التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف علي مذهب أحمدصفحات 403-442

والثالث: درهم.
فالدلالة على وجوب الضمان في الجملة: أن كل جملة كانت مضمونة، كانت أبعاضها مضمونة، كالصيد.
والدلالة على أنه [لا] يجب ثلث دم: أن في تضمينه بالدم إيجاب أجزاء الحيوان، وإيجاب جزء من حيوان يشق ويحرج، ألا ترى أن زكاة الغنم والبقر من جنسها، ولم يوجب فيها جزءًا من حيوان، وزكاة الإبل قبل خمس وعشرين من غير جنسها؛ لأن إيجاب جزء منها يشق، كذلك هاهنا يشق، فوجب أن يسقط وجوبه.
والدلالة على إيجاب مد: أن للطعام مدخلاً مع الدم في أجزاء العبيد، وفي هذه الكفارات، فإذا كان الطعام له مدخلاً في الصيد كان له مدخل في فدية الأذى؛ لأنه إليه أقرب، وبه أشبه.
واحتج من قال: يجب ثلث دم بأن الدم لما وجب في ثلاث شعرات، وجب في كل واحدة منها ثلث دم.
والجواب: أنا قد بينا: [أن] في إيجاب أجزاء الحيوان مشقة بدليل ما ذكرنا من الزكاة، كذلك هاهنا.

واحتج من قال: (يجب درهم) بأن كل شيء ضمن بمثله، فإذا تعذر مثله كان عليه قيمته من غالب نقد البلد، كذلك هاهنا، قد تعذر إيجاب المثل، فوجب أن يجب من غالب نقد البلد.
والجواب: أنه يبطل بالعبيد، فإذا تعذر مثله عدل إلى الطعام، ولم يعدل إلى الدراهم، كذلك هاهنا.

79 -

مسألة

إذا حلق المحرم شعر بدنه لزمته الفدية:

نص عليه في رواية حبيش بن سندي: شعر الرأس واللحية والإبط سواء، لا أعلم أحدًا فرق بينهما.
وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي.
وقال داود: لا فدية في شعر البدن.
دليلنا: قوله تعالى ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: 196]. فنص على الرأس لينبه؛ لأن معنى حلق الرأس موجود في حلق البدن وزيادة؛ لأن الحاجة تمس وتدعو إلى حلق الرأس، فإذا نص على وجوب الفدية فيه، كان فيه دلالة على إيجابها في شعر البدن.

فإن قيل: فالآية حجة عليكم؛ لأنه لما خص الرأس بالمنع دل على أن سائر البدن بخلافه.
قيل له: قد بينا: أن التخصيص للرأس أفاد التنبيه على غيره، كما أفاد التخصيص في منع التأفيف التنبيه على غيره من الضرب.
ولأنه محرم ترفه بأخذ شعر لم يلجئه الشعر إليه، فلزمه الضمان كما لو حلق شعر رأسه، ولأن شعر الرأس إنما يحصل بحلقه الترفه فحسب، وإلا فالزينة في تركه، وحلق شعر البدن يحصل به الترفه والزينة، وكان بوجوب الفدية أولى.
واحتج المخالف بقول النبي صل الله عليه وسلم: "ليس في المال حق سوى الزكاة ". والجواب: أن هذا محمول على غير مسألتنا بما تقدم.
واحتج بأن الأصل براءة ذمته، فمن أوجب الدم بهذا فعليه الدليل.
والجواب: أنا قد [.....] الأصل لنا على ذلك بما تقدم.

80 -

مسألة

إذا حل له الحلق، فحلق جميع رأسه- أو قصر- أجزأه، وإن حلق- أو قصر- أقل من ذلك لم يجزئه على المنصوص في المذهب؛ فإن في رواية ابن إبراهيم وأبي داود:

وقد سئل عن المرأة إذا أرادت أن تقصر من شعرها: تقصر منه كله، أو بعضه؟ قال: منه كله؛ تأخذ منه قدر الأنملة.
وقال- أيضًا- في رواية ابن منصور، وقد سئل عن "من لبد أو ضفر.
وقال- أيضًا- في رواية حرب: تقصر المرأة من شعرها قدر أنملة من أطراف شعرها كله [.....] رأسها.
وبهذا قال مالك.
وقال أبو حنيفة: إن حلق أو قصر ربع رأسه أجزأه، وإن كان أقل من ذلك لم يجزئه.
وقال الشافعي على القول الذي يقول: إن الحلق نسك، وإن [ما] يقع به التحلل ثلاث شعرات.

دليلنا: أن النبي صل الله عليه وسلم لم يقتصر على ذلك.
روى أنس: أن النبي صل الله عليه وسلم لما رمى جمرة العقبة أتى بنسكه، فنحره، ثم دعا الحلاق، فبدأ بالشق الأيمن فحلقه.
فدخل تحت قوله: "خذوا عني مناسككم ". وروى ابن عمر: أن النبي صل الله عليه وسلم قال: "من عقص أو لبد فعليه الحلاق ". وفائدة ذلك: أن يستوعب الرأس، ولا يمكنه ذلك مع العقص.
ورواه النجاد موقوفًا على عمر، وابن عمر: فروى بإسناده عن عمر قال: من لبد أو ضفر فليحلق.
وروى ابن عمر قال: من لبد أو ضفر أو فتل، حلق.
وفي لفظ آخر: من لبد رأسه، أو عقص رأسه، أو ضفره، أو عقده، أو فتله، فليحلق.
وفي لفظ آخر: أن رجلاً سأله، وقال: إني جمعت شعري وأنا محرم، فقال ابن عمر: أما سمعت مولاك يقول: "من ضفر رأسه أو

لبَّده، فليحلقه "، فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن! إني لم أضفر [هـ]، وإنما جمعته، فقال: عنز وتيس، وتيس عنز!.
وروى بإسناده عن جعفر، عن أبيه، عن علي- عليه السلام- قال: من عقص رأسه، أو لبده، فلابد من حلاقه.
ولأنه نسك يتعلق بالرأس، فتعلق بجميعه.
أصله: كشفه.
ولأنه حلق أو قصر بعض رأسه، فأشبه الشعرة والشعرتين وأقل من الربع.
ولأنه قد ثبت عندنا: أن المقدار المفروض من مسح الرأس هو الكل؛ لأنها عبادة متعلقة بالرأس، وكذلك الحلق والتقصير.
واحتج المخالف بأنه حلق من رأسه عددًا يقع عليه اسم الجمع المطلق، فأشبه الكل.
والجواب: أن من حلق جميع رأسه لا يقال: حلق منه عددًا.
وعلى أن المعنى في الأصل: أنه استوفى جميع شعره، وهاهنا حلق بعضه، فهو كالشعرة والشعرتين.

