التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف علي مذهب أحمدصفحات 304-343

بتكرُّر سببه، وليس كذلك الطيب واللباس والوطء؛ لأن جبرانها لا يجري مجرى ضمان الأموال، فهي أخف، فجاز أن تتداخل.
......

176 -

مسألة

إذا قتل صيداً له مثل من النعم ضمنه بمثله:

نص عليه في رواية إسماعيل بن سعيد فقال: إذا أصاب صيداً فهو على ما حكم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وكل ما سمي فيه شيء فهو على ذلك، وفي الضبع شاة.
وقال في رواية ابن منصور: قد تقدم فيه حكم فهو على ذلك.
وقال -أيضاً- في رواية أبي داود في الذي يصيب الصيد: يتبع ما جاء، قد حُكم وفُرغ منه.
وهو قول مالك والشافعي وداود.
وقال أبو حنيفة: يضمنه بقيته، ثم يصرف تلك القيمة في النعم إذا شاء، ولا يجوز صرفها إلا في النعم التي تجوز في الهدايا.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95].
فأوجب مثل المقتول من النعم، وعندهم لا يجب ذلك.
فإن قيل: المراد بالمثل هاهنا: مثل من طريق القيمة، لا من طريق الصورة.

يدل عليه قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95]، ونهى عن قتل جنس الصيد، فدخل تحته ما له نظير، وما لا نظير له، ولا خلاف أنه لو قتل ما لا نظير له وجبت عليه قيمته، فثبت أن القيمة مرادة بالمثل، فيصير كأنه قال: فجزاء قيمة ما قتل، ولو قال ذلك لوجب اعتبار القيمة في جنس الصيد، كذلك إذا كان تقديره ما ذكرنا.
وقوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ أفاد أن الهدي الذي تصرف القيمة فيه يجب أن يكون منه؛ لئلا يتوهم أن كل ما يقع عليه اسم الهدي يجرئ.
قيل له: لا نسلم أن الآية تناولت جنس الصيود التي لا مثل لها؛ لأنه لما قيد المثل من النعم، علمنا أن ما لا مثل له لم يدخل تحت الظاهر، وإنما استفدنا حكم ذلك من غيرها.
وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، فقيل: يا رسول الله! ما السبيل؟ قال: "الزاد والراحلة"، وهذا في النائي عن البيت، فأما أهل مكة، ومن كان منها على ما لا تقصر فيه الصلاة، فلم يدخل في هذا؛ لأن استطاعته [ليس في] الزاد والراحلة.
وقولهم: (إن قوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ يقتضي أن يكون الهدي منه) فغير صحيح؛ لأن حقيقة الكلام تقتضي أن تكون (من) للجنس، فيكون المثل من جنس النعم، فمن عدل بها عن ذلك، فقد عدل عن حقيقة اللفظ.

وعلى أن قوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ يقتضي وجوب صرفة ذلك في النعم، وهم لا يوجبون ذلك.
فإن قيل: إذا تنازعنا في المراد بالمثل، كان حمله على القيمة أولى من حمله على المثل من جهة الخلقة والصورة؛ لأن فيه حمل الآية على عمومها؛ لأنه يدخل تحتها ما له نظير، وما لا نظير له، وفي حمله على المثل من جهة الخلقة تخصيص الآية.
قيل له: لسنا نسلم العموم حين يكون حمله عليه أولى من تخصيصه؛ لأنا قد بينا أنها تناولت مثلاً من طريق الصورة من النعم.
فإن قيل: إذا حملنا المثل على القيمة كان موافقاً للأصول وإذا حملناه على المثل من جهة الخلقة كان مخالفاً لها؛ لأنا قد وجدنا قيمة الشيء مثلاً له في الأصول، ولم نجد مثله في الخلقة من غير جنسه مثلاً له.
قيل له: إنما يكون أولى إذا كان اللفظ ينتظم جنس الصيود، وقد بينا: أن اللفظ خاص، فلا يجوز اطراح اللفظ [....] الأصول.
على أنا نتكلم على ذلك في ما بعد.
فإن قيل: فقد قال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾، فلو كان المراد به المثل من جهة الخلقة لما احتيج إلى حكمين عدلين؛ لأن العدالة يحتاج إليها في ما يعلم بالخبر دون المشاهدة والمماثلة من جهة الخلقة،

[والمماثلة من جهة الخلقة] تعلم بالحس والمشاهدة، والقيمة تعلم من جهة الاجتهاد.
قيل له: الحكم بالمثل من طريق الخلقة يحتاج إلى اثنين، لأنه ينظر إلى ما يشبه المقتول من النعم، وهذا يحتاج فيه إلى نظر واجتهاد أكثر من القيمة، وتُشترط فيه العدالة أيضاً؛ أنه مما يدق ويخفى، فهو مجبر بما يغلب على ظنه، فافتقر إلى العدالة.
فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95]، والتخيير إذا حصل بين أشياء، فكل واحد منهما متعلق بما تعلق به الآخر، فكأنه قال: مثل هو هدي، أو مثل هو إطعام مساكين، أو مثل هو صيام.
وهذا لا يكون إلا على قول من أوجب القيمة، فإلى أي الأصناف الثلاثة صرفها كانت هي المثل.
قيل له: نحن -وإن قلنا: يضمن بنظيره- فإنه مخير بين النظير وبين قيمته طعاماً، وبين الصيام عن كل مد يوماً، فلم يصح.
فإن قيل: فقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾.
ظاهره يقتضي: أنه حكم باقٍ أبداً، وهذا لا يكون إلا في القيمة التي تختلف باختلاف الأزمان، فأما المثل من طريق الخلقة؛ فإنهما إذا حكما به كان ذلك باقياً، فلا يُحتاج إلى الحكمين فيه.

