, كذلك المثمنات.
والجواب: أن المعنى في الأثمان: أن يجري فيها الربا, وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لا يجري فيه الربا.
واحتج بما روى أحمد في ما تقدم في مسألة علة الربا بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تبيعوا الدينار بالدينارين, ولا الدرهم بالدرهمين, ولا الصاع بالصاعين), فقام رجل, فقال: يا رسول الله! أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس, والنجيب بالإبل؟ فقال: (لا بأس إذا كان يدًا بيد).
فقد اعتبر القبض في بيع الحيوان متفاضلًا.
والجواب: أنه محمول عليه إذا كان النساء من الطرفين, فيحصل بيع دين بدين.
فإن قيل: فذلك لا يكون يدًا بيد, وإنما يكون يدًا بنسيئة.

قيل: إنما قال: (يدًا بيدٍ) على طريق إلحاق أحدهما بالآخر اسمًا, وذلك كثير في اللغة؛ قال الله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67], والنسيان إنما كان في أحد الطرفين, وهو في حق الآدمي, وإنما أخرجه للجزاء.
...

281 -

مسألة

إذا دخل المسلم دار الحرب بأمان, فباع من أهل الحرب درهمًا بدرهمين, أو درهمين بدرهمٍ, لم يجز:

نص عليه في رواية أبي الحارث وابن إبراهيم وابن القاسم: وقد سئل عن الأسير يشتري الدرهم بدرهمين, فقال: معاذ الله! ما أحل الله الربا في موضع من المواضيع.
وقال- أيضًا- في رواية المروذي: وقد سئل عن الربا في بلاد العدو, قال: لا.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجوز.
دليلنا: ما روى عبادة بن الصامت, عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تبيعوا الذهب بالذهب, ولا الورق بالورق إلا مثلًا بمثل).

ولم يفرق بين دار الحرب ودار الإسلام, فهو على العموم.
ولأن ما حرم فعله عل المسلم في دار الإسلام, حرم في دار الحرب, كالزنا وارتكاب الفواحش.
وإن شئت قلت: لأنها إحدى الدارين, فلم يجز فيها بيع درهم بدرهمين.
دليله: دار الإسلام.
فإن قيل: سائر الفواحش لا يجوز استباحتها على أهل دار الحرب بوجه, وليس كذلك هاهنا, لأن ما أخذه على وجه الاستباحة, ولا خلاف أن أخذ مال الحربي على وجه الاستباحة يجوز, فلهذا فرقنا بينهما.
قيل له: فيجب أن يأخذه في دار الإسلام على الوجه الذي يأخذه في دار الحرب؛ لأن أخذ ماله يجوز على وجه الاستباحة.
قيل له: دار الإسلام دار إباحة في حق الحربي إذا لم يكن له أمان.
يدل عليه: أنه إذا دخل دار الإسلام؛ فإنه يؤخذ, وما معه من المال, كما يؤخذ في دار الحرب, وإذا كان له أمان منع الأمان من أخذ ذلك.
وكذلك دار الحرب دار إباحة لمن لا أمان له من الكفار, ومن له أمان لا يجوز أخذ ماله.
وقد نص أحمد على هذا في رواية الميموني: وقد سئل عن بيع

الأسير في أرض العدو الدرهم بالدرهمين, فقال: إذا كان موثقًا في أيديهم, ولم يأتمنوه, سرق منهم, وأخذ ما شاء, وإذا دخل بأمان لم يبع الدرهم بالدرهمين, ولم يسرق.
فإن قيل: فيجب إذا سرق منهم مالًا, أو قهرهم على مال, وخرج إلى دار الإسلام: أن لا يملكه, ويجب رده إليهم.
قيل: هكذا نقول: إذا دخل دار الحرب بأمان, وكذلك إذا استقرض منهم, واشترى منه في ذمته, وخرج إلى دار الإسلام, وجب عليه أن ينفذ العوض إلى صاحبه.
وقد قال أحمد في رواية أبي داود في أسير قال لعلجٍ: أخرجني إلى مأمني, وأعطيك كذا: يفي له بذلك, فإن لم يجد يفديه المسلمون, إن لم يوجد في بيت المال.
واحتج المخالف بما روى مكحول, عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا ربا بين المسلمين وأهل الحرب في دار الحرب).
فنفى أن يكون بينهم ربا.
والجواب: أنا لا نعرف هذا الخبر.
ولو صح حملنا قوله: (لا ربا)؛ معناه: لا يجوز الربا, كما [قال - صلى الله عليه وسلم -]: (لا جلب, ولا جنب, ولا شغار في الإسلام).

