التعليقة الكبيرة في مسائل الخلاف علي مذهب أحمدصفحات 224-263

واحتج المخالف بما رُوي عن علي وابن عباس: أنهما قالا: يفترقان من حيث يحرمان.
والجواب: أن عمر قد خالفهما، وقال: يفترقان من حيث أصابها.
واحتج بأن الذي لأجله أُمر بالافتراث هو خوف الإفساد ثانية، وليس آخر الإحرام بأولى في الاحتياط من أوله.
والجواب: أن أول الإحرام لا يوجد فيه ما يدعو إلى فساده، وإنما يوجد في آخره، فلهذا فرقنا بين الابتداء والانتهاء.
......

157 -

مسألة

إذا وطئ قبل الوقوف فسد حجه، وعليه بدنة:

قال في رواية حنبل ويعقوب بن بختان في الرجل يقع على امرأته، وهو محرم: عليه بدنة، والحج من قابل.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: شاة.
دليلنا: إجماع الصحابة.
روي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس: فروى أبو بكر النجاد بإسناده عن مجاهد عن عمر بن الخطاب

قال: يقضيان حجهما، والله أعلم بحجهما، وعليهما الحج من قابل، ويفترقان من حيث وقع عليها، وينحر عنه وعنها جزوراً.
وروى بإسناده عن الحكم بن عُتيبة، عن علي قال: يفترقان، ولا يجتمعان إلا وهما حلالان، وينحر كل واحد منهما جزوراً، وعليهما الحج من قابل، يُحرمان بمثل ما كانا أحرما به في أول مرة، وإذا مرا بالمكان الذي أصابها فيه تفرقا، فلم يجتمعا إلا وهما حلالان.
وروى بإسناده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن رجل أصاب امرأته، وهو محرم فقال: يمضيان لوجههما، ثم يحجان من قابل، ويحرمان من حيث أحرما، ويفترقان، ويهديان جزوراً.
والقياس: أنه وطء صادف إحراماً بالحج تاماً، فأوجب البدنة.
دليله: لو وطئ بعد الوقوف وقبل الرمي.
ولا يلزم عليه وطء دون الفرج؛ لأن ذلك ليس لوطء في الحقيقة.
ولا يلزم عليه إذا وطئ بعد رمي جمرة العقبة وقبل الطواف؛ لأنه لم يصادف إحراماً تاماً.
ولا يلزم عليه إذا وطئ في العمرة: أنه تجب شاة؛ لقولنا: في الحج.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الجماع لا يوجب القضاء،

والجماع قبل الوقوف يوجب القضاء.
قيل: لا فرق بينهما على أصلنا في أن الجمع يوجب القضاء.
وقياس آخر، وهو: أن ما يجب بمواقعة محظورات الإحرام لا يختلف قبل الوجوب وبعده بدلالة الفدية الواحبة بالحلق واللباس وقتل الصيد، ونحو ذلك.
وإن شئت قلت: كل ما إذا فعله بعد الوقوف وجب به كفارة، فإذا فعله قبل الوقوف وجب به تلك الكفارة، كالطيب واللباس.
فإن قيل: فعل تلك الأشياء لا يتعلق الفساد بها، والوطء يتعلق الفساد به، فجاز أن يختلف قبل الوقوف وبعده.
قيل: كونه موجباً للفساد يدل على تأكده، وإيجاب الشاة يدل على تخفيفه، وهذا لا يجوز.
ولأن سلامه في الصلاة من ركعتين يتعلق به الفساد إذا كان على وجه العمد، وتركه دعاء القنوت والتشهد الأول لا يفسد عندهم، ثم هما سواء في الجُبران.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال للذي جامع امرأته قبل الوقوف: "عليكما الهدي، واذهبا، واقضيا ما عليكما".
وظاهره يقتضي أن عليهما أدنى ما يقع عليه اسم الهدي.
والجواب: أنه محمول على البدنة بدليل ما ذكرنا.
واحتج بأنه معنى يوجب قضاء الإحرام، فلا يوجب بدنة قياساً على

الفوات والتحلل بالإحصار.
والجواب: أن الفوات والإحصار يحصل من غير تفريط في العادة؛ لأنه يقع خطأ؛ لأن الإنسان لا يقصد تفويت الحج على نفسه، فخُفف الأمر فيه، فلم تجب به الكفارة العظمى، والوطء أمر محظور، ويقع عن عمد وقصد، فغُلظ الأمر فيه بإيجاب الكفارة العظمى.
وجواب آخر، وهو: أن الفدية بالجماع أغلظ حكماً من الفوات، ألا ترى أن فساد صوم رمضان بالجماه يوجب القضاء وعتق رقبة، وفواته بترك النية إلى بعد الزوال يوجب القضاء فقط، كذلك الحج فساده بالوطء يوجب القضاء وبدنة، فواته يوجب القضاء، ولا يوجب بدنة.
واحتج بأن إيجاب البدنة في هذا الموضوع يوجب تغليظين في فعل واحد، وهو القضاء والبدنة، ولا سبيل إلى ذلك.
والجواب: أن الوطء في رمضان يجب به القضاء والكفارة العظمى، وهما تغليظان.
......

158 -

مسألة

إذا وطئ بعد الوقوف بعرفة، وقبل التحلل، فسد حجه:

نص عليه في رواية الأثرم وأبي الحارث والمروذي:

فقال في رواية الأثرم: والذي يصيب أهله قبل أن يرمي الجمرة فحجه فاسد.
وكذلك نقل أبو الحارث في الذي يطأ، ولم يرم الجمرة: أفسد حجه، وإن وطئ بعد رمي الجمرة، فعليه أن يأتي مسجد عائشة، فيحرم بعمرة، فتكون أربعة أميال مكان أربعة أميال، وعليه دم.
وكذلك نقل المروذي في من وطئ قبل رمي الجمرة: فسد حجه، وعليه الحج من قابل، فإن رمى وحلق وذبح، ووطئ قبل أن يزور البيت، فعليه دم، ويعتمر؛ يخرج إلى التنعيم؛ لأنه من منى إلى مكة أربعة أميال، ومن التنعيم أربعة أميال.
فقد بين أن المسافة من التنعيم مثل المسافة من منى إلى مكة؛ لأنه كان يلزمه الدخول إلى مكة للطواف بالإحرام الأول.
وبهذا قال مالك والشافعي, وقال أبو حنيفة: عليه بدنة، وحجه تام.
دليلنا: أنه وطء صادف إحراماً تاماً، فأفسده.
دليله: إذا وطئ قبل الوقوف.
ولا يلزم عليه إذا وطئ بعد الرمي؛ لأن الوطء لم يصادف إحراماً تاماً.
ولأن الوطء من محظورات الإحرام، فوجب أن يستوي حكمه قبل الوقوف وبعده، كسائر المحظورات.