81 -

مسألة

على المحصر حلق أو تقصير في أصح الروايتين:

رواها ابن منصور عنه في المحصر: يحل من كل شيء، وينحر هديه، ويحلق، ويرجع، وليس عليه قضاء.
وهو قول الشافعي على القول الذي يقول: إن الحلاق نسك.
وفيه رواية أخرى: ليس عليه حلق، ولا يقصر.
وهو ظاهر كلام أحمد في رواية الميموني: إذا حصره العدو؛ فإن كان معه هدي نحره مكانه، وحل، وليس عليه أكثر من هذا.
وهو ظاهر كلام الخرقي- أيضًا- لأنه قال: نحر ما معه من الهدي، وحل.
وبه قال أبو حنيفة.
فعلى هذا يحل من إحرامه بأداء ما يحظره الإحرام من طيب، أو غيره.
وجه الرواية الأولى: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن ابن عمر: أن رسول الله صل الله عليه وسلم حلق رأسه في عمرة الحديبية.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم محصرًا في غير الحرم.
وروي عن النبي صل الله عليه وسلم: أنه قال لأصحابه بالحديبية: "قوموا فانحروا، ثم احلقوا ". ذكره أبو عبد الله بن عرفة في كتاب "الإستثناء والشروط في القرآن "بإسناده عن المسور بن مخرمة.
فإن قيل: القوم كانوا محصرين في الحديبية، وبعض الحديبية حل وبعضها حرم، وروي: أن النبي صل الله عليه وسلم كان مضربه في الحل، ومصلاه في الحرم، فيحتمل أن الذين أمرهم النبي صل الله عليه وسلم بالحلق كانوا في الحرم، وعندنا أن المحصر إذا كان في الحرم يحلق.
قيل له: النبي صل الله عليه وسلم لم يكن متمكنًا من الحرم بحال بدلالة قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ [الفتح: 25] وكل موضع ذكر المسجد فيه، فالمراد به الحرم، فأخبر أنه كان مصدودًا عنه.
ثم قال: ﴿والْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: 25] ومحله الحرم، ويأتي الكلام على هذا السؤال في ذبح هدي المحصر: هل يختص بالحرم، أو لا؟ ولأنه مأمور بالذبح لأجل الإحلال، فوجب أن يكون مأمورًا بالحلق بعده.
دليله: المتمتع والقارن.

ولأن هدي المحصر يقوم مقام العمرة التي تلزم بالفوات؛ لأنه يتحلل به من إحرامه، كما يتحلل من فاته الحج بعمل العمرة، ولا خلاف بأن من فاته الحج فإنه يقلق بعد عمل العمرة، كذلك المحصر يجب أن يحلق بعد ذبح الهدي عنه.
واحتج المخالف بأن الحلق خارج الحرم ليس بنسك بدليل أنه من توابع الإحرام، فأشبه الرمي.
ولا يلزم عليه الوقوف؛ لأنه ليس من توابعه، وإنما هو من أركانه وفروضه، ولأنه يقع بين التحلل فأشبه الطواف.
وإذا ثبت أنه ليس بنسك خارج الحرم لم يجب على المحصر، كسائر المباحات، ولهذا نقول: إذا كان الحصر في الحرم يجبه عليه الحلق.
والجواب: أن الحلق خارج الحرم عندنا نسك، وقد نص عليه أحمد في رواية أبي داود، ومهنا في من حلق خارج الحرم: ما أعلم عليه شيئاً، ولا بأس؛ حلق في الحرم، أو غير الحرم.
على أن قوله: (هو من [توابع الإحرام) لا] يمنع صحته خارج الحرم، كعقد الإحرام؛ فإنه ليس بمقصود عند أبي حنيفة، وإنما يدخل

به إلى المقصود، ومع هذا فيصح في غير الحرم.
ولأنه إذا كان الوقوف _ وهو معظم الحج _ نسكاً في غير الحرم، فأولى أن يكون كونه نسكاً.
وأما الطواف والرمي [فلما اختص ببقعة] من الحرم لهذا اختص الحرم، والحلاق لا يختص ببقعة منه، ولا فيه منفعة المساكين، فلهذا لم يختص الحرم، كالإحرام والطواف.
وعلى أنه لا يجوز أن تكون العلة كونه من توابع الإحرام؛ لأن الطواف ليس من توابعه، ويختص الحرم.

82 -

مسألة

إذا حلق القارن والمتمتع قبل أن يذبح، أو يرمي، فليس عليه إلا دم القران في أصح الروايتين:

نص عليه في رواية أحمد بن الحسن الترمذي في من قدم من نسكه شيئاً، أو أخره، فإن فعل ذلك جاهلاً، أو ناسياً [فلا شيء عليه]، وإن تعمد كان أشد عندي، ومن قال: لا شيء عليه إذا تعمد فقد قال بأكثر الأحاديث.

وظاهر هذا: أن العمد والسهو سواء في إسقاط الجبران.
وبه قال الشافعي.
وفيه رواية أخرى: إن فعل ذلك جاهلاً أو ناسياً، فلا شيء عليه، وإن فعل ذلك عامداً فعليه دم لمخالفة الترتيب، وهو اختيار أبي بكر.
نص عليه في رواية أبي طالب في من نحر قبل أن يرمي، أو حلق قبل أن ينحر، أو زار البيت قبل أن يرمي وإن كان ناسياً، فلا بأس وإن كان عامداً فلا؛ إنما هو على النسيان.
وكذلك نقل ابن مسعود عنه: أنه ذكر له قول مالك في من حلق قبل أن يرمي، فقال أحمد: إن كان جاهلاً، فلا شيء عليه، وإن كان عالماً، فعليه دم.
وقال في رواية المروذي في من قدم من نسكه شيئاً قبل شيء ناسياً: لم يكن عليه شيء، وإن فعله متعمداً [فعليه] شيء، فإن جاء بالدم فليس فيه كلام.
كأنه رخص فيما هو أقل من الدم.
وظاهر هذا: أنه يجبره بما دون الدم بصدقة.
وقال أبو خيفة: إن كان متمتعاً أو قارناً فحلق قبل أن يذبح، أو يرمي، فعليه دمان؛ دم للقران أو التمتع، ودم للعلق قبل الذبح.
وقال مالك: إن حلق قبل أن يرمي فعليه دم، وان حلق قبل أن يذبح، فلا دم عليه.