وقوله: (لا صرورة في الإسلام).
وقوله: (لا صلاة إلا بطهور).
وما أشبه ذلك.
فيكون حجة عليهم, وتكون فائدة التخصيص بدار الحرب؛ ليبين أنها- وإن ما يأخذه المسلم من الحربي في دار الحرب لا يأخذه على وجه البيع؛ لأن بيع درهم بدرهمين لا يجوز, وإنما يأخذه على وجه الاستباحة, وله أن يأخذه على هذا الوجه؛ لأن أموالهم مباحة لنا ما لم يحظره الأمان, فإذا أعطاه درهمين بطيبة نفسه, وأخذ درهمًا, حملنا الأمر على الوجه الذي يجوز, وهو أن ذلك القدر لم يدخل تحت الأمان.
والجواب: أنها في حق من دخل إليهم بأمان دار حظر, وليست بدار إباحة.
وعلى أنها دار إباحة في حق الكفار, فأما المسلمون وأموالهم غير مباحة فيها, والخلاف في المسلمين إذا تبايعوا فيما بينهم, وإذا تبايعوا

مع أهل الحرب واحد.
ثم يبطل هذا بمن تزوج منهم بخمس نسوة, فيجب أن تكون مأخوذة بالاسترقاق دون العقد, ويجب إذا قتل منهم في دارهم, وبيع جسده بمال أن يملك المال بالاستباحة, ولا يجوز ذلك لما روى ابن المنذر في كتابه عن ابن عباس: أن مشركًا قتل يوم الأحزاب, فبعث المشركون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ابعث إلينا جسده, ونعطيك عشرة آلاف درهم, فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا خير في جسده, ولا ثمنه).
وهذا يدل على أن أخذ المال على ذلك لا يحل.
فإن قيل: هذا كان بالمدينة في الوقت الذي حاصروا النبي - صلى الله عليه وسلم -, وكانت دار إسلام.
ولأنه يحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك غيظًا لهم, واستخفافًا بهم.
قيل له: النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل العلة في رد ديته؛ لأنه لا خير في جسده, وعلى قولهم العلة فيه أنه كان في دار الإسلام, أو قصد غيظهم, وهذا خلاف الظاهر.

282 -

مسألة المكيلات المنصوص عليها مكيلة أبدًا, لا يجوز بيع بعضها ببعض إلا كيلًا, والموزونات المنصوص عليها موزونة أبدًا, وما لم ينص على تحريم التفاضل فيه كيلًا ولا وزنًا, فالمرجع فيه إلى عرف العادة بالحجاز في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فما كانت

العادة فيه الكيل, لم يجز إلا كيلًا في سائر الدنيا.
وما كانت العادة فيه الوزن, لم يجز إلا وزنًا في سائر الدنيا.
فأما ما ليس هناك عرف, أو حدث لشيء عرف بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - احتمل أن يرد إلى أقرب الأشياء به شبهًا بالجحاز, واحتمل أن يعتبر بحاله بالعرف في موضعه: وقال أبو حنيفة: ما لم ينص على تحريم التفاضل فيه كيلًا, ولا وزنًا, فالمرجع فيه إلى عادة الناس, ولا نخصه بعادة أهل الحجاز.
دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (الوزن وزن أهل مكة, والمكيال مكيال المدينة).
وفي رواية أخرى: (المكيال مكيال أهل المدينة, ولا ميزان إلا بمكة).
وإنما قصد رد البلاد كلها إلى هذين البلدين, ولم يرد أيضًا: أن

الاعتبار بمكيال المدينة دون مكيال مكة, ولا اعتبار بميزان مكة دون المدينة.
ولأن العرف في البلدان يومئذ سواء, وإنما نص على مكيال المدينة؛ لينبه به على مكيال مكة, ونص على ميزان مكة؛ لينبه به على ميزان المدينة.
فإن قيل: يحمل المكيال مكيالهم في تقدير الصاع بالكفارات, والميزان ميزانهم في نصاب الزكاة.
قيل: هذا تخصيص بغير دليل.
واحتج المخالف بما روي في حديث عبادة وأنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ما وزن مثلًا بمثل إذا كان نوعًا واحدًا, وما كيل مثلًا بمثل إذا كان نوعًا واحدًا), ولم يفصل.
والجواب: أنه محمول على ما نص على وزنه أو كيله بما ذكرنا.
واحتج بأن ما لم ينص على كونه مكيلًا, جاز بيع بعضه ببعض وزنًا.
أصله: الدراهم والدنانير.
ولم ينص على كونه موزونًا, جاز بيع بعضه ببعض كيلًا.
أصله: الطعام والملح.

والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه منصوص عليه وزنًا وكيلًا, فلهذا جاز, وليس كذلك هاهنا؛ لأنه غير منصوص على كونه وزنًا, ولا يثبت عرفه بالحجاز وزنًا, فلم يجز بيعه وزنًا, كالطعام.
واحتج بأن كل بقعة لا تعتبر عادة أهلها في غير زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -, لا تعتبر عادة أهلها في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -, كسائر البقاع.
والجواب: أنه إن ما لم يعتبر في غير زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -, وأقر عليه, فهو شرعه وأمره, وليس إذا لم يجب العمل بفعل غيره وقوله, لا يجب بقوله [....]. ...

283 -

مسألة

لا يجوز بيع الحنطة بالدقيق في أصح الروايتين:

رواها ابن إبراهيم, وابن بختان, وأبو الحارث, وابن منصور في إحدى الروايتين.
وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي.
وفيه رواية أخرى: يجوز ذلك وزنًا.
رواها ابن منصور في موضع آخر.

وروى حرب- أيضًا- عنه: وقد سئل عن بيع الدقيق بالخبز, فلم يعجبه, وسهل في الدقيق بالبر وزنًا.
واختلف أصحاب مالك في تحصيل مذهبه في بيع الحنطة بالدقيق؛ فمنهم من قال: المسألة على روايتين.
ومنهم من قال: المسألة على اختلاف حالين؛ فإن كان كيلًا لم يجز, وإن كان وزنًا جاز.
وكذلك الخلاف في بيع الحنطة بالسويق, وبيع السويق بالدقيق.
وقال في رواية حنبل: لا بأس بالبر بالسويق, والسويق بالدقيق وزنًا, ولا يجوز كيلًا.
وقال في رواية أبي الحارث: السويق بالحنطة أكرهه.
وكذلك في رواية مهنا: أكره حنطة مقلية بغير مقلية.
فالدلالة على أنه لا يجوز في الجملة هو: أنه جنس فيه الربا, بيع بعضه ببعض على صفة ينفرد أحدهما بالنقصان عن الآخر في المستقبل, في ما قدر به, فلم يجز.
دليله: بيع الرطب بالتمر.
وافق مالك على ذلك, والرواية لا تختلف عن أحمد في ذلك أيضًا.
ولا يلزم عليه بيع الرطب بالرطب؛ لأنهما يتساويان في النقصان.
ولا تلزم عليه الحنطة العفنة بالجيدة؛ لأن النقصان لا يحصل في ما قدر به.

وإن شئت قلت: جنس فيه الربا, بيع بعضه ببعض على صفتين مختلفتين, أشبه الرطب بالتمر.
ولا يلزم عليه الرطب بالرطب؛ لأن الصفة واحدة.
والأولى أصح؛ لأن هذه تنتقض بالعفنة والجيدة, والبياض مع السواد.
فإن قيل: فيجب إذا باع حنطة بدقيق, ثم طحنت الحنطة, فلم يزد كيلها على كيل الدقيق؛ أن يجوز.
قيل له: الغالب أنها تزيد, والحكم للغالب.
واحتج المخالف بأن الدقيق هو الحنطة بعينها, وإنما تفرقت أجزاؤها, فصار كالصحاح بالمكسرة.
والجواب: أن التساوي هناك بالوزن, وقد وجد, وهو المعتبر, والتساوي هاهنا يعتبر بالكيل, وهما [غير] متساويين.
ولأن الحنطة إذا طحنت زادت على كيل الدقيق, فلذلك لم يجز.
فصل: فإن قلنا: يجوز بيع الحنطة بالسويق, وبيع السويق بالدقيق, فإنما يجوز متساويًا, ولا يجوز متفاضلًا.