قيل له: الآية تقتضي أن يحكم به ذوا عدل، ونحن نقول بظاهره، وهو الحكم السابق من جهة الصحابة، يقتضي هذا تكرار الحكم.
فإن قيل: فنحمل قوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ على أنه صفة للمقتول، وهو أولى من حمله على أنه صفة للجزاء؛ لأن الآية قد قُرئت بقراءتين؛ فقرأ أهل الكوفة بالرفع، وقرأ غيرهم بالإضافة.
فعلى قراءة الرفع إذا جعلناه صفة للمقتول لم يُفصل بين العامل والمعمول؛ لأن قوله: ﴿فَجَزَاءٌ﴾ مبتدأ، و ﴿مِّثْلُ﴾ صفته، و ﴿مَا﴾ بمعنى: الذي، و ﴿قَتَلَ﴾ صلة الذي، وهو العامل في قوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ و ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ في موضع نصب، والعامل فيه ﴿قَتَلَ﴾،ولا بد من راجع يرجع من الصلة إلى الموصول.
ولو جعلنا قوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ صفة للجزاء فصلنا بين العامل؛ الذي هو الجزاء، ومعموله؛ الذي هو من النعم؛ لأن من يجعل النعم صفة للجزاء يجعل العامل فيه قوله: ﴿فَجَزَاءٌ﴾، والمعمول؛ الذي هو قوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ فاصل؛ هو ما وصلتها، ومن لم يفصل بين العامل ومعموله كان أولى.
فهذا على قراءة الرفع.
وأما على قراءة الإضافة فقد يراد بالإضافة إلى الشيء نفس الشيء، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ﴾ [البقرة: 137]، ومعناه: آمنوا بما آمنتم به.

وقول الشاعر: مثلي لا يُحسن قولاً يَغفر أي: أنا لا أحسن.
فعلى القراءتين جميعاً حمله على المقتول ممكن.
قالوا: والنعم قد يتناول الوحش، قال أبو عبيدة: النعم يتناول الوحش، وقال تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: 1] بهائم وغير بهائم لم يكن بإضافة البهائم إلى الأنعام معنى، وإنما أباح من جملة الأنعام البهائم، ولم يبح السباع؛ لأنها لا تُسمى بهائم، وإنما تُسمى كواسب.
قيل له: النعم لا تتناول الوحش، وما ذكروه عن أبي عبيدة غير معروف، وأما الآية فلا حجة فيها؛ لأنها تدل على أن كل نعم بهيمة، ولا تدل على أن كل بهيمة نعم.
وعلى أن هذا لا يصح حمله على أنه صفة للمقتول؛ لأنه يؤدي إلى التكرار؛ لأنه يحصل تقديره: لا تقتلوا الصيد، ومن قتل الصيد، فجزاء مثل ما قتل من الصيد.
وأيضاً ما روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "الضبع صيد إذا أصابه المحرم، وفيه الجزاء كبش".

فإن قيل: يحتمل أن يكون معناه: إذا اختار الهدي، وكانت قيمته قيمة شاة.
قيل: قوله: "فيه كبش" أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
وعلى قولهم لا يجب، وإنما هو موقوف على اختياره.
وأيضاً إجماع الصحابة روي عن عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وابن عمر وابن عباس وابن الزبير: أنهم حكموا في النعامة ببدنة، وفي حمار الوحش ببقرة، وفي الأيل وبقر الوحش ببقرة، وفي الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي اليربوع بجفرة، وفي الأرنب بعناق.
فإن قيل: حكموا بذلك على طريق القيمة، ألا ترى أنه روي عنهم: أنهم حكموا في الحمامة بشاة، ولا مشابهة بين الشاة والحمامة في الخلقة؟ قيل لع: لا يمكن حمله على هذا لوجوه: أحدها: أنهم قضوا بذلك في أوقات مختلفة، وبلدان مختلفة، والقيمة تختلف باختلاف البلدان والأوقات والأسعار، ولا يجوز أن تتفق قضاياهم على شيء واحد.
الثاني: أنهم قضوا في اليربوع بجفرة، وعندهم لا يجوز إخراج ذلك وصرف القيمة فيه؛ لأنه لا يجزئ في الهدايا.
والثالث: أن البدنة أكثر قيمة من النعامة، والبقرة أكثر قيمة من

حمار الوحش، والكبش أكثر قيمة من الضبع، والعنز أكثر قيمة من الغزال، والعناق خير من الأرنب، والجفرة خير من اليربوع، والشاة خير من الحمامة، فدل على أنهم لم يقصدوا القيمة.
وقولهم: (إنه لا مشابهة بي الحمامة والشاة) فغير صحيح؛ لأنها تشبهها من جهة أنها تعب وتهدر، كما تعب الشاة.
والقياس: أن النعم حيوان مُخرج على وجه التكفير، فوجب أن يكون أصلاً لا على وجه القيمة، كالعتق في كفارة القتل والظهار والوطء في رمضان.
ولأن قتل الصيد فعل حرام بالإحرام، فوجب أن يكون المخرج فيه أصلاً بنفسه، كالشاة الواجبة في الطيب واللباس.
فإن قيل: لو قتل ما لا نظير له من النعم وجبت عليه قيمته، فإن بلغت هدياً كان بالخيار؛ إن شاء أهدى، وإن شاء أطعم، وإن شاء صام، ثم لا خلاف أنه لو اختار الهدي لم يكن أصلاً في نفسه؛ لأن الأصل ما يجب عليه بنفس القتل، والهدي في ما لا نظير له لا يجب بنفس القتل.
قيل له: لا نسلم لك هذا؛ لأن ما لا مثل له لا يجوز صرف بدله في الهدي؛ لأنه لا مثل له.
فإن قيل: فالعلة تبطل به إذا أفسد الحج؛ فإنه يلزمه بدنة، ويجزئه

أن يخرج بقرة، أو سبعاً من الغنم، وليس الغنم والبقر أصلاً في ذلك.
قيل له: الرواية مختلفة في ذلك؛ فروي عنه: لا تجوز البقرة، ولا السبعة من الغنم مع وجود البدنة؛ إلا أنها غير معتبرة بقيمة البدنة، فلم تدخل على ما قلنا.
وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية أبي طالب قال: إذا كان عليه جزاء، أو نذر بدنة، فلم يجد بدنة جعل مكانها سبعاً من الغنم.
فأجاز الانتقال إذا لم يجد.
وروي عنه أنه مُخير بين هذه الثلاثة، وأيها أخرجه كان أصلاً بنفسه، فسقط النقض.
وهذا ظاهر كلامه في رواية حنبل قال: العشر من الغنم تجزئ مكان الجزور، وإذا كان عليه بدنة، فنحر عشراً من الغنم، أو قاد ذلك عنه، إن شاء الله.
وهو اختيار الخرقي؛ لأنه قال: ومن وجبت عليه بدنة، فذبح سبعاً من الغنم أجزأه.
ولم يعتبر أن لا يجد البدنة.
فإن قيل: الرقبة الواجبة في كفارة القتل من جنس المقتول، فيجب أن يكون في مسألتنا، فلما لم يجب من الجنس، لم يجب مثله في الخلقة.

