كامل، أم بالحصص؟
المنصوص عنه: أنه يلزمه صوم كامل.
وقال في رواية بكر بن محمد: كفارة واحدة، ولكن إذا كان الصوم صام صوماً تاماً، فإن كان بعضهم عنده الهدي، وبعضهم ليس عنده، فالذي عنده يكفر، والذي ليس عنده يصوم صوماً تاماً.
وكذلك قال في رواية ابن القاسم وسندي: عليهم جزاء واحد، فإذا لم يقدروا على الجزاء، فالكفارة على كل واحد منهم صيام تام.
وقال أصحاب الشافعي: الصوم بالحصص، كالإطعام.
وهو اختيار شيخنا.
وجه قول أحمد: أنه صيام في كفارة، فوجب تكميله في حق الجماعة.
دليله: اليوم الواحد، وذلك أنهم لو بقى من جماعتهم مُد، فإنه يكمل كل واحد منهم صوم يوم كامل، كذلك الأيام.
فإن قيل: إنما كان ذلك؛ لأن بعض يوم لا يكون صوماً شرعياً، ولا يتبعض، والأيام بخلاف ذلك.
قيل: بعض يوم يكون صوماً شرعياً بدليل أنه لو أصبح في صوم
التطوع لا ينوي الصيام، ثم نوى قبل الزوال صح، وكان صوماً شرعياً من حين النية، لا من أول النهار؛ لأن أول النهار لم يوجد له نية.
وأما علة الفرع، فلا يمتنع أن يتبعض ويجب تكميله، كالحد، وكاليمين، وهو إذا حلف: لا كلمت فلاناً يوماً.
وطريقة أخرى، وهو: الصيام حق على البدن، وفيه معنى العقوبة، فهو كالحد، وقد ثبت أن جماعة لو اشتركوا في قذف رجل وجب على كل واحد حد كامل.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه قد وجد من كل واحد قذف كامل، وهاهنا لا يوجد من كل واحد قتل كامل.
قيل: قاتل الآدمي لم يوجد من كل واحد قتل كامل، ويلزمه قصاص كامل، وكفارة كاملة.
فإن قيل: الحدود لا تتبعض.
قيل: كذلك الصوم عندنا لا يتبعض.
على أنه في الشرع في حكم المتبعض بدليل أنه يجب في حق العبد نصف ما يجب في حق الحر.
وطريقة أخرى، وهو: أن الشافعي قد قال: إذا وطئها في نهار رمضان وجبت كفارة واحدة -على الصحيح من مذهبه-، ويتحملها الزوج عنها إذا كان من أهل العتق، فإذا كان من أهل الصيام وجب على
كل واحد منهما صوم كامل.
وهذه طريقة جيدة عليهم.
واحتج المخالف بأن الصوم أحد أنواع الجزاء، فلزم الجماعة بالحصص.
دليله: الإطعام والمثل.
والجواب عنه: ما تقدم من أنه حق في المال، وهذا على البدل، فهو كصوم اليوم والحد.
فصل:
فإن شاركه في القتل من لا يجب عليه الضمان، كالمحل في الحل، فهل يلزم المحرم جميع الجزاء، أم بالحصة فقط؟
أطلق أحمد القول أن على المحرم الجزاء، ولم يبين ذلك الجزاء؛ ما هو؟ فقال في رواية مهنا في محرم وحلال أصابا صيداً: ليس على الحلال شيء، ويُحكم على المحرم.
وقال -أيضاً- في رواية ابن منصور وأبي الحارث في محرم دل حلالاً على صيد، فقتله: على المحرم الجزاء.
فقد أطلق القول:
فيحتمل أن يريد به جميع الجزاء، وهو الظاهر؛ لأنه ذكر
الجزاء بالألف واللام.
ويحتمل أن يريد به بالحصة.
وهو قول الشافعي.
وجه الأول: أن الحلال لا ضمان عليه، فقد اجتمع فيه موجب ومسقط، فغُلب الإيجاب.
الدلالة عليه: المتولد من بين ما يُؤكل لحمه، وما لا يُؤكل، وهو المتولد من بين حمار الوحش والأهلي، والسمع، يجب فيه الجزاء كاملاً، وكذلك إذا كان بعض الصيد في الحل، وبعضه في الحرم، والقاتل محلاً، وكذلك إذا كان القاتل في الحل، والصيد في الحرم، وجب الجزاء تغليباً للإيجاب، كذلك هاهنا.
ووجه الثاني: أنه لم ينفرد بقتله، فلم يلزمه جميع الجزاء، كما لو شاركه من يجب عليه الضمان.
والجواب: أنا نقلب العلة فنقول: فلم يجب بعض الجزاء.
دليله: ما ذكرت.
واحتج بأن ما أثرت المشاركة فيه لا فرق بين أن يكون لمن يلزمه الضمان، أو لا يلزمه.
دليله: قتل الآدمي لو اشترك نفسان في قتله، فالدية عليهما
بالحصص، ولو اشترك رجل وسبع، فعليه بالحصص، فكذلك هاهنا.
والجواب: أن جزاء الصيد آكد من دية النفس بدليل ما تقدم، وهو أنه يجب بإمساك الصيد، ويجب إذا وقع في بئر في داره
......
198 -
مسألة
القارن إذا قتل صيداً لزمه جزاء واحد، وكذلك إذا تطيب، أو لبس، أو وطئ:
نص على هذا في رواية ابن القاسم وسندي في القارن إذا قتل صيداً: يلزمه جزاء واحد، وشبهه بحرمة الحرم والإحرام.
وقال في رواية ابن منصور في القارن يصيب شيئاً من طيب، أو لباس، أو شعر: كفارة واحدة.
ونقل عنه -أيضاً- في القارن إذا فسد حجه بأصابة أهله: فعليه هدي واحد.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: عليه جزاءان.
وقد يتخرج لنا مثل ذلك على الرواية التي تقول: يلزمه طوافان وسعيان.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95]، فأوجب على قاتل الصيد جزاء المثل، ولم يفصل بين أن يكون قارناً، أو مفرداً.
فإن قيل: الجزاء اسم لما استحق الفعل؛ قل ذلك، أو كثر، فإذا استحق بفعل القارن قيمتان كانتا جزاء واحداً مثل ما قتل، كما إذا استحق بفعل المفرد قيمة واحدة كانت جزاء واحداً مثل ما قتل، ألا ترى أنه -سبحانه- سمى عقوبة قاطع الطريق جزاء واحداً بقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] الآية، وسمى عقوبة السارق جزاء واحداً بقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: 38]، وإن كانت عقوبة قاطع الطريق ضعفي عقوبة السارق؟
قيل له: قد قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ﴾، والمثل للشيء هو النظير، وهذا موجود في نظير واحد.