ولأن الحج عبادة يجوز أن يطرأ عليها الفساد، فجاز ورود الفساد عليها إلى أن يحل منها.
دليله: الصوم والصلاة.
فإن قيل: الحج آكد من الصلاة؛ لأن مواقعة الأفعال المحظورة لا توجب الخروج من الإحرام، وتوجب الخروج من الصلاة والصوم، فإذا كان كذلك، لم يمنع أن يرد الفساد عليها إلى أن يحل منها، ولا يرد على الحج.
قيل له: إذا فسد الصوم بغير عذر، وجب عليه الإمساك بقية نهاره، ولم يدل على أن الفساد لا يرد عليه إلى أن يحل منه.
على أنه إذا دل هذا على تأكيد الحج، دل على تأكيد القضاء؛ لأن في إيجابه تأكيداً للحج.
فإن قيل: لا يؤمن ورود الفساد على الصوم والصلاة إلا بعد استيفاء أفعالهما والخروج منهما، وقد يؤمن ورود الفساد على الحج قبل استيفاء فرضه بدلالة أنه لو وطئ قبل الطواف وبعد الحلق لم يفسد حجه.
قيل له: لأنه بالحلق يتحلل مما مضى من الأفعال، كما أنه بالتسليم يخرج من الصلاة، وبالإفطار يخرج من الصوم.
فإن قيل: لو كان كذلك، لارتفع تحريم الوطء، كما يرتفع بالخروج من الصلاة.

قيل له: إنما لم يرتفع؛ لأنه قد بقى من الإحرام بقية لم يتحلل منها، فلهذا بقى شيء من محظوراته.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "من وقف بعرفة فقد تم حجه".
وورود الفساد عليه بالجماع يمنع تمامه.
والجواب: أنه لا خلاف أنه لم يتم؛ لأنه قد بقى عليه ركن من أركان الحج، وهو الطواف، فعلم أن المراد به: قد قارب التمام، كما قال النبي صلى الله عليه وسلّم: "إذا رفع الرجل رأسه من السجدة فقد تمت صلاته"؛ يعني: قاربت التمام.
واحتج بأنه لو جامع بعد سقوط فرض الوقوف، فوجب أن لا يفسد حجه، كما لو جامع بعد رمي جمرة العقبة والحلق.
ولأنه قد أمن فوات الحج، فوجب أن يأمن فساده.

دليله: ما ذكرنا.
والجواب: أن الأمن من الفوات لا يوجب الأمن من الفساد بدلالة العمرة تأمن فواتها، ولا تأمن فسادها.
فإن قيل: زمان الفوات يطلق على ما يجوز أن يفوت بحال، والعمرة لا تفوت بحال؛ لأنها ليست مؤقتة.
قيل له: إذا كانت العمرة لا فوات فيها بحال، والحج يفوت في حالة، ولا يفوت في أخرى، فالأمن من الفوات في العمرة آكد من الفوات في الحج، وكذلك إذا صلى ركعتين من صلاة الجمعة فقد أمن فواتها، ومع هذا يلحقها الفساد، وكذلك من نوى قبل الزوال الصيام فقد أمن فوات الصوم، ولا يأمن فساده.
ثم المعنى في الأصل: أن الوطء صادف إحراماً تحلل منه، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه صادف إحراماً تاماً.
يبين صحة هذا: أن التلبية مستحبة، وبعد الرمي قد انقطعت.
واحتج بأن ما بعد الوقوف من أفعال الحج لو تركها لم يبطل حجه، ألا ترى أن الحاج إذا مات بعد الوقوف لم يبطل حجه، ولم يجب استيفاؤه وقضاؤه، ففعلها بعد الجماع لا يكون أسوأ حالاً من تركها رأساً.

والجواب: أن الترك أخف من الإفساد بدليل: أنه لو ترك صوم رمضان، فلم ينوه لم تلزمه كفارة، ولو تركه بوطء أو أكل، لزمته كفارة، وكان الفرق بينهما حصول الفساد في أحدهما دون الآخر، كذلك هاهنا.
ولأنه إنما يفسد الحج بترك الأفعال؛ لأن بعضها يسقط بفواته، وهو الرمي، وبعضها لا يسقط، لكن وقته على التراخي، وهو الطواف، فلهذا لم يكن تركه مبطل، فأما لم يكن تركه مبطل، فأما هاهنا فعلته: أن الفساد صادف إحراماً كاملاً.
واحتج بأن الطواف ركن من أركان الحج، وجمرة العقبة من توابعه، ثم اتفقوا أن بقاء الطواف لا يوجب فساد الحج إذا حصل الجماع قبله وبعد الرمي، فبقاء الرمي أحرى.
والجواب: أن بقاء الطواف لم يوجب الفساد؛ لأنه التحلل من العبادة، وقد سبق الفساد بالرمي والحلاق، وليس كذلك الرمي؛ لأنه لم يسبقه تحلل، فلهذا إذا طرأ الفساد أفسد.
واحتج بإن الفساد معنى يجب به القضاء، فلم يصح وجوده بعد الوقوف.
[والجواب: أن وجوده بعد الوقوف] كوجوده قبله، فيتعلق به الفساد في الموضعين جميعاً.
......

159 -

مسألة

إذا وطئ بعد الرمي، وقبل طواف الإفاضة، مضى في بقية الحج في الإحرام الذي أفسده، ويحرم بعد ذلك من التنعيم؛ ليقضي الطواف والسعي بإحرام صحيح:

وقد أطلق أحمد القول في رواية الجماعة في ما تقدم: أنه يحرم بعمرة، ولم يقل: يمضي في بقية إحرامه.
وقوله: يحرم بعمرة؛ معناه: يحرم؛ ليفعل أفعال العمرة؛ الذي هو الطواف والسعي.
وقد نقل عنه ما يدل على أنه مضى في ما بقي؛ لأنه قال في رواية الفضل بن زياد في من واقع قبل الزيارة: يعتمر من التنعيم بعد انقضاء أيام التشريق.
فقد أمره بتأخير الإحرام بعد أيام التشريق، وليس هذا إلا لاشتغاله ببقية أفعال الحج؛ لأن القضاء إنما يكون تمام ما بقى عليه.
وقال -أيضاً- في رواية محمد بن أبي حرب فيمن نسي طواف الزيارة حتى رجع إلى بلده: يدخل معتمراً، فيطوف بعمرة، ثم يطوف طواف الزيارة.
وهو قول مالك خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: يأتي بما