قيل له: كفارة الوطء والظهار ليس من جنس الوطء والظهار، ومع هذا فتجب، وكذلك مئة من الإبل ليست من جنس الحر، ومع هذا يُضمن بها.
فإن قيل: الرقبة في كفارة القتل لا تختلف باختلاف المقتول، وجزاء الصيد يختلف، فوجبت القيمة، كالعبد المقتول.
قيل له: دية الآدمي تختلف باختلاف المقتول بالذكورية والأنوثية والخنثى، ومع هذا لا تجب قيمته، وإن ما يجب فيه مقدر.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95].
وقدروا وجه الدلالة من الأوجه التي تقدم ذكرها.
والجواب عنها: ما مر، فلا وجه لإعادته.
واحتج بأن ضمان لزمه من جهة إتلاف الصيد، فأشبه ما لا نظير له من النعم، وإذا كان لآدمي.
ولأنه لو كان لآدمي ضمن قيمته، كذلك إذا كان لله قياساً على ما لا نظير له من النعم.
والجواب: أن قوله: (ضمان لزمه من جهة إتلاف الصيد) لا تأثير له لذكر الصيد في ذلك؛ لأن الصيد وغيره سواء.

ثم نقول: لا يخلو إما أن نقول بحكم العلة، فوجب أن يضمنه بقيتمه؛ فإنه ينتقض بالإطعام والصيام؛ فإنه يضمنه به، وليس بقيمة له.
فإن قلت: فلم تضمنه بمثله، لم يصح في الأصل؛ لأنه لا مثل له، فلا يوصف بذلك.
وعلى أن ما لا نظير لذاته، لا مثل له، فلهذا عدل إلى القيمة، كما نقول في ما لا مثل له من الأموال: تجب قيمته، وهذا مما له مثل، فهو كالذي له مثل من الأموال.
وأما ضمانه في حق الآدمي فهو مخالف لضمانه في حق الله تعالى، ألا ترى أن العبد يضمن في حق الآدمي وفي حق الله -تعالى- بالكفارة، ويدخل الصوم في ضمان حق الله -تعالى- في قتل الصيد، ولا يدخل في حق الآدمي.
واحتج بأنه لا يجب مثله من جنسه، فوجب أن لا يجب مثله في الخلقة من غير جنسه، كما لو أتلف الصيد على آدمي.
والجواب: أنه لا يمتنع أن لا يجب مثله من جنسه، ولا قيمته، ويجب معنى آخر، كالحر يضمن بمئة الإبل، وإن لم تكن من جنسه،

ولا قيمته، وكذلك الجنين يضمن بغُرة، وإن لم تكن من جنسه، ولا بدل عنه، كذلك هاهنا.
وأما ضمانه في حق الآدمي فقد تكلمنا عليه.
واحتج بأنه تعتبر قيمته فيما دون النفس، كالعبد والشاة والصيد إذا كان لآدمي.
والجواب: أنا لا نعرف الرواية في ما دون النفس، فلو قلنا: إن ذلك مضمون بالمثل بجزء شائع من مثله من الحيوان لم يمتنع، وإن سلمنا ذلك، وهو الأشبه بأصوله؛ لأنه قد قال: في شعرة مد، ولم يوجب ثلث دم، وكان المعنى في ذلك: أن الذي حصل في الجرح نقص فيه، والنقص في ما يُضمن بالمثل لا يُضمن بالمثل، كالطعام إذا تسوس في يد الغاصب، أو بُل بالماء، فنقص، فالواجب ما نقص، لا المثل، كذلك جزاء الصيد.
ولأن إيجاب سهم من حيوان يشق، فإذا كان فيه مشقة عدل عنه إلى غيره، ألا ترى أن الإبل إذا نقص عن خمس وعشرين كان فيها من غير جنسها؛ لأن إيجاب سهم من حيوان يشق، كذلك هاهنا نعدل إلى ما نقص من ثمنه؛ لأن إيجاب جزء من المثل يشق.
وأما الأصل -وهو إذا كان لآدمي- فقد أجبنا عنه.
......

177 -

مسألة

إذا قتل صيداً لم تحكم فيه الصحابة، جاز أن يكون الحاكمان القاتلين، أو أحدهما:

وقد نص أحمد في رواية أبي النصر العجلي على جواز أن يكون الحاكم القاتل وآخر معه.
وهو قول الشافعي.
وقال مالك: لا يجوز أن يكون الحاكم القاتل.
دليلنا: أنه حق لله -تعالى- تتعلق به حقوق الآدميين، فجاز أن يُرجع فيه إلى الواجب عليه.
دليله: تقويم مال التجارة لإخراج الزكاة.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: 95].
وهذا يقتضي غير القاتل، كما قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: 2]، اقتضى غير من عليه الحق.
والجواب: [....]. واحتج بأنه يدل عن متلف، فلم يرجع فيه إلى المتلف.

دليله: حقوق الآدميين.
والجواب: أن هناك لا يتعلق به حق لله، وهذا يتعلق به حق لله، فهو كالزكاة.
واحتج بأنه تلحقه تهمة في التقويم.
والجواب: أنه يبطل بتقويم العروض في الزكاة، وفي دفع الزكاة إلى الفقراء.
......

178 -

مسألة

إذا قتل صغار الصيود التي لها مثل، ضمن الصغار بمثلها من النعم، وكذلك إن قتل صيداً أعور، أو مكسور اليدين، فداه بمثله:

وقال أحمد في رواية أبي طالب: أذهب إلى حديث عمر: في الضبع كبش، وفي الظبي شاة، وفي الأرنب جفرة، وفي اليربوع جدي.
وقال أبو حنيفة: لا تُجزئ العناق والحمل في جزاء الصيد.
وقال مالك: يضمن الصغير بالكبير من أمثاله، والأعور يفديه بصحيح.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95].
ومثل الصغير صغير، وكذلك مثل الأعور أعور.