وعلى أن اسم الجزاء لما كان يقع على القليل، وهو الواحد، يجب أن يُجزئ لوقوع الاسم عليه.
وأيضاً روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "في الضبع شاة"، ولم يُفرق بين أن يقتله مفرداً، أو قارناً.
وأيضاً فإنهما حرمتان يجب بهتك كل واحد منهما جزاء، فإذا اجتمعا وجب لأجلهما جزاء.
دليله: حرمة الحرم وحرمة الإحرام.
فإن قيل: قد قال أصحابنا: إن القياس يقتضي أن يلزمه جزاءان.
قيل له: فالمعنى الذي تركب له القياس هناك موجود هاهنا.
فإن قيل: يحرم مع الإحرام بمنزلة سائر البقاع، ألا ترى أنه لا يُعتبر جزاء الصيد الذي يقتله المحرم في غير الحرم؛ لأنه يكون متخيراً بين الهدي والإطعام والصيام، ولا يُعتبر فيه ما يُعتبر في جزاء صيد الحرم، فإذا كان كذلك حصل هاتكاً لحرمة واحدة فقط، وهو حرمة الإحرام، فلهذا لزمه جزاء واحد.
قيل له: هذا صفة جزاء [صيد] الحرم عندنا؛ أنه مخير بين الهدي والإطعام والصيام، ولكن دخلت إحدى الحرمتين في الأخرى، فيجب أن يكون في الإحرامين كذلك.
فإن قيل: حرمة الإحرام آكد من حرمة الحرم بدلالة أنها تمنع من الجماع واللباس والطيب والصيد، وحرمة الحرم تمنع قتل الصيد وقطع الشجر فقط، فإذا ثبت أن حرمة الإحرام آكد لم يمتنع أن يجب لهتك حرمة الإحرام والحرم إلا جزاء واحد.
قيل له: إنما تقدم إحدى الحرمتين بالقوة إذا تعارضتا وتنافتا،
فكانت إحداهما توجب والأخرى تنفي، فأما إذا كانتا سواء في إيجاب الجزاء، فإن احتماع الحرمة الضعيفة مع القوية أولى بالإيجاب من حال الانفراد.
وجواب آخر، وهو: أن حرمة الحج آكد من العمرة؛ لأن العمرة مختلف فيها، والحج مجمع على وجوبه، وما أُجمع عليه فهو آكد مما اختلف فيه.
وجواب آخر، وهو: أن ما كان مبنياً على التداخل، فإذا دخل الأقل منه في الأكثر تداخل المثلان، كالطهارات؛ لما دخلت الصغرى منها في الكبرى دخلت المثلان، كغسل الجناية والحيض، فلما دخلت الحرمة الصغرى في الكبرى وجب أن يتداخل المثلان.
وجواب آخر، وهو: أن لحرمة الحرم قوة من وجه ليست لحرمة الإحرام، وهو ان حرمة الحرم ثابتة لا تزول، ولا تحول، وحرمة الإحرام توجد وتعدم، وتثبت بانعقاد الإحرام وبإحلاله منه، فإذا كان كذلك كانت الحرمة المؤبدة أقوى، ألا ترى أن تحريم أم المرأة [أقوى] من تحريم أخت المرأة؛ لأن تحريم أم المرأة مؤبد، وتحريم أختها غير مؤبد.
ولأنه حرمة الحرم تُحرم قطع الشجر، وحرمة الإحرام
لا تحرِّم ذاك، فتقابلا.
وقياس آخر، وهو: أنه نقص يجب به على المفرد فدية واحدة، فوجب أن يجب به على القارن فدية واحدة.
دليله: ترك الإحرام من الميقات.
فإن قيل: إذا حصل محرماً بعمرة لم يلزمه إحرام بالحج من الوقت، ألا ترى أنه لو أحرم بعمرة من غير الوقت، وفرغ منها، ثم حج كان ميقاته الحرم؟ فالدم إنما لزمه لترك إحرام العمرة في الوقت، فلهذا لم يلزمه إلا دم واحد، وفي مسألتنا أُدخل النقص على إحرامين.
قيل له: قولك: (إن الدم لزمه لترك إحرام العمرة) لا نسلمه، بل لزمه [لترك] إحرامهما جميعاً.
وما ذكروه منه إذا أحرم بعمرة لم يلزمه إحرام الحج من الوقت؛ لأنه قد صار في حكم المكي، والمكي يحرم من مكة.
فإن قيل: ترك الإحرام ليس بإدخال نقص على النُّسكين؛ لأنه لم يطرأ عليهما، وهذا النقص دخل على الإحرامين، فطرأ عليهما، فلزمه ديتان.
قيل له: النقص -وإن لم يطرأ عليهما- فهو عائد إليهما، ألا ترى
أن الفدية الواجبة فيه تجب لأجلهما معاً؟
ثم نقول: ترك الإحرام، هو ترك جزء من العبادة، وقتل الصيد والطيب إتيان ببعض محظوراتها، وترك الشيء من العبادة آكد في التغليظ من الإتيان ببعض المحظورات، ألا ترى أن ترك النية في الصوم ناسياً يمنع صحته، والأكل ناسياً يمنع صحته؟ وكذلك السلام في أثناء الصلاة ناسياً لا يمنع الصحة، وترك القراءة يمنع.
وقياس آخر، وهو: أن المقتول واحد، فوجب بقتله جزاء واحد، كالمفرد إذا قتل صيداً واحداً.
فإن قيل: هناك أدخل النقص على إحرام واحد، وهاهنا أدخله على إحرامين.
قيل له: فالمحرم إذا قتل صيداً في الحرم أدخل النقص على حُرمتين، ومع هذا يجب جزاء واحد، وكذلك إذا أخل بالإحرام من الميقات، فقد أدخل النقص على الإحرامين، ومع هذا يلزمه دم واحد، كذلك هذا.
وأيضاً فإنه متنسك يجزئ بحلاق واحد، فلم يلزمه بالوطء إلا كفارة واحدة.
دليله: المفرد.
واحتج المخالف بأنه أدخل النقص على إحرام العمرة [وإحرام الحج] بقتل الصيد، فوجب أن يلزمه لكل واحد منهما جزاء كامل، كما لو أفرد بكل واحد منهما، وقتل فيه صيداً.