وجه الرواية الأولى: ما روى أبو بكر بإسناده عن عمرو بن العاص قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى على ناقته، فجاء رجل فقال: ما وصول الله! إني كنت أظن أن الحلق قبل النحر، فحلقت قبل أن أنحر، فقال: «أنحر، ولا حرج»، وجاء رجل آخر فقال: يا رسول الله! إني كنت أظن أن الحلق قبل الرمي، فحلقت قبل أن أرمى، قال: «ارم، ولا حرج»، قال: فما سئل عن شيء يومئذ قدمه رجل أو أخره إلا قال: «افعل، ولا حرج».
[و] روى أحمد بإسناده عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن حلق قبل أن يذبح، ونحو ذلك، فجعل يقول: «لا حرج، لا حرج».
فلو كان الدم واجباً في ذلك لبينه، وأمر به.
فإن قيل: إنما نفى المأثم، ولم يتعرض لغيره.
يبين صحة هذا: ما روى في حديث عمرو بن العاص: أن رجلاً قال له: إني كنت أظن [أن] الحلق قبل الرمي، فحلقت قبل أن أرمي، فقال: «ارم، ولا حرج».
وروى زياد بن علاقة، عن أسامه بن شريك قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم حاجاً، وكان الناس يأتونه، فمن قائل يقول: يا رسول الله!

سعيت قبل أن أطوف، أو قدمت شيئاً، أو أخرت شيئاً، وكان يقول: «لا حرج، لا حرج إلا [على] رجل اقترض عرض رجل مسلم وهو ظالم، فذلك الذي حرج وهلك».
ولا خلاف أن تقديم السعي على الطواف لا يجوز، فعلم أن المراد ما ذكرنا.
قيل له: لو كان الدم واجباً لبينه؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وعلى أن السؤال مطلق عما يجب عليه الدم؛ لأنه يحتاج إلى معرفته؛ ليخرج من الواجب عليه، ويبرئ ذمته منه.
والذي روي في حديث عمرو بن العاص: أنه حلق قبل الرمي، فالخلاف فيه كالخلاف في مسألتنا، وإنا إذا قلنا: إن الحلاق نسك، فإن ترتيبه على الرمي مستحب لا يجب بتركه دم، وإن قلنا: هو إطلاق محظور، وجب الدم لتقديمه قبل التحلل.
وأما حديث أسامة بن شريك فهو محمول على أنه كان قد طاف طواف القدوم، وسعى خلفه؛ فإن هذا السعي معتد به من الفرض، ويطوف طواف الزيارة، ولا حرج عليه، فيكون الخبر محمولاً على أنه

قدمه على طواف [الزيارة].
والقياس: أنه ذبح يجوز العلق عقيبه، فجاز قبله.
أصله: إذا كان عليه دم الطيب واللباس وجزاء الصيد.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الدم [دم] جبران، وليس بنسك، وليس كذلك في دم التمتع والقران؛ فإنه دم نسك، فكان الحلق مرتباً عليه.
قيل له: فالدم في حق المفرد دم نسك، ومع هذا فلا يترتب الحلق عليه؛ لأنه لو حلق قبل أن يذبح لم يلزمه دم لأجل ذلك.
فإن قيل: الدم في حق المفرد تطوع، وليس بواجب، والدم الذي يثبت في حق القارن والمتمتع واجب، فلهذا اعتبر الترتيب فيه.
قيل له: طواف القدوم غير واجب، ومع هذا فإن السعي يترتب عليه، فلو كان الترتيب في الحلق مستحق لاستوى فيه التطوع والواجب؛ كطواف القدوم مع السعي.
ولأن كل حالة جاز للمفرد أن يخلق رأسه فيها، جاز للقارن أن يحلق رأسه فيها.
دليله: بعد الذبح.
وإذا شئت قلت: حلق بعد الرمي، فلم يلزمه دم، كما لو حلق بعد الذبح.
والعبارة الأولى أجود؛ لأنه لو حلق قبل الرمي كان حكمه عندنا

حكمه قبل الرمي إذا قلنا: إن الحلاق نسك.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]. فنهى عن الحلق قبل الذبح، ومخالفنا لا ينهى عنه، بل يبيحه، وإذا ثبت أنه منهي عنه ثبت أنه يلزمه دم؛ لأن أحداً لا يفرق بينهما.
قال: وليس لقاتل أن يقول: إن الآية نزلت في المحصر، وخلافنا في القارن؛ لأنها عامة، ونزولها على سبب لا يمنع عمومها، ولأن من قال: الحلق نسك، لا يفرق بين المحصر وغيره في أن للمحصر أن يحلق قبل أن يذبح.
والجواب: أنا نحمل ذلك على الاستحباب؛ لأنا نستحب الترتيب دون الإيجاب.
وهكذا الجواب عن قوله تعالى: ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: 29]؛ يعني: الحلق.
وهكذا الجواب عن قول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «قوموا فانحروا، ثم احلقوا»، وكانوا محصرين في الحرم.
واحتج بأن هذه مناسك تفعل بحكم الإحرام المتقدم، فوجب أن

