أحصرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم عام الحديبية، فنحرنا البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة.
والحديبية من الحل، ويؤكد هذا ما روى مجاهد قال: نحر رسول الله صلى الله عليه وسلّم عند الشجرة، وذلك الموضع حل.
فإن قيل: الحديبية بعضها من الحل وبعضها من الحرم، وروي عن المسور بن مخرمة: أنه قال: كان خباء رسول الله صلى الله عليه وسلّم في الحل، ومصلاه في الحرم.
وروى النجاد بإسناده عن عبد الله بن نيار، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلّم نحر في الحرم في الحديبية.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلّم أهل هو وأصحابه بذي الحُليفة، فلقيهم أهل مكة بالحديبية، فصدوهم، فلما مضى وقت الحج غلت الدماء في أجواف الهدي، فجعلت تطلب من المنحر، وجعل المشركون يردونها، وهي تضربهم بأخفافها، فقالوا: خل سبيل هديك، فليُنحر في منحره.
[....] لو كان النبي صلى الله عليه وسلّم ذبح هديه في الحرم لما قال الله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: 25].
[....] الهدي فيها مثل منى ونحوها.
[....] المحل في القرآن مطلق، فيجب أن يكون الهدي محبوساً على جميع محله.
وما ذكروه من أن النبي صلى الله عليه وسلّم ذبح في الحرم، فيعارضه ما روينا أن مضرب النبي صلى الله عليه وسلّم كان تحت الشجرة، وهو موضع المسجد، وذلك الموضع في الحل معروف.
وما رواه أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتك في كتاب "المناسك": ثنا أبي قال: نا عبد الله بن رجاء قال: إسرائيل، عن مسلم الأعور، عن مجاهد، عن ابن عباس وعبيد بن عمير: أن النبي صلى الله عليه وسلّم نحر هديه يوم صُد بالتنعيم.
قال أبو محمد: يعني: بالحل.
[....] قوله: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: 25] ليس يقتضي كونه ممنوعاً من الحرم أبداً، وإنما يقتضي كونه ممنوعاً منه في وقته، وعندنا مُنع منه، ثم زال المنع.
[....] الصد عن الوقت لا يكون؛ لأنه يمكن أن يقيم إلى ذلك الوقت.
على أنه محمول على الأمرين.
والقياس: أن خارج الحرم موضع إحلاله، فوجب أن يكون موضع ذبح هديه، كالمحصر في الحرم.
[....] الحرم محل للهدي في غير حال الإحصار، فكان محلاً لهديه في حال الإحصار، وليس كذلك الحل؛ فإنه ليس بمحل الهدي في غير حال الإحصار، فلم يكن محلاً له في حال الإحصار.
[....] لا يمتنع أن يكون محلاً للهدي في غير حال الإحصار، ويكون محلاً في حال الإحصار؛ لأن حال الإحصار حال اضطرار، فجاز فيها ما لا يجوز في حال الاختيار، ألا ترى أنه في حال الاختيار لا يجوز أن يتحلل بالهدي، ويكون تحلله بالأعمال؟ واستباح بالإحصار التحلل بالهدي، واستباح تقديمه على الزمان الذي يتحلل [فيه] من إحرامه في حال الاختيار، فلم يمتنع أن يتعين محل الهدي بالإحصار.
[....] لو كان الحل في هذا بمنزلة الحرم، لوجب أن يلزمه
ذبح الهدي في الحل، وأنه يجوز سوقه إلى الحرم، كما لو أحصر في الحرم؛ أنه يلزمه ذبحه فيه، ولا يجوز له أن يذبحه في الحل.
[....] وإنما جاز سوقه إلى الحرم؛ لأن محل الهدي هو الحرم، فإذا تمكن منه لم يجز العدول عنه، وإذا لم يتمكن صار معذوراً، فجاز النحر في موضعه، فهو كما لو عطب الهدي في الحل، نحره موضعه لعدم القدرة على إيصاله إلى الحرم.
ولأن الذبح أحد سببي التحلل في حق المحصر، فلم يختص الحرم، كالحلق.
[....] القارن يجوز أن يحلق خارج الحرم، إلا أن يلزمه دم، ولا يجوز أن يذبح خارج الحرم.
[....] القارن يلزمه الذبح في محل نسكه، وهو منى عند فراغه من الرمي، فلا فرق بينهما.
ولأن التحلل رخصة، فلو كلفناه الذبح في الحرم كان فيه مشقة عظيمة، والغالب أن الإحصار إذا كان من عدو لم يتمكن من إنفاذ الهدي، ولا إنفاذ من ينوب عنه في ذبح الهدي، فلا يتوصل إلى الرُّخصة.
واحتج المخالف بقوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا
تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196].
فالدلالة من الآية من وجوه:
أحدها: أنه واجب على المحصر الهدي، وإطلاقه يقتضي إهداءه إلى الحرم، ألا ترى أنه لو قال: (لله علي هدي) لزمه أن يهدي شاة إلى الحرم، ويذبحها فيه.
والثاني: قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، ومحل الهدي الحرم، قال الله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95]، وقال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِالْعَتِيقِ﴾ [الحج: 33].
والثالث: أنه جعل بلوغ الهدي محله غاية لجواز الحلق، فعُلم أن موضع الذبح غير موضع الإحصار؛ لأنه لو لم يكن كذلك لما كان لقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]-وهو قد يبلغ- معنى.
[....] عن دليله الأول، وأن إطلاق الهدي يقتضي الحرم: فلا نسلم أن الهدي هاهنا مطلق؛ لأن قوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] يقتضي أن يكون الإهداء عقيب الإحصار؛ لأن الفاء للتعقيب، وهذا يدل على أن ذبح الهدي في موضع الإحصار.
وأما الدليل الثاني من قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، وإن محله الحرم، فلا نسلم ذلك أيضاً، بل المحل هاهنا هو الذبح، وإيصاله إلى المستحق، فهو محله، كالموضع الذي يجب الذبح فيه.
والذي يبين صحة هذا: أن الحصر لو كان في الحرم تحلل بالهدي، ولم يكن عليه تبليغ الهدي محله، والمستحب المندوب من فجاج مكة، بل كان ما ذكرنا من الذبح، وتفرقة لحمه على مستحقه.
ولأنه علق جواز الحلق ببلوغ الهدي محله، والحلق إنما يجوز بعد حصول الذبح، فعُلم أن المراد بالمحل المذبح الذي يجوز بعد حصول الذبح، فعُلم أن المراد بالمحل المذبح الذي يجوز بعد الحلق دون الموضع.
وفي هذا جواب عن دليلهم الثالث من الآية.