فإن قيل: فقد قال في سياقها: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا﴾ [المائدة: 95].
والهدي ما يُجزئ في الأضحية، والصغار لا تجزئ فيها.
قيل له: لعمري إنه لا يقع إلا على ما يُجزئ من النعم، ولكن هذا إنما يكون في الهدي المطلق، فأما المقيد؛ فإنه يُحمل على ما قيده، وإن كان ذلك لا يجزئ في الأضحية، كما لو قال: لله علي أن أهدي هذا الدرهم، أو هذا الثوب؛ فإنه يجزئه، ولو أطلق ذكر الهدي لم يجزئ إلا ما يجزئ في الأضحية.
والهدي المذكور في الآية مقيد بالمثل، فاعتبر ذلك به.
وأيضاً ما روي عن عمر: أنه قال: في الضبع شاة، وفي الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة، وفي الظبي كبش.
وأيضاً ما ضمن بالجناية واليد اختلف قدر ضمانه باختلاف حاله، كالأموال.
ولأن ضمان الصيج جارٍ مجرى الأموال بدلالة تعلقه بضمان اليد، وتعلقه بالأنعام، ولو كان بمنزلة الكفارات لم يتعلق بذلك، وإذا كان جارياً مجرى ضمان الأموال اختلف باختلاف حال المضمون.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، والهدي لا يكون إلا بكبش سليم.

والجواب عنه: ما تقدم، وإن كان هذا صفة الهدي المطلق.
واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلّم: "في الضبع كبش".
والجواب: أنه محمول على الكبير السليم بما تقدم.
واحتج بأنه حيوان مُخرج باسم التكفير، فلم يختلف باختلاف حال المتلف.
دليله: الكفارة بقتل الآدمي.
والجواب: أن هذا الحكم لا يصح بإجماع؛ فإنه لا خلاف أن الجزاء يختلف باختلاف حال الصيد؛ لأنه لا يضمن الضبع بمثل ما يضمن به النعامة.
وعلى أن كفارة الآدمي لما لم تُضمن ضمان اليد، لم تختلف باختلاف حال المتلف، وجزاء الصيد لما ضُمن باليد اختلف باختلاف حال المتلف.
واحتج بأنه دم وجب لمحظور في الإحرام، فوجب أن يكون دماً كاملاً.
دليله: فدية الآدمي.
ولأنه دم لا يجوز نحره في غير الحرم، فلم يجز فيه الصغير، كدم التمتع والقران.
ولأن ما لا يجوز في سائر الدماء من التمتع والقران والإحصار

واللابس والمتطيب لا يجزئ في جزاء الصيد، كالعمياء والعرجاء والغزال والبقر الوحشي.
والجواب: أن تلك الدماء لا تجب على طريق البدل، وليس كذلك هاهنا؛ لأن هذا الدم يجب على طريق البدل بدليل أنه يختلف باختلاف المقتول.
......

179 -

مسألة

إذا جرح صيداً ضمن ما نقص منه بالجرح:

وقد قال أحمد في رواية الميموني في محرم أخذ صيداً، ثم أرسله: فإن كان أخذه أعيبه، تصدق بشيء لمكان أذاه وإذعاره إياه.
وقال أبو بكر في كتاب "التنبيه": ولو نتف ريش طائر، ولم ينهض لنتفه، كان عليه جزاؤه إن تلف، وإن لم يتلف، وصار ممتنعاً ممن أراده، ففيه حكومة.
وقال مالك وداود: إن جرح الصيد غير مضمون.
دليلنا: أن المحرم ممنوع من تنفير الصيد بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلّم: "لا يُنفر صيدها".
والجرح أعظم من التنفير، فإذا كان ممنوعاً منه، فنقول: أتلف

ما هو ممنوع منه لحرمة الإحرام، وكان عليه الجزاء.
دليله: جملة الصيد.
وكل عين كانت مضمونة، كانت الجناية عليها مضمونة، كالآدميين، وكل جملة كانت مضمونة، كانت أجزاؤها مضمونة، كالثياب والطعام والأموال.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ [المائدة: 95].
فأوجب الجزاء بالقتل، فدل على أنه لا يجب بغيره.
والجواب: أنه إنما أوجب بالقتل جزاء المثل، ونحن لا نوجب ذلك الجزاء، وإنما نوجب ما نقص من قيمته.
واحتج بأن جزاء الصيد يجري مجرى الكفارة، والكفارة لا تجب في الإنقاص بدليل كفارة الآدمي.
والجواب: أن الجزاء يجري مجرى حقوق الآدميين، ونحن نبين ذلك في مسألة الجماعة إذا اشتركوا في قتل الصيد؟ واحتج بأن الأصل براءة الذمم، فمن ادعى إيجاب حق فيها فعليه الدليل.
والجواب: أنا قد دللنا على ذلك.
......

180 -

مسألة

بيض النعامة يُضمن بقيمته:

نص عليه في رواية حنبل.
وقال مالك: يُضمن بعُشر قيمة البدنة.
وحُكي عن داود: لا شيء فيه؟ دليلنا: ما روى النجاد بإسناده عن ابن عباس: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلّم في بيض النعامة يصيبه المحرم بثمنه.
وبإسناده عن أبي هريرة قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن بيض النعام، قال: "قيمته".
وروي ذلك عن عمر، وابن مسعود، وغيرهما من الصحابة.
وروى أبو داود في "المراسيل" بإسناده عن معاوية بن قرة، عن رجل من الأنصار: أن رجلاً محرماً أوطأ راحلته أُدحي نعام، فانطلق الرجل إلى علي، وسأله عن ذلك، فقال له علي: عليك في كل بيضة ضراب ناقة، أو جنين ناقة، فانطلق الرجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلّم، فأخبره

بما قال علي، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلّم: "قد قال علي ما سمعت، ولكن هلم إلى الرُخصة، عليك في كل بيضة صيام يوم، أو إطعام مسكين".
ولأن البيض صيد؛ لأنه يتطلب، كما يتطلب الصيد الذي لا مثل له.
واحتج المخالف بأن الأصل براءة الذمة، وبأن الله -تعالى- أوجب الجزاء بقتل الصيد.
والجواب عنه: ما تقدم.
واحتج أصحاب مالك على أن في البيض عُشر قيمة البدنة بأنه متولد من حيوان مضمون بالجزاء، فوجب أن يُرد إليه، ويُعتبر فيه، كالجنين.
والجواب: أنه يبطل بجنين الصيد؛ فإنه متولد منه، ولا يُعتبر به، وإنما يُعتبر بنفسه.
وكذلك لبن الظبية مُتولد منه، ولا يُعتبر بالحيوان، وإنما يُعتبر بنفسه.
فأما جنين الآدمية فإنه اعتبر بأمه لأنه من جنس ما يُضمن بمُقدر، وهو الحر، والبيض مما لا مثل له، فضمن بقيمته.