بقي عليه من غير إحرام.
دليلنا: ما روى النجاد بإسناده عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه قال في الذي يصيب أهله قبل أن ينفر: يعتمر، ويهدي.
وقوله: يعتمر؛ معناه: يحرم بإحرام عمرة.
ولأنه ركن من أركان الحج، فكان من شرطه الإتيان به في إحرام صحيح.
دليله: الوقوف.
ولا يلزم عليه الإحرام أنه ركن، ولا تفتقر صحته إلى إحرام يتقدمه؛ لأنه لا سبيل إلى ذلك؛ لأنه لو افتقر إلى إحرام قبله، لافتقر الثاني إلى ثالث إلى ما لا نهاية له.
فإن قيل: الوقوف يؤتي به في إحرام تام، وهذا يأتي به بعد التحلل من إحرامه.
قيل له: الإحرام باقٍ ما لم يطف، وإنما تحلل من بعض المحظورات.
والدلالة على أنه يجب عليه دم بهذا الوطء، فلولا أن الإحرام باقٍ لم يلزمه بدليل: أنه لو وطئ بعد الطواف لم يلزمه.
فإن قيل: إنما لزمه الدم؛ لأن حكم الإحرام باقٍ، كالحيض إذا انقطع يبقى حكمه.

قيل: لو كان كذلك، لوجب إذا وطئ قبل الطواف: أن يلزمه الدم؛ لأن حكم الإحرام باقٍ، وهو الرمي والبيتوتة، ولما لم يلزمه هناك ولزمه هاهنا، علمنا أن هاهنا إحرام باقٍ.
ولأنه قد بقى عليه ركن من أركان الحج، وأركانه تفعل في الإحرام، كالوقوف.
ويفارق هذا الحيض إذا انقطع؛ لأنه قد زال الحيض، ولهذا لو وطئ لم يلزمه الكفارة على القول القديم.
وذهب المخالف إلى هذا السؤال، وقد أجبنا عنه، وذهب إلى أنه طواف، فلم يفتقر إلى إحرام.
دليله: طواف الوداع.
والجواب: أنه يلزم عليه طواف القدوم.
وذهب إلى أنه يفعل بعد التحلل، أشبه الرمي.
والجواب: أنه لم يبق عليه شيء من الإحرام، وهاهنا قد بقي عليه بدليل إيجاب الدم عليه.
وذهب إلى أن هذا يُفضي إلى أن يفعل حجة بإحرامين.
والجواب: أنه غير ممتنع، كما لم يمتنع الخروج منها بتحللين.
وذهب إلى أن الإحرام التام يقف فساده على وطء تام، وهو الوطء في الفرج، فيجب أن يفتقب الفساد بالوطء التام إلى إحرام تام، وإذا رمى الجمرة فليس هناك إحرام تام، فلم يتعلق به الفساد.

والجواب: أنا لا نسلم هذا على الصحيح من الروايتين، بل نقول: إن الحج يفسد بالإنزال عن وطء دون الفرج.
ولو سلمناه فغير ممتنع أن لا يتعلق الفساد إلا بوطءٍ تام، ولا يتعلق بوطء غير تام، كما قالوا في إيجاب البدنة: تجب بوطء تام، ولا تجب بما دون الفرج.
وعلى أن المعنى الذي لأجله لم يفسد إلا بالوطء التام، وهو: قوة الوطء التام، وهذا يقتضي أن يُفسد الإحرام الناقص؛ لأن ما أفسد التام أولى أن يُفسد الناقص.
وعلى أنه غير ممتنع أن يتعلق به الفساد في الإحرام الناقص، كما تعلق في الإحرام التام بدليل البدنة تجب في الإحرام الصحيح، وتجب بالوطء في الإحرام الفاسد.
وعلى أنا نقول بموجب هذا، وأنه يفتقر إلى إحرام تام؛ لأن ما بقي من أفعال بالإحرام له تام، ولم يتحلل عنه، إنما التحلل لما فرغ منه.
فإن قيل: ما ذهبتم إليه يفضي إلى أن تجب عليه زيادة على ما بقي عليه؛ لأنه لو كان قد سعى عقيب طواف القدوم؛ لسقط عنه السعي، وعلى قولكم إذا أحرم يلزمه طواف وسعي، وهذا زيادة على الواجب.
قيل: إنما لزمه ذلك؛ لأنه قد لزمه أن يبتدئ إحراماً تاماً، والإحرام

التام لا يتضمن أقل من طواف وسعي، وهو إحرام العمرة، فلو أسقطنا عنه السعي كان فيه تبغيض للإحرام في بعض أفعاله.
......

160 -

مسألة

يباح له بعد التحلل الأول كل شيء إلا النساء، فلا يجوز له الوطء في الفرج، ولا القبلة، ولا اللمس بشهوة، ولا عقد النكاح، ويباح له ما عدا ذلك من الطيب، وقتل الصيد، وغير ذلك:

وهو ظاهر كلام أصحابنا، فقال الخرقي: حل له كل شيء إلا النساء.
وقال أبو بكر: يتطيب، ويصيد، ولا يقرب النساء حتى يطوف.
وروى أبو طالب عن أحمد: أنه سأله عن الرجل يُقبِّل بعد رمي الجمرة قبل أن يزور البيت، فقال: ليس عليه شيء، قد حل له كل شيء إلا النساء، وقد قضى المناسك، وعطاء يرخص فيه.
وظاهر هذا: أن اللمس لشهوة مباح، وإنما يحرم الوطء في الفرج، وقد حكينا اختلاف المذهب بماذا يحصل التحلل الأول: فرُوي عنه: برمي الجمرة.
ورُوي عنه: بالرمي والحِلاق.

وقال أبو حنيفة: يباح كل شيء إلا النساء؛ في الفرج ودون الفرج والقبلة.
وقال الشافعي: يحل له اللباس وترجيل الشعر والحلق وتقيلم الأظفار قولاً واحداً، فأما عقد النكاح واللمس والوطء في ما دون الفرح والاصطياد، فعلى قولين: أحدهما: يحل.
والثاني: لا يحل.
واختلف أصحابه في الطيب على طريقتين: منهم من قال: على قولين.
ومنهم من قال: يحل قولاً واحداً.
دليلنا: ما روى أحمد في "المسند" بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء".
فقال رجل: والطيب؟ فقال ابن عباس: أما أنا فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يُضمخ رأسه بالمسك، أفطيب ذاك، أم لا؟!.
وروى أبو بكر بإسناده عن عائشة قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلّم قبل إحرامه، وطيبته بمنى قبل أن يزور البيت.