لا يباح ترك الترتيب فيها، كالطواف، والسعي، والرمي، وطواف الصدر، ومخالفنا يقول: الأفضل أن يرتب، فإن تركه جاز، وإذا ثبت أنه منهي عن ترك الترتيب، ثبت أنه يجب دم؛ لأن أحداً لا يفرق بينهما.
والجواب: أن المروذي قال: سئل أبو عبد الله عن رجل طاف بين الصفا والمروة قبل البيت، [فقال]: لا يجوز حتى يبدأ بالبيت، وذهب إلى قول سفيان: يعيد إذا كان عامداً، فإذا كان جاهلاً أرجو.
وظاهر هذا: أن الترتيب يسقط في ذلك في حال النسيان.
ونقل ابن منصور: وقد سئل عن من بدأ بالصفا والمروة قبل البيت، [فقال]: لا يجزئه.
وظاهر هذا: إيجاب الترتيب في العمد والسهو، وهو المذهب الصحيح.
ونقل ابن منصور وطاهر في موضع آخر: إذا طاف بالصفا والمروة قبل البيت في العمرة، ثم حلق، عليه دم.
وظاهر هذا: أنه يجزئه، ويجبره بدم، ويكون الفرق بينهما: أن السعي لما كان مرتباً على الطواف لم يفترق الحال بين طواف الفرض وبين طواف التطوع.
وكان يجب _ أيضاً _ أن يعتبر مخالفنا الترتيب في الذبح التطوع والفرض.
ولأن ترتيب السعي مع الطواف معتبر في حق المفرد والقارن

سواء، كذلك يجب أن نقول في الحلق مع الذبح: يستوي فيه القارن والمتمتع والمفرد.
واحتج بأنه قدم الحلاق على الذبح، فلزمه دم، كما لو قدمه على الرمي.
والجواب: أنا إذا قلنا: إن الحلاق نسك، فلا دم عليه، ولا يجب الترتيب بينه وبين الرمي، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية الترمذي، وقد سوى بينهما _ أيضاً _ في رواية أبي طالب وابن مسعود.
وإن قلنا: الحلاق إطلاق محظور، وجب عليه دم.
ولأنه حلق قبل التحلل الأول، كما لو تطيب، أو لبس.
ويقابل هذا بمثله بأنه حلق قبل الرمي، أشبه إذا حلق بعد الذبح، وهكذا الحكم فيه إن قاسوا ترتيب الرمي على الطواف، فإنه غير واجب.

83 -

مسألة

إذا أخر الحلاق عن أيام النحر لم يلزمه دم في أصح الروايتين:

رواها صالح في من لم يحلق حتى مضت أيام منى: فإن جاء بدم، فلا بأس، وإن لم يجيء فأرجو أن لا يكون عليه شيء.
وكذلك نقل حرب عنه في امرأة نسيت أن تأخذ من شعرها حتى

خرجت من مكة، ثم أخذته بعد ذلك بأيام: أرجو أن لا يكون به بأس، وإن تصدقت بشيء أحب إلي.
وبهذا قال الشافعي.
وفيه رواية أخرى: يلزمه دم.
نص عليه في رواية مهنا في امرأة حجت، فنفست، فلم تأخذ من شعرها حتى خرجت من مكة بعد أيام: يكون عليها دم.
وبه قال أبو حنيفة.
وجه الرواية الأولى: قوله تعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]، فأجاز فعله بعد بلوغ الهدي، ولم يخصه بوقت.
وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: 29]، قيل: هو الحلق، ولم يخصه بوقت، وإذا لم يختص بوقت لم يجب بتأخيره دم.
والقياس أنه فعله في وقت جوازه، فلم يجب بتأخيره إليه دم، كالسعي.
ولهذه العلة قلنا: إن الطواف غير موقت بأيام النحر.
ولا يلزمه عليه إذا أخر صوم دم المتعة، أو أخر دم المتعة عن وقته؛ لأن فيه روايتين، والصحيح أنه لا يجب به دم.
فان قيل: المعنى في السعي: أنه لا يجب فعله في الإحرام، فهو كطواف الصدر، والحلق يجب فعله في الإحرام، فأشبه الرمي.
قيل له: علة الأصل تبطل بالرمي في اليوم الثاني والثالث؛ لم

يجب فعله في الإحرام، ومع هذا يجب بتأخيره دم.
وقوله: (وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه يفعل في الإحرام، فهو كالرمي والوقوف) فالمعنى في الرمي: أنه ليس بوقت لجواز فعله، فلهذا وجب عليه الدم بتأخيره، وليس كذلك الحلق؛ لأنه أخره إلى وقت جواز فعله، فهو كالسعي.
ولأن ما بعد هذه الأيام الثلاثة وقت يجوز فيه الحلق، فلم يجب بالتأخير إليه دم.
دليله: إذا أخره إلى اليوم الثاني.
فإن قيل: المعنى هناك: أنه لم يؤخره عن وقته، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه أخره عن وقته.
قيل له: لا نسلم هذا؛ لأنه غير مؤقت عندنا.
وإن شئت احترزت عن تأخير صوم الثلاثة بأنه نسك أخره إلى وقت جواز فعله، والصيام بدل عن النسك، وليس بنسك، ولتأخير البدل تأثير في إيجاب الفدية بدليل قضاء رمضان إذا أخره.
واحتج المخالف بأنه نسك يجب فعله في الإحرام، فوجب أن يكون مؤقتا، كالوقوف والرمي.
ولهذه العلة قلنا: إن الطواف مؤقت بأيام النحر.
ولا يلزم عليه السعي؛ لأنه لا يجب فعله في الإحرام؛ لأنة يجوز أن يفعله بعد طواف الزيارة، وبعد طواف الزيارة لا يكون محرماً.

والجواب: أن قوله: (يجب فعله في الإحرام) لا تأثير له؛ لأن ما لا يجب فعله في الإحرام وما يجب سواء بدليل الرمي؛ لا يجب في الإحرام، ومع هذا يجب بتأخيره الدم.
ثم المعنى في الأصل: أن ذلك أخره عن وقت جواز فعله، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لم يؤخره عن وقت جواز فعله، فهو كالسعي.
واحتج بأنه موضوع للإحلال من الإحرام، فأشبه الطواف.
والجواب: أن الطواف غير مؤقت عندنا، ولا يجب بتأخيره دم مثل مسألتنا، ويأتي الكلام عليه، إن شاء الله.
فإن قيل: أليس قد قلتم: إذا أخر صوم التمتع عن وقته وجب بتأخيره دم، هلا قلتم هاهنا كذلك؟ قيل: في ذلك روايتان، والصحيح: أنه لا دم فيه.
على أن صوم دم التمتع ليس بنسك، وإنما هو بدل عن النسك، وقد يجب بتأخير البدل ما لا يجب بتأخير المبدل بدليل قضاء رمضان؛ يجب بتأخيره فدية، ولا تجب بتأخير رمضان.