وأجود من هذا: أن ضمان الصيد يجري مجرى ضمان الأموال بدليل أنه يجب في الصغير صغير، وفي الكبير كبير، فضمن بالقيمة كما تُضمن الأموال: ولهذا قلنا: في جنين الصيد ما نقص.
......

181 -

مسألة

في حمام الحل والحرم شاة:

نص عليه في رواية ابن القاسم وسندي، فقال: في حمام الحرم شاة.
وقال في رواية ابن منصور: حمام الحل والحرم سواء.
وبهذا قال الشافعي.
وقال مالك: في حمام الحرم في الحرم شاة، وفي حمام الحل حكومة، وفي حمام الحرم في الحل روايتان: إحداهما: حكومة.
والثانية: شاة.
دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي الزبير، عن جابر قال: قضى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الطير إذا أصابه شاة.
ولك يفرق بين أن يصيبه في الحرم أو الحل.
ولأنها حمامة مضمونة بالجزاء، فوجب أن يكون جزاؤها شاة.

دليله: حمامة الحرم.
فإن قيل: الحرم ليس له مزية بدليل أنه محل للهدايا، ولا يجوز دخوله بغير إحرام، ومحل للنسك، فجاز أن يكون لحمامة مزية.
قيل له: فيجب أن يكون لبقية صيده مزية، كالنعامة والغزال ونحو ذلك.
واحتج المخالف بأنه حمام في غير الحرم أشبه الحمام المملوك.
والجواب: أن المملوك يستوي في ضمانه الحل والحرم، فلا معنى لقولك: (في غير الحرم) في الأصل.
ثم لا يجوز اعتبار ضمان ذلك لحق الآدمي بضمانه لحق الله تعالى بدليل النعامة؛ تضمن بقيمتها في حق الآدمي، وفي حق الله بالبدنة، وكذلك جميع الصيود.
......

182 -

مسألة

ويضمن ما دون الحمام بقيمته، كالعصافير، والقطا، والسُّمان، ونحو ذلك:

نص عليه في رواية ابن القاسم وسندي، فقال: كل طير يَعُب مثل

الحمام؛ يشرب كما يشرب الحمام، ففيه شاة، ومان كان مثل العصفور ونحوه، ففيه القيمة، ويلزم المحرم، كما يلزم الحلال في الحرم.
وحُكي عن داود: لا يجب في ذلك شيء، وإنما يضمن الحمام خاصة.
دليلنا: ما روى النجاد بإسناده عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما أُصيب من الطير دون الحمام ففيه الفدية.
ولأنه صيد حرم قتله لحق الله تعالى، فضُمن بالجزاء.
دليله: الحمامة، وسائر الطيور.
وقد دل على تحريم قتله عموم قوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96].
وهذا من جملة صيد البر، فوجب أن يكون محرماً.
واحتج المخالف بقول النبي صلى الله عليه وسلّم: "لا يحل مال امرئ مُسلم إلا عن طيب نفسه".
وقوله: "ليس في المال حق سوى الزكاة".
والجواب: أنه محمول على غير مسألتنا.
واحتج بأن الأصل براءة ذمته.
والجواب: أنا قد دللنا على شغلها بما تقدم.

183 -

مسألة

وما حكم فيه صحابيان: أنه مثل للمقتول، استقر حكمهما فيه، فلا يعدل عن ذلك:

نص عليه في رواية أبي النصر العجلي، فقال: وما حكم فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فلا يحتاج أن يُحكم عليه مرة أخرى.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك: يُستأنف الحكم في ذلك، لا نكتفي بذلك.
فأبو حنيفة بنى هذا على أصله، وأنه لا اعتبار بالمثل، وإنما الواجب القيمة.
وإنما يختص الخلاف مع مالك في قوله: يُعتبر المثل، إلا أنه لا يكفي في ذلك ما حكمت به الصحابة.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا﴾ [المائدة: 95].
وهذان عدلان، وقد حكما به.
فإن قيل: ظاهره: أنه حكم باقٍ أبداً، وعندك: أنه قد انقطع بحكم الصحابة.
قيل له: هذا لا يقتضي تكرار الحكم، كما لو قال: لا تضرب زيداً، ومن ضربه فعليه ديتان؛ لأنه لا تتكرر الديتان بضرب واحد.
ولأنه صيد حكم بمثله صحابيان، فلم يجز العدول عن حكمهما.

دليله: الصيد الذي قضيا فيه في وقتهما؛ فإنه لا يعدل عنه إلى غيره.
ولأن الصحابة أعرف بذلك وأهدى إليه؛ لأنهم شاهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا البيان والتأويل، وكانوا أعرف بالأغراض ومعاني الكلام، فكان ما قالوه أولى مما يقوله غيرهم.
واحتج المخالف بأنه صيد وجب جزاؤه، فوجب الحكم فيه في وقت الجزاء.
دليله: الصيد الذي لم يُحكم فيه بشيء.
والجواب: أن ليس هناك حكم، فيُتبع، فلهذا وجب الحكم فيه، وهاهنا حكم سابق، فيجب اتباعه.
دليله: ما قضت به في وقتها.
......