واحتج بأنه دم تعلق وجوبه بالإحرام، فوجب أن يكون موضع إراقته من الحرم.
دليله: هدي القران والمتعة وجزاء الصيد.
ولأنه دم واجب لاستباحة ما حظره الإحرام -وهو الحلق- على وجه العذر، أشبه فدية الأذى,
ولأنه لا يخلو إما أن يكون دم جناية، أو نسك، وكل ذلك يخنص الحرم.
والجواب: أنه إن كان القياس على الدماء الواجبة على المحصر، فلا نسلم ذلك، ويجوز ذبحها في موضعه من الحل، كما يجوز له أن يذبح هدي الإحصار فيه.
وإن كان القياس على الدماء الواجبة في حق غير المحصر، فالمعنى
في غير المحصر: لما كان موضع محله الحرم، كان موضع نحره الحرم، والمحصر: لما كان موضع محله الحل، جاز أن يكون موضع نحره الحل.
ولأن غير المحصر لا مشقة عليه في إيصاله الدم إلى الحرم، وهذا عليه فيه مشقة من الوجه الذي بينا.
واحتج بأنه موضوع لإباحة الإحلال على غير وجه البدل، أشبه الطواف.
وفيه احتراز عن موضع المتعة؛ لأنه بدل.
والجواب: أنه يبطل بالحلاق.
على أن الطواف لما اختص بموضع اختص بالحرم، والنحر لما لم يختص بموضع معين لم يختص بالحرم.
واحتج بأنه لو كان الحل موضعاً لذبح هدي الإحصار فيه، لما اختلف أن يكون الإحصار في الحل والحرم، ألا ترى أن الحرم لما كان موضعاً له، لم يختلف أن يكون الإحصار في الحل أو الحرم؟
فلما اتفقوا على أنه لو أحصر في الحرم لم يجز ذبحه في الحل، كذلك إذا أحصر في الحل.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو أن محل الهدي الحرم، فإذا كان الحصر في الحرم، فهو متمكن منه، [أما إذا كان الحصر في الحل، فهو
غير متمكن منه]، فكان معذوراً في تركه، كما إذا عطب الهدي في الحل.
وينعكس هذا بالحلاق؛ فإنه لو أحصر في الحرم عن البيت، لم يلزمه الخروج إلى الحل ليحلق، ثم لو وقع الحصر في الحل جاز له الحلاق في موضعه.
فصل:
والدلالة على أنه يجوز ذبحه قبل يوم النحر خلافاً لأبي يوسف ومحمد وإحدى الروايتين عن أحمد: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] ولم يخص وقتاً دون وقت.
فإن قيل: قد قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾؛ يعني: الوقت الذي يذبح فيه، [كما] يُقال: محل هذا المال كذا؛ يعني: الوقت الذي يحل فيه.
قيل: له المراد بالمحل هاهنا: مكان الذبح، وهو موضع التحلل، فإذا بلغ الهدي ذلك، فقد بلغ محله.
والذي يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، ثم قال: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾؛ يعني: في الحج والعمرة، ثم قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]، ولا خلاف أن المراد بالمحل في العمرة المكان دون الوقت، كذا المحل في الحج؛ إذ هو محل واحد.
فإن قيل: إذا احتمل الوقت والمكان حملناه عليهما جميعاً،
وجعلناهما شرطاً في إباحة الإحلال.
قيل له: يجب حمله على ما لا يحتمل إلا وجهاً واحداً؛ من شأن الاستثناء أن يُرد إلى المحكم.
وأيضاً الإحصار يباح به ما كان محظوراً عليه في الإحرام لأجل الصيد، فوجب أن يجوز تقديمه على يوم النحر قياساً على نسك الأذى.
ولأن دم الإحصار ليس بنسك في نفسه، إنما يجب لأجل ما يحصل له من الإحلال به، ووجدنا الدماء الواجبة في الإحرام ما لم تكن نسكاً جاز تقديم إراقتها قبل يوم النحر، كجزاء الصيد، ودم اللابس، والمتطيب، فوجب أن يكون دم الإحصار بمثابته.
ولا يلزم عليه دم المتعة والقران؛ لأنه نسك في نفسه، كالوقوف بعرفة والطواف.
وأيضاً المحصر بمنزلة من فاته الحج؛ لأنه يجوز له الإحلال بالهدي، كما يجوز للذي فاته الحج أن يتحلل بعمل العمرة، فلما لم تكن العمرة التي تجب بالفوات مؤقتة، وجب أن لا يكون دم الإحصار مؤقتاً.
فإن قيل: هذا دلالة لنا، وذلك أن العمرة التي يتحلل بها من فاته الحج من إحرامه لا يجوز تقديمها على يوم النحر، كذلك دم الإحصار يجب أن لا يجوز تقديمه على يوم النحر.
قيل له: الإحصار سبب لجواز الإحلال، وإذا كان السبب موجوداً
جاز تقديم الذبح والإحلال من الإحرام، وليس كذلك العمرة التي تلزم بالفوات؛ لأن سببها لا يُوجد إلا بفوات الحج، والحج لا يفوت إلا بفوات الوقوف بعرفة، فإذا لم يوجد سبب العمرة لم يجز تقديمها.
واحتج المخالف بأنه محرم بالحج، فوجب أن لا يجوز له الإحلال قبل يوم النحر قياساً على غير المحصر.
والجواب: أن الذي لم يُحصر لا يجوز إحلاله قبل يوم النحر؛ لأنه أتى بأفعال الحج على الترتيب، وهذا لم يأتِ بشيء من أفعال الحج، وسبب الإحلال موجود، وهو الإحصار، فوجب أن يجوز إحلاله لوجود السبب.
فإن قيل: يجوز أن يرتفع الإحصار، ويصل إلى البيت، ولا يجوز أن يحل حتى يتقين أنه لا يمكنه الوصول إليه، فحينئذٍ يحل.
قيل له: هذا يوجب أن لا يجوز للمحرم بالعُمرة إذا أُحصر أن يحل بالهدي؛ لأن المتعة ليس مؤقتة، ويجوز أن يرتفع الإحصار، فيصل إلى البيت.
فإن قيل: المحصر يذبح الهدي؛ ليحل من إحرامه، كالمتمتع والقارن، ولا خلاف أن دم التمتع والقران لا يجوز تقديمه على يوم النحر، كذلك دم الإحصار.