ولأن الاصطياد والطيب ليس من جنس ما يفسد الحج، ولا من توابعه، فلا تقف استباحته على التحلل الثاني، كاللبس.
ولا تلزم عليه القُبلة؛ لأنها من توابع ما يفسد الحج، وهو الوطء.
وكل حالة تحلل المحرم في اللبس، تحلل في الصيد والطيب.
دليله: بعد الطواف.
وأما القبلة واللمس لشهوة، فلا تحل؛ لما تقدم من حديث ابن عباس: "إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء".
وروى -أيضاً- أحمد في "المسند" بإسناده عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلّم "إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء".
ولأنه استمتاه بالنساء، فوجب أن تقف استباحته على التحلل الثاني.
أصله: الجماع في الفرج.
ولنها حالة تمنع الحاج من الوطء في الفرج، فمنعته من القبلة واللمس، كقبل الرمي.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95].
والجواب: أن [هذا من] إطلاق المحرم [على] من حظر عليه جميع المظوات، وهذا لا نسلمه بعد التحلل [الأول].

ولأن من أصلهم أنه بالتحلل الأول يخرج من الإحرام، فكيف يصح هذا الاستدلال؟ واحتج بما روي عن عمر: أنه خطب فقال: إذا ذبحتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء والطيب، ولم ينكر ذلك أحد.
والجواب: أنهم لم ينكروه؛ لأنهم لم يعرفوا خبر ابن عباس وعائشة.
وقد روي عن ابن عمر: أنه ذكر هذا عن عمر، ثم ذكر حديث عائشة، وقال: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم أحق أن يُؤخذ بها من سنة عمر.
واحتج بأن الطيب من توابع الوطء ودواعيه، فهو كالقبلة.
والجواب: أنه لو كان كذلك، لحرم في الاعتكاف، كما تحرم دواعي الجماع.
......

161 -

مسألة

جماع الناسي يفسد الإحرام:

نص عليه في رواية أبي طالب وصالح وحنبل: فقال في رواية أبي طالب: ثلاثة في الحج العمد والنسيان والخطأ سواء: إذا جامع أهله، وإذا قتل الصيد، والشعر إذا حلقه.
وقال في رواية صالح وحنبل: من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوعان

عنه، يلزمه لو وطئ أهله ناسياً، وهو محرم، أن لا يكون عليه شيء، وإذا قتل صيداً ناسياً لا يكون عليه شيء.
وبهذا قال أبو حنيفة ومالك.
وللشافعي قولان" قال في الجديد: لا يفسد، ولا شيء عليه.
وقال في القديم مثل قولنا.
دليلنا: أن الوطء سبب يجب به قضاء الحج، فاستوى فيه العمد والخطأ.
دليله: فوات الحج.
فإن قيل: الفوات ترك ركن مأمور به، فلهذا استوى حكم العامد والناسي، كترك الركوع والسجود والقيام والقعود في أداء الصلاة، وترك النية في الصلاة، وليس كذلك الجماع؛ لأنه فعل منهي عنه في العبادة، فيختلف حكم العامد والساهي، كالأكل في الصوم.
قيل له: هذا باطل بالحلق، وقتل الصيد، والأكل والجماع في الصلاة، والمشي فيها، والحدث؛ فإنه منهي عنه، ويستوي عمده وخطؤه.
وعلة الأصل تبطل بخطأ عرفة.

وقياس آخر، وهو: أنه وطء في موضع مخصوص في إحرام تام، فأفسده.
دليله: وطء العامد.
ولأنها عبادة يفسدها الوطء، فأفسدها سهواً، كالصلاة.
ولأنه معنى يوجب الهدي، فاستوى عمده وسهوه، كترك الإحرام من الميقات.
واحتج المخالف بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: أنه قال: "رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه".
فعم، ولم يخص.
والجواب عنه: ما تقدم في مسألة المحرم إذا تطيب ناسياً.
واحتج بأنها عبادة يفسدها الوطء عمداً، فلم يفسدها سهوه، كالصيام.
والجواب: أنا لا نسلم الأصل؛ لأن الصوم يفسد بوطء الناسي، وقد تقدم الكلام عليه.
مع أن هذا يبطل بالصلاة؛ فإن جماع الناسي فيها يفسدها؛ عمداً وسهواً.
واحتج بأنها عبادة تجب بإفسادها كفارة، فوجب أن يكون في

محظوراتها ما يختلف حكم عمده وسهوه قياساً على الصوم؛ منه ما يختلف حكم عمده وسهوه، وهو الأكل.
والجواب: أنا نقول بموجبه على إحدى الروايتين في الطيب واللباس يختلف حكم عمده وسهوه.
وعلى الرواية الأخرى لا يختلف في باب الحج، ويختلف في باب الصوم، وكأن المعنى فيه: أن الصيام ليس عليه أمارة تدل [على] كونه صائماً، فلهذا جاز أن يُعذر في النسيان، والمحرم عليه أمارة تدل على كونه محرماً، وهو التجرد والتلبية وأعمال النسك، فلم يُعذر.
فإن قيل: هذا يبطل بالطهارة، وليس عليها أمارة، ومع هذا يستوي عمدها وسهوها في الفساد.
قيل له: إنما تعتبر الأمارة في حال التلبس بالعبادة [....]. وعلى أن الصوم اختلف فيه العمد والخطأ في ما يختص محظوراته، كالأكل، فأما الجماع فلا يختص الحج.
وعلى أن هذا لا يصح على أصل المخالف؛ لأن عنده أن جميع محظورات الصيام يختلف حكم عمدها وسهوها، فلا يصح قوله: فجاز أن يكون في محظوراتها ما يختلف، وجميعها تختلف.
واحتج بأن الوطء القصد منه الاستمتاع دون الإتلاف،

فاختلف عمده وسهوه.
دليله: اللباس والطيب.
والجواب: أن في ذلك روايتين: إحديهما -وهي الصحيحة-: أنه يستوي عمده وسهوه.
فعلى هذا: لا فرق بينهما.
والثانية: يفرق بينهما أن الوطء أغلظ بدليل أنه يرتفق به شخصان، والطيب واللباس يرتفق به شخص واحد، والوطء في ملك الغير أشد من الطيب واللباس في ملك الغير، والإباحة لا تجري في جنسه.
ولأن الوطء في الصوم يوجب الكفارة، وغيره من محظورات الصوم لا يوجب الكفارة، فدل على تأكيده.
فإن قاسوا على الاستمتاع في ما دون الفرج، فالمعنى فيه: أن عمده لا يفسده، فخطأه لا يفسد، وليس كذلك هذا؛ لأن عمده يؤثر في الحج، كذلك خطؤه، كقتل الصيد.
وإن قالوا: لو ألزمناه القضاء لم يؤمن مثل ذلك في القضاء.
فالجواب: أنه يبطل بالفوات، ومجاوزة الميقات، وبإيجاب الكفارة في قتل الصيد، وبالوطء في الصلاة ناسياً، وبالحدث في الطهارة ناسياً.
......