184 -

مسألة

تعتبر في إخراج الطعام قيمة النظير، لا قيمة الصيد، فإذا قتل صيداً له مثل، وأراد التقويم، وأن يشتري بالقيمة طعاماً؛ فإنه يقوم مثل الصيد:

نص على هذا في رواية ابن القاسم وسندي: إذا قتل الصيد، فلم

يكن عنده جزاء قوم المثل، ولم يقوم الصيد؛ لأن الصيد قد عُدل بمثله من النعم، ولا يقوم ثعلب، ولا حمار وحش، ويقومه في الموضع الذي أصابه فيه، وفي ما يقرب منه.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك وداود: تُعتبر في ذلك قيمة الصيد.
دليلنا: أنه يُخرج في جزاء الصيد، فيجب أن يُعتبر بالذي يليه في التلاوة، كالمثل والصيام، فالمثل يُعتبر بالصيد الذي يليه، وكذلك الإطعام يجب أن يُعتبر بالصيد، كالمثل.
قيل له: المثل إنما اعتبر بالصيد؛ لأنه يليه في التلاوة.
واحتج المخالف بأنه تقويم في ضمان الصيد، فوجب أن تعتبر قيمة الصيد.
أصله: إذا كان لآدمي، وإذا لم يكن له نظير من النعم.
والجواب: أن قوله: (تقويم في ضمان الصيد) لا تأثير له في حق الآدمي؛ لأن الصيد وغيره سواءء.
وأما الصيد الذي مثل له، فإنما عُدل إلى قيمته؛ لأنه ليس هناك مثل يقوم به، فهو كما لو أتلف شيئاً لا مثل له وجبت قيمته، وهذا مما له مثل، ويمكن اعتبار مثله، فلهذا وجب اعتبار قيمة المثل، كما وجب الرجوع في ما له مثل من المتلفات إليه.

وأما ضمانه في حق الآدمي فقد أجبنا عنه، وبينا أن ضمانه في حق الله -تعالى- يخالف ضمانه في حق الآدمي بدليل دخول الصوم في ضمان حق الله تعالى، وإيجاب الكفارة في قتل العبد، بخلاف ضمانه في حق الآدمي، كذلك هاهنا.
واحتجَّ بأن المتلفات في الأصول إذا وجب فيها التقويم، اعتبرت قيمة المتلف بدلالة الثوب والعبد، وإذا كان الصيد لآدمي.
والجواب: أن سائر المتلفات لا تُعتبر فيها قيمة المتلف؛ لأنه لا قيمة له، وإنما تُعتبر قيمة نظيره ومثله، يجب أن نقول في الصيد مثل ذلك.
وإنما يختلفان في أن قيمة مثل غير الصيد من المتلفات لا تخالف قيمة المتلف؛ لأن مثله يكون من جنسه، وقيمة مثل الصيد ربما خالفت قيمته؛ لأن مثله يكون من غير جنسه.
......

185 -

مسألة

إذا جرح صيداً، وغاب عنه، ولم يعرف خبره، فعليه جزاؤه:

وقد قال أحمد في رواية أبي طالب في رجل اكترى بيتاً بمكة، فأغلق بابه، فجاء، ففتح، فإذا فيه طير ميت؛ لا يدري كيف مات؟ احتاج أن يذبح شاة.
وبهذا قال مالك.

وقال الشافعي: لا ضمان عليه.
دليلنا: أن الجراحة سبب للموت، كالضربة سبب لموت الجنين، ثم لو ضرب بطنها، فألقت جنيناً، ضمنه، وإن لم يتحقق موته منها، وكذلك لو جرحه، فبقى أياماً، ثم مات، ضمن لوجود السبب، وإن جاز أن يكون موته من غير ذلك، كذلك هاهنا.
واحتج المخالف بأن الأصل الحياة، فلا يضمنه بالشك.
والجواب: إن هذا لا يمنع الضمان بدليل الجنين.
ويبين [صحة] هذا: أنه لو جرحه، وغاب الصيد عنه، ثم وجده ميتاً، حكمنا بذكاته، وإن جاز أن يكون مات بغيرها.
......

186 -

مسألة كفارة الجزاء على التخيير؛ فإن قتل صيداً له مثل، فهو مُخير؛ إن شاء أخرج المثل، وإن شاء قوم المثل دراهم، واشترى بها طعاماً، وتصدق به، وإن شاء صام عن كل مُد يوماً.
وفي الصيد الذي لا مثل له يُخير بين الإطعام والصيام في أصح الروايتين:

رواها أبو القاسم ابن بنت [أحمد بن] منيع في محرم قتل صيداً: يُكفر بما في القرآن، وكل شيء في القرآن (أو) فإنما هو تخيير.

وكذلك نقل الميموني عنه في قوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ﴾ [المائدة: 95]: فهو في هذا مُخير.
وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي.
وفيه رواية أخرى: أنه على الترتيب؛ إن لم يجد الهدي اشترى طعاماً، فإن كان معسراً -ولم يقدر على القيمة- صام.
رواها عنه بكر بن محمد، عن أبيه، عنه، فقال في الفدية: وهو بالخيار، ومن قتل الصيد لا يكون بالخيار، عليه جزاء الصيد، لا يجزئه إلا العدل، ليس هو مُخير في الهدي والصوم والصدقة.
وكذلك روى الأثرم عنه: وقد سُئل: هل يطعم في جزاء الصيد؟ فقال: لا، إنما جُعل الطعام ليعلم الصيام؛ لأن من قدر على الطعام قدر على الذبح.
وبهذا قال زفر، وحكي عن الشافعي في القديم، وروي ذلك عن ابن عباس وابن سيرين.
وجه الدلالة: قوله تعالى:: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ﴾ [المائدة: 95].
وحقيقة (أو) للتخيير؛ قال تعالى:: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: 89].
وقال: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍأَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196]. عُقل من ظاهره التخيير، كذلك هذا.

فإن قيل: قد يرد (أو)، ويراد به الترتيب، قال تعالى: ﴿أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33].
قيل له: حقيقته التخيير، ولا يُحمل على الترتيب إلا بدلالة، ألا ترى أنه قد يرد -أيضاً- بمعنى الواو، وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: 147]. ومعناه: ويزيدون.
وقال الشاعر: فلو أن البكاء يرد شيئاً بكيت على زياد أو عناق على البرين إذ مضيا جميعاً لشأنهما بحزن واحتراق معناه: زياد وعناق.
إلا أنه يُحمل على معنى الواو إلا بدليل.
ولأن هذه كفارة واردة بلفظ التخيير، فهي ككفارة اليمين وفدية الأذى.