84 -

مسألة

إذا حلق المحرم رأس حلال، فلا شيء عليه:

نص عليه في رواية ابن منصور، وحرب، ومهنا:

فقال في رواية ابن منصور: وقد سئل: يقصر المحرم رأس الحلال؟ قال: نعم.
وفي رواية مهنا: إذا حلق المحرم رأس حلال، وهو نائم، أو كاره، لا كفارة عليه.
وبهذا قال مالك، والشافعي.
وقال أبو حنيفة: عليه الفدية؛ يطعم شيئاً.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]، وهذا خطاب للمحرمين، [فنهاهم] من حلق رؤوسهم، فدل على أن لهم أن يحلقوا رؤوس المحلين.
فإن قيل: تقديره: لا يحلق أحد رأسه، ولا رأس غيره، كما قال تعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29]، لا يقتل أحد نفسه، ولا نفس غيره.
قيل له: قوله: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: 196] خطاب للمحرمين، فلا يدخل فيهم غيرهم، وقوله: ﴿ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ خطاب لجميع المكلفين، وكان ذلك في المكلفين بمنزلة قوله: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ في المحرمين.
فإن قيل: العادة أنهم لا يحلقون رؤوسهم، وإنما يحلقون رؤوس

غيرهم، فحمل النهي على ذلك.
قيل له: قد ثبت أن هذا خطاب للمحرمين، فإن لم يتأت فعله في نفسه، حمل على فعله في محرم مثله؛ لأن قوله: ﴿ولا تَحْلِقُوا﴾ خطاب لكل واحد منهم، وقوله: ﴿رُءُوسَكُمْ﴾ لفظ الجمع المعرف فيقتضي جنس رؤوس المحرمين.
والقياس: أنه حلق شعر محل، فلا يلزمه الفدية.
دليله: إذا كان الحالق حلالاً.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه إذا حلق شعر نفسه لم تلزمه الفدية، وكذلك إذا حلق شعر محل، وليس كذلك المحرم؛ [فإنه] إذا حلق شعر نفسه لزمته الفدية.
قيل: إذا كان الحالق حلالاً فاستوى شعره وشعر المحلوق؛ لأن كل واحد منهما شعر محل، فلم تختلف [......] الفدية، وليس كذلك إذا كان الحالق محرماً؛ لأن شعره مخالف لشعر المحل، فلهذا افترقا في وجوب الفدية.
وقياس آخر: وهو: أنه شعر لا يختلف باختلاف المكان، فإذا لم يضمنه المحل لم يضمنه المحرم قياساً على شعر البهيمة.
أو نقول: كل شعر لم يضمنه المحل لم يضمنه المحرم قياساً

على شعر البهيمة.
ولا يدخل عليه شعر الصيد؛ لأنه يضمنه المحل في الحرم.
أو نقول: شعر لا يتعلق بمنبته حرمه الإحرام، أشبه شعر البهيمة.
وقياس آخر، وهو: أنه معنى يراد للترفه، فإذا فعله المحرم بالمحل لم يلزمه الضمان، كالطيب واللباس.
وعبر عن هذا المعنى بعضهم، فقال: عبر على المحل كراهية المحرمين، فلم يلزمه فدية.
دليله: اللبس.
وهذا ينتقض بالمحرم إذا وطئ المحلة، فإنه يلزمه الفدية، وقد عبر على المحلة هيئة المحرمات، والصحيح ما ذكرنا.
فان قيل: فرق بينهما، وذلك أن اللبس والطيب غير محرم على المحرم في حال العذر على الإطلاق؛ لأن له لبس الإزار والرداء، وإنما نهي عن لبسه على صفة، وهو أن يشتمل عليه بالخياطة.
وكذلك لم ينهه عن التطيب على الإطلاق؛ لأن له أن يلبس ثوباً

مبخراً بعود وند.
وليس كذلك الحلق؛ فإنه محرم على المحرم في غير حال العذر على الإطلاق، فوجب أن يستوي في وجوب الكفارة في حقه وحق وغيره.
دليله: قتل الصيد.
قيل له: هذا ينتقض بقتل الصيد؛ فإن المحرم يمنع من قتله على الإطلاق في غير حال العذر؛ لأن صيد البحر من جمله الصيد، ومع هذا فلا يمنع منه، وكذلك الذئب عندهم هو صيد لا يمنع، ومع هذا لا يستوي في وجوب الكفارة في حقه وحق غيره، وكذلك لحم الصيد ليس بمجرم على المحرم إذا لم يصد لأجله، ولحمه يجرى مجرى الصيد في باب التحريم إذا ذبح لأجله.
وعلى أن الحلاق واللباس فد تساويا في حق المحرم في إيجاب الفدية عليه، وإن كانا يختلفان من الوجه الذي ذكروه، وهو: أن اللبس يباح في غير حال العذر، والحلق لا يباح، يجب _ أيضاً _ أن يتساويا في حق المحل.
وعلى أن أكثر ما في هذا [أن] تحريم الحلاق أعم من تحريم اللبس، وهذا لا يوجد الفرق بينهما في باب الضمان، ألا ترى أن كل ما يؤكل لحمه من الحيوان لا يباح قتله لغير ضرورة، وما يباح أكله

[يقتل] للضرورة ولغيرها، ثم يتساويان في الضمان في حق الأجنبي إذا أتلفه عليه، كذلك هاهنا.
واحتج المخالف بأنه محرم حلق شعر الآدمي، فوجب أن تلزمه الفدية، كما لو حلق رأس نفسه، أو رأس محرم آخر.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه لو ألبسه المخيط أو طيبه وجب عليه الفدية، فكذلك إذا حلقه، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لو ألبسه أو طيبه لم تلزمه الفدية، وليس كذلك هاهنا؛ لأن منبته لا تتعلق به حرمة الإحرام.
ولأن شعر المحرم مضمون بالدم، وما اختلفنا فيه مضمون بالصدقة، فلو كانا سواء لوجب أن يتساويا في مقدار الضمان.
واحتج بأنه معنى نهي عنه المحرم في غير حال العذر على الإطلاق، فوجب أن يستوي في وجوب الكفارة في حقه، وحق غيره.
دليله: الصيد.
قالوا: ولا يلزم عليه إذا ألبس غيره، أو طيبه؛ أنة لا فدية؛ لأنه لم ينه عن اللبس على الإطلاق، إنما نهي عن لبس على صفة هي المخيط، وكذلك الطيب؛ لم ينه عن ثوب مبخر بعود.
والجواب: أنا قد بينا: أن الصيد لم يمنع منه المحرم على الإطلاق