قيل له: [هدي] المتعة ترتبت عليه أفعال الحج والعمرة، وكذلك
هدي القران، فإذا أتى بأفعاله على الترتيب لم يجز تقديم الهدي قبل يوم النحر، وليس كذلك هدي الإحصار؛ لأنه لا ترتيب عليه في الأفعال، وإنما يحل به من الإحرام من غير أن يأتي بأفعال الحج على الترتيب، فهو في حكم من فاته الحج على ما بينا؛ أنه يحل من إحرام الحج من غير أن يأتي بأفعال الحج، ثم العمرة التي يتحلل بها من إحرامه غير مؤقتة، كذلك الدم الذي يتحلل به المحصر من إحرامه يجب أن لا يكون مؤقتاً.
......
221 -
مسألة
إذا أُحصر في حج التطوع، فحل منه بالهدي، لم يلزمه القضاء في أصح الروايتين:
نص عليه في رواية أبي طالب في ما أخرجه النجاد، فقال: فإن حُصر بعدو، ينحر الهدي، ويحل، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلّم، فقيل له: فعليه القضاء؟ فقال: لم أسمع فيه قضاء، يحل ويرجع، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلّم.
وقال في رواية ابن القاسم: لا يُعيد من أُحصر بعدو حجاً ولا عمرة، إلا أن يكون رجلاً لم يحج قط.
وقال -أيضاً- في رواية الميموني: إذا حصره العدو نحر الهدي مكانه، وليس عليه شيء أكثر من هذا.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وفي رواية أخرى: عليه القضاء.
قال في رواية أبي الحارث في ما ذكره النجاد: إذا أُحصر بعدو أقام حتى يعلم أن الحج قد فاته، ونحر الهدي إن كان معه في موضعه، ورجع إلى أهله، وعليه الحج [من] قابل.
وقال -أيضاً- في موضع آخر في "مسائل أبي طالب" في المحصر: إن كان معه هدي نحره، وإلا فلا ينحر، وعليه الحج [من] قابل.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وجه الأولى: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، وتقدير الآية: فإن أحصرتم، فأردتم التحلل، فما استيسر من الهدي.
فأوجب الهدي، ولم يوجب القضاء، فلو كان واجباً لبينه، وأمر به، كما أمر بالهدي.
فإن قيل: المقصود من الآية بيان ما يتحلل به دون ما يجب إذا تحلل منه، فلهذا لم يذكر القضاء.
قيل له: وجوب القضاء من أحكام التحلل، فلو كان واجباً لبينه؛ لأن المتحلل من إحرامه يحتاج إلى معرفة ما يجب عليه التحلل.
وأيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلّم أحرم بالعُمرة في سنة ست، ومعه أصحابه، وكانوا ألفاً وأربع مئة، هكذا روى عبد الرحمن بن أبي حاتم بإسناده عن مروان بن الحكم، والمسور بن مخرمة قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلّم
عام الحديبية في بضع عشرة مئة، فلما أُحصر رجع من قابل، ومعه منهم نفر.
فلو كان القضاء واجباً لبين لهم النبي صلى الله عليه وسلّم.
فإن قيل: بيانه يكون [تارة] بالفعل؛ وتارة يكون بالقول، وقد بينه بالفعل؛ لأنه قضى تلك العمرة، وسُميت عمرة القضاء.
قيل له: فعل النبي صلى الله عليه وسلّم لا يدل على الوجوب على اختلاف الرواية عن أحمد، ولأنه قد يفعل الواجب والمستحب.
وأما تسميتهم أنها قضاء، فلا يدل على الوجوب أيضاً؛ لأن المستحب يُقضى، ويكون القضاء مستحباً.
وعلى أنا لا نعرف من سماها بهذا الاسم، فلم يكن فيه حجة.
وعلى أنه إنما سُميت بهذا الاسم لقوله في الكتاب: هذا ما قاضى محمد رسول الله سهيل بن عمرو، وكان اشتقاقه من (المقاضاة) و (القضية) دون ما ذكروه.
ولأن كل نفل جاز له التحلل منه مع صلاح الوقت له، لم يلزمه القضاء.
دليله: لو دخل في الظهر، وهو يظن أن الشمس قد زالت، ثم بان أنها لم تزل، فإن له الخروج من الصلاة، وإذا خرج لم يلزمه القضاء.
ولا تلزم عليه حجة الفرض والنذر إذا أُحصر منها أنه يلزمه القضاء؛ لقولنا: نفل.
ولا يلزم عليه الفائت والمفسد؛ لأنه لا يجوز له التحلل.
وأيضاً فإن المحصر إنما يلزمه الهدي بدلاً عن الأفعال التي يتركها؛ ليقوم مقامها بدلالة أنه لا يجوز له التحلل إلا بعد الإتيان به، كما لا يجوز لغيره التحلل إلا بعد الإتيان بالأفعال، فثبت أن الهدي أُقيم مقام إكمال الأفعال، وقد ثبت أنه لو تحلل بعد إكماله لم يكن عليه القضاء، كذلك إذا أُحصر، فحل بالهدي.
فإن قيل: لو كان الهدي قائماً مقام الأفعال لما لزمه القضاء في حجة الإسلام والنذر؛ لأنه قد وُجد ما يقوم مقام الأفعال التي يتركها، فعلم أن هدي المحصر لإباحة التحلل.
قيل له: البدل إذا قام مقام المبدل في شيء لم يجب أن يقوم مقامه في جميع الأشياء، ألا ترى أن المسح على الخف يقوم مقام غسل الرجلين في استباحة الصلاة، ويخالفه في تقدير مُدته، كذلك هاهنا.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "من كسر أو عَرِج فقد حل، وعليه الحج من قابل".
ولم يفرق بين أن يكون الحج الذي كُسر فيه فرضاً، أو نفلاً.
والجواب: أن الخبر فيه إضمار بالإجماع؛ لأنه من كُسر أو عرج
لم يحل بذلك، فتقديرهم عندهم: من كُسر أو عرج تحلل، وعليه القضاء، وتقديره عندنا: من كُسر أو عرج، ففاته الحج، فعليه القضاء.
ونحن نوجب القضاء عليه بذلك الفوات، وإن كان معذوراً فيه.
واحتج بأن الله -تعالى- قال: ﴿وَأَتِمُّواالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، فأوجب إتمامهما بالدخول فيهما، وإذا ألزمناه صار كالواجب بالنذر وبأصل الشرع، ولا خلاف أن الواجب بالنذر وبأصل الشرع إذا أُحصر فيهما لزمه القضاء، كذلك هاهنا.
والجواب: أن الظاهر مُطرح بالإجماع هاهنا؛ لأنه لا يلزمه الإتمام هاهنا، وله الخروج منها بالحصر، فلم يكن فيه حجة.
وأما حجة الفرض والنذر فقد قاسوا عليها بعبارات منها: أنه لم يحصل منه فعل الحج الذي دخل فيه، فلزمه القضاء، كالفرض والنذر والفائت والمفسد.