نص عليه في رواية حنبل.
وقال مالك وأبو يوسف ومحمد: يجوز متساويًا ومتفاضلًا.
دليلنا: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (الطعام بالطعام مثلًا بمثل).
واسم الطعام يتناول الدقيق والسويق باتفاق, فوجب اعتبار المساواة فيه لعموم الخبر؛ لأن الدقيق والسويق من أجزاء الحنطة, فلا يجوز التفاضل فيهما.
دليله: الدقيق بالدقيق, والخبز بالخبز.
وإن شئت قلت: هما من أجزاء الحنطة, فكانا جنسًا واحدًا.
دليله: ما ذكرنا.
واحتج المخالف بأن الصنعة قد غيرت حكم السويق, وجعلته جنسًا مفردًا عن الحنطة, وللتغيير بالصنعة تأثير في اختلاف الجنسية, ألا ترى أن لحم الضأن والمعز لا يجوز متفاضلًا, ثم بيع النيئ بالمطبوخ منه متفاضلًا جائز؛ لاختلاف الأغراض منه, كذلك السويق والدقيق.
وربما قالوا: كل واحد منهما لا يعود مثل صاحبه, فهو كالناطف والخل.
والجواب: أن هذا المعنى موجود في الدقيق مع الحنطة؛ فإن

الصنعة قد غيرت حكم الدقيق, وجعلته في حكم جنس آخر لاختلاف المنافع, وكذلك الحنطة المقلية وغير المقلية جنس واحد عند أبي يوسف ومحمد, ولا يعود مثل صاحبه, ومع هذا فلا يجوز التفاضل.
وقد نص أحمد على هذا في رواية مهنا: وقد سئل عن الحنطة المقلية بغير المقلية, فكرهه.
وما ذكروه من اللحم النيئ بالمطبوخ, وأنه يجوز متفاضلًا, فغير صحيح؛ لأنه لا يجوز عندنا؛ لا متفاضلًا, ولا متساويًا؛ لأنه يجري مجرى الرطب بالتمر, والخبر بالحنطة.
وكذلك الناطف بالخل لا يجوز.
وقد نص أحمد على هذا في رواية ابن القاسم: وقد سئل عن اللحم المطبوخ باللحم النيئ, وأن مالكًا يقول: لا بأس بهم تفاضلًا لما قد دخله من الصنعة, فكرهه.
قيل له: يقولون في اللحم النيئ بالمشوي: لا يجوز, فقال: نعم, هكذا هو.
وقيل له: واللحم الطري بالقديد؟ فقال: هذا بمنزلة الرطب بالتمر؛ لأن اللحم الطري رطب, وهذا يابس.
وقد نص- أيضًا- في بيع الخبز بالحنطة في رواية ابن

إبراهيم, فقال: لا يعجبني.
ونص في رواية ابن القاسم وسندي في بيع الخبز بالدقيق: لا يجوز.
...

284 -

مسألة

يجوز بيع الدقيق بالدقيق إذا كانا على صفة واحدة من النعومة:

ذكره أبو بكر في كتابه (الشافعي).
وهذه المسألة تدل على أن للدقيق مثل؛ إذ لو لم يكن له مثل لم يجز بيع بعضه ببعض لعدم المساواة.
وهو قول أبي حنيفة ومالك.
وقال الشافعي: لا يجوز, ولا مثل له عنده.
دليلنا: ما روي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الطعام بالطعام مثلًا بمثلٍ).
واسم الطعام يتناول الدقيق باتفاق.
وكل عين جاز بيع بعضها ببعض قبل تفرق أجزائها, جاز بعد تفرقها إذا جاز تفريقها.
دليله: الشيرج بالشيرج, والعصير بالعصير.

وإن شئت قلت: ما كان له مثل قبل تفريق أجزائه, كان له مثل, وإن تفرقت.
دليله: الدراهم.
وكل جنس جاز بيع بعضه ببعض إذا كان على صفة الادخار, جاز بيع بعضه ببعض إذا زال عن حال الادخار.
دليله: بيع الحنطة بالحنطة؛ يجوز إذا كان على صفة الادخار, ويجوز إذا زالا عن ذلك بالعفن.
أو نقول: كل جنس جاز بيع بعضه ببعض إذا كان على صفة ادخاره, جاز بيع بعضه ببعض على غير تلك الصفة.
دليله: اللبن باللبن, والعصير بالعصير.
فإن قيل: معظم منافع اللبن حال رطوبته تجرى مجرى ادخاره.
قيل له: عامة منافع اللبن طريًا توجد حال رطوبته, وكذلك عامة منافع الدقيق؛ لأنهما قد اتفقا في الصفة والمقدار, أشبه بيع الحنطة بالحنطة.
ولا يلزم عليه بيع الرطب بالتمر؛ لاختلافهما في الصفة.
واحتج المخالف بأنه جنس فيه الربا, بيع بعضه ببعض على صفة يتفاضلان في حال الكمال والادخار, فوجب أن لا يصح.
دليله: بيع الحنطة بالدقيق, والرطب بالتمر, واللحم بالحيوان.
والجواب: أنه ينتقض ببيع الحنطة العفنة بالعفنة؛ فإن هذا