قالوا: ولا يلزم على هذا المتمتع إذا أحرم بعمرة، ثم جرح صيداً، فلما فرغ من العمرة أحرم بالحج، ثم جرح جراحة أخرى، ثم مات من الجرحين؛ أنه قد أدخل النقص في إحرام العمرة والحج بقتل الصيد، ومع هذا يلزمه جزاء واحد؛ لأنا لا نعرف الرواية في ذلك.
والجواب: أنه قد تُكلم على هذه العلة بجميع الأجوبة التي يُجاب بها عن جنس القياس، وهو: المناكرة، وعدم التأثير، والمناقضة، والقلب، وفساد الموضوع، والمعارضة:
فأما المناكرة: فمنهم من قال: هذا إحرام واحد، وإن جمع بين الحج والعمرة، كما إذا باع عبداً وداراً صفقة واحدة، كان عقداً واحداً، وإن كان المبيع اثنين.
وعندي أنه إحرامان؛ لأن الإحرام هو نية النُّسك بالقلب، ونية الحج غير نية العمرة، فلا يجوز أن يقال: هما إحرام واحد.
وأما عدم التأثير: فهو أن المقتول إذا كان اثنين لم يكن للإحرامين تأثير؛ لأن صيدين في إحرام واحد يوجبان مثلين، ولا تأثير -أيضاً- لتخصيص قتل الصيد بذلك، وجميع كفارات الإحرام في ذلك بمنزلة جزاء الصيد.
وأما القلب: فهو أن تقول: وجب أن يكون الجزاء بعدد المقتول قياساً على الأصل الذي ذكرته.
وأما فساد الموضوع: فهو أنه لا يجوز اعتبار حال الإفراد بحال القران، كما نقول في حرمة الحرم وحرمة الإحرام، وكما نقول في هدي الإحصار ومجاوزة الميقات.
وأما المعارضة: فمن وجهين:
أحدهما: أن المعنى في الأصل: أن المقتول اثنين، وليس كذلك هاهنا؛ فإن المقتول واحد.
والثاني: أن كل واحد من الإحرامين منفرد، كذلك في مسألتنا؛ فإن الإحرامين مجتمعان، وفدية الفرق بينهما.
واحتج بأنه لو وطئ [في] كل واحد منهما في حال الانفراد تعلق بكل وطءٍ كفارة، فإذا وطئ فيهما في حال الجمع تعلق به كفارتان.
أصله: المحرم الصائم إذا وطئ.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يلزمه بالوطء في حال الانفراد كفارة، وفي حال الاجتماع تتداخل، كما قلنا في حرمة الحرم والإحرام ومجاوزة الميقات.
وعلى أن كفارة صوم رمضان وكفارة العمرة كفارتان مختلفتان،
فلم تتداخلا، وليس كذلك كفارة الحج وكفارة العمرة؛ فإنهما من جنس واحد، فإذا اجتمعتا جاز أن تتداخلا، كما قلنا في حرمة الحرم وحرمة الإحرام، وكما قلنا في هدي الإحصار والكفارة في مجاوزة الميقات.
ولأن الصيام والإحرام لا يتداخلان، فلم تتداخل كفارتهما، والحج والعمرة أفعالهما تتداخل عندنا، وعندعم تتداخل في بعض الأفعال، وهو الحلاق، وتتداخل في بعض كفاراتها، وهو مجاوزة ميقات غي محرم، فبان الفرق بينهما.
......
199 -
مسألة
إذا ابتدأ المحرم سبعاً فقتله، فلا جزاء عليه في رواية حنبل، فقال: يقتل المحرم الكلب العقور، والذئب، والسبع، وكل ما عُد من السباع، ولا كفارة عليه، ويقتل القرد والنسر والعقاب إذا وثب، ولا كفارة.
فإن قتل شيئاً من هذه من غير أن تعدو عليه، فلا كفار
ة عليه، ولا ينبغي له:
وقال في رواية أبي الحارث: يقتل السبع؛ عدا أو لم يعد.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: إذا ابتدأ المحرم سبعاً فقتله، فعليه الجزاء، وإن ابتدأ السبع، فلا شيء عليه.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96].
وهذا يدل على أن الصيد المحرم هو ما يؤكل لحمه؛ لأنه علق تحريم أكله بالإحرام والدوام عليه، وما لا يحل أكله لا يتعلق تحريمه بالإحرام، والدوام على الإحرام؛ لأنه حرام بكل حال.
فإن قيل: النهي تعلق بالاصطياد لا بعين المصيد؛ لأنه يقال: صاد يصيد صيداً واصطياداً، والاصطياد محظور عليه في حال الإحرام، فحظره لأجل الإحرام.
قيل له: المراد: المصيد، لا بالفعل؛ الذي هو الاصطياد بدلالة قوله -تعالى- في أول الآية: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95].
وأراد به: المصيد، لا الاصطياد؛ لأن الاصطياد فعل، والفعل لا يُقتل، وإنما يُقتل الحيوان.
ولأنه أضاف الصيد إلى البر، ولا يجوز أن يضاف الفعل إلى البر؛ لأن البر ليس بمصيد، فدل على أن المراد به المصيد الذي هو المحرم.
ويبين صحة هذا: قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: 96].
وأراد به: مصيده، ولم يرد الفعل.
وأيضاً ما رواه أحمد بإسناده، وذكره أبو بكر في كتابه عن أبي سعيد الخُدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم سئل عن ما يقتل المحرم، قال: "الحية، والعقرب، والفُوسيقة، ويرمي الغراب، ولا يقتله، والكلب العقور، والحدأة، والسبع العادي".
فوجه الدلالة: لأنه جاز قتل السبع العادي، وإذا ثبت جواز قتله، ثبت أنه لا جزاء فيه.
فإن قيل: المراد بذلك: السبع إذا عدا وصال، وعندنا لا جزاء فيه إذا قُتل في تلك الحالة.
قيل له: النبي صلى الله عليه وسلّم جعل العُدوى صفة في السبع، وهذا يقتضي أن تكون صفة لازمة له، وعُدواه ليس بصفة لازمة، فلو كان المراد ذلك لكان يقول: والسبع إذا عدا.
وهذا كما يُقال: سيف قاطع؛ يعني بذلك صفة فيه؛ لأنه يخبر أن حاله حال ما يقطع.
وكذلك قولهم: فرس جموح، وخبز مُشبع، وماء مروي، وشراب مُسكر، وما أشبه ذلك.