فإن قيل: لا نسلم لكم: أنها ورادة بلفظ التخيير.
قيل له: نعني به: أنه ذكر فيها (أو).
ولأن هذه كفارة تتعلق بالإحرام فيها أجناس، فوجب أن يكون فيها التخيير.
دليله: كفارة الأذى.
ولأنه حق لزمه بإتلاف هو ممنوع منه لحرمة الإحرام، فوجب أن يكون على التخيير.
دليله: كفارة الخلاف.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "في الضبع شاة"، ولم يُخير.
والجواب: أن هذا الخبر قُصد به بيان المقدار، ولم يُقصد به التخيير، أو الترتيب.
واحتج المخالف بأن هذه كفارة يتعلق وجوبها بالقتل، أشبه كفارة القتل.
والجواب: أن كفارة القتل وردت مرتبة، وهذه وردت بلفظ التخيير، وهي بمنزلة كفارة اليمين وفدية الأذى.
ولأن كفارة القتل مبنية على التغليظ، [وهذه مبنية على التخفيف] بدليل اختلافها بصغر المقتول وكبره، فكانت على التخيير.

187 -

مسألة

الصوم عن كل مُد بُر يوماً، وعن كل نصف صاع تمراً وشعيراً يوماً:

نص على هذا في رواية الأثرم في الفدية، فقال: إن أطعم بُراً فمُد لكل مسكين، وإن أطعم تمراً فنصف صاع لكل مسكين.
وقد أطلق القول في رواية حنبل وابن منصور: يصوم عن كل نصف صاع يوماً، وهذا محمول على التمر والشعير.
وقال أبو حنيفة: يصوم عن كل نصف صاع يوماً؛ عن البر والشعير والتمر.
وقال مالك والشافعي: يصوم عن كل مُد يوماً؛ من التمر والبر والشعير.
وقد تقدم الكلام في ذلك في فدية الأذى.
دليلنا: أن من أصلنا: أن لكل مسكين مداً من بُر، أو نصف صاع تمر أو شعير يوماً.
وقد دللنا على أن [هذا] الأصل فيما تقدم، ونذكره في باب الكفارات، إن شاء الله.
وذهب المخالف إلى أنه يحتاج في هذا الموضع إلى تقدير الطعام لكل مسكين، فوجب تقديره بنصف صاع.
دليله: فدية الأذى.

والجواب: أنه لا فرق بين فدية الأذى وبين مسألتنا في ذلك.
......

188 -

مسألة

إذا اصطاد الحلال صيداً للمحرم لم يجز للمحرم أكله؛ سواء اصطاده بعلمه، أو بغير علمه:

نص على هذا في رواية عبد الله، فقال: إذا أصيد الصيد من أجله لم يأكله المحرم، ولا بأس أن يأكل من الصيد إذا لم يُصد من أجله، إذا اصطاده الحلال.
وكذلك نقل أبو طالب عنه، فقال: إذا اصطادوه له لم يأكله، مثل حديث عثمان.
وكذلك نقل حنبل، وابن منصور، والمروذي.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجوز للمحرم أكله إذا لم تكن منه دلالة عليه، أو إشارة إليه.
دليلنا: ما روى أحمد، وذكره عبد الله في "مسائله" بإسناده عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "كلوا لحم الصيد، وأنتم حرم،

ما لم تصيدوه، أو يصد لكم".
وروى -أيضاً- بإسناده في لفظ آخر عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "صيد البر لكم حلال، وأنتم حرم، ما لم تصيدوه، أو يُصد لكم".
فإن قيل: يحتمل أن يكون المراد به: ما لم تشيروا إليه، أو تدلوا عليه، فيصاد لكم.
قيل له: الإشارة والدلالة غير مذكورة في الخبر، فلا يجوز إثباتها إلا بدلالة.
وعلى أن تحريم الدلالة والإشارة قد استفيدت بقوله: "ما لم تصيدوه"، وبالإشارة والدلالة يُضاف إليه الصيد.
وروى أحمد بإسناده عن سعيد بن المسيب: أن عثمان بن عفان أتى بقطا مذبوح، وهو محرم، فأمر أصحابه أن يأكلوه، ولم يأكل هو، وقال: إنما صيد لي.
وكان علي يكره ذلك على كل حال.

وروى بإسناده عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه قال: ما صيد، وأنت محرم، فلا تأكله.
وروى حنبل بإسناده عن أبي قتادة قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلّم زمن الحديبية، فأحرم أصحابي، ولم أحرم، فرأيت حماراً، فحملت عليه، فاصطدته، فذكرت شأنه لرسول الله صلى الله عليه وسلّم، وذكرت أني لم أكن أحرمت، و [إني] إنما اصطدته، فأمر أصحابه فأكلوا، ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته له.
والقياس: أنه صيد لأجله، فحرم عليه أكله.
دليله: إذا أشار إليه، أو دل عليه من صاده.
وقد قيل: إن الأمر بالاصطياد له ونية المأمور أن يصطاد له أقوى من الدلالة عليه؛ لأن الدلالة لا تنقل الملك بحال، والأمر ونية المأمور ينقلان الملك؛ لأن من أمر غيره بشراء سلعة، فاشتراها له، ملكها الآمر.
وهذا لا يسلمه المخالف؛ لأن أبا بكر الرازي قال: إذا أمره [أن] يصيد له جاز له أكله إذا لم تكن منه إشارة، والمعتمد في المسألة على السُّنة.

واحتج المخالف بما روى مالك، عن أبي النضر، عن نافع مولى أبي قتادة، عن أبي قتادة: أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلّم حتى إذا كا ببعض طريق مكة تخلف مع أصحاب له محرمين، وهو غير محرم، فرأى حماراً وحشياً، فاستوى على فرسه، ثم سأل أصحابه أن يناولوه سوطه، فأبوا [عليه]، فسألهم رمحه، فأبوا، فأخذه، ثم شد على الحمار، فقتله، ثم أكل منه بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم، وأبى بعضهم، فلما أدركوا النبي صلى الله عليه وسلّم سألوه عن ذلك، فقال: "هل أشرتم؟ هل أعنتم؟ " قالوا: لا، قال: "فكلوا".
فأباح لهم أكله إن لم يكونوا أشاروا، ولم يُفرق بين أن يكون قد اصطيد لهم، أو لغيرهم.
والجواب: أن أبا قتادة اصطاده لنفسه، وما اصطاده الحلال لنفسه لم يحرم على المحرم أكله إلا بالدلالة والمعرفة.
واحتج بما روى طلحة بن عبيد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلّم سُئل عن الحلال يصطاد الصيد؛ أيأكله المحرم؟ قال: "نعم".
ولم يفرق بين ما صيد له أو للحلال.
والجواب: أنه محمول على أنه صاده الحلال لنفسه.
واحتج بما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلّم مر بالروحاء، فإذا هو بحمار وحش