الوصف موجود فيه, وقد يجوز.
وقد احترز بعضهم, فقال: قوت زال عن هيئة الادخار بصنعة آدمي, فأشبه الحنطة بالدقيق, والناعم بالخشن.
والجواب: أن قولهم: (قوت) لا تأثير له؛ لأن غير القوت, وهو اللحم الطري باللحم الطري لا يجوز, وإن لم يكن قوتًا.
ثم لا نسلم أنه زال عن حال بقاء نوعه, وإنما زال عن حال بقاء أصله, وهذا لا يمنع البيع, كالعصير بالعصير, وقد زال عن حال بقاء أصله, وهو الزبيب, ومع هذا يجوز.
ثم المعنى في الناعمة بالخشنة, والحنطة بالدقيق, والرطب بالتمر, واللحم بالحيوان: أنه يفضي إلى أن ينفرد أحدهما بالنقصان في الثاني؛ لأن الخشن لو أعيد الطحن عليه زاد, وهذا لا يوجد في الناعمين.
وكذلك الحنطة لو طحنت تفرقت أجزاؤها, فزادت.
وكذلك الرطب إذا جف, وبلغ في الجفاف حالة التمر, نقص عنه.
وكذلك الحيوان إذا ذبح, نقص عن قدر اللحم, فلهذا لم يجز.
وليس كذلك هاهنا؛ لأن المساواة موجودة حال العقد على وجه لا يفضي إلى أن ينفرد أحدهما بالنقصان في الثاني, فهو كالحنطة بالحنطة.

وإن شئت قلت: المعنى في هذه الأصول: أن الصفة مختلفة, وهاهنا الصفة متفقة.
واحتج بأن أجزاءه مختلفة بالنعومة والخشونة, فلم يكن له مثل.
والجواب: أن هذا النوع من الاختلاف غير مؤثر بدليل الحنطة الرزينة بالخفيفة, والتمر الحديث بالعتيق؛ فإنه لا يمنع المثلية لأجل المساواة في المكيال, كذلك هذا.
واحتج بأن بيع الدقيق بالدقيق يؤدي إلى التفاضل حال كونها بوزن؛ لأن دقيق الحنطة الثقيلة أكثر من دقيق الحنطة الخفيفة, فكأنه باع حنطة بحنطة متفاضلة, وهذا لا يجوز.
والجواب: أن هذا يبطل بخل العنب والعصير؛ فإنه يجوز مثلًا بمثل, ونحن نعلم أنا إذا رددناهما إلى العنب كان أحدهما أكثر من الآخر؛ لأن العصير من بعض العنب يكون من بعض, ثم لا يجري مجرى العنب بالعنب متفاضلًا.
...

285 -

مسألة

يجوز بيع الخبز وزنًا:

قال في رواية أبي الحارث: رغيف برغيف لا بأس به إذا لم يرد

الفضل خلافًا لأصحاب الشافعي في قولهم: لا يجوز.
دليلنا: أن ما يخالطه من الماء والملح يراد لمصلحته, وهو غير متفاوت, فلم يمنع من البيع, كبيع الثمر بالثمر وفيه نواة, والجوز واللوز في قشره؛ فإن النوى والقشر غير مأكول, ولم يمنع من البيع.
ولا يلزم عليه إذا باع طعامًا وماءً وملحًا بطعام وماء وملح؛ لأن ذلك ليس من مصلحته.
ولا يلزم عليه إذا باع الهريسة بعضها ببعض والعصيدة؛ لأن التفاوت يكثر في ما يحصل فيها من اللحم والدبس.
واحتج المخالف بأن مع البر من غير جنسه, وهذا لا يجوز.
ولأن أصل كل واحد الكيل, فلا يجوز بيعه وزنًا.
ولأن عمل النار فيه لا يختلف.
والجواب عن قولهم: (إن مع البر من غير جنسه) فيبطل بالنوى في التمر, والقشر في اللوز والجوز.
وأما قوله: (إن الأصل فيه الكيل) فقد انتقل عن ذلك إلى الوزن, فهو كاللبن؛ يباع بعضه ببعض كيلًا, فإذا صار أقطًا أو جبنًا بيع وزنًا.
وأما قوله: (إنه يتفاوت في الجفاف) فيبطل ببيع التمر بالتمر؛ فإنه يختلف جفافه في الشمس, ومع هذا يجوز بيع بعضه ببعض, كذلك هاهنا.
وهذه المسألة تدل على أن للخبز مثلًا؛ إذ لو لم يكن مثله

لم يجز بيع بعضه ببعض؛ لعدم المساواة.
...