وكل من أفسد أو فاته الحج، لزمه القضاء، فإذا خرج منه بالإحصار، لزمه القضاء.
دليله: النذر والفرض.
ولأنه لما لزمه دم الإحصار، لزمه القضاء.
دليله: ما ذكرناه.
والجواب عن الفائت والمفسد: فإنما لزمه القضاء؛ لأن ذلك حل
بصنع من جهته؛ لأنه إما أن يكون الفوات بخطأ في الطريق أو في العدد من المفسد، فلا شك أن ذلك يُفعل من جهته، فهو متعد فيه، وليس كذلك المحصر؛ فإن المتمتع من جهة غيره، لا صنع له فيه، فأُبيح له التحلل من غير قضاء.
وأما الواجب بالشرع وبالنذر؛ فإنه لا يقضيه، ولكنه يتحلل منه، فيصير كأنه لم يرحم، ويعود إلى ما كان قبل إحرامه من وجوب الحج في ذمته، فيفعله إذاً، فكذلك في التطوع إذا تحلل منه، يجب أن يسقط حكم إحرامه، ويعود إلى حالته قبل إحرامه.
ولأن الفائت يلزمه أن يأتي بما يقدر عليه من الأعمال بعد زوال الإحصار، فلا يلزمه القضاء.
واحتج بأن العذر الخاص في حق آحاد الناس يوجب القضاء، كذلك العام.
والجواب: أنا لا نسلم هذا؛ فإن إسحاق بن إبراهيم نقل عن أحمد في رجل [أهل] بفرض الحج، [فمنعه] والده: يعجبني أن يفي به، فإن منعه سلطان يكون محصراً، عليه ما على المحصر.
وظاهر هذا: أن الحصر الخاص بمنزلة العام.
على أن الحصر الخاص يختص ببعض الناس، ولا تلحق مشقة عامة في إيجاب القضاء.
......
222 -
مسألة
إذا أُحصر في حجة الفرض، فحل منها بالهدي، لزمه قضاء الحج، ولم تلزمه عمرة معها:
وهو ظاهر كلام أحمد في رواية أبي الحارث وأبي طالب: عليه الحج من قابل، ولم يقل: عمرة.
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يلزمه قضاء الحج وعمرة.
دليلنا: أنه تحلل من حج، فإذا قضى حجه كفاه.
دليله: لو تحلل منه قبل يوم النحر، وحج من سنته؛ فإنه لا يلزمه عمرة، ويكفيه الحج.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لم يفسد، فلهذا لم تجب عليه العمرة، كما لو لم يحل حتى حج من عامه ذلك، وليس كذلك هاهنا؛ لأن المحصر فائت، ومن فاته الحج لزمه بالفوات عمل عمرة، وإذا تحلل
من الحجة الفائتة بغير عمل عمرة، لزمه قضاء العمرة إذا حج في السنة الثانية.
قيل له: قولك (إن المحصر فائت) غير صحيح؛ لأن الفائت من فاته الوقوف بعرفة مع بقاء إحرامه، ألا ترى أنه لو لم يحرم بالحج، لم يجز أن يُقال: وجبت عليه عمرة؛ لأنه قد فاته الحج في هذه السنة.
وعلى أن دم الإحصار يقوم مقام الطواف الذي يلزم بالفوات، ألا ترى أن المحصر يتحلل بالدم، كما يتحلل من فاته الحج بالطواف؟ وإذا قام الدم مقامه لم يلزمه عمرة.
فإن قيل: الهدي لا يقوم مقام الطواف، وإنما جُعل لأجل الإحلال به فقط، ألا ترى أن الطواف الذي يتحلل به لا يجوز قبل يوم النحر، ودم الإحصار يجوز قبل يوم النحر؟ فلو كان قائماً مقام الطواف لما جاز إلا في الوقت الذي يجوز فيه الطواف.
قيل له: الصوم في حق المتمع بدل عن الهدي، ويجوز في الوقت الذي لا يجوز فعل الهدي فيه؛ لأن الهدي يختص بيوم النحر، والصوم يجوز في ما قبله، وكذلك صلاة العصر المفعولة في وقت الظهر بحق الجمع بدل عن صلاة الوقت في حال الاختيار، وإن لم يكن هذا وقتاً لها في حال الاختيار.
ولأن الطواف يتقدم عندنا على يوم النحر، وهو بعد نصف الليل، فيجب أن يجوز الهدي في ذلك الوقت.
ولأنا إذا فرضنا الكلام في العمرة، لم يلزمنا هذا؛ لأن طوافها لا يختص بوقت.
فإن قيل: الذي يلزمه الفوات لا يخلو إما أن يكون عمرة، أو عمل عمرة، فإن كانت عمرة لم يجز أن يقوم الدم مقامها، وإن عمل عمرة فكذلك، ألا ترى أنه لو فاته الحج لزمه أن يتحلل منه بعمل عمرة، فإن أراد أن يرجع إلى بلده، ويقيم الدم مقامه لم يجز؟ فدل على أن الدم لا يقوم مقام العمرة.
قيل له: قد بينا: أن المحصر ليس بفائت؛ لن الفائت من فاته الوقوف بعرفة مع بقاء إحرامه، وليس الخلاف في الحصر بعد الفوات، وإنما الخلاف في الحصر قبله، وفي هذه الحالة ما لزمته عمرة، ولا عمل عمرة.
وعلى أنه لو كان الحصر بعد الفوات لم يضر، وكان له أن يخرج منه بعده.
ولأن حرمة الإحرام قبل الفوات أعظم منه بعد فواته، فإذا كان له التحلل قبل الفوات بالدم، فأولى أن يكون له بعده.
وذهب المخالف إلى أن هذا فائت، فلزمه أن يأتي بعمل العمرة، كالذي يفوته الحج، وقد أجبنا عنه.
......
223 -
مسألة
هدي الإحصار يُجزئ عنه الصيام:
نص عليه في مواضع:
فقال في رواية ابن منصور: المحصر إذا لم يجد الهدي يصوم عشرة أيام قبل أن يحل، فقيل له: يصوم ثلاثة، وسبعة إذا رجع؟ فقال: ليس هو بمنزلة القارن، والمحصر يصومهن كلهن قبل أن يحل.
وكذلك نقل أبو الحارث عنه: إذا لم يكن مع المحصر هدي يصوم عشرة أيام قبل يوم النحر، وإذا كان يوم النحر حل، فإذا كان إحرامه بعمرة يصوم عشرة أيام، ثم يحل.
وكذلك نقل الأثرم عنه: إذا لم يكن مع المحصر هدي صام عشرة أيام.
وقال أبو حنيفة: لا يجزئ عنه الصوم، وكذلك سائر الجنايات في الإحرام إلا ما أُبيح في حال العذر من حلق الرأس من أذى، وما في معناه.