162 -

مسألة

إذا وطئ دون الفرج، فأنزل، أو قبل، أو لمس، فأنزل، فسد حجه في إحدى الروايتين:

نص عليها في رواية المروذي وأبي طالب وابن إبراهيم: فقال: في رواية المروذي في المحرم يُقبل امرأته: عليه دم، فإن أنزل أفسد حجه.
وقال في رواية أبي طالب في محرم أتى أهله في ما دون الفرج: فسد حجه؛ لأنه قد قضى حاجته.
وقال -أيضاً- في رواية ابن إبراهيم في محرم وطئ دون الفرج، فأنزل: فسد حجه، فإن لم ينزل فعليه بدنة.
وبهذا قال مالك.
وفيه رواية أخرى: لا يفسد حجه.
رواها الميموني وابن منصور: قال في رواية الميموني: إذا باشر حتى يُمني، فالحسن وعطاء يقولان: حجه فاسد.
وأرجو أن يكون هذا أهون، ويكون جائزاً، وابن عباس جعل عليه بدنة.
وقال في رواية ابن منصور: وذُكر له قول سفيان في المحرم يجامع

في غير الفرج، وينزل: يقولون: عليه بدنة، وقد تم حجه، والمرأة عليها ما على الرجل إذا كانت تشتهي، فأنزلت.
فقال أحمد: جيد.
ونقل عنه في موضع آخر: وذُكر له قول سفيان: إذا قبل فأمنى فبدنة، وإن أمذى فبقرة، وإن لم يُمن ولم يُمذ فشاة.
قال أحمد: أرجو أن تجزئ شاة.
وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي.
وجه الأول: قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197]. فقد نهى عن الرفث، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، فهو عام في جميع الرفث، والوطء دون الفرج والقبلة من الرفث.
ولأن كل عبادة أفسدها الوطء، أفسدها الإنزال عن مباشرة.
دليله: الصوم.
فإن قيل: الصوم أوسع من باب الفساد، ألا ترى أنه يفسد بالإنزال عن النظر، والأكل والشرب، والحج لا يفسده إلا الوطء فقط.
قيل: هذا اختلاف في غير المباشرة، [أما في المباشرة]؛ فإنهما سواء، الدلالة عليه: المباشرة في الفرج.
يبين صحة هذا: أنا قسمنا ضمان صيد الحرم في حق المحل على

المحرم خلافاً لداود، وقلنا: صيد ممنوع من إتلافه لحق الله تعالى، فضُمن بالجزاء، كالصيد الممنوع منه لحرمة الإحرام.
فقال: حرمة الإحرام آكد بدلالة أنها تمنع الطيب واللباس والجماع، وحرمة الحرم لا تمنعه.
فقلنا: هذا اختلاف في غير الصيد، فأما في الصيد فهما متساويان في المنع من تنفيره، ومثله كذلك.
فإن قيل: إذا أفسدنا الصوم، فلم تسقط مزية الجماع؛ فإن الجماع ساوى غيره مع الكفارة العظمى.
قيل له: لا تسقط مزية الجماع؛ لأن الجماع في الفرج يوجب الفساد والكفارة العظمى من غير إنزال، وفي مسألتنا لا يحصل ذلك إلا بإنزال.
ولأن المقصود من الجماع الإنزال، وهو أبلغ من الإيلاج من غير إنزال، وقد وُجِدَ ذلك بالمباشرة دون الفرج، فيجب أن يفسد حجه.
فإن قيل: هذا باطل به إذا كرَّر النظر، فأنزل قد وجد المقصود، ومع هذا فلا يفسد حجه.
قيل له: لا يمتنع أن يوجد المقصود مع المباشرة، فتفسد العبادة، ويوجد مع النظر، فلا تفسد، كما قلتم في الصوم: لو نظر فأنزل، لم يفسد صومه، ولو قبِّل فأنزل، فسد، وكما قلنا نحن: إذا فكَّر فأنزل، لم يفسد صومه، ولو قبِّل فأنزل، فسد، كذلك هاهنا.
ولأنها مباشرة أثرت في إيجاب الدم في إحرام لم يتحلل منه،

فأثرت في إفساد الحج.
دليله: الوطء في الفرج.
ولا تلزم عليه المباشرة بعد رمي الجمرة وقبل الطواف؛ لأنها حصلت في إحرام قد تحلل منه.
فإن قيل: الوطء متبوع، فلهذا أفسد، وما دون الفرج تابع، فلا تبطل.
قيل: لا يمتنع أن يكون تابعاً ويفسد، كما أفسد الصوم، وإن كان تابعاً.
واحتج المخالف بأن هذا استمتاع لا يجب به الحد بحال، فلم يفسد، كالمباشرة إذا تجردت عن الإنزال.
والجواب: أنه لا يمتنع أن لا يُوجب الحد ويُفسد، كما أفسدت الصوم، وإن لم توجب الحد.
وكذلك وطء زوجته أو أمته لا يوجب الحد، ويفسد، وكذلك الفوات يفسد الحج، وإن لم يوجب الحد.
واحتج بأن كل عبادة حرمت بالوطء وغيره، كان للوطء مزية على غيره، فلو أفسدنا الحج بغير الوطء، لم يكن له مزية؛ لأن الكفارة التي تجب به، وهي البدنة، تجب بقتل النعامة.

والجواب: أنا نقول بموجبه، وأن للوطء مزية؛ لأن الوطء في الفرج يوجب القضاء والبدنة؛ أنزل أو لم ينزل، وفي ما دون الفرج إذا لم ينضم إليه إنزال لا يفسد حجه، ولا تجب البدنة، وإنما تجب شاة.
فصل: إذا قلنا: لا يفسد على الرواية الثانية، ففيه بدنة.
وقال الشافعي: فيه شاة.
دليلنا: أنها مباشرة تؤثر في فساد الصوم، فأوجبت الكفارة العظمى.
دليله: الوطء في الفرج.
واحتج المخالف بأنه استمتاع لا يوجب فساد الحج، فلا يوجب البدنة، كالطيب واللباس.
والجواب: أنه يلزم عليه قتل النعامة، يوجب البدنة، ولا يفسده؛ لأن إلحاقه بالوطء أشبه من إلحاقه بالطيب بدليل أن الاعتكاف والصوم لا يمنع الطيب واللباس، ويمنع القبلة لشهوة.
......