ويبين صحة هذا: قوله: "والكلب العقور"، ولم يرد به: حال عقره.
وجواب آخر، وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلّم خص السبع، وحمله على ما ذكروه يُسقط [فائدة] التخصيص؛ لأن سائر الصيود إذا صالت حل قتلها.
فإن قيل: الفائدة في ذلك سقوط الجزاء في قتله، ووجوبه في قتل غيره.
قيل له: إنما يجب أن يكون التخصيص فيما قصد بيانه بالخبر -وهو إباحة القتل- دون غيره.
ودلالة ثانية من الخبر، وهو: أنه نص من كل جنس على أدناه ضرراً بإباحة قتله، فنبه ذلك على أعلاه، فنص على الحية وهي أدنى حشرات الأرض؛ لينبه على ما هو أكبر منها، ونص على الغراب؛ لينبه على ما هو أكبر منه من الجوارح، ونص على الكلب، وهو أدنى السباع؛ لينبه على ما هو أكبر منه.
والقياس: أنه حيوان لا يُضمن بمثله، ولا بقيمته، فلا يجب الجزاء بقتله.
دليله: حشرات الأرض، كالحية، والعقرب، ونحو ذلك.
وعكسه: ما يُؤكل لحمه؛ تارة يُضمن بمثله فيما له مثل، أو بقيمته فيما لا مثل له.
فإن قيل: إنما [لا] يُضمن بمثله؛ لأنه لا مثل له، ولا بقيمته؛ لأنه
لا قيمة له؛ لأنه لا يجوز بيعه حياً للأكل؛ لأنه غير مأكول، وبعد القتل لا قيمة له أيضاً؛ لأنه ميتة، إنما يضمنه؛ لأنه أدخل النقص في إحرامه بمواقعة الفعل المنهي عنه، فهو مثل كفارة المتطيب واللابس والحالق رأسه.
قيل له: لا نسلم أنه منهي عن قتله، ولا أدخل النقص على إحرامه بقتله.
ولأنه متولد مما لا يحل أكل شيء من جنسه بحال، فلم يجب الجزاء بقتله، كالذئب.
ولا يلزم عليه السمع، وهو المتولد من الضبع والذئب، والمتولد من حمار الوحش وحمار أهلي؛ أنه لا يحل أكله، ويُضمن بالجزاء؛ لأنه متولد مما يباح أكل شيء من جنسه، وهو أحد أبويه.
فإن قيل: هذا يبطل بالثعلب وبالسنور الأهلي؛ فإن أحمد قد قال في رواية ابن القاسم وسندي: في الثعلب الجزاء.
مع قوله في رواية محمد: لا يؤكل.
وقال في رواية ابن منصور: في السنور الأهلي وغير الأهلي حكومة.
مع قوله: يؤكل.
قيل له: أما قوله: في الثعلب الجزاء، فهو على الرواية التي تقول: يؤكل لحمه.
وأما قوله: في السنور حكومة، فعلى طريق الاستحباب.
فإن قيل: المعنى في الذئب: أنه مبتدئ بالأذى، فلهذا لم يُضمن، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه غير مبتدئ بالأذى.
قيل له: علة الأصل تبطل بابن آوى؛ لأنه يبتدئ بالأذى، فيأخذ الدجاج من البيوت في القرى، ويأكله، وتعم به البلوى، ويجب الجزاء عنده بقتله.
وعلة الفرع غير مسلمة؛ لأن السبع -الذي هو الأسد- يبتدئ بالأذى، وتعم به البلوى في مواطنه ومكانه، والأذى به أكثر منه بالذئب؛ لأنه يدق البهائم الكبار، ويفترس الرجال.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95].
والصيد اسم للممتنع المتوحش؛ سواء كان أكله مباحاً، أو محظوراً، ألا ترى أن العرب تقول: اصطاد فلان سبعاً، كما تقول: اصطاد ظبية.
قال الشاعر:
ليث تزبى زُبية فاصطيدا
ويقال: سيد الصيد الأسد.
ويقال: فلان صاد الفوارس؛ لأجل ما هو ممتنع.
ويبين صحة هذا: أن أكل السباع كان مباحاً قبل ورود الحظر من جهة الشرع، والعرب كانوا يصطادونها، وسموها صيداً، فورود النهي عن أكله لا يُزيل عنها الاسم الموضوع لها في أصل اللغة.
والجواب: أنا لا نسلم أن اسم الصيد يقع على السبع، ولا يُقال: صاد سبعاً، وإنما يقال قتل سبعاً، وأخرج الأمير لقتل السبع.
وما ذكروه من قول الشاعر فهو على طريق المجاز.
ويبين صحة هذا: قول النبي صلى الله عليه وسلّم: "الضبع صيد، وفيه كبش".
فلو كان ما لا يُؤكل لحمه يُسمى صيداً لما كان لقوله: "الضبع صيد" معنى.
ولو سلمنا أن ذلك يُسمى صيداً فالآية لم تتناوله لوجهين:
أحدهما: ما ذكره في آخر الآية من قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96].
وقد بينا: أن المراد بذلك ما يؤكل لحمه.
والثاني: أنها تقتضي صيداً له مثل بقوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ﴾ [المائدة: 95]، والمثل على ضربين:
مثل من طريق الصورة.
ومثل من طريق القيمة.
والسبع لا يجب فيه عندهم واحد من الممثلين، فلم تكن الآية متناولة له.
واحتج -أيضاً- بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "خمس يقتلهم المحرم في الحل والحرم: الحية، والعقرب، والفأرة، والحدأة، والكلب العقور".
فخص هذه الأشياء بالذكر، وحصرها بعدد، وأباح قتلها في جميع الأحوال، والمحصور بعدد يدل على أن ما عداه بخلافه.
والجواب: أن الخبر قد تضمن قتل الكلب، والسبع يسمى كلباً، يدل عليه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلّم دعا على عتبة بن أبي لهب، فقال: "اللهم سلط عليه كلباً من كلابك"، فافترسه سبع.
وقال حسان بن ثابت في شعره:
سائل بني الأصفر إن جئتهم ما كان أنباء بني واسع
من يرجع العام إلى أهله فما أكيل السبع بالراجع
ويروى:
فما أكيل الكلب بالراجع
وجواب آخر، وهو: أنا لو سلمنا أن الخبر لم يتناول قتل السبع، لم يضر؛ لأنه قد نص على قتل الكلب العقور، وكان فيه تنبيه على قتل السبع؛ لأنه أشد وأقوى وأضر، فلما نص على قتل الأدنى نبه على قتل الأعلى، والتنبيه مقدم على الدليل.