وللشافعي قولان:
أحدهما: مثل قولنا.
والثاني: مثل قول أبي حنيفة.
دليلنا: أن هذا دم تعلق وجوبه بالإحرام، فجاز أن يقوم الصوم مقامه، كهدي القران والمتعة.
فإن قيل: نص الله -تعالى- على المحصر، فأوجب عليه الهدي، ونص على المتمتع، فأوجب عليه الهدي، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع، فلا يجوز حمل المحصر على المتمتع؛ إذ المنصوصات لا يقاس بعضها على بعض، ألا ترى السارق -وإن كثرت جنايته- لا تُقطع يده ورجله قياساً على المحارب؛ لأن كل واحد منهما منصوص على حكمه؟ وكذلك لا يجوز أن يقاس التيمم على الوضوء في مسح الرأس والرجلين.
قيل له: الصوم في آية المحصر مسكوت عنه، وفي آية المتمتع منطوق به، فليس في قياس أحدهما على الآخر حمل المنصوص عليه.
وأما امتناع حمل السارق على المحارب، والمتيمم على المتوضئ، فالإجماع منع من ذلك.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، فأمر بالهدي، وأمره على الوجوب، وفي جواز العدول عنه إلى الصوم إسقاط لوجوب الهدي.
والجواب: أنه أوجب الهدي إذا استيسر، وخلافنا إذا عدم الهدي، وتعذر ولم يتيسر، وليس في الآية ما يدل على هذا عنده، فلم يصح الاحتجاج به، وأخذنا وجوبه من طريق القياس، كما أثبتوا جزاء الصيد في الحرم بالقياس على جزاء الصيد على المحرم، وكما أثبتوا كفارة
المفطر بالأكل والشرب بالقياس على الوطء، والمسح على الجُرمُوقين بالقياس على الخفين.
واحتج بأن إثبات الأبدال لا يجوز إلا من طريق التوقيف أو الاتفاق، وليس في الصوم توقيف، ولا اتفاق، فلا يجوز إثباته بدلاً عن الهدي.
والجواب: أنه يجوز إثبات الأبدال بالقياس، كما جاز إثباتها بخبر الواحد، وكل ما جاز إثباته بخبر الواحد جاز بالقياس.
......
224 -
مسألة
ومقدار الصوم عشرة أيام:
نص عليه في رواية الجماعة: الأثرم، وأبي الحارث، وابن منصور، وقد تقدم لفظ كلامه.
وللشافعي ثلاثة أقوال:
أحدها: مثل هذا.
والثاني: أنه يقوم الهدي دراهم، ثم الدراهم طعاماً، فيكون عليه الإطعام إن أمكنه، وإن لم يمكنه صام عن كل مُد يوماً قياساً على جزاء الصيد.
والثالث: هو مُخير بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين؛
لكل مسكين مُدَّان قياساً على فدية الأذى.
دليلنا: أن هذا المحصر شبيه بالمتمتع؛ لأنه يحصل له الترفه بالإحلال، كما يحصل للمتمتع الترفه بين الإحرامين، م ثبت أن المتمتع إذا وجد الهدي تعين عليه إخراجه، فإن لم يجده صام عشرة أيام، كذلك المحصر يجب أن يكون مثله.
ويفارق هذا في جزاء الصيد؛ لأنه يجب على وجه التعديل، واعتبار النظير.
ويفارق فدية الأذى؛ لأنها وجبت لارتكاب محظور، لا على وجه التعديل.
......
225 -
مسألة
ولا يجوز التحلل حتى يأتي بالبدل؛ الذي هو الصوم، كما لا يحل حتى يأتي بالمبدل؛ الذي هو الدم:
نص عليه رواية ابن منصور، فقال: يصوم العشرة، ثم يحل، وفرق بينه وبين المتمتع والقارن.
وكذلك في رواية أبي الحارث: يصوم العشرة قبل يوم النحر، فإذا كان يوم النحر حل.
وللشافعي قولان:
أحدهما: مثل هذا.
والثاني: يحل قبل الصيام.
دليلنا: أن الصوم قائم مقام الهدي، ثم ثبت أنه لا يجوز له أن يتحلل قبل ذبح الهدي، كذلك في الصوم؛ الذي هو قائم مقامه، وكان المعنى فيه: أن الهدي أُقيم مقام الأفعال الباقية عليه من الحج، ثم ثبت أنه لو لم يكن محصراً لم يتحلل حتى يكمل الأفعال، كذلك هاهنا.
واحتج المخالف بأنه صيام وجب بالإحرام، فجاز أن يتقدمه التحلل.
دليله: صوم دم التمتع والقران وقتل الصيد وغير ذلك.
والجواب: أن مبدلات تلك الدماء لا يقف التحلل عليها، كذلك أبدالها، وليس كذلك هذا الصوم؛ لأن مبدله يقف التحلل عليه، كذلك بدله؛ لأن الدبل قائم مقام المبدل.
......
226 -
مسألة
إذا وقف بعرفة، وصُد عن البيت، فله التحلل على ظاهر قول أحمد في المحصر: له التحلل، ولم يُفرق:
وقد صرح به رواية أبي طالب في المحصر عن مكة: فيه اختلاف، فإن حصر بُعذر ينحر الهدي، ويحل، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلّم بالحديبية.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إذا وقف بعرفة لم يجز له التحلل.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، ولم يفرق بين أن يكون الحصر عن جميع الأركان، أو عن بعضها.
ولأنه مصدود عن البيت بغير حق، فجاز له التحلل.
دليله: لو لم يُمكن من الوقوف بعرفة.
وقيل: إحرام تام، فجاز التحلل منه بالإحصار.
دليله: قبل الوقوف.
ونريد بقولنا: (تام): أن محظوراته كلها باقية، والتلبية مسنونة، وبقاء التلبية يدل على بقاء الإحرام.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لم يحصل له أكثر الأركان، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه يحصل له أكثر أركان الحج.
أو يمكنه فعل الأكثر، فلا يجوز أن يتحلل بالهدي؛ لأن الأكثر يقوم مقام الكل في كثير من الأصول.
قيل له: إذا وقف بعرفة فقد أتى بالإحرام والوقوف، وبقى عليه ركنان آخران، وهما: الطواف [والسعي]، فلم يصح قوله: قد أتى بأكثر أركان الإحرام.
ولأن معظمها وأكثرها لا يقوم مقام الكل يدل عليه أن محظوراته كلها باقية، والتلبية مسنونة، ولو كان المعظم بمنزلة الكل لوجب أن
تكون المحظورات قد حلت، والتلبية قد انقطعت.