163 -

مسألة

فإن قبَّل، أو لمس، أو وطئ دون الفرج، فلم يُنزل وجبت عليه الفدية:

وفي مقدارها روايتان:

إحداهما: شاة.
نص عليه في رواية بكر بن محمد، عن أبيه، عنه في الرجل يقبض على فرج امرأته: فليهريق دماً، شاة تجزئه.
وكذلك نقل صالح في الذي يقبِّل لشهوة: أكثر الناس يقول: فيه دم.
وهو اختيار الخرقي.
وفيها رواية أخرى: يلزمه بدنة.
نص عليها في رواية إسحاق بن إبراهيم في محرم وطئ دون الفرج، فأنزل: فسد حجه، فإن لم ينزل فعليه بدنة.
وقال الشافعي: عليه شاة.
والدلالة على وجوب البدنة: أنه استمتاع بمباشرة، فأوجبت البدنة.
دليله: الوطء.
وإن شئت قلت: استمتاع بالنساء أشبه إذا استمتع بالفرج.
واحتج المخالف بأن هذا استمتاع لم يُضامه إنزال، فلم يوجب الدم.
دليله: إذا كان من فوق حائل، أو كان لزحمة.
والجواب: أن ذلك ليس باستمتاع، ولهذا لا يوجب الدم أصلاً، وليس كذلك هذا؛ لأنه استمتاع بالنساء يوجب الدم، فأوجب البدنة.
واحتج بأن القبلة من دواعي الجماع، فهي كالطيب.

والجواب: أن كفارة القبلة آكد؛ لأنه لا تخيير فيه، وفدية الطيب فيها تخيير.
ولأن القبلة أغلظ حكماً، وأبلغ من الاستمتاع، وأدعى إلى الحدث، ولهذا تنقض الطهر، ويُمنع منها الصائم بخلاف الطيب.
......

164 -

مسألة

فإذا كرر النظر، فأنزل، وجبت عليه بدنة، وإن أمذى فعليه شاة في أصح الروايات:

نقلها حنبل، فقال: إذا أمنى من نظر، وكان لشهوة، فعليه بدنة، وإن أمذى فعليه شاة.
وهو اختيار الخرقي.
وفيه رواية أخرى: تجب شاة في المني.
قال في رواية ابن إبراهيم: إذا كرَّر النظر، فأنزل، عليه دم.
وفي رواية ثالثة: عليه شاة بمجرد النظر؛ أنزل أو لم ينزل.
قال في رواية الأثرم في محرم جرد امرأته، ولم يكن منه غير التجريد: عليه شاة.
وقال الشافعي: لا شيء عليه؛ أنزل، أو لم ينزل.
دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن مجاهد، عن ابن عباس

في محرم نظر إلى امرأته حتى أمنى قال: عليه شاة.
ورواه بلفظ آخر قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: فعل الله بهذه، وفعل! إنها تطيبت، وأتتني، وكلمتني، وحدثتني حتى سبقتني الشهوة، فقال ابن عباس: انحر بدنة، وتم حجك.
ولا يُعرف له مخالف.
ولأن النظر من دواعي الجماع، فجاز أن يؤثر في إيجاب الدم، كالقُبلة والطيب.
ولأنه إنزال بسبب محظور أشبه لو أنزل عن قُبلة.
واحتج المخالف بأنه إنزال عن غير مباشرة أشبه إذا أنزل عن احتلام.
والجواب: أن ذلك إنزال بسبب مباح، وهذا بسبب محظور، فهو كالإنزال عن قبلة.
......

165 -

مسألة

إذا كرر النظر، فأنزل، لم يفسد حجه، وعليه بدنة:

نص عليه في رواية حنبل، وذكره الخرقي في "مختصره".
وقال في رواية ابن إبراهيم: إذا كرر النظر، فأنزل، عليه دم.
وقال في رواية الأثرم في محرم جرد امرأته، ولم يكن منه غير التجريد: عليه شاة.

وظاهر هذا: أنه أوجب الشاة بمجرد النظر، وإن لم ينضم إليه إنزال، ويمكن أن يُحمل هذا على أنه لمسها في حال التجريد، فأوجب ذلك لأجل الملامسة.
وقال الشافعي: لا فدية عليه.
دليلنا: أنه إنزال بسبب محظور في الحج، فأوجب الفدية.
دليله: لو قبل فأنزل.
ولأنه أحد نوعي الاستمتاع، فجاز أن يؤثر في الفدية.
دليله: المباشرة.
واحتج المخالف بأنه إنزال من غير مباشرة، فلم يوجب بدنة، كالاحتلام والفكر.
والجواب: أن ذلك الإنزال لا يأثم به، وهذا يأثم بسببه، فهو كالقُبلة.
......

166 -

مسألة

إذا وطئ امرأةً في دبرها، أو عمل عمل قوم لوط، أو وطئ بهيمة، فسد حجه، وعليه البدنة:

وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يفسد حجه بالإيلاج.

دليلنا: أنه وطء في الفرج، فأفسد.
دليله: الوطء في القبل.
ولأنه يجب الغسل بالإيلاج فيه، فأفسد الحج، كالقبل.
ولأن هذا الوطء أغلظ من وطء في قُبُل المرأة، فإذا جاز أن يفسد الحج بالوطء في قُبُلها، فالوطء في الدبر أولى.
ونبني المسألة على أصل، وهو: أن الحد يجب بالإيلاج فيه، وندل عليه بما نذكره في كتاب الحدود إن شاء الله.
وإذا ثبت هذا الأصل قلنا: فرج يجب الحد بالإيلاج فيه، ففسد الحج بالإيلاج فيه.
دليله: القبل.
واحتج المخالف بأنه وطء في موضع لا يتعلق به وجوب المهر بحال، فوجب أن لا يتعلق به فساد الحج.
دليله: الوطء في ما دون الفرج.
والجواب: أن هذا غير مسلم في دبر المرأة؛ لأن لا يوجب المهر، وحُكمه حكم القبل إلا في خمسة أحكام: الإحصان، والإحلال، والفيئة في الإيلاء، والعنة، ويعتبر إذن البكر.