في حال العذر من الوجه الذي ذكرنا.
وعلى أن الصيد قد يحرم إذا كان للمحل على المحل، ويجب الجزاء بقتله، وهذا إذا كان في المحرم، ولا يحرم شعر المحل على المحل بحال، ولا تجب الفدية عليه بحلقه.
ولأن الله _ تعالى _ أطلق تحريم الصيد بقوله: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ [المائدة: 95]، فلهذا استوى صيده وصيد غيره، وقيد الحلق فقال: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: 196]، وهذا خطاب للمحرمين خاصة من الوجه الذي ذكرنا، فبان الفرق بينهما.
ولأن الصيد لما منع من قتله في حقه وحق غيره استوى الجزاء، فلو كان الحلق كذلك لاستوى، ولما فرق بينهما، فقال: في شعر المحرم دم، وفي شعر الحلال صدقة، دل على الفرق بينهما.
فإن قيل: اختلافهما في المقدار لا يمنع استواءهما في وجوب الفدية فيهما، كما أن اختلاف المقدار الواجب في شعرة واحدة وفي ثلاث شعرات لا يمنع استواهما في الوجوب، وإنما اختلفا في المقدار؛ لأنه إذا حلق رأس نفسه حصل له الانتفاع به، وإذا حلق رأس غيره حصل الانتفاع به للمحلوق.
قيل له: إنما اختلف المقدار فيما دون الثلاث؛ لأنه لا يقع عليه اسم الجمع المطلق، ويقع على الثلاث، وليس كذلك هاهنا؛ لأن اسم الجمع المطلق قد وجد، وعند مخالفنا ربع الرأس في حق الحلق، فلو

كان ممن تتعلق به الفدية، لوجب أن يستوي حكمه في حقه، كما استوى في حق المحرم.
واحتج بأن الاعتبار بالمحرم، لا بالشعر، كما أن الاعتبار به، لا بالصيد، ألا ترى أن رجلاً لو كان في الحرم، فرمى صيداً في الحل، لزمه الجزاء، وإن كان الصيد في الحل مباحاً؛ لأن حال الرجل يحظر الصيد، كذلك إذا حلق رأس الحلال يجب أن تلزمه الفدية؛ لأن حاله يحظر حلق الشعر.
والجواب: أنه لما كان الاعتبار به في مثل الصيد، لا بالصيد، لزمه بقتل صيد الحل ما يلزمه بقتل صيد الحرم، فلو كان الاعتبار به، لا بالسفر، لوجب أن يلزمه بذلك ما يلزم المحرم.

85 -

مسألة

إذا حلق الحلال رأس المحرم، وهو نائم، أو مكره، فالفدية على الحالق:

وذكره أبو بكر في كتاب «الخلاف» عن أحمد في رواية ابن منصور.
وقياس المذهب يقتضيه في المحرمة إذا جومعت مستكرهة:

لا كفارة عليها.
وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: الفدية على المحلوق رأسه.
وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قولنا.
والثاني: مثل قول أبي حنيفة.
دليلنا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله تجاوز لأمتي عن ما استكرهوا عليه».
والمحرم مستكره، فيجب أن يعفى عنه.
ولأنه شعر زال عن رأسه من غير صنع من جهته، فلم تلزمه الفدية، كما لو تمعط شعره بمرض.
فإن قيل: لو كان كذلك، لما وجبت الفدية أصلاً، كما لا تجب بالتمعط.
قيل له: إنما يجب الضمان في الأصل بحال؛ لأنه ليس هناك حالق يتوجه عليه الضمان، وفي مسألتنا حالق يتوجه عليه الضمان، فأوجبنا الفدية عليه، وهذا كما نقول في المودع: إذا تلفت الوديعة في يده بمرض لم يجب الضمان على أحد، فإذا أتلفها غير المودع لم يجب الضمان على المودع، ووجب على المتلف، كذلك هاهنا.

واحتج المخالف بأن الانتفاع بالحلق حصل للمحرم, فوجب أن تكون الفدية عليه دون غيره, كما لو حلقه بأمره.
ولا يلزم عليه إذا تمعط لعلة؛ لأن الفدية لم تجب أصلًا.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أن الشعر زال بصنع من جهته, فلزمه الضمان, وليس كذلك هاهنا؛ لأنه زال من غير صنع من جهته, فلم يضمن, وهما سواء؛ لأن المحرم مأمور حفظ شعره, كالمودع.
واحتج بأن الانتفاع بالحلق للمحرم, فلو أسقطنا الفدية عنه لأسقطناها للعذر لا يمنع وجوب الفدية بدلالة وجوبها على من كان به أذى من رأسه فحلقه, أو كان ناسيًا.
والجواب: أن فريقًا بين العذر بالمرض, وبين العذر بالإكراه, ألا ترى أنه لو احتاج إلى الفطر, لزمه القضاء, ولو صب الماء في حلقه لم يفطر, ولم يلزمه القضاء, فدل على الفرق بينهما.

86 -

مسألة

إذا حلق المحرم شعر المحرم بإذنه, فعلى المحلوق شعره فدية, ولا شيء على الحالق:

وقال أبو حنيفة: عليه صدقة, كما قالوا في المحرم إذا حلق شعر المحل.

دليلنا: أنه شعر زال عن المحرم باختياره, فلم يلزم غيره ضمانه.
دليله: لو كان الحالق محلًا.
ولأنه محرم حصل له ترفه باختياره, فلم يلزم الفاعل به ذلك ضمانه.
دليله: لو طيبه, أو ألبسه.
ولا يجوز القياس عليه إذا حلق بغير إذنه؛ لأن الشعر زال عن المحرم بغير اختياره بالتفريط من الحالق, فلزمه الضمان.

87 -

مسألة

الحلق في الإحرام نسك يثاب على فعله ويعاقب على تركه:

نص عليه في مواضع ابن إبراهيم, وأبي داود: تقصر المرأة من جميع رأسها قدر الأنملة.
وقال في رواية حنبل والميموني: إن شاء قصر, وإن شاء حلق, والحلق أفضل.
وقال في رواية منها: إذا أخت المرأة التقصير حتى خرجت أيام منى, فعليها دم.