وأيضاً فإن الوقوف لا يتغير به حكم الإحرام إلا في الأمن من الفوات، والأمن من الفوات لا يدل على المنع من التحلل بالإحصار بدليل أن إحرام العمرة لا يفوت، ومع هذا فإنه يكون له التحلل منه بالإحصار، وقد نص على ذلك أحمد في رواية أبي الحارث.
فإن قيل: لو لم نجعله محصراً في العمرة لبقى محرماً لا يحل له شيء، فنضيق عليه، فأبحنا له التحلل تسهيلاً عليه، وتخفيفاً عنه، وليس كذلك المحرم بالحج إذا وقف بعرفة؛ لأنه يمكنه أن يحلق، فيحل له كل شيء إلا النساء، فلا يضيق عليه.
قيل: في ترك النساء مشقة؛ لأن الطباع داعية إلى ذلك محتاجة إليه، فلم يصح ما قاله.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّواالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، وهذه تمنع جواز التحلل قبل الطواف.
والجواب: أن هذا غير مُمكن من الإتمام، فلا يدخل تحت الظاهر.
واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "من وقف بعرفة فقد تم حجه"، والإحلال بالهدي يمنع تمامه؛ لأنه يوجب فسخه، والظاهر يمنع منه.
والجواب: أن معنى قوله: "قد تم" قرب التمام، كما قال لعبد الله ابن مسعود، وقد علمه التشهد: "إذا قلت هذا - أو قضيت هذا- قضيت صلاتك"، وروي: "فقد تمت صلاتك"، ومعناه: قرب التمام؛ لأنه قد بقي عليه الخروج منها.
وعلى أن التمام لا يمنع الفسخ، كمن يرتد، فينفسخ حجه.
واحتج بأنه يمكنه الوقوف بعرفة، فلا يجوز له أن يتحلل بالهدي، كما لو لم يحصر، وكما لو مُنع من الصفا والمروة والمزدلفة.
الجواب: أنه غير ممنوع من البيت، ولا من الوقوف، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه ممنوع من البيت بغير حق، أشبه إذا منع قبل الوقوف.
واحتج بأنه موضع يؤدي فيه ركن من أركان الحج، فإذا قدر على الوصول إليه في الحج لم يجز له أن يتحلل بالهدي، كما لو أمكنه الوصول إلى البيت، ومُنع من الوقوف.
والجواب: أنه يجوز له التحلل هاهنا، كما يجوز له إذا مُنع من الوقوف والبيت جميعاً، بل هذا أولى؛ لأنه إذا مُنع من الموقف فاته الحج فيلزمه القضاء على الصحيح من الروايتين.
ولأنه مصدود عن إكمال فرض نسكه بغير حق، وكان له التحلل،
كما لو صُد عن جميع الأفعال.
وقولنا: (مصدود عن [إكمال] فرض نسكه) يحترز منه إذا أُمكن من الوقوف والطواف، ومُنع من منى، فإن الباقي عليه من المبيت والرمي لا يتحلل له؛ لأنه قد مُكن من التحلل، وقد فعله، فلا يحل بعد أن تحلل من الحج.
ويتوجه أن يُقال: لا يتحلل؛ لأنه ممكن من البيت، ومن كان ممكناً من البيت، فليس بمحصر.
وقد أومأ إلى هذا في رواية ابن إبراهيم وابن منصور:
فقال في رواية ابن إبراهيم في المكي: لا إحصار عليه، وقد وجب عليه الحج ساعة يلبي.
فلم يجعل للإحصار في حقه حكماً؛ لأن المكي مُمكن من حج البيت.
وقال -أيضاً- في رواية ابن منصور: وقد سُئل: على أهل مكة إحصار؟ قال: أهل مكة يهلون، ولا يحلون إلا بالوقوف بعرفة والرمي والطواف مثل الحاج.
واحتج بأنه لو مات بعد الوقوف لم ينفسخ إحرامه، ولم يُقض عنه الحج، كذلك إذا أحصر؛ لأنه قد حصل له الوقوف بعرفة.
قالوا: وقد قال أحمد في رواية أبي داود في من مات، وقد بقي عليه شيء من نسكه: يُقضي عنه، ويُوقف عنه بالمزدلفة.
والجواب: أن الأمر كما ذكرت، وأنه يُبنى على فعله في الحج، وكان المعنى فيه: أن المقصود حصول الحجة للمحجوج، فإذا أمكن برجلين، فلا معنى للمنع منه.
ولأنه لا يمنع أن تصح الحجة الواحدة من اثنين، ألا ترى أن الصبي الذي لا يمكنه الإحرام بالحج يحرم عنه وليه، ويأتي الصبي بأفعال الحج؟ فانعقد الإحرام من واحد، وبقية الحج من آخر، وهذا المعنى معدوم في مسألتنا؛ لأنه مصدود عن البيت، فهو كما لو كان مصدوداً عن جميع أفعال الحج، ولا فرق بينهما.
......
227 -
مسألة
إذا مرض المحرم لم يجز له التحلل، ويقيم على إحرامه حتى يصل إلى البيت، فإذا فاته الحج يفعل ما يفعله الفائت من عمل العمرة والهدي والقضاء على الصحيح من الروايتين:
نص عليه في رواية الجماعة؛ ابن منصور، وأبي الحارث، والأثرم: فقال: في رواية ابن منصور: إذا كان إحصار عدو نحر هديه،
ورجع، وإذا كان مرضاً، أو كسراً، فهو محرم أبداً حتى يصل إلى البيت، ويطوف بالبيت.
وكذلك نقل أبو الحارث.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: الإحصار بالمرض، كالإحصار بالعدو سواء.
دليلنا: ما روى أحمد في "المسند": ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.
وهشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: دخل النبي صلى الله عليه وسلّم على ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فقال: إني أريد الحج، وأنا شاكية، فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: "حُجي، واشترطي: أن مَحِلي حيث حَبَستني".
وروى أحمد: نا يعقوب قال: نا أبي قال: فزعم ابن إسحاق، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلّم ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، وهي شاكية، فقال: "ألا تخرجين معنا في سفرنا هذا"، وهو يريد حجة الوداع، فقالت: يا رسول الله! إني شاكية، وأخشى أن تحبسني شكواي، قال:
"فأهلي بالحج، وقولي: اللهو مَحِلي حيث حبستني".
وروى -أيضاً- أحمد عن الضحاك بن مخلد، عن حجاج الصواف قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "أحرمي، وقولي: إن محلي حيث تحسبني، فإن حُبست، أو مرضت، فقد أحللت من ذلك، شرطك على ربك عز وجل".