وأما في دبر البهيمة واللواط؛ فإنه لا يوجب المهر بحال، وليس إذا لم يتعلق به الضمان لم يتعلق به الفساد، ألا ترى أن وطء جارية مملوكة لا يجب ضمانه، ويتعلق به فساد العبادات؟ وعلى أن هذا الوطء، وإن لم يكن مضموناً، فهو أغلظ مما يستباح بالعوض، ويُحكم على متلف بضمانه، ألا ترى أنه إذا قال: والله لا آكل لحماً، فأكل لحم ميتة أو خنزير، حنث بيمينه، كما يحنث إذا أكل لحم المذكى، وإن كان لا يستباح إلا عند الضرورة.
واحتج بأن وطء لا يتعلق به الإحصان، فلا يتعلق به الفساد.
أصله: ما ذكرنا.
والجواب: أن الفساد آكد وأعم من الإحصان، ألا ترى أنه إذا وطئ جاريته، أو زنا، أو وطئ امرأة نكاحاً فاسداً، أو شبهة؛ فإنه يتعلق به الإفساد، ولا يتعلق به الإحصان.
ثم المعنى في الأصل: أنه لا يوجب الغسل، وهذا فرج يجب الغسل بالإيلاج فيه، فهو كالقُبُل.
......

167 -

مسألة

إذا وطئ في العمرة أفسدها، وعليه القضاء وشاة:

نص عليه في رواية أبي طالب، فقال: تجزئة شاة.

وهو قول أبي حنيفة.
وقال الشافعي: عليه بدنة.
دليلنا: أنها عبادة يجب بإفسادها الكفارة العظمى، فلم تجب تلك الكفارة بإفساد جميع نوعها، كالصوم لا تجب الكفارة بإفساد القضاء والنذر وغيره.
ولأن حرمة العمرة أنقص من حرمة الحج بدلالة نقصان أركانها، ونقصان حرمة الإحرام يمنع من كمال الكفارة.
وأصله: الوطء بعد التحلل.
فإن قيل: ليس هناك إحرام.
قيل له: قد دللنا عليه في ما تقدم.
ولأنه وطء صادف العمرة، فلم تجب لأجلها بدنة، كالناسي.
فإن قيل: ذلك الوطء لا يفسد العمرة، فلهذا لم يوجب بدنة.
قيل له: يفسدها عندنا.
ولأنه إحرام تضمن طوافاً وسعياً، فإذا أفسده، وجب به شاة.
دليله: إذا وطئ بعد التحلل الأول.
فإن قيل: ذلك لم يصادف إحراماً؛ لأن التحلل قد سبق.
قيل: التحلل حصل من بعض المحظورات، فأما من الوطء فلا، بدليل بقاء تحريمه، وبدليل بقاء ركنين من أركان الحج، وهو الطواف والسعي، ولا نجد عبادة نتحلل منها، وقد بقي من أركانها.

واحتج المخالف بأن العمرة عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فوجب أن تكون الكفارة العظمى، كالحج والصوم.
والجواب عن الحج: أن حرمة العمرة تنقص بدلالة نقصان أركانها، وأنها تجتمع معه في إحرامه، وتدخل أفعالها في أفعاله، وإذا نقصت عن الحج في هذه الأحكام، نقصت في باب الكفارة.
وأما الصوم فهو دليلنا؛ لأن الكفارة العظمى لما وجبت بإفساده، اختص من بين نوعه بها، ولما وجبت الكفارة العظمى بالوطء في الحج، وجب أن تختص من بين نوع الإحرام به، ونقلبه فنقول: فلا تجب الكفارة العظمى بإفساد ما هو أنقص منه، كالصوم.
......

168 -

مسألة

إذا وطئ القارن، فأفسد حجه وعمرته، لم يسقط عنه دم في القران بالإفساد، وكذلك المتمتع:

نص عليه في التمتع الفاسد: أنه لا يسقط عنه الدم، فقال في رواية ابن منصور: وذُكر له قول سفيان في رجل أهل بعمرة في أشهر الحج، ثم جامع أهله قبل أن يطوف بالبيت، ثم أقام إلى الحج: يحج، وعليه دم لعمرته، وليس عليه دم للمتعة؛ لأنه أفسدها، فقال أحمد: عليه دم المتعة، ودم لما أفسد من العمرة.
فقد نص على أن دم التمتع لا يسقط بالفساد، وفي القران آكد.

وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يسقط دم القران والتمتع.
وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية المروذي: وقد سئل عن متمتع دخل مكة، فوطئ قبل أن يطوف بالبيت، فقال: لا تقل متمتع، لكن قل: معتمر، يرجع إلى الميقات الذي أهل منه، فيحرم بعمرة، وعليه دم، وإن كان الوقت ضيقاً أهل بالحج، وإذا فرغ منه أهل بالعمرة من الموضع الذي أهل بها.
فلم يوجب عليه دم التمتع.
دليلنا: أن كل ما وجب الإتيان به في القران الصحيح، وجب الإتيان به في القران الفاسد، كالطواف.
وإن شئت قلت: كل ما وجب الإتيان به في التمتع الصحيح، وجب الإتيان به في الفاسد، كالطواف.
واحتج المخالف بأنه لم يجمع بين الإحرامين على وجه القُربة، فلم يلزمه دم، كالمكي إذا جامع.
والجواب: أن المكي لم يسقط الدم عنه عندنا؛ لأنه لم يجمع بين الإحرامين على وجه القُربة، ألا ترى أنه لو تمتع، ولم يطأ، فلا دم عليه؟ وإنما يسقط الدم عنه؛ لما ذكرنا في ما تقدم من نص الآية، ولأنه لم يترفه بإسقاط أحد السفرين.

فصل: فإذا قلنا: إن تمتعه قد فسدت، وسقط عنه الدم على ظاهر رواية المروذي، فأهل بعمرة أخرى ينوي قضاءها، فهل يكون متمتعاً؟ فإن أنشأ سفراً تقصر في مثله الصلاة، ثم عاد، وأهل بها، ومضى فيها، وحج من عامه ذلك، كان متمتعاً.
وإن لم ينشئ سفراً، لم يكن متمتعاً؛ سواء جاوز الميقات، أو لم يجاوزه.
وهذا ظاهر ما نقله إسحاق بن إبراهيم: وقد سأله من يكون متمتعاً؟ قال: إذا أنشأ سفراً تقصر فيه الصلاة، فهو متمتع.
ونقل إسحاق عنه رواية أخرى تقتضي أنه إذا بلغ الميقات، واعتمر، وحج من عامه ذلك، كان متمتعاً؛ سواء أكان قدره سفراً تُقصر فيه الصلاة، أم لا، فقال إسحاق: سألته عن رجل تمتع من مكة، قال: لا تكون متعة حتى يخرج إلى ميقاته.
وقال أبو حنيفة: إن رجع إلى أهله، ثم عاد، فأهل بها، وحج من عامه، فهو متمتع، وإن لم يرجع إلى أهله، لم يكن متمتعاً.
وقال أبو يوسف ومحمد: إن جاوز وقتاً من المواقيت، ثم اعتمر، وحج من عامه، كان متمتعاً؛ رجع إلى أهله، أم لم يرجع.
دليلنا على أنه لا اعتبار بالميقات: أنه لما فسد العمرة حصل السفر