وقال- أيضًا- في رواية بكر بن محمد: إذا اعتمر الرجل, فلابد من أن يحلق, أيقصر, ولا يعتمر حتى شعره, فيمكن حلقه, أو يقصره.
وقال في رواية أبي داود: يعجبني إذا دخل متمتعًا أن يقصر؛ ليكون الحلق للحج.
وهذا كله يدل على أنه نسك, وبهذا قال أبو حنيفة, ومالك.
وللشافعي قولان: أحدهما: مثل هذا.
والثاني: إطلاق محظور, كاللباس والطيب.
دليلنا: قوله تعالى:} ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ﴿] الحج: 29 [. روى ف التفسير: أن المراد به الحلق, وروى: بقايا أفعال الحج مثل رمي الجمار, ونحوه, وهو عليهما جميعًا.
وإذا ثبت أن الحلق من قضاء التفث وقد أمر الله به, وجب أن يكون نسكًا.
وأيضًا قوله تعالى:﴾ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ {] الفتح: 27 [. فامتن علينا بدخولنا على هذه الصفة, فدل على أن الفضل يحصل بها.
ولأنه عبر عن الإحرام بالحلق والتقصير, ولا يعبر عن العبادة إلا

بما هو منها, كقوله:} وَقُرءَانَ الفَجرِ {] الإسراء: 78 [. ويدل عليه ما روى أبو عبد الله بن بطة بإسناده عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اللهم ارحم المحلقين)), قالوا: يا رسول الله! والمقصرين؟ قال: ((اللهم ارحم المحلقين)), قالوا: يا سول الله! والمقصرين؟ قال: ((والمقصرين)).
فدعا للمحلقين ثلاثًا, وللمقصرين مرة واحدة, فلولا أنه نسك لما استحقوا لأجله الدعاء.
فإن قيل: إنما دعا لهم؛ لأن فيه قربة, وهو النظافة.
قيل له: هذا المعنى لا يوجد في التقصير, وقد دعا للمقصرين.
ويروى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: ((اذبحوا, واحلقوا)).
فأمرهم بالحلق, وأمره على الوجوب, فدل على لسانه أنه نسك.
ولأن الأمة قد نقلت من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا الحلق للحاج قولًا وفعلًا, كما نقلت سائر المناسك, فدل على أنه نسك, وليس من الأفعال المباحة.
ولأن هذه عبادة لها إحلال وإحرام, فوجب أن يكون من محظوراتها

ما هو قربة فيها, كالصلاة من محظوراتها ما هو واجب فيها.
أصله: ما ذكرنا.
واحتج المخالف بأنه محظور في الإحرام, فوجب أن يكون في وقته إطلاق محظور قياسًا على الطيب واللبس وقتل الصيد.
والجواب: أن كونه محظورًا ف حال الإحرام لا يمنع أن يكون قربة عند الإحلال, كالسلام هو محظور في الصلاة, كالكلام والمشي ونحو ذلك ثم يكون مسنونًا في آخرها.
ثم المعنى في سائر المحظورات: أن الشرع لم يرد باستحقاق الثواب عليه, فلهذا لم يكن نسكًا, هاهنا قد ورد, فلهذا كان نسكًا.
واحتج بأنه لو كان من أعمال الحج لوجب إذا فعله قبل وقته] أن [لا يتعلق به وجوب الدم, كالطواف والرمي.
والجواب: أن السلام قربة في الصلاة عند التحلل منها, ثم إذا قدمه على وقته على سبيل السهو تعلق به الجبران, كذلك لا يمنع أن يقع التحلل بالحلق, وإذا قدمه على وقته تعلق به الجبران, وهو الدم.
فإن قيل: لو كان الحلاق يجري مجرى السلام لوجب أن يقع التحلل به, كما يقع بالسلام.
قيل له: في ذلك روايتان:

إحداهما: أن التحلل يقع به وبالرمي, كما يقع التحلل من الصلاة بالسلام.
وقد نص على هذا في مواضع: فقال في رواية أبي داود في من دخل بعمة, فلم يقصر حتى كان يم التروية: فهذا لم يحل بعد, يقصر, ثم يهل بالحج, ولا شيء عليه, وبئس ما صنع.
ونقل عنه في موضع آخر في المعتمر يقع بامرأته قبل أن يقصر: عليه الفدية.
وكذلك نقل أبو طالب في معتمر طاف فوقع على امرأته قبل أن يسعى: فسدت عمرته وعليه مكانها, وإن طاف وسعى, ثم وطئ قبل أن يحلق, فعليه دم.
وقال- أيضًا- في رواية الأثرم في معتم حل من عمرته, فوقع على امرأته قبل أن يقصر, فعليه دم؛ يذبح شاة.
وقال- أيضًا- في رواية ابن إبراهيم في محرم وقع بأهله قبل أن يقصر قال: عليه دم.
وهذا صريح في أنه لا يقع التحلل قبل الحلق, أو التقصير, وإنما يقع به, وبه جاءت السنة: فروى أحمد في ((المسند)) بإسناده عن عائشة قالت: قال

رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا رميتم وحلقتم, فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء)).
فعلق التحلل بالرمي, والحلاق.
ولأنها عبادة لها تحليل وتحريم, فوجب أن يقع التحلل منها بمعنى محظور عليه فيها خلال الإحرام, كالصلاة.
فعلى هذا لا يلزم السواك.
وفيه رواية أخرى: يقع التحلل برمي الجمرة, ولا يقف عليه.
أومأ إليه في رواية أبي الحارث فقال: الإحرام قائم عليه, فإذا رمي الجمرة فقد انتقض إحرامه.
وقال- أيضا- في رواية ابن منصور: وقد سئل عن المحرم يغسل رأسه قبل أن يحلقه, فقال: إذا رمى الجمرة فقد انتقض إحرامه, إن شاء غسله.
وقال في رواية ابن منصور في الذي يصيب أهله في العمرة قبل أن يقص: الدم لها كثير.
وهذا يقتضي أنه قد تحلل؛ لأنه لو كان الإحرام باقيًا لأوجب الدم؛ لأنه قد نص على أنه من وطئ في العمرة عليه شاة في رواية أبي طالب.