وعلى أنا قد روينا في حديث أبي سعيد زيادة، والأخذ بالزائد أولى.
واحتج بأنه سبع ممتنع غير مبتدئ بالأذى في الحال، ولا هو مما تعم به ابلوى، فوجب أن يجب فيه الجزاء.
دليله: الضبع.
ولا يلزم عليه الذئب؛ لأنه تعم به البلوى.
والجواب: أنا لا نسلم أنه غير مبتدئ بالأذى في الحال؛ لأنا قد بينا أنه قد يبتدئ بالأذى، وتعم به البلوى في مواطنه؛ لأنه يدق البهائم والآدميين.
ثم المعنى في الضبع: أنه مختلف في إباحة لحمه، فلذلك وجب الجزاء بقتله، والسبع متولد مما لا يحل أكل شيء من جنسه، فأشبه الذئب.
أو نقول: الضبع يُضمن بمثله أو بقيمته، والسبع متولد مما لا يُضمن بالمثل، ولا بالقيمة، فثبت أنه غير مضمون، كحشرات الأرض.
وإن قاسوا بهذه العبارة على ما لا يؤكل لحمه، فالمعنى فيه ما ذكرنا.
وجواب آخر، وهو: أن المأكول اللحم تحريم أكله تعلق بالإحرام، فوجب الجزاء بإتلافه، وليس كذلك السبع؛ فإن تحريم أكله لم يتعلق بالإحرام؛ لأنه مُحرم عليه في الإحلال والإحرام، والحل والحرم، فلم يجب بقتله الجزاء، كما نقول في صيد البحر، وفي الذئب.
وإن قاسوا بهذه العبارة على السمع، وعلى المتولد بين حمار وحشي وأهلى، فالمعنى فيه: أنه اجتمع فيه ما يوجب الجزاء وما يسقطه، فوجب تغليب الإيجاب، ألا ترى أنه إذا رمى من الحل إلى صيد في الحرم، أو من الحرم إلى صيد في الحل وجب جزاء تغليباً للوجوب، كذلك هاهنا، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه قد تمخض تحريمه، فلم يكن فيه ما يوجب الجزاء.
وقال أبو بكر فيما علقه عنه أبو إسحاق في المتولد بين الأهلي والوحشي: فيه الزكاة، وفيه الجزاء تغليباً للإيجاب.
فإن قيل: كل صيد حل قتله قبل الإحرام حرم بالإحرام، كسائر الصيود.
قيل له: ينتقض بالغراب والذئب.
ثم الفرق بين سائر الصيود وبين مسألتنا ما تقدم.
......
200 -
مسألة
يجوز للمحرم أن يُقرد بعيره:
نص عليه في رواية حنبل وابن منصور.
وقال مالك: لا يُقرد بعيره.
دليلنا: إجماع الصحابة؛ روي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وابن عمر:
فروى حنبل بإسناده عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير قال: رأيت عمر يُقرد بعيراً له في طين بالسُّقيا، وهو محرم.
وروى بإسناده عن عيسى بن علي: أن علياً رخص للمحرم أن يُقرد بعيره.
وبإسناده عن عكرمة، أن ابن عباس: لم ير بأساً أن يُقرد
المحرم بعيره.
وفي لفظ آخر: عن عكرمة، عن ابن عباس قال له يوماً: قم إلى هذه الناقة فقردها، وأنا محرم، فقال: فذكرت له الإحرام، فتلكأت، فلما كان بعد ذلك قال: قم إلى هذه الناقة فانحرها، قال: فقمت إليهما فنحرتها، فقال: كم من قُراد قتلت لا أمَّ لك؟!
وبإسناده عن ربيعة بن هُدير التيمي: أنه رأى ابن عمر يُقرد بعيره بالسُّقيا، وهو محرم.
ولأن ذلك مضرة بلا متعة؛ لأنه يعلق في حل البهيمة، وربما وقع ذلك للإنسان، فلم يُمنع من قتله، كالحية والعقرب.
واحتج المخالف بما روي عن ابن عمر: أنه نهى عن ذلك.
والجواب: أنا قد روينا عن ابن عمر خلاف ذلك، فتعارضا، وسلم ما رويناه عن عمر وعلي وابن عباس.
واحتج أنه من دواب أبدان الحيوان يسير الضرر، أشبه دواب أبدان الإنسان من القمل والبراغيث.
والجواب: أن مهنا نقل عن احمد في المحرم: بقتل البراغيث، ولا يقتل القمل.
ونقل في موضع آخر: وقد سئل عن قتل القملة، فقال: كل شيء من جسده لا بأس بقتله إذا آذاه.
وفي موضع آخر أجاز قتلها، وقتل البراغيث.
فعلى هذا: لا فرق بينهم.
وفي موضع قد منع من ذلك؛ لأنه بإلقائها عن بدنه يترفه بذلك، ويزيل الأذى عن شعره وبدنه، فلهذا افتدى، كما لو حلق رأسه.
ولهذا نقول: لو ألقاها عن ثوبه لم يفتد رواية واحدة؛ لعدم هذا المعنى.
وليس القراد من الحيوان؛ لأن هذا المعنى معدوم فيه، فلهذا فرقنا بينهما.
......
201 -
مسألة
إذا صال على المحرم الصيد قتله، ولا جزاء عليه على قياس قول أحمد في النحل: إذا لاح عليه قتله، ولا ضمان عليه:
وهو ظاهر كلام أحمد في رواية أبي الحارث: وقد سُئِل عن محرم عدا عليه ثعلب، فقال: اقتل كل شيء عدا عليك.
فقد أجاز القتل، ولم يذكر الجزاء.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو بكر في كتاب "التنبيه": عليه الجزاء، وهو قول أبي حنيفة.
والحكاية عن أبي حنيفة غير صحيحة، ومذهبهم: أنه لا جزاء عليه مثل مذهبنا.
والدلالة أنه جزاء عليه أنه قتله بدفع مباح، فلم يلزمه الضمان، كما لو صال عليه عنز فقتله، لا ضمان عليه.
واحتج المخالف بأنه قتله لحاجة نفسه، وكان عليه الضمان، كما لو قتله لمأكله، وقد نص أحمد على ذلك في رواية عبد الله.