عقير فيه سهم قد مات، فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: "دعوه حتى يجئ صاحبه"، فجاء رجل من بهز، فقال: يا رسول الله! هذه رميتي، فكلوه.
فأمر أبا بكر أن يقسمه بين الرفاق.
وهم محرمون، ولم يفرق.
والجواب عنه: ما تقدم.
واحتج بأن الصيد مُذكى، ولم يوجد منه دلالة عليه، ولا إشارة إليه، فوجب أن يجوز أكله، كما لو قتله الحلال لنفسه.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه لم يوجد من المحرم فيه سبب، ولا من الصائد نية لكون الصيد له، وليس كذلك هاهنا؛ لأن الصائد نوى أن يكون الصيد للمحرم.
ولأن المعنى في الأصل: أنه لا تعلق للمحرم [به]، فلهذا لم يحرم عليه، وهذا صيد له به تعلق، فحرم عليه، كالإشارة والدلالة.
......

189 -

مسألة

إذا قتل المحرم صيداً، ثم أكل منه، لم يلزمه للأكل شيء:

نص عليه في رواية ابن منصور، فقال: إذا قتل المحرم الصيد، ثم أكله، فكفَّارة واحدة.

وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: عليه حرام ما أكل.
دليلنا: أنه ضمنهه بإتلافه، فلا يضمنه بأكله.
أصله: إذا قتل الحلال صيداً في الحرم، ثم أكله، أو كسر بيضة من الصيد، ثم أكلها، أو قطع شجر الحرم، وانتفع به؛ فإنه لا يضمنه بالانتفاع، كذلك هاهنا.
فإن قيل: هذا يبطل بمن ذبح شاة غيره، ثم أكلها.
قيل له: لا يلزم؛ لأنه لم يضمنها، وإنما ضمن ما أتلف منها.
فإن قيل: إنما لم يضمن صيد الحرم؛ لأنه غير محرم عليه أكله، وكذلك بيض الصيد.
قيل له: لا نسلم هذا؛ لأن الحلال إذا قتل صيداً في الحرم حَرُم عليه أكله، كما يحرم على المحرم، وكذلك بيض الصيد إذا كسره يحرم عليه أكله، وكذلك شجر الحرم إذا قطعه، فلا فرق بينهما.
وقد قال أحمد في رواية ابن منصور: وقد سئل: هل يؤكل الصيد في الحرم؟ فقال: إذا ذُبح في الحل.
فظاهر هذا أنه لا يؤكل إذا ذُبح في الحرم.

فإن قيل: ضمان صيد الحرم يجري مجرى ضمان الأموال، فإذا ضُمن من وجه آخر، ألا ترى أن الحلالين إذا قتلا صيداً في الحرم لزمهما جميعاً جزاء واحد، وما يضمن أحدُهما يسقط ضمانه عن الآخر، كما لو استهلكا مالاً لآدمي؟ فإذا كان كذلك، وقد ضمن جزاء الصيد، لم يلزمه ضمانه بأكلة أخرى.
وليس كذلك ضمان الصيد الذي يقتله المحرم؛ لأنه يجوز أن يُضمن من وجهين، ألا ترى أن محرمين لو قتلا صيداً لزم كل واحد منهما جزاء كامل، وما يضمنه أحدهما لا يسقط ضمانه عن الآخر؟ فإذا كان كذلك، لم يمتنع في مسألتنا أن يضمنه مرتين؛ مرة بالقتل، ومرة بالأكل.
قيل له: لا نسلم لك هذا، بل نقول في ضمان الصيد في حق المحرم: يضمن من وجه واحد، وأن اثنين لو اشتركا لم يلزمهما إلا جزاء واحد، كصيد الحرم سواء، ويجري الضمان فيهما مجرى ضمان الأموال سواء.
فإن قيل: ضمان البيض يتعلق على المحرم بإتلاف المعنى الذي يتولد منه الصيد في الثاني بدلالة: أن البيضة لو كانت مذرة لم يجب عليه جزاؤها بالكسر، يبطل ذلك المعنى، ويضمن، فإذا أكلها بعد

ذلك، فلم يتلف منها بالأكل ما يتعلق به الضمان.
وكذلك شجر الحرم يتعلق ضمانه بإخراجه عن حد الثمر، ألا ترى أن الشجرة لو كانت يابسة لم يتعلق بقطعها شيء؟ وبالقطع تخرج عن حد الثمر، فإذا انتفع به بعد ذلك، فلم يتلف ما يتعلق به الضمان، وليس كذلك الصيد؛ لأن ضمانه غير مقصور على إتلاف حياته، وإنما يتعلق بإتلاف هذه الأجزاء الموجودة، ألا ترى أنه لو نتف ريشه، أو كسر قرنه، لضمنه، وإن لم يقتله؟ فدل على أن كل جزء منه مضمون؛ سواء كان في إتلافه إتلاف حياة، أو لم يكن.
فإن كان كذلك، وجب إذا أتلف جزءاً منه بالأكل أن يضمن.
قيل له: هذا يبطل بصيد الحرم؛ فإن جزاءه غير مقصور على إتلاف حياته، ومع هذا، فلا ضمان عليه بأكل لحمه.
وكذلك شاة الغير إذا قتلها؛ فإن ضمانها غير مقصور على إتلاف حياتها، ومع هذا، فلا ضمان عليه بأكل اللحم، كذلك هاهنا.
وقياس آخر، وهو: أنه أكل الميتة، فلا يجب عليه الضمان، كما لو أكل من لحم ميتة أخرى.
فإن قيل: إنما يجب عليه ضمان ما أكل من ميتة أخرى؛ لأنها ليست بدلاً عن شيء وجب عليه إخراجه من ماله حتى يصير بأكلها كالعائد فيما ضمنه، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن الصيد المقتول بدل

جارٍ التحميل