فوجه الدلالة: أنه أمرها أن تشترط، فلو كان المرض يُبيح الإحلال لما احتاجت إلى شرط الإحلال في الموضع الذي تُحبس فيه.
فإن قيل: قوله: "اشرطي" معناه: قولي في نفسك، واعقدي، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ﴾ [المجادلة: 8].
وقوله: "اشترطي" من كلام الراوي؛ فإنه لما سمع النبي صلى الله عليه وسلّم يقول لها: "قولي" ظن أنه أراد القول حقيقة.
قيل له: "اشترطي" ظاهره يقتضي الكلام؛ لأنه قد روى أحمد: "وقولي: اللهم محلي حيث حبستني"، وهذا نص في أنه أمرها بالشرط.
وقولهم: (إن هذا من كلام الراوي) لا يصح؛ لأن الصحابي إذا
قال: قال النبي صلى الله عليه وسلّم، فالظاهر أنه من قوله؛ لأنه عزاه إليه.
وعلى أن القصد بالقلب، لا يعتبره أحد، فلا يجوز اعتباره، وحمل الخبر عليه.
فإن قيل: فائدة الشرط: أنه لا يلزم الدم حال الشرط، ويلزمه حال الإطلاق.
قيل: يجب أن يكون الشرط في الحكم المذكور، وهو إباحة التحلل دون غيره.
على أن هذا ليس بمذهب لهم؛ لأن عندهم أن الشرط لا يصح، وأن التحلل لا يكون إلا بالهدي، وقد جعله بعضهم في مسائل الخلاف، فلم يصح هذا السؤال.
ولأنه إجماع الصحابة؛ روي ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير:
فروى النجاد بإسناده من طريق أحمد عن ابن عباس: لا حصر إلا حصر عدو.
وروى أيضاً بإسناده من طريق أحمد عن ابن عمر: لا إحصار إلا من عدو.
وروى بإسناده من طريق مالك: أن ابن حُزابة المخزومي صُرع
ببعض الطريق، وهو محرم بالحج، فسأل عن الماء الذي كان عليه، فوجد عليه عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ومروان بن الحكم، فذكر لهم الذي عرض له، فكأنهم أمروه أن يتداوى بما لا بد له منه، ويفتدي، فإذا صح اعتمر وحل من إحرامه، ثم عليه الحج قابلاً، ويفتدي.
والقياس: [أن] كل من لم يتخلص بتحلله من نسكه عن شيء من الأذى الذي هو فيه، لم يجز له التحلل.
دليله: لو أخطأ الطريق.
ولا يلزم عليه إذا أُحصر بعدو؛ لأنه يتخلص من الأذى، وهو الأمن من عدوه، والمريض لا يزول مرضه بتحلله.
ولا يلزم عليه إذا أحاط به العدو من جميع الجهات؛ لأنه قد يتخلص بالتحلل، وهو أن يمكنه الهرب والرجوع إلى بلده، وإذا لم يتحلل لم يمكنه.
فإن قيل: يستفيد بالتحلل استباحة الطيب واللباس وسقوط الفدية.
قيل له: هذا المعنى لا يوجب جواز التحلل، ألا ترى أن من أصابه شدة حر أو برد، فاحتاج إلى ذلك، لم يستبح التحلل؛ ليتطيب، ويلبس، ويسقط عنه الفدية.
وقياس آخر، وهو: أن كل ما لا يُبيح التحلل بعد الوقوف بعرفة لا يبيحه قبله.
أصله: الحيض والنفاس.
ولا يلزم عليه المحصر بعدو؛ لأنه يُبيح التحلل بعد الوقوف عندنا.
ولأنه مصدود عن البيت لمعنى في نفسه، فلا يجوز له التحلل.
دليله: الحائض؛ فإنها مصدودة عن البيت، ولا تتحلل.
وعكسه: المحصر بعدو؛ لأنه مصدود عنه لمعنى في غيره، وهو العدو.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196].
قال النسائي وأبو عبيدة وثعلب وأكثر أهل اللغة: يُقال: أحصره المرض، وحصره العدو.
وقال تعالى: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ [التوبة: 5]، فأطلق في العدو لفظ (الحصر) دون (الإحصار)، فإذا ثبت أن الإحصار أخص بالمرض منه بالعدو، وجب حمل الآية عليه.
والجواب: أنه لا يجوز أن يُقال: (إن الإحصار أخص بالمرض منه بالعدو) من وجهين:
أحدهما: أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلّم عام الحديبية، وهو
مصدود بالعدو، فأبيح له التحلل بها، والسبب لا بد من أن يكون داخلاً في اللفظ الذي هو وارد فيه.
والثاني: أن هذا اللفظ عبارة عن الحبس والمنع، وذلك يحصل بالعدو، كما يحصل بالمرض، وكان عاما ًفيهما جميعاً، ولم يكن أخص بأحدهما من الآخر.
والذي يبين صحة هذا: قول ابن محمد العُتبي في "غريب القرآن": ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: 196]، من الإحصار، وهو أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين الحج من مرض، أو كسر، أو عدو، يقال: أُحصر الرجل إحصاراً، فهو محصر.
فإن حُبس في سجن أو دار قيل: حُصر، فهو محصور.
وقد بين أن اللفظ عام في المرض والعدو جميعاً.
وإذا ثبت أنه عام فيهما فقد اقترنت به قرينة دلت على أن المراد به: العدو دون المرض، والقرينة في ذلك من سياق الآية من أربعة أوجه:
أحدها: أنه قال: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِي﴾، فلو كان المراد بأول الكلام المرض لم يستأنف ذكره.
والثاني: قوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، فلو كان المراد بأول الآية المرض لم يرتب حلقه على بلوغ الهدي محله؛ لأن
لكم نصاً أن يحلق قبل النحر.
والثالث: قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ﴾، والأمن إنما يكون من العدو دون المرض.
والرابع: قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾، وهذا خطاب لجماعتهم، وإنما يكون هذا بالعدو، فأما المرض فيبعد أن يعم الجماعة.
فإن قيل: قد يكون الأمن من المرض هو أن يأمن زيادته.
قيل له: لم نسمع من أهل اللغة: أمن من المرض، وإنما يُقال: صح، وبرأ، واستقل، واندمل، وتماثل، وأفاق، ونقه.
فإن قيل: قد ثبت أن لفظ الإحصار يصلح للمريض والعدو، هو عام، وقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، وقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾ راجع إلى بعض ما تناوله العموم، وهو العدو، وهذا لا يوجب تخصيص العموم، ولذلك نظائر في مواضع.
قيل له: لا نسلم أن لفظ الإحصار هاهنا يعم المرض والعدو، حتى يقال: إنه خصص بعد ذلك بالحكم لما بينا، وهو قوله" ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: 196] يختص العدو؛ لأن المرض لا يعم في العادة.
واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "من كسر أو عرج فقد حل"؛ يعني: جاز له الإحلال، كما قال النبي صلى الله عليه وسلّم: "إذا أقبل الليل من
هاهنا، وإذا أدبر النهار من هاهنا، فقد أفطر الصائم"؛ يعني: جاز له أن يفطر؛ لأنه لو كان مفطراً بدخول الليل لما كان لنهيه عن الوصال معنى، وكان يُقال: حلت المرأة للأزواج إذا انقضت عدتها؛ يعني: جاز لها أن تتزوج.
والجواب: أن ظاهر الخبر يقضي أن يحل بنفس الكسر والعرج، وهذا مُطرح بالإجماع، ولا بد فيه من إضمار، فإذا جاز لهم أن يضمروا فيه: أنه يجوز له التحلل، جاز أن يضمروا فيه: من كسر أو عرج، وشرط التحلل، فقد حل.
ويكون هذا أولى؛ لأنه يحل من غير هدي، وظاهر الخبر يقضي تحللاً من غير هدي.
أو يضمر فيه: من كسر أو عرج، وفاته الحج، جاز له أن يتحلل بعمل عمرة، فنتساوى في ذلك.
واحتج بأن كل من تعذر عليه الوصول إلى البيت، أو الوقوف بعرفة، وقدر على توجيه الهدي، جاز له أن يحل بالهدي.
دليله: المحصر بالعدو.
ولا يلزم عليه إذا ضل عن الطريق؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون قادراً على توجيه الهدي، أو لا يكون قادراً عليه:
فإذا كان قادراً عليه، فهو ممنوع من الوصول إلى البيت؛ لأنه إذا لم يكن هناك عدو، ولا مرض، وقدر على توجيه الهدي، أمكنه أن يتوجبه بنفسه.
وإن لم يكن قادراً على توجيهه لم يلزمنا؛ لأنا قيدنا علتنا به.
والجواب: أنا لا نسلم أنه قد تعذر عليه الوصول، [ويبطل بالوصول] بعد الوقوف بعرفة، وبالحائض والنفساء؛ فإنهما قد تعذر عليهما الوصول إلى البيت، ويقدران على توجيه الهدي، ومع هذا، فلا يجوز لهما التحلل.
ويبطل -أيضاً- بمن ضل الطريق، وقدر على توجيه الهدي؛ فإنه قد تعذر عليه الوصول إلى البيت، ولا يجوز له التحلل.
وقولهم: (إنه إذا كان قادراً على توجيه الهدي، فهو غير ممنوع من الوصول) غير صحيح؛ لأنه قد يكون الرسول يهتدي الطريق، والمحرم لا يهتدي هو، فلا يمكنه أن يتوجه بنفسه.
ثم المعنى في الأصل: أن يتخلص بتحلله من الأذى الذي هو فيه؛ لأنه ينصرف فيأمن، وليس كذلك المريض؛ لأنه لا يزول المرض بتحلله، فلا معنى للإحلال.
فإن قيل: لو كان المعنى في إباحة الإحلال ما ذكرت دون وقوع الحبس عن النفاذ، لوجب أن لو كان أمامه عدو يمنع النفاذ، ومن خلفه أيضاً؛ أن لا يجوز الإحلال لأنه خائف في الرجوع، كما أنه خائف في
التقدم: فلما قلتم: يجوز الإحلال مع منعه من المضي والرجوع، ثبت أن المعنى المبيح للإحلال: كونه محبوساً عن المضي.
قيل له: لا نعرف الرواية عن أصحابنا في هذا، ولا يمتنع أن نقول: إذا كان هكذا لا يجوز له أن يتحلل.
وإن سلمنا هذا؛ فإنه يتحلل، وينقل [....] من جهة مكة إلى جهة بلده، فيقابل تلك الجهة، وينصرف.
فعلى هذا: قد يخلص من الأذى الذي كان إمامه.
فإن قيل: لو أحصر في بلده جاز له الإحلال، وإن لم يكن هناك رجوع إلى الموضع، فدل على أن الحكم لم يتعلق بالرجوع، وإنما تعلق بحدوث الحبس المانع من التقدم.
قيل له: الغرض من الرجوع إلى أهله وبلده الاستيطان، والتصرف باختياره، وهذا المعنى يستفيده بالحصر في البلد، فلهذا جاز له التحلل، وليس المراد بالتحلل في الطريق إلا الرجوع لهذه الأشياء.
فإن قيل: فالذي يدل على أن المعنى المجوز للإحلال وقوع الحبس عن التقدم: أنه لو أحرم، وعليه دين، فحُبس، جاز له أن يحل، ولا خوف هاهنا، فعُلم أن المبيح للإحلال ما ذكرنا.
قيل له: لا نسلم هذا؛ لأنه إذا كان موسراً، وقد أحرم، لزمه قضاء دينه، والنفوذ في نسكه، وإن كان معسراً، وجب إنظاره، فلا معنى
لتحلله، اللهم إلا أن يكون عبداً أحرم بغير إذن سيده، فله تحليله على إحدى الروايتين؛ لأنه تصرف في ملك غيره.
واحتج بأن سائر الفروض لا يختلف حكمها في كون المنع منها بعدو أو مرض، ألا ترى أن الخائف له أن يصلي قائماً، أو قاعداً إذا تعذر عليه فعلها قائماً، كما يحوز ذلك للمريض، وكذلك ترك استقبال القبلة، وكذلك جواز التيمم إذا منعه الوصول إلى الماء خوف العدو، أو مرض يخاف ضرره، وجب أن لا يختلف المرض وخوف العدو في إباحة الإحلال من الإحرام، وسقوط فرضه.
والجواب: أن المعنى في تلك الأشياء: أنه يخرج من المشقة المخوفة بصلاته جالساً، وبترك القبلة جالساً، وبترك القبلة، وبالتيمم، كما يخرج منها من خوف العدو، فاستويا، وليس كذلك ما اختلفنا فيه؛ لأنه لا يخرج من المشقة بتحلله من المرض، ويخرج من ذلك في العدو، فلهذا فرقنا بينهما.
واحتج بأن المرأة إذا منعها زوجها من المضي في حجة التطوع بعد الإحرام بها، جاز لها الإحلال، وكذلك العبد إذا منعه مولاه من المضي فيه، كذلك المريض للعلة التي ذكرنا، وهو أنه ممنوع من الوصول إلى البيت.
والجواب: أن أصحابنا اختلفوا في الزوج، وفي السيد؛ هل لهما حصر العبد والزوجة عن حجة التطوع؟
فقال أبو بكر: ليس لهما ذلك.