286 -

مسألة

لا يجوز بيع الحنطة المبلولة باليابسة:

وقد قال أحمد في رواية الميموني: إذا كانت الثمرة واحدة, فلا يجوز أن يشترط رطبًا بيابس.
واحتج بالتمر بالرطب, وقال: الحنطة اليابسة بالرطبة فلا.
دليلنا: أن إحدى الحنطتين تخالف الأخرى في الصفة المقصودة, فلم يجز.
دليله: المقلية بغير المقلية.
فإن قيل: المقلية فيها زيادة صفة لها قيمة, كالصبغ في الثوب, فيصير بمنزلة من باع قفيز حنطة بقفيز, وشرط مع أحدهما زيادة درهم.
فإن قيل: لا يجوز أن يكون المانع ما ذكرت؛ لأن المصوغ من الذهب والفضة للصنعة قيمة, ومع هذا لا يجوز بيعه بالتبر من جنسه.
وأيضًا قوله - صلى الله عليه وسلم - في بيع الرطب بالتمر: (أينقص الرطب إذا يبس؟)

قالوا: نعم.
قال: (فلا إذًا).
وهذا موجود هاهنا.
واحتج بأن المساوة موجودة حال العقد, أشبه إذا كانا يابستين.
والجواب: أنه يبطل بالمقلية مع غير المقلية.
وعلى أن الكلام يأتي في ذلك في مسألة بيع الرطب بالتمر.
...

287 -

مسألة

خل العنب وخل التمر جنسان, يجوز التفاضل فيهما:

ذكره أبو بكر في كتاب (الخلاف), وحكاه عن أحمد في رواية مهنا.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
وقال مالك: هما جنس واحد, لا يجوز التفاضل فيهما.
وقد روى مهنا عن أحمد: وقد سئل عن الخل من الخمر بخل

التمر, فقال: كل واحد لا يصلح إلا مثلًا بمثل.
هكذا رواه أبو بكر في كتاب (الشافعي).
وهو قول مالك.
فالدلالة على الجواز: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (ما وزن مثلًا بمثل إذا كان نوعًا واحدًا.
وخل العنب وخل التمر نوعان, فدليل الخطاب يقتضي أن لا تجب الماثلة فيهما.
ولأنهما نوعان لأصلين هن أجناس, ويجوز التفاضل فيها, وكانت الفروع أجناسًا, يجوز التفاضل فيها.
دليله: الأدقة, والأخباز, والشبرق مع الزيت.
ولا يلزم عليه اللحمان والألبان؛ لأنهما أجناس على الصحيح من الروايات.
واحتج المخالف بأن منافعهما متقاربة, أشد تقاربًا من لحم الضأن والماعز, ومع هذا فهما جنس واحد, كذلك هاهنا.

ولأنه لو حلف: لا يأكل خلًا, فأي خل أكل حنث, فنقول: شمله اسم جمع خاص, أشبه لحم الضان والماعز, وخل العنب بخل العنب.
والجواب: أنه يبطل بالأخباز والأدقة وبالزيت مع الشبرق؛ فإن هذه الأشياء قد شملها الاسم الخاص في كونها دقيقًا وخبزًا, وكونها دهنًا, ولو خلف: لا أكل دقيقًا- أو خبزًا- أو دهنًا, حنث بكل واحد منهما.
وأما خل العنب بخل العنب فالمعنى فيهما: أنه لما جرى الربا في أصلهما, جرى في فرعهما.
وأما اللحمان وألبان الغنم مع البقر ففيه روايتان؛ فعلى إحداهما: لا نسلم.
والثانية: يجري فيهما الربا, وإن لم نجزه في أصولهما؛ لأنه لما لم يجز الربا في أصولها, لم يمكن اعتبار حالها بها, فاعتبرنا الاتفاق والاختلاف حالة حدوث حكم الربا في الفروع, وليس كذلك هاهنا؛ لأن أصولها يجري فيها الربا, فكان اعتبار الفروع بها.

جارٍ التحميل