والجواب: أن القتل هناك لمعنى في نفسه، فهو كما لو أكل طعام الغير، وهذا المعنى في غيره، وهو الصول، فلا ضمان عليه، كما لو قتل عبد الغير عند صوله، وهذه المسألة مستوفاة في كتاب الجنايات إن شاء الله.
......
202 -
مسألة
إذا قتل المحرم صيداً مملوكاً لزمه الجزاء:
نص عليه في رواية ابن القاسم وسندي.
وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي.
وقال داود: لا جزاء عليه.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ [المائدة: 95]، وهذا عام في الصيد المملوك وغير المملوك.
فإن قيل: الآية تناولت صيداً يختص النهي عن قتله بالإحرام.
قيل له: فيجب أن نقول: إذا قتل صيد نفسه أن يلزمه الجزاء؛ لأنه لم يكن منهياً عن قتله قبل الإحرام، وعنده: لا جزاء.
فإن قيل: إطلاق الصيد ينصرف إلى البري دون الأهلي.
قيل له: إطلاق الصيد يعم الجميع؛ لأن حقيقة الاسم موجودة فيه.
وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلّم: "الضبع صيد، وفيه كبش إذا أصابه المحرم"، وهذا عام في المملوك وغيره.
ولأنه صيد ممنوع من قتله بحرمة الإحرام، فوجب الجزاء بقتله، كالصيد الذي ليس بمملوك.
ولأنها كفارة تجب بقتل الحيوان الذي ليس بمملوك، فجاز أن تجب بقتل الحيوان المملوك.
دليله: كفارة الآدمي.
واحتج المخالف بأن الأصل براءة الذمم، فلا يجب شغلها إلا بدلالة.
والجواب: أنا قد دللنا على ذلك.
واحتج بأن هذا حيوان مملوك، فلم يجب الجزاء بقتله، كالأنعام.
والجواب: أن الأنعام لو توحشت لم يجب الجزاء بقتلها، كذلك إذا كانت مستأنسة مملوكة، والصيد لو كان وحشياً غير مملوك وجب الجزاء بقتله، كذلك إذا كان مملوكاً.
......
203 -
مسألة
إذا ملك صيداً، ثم أحرم لم يزل ملكه عنه، فإن كان في يده فعليه إرساله، وإن كان في بيته لم يجب عليه إرساله:
نص عليه في رواية ابن القاسم وسندي في رجل أحرم، وفي يده صيد: يرسله، وإن كان في منزله ليس عليه، قد كان عبد الله بن الحارث يحرم، وفي بيته النعام.
وبهذا قال أبو حنيفة ومالك.
وللشافعي في زوال الملك عن الصيد قولان:
أحدهما: قد زال عنه.
والثاني: لم يَزُل.
وهل يُؤمر بإرساله؟ على قولين:
أحدهما: يُؤمر بذلك سواء كان في يده، أو بيته.
والثاني: لا يُؤمر بإرساله سواء كان في يده، أو بيته.
فالدلالة على أن الملك لم يَزُل: أنه ملك من أملاكه، فوجب أن لا يزول بالإحرام.
دليله: سائر أملاكه.
فإن قيل: الإحرام لا يمنع ابتداء تملك سائر الأملاك، فلا يمنع -أيضاً- بقاء الملك عليها، ويمنع ابتداء تملك الصيد، فمنع -أيضاً- بقاء ملكه عليه.
قيل له: ليس من حيث منع الابتداء يجب أن يمنع البقاء، ألا ترى أنه يمنع ابتداء تملك البُضع، ولا يمنع بقاء الملك عليه.
ولأن الإحرام عبادة، فوجب أن لا تزيل ملكه عن الصيد، كسائر العبادات.
فإن قيل: لما كان مأموراً بإرساله، ورفع يده، دل على زوال ملكه.
قيل: ليس بمأمور برفع يده على الإطلاق، وإنما هو مأمور برفع يد المشاهدة؛ لأن إمساكه فعل من الصيد.
فأما إذا كان في بيته، فليس بمأمور برفع يده.
على أن المشتري مأمور برفع يده عن الشخص إلى الشفيع، وملكه ثابت، وكذلك الموهوب له.
فصل:
والدلالة على أنه مأمور برفع يده المشاهدة: قوله تعالى: {وَحُرِّمَ
عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96].
والتحريم يتناول أفعالنا؛ لأن غير الصيد فعل الله تعالى، فلا يتناوله التحريم، فإذا كان كذلك صار في التقدير كأنه قال: وحرم على أفعالكم في الصيد، والمحرم فاعل فيه بإمساكه له، فوجب أن يكون محرماً.
ولأن الإمساك فعل في الصيد، فوجب أن يكون المحرم منهياً عنه، كالذبح.
ولأن البقاء على حال الإمساك بمنزلة فعل مبتدأ بدلالة: أنه لو حلف: لا يمسكه، فبقي على تلك الحال، حنث، فإذا كان كذلك، أشبه اللبس، ولا خلاف أنه لو أحرم، وهو لابس، وجب عليه نزعه، كذلك إذا أحرم، وفي يده صيد، وجب أن يلزمه إرساله.
وليس كذلك إذا أحرم وعليه طيب؛ لأن بقاء الطيب عليه ليس بتطيب مبتدأ بدلالة: أنه لو حلف: لا يتطيب، وعليه طيب، فبقى عليه، لم يحنث.
واحتج المخالف بأنه لو كان مأموراً بإرساله، لوجب إذا لم يرسله حتى حل من إحرامه أن يُؤمر بإرساله، كما لو اصطاده، وهو محرم، فلم يرسله حتى حل من إحرامه؛ أنه يجب عليه إرساله.
والجواب: أنه ليس من حيث لم يجب عليه إرساله بعد الإحلال، يجب أن لا يجب في حال الإحرام، كالقميص يكون عليه والطيب.
فصل:
والدلالة على أنه لا يلزمه إرساله إذا كان في بيته: أن المحرم إنما نُهي عن فعله في الصيد، وهو لم يفعل بعد الإحرام فيه فعلاً، فوجب أن لا يلزمه شيء، ألا ترى أنه لو جرحه، وهو حلال، فمات من الجراحة بعد الإحرام، لم يلزمه شيء؛ لأنه م يفعل بعد الإحرام فيه فعلاً.
وأما إذا كان ممسكاً، فهو فاعل في كل وقت، فهو كاصطياده ثانياً.