فعلى هذا: لا يمنع هذا كونه نسكًا, وإن لم يقع التحلل به, كالمبيت في المزدلفة, ورمي الجمار في اليوم الثاني والثالث.
وقد روى أحمد في ((المسند)) بإسناده عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا ميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيٍء إلا النساء)).
وهذا نص في أن التحلل يقع بالرمي فقط.

88 -

مسألة

إذا كان المحرم أصلع, أو محلوق الرأس, استحب إمرار الموسى على رأسه, ولم يجب عليه:

وقد قال: أحمد في راية المروذي في المتمتع: إذا دخل يوم التروية فأعجب إلي أن يقصر, إن دخل في العشر, فأراد أن يحلق حلق, فإن هو دخل في يوم التروية, فحلق فلا بأس به, ويمر الموسى على رأسه يوم الحلق.
وهذا محمول على طريق الاستحباب؛ لأنه قد قال في رواية بكر ابن محمد: لا يعتمر حتى يخرج شعره, فيمكن حلقه, أو تقصيره.
وهذا يدل على أن إمرار الموسى لا يجب, ولا يقوم مقام الحلق.
وقال أبو إسحاق في ((تعاليق كتاب العلل)): قد قال أحمد في الذي

يولد, وليس له شيء: كأنه مختون, يمر الموسى على الموضع, كما قال ابن عمر في الأصلع.
وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجب.
دليلنا: قوله تعالى:} مُحَلِقِينَ رُءُوسَكُم وَمُقَصِرِينَ {] الفتح: 27 [والمراد به: شعور رؤوسكم؛ لأن الرأس لا يحلق, ولا يقصر, فإذا لم يكن على رأسه شعر لم يتناوله الأمر.
ولأن إمرار الموسى لو كان حلقًا لوجب إذا فعله قبل التحلل أن يجب به الفدية, فلما لم يجب به ثبت أنه ليس بحلق يؤمر به حال التحلل.
ولأن الفرض تعلق بشعر الرأس مع وجوده, فإذا عدم الشعر سقط الفرض, كالطهارة لما تعلقت بالعضو سقطت بعدم العضو.
فإن قيل: فيجب أن لا يستحب إمرار الموسى على رأسه لعدم الشعر.
قيل له: لا فرق بين الأصل والفرع في باب الاستحباب, فإنه يستحب له أن يمر الماء على محل القطع وإن لم يجب, كما نستحبه هاهنا.
نص عليه أحمد في رواية صالح وعبد الله: من قطعت يده من المرفق يغسل الموضع الذي قطع؛ يدير الماء بيده الأخرى.

وقال في رواية مهنا: المتيم يمسح الموضع الذي قطع بالتراب.
واحتج المخالف بما روي عن ابن عمر: أنه قال في الأصلع: يمر الموسى على رأسه.
ولا يعرف له مخالف ذكره النجاد بإسناده.
والجواب: أن هذا محمول على الاستحباب دون الإيجاب.
واحتج بأنها عبادة متعلقة بالرأس, فإذا لم يكن عليه شعر تعلقت ببشرة الرأس, كالمسح.
والجواب: أنه مأمور في الطهارة بمسح الرأس, والماسح على بشرة الرأس يسمى ماسحًا, فجاز أن تتعلق العبادة بها, وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه مأمور بحلق الرأس, وهذا لا يسمى حالقًا.
فإن قيل: لا يمتنع أن يؤمر بالتشبه بالحالق, وإن لم يسم حالقًا, كما أن من أصبح في أول يوم من رمضان, وهو يظن أنه من شعبان, فأكل, ثم استبان له في بعض النهار أنه من رمضان, فإنه يؤمر بالتشبه بالصائم بالإمساك, وإن لم يسم صائمًا.
قيل: إنما لزمه الإمساك هاهنا, وإن لم يكن صائمًا؛ لأن الصيام

لزمه باطنًا, ومحل الصوم باٍق, فلزمه الإمساك, وهاهنا محل الفرض متعلق بالشعر, وذلك غير موجود, فمثاله: أن يستبين له أنه كان من رمضان بعد دخول الليل, فلا يلزمه الإمساك بفوات الزمان.
ويبين صحة هذا: أن فرض المسح تعلق بالرأس دون الشعر بدلالة أنه لو كان الشعر على بعض رأسه دون بعض كان بالخيار عندهم؛ إن شاء مسح على البشرة, وإن شاء مسح على الشعر, فلم يسقط الفرض لعدم الشعر.
وفي الحلق تعلق بالشعر بدلالة أنه لو كان الشعر في بعض رأسه دون بعض, لم يجز له إمرار الموسى على البشرة, فإذا عدم ما تعلق به الفرض سقط.
فإن قيل: تعلق الفرض به لا يوجب سقوطه بعدمه بدلالة فرض الطهارة يتعلق بالماء, ثم لا يسقط الفرض بعدمه, وكذلك الصوم في أول يوم من رمضان.
قيل له: قد بينا أن الأصول على هذا, وأن الفرض إذا تعلق بمحل مخصوص سقط بفواته, كالطهارة لما تعلقت بالأعضاء سقطت بفواتها, وكذلك الإيجاب إذا تعلق برقبة سقط بفواتها.
وأما الصيام فقد تكلمنا عليه, وأما انتقال الطهارة إلى التيمم عند عدم الماء, فذلك بالشرع لا غيره.

89 -

مسألة

إذا حلق لغير عذر لزمه دم, ولم يخير بين ثلاثة أشياء؛ كاللبس والطيب:

نص عليه في رواية سندي الحواتيمي وابن القاسم في المحرم يحلق رأسه من غير أذى ليس هو عندي بمنزلة من يحلق من إذا حلق رأسه من أذي, فهو مخير في الفدية, ومثل هذا لا ينبغي أن يكون مخيرًا.
وبهذا قال أبو حنيفة.
قال الشافعي: يخير كما لو حلق لعذر.
دليلنا: أن الله- تعالى- خير الحالق بين ثلاثة أشياء لوجود معنى, وهو الأذى, فإذا عدم المعنى لم يثبت التخيير, ووجب دم للجناية في حال الإحرام.
ولأنها كفارة وجبت بجناية في الإحرام, لا على طريق العوض, فوجب أن لا يخير بها بين الدم, والإطعام, والصوم.
أصله: الكفارة والتي تجب بالوطء.
ولا يلزم عليه جزاء الصيد؛ لأنه عوض, والحلق من

جارٍ التحميل