لغير المتمتع، ألا ترى أنه لو اعتمر بعد ذلك من التنعيم، وحج من عامه ذلك، لم يكن متمتعاً؟ فإذا ثبت ذلك قلنا: لما تعلق بذلك السفر حكم، وهو بطلان التمتع، لم يبطل ذلك الحكم بمجاوزته الميقات، كما قلنا في من دخل مكة بعمرة من بلده في أشهر الحج، ولم يفسدها: لما تعلق بذلك بذلك السفر حكم، وهو صحة التمتع؛ لأنه لو مضى في عمرته، وحج من عامه ذلك، كان متمتعاً، لم تبطل ذلك الحكم مجاوزة الميقات، كذلك هاهنا.
فإن قيل: ترك السفر في مسألتنا تعلق به صحة التمتع، وفي المسألة التي رددتم إليها يتعلق به بطلان التمتع، فكيف يجوز قياس أحدهما على الآخر؟ قيل له: إذا اشترك الفرع والأصل في الحكم، جاز قياس أحدهما على الآخر، وقد بينا اشتراكهما في ذلك، وهو أن سفره يتعلق به حكم، فلم يبطل ذلك الحكم بمجاوزة الميقات قياساً على ما ذكرنا.
واحتج المخالف بأنه حصل في موضع لأهله التمتع أشبه إذا سافر ما تُقصر فيه الصلاة.
والجواب: أنا لا نسلم هذا؛ لأنه متى لم يكن بينه وبين مكة مسافة تُقصر فيها الصلاة، فأحرم بعمرة، لم يكن متمتعاً يجب عليه دم التمتع.
على أن هذا يوجب أن يكون من دخل من بلده إلى مكة في أشهر

الحج، وفرغ منها، ثم جاوز بعض المواقيت: أن يبطل تمتعه، كما لو رجع إلى بلده، وفي اتفاقهم على أنه لا يبطل تمتعه دليل على أن مجاوزته إلى الميقات، لا تجري مجرى رجوعه إلى بلده.
واحتج إذا جاوز الميقات كان حكمه حكم سائر الآفاق بدليل أنه لا يجوز له دخول مكة إلا بإحرام، كما لا يجوز لسائر أهل الآفاق، واتفقوا أنه يصح منهم التمتع، كذلك هاهنا.
والجواب: أن أهل الآفاق إذا تعلق بسفرهم بحكم، وهو بطلان التمتع، أو صحته، فإن ذلك الحكم لا يبطل إلا بحصول الرجوع إلى بلده.
وأما اعتبار أبي حنيفة بالرجوع إلى أهله، فقد تقدم الكلام معه في المتمتع إذا فرغ من عمرته، ثم سافر ما تُقصر فيه الصلاة، وهل يسقط عنه دم التمتع، أم لا؟ فعندنا: لا يسقط، وعندهم: يسقط بإلمامه بأهله، ومضى الكلام فيه.
فصل: ويلزم القارن دم واحد لأجل الفساد.
نص عليه في رواية ابن منصور، وقد سأله عن القارن إذا أفسد حجه بإصابة أهله: ما عليه من الهدي؟ قال: عليه هدي واحد.

ونقل عنه في موضع آخر في قارن طاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة، ثم جامع قبل أن يأتي منى: فإن كان نوى بطوافه أن يحل من حجه وعمرته، فقد حل إذا هو قصر أو حلق، وله أن يحل منهما إذا لم يسق، ولا بد أن يُهل بالحج من عامه، وليس عليه شيء إذا وطئ بعد الحلق.
وهذا بناء على أصلنا أن له فسخ الحج إلى العمرة؛ سواء كان قارناً، أو مفرداً.
وقال أبو حنيفة: إذا وطئ قبل طواف العمرة أفسدها، وعليه شاتان؛ إحديهما لإفساد العمرة، والثانية لإفساد الحج.
وإن وطئ بعد طواف العمرة لم تفسد عمرته، وفسد حجه، وعليه دم واحد.
وقد يتخرج مثل هذا على ما ذهبنا على الرواية التي [توجب أن] يأتي القارن بطوافين وسعيين.
والدلالة على أنه يلزم دم واحد للفساد: أنه مستنك يجتزئ بحلاق واحد، فلم يلزمه بالوطء إلا كفارة واحدة، كالمفرد.
واحتج المخالف بأنهما عبادتان، لو أفرد كل واحدة منهما بالوطء، لزمه كفارتان، فإذا جمعهما، ووطئ فيهما، لزمه كفارتان، كالصائم إذا كان محرماً بعمرة.
والجواب: أن كفارة صوم رمضان وكفارة العمرة كفارتان مختلفتان،

فلم تتداخلا، وليس كذلك كفارة الحج وكفارة العمرة؛ لأنهما من جنس واحد، فإذا اجتمعا جاز أن يتداخلا، كما يقول في حرمة الحرم وحرمة الإحرام.
واحتج بأن وطأه صادف ما يسقط به الحج والعمرة، فوجب أن يلزمه دمان، كالمتمتع إذا وطئ في العمرة، ثم في الحج.
والجواب: أن هناك إحرامان منفردان، وهاهنا الإحرامان مجتمعان، فتداخلت كفارتهما، كما إذا اجتمعت حرمة الحرم والإحرام، والكلام في هذه المسألة مستوفى في قتل الصيد.
......

169 -

مسألة لا يجوز تفريق الهدي -عن المتعة، والقران، وما كان معناه من الهدي الواجب بترك الإحرام من الميقات- على غير فقراء الحرم، وكذلك الإطعام في جزاء الصيد، ويجوز ذلك في فدية الأذى، وما كان في معناه من اللباس، والطيب، ودم الإحصار إذا وُجد سبب ذلك في الحل:

وقد نص على ذلك في رواية الأثرم في محرم أصاب صيداً في غير مكة: فجزاء الصيد بمكة، وعليٌّ إنما ذبح عن حسين على بعض

جارٍ التحميل