فإن قيل: أليس [إذا] كان في قفصه، وجب عليه إرساله، وإن لم يكن فاعلاً فيه؟
وقد نص أحمد على هذا في رواية أبي داود في من أحرم، وفي يده صيد: يرسله، وإن كان في رحله يرسله، إلا أن يحرم بمكة، وفي بيته بالكوفة، فهذا لا يرسله.
وقد أطلق القول -أيضاً- في رواية صالح في رجل أحرم، وعنده صيد في قفص: يُخلي سبيله إذا دخل الحرم.
قيل له: ما هو في قفصه ورحله هو فاعل فيه بحبسه له مع قدرته على إرساله، ويسيره معه، ويبقى ملكه عليه، وليس كذلك ما في بيته؛ لأنه غير فاعل فيه شيئاً.
ولأنه لا يمكنه إزالة ملكه عنه، فلو أحرم في بلده لزمه أن يرسل ما في بيته على هذا القياس.
فإن قيل: أليس لو اصطاد في حال إحرامه، وتركه في بيته، وجب عليه إرساله، وإن لم يكن فاعلاً في الصيد في تلك الحال؟ وكذلك يمنع من بيعه عندك، وغن لم يكن البيع فعلاً فيه.
قيل له: أما إذا اصطاده في حال إحرامه، وتركه في بيته؛ فإنه يجب عليه إرساله من ابتداء الملك دون استدامته، كالنكاح في حال الإحرام، والعدة.
وقد قال أحمد في رواية ابن القاسم وسندي في محرم اصطاد صيداً، وحمله معه حتى خرج من إحرامه، ثم ذبحه: لم يجز ذلك، قد اصطاده في وقت يحرم عليه صيده.
وأما بيع الصيد فإنما لم يجز؛ لأن يتضمن التسليم، وتسليمه فعل في الصيد، وهو ممنوع من ذلك.
واحتج المخالف بأن ما في بيته فهو في يده، ولو كان في يده وجب عليه إرساله، كذلك إذا كان في بيته.
والجواب: أنه لو كان كذلك، لوجب أن يُؤمر بإخراج الطيب من بيته وحله، كما لو كان ممسكاً للطيب مستمتعاً به، ولوجب أن يخرج القباء والقميص من رحله، كما يجب عليه نزعه لو كان عليه.
فإن قيل: إنما يجب إزالة الطيب عن يده؛ لأنه يحصل مستمتعاً به، وهو منهي عن ذلك، فأما إذا كان في بيته؛ فإنه لا يحصل له هذا
المعنى، فلا يلزمه إخراجه.
قيل له: وكذلك إذا كان الصيد في يده حصل ممسكاً له، وهو منهي عن إمساكه، وإذا كان في بيته لم يحصل هذا المعنى.
واحتج بأنه صيد يجب عليه الجزاء بقتله، فلزمه إرساله من رحله.
دليله: إذا اصطاده، وهو محرم، أو اصطاده في الحرم.
والجواب عنه: أن ما اصطاده يريد أن يبتدئ تملكه، وليس إذا مُنع من ابتداء التملك مُنع من الاستدامة، كالنكاح في حال الإحرام والعدة.
واحتج بأنه صيد يضمنه في حق الله -تعالى- بإتلافه، فوجب أن يضمنه بحبسه.
أصله: إذا مات في يده.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو انه إذا مات في يده، فقد وُجِد منه فعل في الصيد، وهو إمساكه بيده، وهذا معدوم هاهنا.
......
204 -
مسألة
إذا اصطاد صيداً، وهو حلال، ثم أحرم، فأرسله من يده حلال أو محرم بغير أمره، لم يضمن:
وهذا قياس المذهب؛ لأنا نقول: لو قضى دين غيره بغير إذنه
احتسب له به، لأنه فعل ما كان يلزمه فعله.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يضمنه.
دليلنا: أن المحرم مأمور بإرسال الصيد، فإذا أرسله غيره، فقد فعل ما كان على المحرم أن يفعله، فوجب أن لا يضمن، كما أن من أخذ الشيء المغصوب من يد الغاصب، ورده على المغصوب منه، لم يضمن للغاصب؛ لأنه فعل ما كان على الغاصب أن يفعله.
فإن قيل: لا نسلم أن يلزمه إرساله حتى يلحق بالوحش، وإنما يلزمه أن يرفع يده عنه، ولا يمسكه، وله أن يتركه في منزله وفي قفصه.
قيل له: أما على أصلنا فيلزمه ذلك، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية صالح وأبي داود؛ لأنه قال: يرسله.
وظاهر هذا يقتضي إرسالاً يلحق بالوحش.
وأما على قولكم، فإذا لم نسلم دللنا على أنه يلزمه إرساله حتى يلحق بالوحش.
والدلالة عليه: أنه صيد لزمه رفع يده عنه لحق الله تعالى، فلزمه إلحاقه بالوحش.
دليله: ما اصطاده في حال الإحرام، أو اصطاده في الحرم.
فإن قيل: لو كان له مال، فوجبت فيه الزكاة، فجاء غيره، وأخرج منه المقدار الواجب فيه بغير أمره، ضمنه، وإن كان قد فعل ما كان على
رب المال أن يفعله، وكذلك إذا قال: لله علي أن أتصدق بهذه الدراهم، فجاء غيره، وتصدق بها بغير أمره، ضمنه.
قيل له: إنما ضمنه؛ لأن الوجوب لم يتعين في تلك العين؛ لأن له أن يخرج الزكاة من غيرها، وله أن يتصدق -أيضاً- في مسألة النذر بدراهم غيرها، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه قد تعين عليه وجوب إرسال ذلك الصيد، فإذا أرسله غيره، فقد فعل ما كان على المحرم أن يفعله.
وأيضاً فإن الإرسال حق تعلق بهذه العين، وتعين فيها، فإذا فعل غيره لم يضمن، كمن ذبح أضحية غيره بغير أمره لم يضمن.
واحتج المخالف بأنه لو أزال يده عنه في غير حال الإحرام ضمنه، فإذا أزالها في حال الإحرام يجب أن يضمنه قياساً على سائر أملاكه.
والجواب: أن سائر أملاكه ليس عليه أن يُزيل يده عنها، فإذا أزالها غيرها عنها ضمنه، وليس كذلك الصيد؛ فإن عليه أن يزيل يده عنه، فإذا لم يفعل ذلك، وأزالها غيره، لم يضمن؛ لأنه فعل ما كان على المحرم أن يفعله، فهو كالغاصب.
واحتج بأن المحرم إنما لزمه حق الله تعالى، ولزوم حق الله لم يسقط الضمان عن متناوله إذا لم يكن له ولاية على صاحبه بدلالة: أن من وجبت عليه زكاة في ماله، فلم يخرجها، وجاء غيره، فأخرجها بغير أمره، ضمن، وكذلك لو قال: لله علي أن أتصدق بهذه الدراهم، فتصدق بها غيره بغير أمره.
ولا يلزم عليه الإمام إذا أخرجها؛ لأن له ولاية عليه.
والجواب عنه: ما تقدم من الفرق بين المسألتين.
......
205 -
مسألة
في شجرة أصلها في الحرم، وأغصانها في الحل وقف طائر على هذه الأغصان، فقتله مُحل في الحل، فعليه الجزاء في إحدى الروايتين:
نقلها صالح وابن منصور وهو اختيار أبي بكر وفي رواية أخرى نقلها ابن منصور لا جزاء.
وهو قول الشافعي.
وجه الرواية الأولى: أن الشافعي قد قال: إن هذا الغصن لو قطعه ضمنه: فنقول: كل غصن لو أتلفه ضمنه لحرمة الحرم، فإذا أتلف الصيد الواقف عليه ضمنه.
دليله: لو كان الأصل والغصن جميعاً في الحرم.
ولأن هذا الصيد لو كان في الحرم ضمنه، فإذا كان على ما أصله في الحرم ضمنه.
دليله: الغصن.
فإن قيل: إنما ضمن الغصن؛ لأن الاعتبار في الشجرة بأصلها،
وأصلها في الحرم، فتبعها الغصن، وليس كذلك الصيد؛ فإن الاعتبار فيه بعينه، وعينه في الحل.
قيل: يبطل إذا كان الصيد في الحل، والرامي في الحرم؛ فإن عينه في الحل ويضمنه.
وطريقة أخرى، وهو: أن ضمان الصيد إذا اجتمع فيه الموجب والمسقط غُلِّب الإيجاب.
دليله: لو كان أحد أبويه أهلي، والآخر وحشي، وهو مما يؤكل؛ فإنه يجب الجزاء تغليباً للإيجاب، وكذلك إذا كان الرامي في الحرم والصيد في الحل، كذلك هاهنا، قد اجتمع فيه موجب، وهو وقوفه على غصن مضمون لحرمة الحرم، ومسقط، وهو وقوفه في الحل، فغلب الإيجاب.
واحتج المخالف بأن الرامي والصيد جميعاً في الحل، فلا ضمان، كما لو كان الأصل والفرع جميعاً في الحل.
والجواب: أن المعنى هناك: أنه لم يُوجد فيه معنى الإيجاب، وهاهنا وُجِد فيه.
واحتج بأن الاعتبار بعين الصيد، وقد أجبنا عنه.
فإن قيل: لا يجوز أن يكون الغصن يجري مجرى الحرم في ضمان الصيد، كما لم يجر مجراه في غيره من الأحكام، وقد ثبت أن شجرة
لو كانت في المسجد، وغصنها خارج المسجد، لم يُمنع الجنب من الكون عليها.
وكذلك لو حلف: لا دخلت هذه الدار، فجلس على غصن أصله في الدار، وهو خارج منها، أو حلف: ليخرجن منها، فخرج، وجلس على الغصن، لم يحنث.
قيل: لا يمتنع أن يكون حكمه حكم الأصل في الحنث والبر، وفي التحريم حق الجنب، ويكون حكمه حكم الأصل في الجزاء بدليل الغصن ليس في حكم الأصل في ما ذكرت، وهو في حكمه في الجزاء لو قطعه قاطع ضمنه، كذلك في الصيد، ويكون إلحاق ضمان بضمان أولى.
ولأن اليمين يعتبر فيها الاسم، يعتبر فيها الاسم، واسم الدار لا يقع على ذلك الغصن، والمسجد إنما مُنع الجنب لحرمته، وذلك معدوم فيه.
فأما الجزاء المغلب فيه الضمان عند اجتماع الموجب والمسقط، وهاهنا سبب الإيجاب، وهو كونه على ما هو في الحرم.
فإن قيل: فالغصن متصل بالشجرة.
قيل: الصيد في الحرم منفصل، وهما سواء في الضمان.
فصل:
فإن كان في الحرم، فرمى صيداً في الحل، ففيه الجزاء قياساً على المسألة التي تقدمت، وانه قد ضمن في صيد على غصن في الحل.
ونقل ابن منصور: لا ضمان عليه.
وجه الرِّواية الأولى: أن الرامي في الحرم يضمن، كما لو كان الصيد في الحرم.
ولأن ضمان الصيد يتعلق برامٍ ومرمىً، ثم ثبت أن الرامي لو كان في الحل، والصيد في الحرم، ضمنه، كذلك إذا كان الصيد في الحل، والرامي في الحرم؛ لأنه قد اجتمع منه موجب ومسقط، فغُلب الإيجاب.
ووجه الرواية الثانية: أن الصيد في الحل، أشبه إذا كان الرامي في الحل أيضاً.
والجواب: أنه لم يُوجد هناك سبب الإيجاب، وهاهنا قد وُجد.
......
206 -
مسألة
ضمان صيد الحرم مضمون على المحل والمحرم:
نص عليه في رواية ابن القاسم وسندي: في حمام الحرم شاة.
وفي رواية ابن منصور في قوم أحلة صادوا صيداً في الحرم: عليهم الجزاء.
وفي رواية الأثرم في حلال دل حراماً على صيد في الحرم: يكفر الحلال؛ هو في الحرم.
وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي.
وقال داود: هو غير مضمون.
دليلنا: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: "في الضبع كبش، إذا أصابه المحرم"، ومن دخل الحرم يُسمى محرماً.
قال الشاعر:
قتلوا ابن عفان الخليفة مُحرماً
وكان قتله في الحرم.
ولأنه صيد ممنوع من إتلافه لحق الله تعالى، فضُمن بالجزاء، كالصيد الممنوع منه لحرمة الإحرام.
فإن قيل: حرمة الإحرام آكد بدلالة أنها تمنع الطيب واللباس والجماع، وحرمة الحرم لا تمنعه.
قيل له: هذا اختلاف في غير الصيد، فأما في الصيد فهما متساويان، ألا ترى أنهما متساويان في المنع من تنفيره وجرحه وقتله؟
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ [المائدة: 95].
فمنع المحرم من قتل الصيد، وأوجب عليه الجزاء، والحرم جميعه حرام، فدل على أنه لا يجب على غيرهم.